← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وضعه فوق عاتقيه، أو خالف بين طرفيه وربطهما بعنقه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود. و (المرط) : كساء طويل واسع. وعن المغيرة بن شعبة ... وضعه فوق عاتقيه) - تثنية عاتق- وهو: ما بين المنكب والعنق، يذكّر ويؤنّث، (أو خالف بين طرفيه وربطهما بعنقه) . انتهى. (و) أخرج مسلم، وأبو داود، والتّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» (عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها قالت: «خرج رسول الله ﷺ ، أي: من بيته (ذات غداة) ؛ العرب تستعمل ذات يوم وذات ليلة ويريدون حقيقة المضاف إليه نفسه، وما هنا كذلك، فلفظ «ذات» مقحم للتأكيد، والمعنى: خرج بكرة (وعليه مرط) كمسك (من شعر) - بفتح العين المهملة وتسكن- (أسود) - بالرفع على أنه صفة «مرط» ، أو بالجر بالفتحة على أنه صفة شعر، والجملة حال من فاعل «خرج» ، وفي «الصحيحين» : كان له كساء يلبسه، ويقول: «إنّما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد» . وكان يلبس الكساء الخشن، ويقسم أقبية الخزّ المخوّصة بالذّهب في أصحابه، ولم تطلب نفسه التغالي في اللّباس والمباهاة فيه، لأنّ المحمود للرجال نقاوة الثّوب والتوسّط في جنسه، وعدم إسقاطه لمروءة لابسه كما مرّ. (والمرط) - بكسر فسكون- هو: (كساء طويل واسع) ؛ من خزّ أو صوف أو شعر أو كتّان، يؤتزر به. (و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» مختصرا باللّفظ الّذي أورده المصنّف، وهو في «الصّحيحين» وغيرهما مطول؛ (عن المغيرة بن شعبة) الثقفي الكوفي.

стр. 457

رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ لبس جبّة روميّة ضيّقة الكمّين. صحابيّ مشهور، وكان من خدم المصطفى ﷺ ، وأسلم عام الخندق، وأخرج له الستّة، وروي له عن رسول الله ﷺ مائة وستّة وثلاثون حديثا، اتفق البخاريّ ومسلم منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بحديثين. قيل: إنه أحصن ألف امرأة في الإسلام، وولاه عمر بن الخطاب البصرة مدّة، ثم نقله عنها فولّاه الكوفة، فلم يزل عليها حتى قتل عمر، فأقرّه عليها عثمان ثم عزله، وشهد اليمامة وفتح الشّام، وذهبت عينه يوم اليرموك، وشهد القادسيّة، وشهد فتح نهاوند، واعتزل الفتنة، وشهد الحكمين، ثم استعمله معاوية على الكوفة، فلم يزل عليها حتى توفّي بها سنة خمسين، قالوا: هو أوّل من وضع ديوان البصرة، وهو أحد دهاة العرب (رضي الله تعالى عنه) . وهم أربعة كما قيل: من العرب العرباء قد عدّ أربع ... دهاة فما يؤتى لهم بشبيه معاوية عمرو بن عاص مغيرة ... زياد هو المعروف بابن أبيه (أنّ النّبيّ ﷺ لبس) ؛ أي: في السّفر، قالوا: وكان ذلك في غزوة تبوك. (جبّة) - بضمّ الجيم وتشديد الموحدة- (روميّة) ؛ نسبة للروم. قال الحافظ ابن حجر: وفي أكثر روايات «الصحيحين» وغيرهما جبّة شاميّة؛ نسبة للشّام!! ولا تناقض؛ لأن الشّام كانت يومئذ مساكن الرّوم، وإنّما نسبت إلى الرّوم أو إلى الشّام لكونها من عمل الرّوم الّذين كانوا في الشّام يومئذ، وهذا يدلّ على أنّ الأصل في الثّياب الطّهارة؛ وإن كانت من نسيج الكفّار، لأنّه ﷺ لم يمتنع من لبسها مع علمه بمن جلبت من عندهم؛ استصحابا للأصل. (ضيّقة الكمّين) بيان لقوله «روميّة» ؛ أي: بحيث إذا أراد إخراج ذراعيه لغسلهما تعسّر، فيعدل إلى إخراجهما من ذيلها، ويؤخذ منه- كما قاله العلماء-: أنّ ضيق الكمّين مستحب في السّفر؛ لا في الحضر، وإلّا! فكانت أكمام الصّحب بطاحا؛ أي: واسعة.

стр. 458

و (الجبّة) : ثوبان بينهما حشو، وقد تقال لما لا حشو له إذا كانت ظهارته من صوف. وكان كمّه ﷺ إلى الرّسغ، ولبس القباء والفرجيّة، ولبس جبّة ضيّقة الكمّين في سفره. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما: ... (والجبّة) من الملابس معروفة، والجمع جبب، ك: «غرفة وغرف» ؛ قاله في «المصباح» . وقيل: هي (ثوبان بينهما حشو، وقد تقال لما لا حشو له إذا كانت ظهارته) - بالكسر-: ما يظهر للعين، وهو خلاف البطانة (من صوف. و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان كمّه ﷺ إلى الرّسغ) - بضمّ الرّاء وسكون السّين المهملة، آخره غين معجمة- بوزن قفل، وهو: مفصل ما بين الكفّ والسّاعد من الإنسان، وقد تقدّم الكلام على ذلك. (ولبس) ﷺ (القباء) - بفتح القاف والموحدة، ممدودا-: هو الثّوب المشقوق من أمام كالجبّة المعهودة، (و) لبس (الفرجيّة، ولبس جبّة) شاميّة (ضيّقة الكمّين في سفره) ؛ كما في «الصّحيحين» وغيرهما، وقد تقدّم آنفا. (و) أخرج مسلم في «صحيحه» ؛ (عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق (رضي الله تعالى عنهما) امرأة الزّبير بن العوّام. أسلمت قديما بعد سبعة عشر إنسانا، وهي أسنّ من عائشة، وهي أختها لأبيها، وكان عبد الرّحمن بن أبي بكر أخو أسماء شقيقها. سمّاها رسول الله ﷺ «ذات النّطاقين» ، لأنّها صنعت للنّبي ﷺ ولأبيها سفرة لمّا هاجرا؛ فلم تجد ما تشدّها به؛ فشقّت نطاقها وشدّت به السّفرة، فسمّاها النّبيّ ﷺ ذات النطاقين. هاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزّبير، فولدته بعد الهجرة، فكان أوّل مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة من المهاجرين، وبلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سنّ، ولم ينكر من عقلها شيء.

стр. 459

أنّها أخرجت جبّة طيالسة كسروانيّة، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان بالدّيباج، ... روي لأسماء عن رسول الله ﷺ ستة وخمسون حديثا. وتوفّيت بمكّة في جمادى الأولى سنة: - ٧٣- ثلاث وسبعين، بعد قتل ابنها عبد الله بيسير رضي الله تعالى عنها. وذلك فيما رواه عنها عبد الله مولاها قال: (إنّها أخرجت) إلينا (جبّة) بإضافة جبة إلى (طيالسة) - لا بالتنوين-، وهي نوع من الثّياب لها علم. والطيالسة: جمع طيلسان- بفتح اللام على المشهور-. (كسروانيّة) - بكسر الكاف وفتحها والسّين ساكنة والرّاء مفتوحة- نسبة إلى كسرى ملك الفرس- بكسر الكاف وفتحها-؛ فهما في كسروانية على اللغتين في المنسوب إليه، (لها لبنة) بكسر اللام وإسكان الباء الموحدة- أي: رقعة (ديباج) في جيب القميص «١» ، والدّيباج- بفتح الدال وكسرها-: جمعه ديابيج، وهو عجمي معرّب، وهو نوع من ثياب الإبريسم، (وفرجاها مكفوفان) - وفي رواية: وفرجيها مكفوفين؛ بالنّصب: مفعول لفعل محذوف، أي: ورأيت فرجيها مكفوفين. وفي رواية: وفروجها مكفوفة- (بالدّيباج) ؛ أي: عمل على جيبها وكمّيها وذيلها وفرجيها كفاف من حرير، وكفّة كل شيء- بالضمّ-: طرفه وحاشيته. قاله الزرقاني على «المواهب» . وقال الأبّي؛ نقلا عن القاضي عياض: الفرج في الثوب: الشقّ في أسفله من خلف وأمام، وإنّما يكون في الأقبية من ملابس العجم. ومعنى مكفوفين: جعل منهما كفّة- بالضمّ-: وهو ما يكفّ به جوانبها، وكل شيء مستطيل كفّة بالضمّ-. قال الخطابي: والمكفّف بالحرير: ما اتّخذ جيبه منه؛ وكان لذيله وأكمامه كفاف منه. قال السّيّد العلّامة محمّد بن أحمد عبد الباري الأهدل في «نشر

стр. 460

قالت: هذه جبّة رسول الله ﷺ ، كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها، فلمّا قبضت.. قبضتها، وكان النّبيّ ﷺ يلبسها، ... الأعلام» . يحلّ تطريف، - أي: تسجيف- للكمّين والطّوق، والجيب، والذّيل؛ بالحرير قدر العادة الغالبة لأمثاله في تلك النّاحية؛ وإن جاوز أربع أصابع، فإن جاوز العادة! حرم. ويحلّ تطريز وترقيع قدر أربع أصابع مضمومة معتدلة، ولو تعدّد؛ فالأصح الجواز بشرط أن لا يزيد المجموع على ثمان أصابع؛ وإن زاد على طرازين، فلو كان في طرفي العمامة علم كل واحد منهما أربع أصابع؛ جاز، وإلّا! فلا. والتطريز: جعل الطراز الذي هو حرير خالص مركبا على الثّوب. أما التّطريز بالإبرة! فكالنسج، فيعتبر الأكثر و؟؟ زنا منه ومما طرز فيه، وكذا يعتبر الوزن أيضا في الأردية الثّمينة المنسوج فيها حاشية من حرير؛ وإن زادت على أربع أصابع، أخذا مما ذكروه في تعريف الطراز. والظّاهر أنّ الحظاية المعروفة التي تركّب في طرف العمامة يجري فيها تفصيل الطراز، فإن كان عرضها أربع أصابع فأقلّ؛ حلّت، وإلّا! فلا. هذا إذا كانت الحظاية حريرا خالصا، أما إذا نسج معها كتّان أو قطن؛ فيعتبر فيها مع الثّوب الوزن. انتهى كلام السيد في «نشر الأعلام» . (قالت) أي؛ أسماء: (هذه جبّة رسول الله ﷺ كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها، فلمّا قبضت) عائشة، أي؛ ماتت رضي الله تعالى عنها (قبضتها) بضمّ المثنّاة الفوقيّة- أي: أخذت الجبّة المذكورة. (وكان النّبيّ ﷺ يلبسها) - بفتح الموحدة- مضارع لبس- بكسر الموحّدة- من اللّباس، فإن كان من اللّبس- بفتح اللّام- بمعنى الخلط؛ فيقال فيه: لبس- بفتح الباء- في الماضي، يلبس- بكسر الموحدة- في المضارع، قال تعالى (وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) (٩) [الأنعام] . وقد نظم حاصل هذا بعضهم فقال: لعين مضارع في لبس ثوب ... أتى فتح وفي الماضي بكسر

стр. 461

فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها. ومعنى (اللّبنة) : رقعة في جيب القميص. وكان رسول الله ﷺ يلبس ما وجد؛ فمرّة شملة، ومرّة برد حبرة يمانيّة، ومرّة جبّة صوف، ما وجد من المباح لبس. وفي خلط الأمور أتى بعكس ... لعينهما فخذه بغير عسر (فنحن نغسلها للمرضى) - وفي رواية: للمريض منّا إذا اشتكى- (نستشفي) نطلب الشفاء- (بها) لمخالطتها لعرقه وملابستها لبدنه، (ومعنى اللّبنة) - بكسر اللّام وإسكان الموحدة- (رقعة) ؛ أي: قطعة من حرير (في جيب القميص) ولو جديدا، وليس المراد أنّها جعلت فيه لإصلاح خلله. وفيه من الفقه: جواز لبس ما له فرجان، وأنّه لا كراهة فيه، وأنّ المراد بالنّهي عن الحرير المتمحّض منه، وأنّه ليس المراد تحريم كلّ جزء منه، بخلاف الخمر والذّهب، فإنّه يحرم كلّ جزء منهما، وعلى الرّجال في الذّهب؛ قاله النّووي في «شرح مسلم» . (و) في «كشف الغمّة» للعارف الشّعراني، و «إحياء علوم الدّين» للإمام الغزاليّ رحمهما الله تعالى: (كان رسول الله ﷺ يلبس ما وجد) ؛ من غير قيد، (فمرّة) يلبس (شملة، ومرّة) يلبس (برد) - بضم أوّله وسكون الرّاء- مضافا إلى (حبرة) - بوزن عنبة- (يمانيّة) ؛ وهو الثّوب الّذي فيه خطوط، (ومرّة) يلبس (جبّة صوف) بالإضافة. (ما وجد من المباح لبس) قال العراقيّ: روى البخاريّ؛ من حديث سهل بن سعد: جاءت امرأة ببردة، قال سهل: هل تدرون ما البردة؟ هي الشّملة؛ منسوج في حاشيتها، وفيه: فخرج إلينا وإنّها لإزاره ... الحديث. ولابن ماجه؛ من حديث عبادة بن الصامت: أنّ رسول الله ﷺ صلّى في شملة قد عقد عليها. وفيه الأحوص بن حكيم مختلف فيه. وللشّيخين؛ من حديث أنس: «كان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ أن يلبسها

стр. 462

و (الشّملة) : كساء صغير يؤتزر به. وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ... الحبرة» ، ولهما؛ من حديث المغيرة: «وعليه جبّة من صوف ضيّقة الكمّين» . انتهى «شرح الإحياء» . وقد تقدّم ذلك بزيادة: (والشّملة) - بفتح المعجمة وسكون الميم-: ما يشتمل به من الأكسية التي يلتحف بها؛ كما في «الفتح» ، وقيل: يختصّ بماله هدب. وقال ابن دريد: (كساء صغير يؤتزر به) ؛ وهي البردة، وتسمية العوامّ: ما يلفّ على الرأس شملة؛ اصطلاح حادث. (و) أخرج البخاريّ في فرض الخمس وفي اللّباس، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والترمذي في «الشمائل» ؛ (عن أبي موسى الأشعريّ) : عبد الله بن قيس، الصحابي المشهور، الكوفي. قدم على رسول الله ﷺ مكّة قبل هجرته إلى المدينة، فأسلم ثمّ هاجر إلى الحبشة، ثمّ هاجر إلى رسول الله ﷺ مع أصحاب السّفينتين بعد فتح خيبر، فأسهم لهم منها. ولأبي موسى مع حسن صوته فضيلة ليست لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ : هاجر ثلاث هجرات؛ هجرة من اليمن إلى رسول الله ﷺ بمكّة، وهجرة من مكّة إلى الحبشة، وهجرة من الحبشة إلى المدينة المنوّرة، واستعمله النّبيّ ﷺ على «زبيد» و «عدن» وساحل اليمن، واستعمله عمر على «الكوفة» و «البصرة» . روي له عن رسول الله ﷺ ثلاث مئة وستون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم على خمسين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، وانفرد مسلم بخمسة عشر. وتوفّي بمكّة، وقيل: بالكوفة سنة: خمسين، أو إحدى وخمسين (رضي الله تعالى عنه قال: أخرجت إلينا) أم المؤمنين (عائشة) - الصّدّيقة بنت الصديق، وقد تقدمت ترجمتها- (رضي الله تعالى عنها كساء) - بكسر أوله- من صوف

стр. 463

ملبّدا وإزارا غليظا؛ فقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين. و (الكساء) : ما يستر أعلى البدن. و (الملبّد) : المرقّع. و (الإزار) : ما يستر أسفل البدن. و (غلظه) : ... (ملبّدا) - بتشديد الموحدة بصيغة اسم المفعول- أي: مرقّعا، كما قاله النووي في «شرح مسلم» . (وإزارا) - بكسر الهمزة-: الملحفة، يذكّر ويؤنّث؛ فيقال: هو الإزار، وهي الإزار، وربما أنّث بالهاء، والمراد هنا: ما يستر أسفل البدن، ويقابله الرّداء: وهو ما يستر أعلى البدن، (غليظا) ، أي: خشنا، صفة للإزار، وفي رواية عند مسلم موصولة، وعند البخاريّ تعليقا: أخرجت إلينا عائشة إزارا غليظا ممّا يصنع باليمن، وكساء من هذه الّتي تدعونها الملبّدة. (فقالت: قبض) - بصيغة المجهول- ونائب الفاعل قوله (رسول الله ﷺ ؛ أي: أماته الله تعالى وهو (في هذين) ؛ أي: الكساء والإزار المذكورين، وأرادت أنّهما كانا لباسه وقت مفارقته للدّنيا ﷺ ، مع ما فيهما من الرّثاثة والخشونة، فلم يكترث ﷺ بزخرفة الدنيا، ولا بمتاعها الفاني، مع أنّ ذلك كان بعد فتح الفتوح وفي قوّة الإسلام وكمال سلطانه. ويؤخذ من ذلك: أنّه ينبغي للإنسان أن يجعل آخر عمره محلا لترك الزّينة. (والكساء) - بكسر الكاف: - (ما يستر أعلى البدن) ؛ وهو الرداء، ضدّ الإزار، وجمعه: أكسية؛ بلا همز. (والملبّد) - بضمّ الميم وفتح اللّام وتشديد الموحدة المفتوحة- قال ابن الأثير في «النهاية» : هو (المرقّع) - بضمّ الميم وفتح الرّاء وشدّ القاف- يقال: لبّدت القميص ألبده، ولبدته بالتّخفيف، ويقال للخرقة التي يرقع بها صدر القميص: اللّبدة بالكسر-. وقيل: الملبّد الذي ثخن وسطه وصفق، حتى صار يشبه اللّبدة- بالكسر-. (والإزار) - بكسر أوّله-: (ما يستر أسفل البدن) ؛ ضد الرّداء، (وغلظه)

стр. 464

خشونته. وكان له ﷺ كساء ملبّد يلبسه ويقول: «إنّما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد» . - بكسر الغين المعجمة وفتح اللّام-: (خشونته) . وفي الحديث ندب حفظ آثار الصّالحين والتّبرك بها؛ من ثيابهم، ومتاعهم، فقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها حفظت هذا الكساء والإزار اللّذين قبض فيهما للتبرّك بهما. فائدة: ذكر ابن الجوزي في «الوفا» بإسناده؛ عن عروة بن الزّبير قال: كان طول رداء رسول الله ﷺ أربعة أذرع، وعرضه ذراعين ونصفا. ونقل ابن القيّم عن الواقديّ: أن رداء رسول الله ﷺ برد طوله ستّة أذرع في ثلاثة أذرع وشبر، وإزاره من نسج عمان طوله أربعة أذرع وشبر في ذراعين. انتهى «جمع الوسائل» . (و) في «المواهب» و «الإحياء» : (كان له ﷺ كساء ملبّد) ؛ أي: مرقّع، أو ما ثخن وسطه حتى صار كاللّبد، (يلبسه ويقول: «إنّما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد» ) . قال في «المواهب» : رواه الشّيخان. قال الزرقاني: لم أره فيهما ولا في أحدهما بهذا اللّفظ في مظانّه! فليراجع. وقال في «شرح الإحياء» : قال العراقي: روى الشّيخان؛ من رواية أبي بردة عن أبيه أبي موسى قال: أخرجت إلينا عائشة كساء ملبدا وإزارا غليظا؛ فقالت: في هذين قبض رسول الله ﷺ . وقد تقدم. وروى البخاريّ من حديث عمر: «إنّما أنا عبد» . ولعبد الرزاق في «المصنف» من رواية أيوب السختياني مرفوعا معضلا: «إنّما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» . قلت: وروى تمام وابن عساكر من حديث ابن عمر: «من لبس الصّوف وانتعل

стр. 465

وكان له ﷺ كساء أسود، فوهبه، فقالت له أمّ سلمة: بأبي أنت وأمّي ما فعل ذلك الكساء الأسود؟ فقال: «كسوته» ، فقالت: ما رأيت شيئا قطّ أحسن من بياضك على سواده. وكان ﷺ يتقنّع بردائه تارة ويتركه ... بمخصوف ... » الحديث. وفيه: «أنا عبد بن عبد، آكل أكلة العبد، وأجلس جلسة العبد ... » الحديث. انتهى كلام «شرح الإحياء» ملخصا. وهو يؤيد كلام الزرقاني رحمه الله تعالى. (و) في «الإحياء» : (كان له ﷺ كساء أسود فوهبه) لآخر، (فقالت له أمّ سلمة) - رضي الله تعالى عنها-: (بأبي أنت وأمّي) يا رسول الله؛ (ما فعل ذلك الكساء الأسود؟ فقال: «كسوته» ، فقالت: ما رأيت شيئا قطّ) كان (أحسن من بياضك على سواده) . قال في «شرح الإحياء» : قال العراقي: لم أقف عليه من حديث أمّ سلمة. ولمسلم من حديث عائشة- رضي الله تعالى عنها-: خرج النّبيّ ﷺ وعليه مرط مرحّل أسود. ولأبي داود، والنّسائي: صنعت للنبي ﷺ بردة سوداء من صوف فلبسها.. الحديث، وزاد فيه ابن سعد في «الطّبقات» : فذكرت بياض النّبيّ ﷺ وسوادها. ورواه الحاكم بلفظ: جبة، وقال: صحيح على شرط الشّيخين. (و) في «كشف الغمة» للعارف الشّعراني- رحمه الله تعالى-: (كان) رسول الله ﷺ يتقنّع بردائه) . قال الوليّ العراقيّ في «شرح تقريب الأسانيد» : التقنّع معروف؛ وهو تغطية الرّأس بطرف العمامة، أو برداء، أو نحو ذلك. وقال ابن الحاجّ في «المدخل» : وأما قناع الرجل!! فهو أن يغطّي رأسه بردائه ويردّ طرفه على أحد كتفيه. انتهى. واحترز به عن قناع المرأة؛ فإنّها خرقة لطيفة تجعلها على رأسها. (تارة) - التارة: المرّة، وجمعها تارات- (ويتركه) - أي:

стр. 466

أخرى، وهو الّذي يسمّى في العرف: الطّيلسان. التقنّع- تارة (أخرى، و) التقنّع قال السيوطي: (هو) التّطيلس. وقال الشّعراني: الرّداء: هو (الّذي يسمّى في العرف: «الطّيلسان» ) - بفتح الطّاء واللّام على الأشهر الأفصح- بزنة «فيعلان» ، وحكى القاضي عياض والنّووي والمجد «١» : كسر اللّام وضمّها، وفيه لغة: الطّالسان بالألف، حكاها ابن الأعرابي. اعتراض ابن القيم والتعقّب عليه قال ابن القيم: ولم ينقل عنه ﷺ أنّه لبسه، ولا أحد من أصحابه، بل ثبت في «صحيح مسلم» من حديث النّواس بن سمعان عن النّبيّ ﷺ : أنّه ذكر الدّجّال فقال: «يخرج معه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطّيالسة» . ورأى أنس جماعة عليهم الطّيالسة فقال: ما أشبههم بيهود خيبر!. قال: ومن ها هنا كرهه جماعة من السّلف والخلف؛ لما روى أبو داود، والحاكم؛ أنّه قال: «من تشبّه بقوم فهو منهم» . وفي «التّرمذيّ» : «ليس منّا من تشبّه بغيرنا» . وأمّا ما جاء في حديث الهجرة أنّه ﷺ جاء إلى أبي بكر ﵁ متقنّعا بالهاجرة! فإنّما فعله ﷺ تلك السّاعة ليختفي بذلك؛ للحاجة. ولم يكن عادته التقنّع، وقد ذكر أنس عنه ﷺ : أنّه كان يكثر القناع، وهذا إنّما كان يفعله للحاجة؛ من الحرّ ونحوه. انتهى كلام ابن القيّم؛ نقله في «المواهب» . وتعقّبه بقوله: أمّا قوله: إنّه ﷺ إنّما فعل ذلك للحاجة؛ فيردّ عليه حديث سهل بن سعد: أنّه ﷺ كان يكثر القناع. رواه البيهقي في «الشعب» ، والتّرمذيّ. وللبيهقيّ في «الشعب» أيضا، وابن سعد في «طبقاته» ؛ من حديث أنس

стр. 467

......... بلفظ: يكثر التقنع. فهذا وما أشبهه يرد قول ابن القيم أنّه لم ينقل عنه ﷺ أنّه لبسه. الطيلسان ثوب لا يؤدّى شكره وفي «طبقات» ابن سعد مرسلا: ذكر الطّيلسان لرسول الله ﷺ فقال: «هذا ثوب لا يؤدّى شكره» . وفيه أحاديث كثيرة. وأما قوله: ولا أحد من أصحابه! فيردّه ما أخرجه التّرمذيّ وصحّحه، والحاكم في «المستدرك» بسند على شرط الشّيخين؛ عن مرّة بن كعب- أو كعب بن مرة- قال: سمعت رسول الله ﷺ يذكر فتنة فقرّبها، فمرّ رجل مقنّع في ثوب- وفي لفظ: «بردائه» - فقال: «هذا يومئذ على الهدى» . فقمت فإذا هو عثمان بن عفّان- رضي الله تعالى عنه-؛ فهذا صحابي من أجلّاء الصّحابة تقنّع، ورآه المصطفى كذلك وأقرّه! وروى أبو يعلى وابن عساكر: صعد النّبيّ ﷺ المنبر؛ وأصحابه تحت المنبر، وأبو بكر مقنّع في القوم. فهذا خير الصحابة تقنّع بحضرة المصطفى ﷺ ، وأقرّه! وروى ابن عساكر: أنّ عمر تقنّع في خلافته يوم عيد. وأخرج سعيد بن منصور في «سننه» ؛ عن أبي العلاء قال: رأيت الحسن بن علي يصلّي وهو مقنّع رأسه. وأخرج ابن سعد؛ عن سليمان بن المغيرة قال: رأيت الحسن بن عليّ يلبس الطّيالسة. وأخرج ابن سعد أيضا؛ عن عمارة بن زاذان قال: رأيت على الحسن بن علي طيلسانا أندقيّا. فهؤلاء أربعة من الصّحابة تطيلسوا. وأما التّابعون! فثبت عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري أخرجه عنهم ابن سعد-، ومسروق، وإبراهيم النّخعي، وسعيد بن المسيب عند ابن أبي شيبة-، ومحمّد بن واسع- عند ابن عساكر-، وميمون بن مهران

стр. 468

......... - عند ابن الإمام أحمد في «زوائد الزهد» - وروى البيهقي؛ عن خالد بن حراش قال: جئت مالك بن أنس؛ إمام دار الهجرة، فرأيت عليه طيلسانا، فقلت: يا أبا عبد الله؛ هذا شيء أحدثته أم رأيت النّاس عليه؟ قال: لا؛ بل رأيت النّاس عليه. والآثار عن السّلف في ذلك كثيرة. وأما ما ذكره ابن القيّم من قصّة اليهود الخارجين مع الدّجال ويهود خيبر؛ فقال الحافظ ابن حجر: إنّما يصلح الاستدلال به في الوقت الّذي تكون فيه الطّيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة، فصار ذلك داخلا في عموم المباح، وقد ذكره العزّ بن عبد السّلام في أمثلة البدعة المباحة. وقد يصير من شعار قوم؛ فيصير تركه من الإخلال بالمروءة؛ فيرتقي عن الإباحة إلى الطّلب. وقيل: إنّما أنكر أنس ألوان الطّيالسة؛ لأنّها كانت صفراء، وقد صحّ النّهي عن الصفرة. انتهى كلام «المواهب» مع شيء من الشرح. قال المناوي في شرح «الشمائل» : وقد كثر كلام النّاس في الطّيلسان، والحاصل أنّه قسمان: ١- محنّك: وهو ثوب طويل عريض قريب من الرّداء، مربّع، يجعل فوق العمامة، يغطّي أكثر الوجه، ثم يدار طرفه- والأولى اليمين من تحت الحنك- إلى أن يحيط بالرّقبة جميعها، ثمّ يلقى طرفاه على المنكبين. و٢- مقوّر: وهو ما عدا ذلك، فيشمل: المدوّر، والمثلّث، والمربّع، والمسدول؛ وهو ما يرخى طرفاه من غير ضمّهما أو أحدهما؛ ومنه: الطّرحة المعتادة لقاضي القضاة الشّافعي المختصّة به. والأوّل- يعني: المحنّك- مندوب اتفاقا، ويتأكّد لصلاة وحضور جمعة وعيد ومجمع. والثّاني- يعني: المقوّر بأنواعه- مكروه، لأنه من شعار أهل الذّمّة. انتهى.

стр. 469

......... وقال السّيوطي: كلّ من وقع في كلامه من العلماء كراهة للطيلسان وكونه شعارا لليهود؛ إنّما أراد المقوّر الّذي على شكل الطرحة؛ يرسل من وراء الظّهر والجانبين من غير إدارة تحت الحنك، ولا إلقاء لطرفيه على الكتفين. وأما المربّع الذي يدار من تحت الحنك ويغطي الرّأس وأكثر الوجه ويجعل طرفاه على الكتفين! فلا خلاف أنه سنة. انتهى. نقله الزرقاني على «المواهب» . قال المناوي في شرح «الشّمائل» : ووقع في أكثر الأحاديث التعبير عن التّطيلس بالتقنّع، وعن الطّيلسان بالقناع. ومن ثمّ قال الحافظ ابن حجر في مجيء المصطفى ﷺ لبيت الصّدّيق متقنّعا أي: مطيلسا رأسه-: هذا أصل لبس الطّيلسان. قال: والتقنّع: تغطية الرّأس وأكثر الوجه برداء أو غيره، وصرّحوا بأنّ القناع الّذي يحصل به التقنّع الحقيقيّ: هو الرداء، وهو يسمّى «طيلسانا» ، كما أن الطّيلسان قد يسمّى «رداء» . ومن ثمّ قال ابن الأثير: الرّداء يسمّى الآن «طيلسانا» . فما على الرّأس مع التّحنيك: الطّيلسان الحقيقي، ويسمّى «رداء» مجازا. وما على الأكتاف: هو الرّداء الحقيقي، ويسمّى «طيلسانا» مجازا. وصحّ عن ابن مسعود- وله حكم المرفوع-: «التّقنّع من أخلاق الأنبياء» . وفي خبر أنّ: «التّقنّع باللّيل ريبة» . وفي خبر: «لا يتقنّع إلّا من استكمل الحكمة في قوله وفعله» . وأخذ من ذلك: أنّه ينبغي أن يكون للعلماء شعار مختصّ بهم؛ ليعرفوا فيسألوا ويمتثل ما أمروا به ونهوا عنه. وللطّيلسان فوائد جليلة: فيها صلاح الظّاهر والباطن؛ كالاستحياء من الله والخوف منه، إذ تغطية الرّأس شأن الخائف الآبق الّذي لا ناصر له ولا معين، ولجمعه للفكر لكونه يغطّي أكثر الوجه، فتندفع عن صاحبه مفاسد كثيرة، وتجتمع همّته؛ فيحضر قلبه مع ربّه ويمتلىء بشهوده وذكره، وتصان جوارحه عن المخالفات، ونفسه عن الشّهوات، وهذه أسباب لإفاضة أنواع الجلالة والمهابة، ولذلك قال بعض الصّوفية: الطّيلسان الخلوة الصّغرى. انتهى.

стр. 470

وكان ﷺ غالب ما يلبس هو وأصحابه ما نسج من القطن، وربّما لبسوا ما نسج من الصّوف والكتّان. ولبس ﷺ الشّعر الأسود. ولبس مرّة بردة من الصّوف.. فوجد ريح الضّأن فطرحها. (و) في «زاد المعاد» لشمس الدّين ابن القيّم: (كان) رسول الله ﷺ غالب ما يلبس هو وأصحابه) معطوف على الضمير المستتر في يلبس، والشّرط موجود، على حدّ قول صاحب «الألفيّة» : وإن على ضمير رفع متّصل ... عطفت فافصل بالضّمير المنفصل (ما نسج) - أي: الثّياب المنسوجة- (من القطن) ؛ قميصا أو رداء أو غيرهما. والقطن- بضمّ فسكون، وبضمّتين- شجر معروف، قد يعظم ويبقى عشرين سنة. (وربّما لبسوا ما نسج من الصّوف) لمزيد تواضعه، ولأنّ لبسه من سنن الأنبياء. قال ابن مسعود: كان الأنبياء يركبون الحمير، ويلبسون الصّوف، ويحتلبون الشّاة. رواه أبو داود الطّيالسيّ. وعنه ﷺ قال: «كان على موسى يوم كلّمه ربّه كساء صوف، وكمّة صوف، وجبّة صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت» . رواه التّرمذيّ وقال: غريب. والحاكم وصححّه على شرط البخاريّ كلاهما؛ عن حميد الأعرج؛ عن عبد الله بن الحارث؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. والكمّة- بضمّ الكاف وتشديد الميم-: القلنسوة الصغيرة. انتهى. (و) ما نسج من (الكتّان) - بفتح الكاف وتشديد المثنّاة الفوقيّة آخره نون- عربي معروف، وسمّي بذلك!! لأنّه يكتنّ، أي: يسودّ إذا ألقي بعضه على بعض. والثّياب المنسوجة من الكتّان معتدلة الحرّ والبرد واليبوسة، ولا تلزق بالبدن، ويقل قملها. (و) في «كشف الغمّة» للعارف الشّعراني: (لبس) رسول الله ﷺ الشّعر الأسود) ، وقد تقدّم بيانه، (ولبس مرّة بردة من الصّوف؛ فوجد ريح الضّأن فطرحها) . فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: صنعت للنبي ﷺ بردة سوداء،

стр. 471

وكان لرسول الله ﷺ سراويل، ... فلبسها، فلما عرق فيها؛ وجد ريح الصّوف فقذفها. وكانت تعجبه الرّيح الطيّبة. أخرجه أبو داود، والنّسائي في «سننه» ، وذكره البغوي في «المصابيح» . (و) في «كشف الغمّة» أيضا: (كان لرسول الله ﷺ سراويل) ؛ قال ابن سيده: فارسي معرّب؛ يذكّر ويؤنّث. ولم يعرف أبو حاتم السجستاني التذكير، والأشهر عدم صرفه. قال الحافظ ابن حجر: والتأنيث أكثر؛ ففي «القاموس» : فارسية معرّبة، وقد تذكّر، جمعها سراويلات، أو جمع «سروال، وسراولة، وسرويل» - بكسرهنّ- وليس في الكلام فعويل غيره، والسّراوين- بالنّون-: لغة في السّراويل، والشّروال- بالشين-: لغة. وفي «المصباح» : الجمهور على أن السّراويل أعجميّة، وقيل: عربيّة؛ جمع سروالة تقديرا، والجمع سراويلات. واختلف؛ هل لبسها النبي ﷺ أم لا؟! فجزم بعض العلماء بأنّه ﵊ لم يلبسه، ويستأنس له بما جزم به النّوويّ في ترجمة عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه من كتاب «تهذيب الأسماء واللغات» أنّه ﵁ لم يلبس السّراويل في جاهليّة ولا إسلام إلّا يوم قتله. فإنّهم كانوا أحرص شيء على اتّباعه ﷺ . لكن قد ورد في حديث عند أبي يعلى الموصلي بسند ضعيف جدا؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: دخلت السوق يوما مع رسول الله ﷺ فجلس إلى البزّازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السّوق وزّان يزن، فقال له رسول الله ﷺ : «اتّزن وأرجح» . فقال الوزّان: إنّ هذه الكلمة ما سمعتها من أحد!!. قال أبو هريرة: فقلت له: كفى بك من الوهن والجفاء في دينك أن لا تعرف نبيّك! فطرح الميزان. ووثب إلى يد رسول الله ﷺ يريد أن يقبّلها، فجذب يده ﷺ منه، وقال: «يا هذا؛ إنّما تفعل هذا الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنّما أنا رجل منكم» ، فوزن وأرجح، وأخذ رسول الله ﷺ السّراويل. قال أبو هريرة: فذهبت لأحمله

стр. 472

عنه، فقال: «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله، إلّا أن يكون ضعيفا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم» . قال: قلت: يا رسول الله؛ وإنك لتلبس السّراويل؟ قال: «أجل! في السّفر والحضر، وباللّيل والنّهار، فإنّي أمرت بالسّتر فلم أجد شيئا أستر منه» . وكذا أخرجه ابن حبّان في «الضّعفاء» ؛ عن أبي يعلى، ورواه الطّبراني في «الأوسط» ، والدّارقطني في «الأفراد» ، والعقيلي في «الضّعفاء» ؛ ومداره على يوسف بن زياد الواسطيّ وهو واه لا يحتمل تفرّده، بل بالغ ابن الجوزيّ فذكر الحديث هذا في «الموضوعات» ، وتعقّبه السّيوطي، واقتصر الحافظ ابن حجر وغيره على أنّه ضعيف. لكن صحّ شراء النّبيّ ﷺ للسّراويل من غير هذا الطّريق؛ فقد روى أحمد، وأصحاب «السّنن الأربعة» ، وصحّحه ابن حبّان؛ عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرفة العبد بزّا من هجر، فأتينا مكّة، فجاءنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى، فساومنا سراويل، فبعناه منه، فوزن ثمنه؛ وقال للوزّان: «زن وأرجح» . وروى النّسائي وأحمد؛ عن أبي صفوان مالك بن عميرة الأسديّ: أنّه باع من النّبيّ ﷺ قبل أن يهاجر رجل سراويل، فلمّا وزن له أرجح له. وهذه القصّة غير الّتي في حديث أبي يعلى؛ لأنّها بعد الهجرة، إذ أبو هريرة إنّما جاء في خيبر. قال في «الإصابة» : مالك بن عميرة- بفتح العين- وقيل عمير- مصغّرا بلا هاء- حديثه يشبه حديث سويد بن قيس، فقيل إنّهما واحد اختلف في اسمه. انتهى. وفي «الهدي النبوي» لابن القيّم: والظّاهر أنّه ﷺ إنّما اشتراه ليلبسه، وقد روي أنّه لبس السّراويل، وكانوا يلبسونه في زمانه، وبإذنه، قال أبو عبد الله الحجازيّ في حاشيته على «الشفاء» : وما قاله في «الهدي» من أنّه ﷺ لبس السّراويل!! قالوا سبق قلم. انتهى. من «المواهب» مع زيادة من شرح الزرقاني.

стр. 473

ولبس النّعل الّتي تسمّى: التّاسومة. وكان له ﷺ ملاءة مصبوغة بالزّعفران، تنقل معه إلى بيوت أزواجه، فترسلها من كان نائما عندها إلى صاحبة النّوبة، فترشّها بالماء، فتظهر رائحة الزّعفران، فينام معها فيها. (ولبس) ﷺ (النّعل الّتي تسمّى) في العرف (التّاسومة) : هي ما له سير يستر بعض الأصابع ممّا يلي أصولها، وبعض ظهر القدم من تلك الجهة. (و) في «كشف الغمّة» للعارف الشّعراني رحمه الله تعالى: (كان له ﷺ ملاءة) - بالضمّ والمدّ-: الإزار، يقال: تملأت: لبست الملاءة، وتصغير الملاءة: مليئة. ورد في الحديث: «وعليه أسمال مليّتين» ؛ تصغير «ملاية» ؛ مثنّاة مخفّفة الهمز. والملاءة: قيل إنّها مرادفة للرّيطة بالفتح-. وقيل: الملاءة الملحفة ذات اللّفقين، فإن كانت ليست ذات لفقين؛ فهي ريطة. انتهى «شرح القاموس» . (مصبوغة بالزّعفران) معروف، يقال: زعفرت الثّوب: صبغته بزعفران، فهو مزعفر- بالفتح اسم مفعول- (تنقل معه إلى بيوت أزواجه) بالنّوبة، (فترسلها من كان نائما عندها إلى صاحبة النّوبة؛ فترشّها بالماء) ، الظّاهر أنّ القصد برشّها التّبريد، لأنّ قطر الحجاز في غاية الحرّ، ويحتمل أنّها ترشّها بماء ممزوج بنحو طيب كما يفعله النّساء الآن، أو لأجل أن تظهر رائحة الزّعفران منها؛ كما قال: (فتظهر رائحة الزّعفران) منها إذا رشّت بالماء، (فينام معها) - أي: مع صاحبة النّوبة- (فيها) ؛ أي: الملاءة. روى الخطيب في «تاريخه» بسند ضعيف؛ عن أنس بن مالك: أن النّبيّ ﷺ كان له ملحفة مصبوغة بالورس والزّعفران، يدور بها على نسائه، فإذا كانت ليلة هذه رشّتها بالماء، وإذ كانت ليلة هذه رشّتها بالماء. انتهى. وفيه حلّ لبس المزعفر والمورّس، ويعارضه بالنسبة للمزعفر حديث الشّيخين: نهى أن يتزعفر الرّجل. وبه أخذ الشّافعيّ، ولا فرق بين ما صبغ قبل

стр. 474

وكانت له ﷺ ملحفة مصبوغة بالزّعفران، وربّما صلّى بالنّاس فيها وحدها، وربّما لبس الكساء وحده وما عليه غيره. وكان ﷺ ربّما صلّى باللّيل في الإزار، وارتدى ببعضه ممّا يلي هدبه، وألقى البقيّة على بعض نسائه، فيصلّي كذلك. النّسج وبعده. وأما المورّس! فذهب جمع من أصحابه لحلّه؛ تمسّكا بهذا الخبر، المؤيّد بما صحّ: أنّه كان يصبغ ثيابه بالورس؛ حتّى عمامته. لكن ألحقه جمع بالمزعفر في الحرمة. انتهى «مناوي» . (و) في «كشف الغمة» و «الإحياء» : (كانت له ﷺ ملحفة) - بكسر الميم-: الملاءة الّتي تلتحف بها المرأة (مصبوغة بالزّعفران، وربّما صلّى بالنّاس فيها وحدها) . قال العراقيّ: روى أبو داود، والتّرمذيّ؛ من حديث قيلة بنت مخرمة قالت: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه أسمال ملاءتين كانتا بزعفران. قال الترمذيّ: لا نعرفه إلّا من حديث عبد الله بن حسّان. قلت: ورواته موثّقون. ولأبي داود؛ من حديث قيس بن سعد: «فاغتسل، ثمّ ناوله أبي سعد ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس، فاشتمل بها ... » . الحديث. ورجاله ثقات. (وربّما لبس) ﷺ (الكساء وحده وما عليه غيره) . قال العراقي: رواه ابن ماجه، وابن خزيمة؛ من حديث ثابت بن الصّامت: أن النّبي ﷺ صلّى في بني عبد الأشهل وعليه كساء متلفّف به ... الحديث. وفي رواية البزّار: في كساء. انتهى شرح «الإحياء» . (و) في «الإحياء» : (كان ﷺ ربّما صلّى باللّيل في الإزار وارتدى ببعضه ممّا يلي هدبه) - بضم الهاء وإسكان الدال-: طرف الثوب، (وألقى البقيّة على بعض نسائه، فيصلّي كذلك) . قال العراقيّ: روى أبو داود؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ صلّى في ثوب بعضه عليّ. ولمسلم: كان يصلّي من اللّيل وأنا إلى جنبه،

стр. 475

وكانت ثيابه ﷺ كلّها مشمّرة فوق الكعبين، وكان إزاره فوق ذلك إلى نصف السّاق، ... وأنا حائض، وعليّ مرط وعليه بعضه إلى جنبه. وللطّبراني في «الأوسط» ؛ من حديث أبي عبد الرّحمن حاضن عائشة ﵂: رأيت النّبيّ ﷺ وعائشة يصلّيان في ثوب واحد، نصفه على النّبيّ ﷺ ونصفه على عائشة. وسنده ضعيف. (و) في «كشف الغمة» و «إحياء علوم الدين» : (كانت ثيابه ﷺ كلّها مشمّرة فوق الكعبين) - مثنى كعب-، واختلف فيه أئمة اللّغة؛ فقال أبو عمرو بن العلاء، والأصمعي، وجماعة: هو العظم الناشز في جانب القدم عند ملتقى السّاق والقدم، فيكون لكل قدم كعبان؛ عن يمنتها ويسرتها، وقد صرّح بهذا الأزهري وغيره. وقال ابن الأعرابي وجماعة: هو المفصل بين السّاق والقدم. وقيل غير ذلك. (وكان إزاره فوق ذلك إلى نصف السّاق) ، قال العراقي: روى أبو الفضل محمّد بن طاهر في كتاب «صفوة التصوّف» ؛ من حديث عبد الله بن بسر: «كانت ثياب رسول الله ﷺ إزاره فوق الكعبين، وقميصه فوق ذلك، ورداؤه فوق ذلك» وإسناده ضعيف. وللحاكم وصححه؛ من حديث ابن عبّاس: كان يلبس قميصا فوق الكعبين ... الحديث، وهو عند ابن ماجه بلفظ: قميصا قصير اليدين والطّول. وسندهما ضعيف. وللتّرمذيّ في «الشمائل» ؛ من رواية الأشعث قال: سمعت عمّتي تحدّث عن عمّها؛ فذكر النّبيّ ﷺ ، وفيه: فإذا إزاره إلى نصف ساقيه. ورواه النّسائي وسمّى الصّحابي: عبيد بن خالد، واسم عمة الأشعث: رهم بنت الأسود. ولا تعرف!! انتهى.

стр. 476

وكان قميصه مشدود الأزرار، وربّما حلّ الأزرار في الصّلاة وغيرها. وعن عبيد بن خالد رضي الله تعالى عنه قال: بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي ... (وكان قميصه مشدود الأزرار) - واحدها: زرّ بالكسر- (وربّما حلّ الأزرار في الصّلاة وغيرها) . قال العراقي: رواه أبو داود، وابن ماجه، والتّرمذيّ في «الشّمائل» ؛ من رواية معاوية بن قرّة بن إياس قال: أتيت النّبيّ ﷺ في رهط من مزينة، فبايعناه، وإن قميصه لمطلق الأزرار. وقد تقدّم. وللبيهقيّ من رواية زيد بن أسلم قال: رأيت ابن عمر يصلّي محلول أزراره، فسألته عن ذلك؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وللطّبراني؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بإسناد ضعيف: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يصلي محتبيا محلّل الأزرار. (و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» ، والنسائي في «السنن» ؛ (عن عبيد بن خالد) - ويقال ابن خلف المحاربيّ، ويقال: عبيد؛ بفتح أوله، ويقال عبيدة؛ بفتح العين وزيادة هاء. وذكره ابن عبد البرّ: بضمّ أوله وبالهاء؛ صحابيّ يعدّ في الكوفيّين- (رضي الله تعالى عنه) له حديث في إسبال الإزار، ذكره في «الإصابة» . (قال: بينا أنا أمشي بالمدينة؛ إذا إنسان خلفي) ، أي: فاجأني كون إنسان خلفي بين أزمنة كوني أمشي في المدينة. ف «بين» «١» : ظرف للفعل الذي دلّت عليه «إذا» الّتي للمفاجأة، وأصلها: «بين» ، فأشبعت فتحتها فتولّدت الألف، وقد تزاد فيها «ما» ، فيقال: بينما. ولا تضاف «بينا» و «بينما» إلا إلى اثنين فصاعدا،

стр. 477

يقول: «ارفع إزارك فإنّه أتقى وأبقى» ، فإذا هو رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إنّما هي بردة ملحاء، ... أو ما قام مقامهما؛ كقوله تعالى (عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) [٦٨: البقرة] . وقدّم المسند إليه للتّخصيص أو للتّقوّي. وعبّر بصيغة المضارع استحضارا للصّورة الماضية، والباء في قوله ب «المدينة» بمعنى «في» . وقوله (يقول) خبر المبتدأ الّذي هو (إنسان) ؛ المخصوص بالوصف، أي: يقول ذلك الإنسان: ( «ارفع إزارك) عن الأرض، وهذا على عادته في نصح أصحابه، (فإنّه) - أي: الرفع- (أتقى) بمثنّاة فوقيّة- أي: أقرب إلى التّقوى، للبعد عن الكبر والخيلاء، وفي رواية: «أنقى» بالنّون، أي: أنظف، فإنّ الإزار إذا جرّ على الأرض ربّما تعلق به نجاسة فتلوّثه، (وأبقى) - بالباء الموحّدة-؛ أي: أكثر بقاء ودواما. وفيه إرشاد إلى أنّه ينبغي للّابس الرّفق بما يستعمله، واعتناؤه بحفظه، لأنّ إهماله تضييع وإسراف، فقد علّل النّبيّ ﷺ أمره بالمصلحة الدّينيّة؛ وهي طهارة القلب أو القالب أوّلا، لأنّها المقصودة بالذّات، وثانيا بالمنفعة الدّنيويّة، فإنّها التّابعة للأخرى. وفيه إيماء إلى أنّ المصالح الأخرويّة لا تخلو عن المنافع الدّنيويّة. (فإذا هو) - أي: الإنسان- (رسول الله) ، هكذا في أكثر نسخ «الشمائل» ، وفي بعضها: فالتفتّ فإذا هو رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله؛ إنّما هي) ؛ أي: الإزار- تؤنّث وتذكّر- (بردة) - بضمّ فسكون- كساء صغير مربّع، ويقال كساء أسود صغير، (ملحاء) - بفتح الميم والحاء المهملة وسكون اللّام والمدّ- هي في الأصل: البياض يخالطه سواد، والمراد: بردة سوداء فيها خطوط بيض تلبسها الأعراب. والظّاهر أنّ هذا جواب لقوله «أبقى» بموحدة، أي: إنّها بردة مبتذلة لا يؤبه لها ليراعي ما يقيها؛ إذ ليست من الثّياب الفّاخرة، وكأنّه يريد أنّ هذا ثوب لا اعتبار

стр. 478

قال: «أما لك فيّ أسوة؟!» ، فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه. ومعنى (ملحاء) : سوداء فيها خطوط بيض يلبسها الأعراب، ليست من الثّياب الفاخرة. و (الأسوة) : القدوة. وعن سلمة بن الأكوع ... به، ولا يلبسه في المجالس والمحافل، وإنّما هو ثوب مهنة؛ لا ثوب زينة، فأجابه ﷺ بطلب الاقتداء به حيث: (قال: «أما) - كلمة «ما» للنفي، والهمزة للاستفهام الإنكاري؛ أي: ليس (لك فيّ) - بتشديد الياء- أي: في أقوالي وأفعالي (أسوة) - بضمّ الهمزة أفصح من كسرها- أي: اقتداء واتباع. ومراده ﷺ طلب الاقتداء به، وإن لم يكن في تلك البردة خيلاء؛ سدّا للذّريعة، وكأنّه ﷺ علم أنّه لم يفهم مراده فغيّر الأسلوب. (فنظرت) ، أي: تأمّلت لبسته ﷺ ؛ (فإذا إزاره) ينتهي (إلى نصف ساقيه) ﷺ . قال النّوويّ: القدر المستحبّ فيما ينزل إليه طرف الإزار: نصف السّاقين، والجائز بلا كراهة: ما تحته إلى الكعبين، وما نزل عنهما؛ إن كان للخيلاء حرم، وإلّا كره، وفي معنى الإزار: القميص وكلّ ملبوس، وهذا في حقّ الرّجل، أما المرأة! فيسنّ لها جرّه على الأرض قدر شبر، وأكثره ذراع؛ ذكره الباجوريّ وغيره. (ومعنى ملحاء) - بفتح الميم والمهملة بينهما لام ساكنة؛ ممدود-: تأنيث أملح وهي في الأصل: بياض يخالطه سواد، والمراد هنا: بردة (سوداء؛ فيها خطوط بيض يلبسها الأعراب؛ ليست من الثّياب الفاخرة) ؛ قاله الباجوري. (و) معنى (الأسوة) - بضم الهمزة وكسرها-: (القدوة) ، أي: الحالة التي يكون عليها الإنسان في اتباع غيره. (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن) أبي إياس (سلمة) بن عمرو (ابن الأكوع) ، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن قشير بن خزيمة بن مالك بن

стр. 479

رضي الله تعالى عنه قال: كان عثمان بن عفّان ... سلامان بن أسلم الأسلمي؛ شهد بيعة الرضوان بالحديبية، وبايع رسول الله ﷺ يومئذ ثلاث مرّات: في أول الناس، ووسطهم، وآخرهم. وكان شجاعا راميا محسنا خيّرا فاضلا، غزا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات؛ ويقال شهد غزوة مؤتة، روي له عن النبي ﷺ سبعة وسبعون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم منها على ستة عشر حديثا، وانفرد البخاريّ بخمسة، وانفرد مسلم بتسعة. وتوفّي بالمدينة المنورة سنة: أربع وسبعين وهو ابن ثمانين سنة (رضي الله تعالى عنه، قال: كان) أبو عمرو ذو النورين (عثمان بن عفّان) بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكيّ؛ ثم المدني، أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين. أسلم قديما؛ دعاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأسلم، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة. ويقال له «ذو النورين» !! لأنّه تزوّج بنتي رسول الله ﷺ إحداهما بعد الأخرى، قالوا: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبيّ غيره، تزوّج رقية أوّلا فماتت في أيام غزوة بدر، ثم تزوّج أختها أمّ كلثوم وتوفيت عنده سنة: تسع من الهجرة. وكان حسن الوجه، رقيق البشرة، كثّ اللحية، وقد قيل فيهما: أحسن شيء قد يرى إنسان ... رقيّة وزوجها عثمان وكان محبّبا في قريش، واشترى بئر رومة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستّة أصحاب الشورى الذين توفّي رسول الله ﷺ ؛ وهو عنهم راض، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المنفقين في سبيل الله الإنفاق العظيم، وأحد أصهار رسول الله ﷺ . روي له من الحديث مائة حديث وستة وأربعون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم

стр. 480

رضي الله تعالى عنه يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: هكذا كانت إزرة صاحبي؛ يعني النّبيّ ﷺ . وعن حذيفة بن اليمان رضي الله [تعالى] عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بعضلة ساقي فقال: «هذا موضع الإزار، ... منها على ثلاثة، وانفرد البخاريّ بثمانية، وانفرد مسلم بخمسة. وقتل شهيدا يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة: خمس وثلاثين؛ وهو ابن تسعين سنة (رضي الله تعالى عنه يأتزر) - بهمزة ساكنة، ويجوز إبدالها ألفا؛ كما في «جمع الوسائل» - أي: يلبس الإزار ويرخيه (إلى أنصاف ساقيه) ، والمراد بالجمع في الأنصاف: ما فوق الواحد بقرينة ما أضيف إليه. والساق: ما بين الركبة والقدم. (وقال) ؛ أي: عثمان- على الأظهر- (هكذا) - أي: مثل هذا الاتّزار المذكور- (كانت إزرة) - بكسر أوله-: اسم لهيئة الاتّزار؛ أي كانت إزرة (صاحبي) أي: هيئة ائتزاره هكذا؛ أي: كهذه الهيئة التي رأيتها مني (يعني) ؛ أي: يريد ويقصد عثمان بقوله «صاحبي» : (النّبيّ ﷺ . وقائل ذلك سلمة رضي الله تعالى عنه. (و) أخرج النسائي، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» ، وابن ماجه، وابن حبّان كلّهم؛ (عن حذيفة بن اليمان) - بكسر النون بلا ياء- لقب والده حسل بن جابر اليماني. أسلم هو وأبوه قبل بدر. وتقدّمت ترجمته ﵄ قال) - أي حذيفة-: (أخذ رسول الله ﷺ بعضلة ساقي) العضلة- بفتح العين وسكون الضاد؛ كطلحة، أو [عضلة] بتحريكها-: كلّ عصب له لحم بكثرة. قال الحافظ العراقي: وهي هنا اللحمة المجتمعة أسفل من الركبة من مؤخّر الساق. (فقال: «هذا موضع الإزار) - أي: هذا المحلّ موضع طرف الإزار، أو

стр. 481

فإن أبيت.. فأسفل، فإن أبيت.. فلا حقّ للإزار في الكعبين» . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: رآني النّبيّ ﷺ أسبلت إزاري فقال: «يا ابن عمر؛ كلّ شيء لمس الأرض من الثّياب في النّار» . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ : «ما أسفل من الكعبين من الإزار.. في النّار» ، نهاية موضع الإزار؛ فهو على حذف مضاف- (فإن أبيت) ! - أي: امتنعت من الاقتصار على ذلك وأردت التجاوز- (فأسفل) - أي: فموضعه أسفل من العضلة بقليل بحيث لا يصل إلى الكعبين-. (فإن أبيت! فلا حقّ) - أي: فإن امتنعت من الاقتصار على ما دون الكعبين؛ فاعلم أنّه لا حقّ- (للإزار في) وصوله إلى (الكعبين) . وظاهره أنّ إسباله إلى الكعبين ممنوع، لكن ظاهر رواية البخاريّ: «ما أسفل من الكعبين فهو في النّار» يدلّ على جواز إسباله إلى الكعبين، ويحمل ما هنا على المبالغة في منع الإسبال إلى الكعبين؛ لئلا يجرّ إلى ما تحتهما على وزان خبر «كالرّاعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» . (و) أخرج الطبرانيّ؛ من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب؛ (عن) أبي عبد الرحمن عبد الله (ابن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما، قال: رآني النّبيّ ﷺ أسبلت إزاري) - أي: أرخيته- (فقال: «يا ابن عمر؛ كلّ شيء لمس الأرض من الثّياب في النّار» ) . عقابا للابسه. (و) في البخاري والنسائي؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ عن النّبيّ ﷺ : «ما أسفل من الكعبين) من الرجل (من الإزار في النّار» ) . «ما» موصولة وبعض صلته محذوف؛ وهو «كان» . و «أسفل» خبره فهو منصوب، ويجوز الرفع، أي: ما هو أسفل: أفعل تفضيل، ويحتمل أنّه فعل ماض، ويجوز أنّ «ما» نكره موصوفة ب «أسفل» ؛ ذكره الحافظ ابن حجر.

стр. 482

وهو محمول على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الّذي ورد فيه الوعيد. وقال القسطلّاني: «ما» موصولة في محلّ رفع مبتدأ، و «في النار» الخبر، و «أسفل» خبر مبتدأ محذوف؛ وهو العائد على الموصول، أي: «ما هو أسفل» ، وحذف العائد لطول الصّلة، أو المحذوف «كان» و «أسفل» نصب خبرها، و «من» الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الجنس. قال الخطّابي: يريد أنّ الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكنّى بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه: أنّ الذي دون الكعبين من القدم يعذّب بالنار؛ عقوبة له، وحاصله: أنّه من باب تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حلّ فيه. انتهى؛ ملخّصا. وهذا استبعاد لوقوع الإزار في النار. وأصله ما أخرجه عبد الرزاق؛ عن عبد العزيز بن أبي رواد: أنّ نافعا سئل عن ذلك، فقال: وما ذنب الثّياب!! بل هو من القدمين، لكن في حديث ابن عمر المارّ: «كلّ شيء لمس الأرض من الثّياب في النّار» . وأخرج الطبراني بسند حسن؛ عن ابن مسعود: أنّه رأى أعرابيّا يصلي قد أسبل؛ فقال: «المسبل في الصلاة ليس من الله في حلّ ولا حرام» . ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، فعلى هذا لا مانع من حمل الحديث على ظاهره، فيكون من وادي (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [٩٨/ الأنبياء] ، أو يكون من الوعيد لما وقعت به المعصية إشارة إلى أنّ الذي يتعاطى المعصية أحقّ بذلك؛ ذكره الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» . (وهو) - أي: هذا الإطلاق في الأحاديث المارّة- (محمول على ما ورد من قيد) - بالدال؛ أي: التقييد بحالة- (الخيلاء) - بضمّ الخاء المعجمة وفتح المثناة التحتية؛ ممدود- (فهو الّذي ورد فيه الوعيد) بالاتفاق، ونصّ الشافعيّ على أنّ التحريم مخصوص بالخيلاء، فإن لم يكن لها! كره.

стр. 483

وكان رسول الله ﷺ يرخي إزاره من بين يديه، ويرفعه من ورائه. وقد أخرج أصحاب «السنن» إلّا الترمذيّ واستغربه، وابن أبي شيبة؛ من طريق عبد العزيز بن أبي رواد؛ عن سالم بن عبد الله بن عمر؛ عن أبيه، عن النبي ﷺ أنّه قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جرّ منها شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» فبيّن في هذه الرواية أنّ الحكم ليس خاصّا بالإزار؛ وإن جاء في أكثر طرق الأحاديث بلفظ «الإزار» . قال ابن جرير الطبري: إنّما ورد الخبر بلفظ «الإزار» !! لأنّ أكثر الناس في عهده ﷺ كانوا يلبسون الأزر والأردية، فلما لبس الناس القميص والدرائع؛ كان حكمها حكم الإزار في النهي. قال ابن بطّال؛ تعقّبا على ابن جرير: هذا قياس صحيح لو لم يأت النصّ بالثوب، فإنّه يشمل جميع ذلك، فلا داعية للقياس مع وجود النصّ. وفي تصوير جرّ العمامة نظر، إذ لا يتأتّى جرّها على الأرض كالثوب والإزار، إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إرخاء العذبات!! لأنّ جرّ كلّ شيء بحسبه، فمهما زاد على العادة في ذلك كان من الإسبال. وهل يدخل في الزجر من جرّ الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه، أم لا يدخل!؟ محلّ نظر لعدم النصّ عليه. والذي يظهر أنّ من أطالها حتّى خرج عن العادة كما يفعله بعض الحجازيين وغيرهم؛ كفلّاحي مصر دخل في ذلك. وقال الزين العراقي: ما مسّ الأرض منها لا شكّ في تحريمه، بل لو قيل بتحريم ما زاد على المعتاد لم يبعد. انتهى؛ من «المواهب» وشرحها. (و) أخرج ابن سعد في «طبقاته» ؛ عن يزيد بن أبي حبيب البصري «١» مرسلا: (كان رسول الله ﷺ يرخي) - من أرخى- (إزاره من بين يديه، ويرفعه من ورائه) حال المشي؛ لئلا يصيبه نحو قذر؛ أو شوك.

стр. 484

وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا.. سمّاه باسمه؛ قميصا، أو عمامة، أو رداء، ثمّ يقول: «اللهمّ؛ لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما صنع له» . (و) أخرج أحمد، والترمذي، وأبو داود، والحاكم، والنسائي في «اليوم والليلة» وابن السّنّي بسند صحيح كلهم؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا استجدّ ثوبا) ؛ أي: لبس ثوبا جديدا (سمّاه) أي الثوب (باسمه؛ قميصا) ؛ أي: سواء كان قميصا، (أو عمامة، أو رداء) . كان يقول «رزقني الله هذه العمامة» . (ثمّ يقول: «اللهمّ؛ لك الحمد أنت كسوتنيه) - الضمير راجع إلى المسمى؛ كما قاله الطيبي. وهذه الجملة تعليل للجملة السابقة أعني «لك الحمد» (أسألك من خيره) أي: الخير الذي يصاحب لبسه كشكر الله تعالى على تيسيره- (وخير ما صنع له) أي: استعماله في طاعة الله وعبادته؛ بأن توفّقني للطاعة فيه كالصلاة، فقوله «وخير ما صنع له» كالتفسير لقوله «من خيره» -. (وأعوذ بك من شرّه) - أي: الشرّ المصاحب للبسه؛ كالعجب به- (وشرّ ما صنع له) ؛- أي: استعماله في المعاصي، أي: لا يقع مني عصيان فيه؛ كزنا وشرب خمر، وليس المراد أنّه صنع بقصد المعصية كما هو ظاهر الحديث؛ قاله الحفني على «الجامع الصغير» . وقال ابن علّان في «شرح الأذكار» : والمراد ما صنع لأجله من خير كحلّه وصلاح نيّة فاعله، أو شرّ كضدّ ذلك. والخير في المقدّمات يستدعي الخير في المقاصد، وكذا الشرّ، وشاهده: «وإنّما يلبّس علينا صلاتنا قوم لا يحسنون الطّهور» . وقال ميرك: خير الثوب نقاؤه، وكونه ملبوسا للضرورة، والحاجة؛

стр. 485

وكان ﷺ إذا لبس ثوبا جديدا.. حمد الله تعالى، وصلّى ركعتين، وكسا الخلق. لا للفخر والخيلاء، وخير ما صنع له هو الضرورات التي من أجلها يصنع اللّباس؛ من الحرّ والبرد، وستر العورة، والمراد من سؤال الخير في هذه الأمور أن يكون مبلّغا إلى المطلوب الذي لأجله صنع الثوب من العون على العبادة والطاعة لمولاه، وفي الشرّ عكس المذكورات؛ وهو كونه حراما؛ أو نجسا، أو لم يبق زمانا طويلا، أو يكون سببا للمعاصي والشرور. انتهى. قال المناوي: وفيه ندب الذّكر المذكور لكلّ من لبس ثوبا جديدا، والظاهر أنّ ذلك يستحبّ لمن ابتدأ لبس غير الثوب الجديد، بأن كان ملبوسا. ثم رأيت الزين العراقيّ قال: يستحبّ عند لبس الجديد وغيره، بدليل رواية ابن السني في «اليوم والليلة» : إذا لبس ثوبا. انتهى. وفيه دليل على استحباب افتتاح الدعاء بالحمد لله والثناء عليه؛ ذكره العزيزي. (وكان) رسول الله ﷺ إذا لبس ثوبا جديدا حمد الله تعالى) - كما تقدّم التصريح به آنفا في الحديث- قال العراقي: روى الحاكم في «المستدرك» ، والبيهقي في «الشّعب» ؛ من حديث عمر رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ دعا بثيابه فلبسها، فلما بلغ تراقيه؛ قال: «الحمد لله الّذي كساني ما أتجمّل به في حياتي وأواري به عورتي» . قال البيهقي: إسناده غير قويّ. وروى ابن السّنّي؛ من حديث معاذ بن أنس رفعه: «من لبس ثوبا؛ فقال (الحمد لله الّذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول منّي ولا قوّة) غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» . انتهى شرح «الإحياء» . (وصلّى ركعتين) شكرا لله تعالى على هذه النعمة، (وكسا الخلق) بفتحتين-: الثوب البالي للمذكّر والمؤنث، جمعه: خلقان كعثمان. روى الترمذيّ؛ وقال: غريب، وابن ماجه، والحاكم وصحّحه؛ من حديث

стр. 486

وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا.. لبسه يوم الجمعة. عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لبس ثوبا جديدا؛ فقال: الحمد لله الّذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمّل به في حياتي ثمّ عمد إلى الثّوب الّذي أخلق فتصدّق به؛ كان في حفظ الله، وفي كنف الله ، وفي ستر الله حيّا وميتا» . ورواه كذلك ابن أبي شبية، وابن السنّي في «عمل اليوم والليلة» ، والطبراني في «الدعاء» كلّهم؛ من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وروى الترمذيّ؛ وقال: حسن غريب؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: «ما من مسلم كسا مسلما ثوبا إلّا كان في حفظ الله ما دام عليه منه خرقة» ، وهو عند ابن النجار: «من كسا مسلما ثوبا كان في حفظ من الله ما بقي عليه منه خرقة» . ورواه الحاكم؛ وتعقّب. وروى أبو الشيخ؛ بلفظ: «من كسا مسلما ثوبا لم يزل في ستر الله ما دام عليه منه خيط؛ أو سلك» . (و) أخرج الخطيب في «تاريخه» بسند ضعيف؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا استجدّ ثوبا) ؛ أي: استحدث ثوبا جديدا (لبسه) ؛ أي: ابتدأ لبسه (يوم الجمعة) ، لكونه أفضل أيّام الأسبوع، فتعود بركة يوم الجمعة على الثوب؛ وعلى لابسه، فيطلب لبس الجديد فيه حيث كان أبيض؛ أو غير أبيض، وليس عنده أبيض، وإلّا لبسه لحظة وعمل فيه عملا صالحا، ثم خلعه ولبس الأبيض؛ قاله الحفني على «الجامع الصغير» . (و) أخرج البيهقيّ في «سننه» ، وابن خزيمة في «صحيحه» ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال:

стр. 487

وكان له ﷺ برد يلبسه في العيدين والجمعة. وكان ﷺ يلبس بردة حمراء في كلّ عيد. (كان له ﷺ برد) - بضم فسكون-: قال الحفني: أي رداء يرتدي به؛ طوله أربعة أذرع وعرضه ثلاثة أذرع، ولونه الخضرة؛ أي: كما في رواية أخضر. (يلبسه) - بفتح الموحدة- (في العيدين والجمعة) وكان يتجمّل به للوفود أيضا، وهذا كان منه عبادة، لأنّه مأمور بدعوة الخلق وترغيبهم في الاتباع واستمالة قلوبهم، ولو سقط عن أعينهم لم يرغبوا في اتباعه؛ فكان يجب عليه أن يظهر لهم محاسن أحواله لئلا تزدريه أعينهم، فإن أعين العوامّ تمتدّ إلى الظاهر؛ دون السرائر. ولله درّ من قال وأحسن في المقال: قيمة المرء فضله عند ذي الفض ... ل وما في يديه عند الرّعاع فإذا ما حويت علما ومالا ... صرت عين الزّمان بالإجماع وإذا منهما غدوت خليّا ... كنت في النّاس من أخس المتاع وأخذ من ذلك الإمام الرافعي أنّه يسنّ للإمام يوم الجمعة أن يزيد في حسن الهيئة واللباس ويتعمّم ويرتدي، وأيّده ابن حجر بخبر الطبراني؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان له ثوبان يلبسهما في الجمعة، فإذا انصرف طوينا هما إلى مثله. فائدة: ذكر الواقدي أنّ طول ردائه ﷺ كان ستّة أذرع في عرض ثلاثة، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين؛ لا ذراعين وشبر، وأنّه كان يلبسهما في الجمعة والعيدين. انتهى؛ نقله المناوي في «شرح الكبير؛ على «الجامع الصغير» . وسيأتي الكلام على مقدار ذرعهما. (وكان) رسول الله ﷺ يلبس بردة حمراء في كلّ عيد) ليبيّن حلّ لبس ذلك. روى البيهقي في «سننه» ؛ من حديث حفص بن غياث بن الحجاج؛ عن أبي جعفر؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه أنّه ﷺ كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة.

стр. 488

وكان ﷺ برد حبرة يلبسه في كلّ عيد. ومرّ عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه ... ورواه الطبراني؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بلفظ: كان يلبس يوم العيد بردة حمراء. قال الهيثمي: رجاله ثقات. وفي ذلك ردّ على من كره لبس الأحمر القاني؛ وزعم أنّ المراد بالأحمر هنا ما هو ذو خطوط حمر: تحكّم لا دليل عليه. قال في «المطامح» : ومن أنكر لباس الأحمر؛ فهو متعمّق جاهل، وإسناده لمالك باطل؛ قاله المناوي في «الكبير» . (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي: (كان له ﷺ برد حبرة) - بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة؛ بوزن عنبة-: ثوب يمانيّ من قطن، أو كتّان مخطّط؛ يقال (برد حبرة) على الوصف، و (برد حبرة) على الإضافة، وهو أكثر في استعمالهم، والجمع: حبر وحبرات، مثل عنب وعنبات. قال الأزهري: ليس حبرة موضعا، أو شيئا معلوما، إنّما هو وشي معلوم أضيف الثوب إليه، كما قيل «ثوب قرمز» بالإضافة، والقرمز: صبغة. فأضيف الثوب إلى الوشي والصبغ للتوضيح. انتهى «مصباح» . ونحوه في «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي. (يلبسه في كلّ عيد) يتجمل به كعادته في التجمّل للعيد والوفود. (ومرّ) أمير المؤمنين سيدنا أبو حفص (عمر بن الخطّاب) بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي المدني (رضي الله تعالى عنه) . أسلم قديما؛ بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة؛ بعد دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم؛ فظهر الإسلام بمكّة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار رسول الله ﷺ ، وأحد كبار علماء الصحابة وزهّادهم.

стр. 489

مع النّبيّ ﷺ بالسّوق فرأى حلّة من سندس ... وهو أوّل من سمّي أمير المؤمنين، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا، والخندق وبيعة الرّضوان، وخيبر والفتح وحنينا والطائف وتبوك وسائر المشاهد. وكان شديدا على الكفّار والمنافقين، وأجمع السّلف على كثرة علمه ووفور فهمه، وزهده وتواضعه، ورفقه بالمسلمين وإنصافه، ووقوفه مع الحقّ وتعظيمه آثار رسول الله ﷺ وشدّة متابعته له، واهتمامه بمصالح المسلمين وإكرامه أهل الفضل والخير. وفضائله أكثر من أن تحصى، ومحاسنه أوفر من أن تستقصى؛ رضي الله تعالى عنه. روي له عن النبي ﷺ خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم منها على ستة وعشرين حديثا، وانفرد البخاريّ بأربعة وثلاثين، وانفرد مسلم بأحد وعشرين. وطعن ﵁ يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، ودفن يوم الأحد هلال المحرّم سنة: أربع وعشرين، فكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر وأحدا وعشرين يوما. وقيل غير ذلك في مدّة الخلافة، وتاريخ الطعن والوفاة، وعمره ثلاث وستّون سنة على الصحيح المشهور، كما أنّ سنّ النبي ﷺ وسنّ أبي بكر وعليّ وعائشة ثلاث وستّون سنة- على الصحيح- رضي الله تعالى عنهم. أجمعين. (مع النّبيّ ﷺ بالسّوق) - بضمّ المهملة؛ مؤنّث سماعي وقد يذكّر، كما أشار إليه الكرماني-، سمّيت بذلك لسوق البضائع إليها، وقيل: لقيام الناس فيها على سوقهم؛ جمع ساق. وقيل: لتصاكك السّوق فيها من الازدحام؛ ذكره في «شرح الأذكار» . وفي كثير من الروايات: أنّ ذلك عند باب المسجد. (فرأى) ؛ أي: عمر رجلا يسمّى عطاردا التميمي يقيم (حلّة من سندس)

стр. 490

فقال: يا رسول الله؛ لو اتّخذت هذه للعيد، فقال: «إنّما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» . يعرضها للبيع، وكان عطارد رجلا يغشى الملوك ويصيب منهم. وفي رواية: حلّة من إستبرق. وفي أخرى: من ديباج، أو حرير. وفي رواية: حلّة سيراء: والحلّة: ثوبان من جنس. قال في «القاموس» : الحلّة- بالضم- إزار ورداء مثل برد أو غيره، ولا تكون إلّا من ثوبين، أو ثوب له بطانة. وفي «المصباح» : الحلّة لا تكون إلا من ثوبين من جنس واحد، والجمع حلل، كغرفة وغرف- وقد مرّ الكلام على الحلّة-. والديباج: ثوب متّخذ من إبريسم، والسيراء- بسين مهملة مكسورة ثم مثناة تحتية مفتوحة ثم راء ثم ألف ممدودة-: برود يخالطها حرير متضلّعة بالحرير. قالوا كأنها شبهت خطوطها بالسّيور. والإستبرق: غليظ الديباج. (فقال) ؛ أي: عمر رضي الله تعالى عنه: (يا رسول الله؛ لو اتّخذت هذه للعيد!) . لفظ الحديث: عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى حلّة سيراء عند باب المسجد؛ فقال: يا رسول الله؛ لو اشتريت هذه فلبستها للناس يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك!! وفي رواية: فقال: يا رسول الله، ابتع هذه فتجمّل بها للعيد وللوفد. (فقال) رسول الله ﷺ : ( «إنّما يلبس هذه) - الثياب الحرير- (من لّا خلاق له في الآخرة» ) يعني: من لا حظّ له ولا نصيب له من لبس الحرير في الآخرة، فعدم نصيبه كناية عن عدم دخوله الجنة؛ ولباسهم فيها حرير. وهذا إن استحلّ، وإلّا! فهو تهويل وزجر. وقيل: معناه من لا حرمة له. وقيل: من لا دين له. وتمام الحديث: ثمّ جاءت رسول الله ﷺ منها حلل، فأعطى عمر منها حلّة، فقال عمر: يا رسول الله؛ كسوتنيها؛ وقد قلت في حلّة عطارد ما قلت!؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم

стр. 491

وكانت الصّحابة ... «إنّي لم أكسكها لتلبسها» . فكساها عمر أخا له مشركا بمكّة. رواه البخاريّ، ومسلم، و «الموطأ» ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه- واللفظ لمسلم-. وفيه دليل لتحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء، وإباحة هديّته، وإباحة ثمنه، وجواز إهداء المسلم إلى المشرك ثوبا وغيره، واستحباب لبس أنفس ثيابه يوم الجمعة والعيد؛ وعند لقاء الوفود ونحوهم، وعرض المفضول على الفاضل؛ والتابع على المتبوع ما يحتاج إليه من مصالحه التي قد لا يذكرها، وفيه صلة الأقارب والمعارف؛ وإن كانوا كفّارا. وقد يتوهّم متوهّم أنّ فيه دليلا على أن رجال الكفّار يجوز لهم لبس الحرير!! وهذا وهم باطل، لأن الحديث إنّما فيه الهدية إلى كافر، وليس فيه الإذن له في لبسها. وقد بعث النبي ﷺ ذلك إلى عمر وعليّ وأسامة ﵃، ولا يلزم منه إباحة لبسها لهم، بل صرّح ﷺ كما في بعض الروايات بأنّه إنّما أعطاه لينتفع بها بغير اللبس. والمذهب الصحيح الّذي عليه المحقّقون والأكثرون: أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ فيحرم عليهم الحرير كما يحرم على المسلمين. والله أعلم؛ قاله النووي في «شرح مسلم» . (وكانت الصّحابة) - قال في «شرح الأذكار» : بفتح الصاد في الأصل مصدر، قال الجوهري: ويقال: صحبه وصحب به. والصحابة: بمعنى الأصحاب واحده «صاحب» بمعنى الصحابي: وهو من اجتمع بنبيّنا محمد ﷺ مؤمنا به بعد نبوّته في حال حياة كلّ؛ اجتماعا متعارفا بأن يكون في الأرض على العادة، بخلاف ما يكون في السماء، أو بين السماء والأرض؛ وإن لم يره؛ أو لم يرو عنه شيئا، أو لم يميّز- على الصحيح-. وأمّا قولهم «ومات على الإسلام» !! فهو شرط لدوام الصحبة؛ لا لأصلها. وقيل في تعريفه غير ذلك.

стр. 492

......... وتعرف الصحبة: ١- بالتّواتر، أو ٢- الاستفاضة، أو ٣- قول صحابيّ، أو ٤- قوله (أنا صحابي) إذا كان عدلا؛ وأمكن ذلك، فإن ادّعاه بعد مائة سنة من وفاته ﷺ فإنّه لا يقبل. وزاد ابن حجر ٥- أن يخبر آحاد التابعين بأنّه صحابيّ؛ بناء على قبول التزكية من واحد- وهو الراجح-. والصحابة كلهم عدول؛ من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتدّ به. وأكثرهم حديثا أبو هريرة، ثم ابن عمر، ثم أنس بن مالك، ثم عائشة أم المؤمنين، ثم ابن عبّاس، ثم جابر بن عبد الله، ثم أبو سعيد الخدري. وقد نظمهم من قال: سبع من الصّحب فوق الألف قد نقلوا ... من الحديث عن المختار خير مضر أبو هريرة سعد جابر أنس ... صدّيقة وابن عبّاس كذا ابن عمر وأكثرهم فتيا ابن عبّاس؛ قاله أحمد ابن حنبل. وقال ابن حزم: أكثر الصحابة فتوى مطلقا سبعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وعائشة. قال: ويمكن أن يجمع من فتيا كلّ واحد من هؤلاء مجلّد ضخم. قال: ويليهم عشرون: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقّاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأمّ سلمة. قال: ويمكن أن يجمع من فتيا كلّ واحد منهم جزء صغير. قال: وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسا يقلّون في الفتيا جدّا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث؛ كأبي بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد. ثمّ سرد الباقين. انتهى نقله عن السيوطي رحمه الله تعالى. ومن الصحابة العبادلة؛ وهم ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وابن

стр. 493

......... عمرو بن العاص. وليس ابن مسعود منهم، لأنّه تقدّم موته قبل حدوث الاصطلاح، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم فإذا اجتمعوا على شيء قيل «هذا قول العبادلة» ، وكذا ليس منهم من يسمّى عبد الله من الصحابة، فلا يطلق عليهم العبادلة؛ وهم جماعة يبلغون نحو ثلثمائة رجل. قال أبو زرعة الرازي: قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه، وأفضلهم على الإطلاق أبو بكر الصدّيق، ثم عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله تعالى عنهما بإجماع أهل السنة، ثم عثمان بن عفان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب، هذا قول جمهور أهل السنة. قال أبو منصور البغداديّ: أصحابنا مجمعون على أنّ أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم تمام العشرة المشهود لهم بالجنة: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة: عامر بن الجراح، ثم أهل بدر وهم ثلثمائة وبضعة عشر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. وممّن له مزيّة أهل العقبتين من الأنصار، والسابقون الأوّلون؛ وهم من صلّى إلى القبلتين. ووردت أحاديث في تفضيل أعيان من الصحابة مذكورة في كتب السنة؛ فلتراجع من هناك. وأوّل الصحابة إسلاما! قيل: أبو بكر الصديق، وقيل: علي، وقيل: زيد، وقيل: خديجة؛ وهو الصواب عند جماعة من المحققين. والأورع أن يقال أوّل من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. وآخرهم موتا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي وفضائلهم كثيرة شهيرة نكتفي منها بهذا القدر.

стр. 494

رضي الله تعالى عنهم يلبسون ذكورهم الصّغار يوم العيد أحسن ما يقدرون عليه من الحليّ، والمصبّغات من الثّياب. وكان له ﷺ ثوبان لجمعته خاصّة سوى ثيابه في غير الجمعة، ... (رضي الله تعالى عنهم) أجمعين آمين، ورزقنا محبّتهم والأدب معهم، وحشرنا في زمرتهم تحت لواء صاحب الحوض المورود والمقام المحمود ﷺ . (يلبسون ذكورهم الصّغار يوم العيد) مأخوذ من العود؛ وهو التكرار لتكرّره كلّ عام، أو لعود السرور بعوده، أو لكثرة عوائد الله تعالى؛ أي: إفضاله على عباده فيه، أو لعود كلّ فيه لقدره ومنزلته، هذا يضيف وذاك يضاف، وذا يرحم وذاك يرحم. وأصله: عود؛ قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وجمع على أعياد، مع أنّ كون أصله الواو يقتضي جمعه على أعواد؛ فرقا بذلك بينه وبين أعواد الخشب. انتهى شرح الأذكار» . (أحسن ما يقدرون عليه من الحليّ) - بضمّ أوّله مع كسر اللام وتشديد الياء- واحده حلي- بفتح الحاء وإسكان اللام-: اسم لكلّ ما يتزيّن به من مصاغ الذهب والفضّة، (والمصبّغات) - بتشديد الموحدة- (من الثّياب) - مما يجوز لبسه؛ كالمصبوغ بالورس والعصفر- على الخلاف-، وهي من أحسن الثياب الموجودة في ذلك العصر، لأنّه يسنّ التزيّن بأحسن الثياب وأرفعها قيمة في العيدين، والجديد أولى؛ ولو كان غير أبيض في العيدين- بخلاف الجمعة- فإنّ الأبيض فيها أفضل من غيره؛ ولو كان الغير جديدا وذا قيمة. والفرق: أن القصد في العيد: إظهار النعم وإشهار الزينة؛ وهما بالأرفع قيمة أنسب، والقصد في الجمعة: إظهار التواضع. (و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني، و «إحياء علوم الدين» للإمام حجّة الإسلام الغزالي: (كان له ﷺ ثوبان لجمعته خاصّة سوى ثيابه في غير الجمعة) .

стр. 495

وربّما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره؛ يعقد طرفيه بين كتفيه، وربّما أمّ به النّاس على الجنائز، وربّما صلّى في بيته في الإزار الواحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه، ويكون ذلك الإزار هو الّذي جامع فيه يومئذ. قال العراقيّ: رواه الطبراني في «الصغير» و «الأوسط» ؛ من حديث عائشة بسند ضعيف- زاد: فإذا انصرف طويناهما إلى مثله. وقد تقدّم قريبا في الشرح، ويعارضه حديث عائشة عند ابن ماجه: ما رأيته يسبّ أحدا، ولا يطوى له ثوب. قلت: ويمكن الجمع بينهما بأن يستثنى؛ أي: غير ثوبي الجمعة. وقد تقدّم أنّه كان له برد أخضر يلبسه للجمعة والعيد. (وربّما لبس) ﷺ (الإزار الواحد ليس عليه غيره، يعقد طرفيه بين كتفيه) . قال العراقي: روى الشيخان؛ من حديث عمر في حديث اعتزاله أهله: فإذا عليه إزاره، وليس عليه غيره. وللبخاريّ؛ من رواية محمد بن المنكدر صلى بنا جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المشجب. وفي رواية له: وهو يصلّي في ثوب ملتحفا به ورداؤه موضوع. وفيه: رأيت النبي ﷺ يصلي هكذا. (وربّما أمّ به النّاس على الجنائز) . قال العراقي: لم أقف عليه. (وربّما صلّى في بيته في الإزار الواحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه) ؛ يدلّ له حديث جابر السابق آنفا. (ويكون ذلك الإزار هو الّذي جامع فيه يومئذ) . قال العراقيّ: روى أبو يعلى بإسناد حسن؛ من حديث معاوية قال: دخلت على أمّ حبيبة زوج النبي ﷺ ؛ فرأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد، فقلت: يا أمّ حبيبة؛ أيصلّي النبي ﷺ في الثوب الواحد!؟ قالت: نعم، وهو الذي كان فيه ما كان- يعني: الجماع-. ورواه الطبراني في «الأوسط» .
следующие страницы →