كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان ...
«الصحيح» :، كان يلي ذلك من رسول الله ﷺ ، وكان يلبسه نعليه إذا قام، وإذا جلس جعلهما ابن مسعود في ذراعيه حتّى يقوم ﷺ .
وروى محمّد بن يحيى؛ عن القاسم بن محمّد قال: كان عبد الله بن مسعود ﵁ يقوم إذا جلس رسول الله ينزع نعليه من رجليه، ويدخلهما في ذراعيه، فإذا قام ألبسه إيّاهما، فيمشي بالعصا أمامه حتى يدخله الحجرة.
وقد ذكره جماعة؛ منهم ابن سعد: أن أنس بن مالك ﵁ كان صاحب نعل رسول الله ﷺ ، وإداوته. انتهى من «جمع الوسائل» و «جواهر البحار» للمصنّف.
روى الترمذيّ في «الشمائل» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان) - تثنية قبال؛ بكسر القاف وبالموحّدة آخره لام-.
وفي البخاريّ، وأبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، والنسائي؛ عن قتادة؛ عن أنس أنّ نعل النبيّ ﷺ كان لها قبالان بالإفراد. وفي رواية المستملي والحموي: أنّ نعلي النبيّ ﷺ كان لهما- بالتثنية فيهما-.
وفي «الشمائل» بإسناد صحيح؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان. انتهى. والمراد أنّ لكلّ فردة قبالين، بدليل رواية التثنية في البخاريّ.
وقال الكرماني: أي: لكلّ واحد من نعل كلّ رجل قبال واحد.
وردّه الحافظ ابن حجر بما للطبرانيّ، والبزّار- برجال ثقات- والترمذيّ في «الشمائل» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان، ولنعل أبي بكر قبالان، ولنعل عمر قبالان، وأوّل من عقد عقدا واحدا عثمان ﵁. انتهى؛ أي: أوّل من اتّخذ قبالا واحدا عثمان.
ووجه بأنّه أراد أن يبيّن أنّ اتخاذ القبالين قبل ذلك؛ ليس لكراهة قبال واحد، ولا لمخالفة الأولى؛ بل لكون ذلك هو المعتاد.
стр. 562
مثنّى شراكهما.
و (القبال) : هو زمام يوضع بين الأصبع الوسطى والّتي تليها، ويسمّى شسعا.
وبذلك يعلم أنّ ترك النّعلين ولبس غيرهما ليس مكروها؛ ولا خلاف الأولى.
(مثنّى) - بضمّ الميم، وفتح المثلّثة وتشديد النّون المفتوحة، أو بفتح الميم وسكون المثلّثة وكسر النّون وتشديد الياء؛ روايتان من التّثنية، وهو: جعل الشّيء اثنين، ولا يليق جعله من الثّني؛ وهو ردّ شيء إلى شيء-.
(شراكهما) - بكسر الشّين المعجمة: أحد سيور النّعل يكون على وجهها، أي:
كان شراك نعله مجعولا اثنين، و «مثنى» بصيغة اسم المفعول صفة، و «شراكهما» نائب عن الفاعل، ويصحّ جعل «مثنى» خبرا مقدّما، و «شراكهما» مبتدأ مؤخّرا.
وهذا الحديث إسناده صحيح؛ كما قال الحافظ العراقيّ، ورواه ابن ماجه بسند قويّ. قال المصّنّف في «جواهر البحار» : صرّح بعض الحفّاظ بأنّ نعله ﷺ كانت صفراء، قال: وفي رواية أبي الشّيخ؛ عن أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه: أنّ نعل رسول الله ﷺ كانت من جلود البقر. وفي لفظ أبي ذرّ: رأيت رسول الله ﷺ في نعلين مخصوفتين من جلود البقر.
وروى الحارث بن أبي أسامة؛ عن حميد قال: حدّثني من سمع الأعرابيّ يقول: رأيت رسول الله ﷺ وعليه نعلان من بقر. قال: وجزم بعض الحفّاظ بأنّه ﷺ كانت له نعل من طاق واحد، ونعل من أكثر. قال: وورد في خبر ضعيف أنّه ﷺ قال: «أمرت بالنّعلين والخاتم» .
وروى الطّبرانيّ؛ عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: حمل رسول الله ﷺ نعله بالسبّابة من يده اليسرى. انتهى كلام «جواهر البحار» .
(والقبال) - بكسر القاف وبالموحّدة ولام آخره- قال الباجوريّ وغيره: (هو زمام يوضع بين الأصبع الوسطى والّتي تليها، ويسمّى شسعا) - بكسر الشّين
стр. 563
وكان ﷺ يضع أحد القبالين بين الإبهام والّتي تليها، والآخر بين الوسطى والّتي تليها. و (الشّراك) : السّير.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّه كان يلبس النّعال السّبتيّة؛ وهي الّتي لا شعر عليها، و ...
المعجمة، وسكون السّين المهملة- بوزن (حمل) ؛ كما في «القاموس» .
(و) قال الباجوريّ، والمصنّف في «جواهر البحار» ، وغيرهما: أفاد بعض حفّاظ الأئمّة أنّه (كان ﷺ يضع أحد القبالين) أي: الزمامين (بين الإبهام) ؛ أي:
إبهام رجله (والّتي تليها، و) يضع الزّمام (الآخر بين) الأصبع (الوسطى والّتي تليها) ، ويجمعهما؛ أي: الزّمامين إلى السّير الّذي بظهر قدمه؛ وهو الشّراك الّذي على وجهها، وكان مثّنى؛ كما في عدّة أحاديث. انتهى.
(والشّراك) - بكسر الشّين المعجمة وخفّة الرّاء وكاف آخره- هو: (السّير) الرقيق الّذي يكون في النّعل على ظهر القدم.
(و) أخرج البخاريّ ومسلم وغيرهما؛ في حديث طويل، والترمذيّ في «الشمائل» مختصرا، كلّهم من طريق الإمام مالك؛ عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ؛ عن عبيد بن جريج.
(عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب (رضي الله تعالى عنهما، أنّه) ؛ أي:
ابن عمر (كان يلبس) - بفتح الباء الموحّدة- (النّعال) ؛ أي: يختار لبسها (السّبتيّة) - بكسر السّين المهملة وسكون الموحّدة وكسر المثّناة الفوقيّة-: (وهي الّتي لا شعر عليها) ، نسبة للسّبت- بكسر السّين- وهو جلود البقر المدبوغة، سمّيت بذلك! لأنّ شعرها سبت عنها، أي: حلق وأزيل، إذ السّبت: القطع، أو لأنّها أسبتت بالدّباغ.
(و) لفظ «الشّمائل» ؛ عن عبيد بن جريج: أنّه قال لابن عمر: رأيتك تلبس
стр. 564
قال: إنّي رأيت رسول الله ﷺ يلبس النّعال الّتي ليس فيها شعر، ويتوضّأ فيها، فأنا أحبّ أن ألبسها.
النّعال السّبتيّة!! (قال: إنّي رأيت رسول الله ﷺ يلبس النّعال الّتي ليس فيها شعر) . وهي السّبتيّة كما علمت.
(ويتوضّأ فيها) ؛- أي- لكونها عارية عن الشّعر، فتليق بالوضوء فيها، لأنّها تكون أنظف، بخلاف الّتي فيها الشّعر؛ فإنّها تجمع الوسخ.
وظاهر قوله (ويتوضّأ فيها) : أنّه يتوضأ والرّجل في النّعل. وقال النّوويّ:
معناه أنّه يتوضّأ ويلبسها بعد ورجلاه رطبتان، وفيه بعد لأنّه غير المتبادر من قوله (ويتوضّأ فيها) .
(فأنا أحبّ أن ألبسها) ؛ أي: اقتداء به ﷺ .
قال ابن الأثير وغيره: وجه السّؤال كونها نعال أهل النّعمة والسّعة، ولم تنعلها الصحابة، ففي صدر الحديث عند الشّيخين؛ عن عبيد أنّه قال: رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها؛ وعدّ منها هذه؟! فأجابه: بأنّه لبسها اقتداء بالمصطفى!! ولعل ترك الصّحابة للبسها أنّ فرض صحّة الاستغراق وأنّ ما نفاه عنهم السّائل هو الواقع، إذ يحتمل أنّ نفيه باعتبار علمه أنّهم لم يبلغهم فيه شيء، وامتاز ابن عمر عنهم بحفظ ذلك عن المصطفى، فالحجّة فيما رآه وفعله؛ لا في تركهم، وهذا الحديث يدلّ على طهارتها.
وقد تقرّر أنّها كانت متّخذة من جلد مدبوغ، فيحتمل أنّه طهّرها بالدّبغ والغسل، ويحتمل أنّها من مذكّى، وكان دباغها لإزالة الشّعر فقط.
وفيه جواز لبس النّعال على كل حال. وقال الإمام أحمد: يكره في القبور، لقول المصطفى ﷺ لمن رآه يمشي بنعليه فيها: «اخلع نعليك» .
وأجيب باحتمال كونه لأذى فيهما. انتهى «مناوي وزرقاني» .
стр. 565
وعن عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أنّه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلّي في نعلين مخصوفتين- أي:
مخروزتين- ضمّ فيهما طاق إلى طاق.
(و) في «الشّمائل» أيضا (عن) أبي سعيد (عمرو) - بفتح العين- (بن حريث) بضمّ الحاء ومثلّثة آخره مصغّرا- ابن عمرو بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، صحابي صغير، وأمّا عمرو بن حريث المصري! فاختلف في صحبته.
وعمرو بن حريث المخزومي أخرج حديثه السّتة، ومات النّبيّ ﷺ ؛ وله اثنا عشر سنة، وسكن الكوفة، وهو أوّل قرشيّ اتّخذ بالكوفة دارا، ومسح النّبيّ ﷺ رأسه ودعا له بالبركة في صفقته وبيعته؛ فكسب مالا عظيما؛ فكان من أغنى أهل الكوفة، وولي لبني أميّة بالكوفة، وشهد القادسيّة وأبلى فيها.
روى عنه ابنه جعفر، وخليفة؛ واصنع؛ وهارون: مواليه، وعطاء بن السّائب، والوليد بن سويع، وسراقة بن محمّد، وإسماعيل بن أبي خالد وجماعة من التّابعين، وتوفّي سنة: - ٨٥- خمس وثمانين هجريّة، وله عقب بالكوفة.
(رضي الله تعالى عنه أنّه قال) ؛ ولفظ «الشّمائل» : حدّثنا أحمد بن منيع؛ قال: حدّثنا أبو أحمد؛ قال: حدّثنا سفيان؛ عن السدّي قال: حدّثني من سمع عمرو بن حريث يقول:
(رأيت رسول الله ﷺ يصلّي في نعلين مخصوفتين- أي: مخروزتين-) بحيث (ضمّ فيهما طاق إلى طاق) ؛ من الخصف وهو: ضمّ شيء إلى شيء وجمعه إليه، قال العلّامة ابن حجر: قد صحّ عنه ﷺ أنّه كان يخصف نعله، أي: يضع طاقا فوق طاق، والمراد من هذا الحديث: أنه رأى النبي ﷺ يصلّي بالنّعلين وهما طاهرتان؛ قاله في «جواهر البحار» .
وفي ذلك ردّ على من زعم أنّها كانت من طاق واحدة، وأنّ العرب كانت تمتدح به، وجعله من لباس الملوك، لكن جمع بأنّه كانت له نعل من طاق واحدة ونعل من أكثر؛ كما دلّت عليه عدّة أخبار! وهو حسن.
стр. 566
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يأكل- يعني الرّجل- بشماله، ...
وفي سند هذا الخبر كما ترى مجهول، لكن صحّ من غير ما طريق أنّه كان يخصف نعله بيده الكريمة، وثبت أنّ عائشة رضي الله تعالى عنها سئلت عمّا كان رسول الله ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر؛ يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
وفي رواية لأحمد وابن حبان عنها: يخيط ثوبه ويخصف نعله.
وفي رواية لابن سعد عنها: يرقع ثوبه ويعمل ما يعمل الرّجال في بيوتهم.
وفي رواية: يعمل عمل البيت، وأكثر ما يعمل الخياطة.
وقد نظم معنى ذلك الحافظ العراقيّ في «ألفيّة السّيرة» بقوله:
يخصف نعله يخيط ثوبه ... يحلب شاته ولن يعيبه
يخدم في مهنة أهله كما ... يقطع بالسّكّين لحما قدّما
وفي هذا الحديث جواز الصّلاة في النّعلين، لكن إن كانتا طاهرتين. والله أعلم.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل» ؛ (عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما؛ أنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يأكل- يعني الرّجل-) هذا كلام الرّاوي؛ عن جابر أو من قبله. وذكر الرّجل!! لأنّه الأصل والأشرف؛ لا للاحتراز.
وقال بعضهم: المراد بالرّجل الشّخص، بطريق عموم المجاز، فيصدق على الصّبيّ؛ لأنّه من أفراده، وفي البخاريّ ما يدلّ له.
(بشماله) - متعلّق ب «يأكل» ، وهو- بكسر الشّين المعجمة- اليد اليسرى، فالأكل بها بلا ضرورة مكروه كراهة تنزيه عند الشّافعية، وكراهة تحريم عند كثير من المالكية والحنابلة، واختاره بعض الشّافعيّة؛ لما في «مسلم» : أنّ المصطفى ﷺ رأى رجلا يأكل بشماله؛ فقال له: «كل بيمينك» . فقال له: لا أستطيع. فقال
стр. 567
أو يمشي في نعل واحدة. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم.. فليبدأ باليمين، وإذا نزع.. فليبدأ بالشّمال، ...
له: «لا استطعت» . فما رفعها إلى فيه بعد ذلك. ولا يخفى ما في الاستدلال بذلك على التحريم من البعد. انتهى «مناوي» .
(أو يمشي) - عطف على «يأكل» - (في نعل واحدة) - بالتأنيث، فالمشي في نعل واحدة مكروه تنزيها؛ حيث لا عذر. قال البيهقيّ:
وجه النّهي ما فيه من القبح والشّهرة ومدّ الأبصار نحو من يفعل ذلك، وكل لباس صار صاحبه شهرة في القبح فحكمه أن يتقى، لأنّه في معنى المثلة. انتهى.
و «أو» للتّقسيم لا للشّكّ كما وهم، فكلّ ممّا قبلها وما بعدها منهيّ عنه على حدته، على حدّ قوله تعالى (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) (٢٤) [الإنسان] ، وحملها على الواو يفسد المعنى، لأنّ المعنى عليه النّهي عن مجموعهما؛ لا عن كلّ على حدته.
(و) أخرج البخاريّ، وأبو داود، والتّرمذيّ في «اللباس» وفي «الشّمائل» ؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«إذا انتعل أحدكم) - أي: إذا أراد أن يلبس أحدكم نعليه- (فليبدأ باليمين) أي: بالجانب اليمين- لأنّ التّنفّل من باب التّكريم، واليمين لشرفها تقدّم في كل ما كان من باب التّكريم، ولفظ البخاريّ: «بالرّجل اليمنى» . وللحمويّ والمستملي «باليمين» ؛ أي: بالنّعل اليمنى.
(وإذا نزع) ؛ أي: أراد خلعهما (فليبدأ بالشّمال) ؛ أي: بالجانب الشّمال، لأنّ النّزع من باب التّنقيص.
والشّمال لعدم شرفها تقدّم في كلّ ما كان من باب التقيص، لكن في إطلاق كون النّزع من باب التنقيص نظر، إذ كلّ من الحفا والانتعال له محلّ يليق به، وقد يكون الحفا في بعض المواطن ليس إهانة للرّجل بل إكراما.
стр. 568
فلتكن اليمين أوّلهما تنعل وآخرهما تنزع.
فالأولى قول الحكيم التّرمذيّ: اليمين محبوب الله ومختاره من الأشياء، فأهل الجنّة عن يمين العرش يوم القيامة، وأهل السّعادة يعطون كتبهم بأيمانهم، وكاتب الحسنات على اليمين؛ وكفّة الحسنات من الميزان عن اليمين؛ فاستحقّت أن تقدّم اليمين، وإذا كان الحقّ في التّقديم لليمين أخّر نزعها ليبقى ذلك الحقّ لها أكثر من اليسرى.
(فلتكن) الرّجل (اليمين) - لفظ البخاريّ والتّرمذي «فلتكن اليمنى» - (أوّلهما) - منصوب على أنّه خبر «كان» - (تنعل) - بالمثنّاة الفوقيّة والتحتيّة؛ مبنيّا للمفعول؛ والجملة حاليّة، (وآخرهما) بالنصب؛ خبر «كان» (تنزع) بالمثناة الفوقية والتحتية-؛ مبنيّا للمفعول، والجملة حالية. ويجوز أن يكون «أوّلهما» و «آخرهما» بالنّصب على الحال، و «تنعل» و «تنزع» : خبر «كان» ، والتّذكير في ذلك باعتبار العضو، وهذا تأكيد لما قبله كما لا يخفى.
قال ابن عبد البرّ: فمن بدأ في الانتعال باليسرى أساء بمخالفته السنّة، ولكن لا يحرم عليه لبس نعله. وقال غيره: ينبغي أن ينزع النّعل من اليسرى ثم يبدأ باليمين.
وقال الحافظ ابن حجر: ويمكن أنّ مراد ابن عبد البرّ ما إذا لبسهما معا، فبدأ باليسرى فلا يشرع له نزعهما ثم لبسهما على التّرتيب المشروع لفوات محلّه.
قال القسطلّانيّ: وفيه تأمّل؛ لأنّ من فعل ذلك فعليه نزعهما معا ويستأنف لبسهما على ما أمر به، فكأنّه ألغى ما وقع منه أوّلا. انتهى؛ ذكره الزّرقاني على «المواهب» .
قال في «جمع الوسائل» : وأنت تعرف أنّ نزعهما معا ولبسهما معا ممّا لا يكاد يتصوّر في أفعال العقلاء. انتهى.
أقول: يتصوّر ذلك فيما إذا كان جالسا على كرسيّ مثلا؛ أو ألبسه غيره،
стр. 569
وكان ﷺ إذا جلس يتحدّث.. يخلع نعليه.
قال الباجوريّ: (كانت نعله ﷺ مخصّرة، معقّبة، ملسّنة، كما رواه ...
فيتصوّر حينئذ لبسهما معا وخلعهما معا بلا كلفة؛ والله أعلم؛ قاله الزرقاني.
ونقل عياض وغيره الإجماع على أنّ الأمر فيه للاستحباب. انتهى.
وكان ﵊ ينهى أن ينتعل الرّجل قائما. وفي رواية: وهو قائم.
رواه أبو داود، والتّرمذيّ؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه. ورواه التّرمذيّ أيضا؛ عن أنس.
قال الزّرقاني: لأنّ لبسها قاعدا أسهل وأمكن، فهو نهي تنزيه وإرشاد، ولذا أخذ منه الطّيبي وغيره تخصيص النّهي بما في لبسه قائما تعب كالتّاسومة والخفّ؛ لا قبقاب أو سرموجة. انتهى.
(و) أخرج البيهقيّ في «شعب الإيمان» بإسناد ضعيف؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا جلس يتحدّث يخلع نعليه) أي:
ينزعهما فلا يلبسهما حتى يقوم لأجل راحة قدميه. وتمام الحديث: فخلعهما يوما وجلس يتحدّث، فلمّا انقضى حديثه قال لغلام من الأنصار: «يا بنيّ؛ ناولني نعلي» . فقال: دعني أنا أنعلك. قال: «شأنك فافعله» . فقال رسول الله ﷺ :
«اللهمّ؛ إنّ عبدك يستجيب «١» إليك فأحبّه» . انتهى أي: أنّه قد تقرّب إليك بخدمة رسولك. فهنيئا له بهذه الدّعوة من سيّد البشر ﷺ .
(قال) العلّامة إبراهيم (الباجوريّ) الشّافعيّ في كتاب «المواهب اللّدنّيّة على الشّمائل المحمّديّة» : وقد (كانت نعله ﷺ مخصّرة) - بالتّشديد على صيغة اسم المفعول؛ كمعظّمة، وسيأتي معناها- (معقّبة) - بالتّشديد كمعظّمة أيضا، ومثله قوله: (ملسّنة؛ كما رواه) الإمام الحافظ المحدّث الثّقة، أبو عبد الله محمد
стр. 570
ابن سعد في «الطّبقات» ) .
و (المخصّرة) : هي الّتي لها خصر دقيق.
و (المعقّبة) : هي الّتي لها عقب، أي: سير من جلد في مؤخّر النّعل يمسك به عقب القدم. و (الملسّنة) : ...
(ابن سعد) بن منيع الزّهري مولاهم.
ولد في البصرة سنة: - ١٦٨- ثمان وستين ومائة، وصحب الواقديّ المؤرّخ زمانا، فكتب له، وروى عنه، وعرف ب «كاتب الواقديّ» .
قال الخطيب في «تاريخ بغداد» : محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدلّ على صدقه، فإنّه يتحرّى في كثير من رواياته.
أشهر كتبه «طبقات الصّحابة» وقد طبع في ثمانية مجلّدات، ويعرف ب «طبقات ابن سعد» . وكانت وفاته في محلّ سكناه بغداد؛ سنة: - ٢٣٠- ثلاثين ومائتين هجريّة رحمه الله تعالى.
(في «الطّبقات) الكبرى» ؛ جمع فيها الصّحابة والتّابعين فمن بعدهم إلى وقته؛ فأجاد وأحسن، وله طبقات أخرى صغرى ثالثة وثانية، وله كتاب «التّاريخ» رحمه الله تعالى.
قال الحافظ العراقيّ: روى أبو الشّيخ بسنده؛ عن يزيد بن أبي زياد قال:
رأيت نعله ﷺ مخصّرة ملسّنة؛ ليس لها عقب خارج. وروى ابن سعد عن هشام بن عروة: رأيت نعل النّبيّ ﷺ مخصّرة معقّبة ملسّنة؛ لها قبالان.
(والمخصّرة) - بالتشديد- (هي الّتي لها خصر دقيق) أو: الّتي قطع خصراها حتّى صار مستدقّين (والمعقّبة) - بالتّشديد أيضا- (هي الّتي لها عقب) - بفتح فكسر- (أي: سير) - واحد السّيور- (من جلد في مؤخّر النّعل) يضمّ به الرّجل و (يمسك به عقب القدم) كما يفعل في كثير من النّعال.
(و) النّعل (الملسّنة) - بتشديد السّين على صيغة اسم المفعول؛ كمعظّمة-
стр. 571
هي الّتي في مقدّمها طول على هيئة اللّسان.
قال الحافظ الكبير زين الدّين العراقيّ ...
(هي الّتي في مقدّمها طول) ولطافة (على هيئة اللّسان) العضو المعروف. وقيل:
التّي جعل لها لسان، ولسانها: الهيئة النّاتئة في مقدّمها؛ كما في «النهاية» .
وذلك لأنّ سبّابة رجله ﷺ كانت أطول أصابعه، فكان في مقدم نعله بعض طول يناسب طول تلك الأصبع.
وروى ابن سعد؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه أنّه قال: إنّ محمد بن علي أخرج لي نعل رسول الله ﷺ فأرانيها معقّبة مثل الحضرميّة، لها قبالان. وهو يوافق ما قاله هشام بن عروة.
قال العراقيّ: والجمع بين قول يزيد «ليس لها عقب» ؛ وقول هشام «معقّبة» !! ممكن بأنّ يزيد لم يطلق العقب، وإنّما قال «ليس لها عقب خارج» وهشام أثبت كونها معقّبة!! فيكون لها عقب غير خارج. والله أعلم.
(قال) العلّامة المناوي في «شرح الشّمائل» : لم أر أحدا من الشّرّاح تعرّض لصفة النّعل؛ ولا لمقدارها. انتهى.
وقال المصنّف رحمه الله تعالى في «جواهر البحار» : قال الشّيخ الإمام الحافظ العلقمي في حاشيته على «الجامع الصغير في أحاديث البشير النّذير» : ورد أنّ طول نعله ﷺ شبر وإصبعان، وعرضها ممّا يلي الكعبان سبع أصابع، وبطن القدم خمس وفوقها ستّ، ورأسها محدد، وعرض ما بين القبالين إصبعان. انتهى.
وهو عين ما قاله (الحافظ الكبير) الشّيخ (زين الدّين) أبو الفضل؛ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحيم بن أبي بكر بن إبراهيم، الكردي الأصل، الشافعي، المعروف ب «الحافظ (العراقيّ» ) ولد سنة: - ٧٢٥- خمس وعشرين وسبعمائة، وكان عالما بالنّحو واللّغة، والغريب والقراءات، والفقه وأصوله، غير
стр. 572
رحمه الله تعالى في «ألفيّة السّيرة النّبويّة» على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام:
أنّه غلب عليه الحديث فاشتهر به وانفرد بمعرفته، وكان منوّر الشّيبة جميل الصورة، كثير الوقار نزر الكلام، طارحا للتكلف ضيّق العيش، شديد التوقي في الطهارة، لا يعتمد إلّا على نفسه؛ أو على رفيقه الهيثمي، وكان كثير الحياء متجمعا عن النّاس، حسن النادرة والفكاهة.
قال الحافظ ابن حجر: وقد لازمته مدّة فلم أره ترك قيام اللّيل؛ بل صار كالمألوف عنده، ويتطوّع بصيام ثلاثة أيّام من كل شهر.
وقد رزق السّعادة في ولده الولي العراقيّ، فإنّه كان إماما وفي رفيقه الهيثمي فإنّه كان حافظا كبيرا.
ورزق أيضا السّعادة في تلامذته؛ فإنّ منهم الحافظ ابن حجر وطبقته، وتصدّى للتّصنيف والتّدريس. ومات عقب خروجه من الحمّام ليلة الأربعاء؛ ثامن شهر شعبان سنة: - ٨٠٦- ستّ وثمانمائة بالقاهرة ودفن بها (رحمه الله تعالى) .
آمين.
(في «ألفيّة السّيرة النّبويّة» ) الّتي بيّن فيها بعض الأحوال المحمّديّه (على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام) ، فأتى به الحافظ العلقمي بنصّه وسلّمه، وناهيك به!! وإن كان بعض الحفّاظ قال: إنّي لم أقف على هذا التّحديد إلّا للعراقيّ، وكفى به حجّة!! وقد اعترف بثقته الأنام ووصفوه بأنّه حافظ مصر والشّام وخادم سنّة النّبي ﵊.
إذا قالت حذام فصدّقوها ... فإنّ القول ما قالت حذام
مع أنّ صاحب «سبل الهدى والرّشاد» ذكر ذلك التّحديد غير معترض عليه، بل أقرّه وناهيك باطّلاعه الوافر المديد، ونص ما في «ألفيّة السّيرة» قوله رحمه الله
стр. 573
ونعله الكريمة المصونه ... طوبى لمن مسّ بها جبينه
لها قبالان بسير وهما ... سبتيّتان سبتوا شعرهما
وطولها شبر وإصبعان ... وعرضها ممّا يلي الكعبان
سبع أصابع وبطن القدم ... خمس، وفوق ذا فستّ فاعلم
تعالى: (ونعله الكريمة) ؛ أي: المكرّمة المحترمة، لتشرفها بأخمص خير الخلق ﷺ ، ويطلق الكريم على النّفيس، ومنه: كرائم الأموال.
(المصونة) عن الأدناس، (طوبى) - فعلى- من الطّيب، و «طوبى» كلمة عربيّة، تقول العرب: طوبى لك إن فعلت كذا وكذا، ولا تقول: طوباك، وهذا قول أكثر النّحويّين إلّا الأخفش، وقيل: إنّ «طوبى» تأنيث «الأطيب» ؛ أي: راحة وطيب عيش (لمن مسّ بها جبينه) . والجبين: ناحية الجبهة من محاذاة النّزعة إلى الصّدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه جبن، مثل بريد وبرد.
(لها قبالان) - بكسر القاف- تثنية قبال؛ وهو زمام النّعل، أي: لكل واحدة قبالان بينهما نحو أصبعين، (بسير) ؛ أي: من سير، (وهما) ؛ أي: النّعلان (سبتيّتان) ، مثنّى سبتيّة- بكسر السّين المهملة وسكون الموحّدة وكسر المثنّاة الفوقيّة- نسبة للسّبت- بكسر السّين- وهو: جلود البقر المدبوغة، سمّيتا بذلك!! لأنّهما (سبتوا شعرهما) ، أي: أزالوه.
(وطولها شبر وإصبعان، وعرضها) - مبتدأ- (ممّا يلي الكعبان) ؛ أي: ممّا يليه الكعبان، فالكعبان فاعل لا مفعول.
(سبع أصابع) - خبر مبتدأ- (و) عرضها مما يلي (بطن القدم، خمس) من الأصابع، (وفوق ذا، فستّ) ؛ أي: وعرضها مما فوق بطن القدم مما يلي الأصابع فستّ من الأصابع.
(فاعلم) هذا ولا يلتبس عليك.
стр. 574
ورأسها محدّد وعرض ما ... بين القبالين اصبعان اضبطهما
وهذه مثال تلك النّعل ... ودورها أكرم بها من نعل
فائدة: قال في «المواهب» : ذكر ابن عساكر ...
(ورأسها محدّد) على هيئة اللّسان.
(وعرض ما بين القبالين اصبعان؛ اضبطهما) ، فلا تنقص ولا تزد على هذا التّحديد.
(وهذه) الصّفة المذكورة (مثال تلك النّعل) الشّريفة، (و) هذا (دورها) ؛ أي: تحديدها. (أكرم بها من نعل) ، تشرّفت بموطئ سيّد الوجود ﷺ .
(فائدة:) - مشتقّة من الفيد، بمعنى: استحداث المال والخير، فهي يائيّة، وقيل: واوية؛ من الفود، كما نقله الدّماميني في «حواشي المغني» .
وقيل: من فأدته؛ إذا أصبت فؤاده، لكونها تؤثّر في الفؤاد؛ أي: القلب سرورا، أو لتعلّقه بها، معنويّة كانت أو حسّيّة، وإدراكه لها إن كانت؛ معنويّة.
وهي لغة: ما يستفاد من علم أو مال. وقيل: الزّيادة الّتي تحصل للإنسان، وقيل: ما حصل لك ممّا لم يكن عندك. وقيل: ما يكون الشّيء به أحسن حالا منه بغيره.
واصطلاحا: كلّ مصلحة تترتّب على فعل، فهي من حيث إنّها نتيجة له تسمّى «فائدة» ، ومن حيث إنّها طرف له تسمّى «غاية» ، ومن حيث إنّها مطلوبة للفاعل بإقدامه على الفعل تسمّى «غرضا» ، ومن حيث إنّها باعثة له بذلك تسمّى «علّة غائية» ؛ قاله شيخ الإسلام زكريا مع «حواشي الشرقاوي» .
(قال) أي: العلّامة القسطلاني (في) كتاب ( «المواهب) اللّدنّيّة» :
(ذكر) أبو اليمن- بضمّ الياء التّحتيّة وإسكان الميم- عبد الصّمد بن عبد الوهّاب بن الحسن بن محمّد بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين (بن عساكر) .
الإمام العلّامة، الحافظ الزاهد، أمين الدّين الدّمشقي؛ ثمّ المكّي.
стр. 575
تمثال نعله ﷺ في جزء مفرد، وأفرده بالتّأليف أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن خلف السّلميّ الأندلسيّ، وكذا غيرهما.
مولده في سنة: - ٦١٤- أربع عشرة وستمائة، وكان قويّ المشاركة في العلوم، لطيف الشّمائل، بديع النظم، خيّرا صاحب صدق وتوجه.
اعتنى من صغره بالعلم؛ خصوصا الحديث، وأخذ عن جده، والحسين الزبيدي، والموفق ابن قدامة وغيرهم.
وأجاز له جمع؛ منهم: عبد الرّحيم بن السّمعاني، والمؤيّد الطّوسي، وأبو روح الهروي. وله التّآليف الحسنة؛ منها جزء في تمثال نعلي النّبيّ ﷺ .
وانقطع بمكّة المكرّمة نحوا من أربعين سنة، ومات بالمدينة المنوّرة على الحالّ بها أفضل الصّلاة والسّلام، في جمادى الأولى سنة: - ٦٨٦- ست وثمانين وستمائة رحمه الله تعالى آمين.
(تمثال) ؛ أي: صفة تمثال؛ (نعله) المكرّم ﷺ ، أي: ما يؤخذ منه صفة تصويره، وإلّا فهو لم يذكر تمثاله (في جزء مفرد) ؛ نحو ثمان ورقات في النصف.
(و) كذا (أفرده بالتّأليف) الإمام الوليّ الصّالح؛ (أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن خلف السّلميّ) ، المشهور ب «ابن الحاجّ» (الأندلسيّ) ، من أهل المرية كغنية.
(وكذا غيرهما) ك «مسند أفريقية» ، بل «مسند المغرب» : المعمر الأديب؛ أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن هارون، الطّائي، القرطبي، التونسي، يكنّى أبا محمّد.
المولود سنة: - ٦٠٣- ثلاث وستمائة، والمتوفّى سنة: - ٧٠٢- اثنتين وسبعمائة، ب «الزّلاج» من تونس. وفي «تذكرة الحفاظ» للذّهبي: أنّه مات عن ٩٩- تسع وتسعين سنة رحمه الله تعالى؛ فإنّه ألّف كتاب «الّلآلي المجموعة من
стр. 576
.........
باهر النّظام وبارع الكلام في وصف مثال نعلي رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام» . وسبب جمعه- على ما قال-: أنّه سئل منه نظم أبيات تكتب على مثال النّعل المشرّفة؛ فكتب في ذلك قطعة وندب أدباء قطر الأندلس لذلك فأجابوا، وكتب عن ذلك ما وصل إليه، وجملة ما فيه من المقطوعات ما ينيف على مائة وثلاثين؛ بين صغيرة وكبيرة، ولم يطّلع على هذا التّأليف الحافظ المقرىء، مع سعة حفظه وكثرة اطّلاعه ومبلغه من التّنقير والتّفتيش عما قيل في النعل، ولم يطّلع لمن قبله إلّا على عدد أقلّ من هذا بكثير، وغالب ما أودعه في «فتح المتعال» كلامه وكلام أهل عصره، ولو اطّلع عليه لاغتبط به كثيرا. انتهى؛ من «فهرس الفهارس» للشّريف عبد الحي الكتّاني رحمه الله تعالى.
وكالشّهاب المقّري- بتشديد القاف- صاحب كتاب «نفح الطيب» المتوّفى سنة: - ١٠٤١- إحدى وأربعين وألف هجريّة، فإنّه ألّف كتابه «فتح المتعال في مدح النّعال الشّريفة النّبويّة» ، قال المصنّف:
وقد اختصرته بمختصر سمّيته «بلوغ الآمال من فتح المتعال» أثبتّ فيه ما لا بدّ منه ولا غنى عنه، فجاء مختصرا نافعا جامعا لكلّ المقصود من ذلك الكتاب وعلمه؛ مع كونه في نحو خمس حجمه، لأنّي حذفت منه كلّ الفوائد الاستطرادية الّتي ذكرها لمناسبة، أو غير مناسبة من معان شتّى لا دخل لها في المقصود بالكلّيّة، كما حذفت معظم الأشعار الّتي ذكرها في مدح المثال الشّريف، قال:
وقد كنت مند سنين أفردت مثالا هو الأصحّ والمعتمد من أمثلة النّعال الّتي ذكرها في الأصل في ورقة مخصوصة، وذكرت حوله فيها فوائد نافعة تتعلّق به، وطبعت منه أربعين ألف نسخة ونشرتها في البلاد الإسلاميّة، فمن شاء فليتطلّبه. انتهى.
وهذا المؤلّف الّذي في النّعال قد أدرجه المصنّف في كتابه «جواهر البحار في فضائل النبي المختار» المطبوع في أربعة أجزاء؛ فليطلبه من أراده. ومما ذكره المصنّف في مؤلّفه المذكور قوله:
قال الإمام المقّري في «الأصل» : اعلم- أرشدني الله وإيّاك إلى سواء
стр. 577
قال: ولم أثبتها اتّكالا على شهرتها، ولصعوبة ضبط تسطيرها إلّا على حاذق.
السّبيل، وأوردنا مع الرّعيل الأوّل مناهل الرحيق والسّلسبيل- أنّ جماعة من الأئمّة المغاربة، المقتدى بهم تعرضوا للمثال الطّاهر، وحسنه الباهر، وأقرّوا بمشاهدته عين النّاظر؛ منهم الإمام أبو بكر بن العربي، والحافظ أبو الرّبيع بن سالم الكلاعي، والكاتب الحافظ أبو عبد الله بن الأبّار، والرّحّالة أبو عبد الله بن رشيد الفهري، والرّاوية أبو عبد الله محمّد بن جابر الوادياشي، وخطيب الخطباء أبو عبد الله بن مرزوق، والمفتي الإمام أبو عبد الله محمد الرّضاع التّونسي، والوليّ الصّالح الشّهير؛ أبو إسحاق إبراهيم بن الحاج السّلمي الأندلسي المرّيي، وعنه أخذ ابن عساكر المثال، وغير هؤلاء ممّن يطول تعدادهم: كأبي الحكم مالك بن المرحّل، وابن أبي الخصال؛ وهم القدوة ولنا بهم أسوة..
وتلاهم من أهل الشّرق جماعة؛ كالحافظ ابن عساكر وتلميذه البدر الفارقي، والحافظ العراقي، وابنه؛ أي: الوليّ العراقيّ، والشّيخ القسطلاني في «مواهبه اللّدنّيّة» وغيرهم.
قال الإمام المقّري: وقد بلغني عن بعض الأغمار ممّن هو كمثل الحمار أنّه أنكر تصويري الأمثلة الشّريفة ذات الظّلال الوريفة؛ قائلا: كيف تنهون عن الصور وأنتم تفعلونها؟!! فقلت لمن بلغني عنه ذلك: قل له: وأنتم لم تتكلّمون في الأمور التي تجهلونها، وليس هذا من تلك الصّور، لا في ورد ولا صدر. انتهى.
ثمّ ذكر في كتابه المذكور ستّة أمثلة للنّعل الشّريفة؛ منها مثالان عليهما المعوّل والاعتماد، وأربعة أمثلة دونهما في القوّة.
(قال) ؛ أي: القسطلّاني: (ولم أثبّتها) هنا (اتّكالا على شهرتها، ولصعوبة ضبط تسطيرها إلّا على حاذق) - بالحاء المهملة والذّال المعجمة آخره قاف- أي: ماهر، وقد ذكر الحافظ العراقيّ صفتها نظما في أبيات تقدّمت قريبا.
стр. 578
ومن بعض ما ذكر من فضلها، وجرّب من نفعها وبركتها أنّ أبا جعفر أحمد بن عبد المجيد- وكان شيخا صالحا- أعطى مثالها لبعض الطّلبة، فجاءه وقال له: رأيت البارحة من بركة هذا النّعل عجبا؛ أصاب زوجتي وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النّعل على موضع الوجع، وقلت: اللهمّ أرني بركة صاحب هذا النّعل.. فشفاها الله تعالى للحين.
وقال أبو إسحاق: قال أبو القاسم بن محمّد: وممّا جرّب من بركته: أنّ من أمسكه عنده متبرّكا به.. كان له أمانا من بغي البغاة، (ومن بعض ما ذكر) أبو اليمن، ابن عساكر في جزئه المذكور (من فضلها، وجرّب من نفعها، وبركتها؛ أنّ أبا جعفر؛ أحمد بن عبد المجيد؛ وكان شيخا صالحا) ورعا (أعطى مثالها لبعض الطّلبة، فجاءه) ؛ أي: ذلك البعض (وقال له: رأيت البارحة) - بالحاء المهملة-؛ أي: اللّيلة الماضية قبل يومك الّذي أنت فيه. وعادة العرب تقول؛ قبل الزّوال: فعلنا اللّيلة كذا لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزّوال: فعلت البارحة كذا. انتهى.
(من بركة هذا النّعل) الشّريف (عجبا) .
قال الشّيخ أبو جعفر: فقلت له: وما رأيت؟ قال: (أصاب زوجتي وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النّعل على موضع الوجع، وقلت: اللهمّ؛ أرني بركة صاحب هذا النّعل. فشفاها الله تعالى للحين) ، أي: سريعا. (وقال أبو إسحاق) إبراهيم بن محمّد؛ الشّهير ب «ابن الحاجّ» ، السّابق قريبا: (قال أبو القاسم) القاسم (بن محمّد) ؛ شيخ أبي إسحاق المذكور:
(وممّا جرّب من بركته: أنّ من أمسكه عنده متبرّكا به كان له أمانا من بغي
стр. 579
وغلبة العداة، وحرزا من كلّ شيطان مارد، وعين كلّ حاسد، وإن أمسكته الحامل بيمينها وقد اشتدّ عليها الطّلق.. تيسّر أمرها بحول الله تعالى وقوّته.
وما أحسن قول أبي بكر القرطبيّ رحمه الله تعالى:
البغاة، وغلبة العداة) - بضم العين المهملة فقط لثبوت الهاء- فهو كقضاة؛ قاله ابن القاصح وغيره.
(وحرزا من كلّ شيطان مارد) : عات خارج عن الطّاعة، (وعين كلّ حاسد، وإن أمسكته) المرأة (الحامل بيمينها وقد اشتدّ عليها الطّلق) - بفتح الطّاء المهملة وسكون اللّام-: وجع الولادة، يقال: طلّقت المرأة، مبنيّا للمفعول طلقا، فهي مطلوقة؛ إذا أخذها المخاض: وهو وجع الولادة. انتهى؛ قاله في «المصباح» .
(تيسّر أمرها) ؛ أي: سهل خلاصها وتيسّرت ولادتها، قال المقرّي: قلت:
وقد جربته فصّح (بحول الله تعالى وقوّته) ؛ لا رب غيره ولا معبود سواه لبريته.
ومن خواصّ مثال النّعل الشّريف أيضا، ومنافعه المنقولة عن الثّقات الّذين لا يمترى في صدق أخبارهم: أنّه أمان من النّظرة والسّحر، وإنّ من لازم حمله كان له القبول التّامّ من الخلق، ولا بدّ أن يزور النّبيّ ﷺ ؛ أو يراه في منامه، وإنّه لم يكن في جيش فهزم، ولا في قافلة فنهبت، ولا في سفينة فغرقت، ولا في بيت فأحرق، ولا في متاع فسرق، وذلك ببركة النّبيّ ﷺ وشرّف وكرّم. انتهى؛ من مختصر «فتح المتعال» للمصنف رحمه الله تعالى.
ومن أراد المزيد فليراجع «جواهر البحار» في رسالة «بلوغ الآمال» .
(وما أحسن قول) - «ما» تعجّبيّة، بمعنى: شيء عظيم، و «أحسن» فعل تعجّب وفاعله مستتر فيه وجوبا، و «قول» منصوب على المفعولية لفعل التّعجّب- والتقدير: شيء عظيم حسّن قول (أبي بكر) أحمد بن الإمام أبي محمد عبد الله بن الحسين الأنصاري، المدعو ب «حميد» (القرطبيّ) شهرة، وهو مالقي (رحمه الله
стр. 580
ونعل خضعنا هيبة لبهائها ... وإنّا متى تخضع لها أبدا نعلو
فضعها على أعلى المفارق إنّها ... حقيقتها تاج وصورتها نعل
بأخمص خير الخلق حازت مزيّة ... على التّاج حتّى باهت المفرق الرّجل
تعالى) كان مقرئا مجوّدا فقيها، محدّثا ضابطا، نحويّا ماهرا، أديبا كاتبا بارعا، متين الدّين صادق الورع، سريع العبرة، كثير البكاء، معرضا عن الدّنيا، لا يضحك إلا تبسّما نادرا، ثمّ يعقبه بالبكاء والاستغفار، مقتصدا في مطعمه وملبسه، معانا على ذلك، مؤيّدا من الله حتى بلغ من الورع رتبة لم يزاحم عليها، أقرأ ببلده «مالقة» القرآن، ودرس الفقه وأسمع الحديث وأدّب بالعربيّة، ثمّ رحل قاصدا الحجّ؛ فلمّا وصل مصر عظم صيته بها، فمرض وتعذّر عليه الحجّ، فطلب السّلطان زيارته فأبى؛ فألحّ عليه حتى أذن له، فعرض عليه جائزة سنيّة فلم يقبلها، وتوفّي فحضر جنازته السّلطان ومن لا يحصى سنة: - ٦٥٢- اثنتين وخمسين وستمائة. ومولده سنة ٦٠٧- سبع- بتقديم السّين على الموحّدة- وستمائة رحمه الله تعالى. آمين.
(ونعل) - بالرّفع أو الجر على ما قبله؛ إن كان قبله شيء، أو خبر مبتدأ محذوف- أي: وهذه نعل (خضعنا) : ذللنا، (هيبة) : إجلالا (لبهائها) :
حسنها حين أبصرناها.
(وإنّا) - بتشديد النّون- (متى نخضع لها أبدا) في كل زمان (نعلو) ، نرتفع.
(فضعها) ؛ أي: النّعل أيّها الظّافر بها (على أعلى المفارق) ، الرّأس (إنّها حقيقتها تاج) تزيّن الرّأس كالتّاج، وهو الإكليل (وصورتها نعل) ، أي:
كصورته.
(بأخمص خير الخلق حازت) : ضمّت واكتسبت؛ (مزيّة) : فضيلة (على التّاج) الّتي تتزيّن به الملوك، (حتّى باهت المفرق) ؛ بزنة «مسجد» حيث يفرق الشّعر (الرّجل) - بكسر الرّاء وإسكان الجيم-.
стр. 581
شفاء لذي سقم، رجاء لبائس ... أمان لذي خوف، كذا يحسب الفضل
وعن بريدة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّجاشيّ ...
(شفاء لذي سقم) - بضمّ فسكون-: مرض (رجاء) - بالمدّ، أي: مرجوة (لبائس) ، من أصابه الضمر- اسم فاعل من بئس-.
(أمان لذي خوف، كذا يحسب) : يعد (الفضل) ، من قولهم: حسبت المال- بفتح السّين- أحصيته عددا. هذا ما جاء في نعليه ﷺ .
(و) أمّا ما جاء في خفّه!! فقد ذكر بعض أهل السّير أنّه كان له ﷺ عدّة خفاف؛ منها: أربعة أزواج أصابها في خيبر، وقد ثبت في «الصّحيح» من حديث المغيرة رضي الله تعالى عنه، ورواه جمع من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم أنّه ﷺ مسح على خفّيه.
وروى جماعة من المحدّثين؛ منهم الإمام أحمد، وأبو داود، والتّرمذي وحسّنه؛ (عن بريدة) بن الحصيب الأسلميّ (رضي الله تعالى عنه:
أنّ النّجاشيّ) - بفتح النّون على المشهور، وتكسر، وتخفيف الجيم وكسر الشّين المعجمة وتخفيف الياء أفصح من تشديدها، فهي أصليّة؛ لا ياء النّسبة- وتشديد الجيم خطأ، وهو لقب ملوك الحبشة ك «تبّع» لليمن، و «كسرى» للفرس، و «قيصر» للروم والشّام، و «هرقل» للشّام فحسب، و «فرعون» لمصر، وهذه ألقاب جاهلية.
واسم هذا النّجاشي: «أصحمة» - بالصّاد والحاء المهملة- والسّين تصحيف، وقيل: اسمه مكحول بن صعصعة، والنّجاشة بالكسر: الإنفاذ فلعلّه سمّي به لإنفاذ أمره!!.
أرسل إليه النّبيّ ﷺ عمرو بن أميّة الضّمري، وكتب إليه يدعوه إلى الإسلام فأسلم، ومات سنة تسع؛ فأخبرهم النّبيّ ﷺ بموته يومه، وخرج بهم وصلّى وصلّوا معه، وكبّر أربعا. وقد تقدّم كلام يتعلّق بالنّجاشي. فراجعه.
стр. 582
أهدى للنّبيّ ﷺ خفّين أسودين ساذجين، فلبسهما، ثمّ توضّأ ومسح عليهما.
ومعنى (ساذجين) : لم يخالط سوادهما شيء آخر.
(أهدى) - من الإهداء، بمعنى: إرسال الهديّة، ويتعدّى باللّام وب «إلى» - (للنّبيّ ﷺ خفّين) ؛ أي: وقميصا وسراويل وطيلسانا- كما في الباجوري- (أسودين) ؛ نعت للخفّين وكذا قوله: (ساذجين) - بفتح الذّال المعجمة وكسرها؛ أي: غير منقوشين، أو لا شعر عليهما، أو على لون واحد.
(فلبسهما) - بفاء التفريع؛ أو التعقيب- ففيه أن المهدى إليه ينبغي له التصرف في الهديّة عقب وصولها بما أهديت لأجله؛ إظهارا لقبولها ووقوعها الموقع، ووصولها وقت الحاجة إليها، وإشارة إلى تواصل المحبّة بينه وبين المهدي، حتّى أنّ هديته لها مزيّة على ما عنده؛ وإن كان أعلى وأغلى.
ولا ينحصر ذلك في التألّف ونحوه، بل مثله من يعتقد صلاحه أو علمه أو يقصد جبر خاطره، أو دفع شرّه، أو نفوذ شفاعته عنده في مهمّات النّاس، وأشباه ذلك.
ويؤخذ من الحديث أنّه ينبغي قبول الهديّة حتّى من أهل الكتاب، فإنّه كان وقت الإهداء كافرا؛ كما قاله ابن العربيّ، ونقله عنه الزّين العراقي. وفيه أيضا: عدم اشتراط صيغة، بل يكفي البعث والأخذ.
(ثمّ توضّأ؛ ومسح عليهما) ، فيه أنّ الأصل في الأشياء المجهولة الطّهارة، وفيه جواز المسح على الخفّين، وهو إجماع من يعتدّ به، وقد روى المسح على الخفّين سفرا وحضرا ثمانون صحابيا، وأحاديثه متواترة، ومن ثمّ قال بعض الحنفيّة: أخشى أن يكون إنكاره، أي: من أصله كفرا. انتهى «مناوي» .
(ومعنى ساذجين) - بفتح الذّال المعجمة وكسرها-: (لم يخالط سوادهما شيء) أي: لون (آخر) . قال المحقّق أبو زرعة؛ وليّ الدّين العراقي الحافظ ابن الحافظ: وهذه اللّفظة تستعمل في العرف لذلك المعنى، ولم أجدها في كتب اللّغة بهذا المعنى، ولا رأيت المصنّفين في غريب الحديث ذكروها؛ وقال القسطلاني:
стр. 583
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: أهدى دحية للنّبيّ ﷺ خفّين، فلبسهما.
السّاذج: معرّب شاذة «١» .
(وعن المغيرة بن شعبة) الثّقفي الصّحابي الجليل- وتقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه، قال: أهدى دحية) - بكسر الدّال عند الجمهور، وقال ابن ماكولا بالفتح، ذكره في «جامع الأصول» -.
وهو دحية بن خليفة بن فضالة بن فروة الكلبي، أسلم قديما وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهده كلّها بعد بدر، وأرسله رسول الله ﷺ بكتاب إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى هرقل.
وحديثه في «الصّحيحين» ، وكان جبريل يأتي النّبيّ ﷺ في صورته، وكان من أجمل النّاس، وحكي أنّه كان إذا قدم من الشّام لم تبق معصر إلّا خرجت تنظر إليه.
والمعصر: الّتي بلغت سنّ المحيض.
روى عن النّبيّ ﷺ ثلاثة أحاديث، روى عنه خالد بن زيد، وعبد الله بن شدّاد، والشّعبي، وغيرهم، وشهد اليرموك، وسكن المزّة القرية المعروفة بجنب دمشق، وبقي إلى خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهما.
(للنّبيّ ﷺ خفّين فلبسهما) . وهذا الحديث رواه التّرمذي عن شيخه قتيبة بن سعيد؛ عن يحيى بن زكريّا؛ عن الحسن بن عيّاش؛ عن أبي إسحاق الشيباني؛ عن الشّعبي؛ عن المغيرة ... فذكره، وعقّبه بقوله: وقال إسرائيل: عن جابر؛ عن عامر: وجبّة فلبسهما حتّى تخرّقا لا يدري النّبيّ ﷺ أذكيّ هما أم لا.
قال في «المواهب» وشرحها: رواه التّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» والطّبراني. انتهى.
стр. 584
وروى الطّبرانيّ في «الأوسط» عن الحبر: ...
قال الباجوري، وملا علي قاري في «جمع الوسائل» : (وروى الطّبرانيّ) ، الحافظ: سليمان بن أحمد اللخمي، المحدّث الكبير، (في) «معجمه (الأوسط) » .
والمعجم في اصطلاحهم: ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصّحابة أو الشّيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكون مرتّبا على حروف الهجاء؛ والطّبرانيّ له ثلاثة معاجم: «كبير» ، و «صغير» ، و «أوسط» .
فالكبير: مؤلّف في أسماء الصّحابة على حروف المعجم عدا مسند أبي هريرة، فإنّه أفرده في مصنّف، يقال: إنّه أورد فيه ستّين ألف حديث في اثني عشر مجلّدا، وفيه قال ابن دحية: هو أكبر معاجم الدّنيا؛ وإذا أطلق في كلامهم «المعجم» فهو المراد، وإذا أريد غيره قيّد.
والأوسط: ألّفه في أسماء شيوخه، وهم قريب من ألفي رجل، حتّى أنّه روى عمّن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه، وأكثره من غرائب حديثهم، قال الذّهبيّ: فهو نظير كتاب «الأفراد» للدّار قطني؛ بيّن فيه فضيلته وسعة روايته، ويقال: إنّ فيه ثلاثين ألف حديث، وهو في ستّ مجلّدات كبار، وكان يقول فيه:
هذا الكتاب روحي؛ لأنّه تعب فيه؛ قال الذهبي: وفيه كلّ نفيس وعزيز ومنكر.
والصغير: وهو في مجلّد، يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها، لأنّه خرّج فيه عن ألف شيخ، كلّ شيخ حديثا أو حديثين. انتهى. من «الرسالة المستطرفة» .
ورواه البيهقي في «الدعوات الكبير» بإسناد صحيح كلاهما؛ (عن الحبر) بفتح الحاء وكسرها؛ لغتان، - أي: العالم؛ سمّي بذلك!! لأنّه يحبر في عبارته، أي: يحسّنها، والمراد به هنا الصّحابي الجليل عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب ابن عمّ رسول الله ﷺ حبر الأمّة وترجمان القرآن- وتقدمت ترجمته- رضي الله تعالى عنه.
стр. 585
قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته، ثمّ توضّأ ولبس خفّه، فجاء طائر أخضر فأخذ الخفّ الآخر فارتفع به، ثمّ ألقاه، فخرج منه أسود سالخ- أي: حيّة- فقال النّبيّ ﷺ : «هذه كرامة أكرمني الله بها، اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ من يمشي على بطنه، ومن شرّ من يمشي على رجليه، ومن شرّ من يمشي على أربع» .
(قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة) ، - أي: قضاء الحاجة، يعني البراز- (أبعد المشي) ؛ أي: ذهب بعيدا مستترا عن أعين النّاس كما هو معروف في آداب قضاء الحاجة (فانطلق ذات يوم) فقعد تحت شجرة (لحاجته) فنزع خفّيه (ثمّ توضّأ، ولبس خفّه) ، أي: أحدهما (فجاء طائر أخضر فأخذ الخفّ الآخر فارتفع به) في السّماء وحلّق به، (ثمّ ألقاه) إلى الأرض، (فخرج منه) ؛ أي:
الخفّ، أي: انسلّت منه (أسود سالخ) - الخاء المعجمة آخره- وهو من أسماء الحيّات، كما قال المصنّف؛ (أي: حيّة) . قال في «شرح القاموس» : والأنثى أسوده، ولا توصف ب «سالخة» ، ويقال: أسود سالخ، وأسودان سالخ، وأساود سالخة، وسوالخ، وسلّخ، وسلّخة، كما في «القاموس» .
(فقال النّبيّ ﷺ : «هذه كرامة أكرمني الله بها) ثمّ قال: (اللهمّ) - أي:
يا الله- (إنّي أعوذ) - أي: اعتصم- (بك من شرّ من يمشي على بطنه) - كالحيّات والثّعابين- (ومن شرّ من يمشي على رجليه) - كالآدمي- (ومن شرّ من يمشي على أربع» ) - كالأنعام-.
وأخرج الطّبراني في «الكبير» ؛ عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: دعا رسول الله ﷺ بخفّيه فلبس أحدهما، ثمّ جاء غراب فاحتمل الآخر فرمى به، فخرجت منه حيّة؛ فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفّيه حتّى ينفضهما» . انتهى. وهذا من علامات نبوّته ﷺ وقد عدّ ذلك في معجزاته.
стр. 586
[الفصل الخامس في صفة سلاحه ﷺ ]
الفصل الخامس في صفة سلاحه ﷺ عن ابن سيرين ...
(الفصل الخامس) ، من الباب الثّالث (في) بيان ما ورد في (صفة سلاحه ﷺ :
والسّلاح آلة الحرب، فكلّ عدّة للحرب فهو سلاح، وفي «المصباح» ؛ السّلاح: ما يقاتل به في الحرب، ويدافع به. والتذكير أغلب من التّأنيث، فيجمع على التّذكير: أسلحة، وعلى التّأنيث: سلاحات. انتهى.
ويطلق السّلاح على السّيف وحده؛ كما في «القاموس» .
قال التّرمذيّ في «الشّمائل» : حدّثنا محمد بن شجاع البغدادي؛ قال: حدّثنا أبو عبيدة الحداد؛ عن عثمان بن سعد؛ (عن) محمد (بن سيرين) (الأنصاري، مولاهم، أبو بكر البصري التّابعي، الإمام في التفسير، والحديث، والفقه، وعبر الرؤيا، والمقدّم في الزّهد والورع؛ قال محمد بن سعد: كان ثقة، مأمونا، عاليا، رفيعا، فقيها، إماما كثير العلم، ورعا.
وأولاد سيرين ستّة: محمّد ومعبد وأنس ويحيى وحفصة وكريمة، وكلهم رواة ثقات، وكان أبوهم من سبي عين التّمر، وهو مولى أنس بن مالك؛ كاتبه على عشرين ألف درهم فأداها وعتق.
وكانت أمّ ابن سيرين اسمها صفيّة مولاة لأبي بكر الصّديق، رضي الله تعالى عنه، طيّبها ثلاث من أزواج النّبيّ ﷺ ودعون لها وحضر إملاكها ثمانية عشر بدريّا منهم: أبيّ بن كعب يدعو وهم يؤمنون.
وكان سيرين يكنّى: «أبا عمرة» ، وولد لمحمّد بن سيرين ثلاثون ولدا من امرأة
стр. 587
قال: صنعت سيفي على سيف سمرة بن جندب، وزعم سمرة أنّه صنع سيفه على سيف رسول الله ﷺ ، وكان حنفيّا؛ نسبة لبني حنيفة؛ لأنّهم معروفون بحسن صنعة السّيوف.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضّة.
واحدة، زوجة له عربيّة، ولم يبق منهم غير عبد الله بن محمّد.
واتفقوا على أنّ ابن سيرين توفّي بالبصرة سنة: - ١١٠- عشر ومائة، بعد الحسن بمائة يوم. قال حمّاد بن زيد: مات الحسن أوّل رجب سنة: - ١١٠- عشر ومائة، وصلّيت عليه، ومات ابن سيرين لتسع مضين من شوّال سنة: - ١١٠- عشر ومائة رحمهما الله تعالى.
(قال: صنعت) - من الصّنع، أي: أمرت بأن يصنع؛ وفي بعض نسخ «الشمائل» : صغت- (سيفي على سيف سمرة بن جندب) رضي الله تعالى عنهما؛ أي: على تمثال سيفه في الشّكل والوضع وجميع الكيفيّات. (وزعم سمرة) يعني: قال: فإنّ الزّعم قد يأتي بمعنى القول المحقّق (أنّه صنع) - بناؤه للفاعل؛ أو للمفعول- (سيفه) - مرفوع أو منصوب- (على) هيئة (سيف رسول الله ﷺ ؛ أي: على تمثاله في الشّكل والوضع وجميع الكيفيّات.
قال: (وكان) ، أي: سيف رسول الله ﷺ (حنفيّا) . والحنفيّ: قال الباجوري: (نسبة لبني حنيفة) ؛ قبيلة مسيلمة الكذّاب، (لأنّهم معروفون بحسن صنعة السّيوف) ، فيحتمل أنّ صانعه كان منهم، ويحتمل أنّه أتى به من عندهم، وهذه الجملة: يعني قوله «وكان حنفيّا» من كلام سمرة فيما يظهر، ويحتمل أنّها من كلام ابن سيرين على الإرسال. انتهى.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و «الشّمائل» ، وأبو داود والنّسائي والدّارمي؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضّة) .
стр. 588
و (القبيعة) - بوزن الطّبيعة-: ما على طرف مقبض السّيف، يعتمد الكفّ عليها لئلّا يزلق.
وعن جعفر بن محمّد ...
والمراد بالسّيف هنا: ذو الفقار، وكان لا يكاد يفارقه، ودخل به مكّة يوم الفتح، واقتصر في هذا الخبر على القبيعة، وفي رواية ابن سعد؛ عن عامر قال: أخرج إلينا علي بن الحسين سيف رسول الله ﷺ ؛ فإذا قبيعته من فضّة، وإذا حلقته الّتي يكون فيها الحمائل من فضّة.
(والقبيعة) - بفتح القاف وكسر الموحّدة- (بوزن الطّبيعة) ؛ قال الباجوري وغيره: هي (ما على طرف مقبض السّيف) فوق الغمد يمسكه من فضّة أو حديد أو غيرهما، (يعتمد الكفّ عليها؛ لئلّا يزلق) .
وفي الحديث دليل على جواز تحلية السّيف وسائر آلات الحرب بالفضّة. قال العلّامة ابن حجر الهيتمي: الحاصل أنّ الذّهب لا يحل للرّجال مطلقا؛ لا استعمالا، ولا اتّخاذا، ولا تضبيبا، ولا تمويها، لا لآلة الحرب ولا لغيرها، وكذا الفضّة إلّا في التضبيب، والخاتم، وتحلية آلة الحرب، وما وقع في بعض الرّوايات من حلّ التمويه تارة وحرمته أخرى!! محمول على تفصيل علم من مجموع كلامهم؛ وهو أنّه إن حصل شيء ما بالعرض على النّار من ذلك الممّوه حرمت استدامته كابتدائه، وإن لم يحصل منه شيء حرم الابتداء فقط.
أمّا نفس التّمويه الذي هو الفعل والإعانة عليه والتسبّب فيه!! فحرام مطلقا، ويأتي هنا التّفصيل في تمويه الرّجال الخاتم وآلة الحرب الذّهب. انتهى.
(و) أخرج ابن سعد؛ من طريق سليمان بن بلال؛ (عن جعفر) الصادق أبي عبد الله الإمام (ابن) الإمام (محمّد) الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السّبط بن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، الهاشميّ المدنيّ.
أمّه فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر الصّديق رضي الله تعالى عنهم.
стр. 589
عن أبيه: كان نعل سيف رسول الله ﷺ أي:
أسفله- وحلقته وقبيعته.. من فضّة.
روى عن أبيه، والقاسم بن محمد، ونافع، وعطاء، ومحمّد بن المنكدر، والزّهري وغيرهم. روى عنه محمد بن إسحاق، ويحيى الأنصاري، ومالك، والسّفيانان، وابن جريج، وشعبة، ويحيى القطّان، وآخرون.
واتفقوا على إمامته وجلالته وسيادته. قال عمرو بن المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنّه من سلالة النّبيّين.
ولد سنة: - ٨٠- ثمانين هجرية، وتوفّي سنة: - ١٤٨- ثمان وأربعين ومائة هجريّة. رحمه الله تعالى.
(عن أبيه) محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵃، القرشي الهاشمي المدني، أبي جعفر، المعروف ب «الباقر» ، سمّي بذلك!! لأنّه بقر العلم، أي: شقّه فعرف أصله وعلم خفيّه.
وأمّه أمّ عبد الله بنت حسن بن علي بن أبي طالب.
وهو تابعيّ جليل، إمام بارع، مجمع على جلالته، معدود في فقهاء المدينة وأئمتهم، سمع جابرا وأنسا، وسمع جماعات من كبار التابعين، كابن المسيّب وابن الحنفيّة وغيرهما.
روى عنه أبو إسحاق السّبيعي، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، والأعرج؛ وهو أسنّ منه، والزّهري، وربيعة، وخلائق آخرون من التّابعين وكبار الأئمّة.
وروى له البخاريّ ومسلم، وتوفّي سنة: - ١١٤- أربع عشرة ومائة، وقيل:
ثمانية عشرة، وقيل: سبعة عشرة، وهو ابن ثلاث وستّين سنة، وقيل: ابن ثلاث وسبعين، وقيل: ابن ثلاث وخمسين سنة، والله أعلم رحمه الله تعالى.
قال (كان نعل سيف رسول الله ﷺ ؛ أي: أسفله) ، يعني: أسفل غمده، وهذا تفسير للنّعل. وفي «المصباح» : نعل السّيف الحديدة الّتي في أسفل جفنه، مؤنّثة، (وحلقته) - بإسكان اللّام وفتحها لغة في السّكون- وهي ما في أعلاه، تجعل فيه العلاقة. (وقبيعته) الثلاثة (من فضّة) .
стр. 590
وقد كان له ﷺ سيوف متعدّدة؛ فقد كان له:
سيف يقال له: (المأثور) ؛ وهو أوّل سيف ملكه عن أبيه.
وله سيف يقال له: (القضيب) .
وله سيف يقال له: (القلعي) - نسبة إلى قلع- موضع ...
وأخرج ابن سعد أيضا؛ من طريق جرير بن حازم؛ عن قتادة؛ عن أنس قال:
كانت نعل سيف رسول الله ﷺ فضّة، وقبيعته وما بين ذلك حلق فضة.
قال الباجوريّ في حاشية «الشّمائل» : (وقد كان له ﷺ سيوف متعدّدة) ، ذكر في «المواهب» أنّها تسعة؛ (فقد كان له سيف يقال له: «المأثور» ) - بهمزة ساكنة ومثلّثة- (وهو أوّل سيف ملكه عن أبيه) ؛ أي: ورثه منه؛ ذكره اليعمري.
وهي مسألة نزاع، حتّى قال بعضهم: ليس في كون الأنبياء يرثون نقل.
وبعضهم قال: لا يرثون كما لا يورثون، وإنّما ورث أبويه قبل الوحي، وصرّح شيخ الإسلام زكريّا في «شرح الفصول» بأنّهم يرثون، وبه جزم الفرضيّون.
وذكر الواقديّ أنّه ﷺ ورث من أبيه أمّ أيمن وخمسة أجمال وقطعة من غنم ومولاه شقران وابنه صالحا، وقد شهد بدرا، ومن أمّه دارها بالشّعب، ومن زوجته خديجة دارها بمكّة بين الصّفا والمروة، وأموالا.
(وله سيف يقال له: «القضيب» ) - بفتح القاف وكسر الضّاد المعجمة وسكون التّحتيّة وموحّدة آخره- يطلق بمعنى اللّطيف من السّيوف، وبمعنى السّيف القاطع؛ كما في «النور» ، وقيل: إنّ القضيب ليس بسيف، بل هو قضيبه الممشوق. قال العراقي في «ألفيّة السّيرة» :
وقيل: ذا قضيبه الممشوق ... كان بأيدي الخلفا يشوق
(وله سيف يقال له: القلعي) - بضم القاف وفتحها، وبفتح اللّام ثمّ عين مهملة- (نسّبة إلى قلع) - بفتحتين فعين مهملة آخره-: (موضع) هو قلعة
стр. 591
بالبادية. وله سيف يقال له: (البتّار) . وسيف يدعى:
(الحتف) . وسيف يدعى: (المخذم) ، بكسر الميم.
وسيف يدعى: (الرّسوب) .
(بالبادية) ، يقال لها: مرج- بالجيم- قريب من حلوان على طريق همذان؛ كما في «العيون» .
(وله سيف يقال له: «البتّار» ) - بفتح الباء وتشديد التّاء، ثمّ راء آخره- أي:
القاطع.
(و) له (سيف يدعى: الحتف) - بفتح الحاء المهملة وسكون التّاء، ثمّ فاء- وهو الموت، ومن قال: الحيف؛ بالتّحتيّة!! فهو سبق قلم، إذ الحيف هو الجور، ولا معنى له هنا.
(و) له (سيف يدعى: «المخذم» - بكسر الميم) الأولى وسكون الخاء المعجمة وفتح الذّال المعجمة ثمّ ميم آخره- وهو القاطع.
(و) له (سيف يدعى: «الرّسوب» ) - بفتح الرّاء وضمّ السّين المهملة وسكون الواو فموحّدة آخره- أي: يمضي في الضريبة، ويغيب فيها، وهو فعول من رسب يرسب، بضمّ السّين؛ إذا ذهب إلى أسفل واستقرّ، لأنّ ضربته تغوص في المضروب به وتثبت فيه. قيل: إنّه من السّيوف السّبعة الّتي أهدت بلقيس لسليمان؛ كما في «النور» .
قال في «المواهب» مع الشرح: والمخذم والرّسوب أصابهما من الفلس بضمّ الفاء وإسكان اللّام-: صنم كان ل «طي» ، كان الحارث قلّده إيّاهما، فبعث المصطفى ﷺ عليّا سنة تسع فهدمه وغنم سبيا وشاء ونعما وفضة، فعزل علي له ﷺ صفيا السّيفين. وذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم أنّه ﵊ وهبهما لعليّ، وذكر أبو الحسن المدائني أنّ زيد الخيل أهداهما للمصطفى ﷺ لمّا وفد عليه. والله أعلم. انتهى.
стр. 592
وسيف يقال له: (الصّمصامة) . وسيف يقال له: (اللّحيف) .
وسيف يقال له: (ذو الفقار) . و (الفقر) : الحفر.
(و) له (سيف يقال له: «الصّمصامه» ) - بالهاء- ذكره اليعمري، ويقال له:
الصّمصام، بدونها- بفتح الصّاد المهملة وإسكان الميم فيهما-: السّيف الصّارم الّذي لا ينثني، كان سيف عمرو بن معد يكرب، وكان مشهورا فوهبه ﷺ لخالد بن سعيد بن العاص.
(و) له (سيف يقال له: «اللّحيف» ) ، سيف مشهور؛ ذكره اليعمريّ.
(و) له (سيف يقال له: «ذو الفقار» ) - بفتح الفاء وكسرها- لأنّه كان في وسطه مثل فقرات الظّهر. وقيل: سمّي بذلك، لأنّه كان فيه حفر صغار حسان، والفقرة بالضمّ: الحفرة في الأرض الّتي فيها الوديّة.
(والفقر) - بضمّ الفاء وفتح القاف- كعمر؛ جمع فقرة بضمّ فسكون، وهي (الحفر) - بضمّ ففتح جمع حفرة- بضمّ الحاء- وهو أشهر أسيافه ﷺ وهو الّذي رأى فيه الرّؤيا يوم أحد، وهو سيف سليمان بن داود- ﵉ أهدته بلقيس مع ستّة أسياف، ثمّ وصل إلى العاص بن منبّه بن الحجّاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، المقتول كافرا ببدر قتله عليّ بن أبي طالب وأخذ سيفه هذا، ثمّ صار إلى النّبيّ ﷺ يوم بدر من الغنيمة، وكان هذا السّيف لا يفارقه ﷺ بعد أن ملكه، يكون معه في كلّ حرب يشهدها، وكانت قائمته- أي: مقبضه- وقبيعته وحلقته وذؤابته- أي: علّاقته- وبكراته ونعله كلّها من فضّة، ويقال: إنّه صار لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه في الجنّة، ولعلّه كان يأخذه منه في الحروب، أو أنّه أعطاه له عند موته، وفيه قيل: لا فتى إلّا عليّ، ولا سيف إلّا ذو الفقار.
ومن الغريب ما رواه الطّبراني في «الكبير» ، وابن عدي في «الكامل» : أنّ الحجّاج بن علاط أهداه لرسول الله ﷺ ثمّ كان عند الخلفاء العبّاسيين. والله أعلم.
وسيأتي مزيد كلام يتعلّق بذي الفقار في الفصل السادس.
стр. 593
وقد ذكروا في معجزاته: أنّه ﷺ دفع لعكّاشة جذل حطب؛ ...
(وقد ذكروا) - أي: العلماء في كتبهم، أي: عدّوا- (في معجزاته) الدّالة على نبوّته وصدق رسالته، جمع معجزة؛ وهي الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتّحدي، الدّال على صدق الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.
وسمّيت معجزة!! لعجز البشر عن الإتيان بمثلها.
وللمعجزة أركان أربعة لا بدّ منها؛
أحدها: أن تكون خارقة للعادة.
ثانيها: أن تكون مقرونة بالتّحدي، وهو طلب المعارضة.
وقال المحقّقون: التّحدّي: هو دعوى الرّسالة، فما جاء بعدها من الخوارق فهو معجزة، وإن لم يطلب الإتيان بالمثل الّذي هو المعنى الحقيقي للتّحدّي.
وثالثها: أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدّي.
ورابعها: أن تقع على وفق دعوى المتحدّى بها.
(أنّه ﷺ دفع لعكاشة) - بضمّ العين مع تخفيف الكاف وتشديدها، والتشديد رواية الأكثرين- وهو أبو محصن؛ عكّاشة بن محصن- بكسر الميم وفتح الصاد- ابن حرثان- بضم الحاء المهملة وسكون الرّاء وثاء مثلثة- ابن قيس بن مرة بن بكير- بالموحّدة- ابن غنم بن دودان- بدالين مهملتين، الأولى مضمومة- ابن أسد بن خزيمة بن مدركة الأسدي، حليف بني عبد شمس.
الصّحابي الجليل.
وهو من السّبعين ألف الذين يدخلون الجنّة بغير حساب؛ كما في «الصحيحين» ﵁. وشهد بدرا وأبلى فيها بلاء حسنا.
قالوا: وانكسر سيفه فأعطاه رسول الله ﷺ (جذل) - بكسر الجيم وفتحها وسكون الذّال المعجمة- واحد الأجذال؛ أي: أصل (حطب) . قال الشّامي:
والمراد هنا: العرجون- بضمّ المهملة- أصل العذق- بكسر العين- الذي يفرج
стр. 594
حين انكسر سيفه يوم بدر، وقال: «اضرب به» ، فعاد في يده سيفا صارما طويلا أبيض شديد المتن، فقاتل به، ثمّ لم يزل عنده يشهد به المشاهد إلى أن استشهد.
وينعطف؛ ويقطع منه الشّماريخ فيبقى على النخلة يابسا.
(حين انكسر سيفه يوم بدر) ، قال ابن هشام، في «شرح بانت سعاد» : اليوم يطلق على أربعة أمور:
أحدها: مقابل اللّيلة، ومنه (سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ) [٧/ الحاقة] .
الثّاني: مطلق الزّمان كقوله تعالى (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) [١٦/ الأنفال] ،
(وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) [١٤١/ الأنعام] ، (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) (٣٠) [القيامة] .
المراد: ساعة الاحتضار، وتقول: فلان اليوم يعمل كذا.
والثّالث: مدة القتال؛ نحو: يوم حنين؛ ويوم بعاث: وهو يوم للأوس والخزرج- وهو بضمّ الباء الموحّدة وبالعين المهملة وبالثّاء المثلّثة؛ أي: ومنه يوم بدر المذكور في المتن.
الرّابع: الدّولة، ومنه (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) [١٤٠/ آل عمران] . انتهى كلام ابن هشام.
(وقال) له: ( «اضرب به» ) ؛ أي: قاتل به يا عكاشة، فأخذه منه فهزه؛ (فعاد في يده سيفا صارما) أي: ماضيا (طويلا) ؛ أي: طويل القامة، (أبيض) الحديدة (شديد المتن) ؛ أي: الظّهر، من إضافة الوصف إلى فاعله؛ أي:
شديدا متنه، أو المراد بالمتن هنا: الذّات، تسمية للكلّ باسم جزئه.
(فقاتل به) حتّى فتح الله على رسوله ﷺ ، وكان ذلك السّيف يسمّى: العون بفتح المهملة وإسكان الواو وبالنون- (ثمّ لم يزل) السّيف (عنده يشهد به المشاهد) ، وشهد أحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ؛ وكان من أجمل الرّجال، واستمر ذلك السّيف معه (إلى أن استشهد) في قتال المرتدّين زمن
стр. 595
ودفع ﷺ لعبد الله بن جحش يوم أحد- وقد ذهب سيفه- عسيب نخل، ...
أبي بكر الصّدّيق ﵁؛ قتله طلحة بن خويلد الأسدي- وله أربع وأربعون سنة- رضي الله تعالى عنه؛ روى عنه أبو هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم.
أجمعين.
(و) عدّوا في معجزاته ﷺ أنّه (دفع ﷺ لعبد الله بن جحش) - بتقديم الجيم على الحاء المهملة- وهو أبو محمّد؛ عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرّة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي.
أمّه آمنة بنت عبد المطّلب، عمّة رسول الله ﷺ ، أسلم قديما قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر الهجرتين إلى أرض الحبشة؛ هو وأخوه أبو أحمد وعبيد الله وأختهم زينب بنت جحش أمّ المؤمنين، وأمّ حبيبة وحمنة بنات جحش، فأمّا عبيد الله فتنصّر؛ ومات بالحبشة نصرانيّا.
وهاجر عبد الله، وأخوه أبو أحمد، وأهله إلى المدينة، وأمّره رسول الله ﷺ على سريّة، وهو أوّل أمير أمّره، وغنيمته أوّل غنيمة في الإسلام.
ثمّ شهد بدرا واستشهد يوم أحد، وكان من دعائه يوم أحد: أن يقاتل ويستشهد ويقطع أنفه وأذنه ويمثّل به في الله ورسوله ﷺ ، فاستجاب الله دعاءه فاستشهد وعمل الكفّار به ذلك، وكان يقال له: المجدّع في الله تعالى، وكان عمره حين استشهد نيّفا وأربعين سنة، ودفن هو وخاله حمزة بن عبد المطلب في قبر واحد، رضي الله تعالى عنهما.
قال الزّبير بن بكّار: وأعطاه رسول الله ﷺ (يوم أحد- وقد ذهب سيفه-) ؛ أي: انقطع في أثناء القتال وانكسر؛ أعطاه (عسيب نخل) ؛ أي: عرجون نخلة، وإن كان العسيب هو الجريدة من النّخل، مستقيمة دقيقة يكشط خوصها، لكنّ المراد هنا العرجون، كما ذكره الزّبير بن بكّار.
стр. 596
فرجع في يده سيفا. وكان لرسول الله ﷺ حربة يمشى بها بين يديه؛ فإذا صلّى.. ركزها بين يديه.
وكان ﷺ رايته سوداء، ولواؤه أبيض.
(فرجع) ؛ أي: فعاد (في يده سيفا) فقاتل به حتى قتل- رضي الله تعالى عنه- قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق الثّقفي، ثمّ قتله عليّ بن أبي طالب بعده، وكان ذلك السّيف يسمّى العرجون، باسم أصله قبل الآية الباهرة، ولم يزل يتوارث حتى بيع من «بغا» التّركي من أمراء المعتصم بالله إبراهيم، الخليفة العبّاسيّ في بغداد، بمائتي دينار، وهذا نحو حديث عكّاشة؛ لأنّ سيف عكّاشة يسمّى العون، وهذا يسمّى العرجون.
(و) أخرج الطّبراني في «الكبير» ، عن عصمة بن مالك قال:
(كان لرسول الله ﷺ حربة) - بفتح الحاء المهملة وسكون الرّاء، ثمّ باء موحّدة، آخره هاء-: رمح قصير يشبه العكّازة، وهي المسمّاة ب «العنزة» ، (يمشى بها) - بالبناء للمفعول- (بين يديه) ، أي: يحملها شخص على عاتقه، (فإذا صلّى ركزها بين يديه) فيتخذها سترة يصلي إليها إذا كان في غير بناء، فإذا رآها شخص مرّ من خلفها، وكان يمشي بها، أي: يتوكّأ عليها أحيانا، وكان له حراب غيرها أيضا.
(و) أخرج التّرمذيّ، وابن ماجه، والحاكم؛ في «الجهاد» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- قال: (كان) رسول الله ﷺ رايته) تسمّى: العقاب، كما ذكره ابن القيّم. وكانت (سوداء) ؛ أي: غالب لونها أسود، بحيث ترى من بعد سوداء، لا أنّ لونها أسود خالص، (ولواؤه أبيض) قال ابن القيّم: ربما جعل فيه السّواد. انتهى.
وهذا الحديث رواه الحاكم وسكت عنه ولم يصحّحه، لأنّ فيه يزيد بن حبّان، مضعّف؛ وقيل: بل هو مجهول الحال. وساقه ابن عدي من مناكير حبّان بن عبيد الله.
стр. 597
وعن الزّبير بن العوّام ...
نعم؛ رواه التّرمذيّ في «العلل» ؛ عن البراء، من طريق آخر بلفظ: كانت سوداء مربّعة من نمرة، ثمّ قال: سألت عنه محمّدا- يعني: البخاري- فقال:
حديث حسن. انتهى.
ورواه الطّبرانيّ باللّفظ المذكور من هذا الوجه وزاد: مكتوب عليه: لا إله إلّا الله؛ محمّد رسول الله. انتهى.
والرّاية: العلم الكبير، واللّواء: العلم الصّغير، فالرّاية هي الّتي يتولّاها صاحب الحرب ويقاتل عليها، وإليها تميل المقاتلة.
واللّواء: علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار؛ ذكره جمع.
وقال ابن العربي: اللّواء: ما يعقد في طرف الرّمح ويكون عليه. والرّاية:
ما يعقد فيه ويترك حتّى تصفّقه الرّياح. انتهى «مناوي» .
وفي «الحفني؛ على الجامع» : الراية: ما يربط في الرّمح، تضربه الرياح، وهي إلى النّصف أو أكثر، بخلاف اللّواء؛ فهو ما يربط صغيرا في أعلى الرّمح، ويكون مع السّلطان أو أمير الجيش ليجتمع له الجيش عند القتال. انتهى.
(و) أخرج التّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ (عن) أبي عبد الله (الزّبير) - بضمّ الزّاي مصغّرا- (بن العوّام) - بتشديد الواو- بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي القرشيّ الأسديّ المدنيّ، يلتقي مع رسول الله ﷺ في قصّي.
أمّه صفيّة بنت عبد المطّلب؛ عمّة رسول الله ﷺ ، أسلمت وهاجرت إلى المدينة؛ أسلم الزّبير قديما في أوائل الإسلام؛ وهو ابن خمس عشرة سنة في قول.
وكان إسلامه بعد إسلام أبي بكر الصّديق بقليل، فكان رابعا أو خامسا.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد السّتّة أصحاب الشّورى، وهاجر إلى الحبشة ثمّ إلى المدينة، وآخى النّبيّ ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخى بين المهاجرين بمكّة؛ فلما قدم المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش.
стр. 598
رضي الله تعالى عنه قال: كان على النّبيّ ﷺ يوم أحد درعان، فنهض إلى الصّخرة؛ فلم يستطع، فأقعد طلحة ...
وكان الزّبير أوّل من سلّ سيفا في سبيل الله، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة وحصار الطّائف والمشّاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وشهد اليرموك وفتح مصر، ومناقبه كثيرة جمّة.
وكان الزبير ﵁ يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف، فلحقه جماعة من الغواة؛ فقتلوه بوادي السّباع بناحية البصرة- وقبره هناك- في جمادى الأولى سنة: - ٣٦- ستّ وثلاثين، وكان عمره حينئذ سبعا وستّين سنة. وقيل: ستّا وستّين. وقيل: أربعا وستّين.
(رضي الله تعالى عنه) وأرضاه، وعن سائر أصحاب رسول الله ﷺ .
(قال: كان على النّبيّ ﷺ يوم أحد) - أي: في يوم وقعة أحد- (درعان) .
زاد في رواية: درعه ذات الفضول، ودرعه فضّة، وكان عليه يوم حنين درعان:
ذات الفضول والسّغدية، ولم يظاهر بين درعين إلّا في هذين اليومين.
(فنهض إلى الصّخرة) ، أي: أسرع متوجّها نحوها ليعلوها فيراه المسلمون؛ فيعلمون حياته؛ فيجتمعون عليه. يقال: نهض عن مكانه؛ إذا قام عنه، ونهض إلى العدو؛ أسرع إليه، ونهض إلى فلان؛ تحرّك إليه بالقيام.
(فلم يستطع) ؛ أي: فلم يقدر على الارتفاع على الصّخرة لضعف طرأ عليه بسبب ما حصل له من شجّ رأسه وجبينه الشّريف، واستفراغ الدّم الكثير منهما.
وقيل: لثقل درعه الدّالّ على نفاسته وقوّته ومزيد منعه لما يحصل لصاحبه. وقيل:
لعلوّ الصّخرة. والأظهر: الأوّل.
(فأقعد) ؛ أي: أجلس (طلحة) بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب؛ أبو محمد القرشي، التيمي، المكّي، المدنيّ.
стр. 599
تحته، وصعد النّبيّ ﷺ حتّى استوى على الصّخرة، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أوجب طلحة» - أي: فعل فعلا أوجب لنفسه بسببه الجنّة.
أحد العشرة الّذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنّة، وأحد الثّمانية السّابقين إلى الإسلام، وأحد الخمسة الّذين أسلموا على يد أبي بكر الصّدّيق ﵁، وأحد السّتّة أصحاب الشّورى.
وسمّاه رسول الله ﷺ : «طلحة الخير» ، و «طلحة الجود» ، وهو من المهاجرين الأوّلين، ولم يشهد بدرا، ولكن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره كمن حضر. وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد.
وروي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم على حديثين، وانفرد البخاريّ بحديثين، وانفرد مسلم بثلاثة.
وقتل يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الأولى سنة: - ٣٦- ستّ وثلاثين.
وهذا لا خلاف فيه، وكان عمره أربعا وستّين سنة، على خلاف في ذلك، وقبره بالبصرة مشهور يزار ويتبرّك به، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
(تحته) فصار طلحة كالسّلّم؛ (وصعد) - بكسر العين- (النّبيّ ﷺ ؛ أي:
فوضع رجله فوقه وارتفع (حتّى استوى على الصّخرة) ؛ أي: استقرّ عليها.
(قال) - أي: الزّبير-: (سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أوجب طلحة» ) رضي الله تعالى عنه- (أي: فعل فعلا) هو إعانته له ﷺ على الارتفاع على الصّخرة الّذي ترتّب عليه جمع شمل المسلمين وإدخال السّرور يومئذ على كلّ حزين.
و (أوجب لنفسه بسببه الجنّة) ، ويحتمل أنّ ذلك الفعل هو جعله نفسه فداء له ﷺ ذلك اليوم حتّى أصيب ببضع وثمانين طعنة، وشلّت يده في دفع الأعداء عنه، ولا مانع من إرادة الجميع؛ وكان أبو بكر الصّدّيق ﵁ إذا ذكر أحدا
стр. 600
وكان له ﷺ سبعة أدرع؛ فقد كان له:
درع تسمى: (ذات الفضول) ؛ سمّيت بذلك لطولها.
ودرع تسمى: (ذات الوشاح) . ودرع تسمى: (ذات الحواشي) . ودرع تسمى: (فضّة) . ودرع تسمى: (السّغديّة) ؛ قال: ذلك يوم كان كلّه لطلحة رضي الله تعالى عنه.
(وكان له ﷺ سبعة أدرع) ؛ جمع درع- بكسر الدّال المهملة وسكون الرّاء، وفي آخره عين مهملة-: جبّة من حديد تصنع حلقا حلقا، وتلبس للحرب، وهي الزّرديّة؛ كما قال ابن الأثير.
والدّرع مؤنّثة في الأكثر، وقد تذكّر، وتجمع على أدرع، ودروع، وأدراع، (فقد كان له درع تسمى: «ذات الفضول» ) - بالضّاد المعجمة قبلها فاء مضمومتين- (سمّيت بذلك لطولها) ؛ من الفضل: الزّيادة.
أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وهي الّتي رهنها عند أبي الشّحم اليهودي، على ثمن شعير اشتراه لأهله، وكان ثلاثين صاعا، وكان الدّين إلى سنة.
(و) كان له (درع تسمى: «ذات الوشاح» ) - بكسر الواو وخفّة الشّين المعجمة، فألف فمهملة-
(و) كان له (درع تسمى: «ذات الحواشي» ) - جمع حاشية- وهي في الأصل جانب الثوب.
(و) كان له (درع تسمى: «فضّة» ) - بكسر الفاء- أصابها من بني قينقاع؛ بطن من يهود المدينة.
(و) كان له (درع تسمى: «السّغديّة» ) - بضمّ السّين والغين المعجمة السّاكنة ودال مهملة، ويقال: بفتح السّين وإسكان العين ودال مهملات، قال بعضهم:
بالعين المهملة، منسوبة للسّعد؛ وهي جبال معروفة.