فرجع في يده سيفا. وكان لرسول الله ﷺ حربة يمشى بها بين يديه؛ فإذا صلّى.. ركزها بين يديه.
وكان ﷺ رايته سوداء، ولواؤه أبيض.
(فرجع) ؛ أي: فعاد (في يده سيفا) فقاتل به حتى قتل- رضي الله تعالى عنه- قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق الثّقفي، ثمّ قتله عليّ بن أبي طالب بعده، وكان ذلك السّيف يسمّى العرجون، باسم أصله قبل الآية الباهرة، ولم يزل يتوارث حتى بيع من «بغا» التّركي من أمراء المعتصم بالله إبراهيم، الخليفة العبّاسيّ في بغداد، بمائتي دينار، وهذا نحو حديث عكّاشة؛ لأنّ سيف عكّاشة يسمّى العون، وهذا يسمّى العرجون.
(و) أخرج الطّبراني في «الكبير» ، عن عصمة بن مالك قال:
(كان لرسول الله ﷺ حربة) - بفتح الحاء المهملة وسكون الرّاء، ثمّ باء موحّدة، آخره هاء-: رمح قصير يشبه العكّازة، وهي المسمّاة ب «العنزة» ، (يمشى بها) - بالبناء للمفعول- (بين يديه) ، أي: يحملها شخص على عاتقه، (فإذا صلّى ركزها بين يديه) فيتخذها سترة يصلي إليها إذا كان في غير بناء، فإذا رآها شخص مرّ من خلفها، وكان يمشي بها، أي: يتوكّأ عليها أحيانا، وكان له حراب غيرها أيضا.
(و) أخرج التّرمذيّ، وابن ماجه، والحاكم؛ في «الجهاد» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- قال: (كان) رسول الله ﷺ رايته) تسمّى: العقاب، كما ذكره ابن القيّم. وكانت (سوداء) ؛ أي: غالب لونها أسود، بحيث ترى من بعد سوداء، لا أنّ لونها أسود خالص، (ولواؤه أبيض) قال ابن القيّم: ربما جعل فيه السّواد. انتهى.
وهذا الحديث رواه الحاكم وسكت عنه ولم يصحّحه، لأنّ فيه يزيد بن حبّان، مضعّف؛ وقيل: بل هو مجهول الحال. وساقه ابن عدي من مناكير حبّان بن عبيد الله.
стр. 597
وعن الزّبير بن العوّام ...
نعم؛ رواه التّرمذيّ في «العلل» ؛ عن البراء، من طريق آخر بلفظ: كانت سوداء مربّعة من نمرة، ثمّ قال: سألت عنه محمّدا- يعني: البخاري- فقال:
حديث حسن. انتهى.
ورواه الطّبرانيّ باللّفظ المذكور من هذا الوجه وزاد: مكتوب عليه: لا إله إلّا الله؛ محمّد رسول الله. انتهى.
والرّاية: العلم الكبير، واللّواء: العلم الصّغير، فالرّاية هي الّتي يتولّاها صاحب الحرب ويقاتل عليها، وإليها تميل المقاتلة.
واللّواء: علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار؛ ذكره جمع.
وقال ابن العربي: اللّواء: ما يعقد في طرف الرّمح ويكون عليه. والرّاية:
ما يعقد فيه ويترك حتّى تصفّقه الرّياح. انتهى «مناوي» .
وفي «الحفني؛ على الجامع» : الراية: ما يربط في الرّمح، تضربه الرياح، وهي إلى النّصف أو أكثر، بخلاف اللّواء؛ فهو ما يربط صغيرا في أعلى الرّمح، ويكون مع السّلطان أو أمير الجيش ليجتمع له الجيش عند القتال. انتهى.
(و) أخرج التّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ (عن) أبي عبد الله (الزّبير) - بضمّ الزّاي مصغّرا- (بن العوّام) - بتشديد الواو- بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي القرشيّ الأسديّ المدنيّ، يلتقي مع رسول الله ﷺ في قصّي.
أمّه صفيّة بنت عبد المطّلب؛ عمّة رسول الله ﷺ ، أسلمت وهاجرت إلى المدينة؛ أسلم الزّبير قديما في أوائل الإسلام؛ وهو ابن خمس عشرة سنة في قول.
وكان إسلامه بعد إسلام أبي بكر الصّديق بقليل، فكان رابعا أو خامسا.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد السّتّة أصحاب الشّورى، وهاجر إلى الحبشة ثمّ إلى المدينة، وآخى النّبيّ ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخى بين المهاجرين بمكّة؛ فلما قدم المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش.
стр. 598
رضي الله تعالى عنه قال: كان على النّبيّ ﷺ يوم أحد درعان، فنهض إلى الصّخرة؛ فلم يستطع، فأقعد طلحة ...
وكان الزّبير أوّل من سلّ سيفا في سبيل الله، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة وحصار الطّائف والمشّاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وشهد اليرموك وفتح مصر، ومناقبه كثيرة جمّة.
وكان الزبير ﵁ يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف، فلحقه جماعة من الغواة؛ فقتلوه بوادي السّباع بناحية البصرة- وقبره هناك- في جمادى الأولى سنة: - ٣٦- ستّ وثلاثين، وكان عمره حينئذ سبعا وستّين سنة. وقيل: ستّا وستّين. وقيل: أربعا وستّين.
(رضي الله تعالى عنه) وأرضاه، وعن سائر أصحاب رسول الله ﷺ .
(قال: كان على النّبيّ ﷺ يوم أحد) - أي: في يوم وقعة أحد- (درعان) .
زاد في رواية: درعه ذات الفضول، ودرعه فضّة، وكان عليه يوم حنين درعان:
ذات الفضول والسّغدية، ولم يظاهر بين درعين إلّا في هذين اليومين.
(فنهض إلى الصّخرة) ، أي: أسرع متوجّها نحوها ليعلوها فيراه المسلمون؛ فيعلمون حياته؛ فيجتمعون عليه. يقال: نهض عن مكانه؛ إذا قام عنه، ونهض إلى العدو؛ أسرع إليه، ونهض إلى فلان؛ تحرّك إليه بالقيام.
(فلم يستطع) ؛ أي: فلم يقدر على الارتفاع على الصّخرة لضعف طرأ عليه بسبب ما حصل له من شجّ رأسه وجبينه الشّريف، واستفراغ الدّم الكثير منهما.
وقيل: لثقل درعه الدّالّ على نفاسته وقوّته ومزيد منعه لما يحصل لصاحبه. وقيل:
لعلوّ الصّخرة. والأظهر: الأوّل.
(فأقعد) ؛ أي: أجلس (طلحة) بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب؛ أبو محمد القرشي، التيمي، المكّي، المدنيّ.
стр. 599
تحته، وصعد النّبيّ ﷺ حتّى استوى على الصّخرة، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أوجب طلحة» - أي: فعل فعلا أوجب لنفسه بسببه الجنّة.
أحد العشرة الّذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنّة، وأحد الثّمانية السّابقين إلى الإسلام، وأحد الخمسة الّذين أسلموا على يد أبي بكر الصّدّيق ﵁، وأحد السّتّة أصحاب الشّورى.
وسمّاه رسول الله ﷺ : «طلحة الخير» ، و «طلحة الجود» ، وهو من المهاجرين الأوّلين، ولم يشهد بدرا، ولكن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره كمن حضر. وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد.
وروي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم على حديثين، وانفرد البخاريّ بحديثين، وانفرد مسلم بثلاثة.
وقتل يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الأولى سنة: - ٣٦- ستّ وثلاثين.
وهذا لا خلاف فيه، وكان عمره أربعا وستّين سنة، على خلاف في ذلك، وقبره بالبصرة مشهور يزار ويتبرّك به، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
(تحته) فصار طلحة كالسّلّم؛ (وصعد) - بكسر العين- (النّبيّ ﷺ ؛ أي:
فوضع رجله فوقه وارتفع (حتّى استوى على الصّخرة) ؛ أي: استقرّ عليها.
(قال) - أي: الزّبير-: (سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أوجب طلحة» ) رضي الله تعالى عنه- (أي: فعل فعلا) هو إعانته له ﷺ على الارتفاع على الصّخرة الّذي ترتّب عليه جمع شمل المسلمين وإدخال السّرور يومئذ على كلّ حزين.
و (أوجب لنفسه بسببه الجنّة) ، ويحتمل أنّ ذلك الفعل هو جعله نفسه فداء له ﷺ ذلك اليوم حتّى أصيب ببضع وثمانين طعنة، وشلّت يده في دفع الأعداء عنه، ولا مانع من إرادة الجميع؛ وكان أبو بكر الصّدّيق ﵁ إذا ذكر أحدا
стр. 600
وكان له ﷺ سبعة أدرع؛ فقد كان له:
درع تسمى: (ذات الفضول) ؛ سمّيت بذلك لطولها.
ودرع تسمى: (ذات الوشاح) . ودرع تسمى: (ذات الحواشي) . ودرع تسمى: (فضّة) . ودرع تسمى: (السّغديّة) ؛ قال: ذلك يوم كان كلّه لطلحة رضي الله تعالى عنه.
(وكان له ﷺ سبعة أدرع) ؛ جمع درع- بكسر الدّال المهملة وسكون الرّاء، وفي آخره عين مهملة-: جبّة من حديد تصنع حلقا حلقا، وتلبس للحرب، وهي الزّرديّة؛ كما قال ابن الأثير.
والدّرع مؤنّثة في الأكثر، وقد تذكّر، وتجمع على أدرع، ودروع، وأدراع، (فقد كان له درع تسمى: «ذات الفضول» ) - بالضّاد المعجمة قبلها فاء مضمومتين- (سمّيت بذلك لطولها) ؛ من الفضل: الزّيادة.
أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وهي الّتي رهنها عند أبي الشّحم اليهودي، على ثمن شعير اشتراه لأهله، وكان ثلاثين صاعا، وكان الدّين إلى سنة.
(و) كان له (درع تسمى: «ذات الوشاح» ) - بكسر الواو وخفّة الشّين المعجمة، فألف فمهملة-
(و) كان له (درع تسمى: «ذات الحواشي» ) - جمع حاشية- وهي في الأصل جانب الثوب.
(و) كان له (درع تسمى: «فضّة» ) - بكسر الفاء- أصابها من بني قينقاع؛ بطن من يهود المدينة.
(و) كان له (درع تسمى: «السّغديّة» ) - بضمّ السّين والغين المعجمة السّاكنة ودال مهملة، ويقال: بفتح السّين وإسكان العين ودال مهملات، قال بعضهم:
بالعين المهملة، منسوبة للسّعد؛ وهي جبال معروفة.
стр. 601
قيل: هي درع سيّدنا داوود الّتي لبسها لقتال جالوت.
ودرع تسمى: (البتراء) . ودرع تسمى: (الخرنق) .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ دخل مكّة وعليه مغفر.
وفي «معرّب» الجواليقي: إنّه بالسين والصّاد لأنّه قياس في كلّ سين معها حرف استعلاء- وقد أصابها النّبيّ ﷺ من بني قينقاع- وهي درع عكبر القينقاعي.
و (قيل: هي درع سيّدنا داود الّتي لبسها لقتال جالوت) الكافر؛ كما حكاه اليعمري ومغلطاي.
(و) كان له (درع تسمى: «البتراء» ) - بفتح الموحّدة وسكون الفوقيّة والمدّ- سمّيت بذلك لقصرها.
(و) كان له (درع تسمى: «الخرنق» ) - بكسر الخاء المعجمة وإسكان الرّاء وكسر النّون وقاف- سميت باسم ولد الأرنب؛ كما في «العيون» وغيرها.
(و) أخرج البخاريّ ومسلم وأبو داود والتّرمذيّ والنّسائي وابن ماجه والتّرمذيّ في «الشمائل» - واللفظ له- كلّهم؛ من طريق مالك؛ عن الزّهري.
(عن أنس بن مالك) - وتقدمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ دخل مكّة) يوم الفتح (وعليه مغفر) ، ولا يعارضه ما مرّ من أنّه دخل مكّة وعليه عمامة سوداء!! لأنّه لا مانع من أنّه لبس العمامة السّوداء فوق المغفر، أو تحته؛ وقاية لرأسه من صدأ الحديد، ففي رواية «المغفر» الإشارة إلى كونه متأهّبا للقتال، وفي رواية «العمامة» الإشارة إلى كونه دخل غير محرم؛ كما صرّح به القسطلّاني.
فإن قلت: دخول مكّة وعليه المغفر يشكل عليه خبر «لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكّة السّلاح» . رواه مسلم؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه!!
стр. 602
و (المغفر) - بوزن منبر- زرد من حديد ينسج بقدر الرّأس يلبس تحت القلنسوة.
قلت: لا إشكال؛ لأنّه محمول على حمله في قتال لغير ضرورة، وهذا كان لضرورة، على أنّ مكّة أحلّت له ساعة من نهار، ولم تحلّ لأحد قبله ولا بعده. أمّا حمله فيها في غير قتال! فهو مكروه. والله أعلم.
(والمغفر) - بكسر الميم وفتح الفاء- (بوزن منبر) ؛ من الغفر، وهو السّتر، والمراد به هنا: (زرد من حديد ينسج بقدر الرّأس يلبس تحت القلنسوة) ، وفي «المغرب» : ما يلبس تحت البيضة، ويطلق على البيضة أيضا.
وفرّق بعضهم بين المغفر والبيضة؛ بأنّ المغفر يشبه القلنسوة، وربّما يكون في حديدة تنزل على الأنف، وفي البيضة طول.
زاد الدّارقطني في «الفوائد» والحاكم في «الإكليل» : من حديد، وفي طرفها الأعلى احديداب قريب بيضة النّعامة، ولها حلق تنزل إلى العنق والكفّين والصّدر.
وزعم بعض أهل السّير أنّ للنّبيّ ﷺ مغفرين يقال لأحدهما: الوشح، وللآخر: السّبوع. وقال بعضهم: كانت له بيضة، وكانت في رأسه يوم أحد.
وينبغي أن يعلم أن الدّروع والبيضة والمغفر من جملة السّلاح؛ لأنّ السّلاح يطلق على ما يقتل به، وعلى ما يدفع به، وهؤلاء مما يدفع بها؛ كما تقدم في أوّل الباب. والله أعلم.
стр. 603
[الفصل السّادس كان من خلقه ﷺ أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه]
الفصل السّادس كان من خلقه ﷺ أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه كان اسم رايته: (العقاب) ، وكانت سوداء، ...
(الفصل السّادس) من الباب الثّالث:
(كان من خلقه ﷺ الخلق- بضمّتين-: الصّورة الباطنة من النّفس وأوصافها ومعانيها المختصّة بها.
(أن يسمّي سلاحه) : (كل عدّة في الحرب. (ودوابّه) - جمع دابّة؛ وهي لغة: كل ما يدبّ على الأرض. وعرفا: اسم لذات الأربع؛ كما قال المحلي- (ومتاعه) المتاع- في اللّغة-: كل ما ينتفع به كالطّعام والبزّ وأثاث البيت؛ وأصل المتاع ما يتبلغ به من الزّاد؛ وهو اسم من متّعته بالتّثقيل إذا أعطيته ذلك، والجمع:
أمتعة؛ ذكره في «المصباح» . وهذه التّرجمة قطعة من حديث رواه الرّوياني، وابن عساكر؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: كان يلبس القلانس تحت العمائم ... الحديث. وفي آخره: وكان من خلقه أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه؛ أي: كما كان يسمّي قميصه ورداءه وعمامته؛ قال في «شرح الإحياء» .
قال الإمام الشّعراني في «كشف الغمّة» كالغزالي في «الإحياء» :
(كان اسم رايته ﷺ «العقاب» ) - بضمّ العين المهملة- رواه ابن عدي؛ من حديث أبي هريرة بسند ضعيف: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء تسمّى العقاب.
ورواه أبو الشّيخ؛ من حديث الحسن مرسلا؛ قاله العراقيّ. قلت: وكذلك رواه ابن سعد في «الطبقات» . انتهى شرح «الإحياء» .
(وكانت سوداء) مربّعة؛ أي: غالب لونها أسود، بحيث ترى من بعيد
стр. 604
ومرّة كان يجعلها صفراء، ومرّة بيضاء فيها خطوط سود.
وكان اسم خيمته: (الكنّ) . وقضيبه: (الممشوق) .
واسم قدحه: (الرّيّان) . وركوته: (الصّادر) . وسرجه:
(الرّاجّ) . ومقراضه: (الجامع) .
سوداء؛ لا أنّها لونها أسود خالص؛ كما قاله الطيبي.
(ومرّة كان يجعلها صفراء) . روى أبو داود؛ عن رجل: قال رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء، (ومرّة بيضاء فيها خطوط سود) تسمّى الزّينة.
وقد تقدّم في الفصل الخامس من حديث ابن عبّاس أنّ رايته سوداء، ولواءه أبيض، وهناك مزيد كلام على الرّاية واللّواء، والفرق بينهما.
(وكان اسم خيمته: «الكنّ» ) - بكسر الكاف- لأنّه يستر من الحرّ والبرد، كما أشار له اليعمري.
(و) كان اسم (قضيبه) - وهو غصن مقطوع من شجرة شوحط- يسمّى:
( «الممشوق» ) ، قيل: وهو الّذي كان الخلفاء يتداولونه، وسيأتي ذكره في حديث ابن عبّاس الآتي.
(و) كان (اسم قدحه: «الرّيّان» ) - بفتح الرّاء وشد التّحتيّة- وله عدة أقداح.
(و) كان اسم (ركوته) - بفتح الرّاء وسكون الكاف، بعدها مثنّاة فوقيّة، وحي كسر الرّاء، وحكي ابن دحية تثليث الرّاء- ( «الصّادر» ) ؛ لأنه يصدر عنها الريّ، أي: ريّ الشّارب منها، وسيأتي ذكرها في حديث ابن عبّاس الآتي.
(و) كان اسم (سرجه) - بالجيم- وهو رحل الدّابة معروف، وهو عربي، وفي «شفاء العليل» : إنّه معرّب سرك، ( «الرّاجّ» ) - بالرّاء المهملة والجيم آخره- وسيأتي في حديث ابن عباس.
(و) كان اسم (مقراضه) - بكسر الميم وضاد معجمة- وهو المسمّى بالمقص ( «الجامع» ) ، وسيأتي في حديث ابن عبّاس.
стр. 605
وسيفه الّذي كان يشهد به الحروب: (ذو الفقار) .
وكانت له أسياف أخر.
(و) كان اسم (سيفه الّذي كان يشهد به الحروب: «ذو الفقار) - بفتح الفاء وكسرها- قال ابن القيّم: تنقّله من بدر، وهو الّذي أري فيه الرّؤيا، ودخل به يوم فتح مكّة، وكانت أسيافه سبعة، وهذا ألزمه له.
وقال الزّمخشري: سمّي ذا الفقار؛ لأنّه كانت في إحدى شفرتيه حزوز شبّهت بفقار الظّهر، وكان هذا السّيف لمنبّه بن الحجّاج، أو منبّه بن وهب، أو العاص بن منبّه، أو الحجّاج بن علاط، أو غيرهم؛ ثمّ صار عند الخلفاء العبّاسيين.
قال العراقي: روى أبو الشّيخ؛ من حديث عليّ بن أبي طالب: كان اسم سيف رسول الله ﷺ ذا الفقار. وللتّرمذيّ، وابن ماجه؛ من حديث ابن عبّاس أنّه ﷺ تنفّل سيفه ذا الفقار يوم بدر. وللحاكم؛ من حديث علي؛ في أثناء حديث: وسيفه ذو الفقار. وهو ضعيف. انتهى.
قال الأصمعيّ: دخلت على الرّشيد فقال: أريكم سيف رسول الله ﷺ ذا الفقار؟ قلنا: نعم، فجاء به، فما رأيت سيفا أحسن منه إذا نصب لم ير فيه شيء، وإذا بطح عدّ فيه سبع فقر، وإذا صفيحته يمانيّة يحار الطّرف فيه من حسنه.
وقال قاسم بن ثابت بن حزم الأندلسي الفقيه المالكي المتوفّى سنة: - ٣٠٢- اثنين وثلاثمائة في «الدلائل» :
إنّ ذلك كان يرى في رونقه شبيها بفقار الحيّة، فإذا التمس لم يوجد، وله ذكر في حديث ابن عبّاس الطّويل، وسيأتي في المتن. وقد تقدّم في الفصل الخامس كلام في ذي الفقار بعضه غير مذكور هنا.
(وكانت له) ﷺ (أسياف) ستّة (أخر) - بضمّ الهمزة وفتح الخاء- ممنوع من الصّرف للصفة والعدل، كما قال ابن مالك:
ومنع عدل مع وصف معتبر ... في لفظ مثنى وثلاث وأخر
стр. 606
وكانت له منطقة من أدم، فيها ثلاث حلق من فضّة.
وكان اسم جعبته: (الكافور) .
واسم ناقته: (القصواء) ؛ ...
وبذي الفقار تصير أسيافه ﷺ سبعة، وقد تقدّمت مفصلة في الفصل الخامس.
(وكانت له) ﷺ (منطقة) - بكسر الميم-: اسم لما يسمّيه النّاس الحياصة.
ويقال له: العرقة- بعين مهملة مفتوحة وراء مفتوحة وقاف مفتوحة آخره تاء مربوطة- (من أدم) - بفتحتين- جلد (فيها ثلاث حلق من فضّة) ، والإبزيم من فضّة، والطرف الّذي يدخل في الإبزيم من فضّة.
وقد ذكر ابن سعد وغيره: أنّه ﷺ يوم أحد حزم وسطه بمنطقة؛ وأقرّه اليعمري وغيره، فقول ابن تيمية «لم يبلغنا أنّه شدّ على وسطه منطقة» !! تقصير، فابن سعد ثقة حافظ، فهو حجّة على النّافي، ولا سيّما أنّما نفى أنّه بلغه، ولم يطلق النّفي؛ فدع عنك قيل وقال. انتهى «زرقاني» .
(و) في «الإحياء» و «المواهب» و «كشف الغمة» : (كان اسم جعبته) بفتح الجيم والموحّدة بينهما عين مهملة ساكنة- وهي الكنانة يجمع فيها نبله:
( «الكافور» ) .
قال العراقي: لم أجد له أصلا، وفي حديث ابن عبّاس عند الطّبراني أنّه كان له قوس يسمّى: «السّداد» ، وكانت له كنانة تسمّى: «الجمع» ؛ ذكره في «شرح الإحياء» . وسيأتي حديث ابن عبّاس الذي أشار إليه العراقي.
(و) كان (اسم ناقته) ﷺ : ( «القصواء» ) - بفتح القاف والمدّ على غير قياس، والقياس القصر؛ كما وقع في بعض نسخ أبي ذر في البخاري- قيل: وهي الّتي هاجر عليها.
والقصواء: النّاقة الّتي قطع طرف أذنها؛ وكل ما قطع من الأذن فهو: جدع،
стр. 607
وهي الّتي يقال لها: (الغضباء) .
فإذا بلغ الرّبع فهو: قصوى، فإذا جاوز فهو: عضب، فإذا استؤصلت فهو: صلم.
قال ابن الأثير: ولم تكن ناقة النّبيّ ﷺ قصوا بهذا المعنى، وإنّما هو لقب لها، لقّبت به!! لأنّها كانت غاية في الجري، وآخر كلّ شيء أقصاه.
وجاء في خبر أنّ له ناقة تسمّى: العضباء، وهي: الّتي كانت لا تسبق، فجاء أعرابيّ على قعود له فسبقها، فشقّ ذلك على المسلمين، فقال ﵊: «إنّ حقّا على الله أن لا يرفع شيئا من الدّنيا إلّا وضعه» .
وجاء في خبر أنّ له ناقة تسمّى: الجدعاء- بفتح الجيم وإسكان الدّال المهملة بعدها عين مهملة-: هي المقطوعة الأنف، أو الأذن، أو الشّفة.
فقول الشّامي: إنّ الجذعاء- بالذّال المعجمة- سبق قلم؛ والعضباء والجدعاء لقب لهما، ولم يكن بهما عضب ولا جدع.
وهذه الأوصاف الثّلاثة يحتمل أن تكون صفة لناقة واحدة فسمّى كلّ بما تخيّل إليه فيها، ويحتمل أنّ كلّ واحدة صفة ناقة مفردة.
(و) قال المصنّف تبعا لأصله «الإحياء» و «كشف الغمة» : إنّ القصواء (هي الّتي يقال لها: «العضباء» ) - بفتح المهملة وسكون المعجمة بعدها موحّدة ومدّ- هي المقطوعة الآذان أو المشقوقتها.
وقال ابن فارس: كان ذلك لقبا لها، وقال الزّمخشريّ: العضباء: منقول من قولهم «ناقة عضباء» ؛ أي: قصيرة القدّ.
قال في «الفتح» : اختلف؛ هل العضباء هي القصواء أو غيرها؟
فجزم الحربيّ بالأوّل، وقال تسمّى العضباء والقصواء والجدعاء. وروى ذلك ابن سعد؛ عن الواقديّ، وقال غير الحربي بالثّاني، وقال: الجدعاء كانت شهباء، وكان لا يحملها «١» عند نزول الوحي غيرها. انتهى.
стр. 608
وكان اسم بغلته: (دلدل) . واسم حماره: (يعفورا) .
وعلى القول الأوّل جرى العراقي في «ألفيّته» حيث قال:
عضباء جدعاء هما القصواء ...
لكن روى البزّار عن أنس: خطبنا النّبيّ ﷺ على العضباء؛ وليست بالجدعاء.
قال السّهيلي: فهذا من قول أنس أنّها غير الجدعاء، وهو الصّحيح. انتهى «زرقاني ومناوي» .
(وكان اسم بغلته: «دلدل» ) - بدالين مهملتين مضمومتين ولامين أولاهما ساكنة- وكانت شهباء؛ أي: بياضها غالب على سوادها، أهداها له المقوقس، قيل: وهي أول بغلة رؤيت في الإسلام، وكان ﷺ يركبها في السّفر، وعاشت بعده حتّى كبرت وسقطت أسنانها؛ وكان يجيش لها الشّعير، وعميت وماتت ب «ينبع» ؛ ذكره الزّرقاني على «المواهب» . وسيأتي لها ذكر في حديث ابن عبّاس.
(و) كان (اسم حماره: «يعفورا» ) - بسكون العين المهملة وضمّ الفاء مصروف- قال الحافظ ابن حجر وغيره: هو اسم ولد الظّبي، كأنّه سمّي بذلك لسرعته، وقيل: تشبيها في عدوه باليعفور؛ وهو الخشف، أي: ولد الظّبي وولد البقرة الوحشيّة.
ومات يعفور منصرف رسول الله ﷺ من حجّة الوداع، وبه جزم النّوويّ؛ عن ابن الصّلاح. وقيل: طرح نفسه في بئر لأبي الهيثم بن التّيّهان يوم مات ﷺ ، فكانت قبره، وقع ذلك في حديث طويل ذكره ابن حبان في «الضعفاء» وقال:
لا أصل له، وليس سنده بشيء. وفيه: أنّه غنمه من خيبر، وكان اسمه يزيد بن شهاب، وقد ساقه القسطلّاني في المعجزات:
وكان لرسول الله ﷺ حمار يقال له: عفير، ثمّ المشهور؛ كما في «الألفيّة» وهو قول الجمهور- أنّهما اثنان، وقيل: هما واحد. قال في «الفتح» : زعمه ابن عبدوس، وقوّاه صاحب «الهدي» ، وردّه الدمياطي؛ فقال: عفير أهداه
стр. 609
واسم شاته الّتي كان يشرب لبنها: (غيثة) .
وفي حديث آخر: كان لرسول الله ﷺ سيف محلّى، قائمته من فضّة، ونعله ...
المقوقس، ويعفور أهداه فروة بن عمرو الجذامي، وقيل: بالعكس. والله أعلم.
(و) قال المناوي في شرح «الجامع الصّغير» ؛ عن العراقي: وفي حديث للطّبراني: كان (اسم شاته الّتي كان يشرب لبنها: «غيثة» ) - بغين معجمة ومثلّثة، وقيل: غوثة؛ بواو بدل الياء-.
وأخرج ابن سعد في «طبقاته» : كانت منايح رسول الله ﷺ من الغنم سبع:
عجوة، وسقيا، وبركة، وزمزم، وورسة، وأطلال، وأطراف. وفي سنده الواقديّ. وله؛ عن مكحول مرسلا: كانت له شاة تسمّى: قمر.
وذكر في «العيون» : أنّ له شاة تسمّى: اليمن؛ بل روى أبو داود: أنّ له مائة شاة لا يريد أن تزيد على ذلك كلّما ولدت بهيمة دمج الرّاعي مكانها شاة.
(وفي حديث آخر) رواه الطّبراني في «الكبير» ؛ من طريق عثمان بن عبد الرحمن؛ عن علي بن عذرة الدّمشقيّ؛ عن عبد الملك بن أبي سليمان؛ عن عطاء وعمرو بن دينار؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما-.
وعليّ بن عذرة الدّمشقي! قال: الهيثميّ: متروك. وقال العراقيّ: إنّه نسب إلى وضع الحديث. وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» ، وقال: عبد الملك وعليّ وعثمان متروكون، ونوزع في عبد الملك بأنّ الجماعة سوى البخاريّ رووا له-.
وهذا هو حديث ابن عبّاس الموعود به، وهو جامع لكثير مما تقدّم؛ قال:
(كان لرسول الله ﷺ سيف محلّى) بفضّة؛ أي: مزيّن بها لأن التّحلية لم تكن عامة لجميعه؛ كما بيّنه بقوله:
(قائمته) ؛ أي: مقبضه (من فضّة، ونعله) ؛ أي: الحديدة الّتي في أسفل
стр. 610
من فضّة، وفيه حلق من فضّة، وكان يسمى: (ذا الفقار) .
وكان له قوس تسمى: (ذا السّداد) .
وكانت له كنانة تسمى: (ذا الجمع) .
وكان له درع موشّحة بنحاس تسمى: (ذات الفضول) .
قرابه (من فضّة، وفيه حلق) في وسطه (من فضّة) . قال مرزوق الصّقال: أنا صقلته؛ فكانت قبيعته من فضّة وحلق في قيده، وبكر في وسطه من فضه.
وجاء بسند حسن أنّ قبيعة سيفه ونعله وحلقا بينهما كانت من فضّة. انتهى «زرقاني» .
والقبيعة- بالقاف-: ما على طرف مقبضه. والبكر: الحلق الّتي في حليته، وهي ما يكون في وسطه.
(وكان يسمى: «ذا الفقار» ) - بفتح الفاء وفتح القاف- سمّي به!! لأنّه كان فيه حفر متساوية.
(وكان له قوس تسمى) - بمثناة فوقية مضمومة وسكون السّين المهملة؛ وكذا ما يأتي، قاله المناوي-: ( «ذا السّداد» ) - بفتح السّين المهملة- علم منقول؛ لأنّه الصّواب من قول أو عمل.
قال ابن القيّم: وكان له ستّة قسيّ؛ هذا أحدها، والزّوراء، والكتوم كسرت يوم أحد، وثلاث من سلاح بني قينقاع؛ قوس تدعى: الرّوحاء، وقوس شرحط تدعى: البيضاء، وقوس تدعى: الصّفراء.
(وكانت له كنانة) - بكسر الكاف-: جعبة السّهام، وبها سمّيت القبيلة- (تسمى:
«ذا الجمع» ) - بضم الجيم وسكون الميم-. (وكان له درع) - بكسر الدّال وسكون الرّاء المهملتين-: هو القميص المتّخذ من الزّرد- (موشّحة) - بتشديد الشّين المعجمة بعدها حاء مهملة- (بنحاس) - بضمّ النّون-؛ أي: موضوع فيها نحاس (تسمى:
«ذات الفضول» ) ، وهي التي رهنها عند أبي الشّحم، وكان له سبعة دروع هذه
стр. 611
وكان له حربة تسمى: (النّبعاء) .
وكان له مجنّ يسمى: (الذّفن) .
وكان له فرس أشقر يسمى: (المرتجز) .
وكان له فرس أدهم يسمى: (السّكب) .
أحدها. وقد تقدّم الكلام على أدراعه في آخر الفصل الخامس.
(وكان له حربة تسمى: «النّبعاء» ) - بنون مفتوح فموحّدة ساكنة فعين مهملة، وقيل: بباء موحّدة، ثم نون ساكنة، فعين مهملة، وبالمدّ-: شجر يتّخذ القسيّ منه. قال ابن القيّم: وكان له حربة أخرى كبيرة تدعى: البيضاء.
(وكان له مجنّ) - بكسر الميم وفتح الجيم- أي: ترس، سمّي به! لأنّ صاحبه يستتر به، وجمعه مجان ككتاب (يسمى: «الذّفن» ) - بفتح الذال وسكون الفاء وفي بعض النسخ بالقاف بدل الفاء-.
(وكان له فرس أشقر) ؛ أي: أحمر، في حمرته صفاء، (يسمى:
«المرتجز» ) - بضم الميم وسكون الرّاء وفتح المثنّاة الفوقيّة وكسر الجيم بعدها زاي- سمّي به لحسن صهيله، مأخوذ من الرّجز الّذي هو ضرب من الشّعر.
قال في «العيون» : كأنّه ينشد رجزا؛ وكان أبيض.
قال النّوويّ في «التّهذيب» : وهو الّذي اشتراه من الأعرابي الّذي شهد عليه خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي؛ فجعل شهادته شهادة رجلين.
(وكان له فرس أدهم) ؛ أي: أسود (يسمى: «السّكب» ) - بفتح السّين المهملة وإسكان الكاف، وبالموحّدة- سمّي به لأنّه كثير الجري. وأصل السّكب:
الصبّ، فاستعير لشدّة الجري. قيل: وهذا أوّل فرس ملكه؛ كما في «تهذيب النووي» . قال: وكان أغرّ محجّلا طلق اليمين. وهو أوّل فرس غزا عليه. وله عدة أفراس.
стр. 612
وكان له سرج يسمى: (الرّاجّ) .
وكان له بغلة شهباء تسمى: (الدّلدل) .
(وكان له سرج يسمى: «الرّاجّ» ) - بالرّاء المهملة والجيم آخره- ذكره في «شرح الراموز» .
(وكان له بغلة شهباء) - بالمدّ- أي: يغلب بياضها سوادها، ومن ثمّ أطلق عليها عمرو بن الحارث الصّحابيّ أنّها بيضاء؛ كما في «الصّحيح» ، وغيره.
وقال بعضهم: كانت بيضاء، وقيل: شهباء.
(تسمى: «الدّلدل» ) - بدالين مهملتين مضمومتين ولامين أولاهما ساكنة؛ كقنفذ- أهداها له المقوقس، وعاشت بعده ﷺ حتى كبرت وسقطت أسنانها.
وفي «تاريخ ابن عساكر» من طرق أنّها بقيت حتى قاتل عليها عليّ الخوارج في خلافته.
وفي البخاري وغيره عن عمرو بن الحارث: ما ترك رسول الله ﷺ إلّا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضا تركها صدقة. قال شرّاحه: هي دلدل، لأنّ أهل السّير لم يذكروا بغلة بقيت بعده سواها، وهل هذه البغلة المسمّاة دلدل أنثى؟ كما أجاب به ابن الصّلاح، أو ذكر؛ كما نقل عن إجماع أهل الحديث.
ويدلّ له قوله ﷺ : «ابرك دلدل» . ولم يقل: ابركي؛ قاله الزرقاني.
وكان له بغلة تسمّى فضّة؛ أهداها له فروة بن عمرو الجذامي، فوهبها لأبي بكر؛ رواه ابن سعد؛ وكانت بيضاء.
وهي الّتي كان عليها يوم حنين؛ كما في «مسلم» ؛ عن العبّاس: أنّه ﷺ كان على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي.
وعند «مسلم» ؛ عن سلمة: وكان على بغلته الشّهباء. ولا منافاة؛ وقيل:
كان على دلدل؛ ذكره ابن سعد وغيره؛ وجمع القطب الحلبي باحتمال أنّه ركب كلّا
стр. 613
وكان له ناقة تسمى: (القصواء) .
منهما يومئذ إن ثبت أنّها كانت صحبته، وإلّا فما في «الصّحيح» أصحّ.
وأغرب النّوويّ؛ فقال: البيضاء والشّهباء واحدة، ولا يعرف له بغلة غيرها.
وتعقبوه بدلدل، فقد ذكرها غير واحد، لكن قيل: إنّ الاسمين لواحدة، وهذا القيل زعمه ابن الصّلاح، وهو مردود؛ بأنّ البيضاء الّتي هي الشّهباء أهداها له فروة بن نفاثة، ودلدل أهداها له المقوقس. انتهى «زرقاني» .
وله ﷺ بغال غيرها ذكرها في «المواهب» ، و «فيض القدير» للمناوي و «شرح الإحياء» .
(وكان له ناقة تسمى: «القصواء» ) - بفتح القاف والمدّ على غير قياس، والقياس القصر؛ كما وقع في بعض نسخ البخاريّ رواية أبي ذر- والقصو: قطع طرف الأذن. وقد قيل: كان طرف أذنها مقطوعا. وزعم الدّاوودي شارح البخاريّ: أنّها كانت لا تسبق، فقيل لها: القصواء لأنّها بلغت من السّبق أقصاه.
قال القاضي عياض: ووقع في رواية العذري في «مسلم» بالضّمّ والقصر [قصوا] «١» !! وهو خطأ. وقال الخطّابي: أكثر أصحاب الحديث يقولون بالضمّ والقصر، وهو خطأ فاحش. إنّما القصوى تأنيث الأقصى؛ كالسّفلى تأنيث الأسفل، وهي الّتي هاجر عليها؛ كما قاله الواقدي وتبعه غير واحد من الحفّاظ.
اشتراها من أبي بكر بثمانمائة درهم، وكانت من نعم بني قشير، وعاشت بعده ﷺ وماتت في خلافة أبي بكر، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع؛ ذكره الواقديّ.
وعند ابن إسحاق أنّ الّتي هاجر عليها الجدعاء، وكانت من إبل بني الحريش؛ وكذا في رواية «البخاري» في غزوة الرّجيع. وابن حبّان؛ عن عائشة؛ وهو أقوى إن لم نقل إنّهما واحدة، وكان على القصواء يوم الحديبية ويوم الفتح، ودخل عليها مردفا أسامة.
стр. 614
وكان له حمار يسمى: (يعفورا) .
وكان له بساط يسمى: (الكزّ) .
وكان له عنزة تسمى: (النّمر) .
وكان له ركوة تسمى: (الصّادر) .
(وكان له حمار يسمى: «يعفورا» ) - بمثنّاة تحتيّة وعين مهملة ساكنة، وفاء مضمومة- اسم ولد الظّبية، كأنّه سمّي به لسرعته. قال الواقدي: نفق يعفور منصرف رسول الله ﷺ من حجّة الوداع. وقيل: طرح نفسه في بئر يوم مات المصطفى ﷺ .
قال الزّمخشريّ: وإنّما سمّي به لعفرة لونه. والعفرة: بياض غير ناصع كلون عفر الأرض؛ أي: وجهها. قال: ويجوز كونه سمّي به تشبيها في عدوه باليعفور؛ وهو الظّبي. انتهى.
ويعفور غير عفير- بعين مهملة مصغرا- ووهّموا القاضي عياضا في ضبطه بغين معجمة!! وزعم ابن عبدوس أنّهما واحد. لكن ردّه الدّمياطي؛ فقال: عفير أهداه له المقوقس، ويعفور أهداه فروة بن عمرو، وقيل: بالعكس. انتهى «مناوي» .
(وكان له بساط) - بكسر الباء الموحّدة- (يسمى: «الكزّ» ) - بكاف مفتوحة وزاي معجمة مشددة-. (وكان له عنزة) - بفتح العين المهملة وبفتح النّون والزّاي آخرها تاء مربوطة-: عصا ذات زجّ- بزاي مضمومة ثمّ جيم مشددة- أي: سنان؛ وهي الحربة الصغيرة دون الرّمح بنصفه، عريضة النّصل، لكن سنانها في أسفلها بخلاف الرّمح فإنّه في أعلاه؛ قاله القسطلّاني، (تسمى: «النّمر» ) بفتح النّون وكسر الميم.
(وكان له ركوة) يشرب منها- بتثليث الرّاء، والفتح أفصح، وسكون الكاف- وهي الّتي للماء شبه تور من أدم، وفي «المصباح» : دلو صغير. وفي «النّهاية» :
إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء؛ (تسمى: «الصّادر» ) ؛ لصدور الرّي عنها.
стр. 615
وكان له مرآة تسمى: (المدلّة) .
وكان له مقراض يسمى: (الجامع) .
وكان له قضيب شوحط يسمى: (الممشوق) .
وكان له ﷺ ربعة ...
(وكان له مرآة) يرى فيها وجهه الشّريف- وهي بالمدّ على وزان مفتاح- (تسمى: «المدلّة» ) - بضمّ الميم وكسر الدّال المهملة وشد اللّام-. (وكان له مقراض) - بكسر الميم وقاف وضاد معجمة آخره، والجمع: المقاريض والمقراض هو المقص؛ (يسمى: «الجامع» ) - بالجيم وآخره عين مهملة-.
(وكان له قضيب) - فعيل بمعنى مفعول- أي: غصن مقطوع من شجرة (شوحط) - بفتح الشّين المعجمة وإسكان الواو فحاء مفتوحة فطاء مهملتين؛ هكذا ضبطه الزرقاني. قال في «شرح القاموس» : وهو ضرب من شجر الجبال تتّخذ منه القسيّ، والمراد بالجبال: جبال السّراة، فإنّها هي الّتي تنبته، قال الأعشى:
وجيادا كأنّها قضب الشّو ... حط يحملن شكّة الأبطال
وقال أبو حنيفة: أخبرني العالم بالشّوحط أن نباته نبات الأرز قضبان تسمو كثيرة من أصل واحد، قال: وورقة فيما ذكر رقاق طوال، وله ثمرة مثل العنبة الطّويلة إلّا أنّ طرفها أدقّ، وهي ليّنة تؤكل. انتهى. «ذكره في مادة شحط» .
وبه تعلم أنّ ما قاله العزيزي على «الجامع الصغير» : إنّ الشّوحظ- بضم الشّين المعجمة وفتح الحاء المهملة فظاء معجمة آخره- خلاف المعروف، والله أعلم، (يسمى: «الممشوق» ) لطوله ودقّته- وهو بميمين فشين معجمة آخره قاف، على زنة اسم المفعول-.
(و) في «المواهب» و «كشف الغمّة» : (كان له ﷺ ربعة) - بفتح الرّاء وإسكان الموحّدة وعين مهملة، كجؤنة العطار بإسكان الواو وربّما همزت- وهي
стр. 616
يجعل فيها المرآة والمشط والمقراضين والسّواك.
وكان له ﷺ فرس يقال له: (اللّحيف) .
جلد يجعل فيه العطار الطّيب، وهذه الربعة أهداها له المقوقس صاحب الإسكندريّة مع مارية في جملة ما أهداه، وفي «الألفيّة» للعراقي رحمه الله تعالى:
كانت له ربعة، أي: مربّعه ... كجؤنة يجعل فيها أمتعه
(يجعل فيها المرآة) الّتي كان ينظر فيها، فلم تبد أوسم من وجهه ﷺ ، (و) يجعل فيها (المشط) - بضمّ الميم مع إسكان الشّين وضمّها وكسر الميم مع إسكان الشّين-، ويقال ممشط- بميمين الأولى مكسورة-؛ وكان من عاج، وهو ظهر السّلحفاة البّحريّة؛ كما في «المصباح» قائلا: وعليه يحمل أنّه كان لفاطمة سوار من عاج، ولا يجوز حمله على أنياب الفيلة؛ لأن أنيابها ميّتة بخلاف السّلحفاة. انتهى. وعليه يحمل المشط النّبويّ بالأولى.
(و) يجعل فيها المكحلة الّتي كان يكتحل منها عند النوم ثلاثا في كل عين، ويجعل فيها (المقراضين) - بكسر الميم- وهو المسمّى الآن ب «المقص» ، (و) يجعل فيها (السّواك) - بكسر السّين- على الأفصح؛ كما قاله الحافظ ابن حجر والكرماني، يطلق على الفعل والآلة، وهو المراد هنا.
(و) أخرج البخاريّ في «صحيحه» ؛ عن سهل بن سعد السّاعدي ﵁ قال: (كان له ﷺ فرس) - يذكّر ويؤنّث- (يقال له: «اللّحيف» ) - بحاء مهملة، كرغيف، وقيل: بالتّصغير. سمّي به لطول ذنبه، فعيل بمعنى فاعل، كأنّه يلحف الأرض بذنبه، وقيل: هو بخاء معجمة، وقيل: بجيم، وعند ابن الجوزيّ: بالنّون بدل اللّام من النّحافة- أهداها له ربيعة بن أبي البراء؛ واسمه عامر بن مالك العامري، يعرف عامر ب «ملاعب الأسنّة» ؛ ذكره ابن سعد عن الواقدي. انتهى.
стр. 617
وفرس يقال له: (الظّرب) .
وفرس يقال له: (اللّزاز) .
(و) أخرج البيهقيّ في «سننه» بإسناد صحيح؛ عن سهل بن سعد:
كان لرسول الله ﷺ (فرس يقال له: «الظّرب» ) - بفتح الظّاء المعجمة وكسر الرّاء وبالموحّدة، ويقال: بكسر أوّله وسكون الرّاء، واحد الظّراب- وهي:
الجبال الصّغار، سمّي الفرس به لكبره وسمنه. وقيل: لقوّته وصلابة حافره.
أهداها له فروة بن عمرو- على الأشهر- ويقال: ابن عامر، ويقال: ابن نفاثة الجذامي «عامل قيصر على من يليه من العرب» ، وكان منزله «معان» وما حولها من الشّام، أسلم لما بعث ﷺ إليه يدعوه، وكتب إليه بإسلامه، ولم ينقل أنّه اجتمع به، فلمّا بلغ الرّوم إسلامه قتلوه، ذكره ابن إسحاق؛ وجزم به في «الإصابة» .
(و) كان له (فرس يقال له: «اللّزاز» ) - بكسر اللّامين وزايين معجمتين خفيفتين- سمّي به لشدّة تلزّزه أو اجتماع خلقه، والملزّز المجتمع، ولزّ به الشّيء؛ أي: لزق به كأنّه يلتزق بالمطلوب لسرعته.
قال السّهيلي: معناه: لا يسابق شيئا إلّا لزّة؛ أي: أثبته- وهذه أهداها له المقوقس، جريح بن ميناء القبطي في جملة ما أهدى قبل. وكان ﷺ معجبا به.
وروى ابن منده؛ من رواية عبد المهيمن بن عبّاس بن سهل؛ عن أبيه؛ عن جده سهل قال: كان لرسول الله ﷺ عند سعد «والد سهل» ثلاثة أفراس، فسمعت النّبيّ ﷺ يسمّيهنّ: لزاز والظّرب واللّخيف؛ أي: بالخاء المعجمة. قال المناوي: وجملة أفراسه ﷺ سبعة متفق عليها، جمعها ابن جماعة في بيت فقال:
والخيل سكب لحيف سبحة ظرب ... لزاز مرتجز ورد لها اسرار
وقيل: كانت له أفراس أخر خمسة عشر. انتهى.
стр. 618
وكان له قصعة يقال لها: (الغرّاء) ؛ يحملها أربعة رجال.
وكان له جارية تسمى: (خضرة) .
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود؛ عن عبد الله بن بسر- رضي الله تعالى عنه- قال: (كان له) ﷺ (قصعة) - بفتح القاف ولا تكسرها-. ومن اللّطائف:
لا تكسر القصعة ولا تفتح الخزانة. وبعضهم يقول: ولا تفتح الجراب، بدل الخزانة، والكلّ صحيح.
(يقال لها: «الغرّاء» ) ؛ أي: تسمّى الغرّاء؛ قال ابن رسلان في «شرح سنن أبي داود» : الغرّاء تأنيث الأغرّ؛ مشتقّ من الغرّة، وهي بياض الوجه وإضاءته، ويجوز أن يراد أنّها من الغرة؛ وهي: الشّيء النّفيس والمرغوب فيه، فتكون سمّيت بذلك لرغبة النّاس فيها، لنفاسة ما فيها أو لكثرة ما تشبعه. وقال المنذري: سمّيت غرّاء!! لبياضها بالألية والشّحم. انتهى؛ ذكره الزّرقاني على «المواهب» .
قال: وكانت كبيرة بأربع حلق، (يحملها أربعة رجال) بينهم؛ لعظمها.
وتمام الحديث؛ كما في أبي داود: فلمّا أضحوا وسجدوا الضّحى؛ أي: صلّوها، أتي بتلك القصعة وقد ثرد فيها؛ فالتفّوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله ﷺ فقال أعرابيّ: ما هذه الجلسة؟ قال: «الله تعالى جعلني عبدا كريما؛ ولم يجعلني جبّارا عنيدا» . ثمّ قال: «كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها» . انتهى.
وفيه دلالة على سعة كرم المصطفى ﷺ .
(و) أخرج البيهقي في «سننه» ؛ عن جعفر الصّادق؛ عن أبيه محمد الباقر مرسلا قال: (كان له) ﷺ (جارية تسمى: «خضرة» ) - بفتح الخاء وسكون الضاد المعجمتين- كما ضبطه العزيزي على «الجامع الصغير» . وقال المناوي؛ وتبعه الحفني: إنّه بكسر الضّاد. ولفظ الحديث؛ كما في «الجامع الصغير» :
كانت ناقته تسمى العضباء، وبغلته الشّهباء، وحماره يعفور، وجاريته خضراء.
وانتهى. والله أعلم.
стр. 619
.........
انتهى الجزء الأوّل من كتاب «منتهى السّول» شرح كتاب «وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول» تأليف الشّيخ يوسف النّبهاني رحمه الله تعالى جمع الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن سعيد محمّد عبادي اللّحجي اليماني المراوعي، ثمّ المكّي الشّافعي- وفقه الله تعالى-.
وكان الفراغ من تبيضه ضحوة نهار يوم الخميس الموافق ١١ شهر محرّم الحرام سنة- ١٣٩٥- خمس وتسعين وثلثمائة وألف هجريّة، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التّحيّة، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم، وصلّى الله وسلم على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين. والحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا، باطنا وظاهرا آمين، وفّقنا الله لمرضاته.. آمين.
كتبه مؤلفه الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن سعيد محمّد عبادي اللّحجي اليماني
ويليه الجزء الثاني وأوّله:
الباب الرّابع في صفة أكل رسول الله ﷺ .
стр. 620
فهرسة الجزء الأول من كتاب منتهى السول إلى شمائل الرسول ﷺ
كلمة الناشر ٥
ترجمة الشيخ عبد الله اللّحجي ٩
تعريف بكتاب منتهى السول على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ﷺ ٢٣
الباب الأول: في نسب رسول الله ﷺ وأسمائه الشريفة وفيه: ١٢٥
الفصل الأول: في نسبه الشريف ﷺ ١٢٧
الفصل الثاني: في أسمائه الشريفة ﷺ ١٤١
الباب الثاني: في صفة خلقة رسول الله ﷺ وفيه عشرة فصول ١٨٥
الفصل الأول: في جمال صورته ﷺ وما شاكلها ١٨٦
الفصل الثاني: في صفة بصره ﷺ واكتحاله ٢٨٩
الفصل الثالث: صفة شعره ﷺ وشيبه وخضابه ٣٠٢
الفصل الرابع: في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطبيعية ٣٤٣
الفصل الخامس: في صفة طيبه ﷺ وتطيبه ٣٥٥
الفصل السادس: في صفة صوته ﷺ ٣٧٢
الفصل السابع: في صفة غضبه ﷺ وسروره ٣٧٧
الفصل الثامن: في صفة ضحكه ﷺ وبكائه وعطاسه ٣٨١
الفصل التاسع: في صفة كلامه ﷺ وسكوته ٤١٣
الفصل العاشر: في صفة قوّته ﷺ ٤٢١
الباب الثالث: في صفة لباس رسول الله ﷺ وفراشه وسلاحه وفيه ستة فصول ٤٣١
الفصل الأول: في صفة لباسه ﷺ من قميص وإزار ورداء وقلنسوة وعمامة ٤٣٢
الفصل الثاني: في صفة فراشه ﷺ وما يناسبه ٥٢٢
الفصل الثالث: في صفة خاتمه ﷺ ٥٣٨
الفصل الرابع: في صفة نعله ﷺ وخفّه ٥٦٤
الفصل الخامس: في صفة سلاحه ﷺ ٥٩٠
الفصل السادس: كان من خلقه ﷺ أن يسمي سلاحه ودوابه ومتاعه ٦٠٧
стр. 621
الجزء الثاني
[الباب الرّابع في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه ،]
الباب الرّابع في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين على أمور الدّنيا والدّين.
(الباب الرّابع) من الكتاب المشتمل على ثمانية أبواب ومقدّمة وخاتمة.
(في) بيان ما ورد في (صفة أكل رسول الله ﷺ وإدامه.
والأكل- بفتح الهمزة-: إدخال الطّعام الجامد من الفم إلى البطن، سواء كان بقصد التغذّي، أو غيره، كالتفكّه، فمن قال الأكل إدخال شيء من الفم إلى البطن بقصد «الاغتذاء» ) ! لم يصب، لأنه يخرج من كلامه أكل الفاكهة، وخرج بالجامد المائع، فإدخاله ليس بأكل بل شرب، وأما الأكل بضمّ الهمزة فاسم لما يؤكل.
(و) في بيان ما ورد في صفة (شربه)
بالضمّ، مصدر والفاعل شارب والجمع شاربون، وشرب كصاحب وصحب، وشربة ككافر وكفرة، قال في «المصباح» : والشّرب مخصوص بالمص حقيقة، ويطلق على غيره مجازا، والقصد هنا بيان كيفية شربه ﷺ ، وفيه ذكر شرابه وهو ما يشرب من المائعات.
стр. 622
ونومه وفيه ستّة فصول
(و) في بيان ما ورد في صفة (نومه) ﷺ ؛
والنّوم: حالة طبيعية تتعطل معها القوى تسير في البخار إلى الدماغ، وقيل:
غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، فهو آفة، ومن ثمّ قيل (إنّ النّوم أخو الموت) ، وأما السّنة ففي الرأس، والنّعاس في العين، وقيل السّنة هي النّعاس، وقيل السّنة ريح النّوم يبدو في الوجه ثم ينبعث إلى القلب فيحصل النعاس ثم النوم
(وفيه ستّة فصول) يأتي بيانها.
стр. 623
[الفصل الأوّل في صفة عيشه ﷺ وخبزه]
الفصل الأوّل في صفة عيشه ﷺ وخبزه عن سماك بن حرب [رحمه الله تعالى] قال: سمعت النّعمان بن بشير
(الفصل الأوّل) من (الباب الرابع) (في) بيان ما ورد في (صفة عيشه ﷺ أي: كيفية معيشته حال حياته، إلى وقت مماته، لأن العيش يطلق على الحياة وعلى ما يكون به الحياة.
والمراد بالعيش هنا الحياة، والمبوّب له هنا بيان صفة حياته ﷺ هو وأصحابه وما اشتملت عليه حياتهم من الضيق والفقر.
(و) في بيان ما ورد في صفة (خبزه) الخبز- بضم الخاء المعجمة وإسكان الباء-: الشيء المخبوز أي: اسم ما يؤكل من نحو برّ، وبفتح الخاء المعجمة مع إسكان الباء مصدر، بمعنى اصطناع الخبز بالضمّ.
(عن) أبي المغيرة (سماك) بكسر السين المهملة (ابن حرب) بن أوس بن خالد البكري الذهلي الكوفي، أحد الأعلام التابعين.
أدرك ثمانين صحابيا، وروى عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير وغيرهما، وروى له مسلم وأبو داود والترمذي والنّسائي وابن ماجه والبخاري في «التاريخ» ، وفي المحدثين من يضعّفه، وكان ذهب بصره ثم شفي وعاد إليه، ومات سنة:
ثلاث وعشرين ومائة هجرية رحمه الله تعالى (قال:
سمعت) أبا عبد الله (النّعمان) - بضم النون- (بن بشير) - بالباء الموحدة
стр. 624
رضي الله تعالى عنهما يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيّكم ﷺ وما يجد من الدّقل ما يملأ بطنه.
والشين المعجمة- بزنة «نذير» ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، هو وأبوه وأمّه صحابيون، اسم أمّه: عمرة بنت رواحة.
وولد النّعمان على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة على الأصح، وهو أوّل مولود من الأنصار بعد الهجرة، استعمله معاوية على حمص ثم على الكوفة، واستعمله عليها بعده يزيد بن معاوية، وكان كريما جوادا شاعرا.
وروي له عن النّبي ﷺ مائة حديث وأربعة عشر حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بأربعة.
وروى عنه ابناه محمد وبشير، وعروة بن الزّبير والشعبي وآخرون.
قتل بالشام بقرية من قرى حمص في ذي الحجة سنة أربع وستين، وقيل سنة ستين (رضي الله تعالى عنهما؛ يقول:
(ألستم في طعام وشراب ما شئتم) أي: ألستم متنعمين؟! في طعام وشراب الذي شئتموه من التوسعة والإفراط! ف «ما» موصولة، وهي بدل مما قبله، والقصد التقريع والتوبيخ، ولذلك أتبعه بقوله:
(لقد رأيت نبيّكم ﷺ أضاف النبيّ إلى المخاطبين؛ للإشارة إلى أنّه يلزمهم الاقتداء به والمشي على طريقته، وعدم التطلع إلى الدنيا- أي: إلى نعيم الدّنيا وزخارفها- والرغبة في القناعة، والمعنى: والله لقد رأيت نبيّكم ﷺ (و) الحال أنه (ما يجد من الدّقل) - بفتحتين- وهو رديء التمر (ما يملأ بطنه) لإعراضه عن الدّنيا وما فيها، وإقباله على الآخرة، وهو مع ذلك نضير الجسم، محفوظ القوة، حتى إن رأيته لا تقول «به جوع» !.
وفي «مسند» الحارث بن أبي أسامة عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ فاطمة رضي الله تعالى عنها جاءت بكسرة خبز إلى المصطفى ﷺ ، فقال: «ما هذه؟»
стр. 625
و (الدّقل) : رديء التّمر.
وكان أكثر طعام رسول الله ﷺ : التّمر والماء.
قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه. فقال: «أما إنّه أوّل طعم دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيّام» .
وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: لم يشبع ﷺ قط، وما كان يسأل أهله طعاما ولا يشتهي؛ إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب. وذلك كله رفعة في مقامه الشريف، وزيادة في علو قدره المنيف.
واعلم أن فقره ﷺ كان اختياريا؛ لا كرها واضطراريا!! وقد استمر عليه حتى مات ودرعه مرهونة عند يهودي، فلا يحتاج إلى ما قاله بعضهم من «أن هذا كان في ابتداء الحال» . والله أعلم.
وقد انقسم النّاس بعده ﵊ أربعة أقسام:
قسم لم يرد الدّنيا ولم ترده؛ كالصّدّيق الأكبر رضي الله تعالى عنه.
وقسم لم يرد الدّنيا وأرادته؛ كالفاروق.
وقسم أرادها وأرادته؛ كخلفاء بني أمية، وبني العباس؛ إلّا عمر بن عبد العزيز.
وقسم أرادها ولم ترده؛ كمن أفقره الله تعالى، وامتحنه بجمعها وحبّها.
(والدّقل) - بفتح الدال والقاف؛ بوزن «دخل» و «فرس» ، - هو: (رديء التّمر) ويابسه، وما ليس له اسم خاص.
(و) قال حجة الإسلام الغزالي، والشعراني في «كشف الغمة» :
(كان أكثر طعام رسول الله ﷺ التّمر والماء) .
قال العراقي: روى البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: توفّي رسول الله ﷺ وقد شبعنا من الأسودين؛ التّمر والماء» .
стр. 626
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنّا آل محمّد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلّا التّمر والماء.
وفي رواية البخاريّ ...
(و) روى الترمذي وغيره في «الشمائل» وغيرها؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كنّا) ، وفي نسخة من «الشمائل» : إن كنا؛ بزيادة «إن» المخفّفة من الثقيلة، والمعنى: إنّا كنّا (آل محمّد) ؛ بالرفع بدل من الضمير في «كنا» ، وبالنصب على تقدير «أعني» أو «أخص» ، وجعله خبر «كنا» بعيد لأنّ القصد ليس كونهم آله، بل المقصود بالإفادة ما بعده، وهو قولها:
(نمكث شهرا) لا يشكل عليه رواية «الصحيحين» الآتية عنها؛ شهرين!! لأن الأكثر لا ينفي الأقل، ولا يشكل عليه اتفاق النحاة على لزوم اللّام في الفعل الواقع في خبر «إن» المخففة؛ لأنّه محمول على الغالب، فعائشة من فصحاء العرب وقد نطقت به بلا لام!!
(ما نستوقد) - حال، وجعله خبرا بعد خبر!! بعيد- (بنار) أي: لا نهيّء شيئا نطبخه بها (إن هو) أي: الذي نتناوله (إلّا التّمر والماء) أي: ما طعامنا إلا التّمر والماء، وفي رواية: «إلّا التّمر والملح» ، وفي أخرى: «إلا الأسودان» ، والجملة مستأنفة جوابا لنحو: ما كنتم تتقوتون.
(وفي رواية) الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي مولاهم (البخاريّ) أمير المؤمنين في الحديث مؤلف «الصحيح» و «التاريخ» وغير ذلك، ولد في ثالث شوال سنة: - ١٩٤- أربع وتسعين ومائة.
وألهم حفظ الحديث في الكتّاب وهو ابن عشر سنين، وحفظ «كتب» ابن المبارك ووكيع وهو ابن ست عشرة سنة، وخرج مع أمّه وأخيه أحمد إلى مكّة وتخلّف بها يطلب، وكتب بخراسان والجبال والعراق والشام ومصر.
وروى عن مكّي بن إبراهيم، وأبي نعيم الفضل بن دكين وخلائق من هذه الطّبقة
стр. 627
ومسلم: كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول لعروة: والله يا ابن أختي؛ ...
ومن بعدهم، حتى كتب عن أقرانه وعن أصغر منه حتى زاد عدد شيوخه على ألف!!.
روى عنه مسلم خارج «الصحيح» والترمذي وأبو زرعة وابن خزيمة وابن حبان ومحمد بن يوسف الفربري وهو آخر من روى «الصّحيح» ، وآخر من زعم أنّه سمع منه عبد الله بن فارس البلخي.
وروى الفربري عنه «ما وضعت في «الصحيح» حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين» . وقال جماعة من المشايخ: حول البخاري تراجم «جامعه» بين قبر النبي ﷺ ومنبره، «وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين» . قال البخاري: صنفت «كتاب الصحيح» لستّ عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله تعالى!.
وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر سنة- ٢٥٦- ست وخمسين ومائتين، ودفن ب «خرتنك» قرية على فرسخين من سمرقند رحمه الله تعالى رحمة الأبرار آمين.
(و) رواية أبي الحسين (مسلم) بن الحجاج بن مسلم القشيري النّيسابوري الإمام المشهور صاحب «الصحيح» رحمه الله تعالى.
(كانت عائشة) أم المؤمنين الصّدّيقة بنت الصّدّيق (رضي الله تعالى عنها) وعن أبيها (تقول لعروة) بن الزبير ترغيبا للمسلمين، وتذكيرا للنّعم الطارئة عليهم بعده ببركته ﵊، وحملا على التأسي به في التقلل من الدنيا.
(والله يا ابن أختي) أسماء ذات النطاقين وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري أنها قالت لعروة: ابن أختي، قال القسطلّاني: بوصل الهمزة وتكسر في الابتداء وفتح النون على النداء وأداته محذوفة.
стр. 628
إن كنّا لننظر إلى الهلال ثمّ الهلال ثمّ الهلال؛ ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار.
قال: قلت يا خالة؛ فما كان يعيّشكم؟ قالت: الأسودان؛ التّمر والماء، إلّا أنّه كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، (إن كنّا) إن مخفّفة من الثّقيلة دخلت على الفعل الماضي الناسخ، واللّام في (لننظر) فارقة بينها وبين «إن» النافية عند البصريين قاله القسطلّانيّ.
(إلى الهلال ثمّ الهلال ثمّ الهلال؛ ثلاثة أهلّة) بجرّ ثلاثة ونصبه بتقدير لننظر (في شهرين) باعتبار رؤية الهلال أول الشهر الأول والثاني وآخره ليلة الثالث، فالمدة ستون يوما والمرئي ثلاثة أهلة، (وما أوقد) بضم الهمزة وكسر القاف (في أبيات رسول الله ﷺ نار) بالرفع نائب عن الفاعل، لا لطبخ ولا لغيره، فعند ابن جرير عنها: أهدى لنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه رجل شاة فإني لأقطّعها في ظلمة البيت، فقيل لها: أما كان لكم سراج؟! فقالت: لو كان لنا ما نسرج به أكلناه.
(قال) أي: عروة (قلت: يا خالة) بضم التاء منادى مفرد، وفي رواية خالتي (فما كان يعيّشكم) بضم أوله من أعاشه الله يعيشه، وضبطه النّووي بتشديد الياء الثّانية، أي: مع فتح العين؛ قاله الحافظ ابن حجر وغيره، أي: يدفع عنكم ألم الجوع ويكون سببا في الحياة.
(قالت: الأسودان؛ التّمر والماء) هو على التغليب، فالماء لا لون له، وكذا قالوا: الأبيضان اللبن والماء، وإنما أطلق على التمر أسود لأن غالب تمر المدينة أسود.
(إلّا أنّه كان لرسول الله ﷺ جيران) بكسر الجيم جمع جار؛ وهو المجاور في السكن (من الأنصار) سعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن حرام وأبو أيوب خالد بن زيد وسعد بن زرارة وغيرهم؛ قاله الحافظ ابن حجر وتبعه القسطلاني في باب الهبة.
стр. 629
وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها، فيسقيناه.
وعن أبي طلحة ...
(وكانت لهم منائح) بنون ومهملة جمع منيحة وهي العطيّة لفظا ومعنى، أي غنم فيها لبن، وأصلها عطيّة الناقة أو الشّاة. وقيل: لا يقال منيحة إلّا للنّاقة وتستعار للشاة.
قال الحربي: يقولون منحتك الناقة، وأعرتك النخلة، وأعمرتك الدار، وأخدمتك العبد، وكل ذلك هبة منافع؛ لا رقبة! انتهى «زرقاني» .
والمعتمد عند الشافعية: أن أعمرتك الدار كوهبتك الدار في كون كل منهما هبة للرقبة حيث وجد باقي شروط الهبة. والله أعلم.
(فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه) أي: منه لا يخصهم بجميعه، بحيث لا يتناول منه شيئا، ففي رواية الإسماعيلي: فيسقينا منه.
(و) أخرج الترمذي من طريق أنس بن مالك، (عن أبي طلحة) زيد بن سهل بن الأسود بن حزام، - بالزاي- ابن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري المدني.
شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ .
وهو أحد النقباء ﵃، روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثا؛ اتّفق البخاري ومسلم منها على حديثين وانفرد البخاري بحديث وانفرد مسلم باخر.
روى عنه جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وأنس وآخرون وجماعات من التابعين. توفي بالمدينة المنورة سنة: - ٣٢- اثنتين وثلاثين. وقيل أربع وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة كذا قال الأكثرون بأنّه توفي بالمدينة.
стр. 630
رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين.
وقال الإمام التّرمذيّ: ومعنى قوله (ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر) : وكان أحدهم يشدّ في بطنه الحجر من الجهد والضّعف الّذي به من الجوع.
وصلّى عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما وعن سائر أصحاب رسول الله ﷺ آمين (رضي الله تعالى عنه) وأرضاه.
(قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا) أي: كشفنا (عن بطوننا عن حجر حجر) بدل اشتمال بإعادة الجار، أي: رفع كل واحد عن حجر مشدود عن بطنه، كعادة العرب أو أهل المدينة إذا خلت أجوافهم لئلا تسترخي، فالتكرير باعتبار تعدد المخبر.
(فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين) ليعلم أصحابه أن ليس عنده ما يستأثر به عليهم، وتسلية لهم؛ لا شكاية أن ما بهم من الجوع أصابه فوقه حتى احتاج إلى حجرين!! (وقال الإمام التّرمذيّ: ومعنى قوله: ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر!! وكان أحدهم يشدّ في بطنه) أي عليه (الحجر من الجهد) أي: من أجله، ف «من» تعليلية، والجهد- بضمّ الجيم وفتحها-: المشقة (والضّعف) - بفتح الضاد، ويجوز ضمها- وهو كالتفسير لما قبله.
وقوله: (الّذي به) صفة للجهد والضعف، وإنما أفرد الموصول!! لما علمت من أن الضعف كالتفسير للجهد.
وقوله (من الجوع) أي: الناشىء من الجوع، وفي تعبيره ب «معنى» تجوّز إذ معنى اللفظ ما دلّ عليه، وإنما هذا بيان لحكمة وضع الحجر!!
стр. 631
وفي كتاب «المواهب» : عن ابن بجير [رضي الله تعالى عنه] قال: أصاب النّبيّ ﷺ جوع يوما، فعمد إلى حجر، فوضعه على بطنه، ثمّ قال: «ألا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدّنيا.. جائعة عارية يوم القيامة، ...
(وفي كتاب «المواهب) اللدنية» للعلامة القسطلّانيّ (عن ابن بجير) :
بموحّدة وجيم، صحابي يعدّ في الشاميين، روى عنه جبير بن نفير هكذا أورده الذهبي في «التجريد فيمن عرف بأبيه ولم يسمّ» تبعا لأبي نعيم، وكذا تبعه الحافظ في «أطراف الفردوس» والمنذري في «الترغيب» .
وأورده الذهبي أيضا في باب الكنى فقال: أبو البجير صحابي روى عنه جبير بن نفير ثم ترجم له أبو بجير، روى عنه ابنه بجير حديثا. وفي «الإصابة» أبو بجير غير منسوب. ذكره ابن منده.
وأخرج من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بجير عن أبيه عن جده عن النّبي ﷺ قال: «القرآن كلام ربي» .. الحديث وسنده ضعيف. وترجم عقبه أبو البجير، استدركه ابن الأمين وعزاه لابن العرضي في «المؤتلف» ، ولعله ابن البجير الآتي في المبهمات. انتهى.
فيجوز أن ابن بجير يكنى بأبي البجير فلا خلف، ثم هما شخصان كلّ يكنى بأبي البجير، وراوي هذا الحديث ليس هو الذي روى عنه ابنه، بل الثاني الذي روى عنه جبير بن نفير كما بيّنه في «الجامع الكبير» . وأما الذي روى عنه ابنه فإنما له حديث: «القرآن كلام ربي» انتهى «زرقاني» .
(قال: أصاب النّبيّ ﷺ جوع يوما، فعمد) - بفتح الميم- (إلى حجر، فوضعه على بطنه، ثمّ قال: «ألا) - حرف تنبيه تؤكّد بها الجملة المصدرة بها- (ربّ نفس) وفي رواية: «ألا يا ربّ نفس» بأداة النداء وحذف المنادى؛ أي:
ألا يا قوم ربّ. وهي للتقليل، والمقام مقام تخويف وتهويل (طاعمة ناعمة في الدّنيا) ؛ أي: مشغولة بلذات المطاعم والملابس، غافلة عن أعمال الآخرة (جائعة عارية) - بالرفع خبر مبتدأ- أي: هي لأنّه إخبار عن حالها (يوم القيامة)
стр. 632
ألا ربّ مكرم لنفسه.. وهو لها مهين، ألا ربّ مهين لنفسه.. وهو لها مكرم» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ...
لا في الدّنيا لوصفها فيها بضد ذلك، أي: تحشر وهي كذلك، يوم الموقف الأعظم، زاد في رواية ابن سعد والبيهقي: «ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدّنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة» .
(ألا ربّ مكرم لنفسه) بمتابعة هواها وتبليغها مناها بتبسطه بألوان طعام الدنيا وشهواتها، وتزينه بملابسها ومراكبها، وتقلبه في مبانيها، وزخارفها، (وهو لها مهين) أن ذلك يبعده عن الله، ويوجب حرمانه من مثال حظ المتقين في الآخرة.
(ألا ربّ مهين لنفسه) بمخالفتها وإذلالها، وإلزامها بعدم التطاول، والاقتصار على الأخذ من الدّنيا بقدر الحاجة، (وهو لها مكرم» ) يوم العرض الأكبر لسعيه لها، فيما يوصلها إلى السعادة الأبدية والراحة السرمدية.
رواه ابن أبي الدنيا وضعّفه المنذري، وأخرجه ابن سعد والبيهقي بزيادة:
«ألا يا ربّ متخوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله!؟ ما له عند الله من خلاق.
ألا وإنّ عمل الجنة حزن بربوة، ألا وإنّ عمل النار سهل بشهوة!! ألا ربّ شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا» .
وروى ابن أبي الدّنيا وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي جالسا، فقلت: ما أصابك: قال:
«الجوع» . فبكيت، فقال: «لا تبك فإنّ شدّة الجوع لا تصيب الجائع- أي: في يوم القيامة- إذا احتسبت في دار الدّنيا» .
(و) روى مسلم وأصحاب «السنن الأربعة» والترمذي أيضا في «الشمائل» :
كلهم (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) .
стр. 633
قال: خرج رسول الله ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟» ، قال: خرجت ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه، والتّسليم عليه، ...
ورواه مالك عنه في «الموطأ» بلاغا والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم؛ عن عمر بن الخطاب، وابن حبان عن ابن عباس، وابن مردويه عن ابن عمر، والطبراني عن عبد الله بن مسعود، وفي سياقهم اختلاف بالزيادة والنقص.
(قال) - أي- أبو هريرة رضي الله تعالى عنه؛ كما «في الشمائل» :
(خرج رسول الله ﷺ أي: من بيته إلى المسجد، أو إلى غيره (في ساعة لا يخرج فيها) ؛ أي: لم تكن عادته الخروج فيها، (ولا يلقاه فيها أحد) أي:
باعتبارها عادته.
وهذه الساعة يحتمل أن تكون من الليل وأن تكون من النهار!!
ويعيّن الأول ما في مسلم أنه ﷺ خرج ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر؛ فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه السّاعة؟» . قالا: الجوع يا رسول الله.
قال: «وأنا والّذي نفسي بيده أخرجني الّذي أخرجكما!! قوما» . فقاما معه، فأتوا رجلا من الأنصار، وهو أبو الهيثم بن التّيّهان. انتهى.
وفي شرح ملّا علي قاري على «الشمائل» ما يعيّن الثاني، وهو ما روي عن جابر: أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم جائعا فلم يجد عند أهله شيئا يأكله، وأصبح أبو بكر جائعا ... الحديث.
ولعل ذلك تعدّد فمرة كان ليلا ومرة كان نهارا!.
(فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟!» ) أي: ما حملك على المجيء؟
(قال: خرجت ألقى رسول الله) أي: حال كوني أريد أن ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه) أي: وأريد أن أنظر في وجهه الشريف، (والتّسليم عليه)
стр. 634
فلم يلبث أن جاء عمر فقال: «ما جاء بك يا عمر؟» ، قال: الجوع يا رسول الله، قال ﷺ : «وأنا قد وجدت بعض ذلك» .
فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم ...
- بالنصب- على أن التقدير: وأريد التسليم عليه (فلم يلبث أن جاء عمر) أي:
فلم يلبث مجيء عمر، ف «أن» وما بعدها في تأويل مصدر فاعل، والمعنى لم يتأخّر مجيء عمر، بل حصل سريعا بعد مجيء أبي بكر.
(فقال) أي: النبي ﷺ (: «ما جاء بك يا عمر؟!» أي: ما حملك على المجيء؟.
(قال: الجوع يا رسول الله!) كأنه جاء ليتسلّى عنه بالنظر إلى وجهه المكرم، وكان ذلك بعد كثرة الفتوحات، وكثرتها لا تنافي ضيق الحال في بعض الأوقات! لا سيما بعد ما تصدّق أبو بكر بماله.
(قال) رسول الله ﷺ : «وأنا قد وجدت بعض ذلك» ) الجوع الذي أدركك! قاله تسليا وإيناسا لهما لما علم من شدّة جوعهما، ( [فانطلقوا] ) أي:
ذهبوا وتوجهوا (إلى منزل أبي الهيثم) - بمثلاثة- هكذا صرّح به في «الموطأ» ؛ والترمذي، وكذا البزار، وأبو يعلى، والطبراني؛ عن ابن عباس، والطبراني أيضا عن ابن عمر.
وفي رواية عند الطبراني وابن حبان «في صحيحه» عن ابن عباس أنّه أبو أيوب، والظاهر أن القضية اتفقت مرة مع أبي الهيثم، كما صرّح به في أكثر الروايات، ومرة مع أبي أيوب.
وفي رواية مسلم: رجلا من الأنصار. وهي محتملة لهما، وعلى كل ففيه منقبة عظيمة لكلّ منهما إذ أهّله ﷺ لذلك، وجعله ممن قال الله فيهم:
أَوْ صَدِيقِكُمْ [٦١/ النور] . انتهى «زرقاني» .
стр. 635
ابن التّيّهان الأنصاريّ- وكان رجلا كثير النّخل والشّاء، ولم يكن له خدم- فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟» ، فقالت:
انطلق يستعذب لنا الماء.
واسم أبي الهيثم: مالك (بن التّيّهان) - بفتح التاء المثناة فوق، وتشديد الياء المثناة، تحت مكسورة- وهو لقب، واسمه عامر بن الحارث، وقيل: عتيك بن عمرو (الأنصاريّ) أي: المنسوب للأنصار لأنه حليفهم، وإلّا! فهو قضاعي ترهّب قبل الهجرة، وأسلم وحسن إسلامه.
وانطلاقهم إلى منزله لا ينافي كمال شرفهم، فقد استطعم موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام قبلهم، وكان للمصطفى مندوحة عن ذلك؛ ولو شاء لكانت جبال تهامة تمشي معه ذهبا؛ لكن الله ، أراد أن يهتدي الخلائق بهم، وأن يستنّ بهم السنن، ففعلوا ذلك تشريعا للأمة.
وهل خرج ﷺ قاصدا من أوّل خروجه إنسانا معينا، أو جاء التعيين بالاتفاق؟! احتمالان، قال بعضهم: الأصحّ أن أوّل خاطر حركه للخروج لم يكن إلى جهة معينة، لأن الكمّل لا يعتمدون إلّا على الله تعالى.
(وكان) أي: أبو الهيثم (رجلا) من أشراف الصحابة وأكابرهم، (كثير النّخل) ؛ واحده نخلة، (والشّاء) بالهمز؛ جمع شاة بالتاء، وتجمع أيضا على شياه.
(ولم يكن له خدم) - بفتحتين- جمع خادم، يقع على الذكر والأنثى.
وليس المراد نفي الجمع، بل نفي جميع الأفراد، إذ لم يكن له خادم لا ذكر ولا أنثى، والمقصود من ذكر ذلك بيان سبب خروجه بنفسه لحاجته، فهو توطئة لقوله:
(فلم يجدوه) أي: في البيت لاحتياجه إلى خروجه، بسبب خدمة عياله (فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟» ) ؛ وهو أحسن عبارة من «زوجك» .
(فقالت: انطلق) أي: ذهب (يستعذب لنا الماء) ؛ أي: يأتي لنا بماء عذب، من بئر، وكان أكثر مياه المدينة مالحة.