← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 23684

مواقف حلف فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم

خميس السعيد محمد

Полный текст (183 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [التحريم/ ١٢] لكن لا ندري كيف هذا؟ لأن هذا من أمور الغيب. ١٢- قوله ﷺ : «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع» أي حتى يقرب أجله تماما، وليس المعنى حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع في مرتبة العمل، لأن عمله الذي عمله ليس عملا صالحا كما جاء في الحديث: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار» . لأنه أشكل على بعض الناس: كيف يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. فنقول: عمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ولم يتقدم ولم يسبق، ولكن حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أي يدنو أجله، أي أنه قريب من الموت، «فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار» فيدع العمل الأول الذي كان

стр. 37

يعمله، وذلك لوجود دسيسة في قلبه- والعياذ بالله- هوت به إلى الهاوية. أقول هذا لئلا يظن بالله ظن السوء: فوالله ما من أحد يقبل على الله بصدق وإخلاص، ويعمل بعمل أهل الجنة إلا لم يخذله الله أبدا، فالله أكرم من عبده، لكن لا بد من بلاء في القلب. ١٣- أن الروح جسم، لأنه ينفخ فيحل في البدن. ولكن هل هذا الجسم من جنس أجسامنا الكثيفة المكونة من عظام ولحم وعصب وجلود؟ الجواب: لا علم للبشر بها، بل نقول كما قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء/ ٨٥] . ١٤- أن الملائكة ﵈ عبيد يؤمرون وينهون لقوله: «فيؤمر بأربع كلمات» والأمر له هو الله . ١٥- أن هذه الأربع مكتوبة على الإنسان؛ رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ولكن هل معنى ذلك ألانفعل الأسباب التي يحصل بها الرزق؟ الجواب: بلى! نفعل، وما نفعله من أسباب تابع للرزق.

стр. 38

١٦- أن الملائكة يكتبون. فلو قال لنا قائل: بأي حرف يكتبون، هل يكتبون باللغة العربية، أم باللغة السريانية، أو العبرية، أو ما أشبه ذلك؟ فالجواب: السؤال عن هذا بدعة، علينا أن نؤمن بأنهم يكتبون، أما بأي لغة فلا نقول شيئا. هذه الكتابة.. هل هي في صحيفة، أو تكتب على جبين الجنين؟ الجواب: هناك اثار تدل على أنها تكتب على جبين الجنين، واثار على أنها تكتب في صحيفة، والجمع بينهما سهل: إذ يمكن أن تكتب في صحيفة ويأخذها الملك إلى ما شاء الله، ويمكن أن تكتب على جبين الإنسان. ١٧- أن الإنسان لا يدري ماذا كتب له ولذلك أمر بالسعي لتحصيل ما يفعله وهذا أمر مسلم، فكلنا لا يدري ما كتب له، ولكننا مأمورون أن نسعى لتحصيل ما ينفعنا وأن ندع ما يضرنا. ١٨- أن نهاية بني ادم أحد أمرين:

стр. 39

إما الشقاء وإما السعادة. قال الله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود/ ١٠٥] وقال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن/ ٢] نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من أهل السعادة إنه سميع قريب. «١» مالي وللدنيا خلق الله الإنسان، وجعله خليفة في هذا الكون يعمره وينتفع بكل ما فيه وفق منهج رسمه له، وأرسل من أجل هذا المنهج النبيين مبشرين ومنذرين وسخر له كل ما يعينه على أداء دوره وواجبه من شمس وقمر، ونجوم، وجبال، وشجر، ودواب، وأرض وسماء وماء وهواء ... الخ وحدد له أجلا معينا يحقق فيه ما طلب منه، ثم جعل له دارا أخرى- غير هذه الدار- يلقى فيها جزاء عمله من ثواب وعقاب، وجنة ونار، وما على العاقل- بعد ما تقدم- إلا أن يلقي الدنيا عن كاهله، وأن يطرحها وراءه

стр. 40

ظهريا، واضعا نصب عينيه الاخرة التي هي دار القرار، وما قرّب إليها من قول وعمل. وإذا كان له أن يأخذ حظه من الدنيا فليكن ذلك بقدر، ووفقا للمنهج الذي ارتضاه الله لنا دينا، ولئلا يطمئن الناس إلى الدنيا ويركنوا إليها، تاركين العمل للاخرة «١» وحتى يتضح لك هذا المعنى، ويرتكز في ذهنك هذا المفهوم فاقرأ بتمعن هذا الحديث الاتي: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال: «مالي وما للدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» «٢» . وفي رواية: «والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب» . بيّن النبي ﷺ عمر الدنيا في جنب الاخرة، وأنه لا يعدو أن يكون ساعة من نهار، وحتى تستقر هذه الحقيقة في النفوس، ساق

стр. 41

النبي ﷺ حديثه هنا على طريق المثل فقال: ليس لي تعلق بالدنيا، وليس للدنيا تعلق بي، وكيف أتعلق بالدنيا وتتعلق الدنيا بي؟! وما مثلي ومثلها إلا كمسافر ركب مطيته وسار في يوم هجير شديد قيظه، فلما اشتد به التعب نزل، فقال تحت شجرة فترة وجيزة لا تتجاوز الساعة ريثما ابتلع أنفاسه، وعاد إليه نشاطه، ثم راح وترك الشجرة مستأنفا السير من جديد ليصل إلى نهاية رحلته. «١» * ما يستفاد من الحديث: ١- زهد الحبيب ﷺ فعلينا الاقتداء. فها هو ﷺ ينام على الحصير حتى أثّر في جنبه، ويرفض أن يجعل له أصحابه فراشا ليّنا بينه وبين الأرض حتى يحمي جنبه ويقول لهم مالي وللدنيا! فصلى الله عليك أيها النبي، ماذا لو رأيت ما فتح علينا من الدنيا وخلودنا إليها، وحزننا على ما روي عنا منها؟ ماذا كنت تقول؟!! ٢- التركيز على الأمثال في الدعوة والتربية:

стр. 42

لأنها تدفع عن الإنسان السأم والملل، وأيضا تبرز له المعنى المعقول في صورة المحسوس المرئي فيتمكن من النفس ولا ينسى أبدا. قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت/ ٤٣] ٣- الصبر على متاعب الحياة والامها حتى نلقى الله: وقد ألمح النبي ﷺ إلى هذه الفائدة التربوية الدعوية، حين شبّه نفسه بمسافر فركب مطيته في يوم هجير شديد الحر، فلما اشتد به التعب نزل فاستراحت ساعة ثم استأنف المسير متحملا مشاق الرحلة ليعود إلى بيته وداره. وكذلك المسلم في الدنيا يلاقي كثيرا من المشاق والمتاعب، بل كثيرا ما يتعرض للمحن والبلايا، وواجبه أن يصبر، وأن يستعين بالله، وكلما اشتد به التعب استراح قليلا ثم استأنف الطريق حتى يلقى ربه مؤمنا صابرا محتسبا. ٤- التزهيد في الدنيا: والتحذير من الركون إليها، والاطمئنان بها مع الغافلة عن لقاء الله والدار الاخرة، لأن الدنيا ليست بدار قرار.

стр. 43

ومن هنا جاء على لسان مؤمن ال فرعون: يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ [غافر/ ٣٩] وقال الله لنبيه محمد ﷺ : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى [النساء/ ٧٧] فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [براءة/ ٣٨] والله لولا أنت ما اهتدينا قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب/ ٩- ١١] قال العلامة السعدي ﵀:

стр. 44

يذكر تعالى عباده المؤمنين نعمته عليهم، ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم جنود أهل مكة والحجاز من فوقهم، وأهل نجد من أسفل منهم، وتعاقدوا وتعاهدوا على استئصال الرسول والصحابة، وذلك في وقعة الخندق. ومالأتهم طوائف اليهود الذين حوالي المدينة، فجاؤوا بجنود عظيمة، وأمم كثيرة. وخندق رسول الله ﷺ على المدينة، فحاصروا المدينة، واشتد الأمر، وبلغت القلوب الحناجر، حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل مبلغ لما رأوا من الأسباب المستحكمة، والشدائد الشديدة، فلم يزل الحصار على المدينة مدة طويلة، والأمر كما وصف الله: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا أي: الظنون السيئة، أن الله لا ينصر دينه ولا يتم كلمته. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ بهذه الفتنة العظيمة: وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً بالخوف والقلق والجوع ليتبين إيمانهم، ويزيد إيقانهم، فظهر ولله الحمد- من إيمانهم وشدة يقينهم ما فاقوا فيه الأولين والاخرين. وعند ما اشتد الكرب، وتفاقمت الشدائد، صار إيمانهم

стр. 45

عين اليقين، وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب/ الاية ٢٢] . اهـ ورغم هذه الشدائد العظيمة التي أحيقت برسول ﷺ وصحابته الكرام إلا أنه ﷺ لم يخرج عن سجيته المعروفة، وشمائله المعلومة من تعاونه مع صحابته وتواضعه الذي حمله على مشاركتهم في صد العدو بالأسباب المتاحة من حفر الخندق معهم ومشاركتهم في حمل التراب والحجارة وغير ذلك مما يوحي بكمال خصاله، وتفرّد خلاله، ورسوخ أخلاقه العظيمة في جميع الأحوال، وكل الأطوار. عن البراء ﵁ قال: " رأيت رسول ﷺ يوم الخندق وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره- وكان رجلا كثير الشعر-" وفي رواية: " كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو اغبرّ بطنه وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأعداء قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا

стр. 46

يرفع بها صوته". «١» وعن جابر ﵁ قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كديّة شديدة، فجاؤوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: «أنا نازل» ، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب في الكدية فعاد كثيبا أهيل أو أهيم «٢» ... وفي رواية: «والله لولا أنت ما اهتدينا» . «٣» لقد كان بإمكانه ﷺ أن يبقى في حصن منيع وأن يتخذ لنفسه حرسا، وما أكثر الذين يفدونه بأرواحهم من أصحابه، ولو فعل ذلك لم يعترض عليه أحد، ولرأى الصحابة أن ذلك من حقه وأن من واجبهم أن يقوموا بحمايته، وأن يتولوا حماية المدينة بحفر الخندق. ولكنه ﷺ قدوة عليا لأمته فهو دائما يسابق أصحابه إلى البذل والتضحية، ولا يوفر نفسه من الأعمال الشاقة. إن مشاركة النبي ﷺ بنفسه في حفر الخندق مع أنه زعيم المسلمين وإمامهم وبين قوم يفدونه بأرواحهم لمن أقوى الأدلة على صفاته التربوية العالية وخلود عظمته عبر الأجيال. فلم يجعل من نفسه زعيما دنيويا يصدر الأوامر

стр. 47

والنواهي وهو في معزل من عامة الناس بل شاركهم في السراء والضراء، يشبع إذا شبعوا ويجوع إذا جاعوا، ويعمل في المصالح العامة كما يعملون وما هذا إلا مثل من أمثلة كثيرة لتواضعه وسلوكه التربوي العالي ﷺ «١» * ما يستفاد من الحديثين ١- التواضع: إن من أعظم الصفات الحميدة التواضع، وقد دل هذان الحديثان على هذه الصفة لأن النبي ﷺ أفضل البشر، وسيد ولد ادم ﷺ ومع ذلك يحفر مع أصحابه الخندق ويواري التراب بطنه، ويربط الحجر على بطنه من الجوع. قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: وفيه دليل على تواضع النبي ﷺ وحسن خلقه، إذ أنه في الفضل حيث هو، ومع ذلك الفضل العظيم كان ينقل التراب مع أصحابه، كأنه واحد منهم. اهـ

стр. 48

٢- الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: ولهذا عمل النبي ﷺ بفعل الأسباب وهو إمام المتوكلين، فحفر الخندق وحمل التراب، وأمر أصحابه بذلك. وكان النبي ﷺ يأخذ بالأسباب ويأمر بفعلها، ويستعين بالله وبعد الفراغ من الأسباب لا يعتمد عليها بل يعتمد بقبله على الله . ٣- الحث على أخذ الحذر والأهبة لصد أعداء الإسلام . ولهذا عمل النبي ﷺ بنفسه مع أصحابه، وحفروا الخندق، وتأهبوا لقتال عدوهم وصده، وأخذوا الحذر منه. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً [النساء/ ٧١] ٤- الصبر وتحمل المشاق: دل الحديثان على صبر ﷺ وأصحابه ﵃ على مشاق الدعوة والاستعداد لقتال أعداء الإسلام، ولهذا صبروا على الجوع، والتعب في حفر الخندق، ونقل التراب على ظهورهم.

стр. 49

فينبغي الصبر والمصابرة على مشاق الدعوة والجهاد في سبيل الله قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ال عمران/ ٢٠٠] ٥- الزهد: دل الحديثان على زهد النبي ﷺ وأصحابه في الدنيا، وإيثارهم ما عند الله تعالى على ملذاتها، ولهذا قال ﷺ كما جاء في رواية أخرى للحديث- «اللهم لا عيش إلا عيش الاخرة» . فالعيش الباقي والدائم المعتبر والمستمر، والمطلوب هو عيش الاخرة، وأما عيش الدنيا فإنه متاع زائل. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي هذين الحديثين إشارة إلى تحقير عيش الدنيا لما يعرض له من التكدير وسرعة الفناء. اهـ ٦- إنشاد الشعر الممدوح والرجز: لا شك أن إنشاد الشعر المحمود، والرجز الممدوح من أساليب الدعوة إلى الله تعالى، ولهذا فعله ﵊ في حفر

стр. 50

الخندق مع أصحابه، وهذا الرجز منسوب إلى عبد الله بن رواحة ﵁. قال العلامة العيني ﵀: وفيه استعمال الرجز والشعر إذا كانت فيه إقامة النفوس، وإثارة الأنفة والمعرّة. اهـ ٧- التسلية والتنشيط عند الشدائد والحرب: قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفيه أن إنشاد الشعر تنشيط في العمل، وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز. اهـ وقال أيضا: الرجز من بحور الشعر على الصحيح، وجرت عادة العرب باستعماله في الحرب، ليزيد في النشاط ويبعث الهمم. اهـ ٨- القدوة الحسنة: قال الحافظ ابن حجر ﵀: في مباشرته ﷺ الحفر بنفسه تحريض للمسلمين على العمل ليتأسوا به في ذلك. اهـ

стр. 51

٩- رفع الصوت في الخطب والمواعظ: قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفيه جواز رفع الصوت في عمل الطاعة لينشّط نفسه وغيره. اهـ ١٠- إعانة الإمام لأصحابه: قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: وفيه دليل على أن الإمام ينزل للخدمة مع أصحابه، إذا كانوا في أمور الحرب وإعانتهم فيما هم بسبيله. اهـ ١١- من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: لقوله ﷺ : والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة، لأنه يثبت المعاني في القلوب ويحملها على التصديق.

стр. 52

١٢- الاستفادة مما عند الاخرين: فقد ذكر كثير من العلماء أن سبب حفر الخندق مشورة سلمان الفارسي ﵁ بحفر الخندق لأن سلمان قال: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا. «١»

стр. 53

مشاهد ومواقف وعبر ومعجزات في تلك الغزوة العصيبة ١- وقت الغزوة وسببها قال الإمام ابن القيم ﵀: وكانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين، إذ لا خلاف أن أحدا كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله ﷺ في العام المقبل وهو سنة أربع ثم أخلفوه لأجل جدب تلك السنة، فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاؤا لحربه، هذا قول أهل السير والمغازي. اهـ «١» ٢- معجزات للرسول ﷺ في غزوة الأحزاب: أ- إبصاره قصور الملوك وإعطاؤه مفاتيح ملكهم: عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا إلى رسول الله ﷺ فجاءنا فأخذ المعول فقال: «بسم الله» فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصار قصورها الحمر الساعة» ، ثم

стр. 54

ضرب الثانية، فقطع الثلث الاخر، فقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصار قصر المدائن أبيض» ثم ضرب الثالثة، وقال: «بسم الله» فقطع بقية الحجر، فقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصار أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة» «١» ب- تكثيره للطعام: عن جابر ﵁ قال: لما حفر الخندق رأيت برسول الله ﷺ خمصا «٢» فانكفأت «٣» إلى امرأتي، فقلت لها: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصا شديدا، فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة «٤» داجن «٥» قال: فذبحتها وطحنت، ففزعت إلى فراغي، فقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه، قال: فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله! إنا قد ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفر معك، فصاح

стр. 55

رسول الله ﷺ وقال: «يا أهل الخندق! إن جابرا قد صنع لكم سورا «١» فحيهلا بكم» . وقال رسول الله ﷺ : «لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينتكم حتى أجيء» . فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي. فقالت: بك وبك «٢» فقلت: قد فعلت الذي قلت لي. فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيه وبارك، ثم قال: «ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي في برمتكم «٣» ولا تنزلوها» وهم ألف. فأقسم بالله إلا أكلوا حتى تركوه وانحرفوا «٤» وإن برمتنا لتغط «٥» كما هي، وإن عجينتنا- أو كما قال الضحاك- لتخبز كما هو «٦» . ٣- رجل المهمات الصعبة:

стр. 56

عن جابر بن عبد الله ﵄: قال: اشتد الأمر يوم الخندق فقال رسول الله ﷺ : «ألا رجل يأتينا بخبر بني قريظة؟» فانطلق الزبير فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر أيضا فذكر ثلاث مرات فقال رسول الله ﷺ : «إن لكل نبي حواري والزبير حواري» «١» ٤- رسول الله يضحك: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: " لما كان يوم الخندق ورجل يتترس جعل يقول بالترس هكذا، فوضعه فوق أنفه، ثم يقول هكذا يسفله بعد، قال: فأهويت إلى كنانتي، فأخرجت منها سهما مدمى، فوضعته في كبد القوس، فلما قال هكذا تسفل الترس رميت، فما نسيت وقع القدح على كذا وكذا من الترس، مال وسقط فقال برجله هكذا، فضحك نبي الله ﷺ أحسبه قال حتى بدت نواجذه".

стр. 57

٥- نصر الله رسوله بريح الصبا: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» «١» وعن ابن عباس ﵄ قال: أتت الصبا الشمال ليلة الأحزاب فقالت: مري حتى ننصر رسول الله ﷺ فقالت الشمال: إن الحرّة لا تسري بالليل، فكانت الريح التي نصر بها رسول الله ﷺ الصبا. «٢» ٦- تحول ميزان القوة بعد معركة الأحزاب: عن سليمان بن صرد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول حين جلى الأحزاب عنه «الان نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» «٣»

стр. 58

لوددت أن أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل .. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة/ ١١١] قال الإمام ابن القيم ﵀: فليتأمل العاقل مع ربه عقد هذا التبايع ما أعظم خطره وأجلّه، فإن الله هو المشتري، والثمن جنات النعيم، والفوز برضاه، والتمتاع برؤيته هناك، والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر، وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر عظيم وخطب جسيم: قد هيؤوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكها الذي اشتراهما من المؤمنين فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة؟! بالله ما هزلت فيستامها المفلسون؛ ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون! لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد، فلم يرض ربها لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح

стр. 59

أن يكون نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم، ووقعت في يد أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [المائدة/ الاية ٥٤] . وهذا رسول الله ﷺ قد قام بالجهاد في سبيل الله حق القيام، فجاهد بيده، وبلسانه، وبقلبه، طيلة عمره، وعدد أنفاسه، وها هو ﷺ نراه في هذا الموقف النبوي يقسم قسما عظيما أنه لولا خشيته أن يشق على المسلمين بما سنراه في الحديث ما قعد خلف سرية أو غزوة. وهذا والله هو الإيمان الكامل، والثبات الراسخ، والشجاعة المتناهية، وقوة القلب العميقة المتأصلة في نفسه ﵇، والجود الوافر الذي ليس وراءه منتهى، وهل هناك أعظم من الجود بالنفس! عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تضمّن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسولي فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده! ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم لونه لون دم وريحه مسك.

стр. 60

والذي نفس محمد بيده! لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشقّ عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده! لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل» «١» قال ابن القيم ﵀: لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادّعى الخليّ حرفة الشّجيّ، فتأخر أكثر المدعين للمحبة، وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم، فسلموا ما وقع عليه العقد، فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشترى وقدر الثمن، وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه، ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد، عرفوا أن للسلعة قدرا وشأنا ليس لغيرها من السلع، فرأوا من الخسران البين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم

стр. 61

معدودة، تذهب لذتها وشهوتها، وتبقى تبعتها وحسرتها، فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء. فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضىّ واختيارا من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد، وسلموا المبيع، قيل لهم: قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا، والان رددناها عليك أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معه لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ال عمران/ ٦٩] لم نبتع منكم نفوسكم وأموالكم طلبا للربح عليكم، بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجلّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن. فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق، فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن، ووفق لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعاض عليه أجلّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمثمن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو سبحانه الذي وفقه له وشاءه منه.

стр. 62

لقد حرك الداعي إلى الله، وإلى دار السلام النفوس الأبية، والهمم العالية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حيا، فهزه السماع إلى منازل الأبرار، واحدا به في طريق سيره، فما حطت به رحاله إلا بدار القرار. «١» اهـ * ما يستفاد من الحديث: ١- شجاعة النبي ﷺ وتظهر من قوله فيما يلي: أ- حثه المؤمنين على الجهاد في سبيل الله تعالى بما ظهر في الحديث، ورسول الله ﷺ إذا رغب في شيء فمما لا شك فيه أنه يكون أول الممتثلين بما أمر أو رغب فيه، ومن هنا كان لزاما على من جاهد في سبيل الله أن يكون متخلقا بخلق الشجاعة التي تحثه على بذل النفس رخيصة في سبيل الله تعالى. ب- قسمه ﵊ وتأكيده على رغبته التامة في الخروج مع كل سرية تغزو في سبيل الله. ج- قسمه العظيم، وتلهّفه الشديد بقوله: «والذي نفس محمد بيده! لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل» ثم يكرر هذه الجملة ثلاث مرات.

стр. 63

وهذه والله أمنية أشجع الشجعان، أن يتمنى أن تزهق روحه، ويسفك دمه في سبيل الله ثم يحيا ثم يقتل وهكذا ثلاث مرات يؤكدها حتى يتم رضى الله تعالى عنه ويمن عليه بالفضل الذي لا يساويه فضل. ٢- أوجب الله للمجاهد في سبيله الجنة بفضله وكرمه ، وهذا الضمان والكفالة موافق لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة/ ١١١] . ٣- المجاهد الحق في سبيل الله مؤمن بربه، مصدق لرسله، فهو المضمون له المذكور في الحديث، ومن لبس ثوب الجهاد ولم يتصف بما نص عليه، فهو غير مضمون له النتيجة المذكورة من أمر الجنة وغيرها. ٤- المجاهد في سبيل الله قد فاز وظفر على كل حال، فإما أن يفوز بالجنة، وإما أن يفوز بالظفر والغنيمة والرجوع إلى الأهل والأحبة سالما وهم معافون من كل أذى لرعاية الله لهم.

стр. 64

٥- الشهداء يدخلون الجنة بعد استشهادهم إكراما من الله وسرعة في تعجيل الوعد الذي وعدوه وهم في الدنيا، فيغدون في الجنة ويروحون. ٦- الظافر من المجاهدين حصّل أجر الجهاد والغنيمة معا. ودليل على أن الشهيد لا يزول عنه الدم بغسل ولا غيره، والحكمة من مجيئه يوم القيامة على هيئته، أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله. ٧- دليل على جواز اليمين وانعقادها بقوله: والذي نفسي بيده ونحو هذه الصيغ من الحلف بما دل على الذات ولا خلاف في هذا. ٨- الشهداء لهم يوم القيامة وسم خاص بهم وهو الكلم الذي يبعث دما باللون ورائحته رائحة المسك. ٩- ليس كل فعل من النبي ﷺ يدل على الوجوب. ١٠- يجوز للإمام أن يتخلف عن السرية أو الغزوة إذا رأى في ذلك مصلحة مرتبة على تخلفه. ١١- ينبغي على الإمام أن يراعي أحوال العامة، ويسير بسير أضعفهم حتى لا يشق ذلك عليهم.

стр. 65

ولا أحد يدخل الجنة فيحب أن يخرج منها إلى الدنيا إلا الشهيد ليغزو في سبيل الله، ثم يقتل في سبيل الله، ثم يغزو، ثم يقتل، ثم يغزو ثم يقتل، لما يرى من الكرامة «١» اهـ ١٢- على الحكام المسلمين إحياء فريضة الجهاد في هذا العصر الذي تكالبت فيه أيدي الأعداء من كل حدب وصوب على المسلمين المستضعفين في كل بقعة من بقاع الأرض. فانظروا إلى الشيشان، وإلى كشمير المسلمة، وإلى أفغانستان، وإلى فلسطين بلد الأقصى، وأخيرا إلى المستضعفين في العراق وغير ذلك من بلاد المسلمين والتي تئن من وطأة التشرد والضياع، وسفك الدماء، والفقر الذي جعل الديار بلاقع، فلا مؤنس ولا دافع، ولا سامع ولا شافع. أصبحت الديار غير الديار، والأمصار غير الأمصار، والرجال غير الرجال، فلكم الله يا مسلمون، ولكم الله يا مستضعفون يوم أن خذلكم أبناء جلدتكم، ممن هم منكم، فتلقفتكم أيدي الأعداء. ١٣- فاللهم إنا نبرأ إليك من كل ظالم معتد أثيم، ونسألك عزا للإسلام والمسلمين.

стр. 66

١٤- الجود بالنفس من أعظم مراتب الجود، وهذا أمر قد عرف به الحبيب ﷺ . فهو ﷺ يتمنى أن يقتل ثم يحيا ثم يقتل ثم يحيا ثم يقتل، وهذا الذي يجود هذا الجود ليس بغريب عليه أن يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فقد كان ﷺ يعطي هذا واد من الإبل وغيره واد من الغنم. فعلى من أراد الجنة أن يبذل مهرها، لأن سلعة الله غالية، وليس للمرء أغلى من نفسه، فمن قدمها مهرا فقد قدم أعظم ما عنده، وبذل أعظم ما يملك. فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا " حادثة الإفك " حادثة الإفك مصاب عظيم، وبلاء جسيم، وفتنة خبيث لئيم، أصابت قلب كل مسلم محب لرسول الله ﷺ ولال بيته قبل مصابهم بهذا البلاء المستعر، والشر المستطير. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.

стр. 67

ومع هذا الحادث العظيم نرى رسول الله ﷺ يظهر بمظهر الكمال الإنساني تجاه هذه النائبة التي تقصم الظهور، وتهز العقول، والتي سرعان ما ينهار فيها الإنسان ويرتكب من الأعمال ما يندم عليه عند ما تهدأ النفوس، وتنجلي الحقائق. لقد تأثر رسول الله ﷺ من هذا الموقف، ولكنه مع ذلك أمسك بزمام نفسه، وسمت أخلاقه حتى احتوت هذه الفتن. نعم، لقد تأثر وهذا شيء طبيعي. ولكنه أيضا تعامل مع الواقع بحكمة شديدة، نرى فيها كمال خلقه، وعظيم صبره، وقوة بأسه، ورجاحة عقله، وقوة فطنته وذكائه. فصلى الله عليه وعلى اله جميعا إلى يوم الدين. هذه الحادثة سردها يطول، ولكن سأحاول أن أجلّي بعض الصور التي صبر فيها رسول الله تجاه هذا الموقف وتلك المصيبة التي ألمت بال بيته جميعا، ولكنها ما فتئت أن كانت خيرا وصارت قرانا يتلى إلى يوم القيامة، وطهرا ينشر عبيره في أرجاء الكون كله، ودوحة باسقة يتقلدها المحبون لرسول الله ﷺ ولال بيته جميعا.

стр. 68

وعلى الجانب الاخر أصبح رأس الفتنة وموقدها يذكر بأسوأ ما يعلم، وتوعده الله بعذاب أليم لأن الحد لا يطهره من هذا الجرم القبيح فلعنة الله على المنافقين. غزا رسول الله ﷺ ذات مرة وكانت عائشة ﵂ معه في تلك الغزوة، وأبعدت عنهم في ساعة لتقضي شأنها، فانفرط عقدها، فمكثت تلتمسه ووجدته، ثم جاءت منازل الجيش وليس بها داع ولا مجيب، فجلست تنتظرهم إذا ما فقدوها، لأنهم ظنوها في هودجها، وكانت إذ ذاك خفيفة اللحم، فحملوه وظنوها بداخله، فأخذها النوم في مكانها. وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ من وراء الجيش فرأى عائشة ﵂ فعرفها فأناخ راحلته، فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه، ثم جاء يقود بها بعد ما نزل الجيش في الظهيرة، فلما رأى بعض المنافقين الذين في صحبة النبي ﷺ في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه الحال، أشاع ما شاع، ووشى الحديث، وتلقفته الألسن، حتى اغترّ بذلك بعض المؤمنين، وصاروا يتناقلون الكلام.

стр. 69

تقول السيدة عائشة ﵂: ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريا بني «١» . في وجعي، أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف «٢» الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله ﷺ فيسلّم ثم يقول، «كيف تيكم» ، ثم ينصرف، فذاك الذي يريا بني ولا أشعر بالشرّ حتى خرجت بعد ما نقهت «٣» فخرجت معي أمّ مسطح، فأخبرتها الخبر فحزنت حزنا شديدا، وبكت بكاء مرّا ورجعت إلى البيت تقول ﵂: ودخل عليّ رسول الله ﷺ تعني سلّم ثم قال: «كيف تيكم؟» فقلت: أتأذن لي أن اتي أبويّ.. فأذن لي رسول الله ﷺ ... فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد ﵄ حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله ... فقام رسول الله ﷺ فاستعذر «٤» يومئذ من عبد الله بن أبي ابن سلول فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا. وما كان يدخل على أهلي إلا معي» .

стр. 70

فقال سعد بن معاذ: أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فرد عليه سعد بن عبادة ردا شديدا. فتساور الحيّان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع يظنّان أن البكاء فالق كبدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ فسلّم ثم جلس، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: «أما بعد، يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرّؤك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه» .

стр. 71

قالت: فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي أجب رسول الله ﷺ فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . قالت: فقلت- وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القران-: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة- والله يعلم أني بريئة- لا تصدّقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر- والله يعلم أني منه بريئة- لتصدّقنّي. والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [يوسف/ ١٨] قالت: ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي. قالت: وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرّئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرّؤني الله بها.

стр. 72

قالت: فوالله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه. قالت: فلما سرّي عن رسول الله ﷺ سرّي عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: «يا عائشة، أما الله فقد برّأك ... » «١» ولك أن تتصور تلك الحالة النفسية التي كان رسول الله ﷺ يكتمها في صدره وهو يعلم ما تلوكه ألسنة المنافقين على أهله. فكم هي هذه الهموم التي عاشها رسول الله صلى الله ﷺ وال بيته جميعا طيلة هذه المدة والتي فتر فيها الوحي كذلك. ومع ذلك صبر ﷺ وصمت حتى جاء الفرج وظهرت الحقيقة، وازدادت أم المؤمنين عائشة ﵂ شرفا إلى شرفها، وذكرا حسنا إلى يوم القيامة يتلى. فلما أن سطع نور البراءة حدّ ﷺ المؤمنين الذين زلت أقدامهم الحد الشرعي وطهرهم من هذا الإثم، وترك رأس الفتنة ولم يعمل فيه السيف لأن الحد لا يطهره، وأمثاله لعلو

стр. 73

كعبه في النفاق، وقدم عناده في المخالفة والشقاق. فصلى الله وسلم على إمام الصابرين وقدوة الناس أجمعين. * ما يستفاد من الحديث: ١- مشروعية القرعة حتى بين النساء وفي المسافرة بهن والسفر بالنساء حتى في الغزو. «١» ٢- جواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل ولو كان فيه مدح ناس وذم ناس إذا تضمن ذلك إزالة توهم النقص عن الحاكي إذا كان بريئا عند قصد نصح من يبلغه ذلك لئلا يقع فيما وقع فيه من سبق وأن الاعتناء بالسلامة من وقوع الغير في الإثم أولى من تركه يقع في الإثم وتحصيل الأجر للموقوع فيه. ٣- إن الهودج يقوم مقام البيت في حجاب المرأة. ٤- جواز ركوب المرأة الهودج على ظهر البعير ولو كان ذلك مما يشق عليه حيث يكون مطيقا ذلك.

стр. 74

٥- وفيه خدمة الأجانب للمرأة من وراء حجاب وجواز تستر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن. ٦- توجه المرأة لقضاء حاجتها واحدها وبغير إذن خاص من زوجها بل اعتمادا على الإذن العام المستند إلى العرف العام. ٧- جواز تحلي المرأة في السفر بالقلادة ونحوها، وصيانة المال ولو قلّ للنهي عن إضاعة المال، فإن عقد عائشة ﵂ لم يكن من ذهب ولا جوهر. ٨- شؤم الحرص على المال، لأنها لو لم تطل في التفتيش لرجعت بسرعة فلما زاد على قدر الحاجة حصل ما جرى. ٩- استعمال بعض الجيش ساقة يكون أمينا ليحمل الضعيف ويحفظ ما يسقط وغير ذلك من المصالح. ١٠- إغاثة الملهوف، وعون المنقطع، وإنقاذ الضائع، وإكرام ذوي القدر وإيثارهم بالركوب، وتجشم المشقة لأجل ذلك، وحسن الأدب مع الأجانب خصوصا النساء لا سيما في الخلوة. ١١- ملاحظة الزوجة وحسن معاشرتها، والتقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي النقص وإن لم يتحقق، وفائدة ذلك أن تتفطن لتغيير الحال فتعتذر أو تعترف.

стр. 75

١٢- السؤال عن المريض، وإشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة، فإذا كان السبب محققا فيترك أصلا، وإن كان مظنونا فيخفف، وإن كان مشكوكا فيه أو محتملا فيحسن التقليل منه لا للعمل بما قيل، بل لئلا يظن بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقه، لأن ذلك من خوارم المروءة. ١٣- البحث عن الأمر القبيح إذا أشيع وتعرف صحته وفساده بالتنقيب على من قيل فيه هل وقع منه قبل ذلك ما يشبهه أو يقرب منه واستصحاب حال من اتهم بسوء إذا كان قبل ذلك معروفا بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك. ١٤- وفيه استشارة المرء أهل بطانته ممن يلوذ به قرابة وغيرها، وتخصيص من جربت صحة رأيه منهم بذلك ولو كان غيره أقرب، والبحث عن حال من اتهم بشيء، وحكاية ذلك للكشف عن أمره ولا يعد ذلك غيبة. ١٥- وفيه فضائل جمة لعائشة ولأبويها ولصفوان ولعلي بن أبي طالب وأسامة وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وأم مسطح ﵃ جميعا. ١٦- التعصب لأهل الباطل يخرج عن اسم الصلاح.
следующие страницы →