← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 23684

مواقف حلف فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم

خميس السعيد محمد

Полный текст (183 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قالت: فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي أجب رسول الله ﷺ فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . قالت: فقلت- وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القران-: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة- والله يعلم أني بريئة- لا تصدّقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر- والله يعلم أني منه بريئة- لتصدّقنّي. والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [يوسف/ ١٨] قالت: ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي. قالت: وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرّئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرّؤني الله بها.

стр. 72

قالت: فوالله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه. قالت: فلما سرّي عن رسول الله ﷺ سرّي عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: «يا عائشة، أما الله فقد برّأك ... » «١» ولك أن تتصور تلك الحالة النفسية التي كان رسول الله ﷺ يكتمها في صدره وهو يعلم ما تلوكه ألسنة المنافقين على أهله. فكم هي هذه الهموم التي عاشها رسول الله صلى الله ﷺ وال بيته جميعا طيلة هذه المدة والتي فتر فيها الوحي كذلك. ومع ذلك صبر ﷺ وصمت حتى جاء الفرج وظهرت الحقيقة، وازدادت أم المؤمنين عائشة ﵂ شرفا إلى شرفها، وذكرا حسنا إلى يوم القيامة يتلى. فلما أن سطع نور البراءة حدّ ﷺ المؤمنين الذين زلت أقدامهم الحد الشرعي وطهرهم من هذا الإثم، وترك رأس الفتنة ولم يعمل فيه السيف لأن الحد لا يطهره، وأمثاله لعلو

стр. 73

كعبه في النفاق، وقدم عناده في المخالفة والشقاق. فصلى الله وسلم على إمام الصابرين وقدوة الناس أجمعين. * ما يستفاد من الحديث: ١- مشروعية القرعة حتى بين النساء وفي المسافرة بهن والسفر بالنساء حتى في الغزو. «١» ٢- جواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل ولو كان فيه مدح ناس وذم ناس إذا تضمن ذلك إزالة توهم النقص عن الحاكي إذا كان بريئا عند قصد نصح من يبلغه ذلك لئلا يقع فيما وقع فيه من سبق وأن الاعتناء بالسلامة من وقوع الغير في الإثم أولى من تركه يقع في الإثم وتحصيل الأجر للموقوع فيه. ٣- إن الهودج يقوم مقام البيت في حجاب المرأة. ٤- جواز ركوب المرأة الهودج على ظهر البعير ولو كان ذلك مما يشق عليه حيث يكون مطيقا ذلك.

стр. 74

٥- وفيه خدمة الأجانب للمرأة من وراء حجاب وجواز تستر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن. ٦- توجه المرأة لقضاء حاجتها واحدها وبغير إذن خاص من زوجها بل اعتمادا على الإذن العام المستند إلى العرف العام. ٧- جواز تحلي المرأة في السفر بالقلادة ونحوها، وصيانة المال ولو قلّ للنهي عن إضاعة المال، فإن عقد عائشة ﵂ لم يكن من ذهب ولا جوهر. ٨- شؤم الحرص على المال، لأنها لو لم تطل في التفتيش لرجعت بسرعة فلما زاد على قدر الحاجة حصل ما جرى. ٩- استعمال بعض الجيش ساقة يكون أمينا ليحمل الضعيف ويحفظ ما يسقط وغير ذلك من المصالح. ١٠- إغاثة الملهوف، وعون المنقطع، وإنقاذ الضائع، وإكرام ذوي القدر وإيثارهم بالركوب، وتجشم المشقة لأجل ذلك، وحسن الأدب مع الأجانب خصوصا النساء لا سيما في الخلوة. ١١- ملاحظة الزوجة وحسن معاشرتها، والتقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي النقص وإن لم يتحقق، وفائدة ذلك أن تتفطن لتغيير الحال فتعتذر أو تعترف.

стр. 75

١٢- السؤال عن المريض، وإشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة، فإذا كان السبب محققا فيترك أصلا، وإن كان مظنونا فيخفف، وإن كان مشكوكا فيه أو محتملا فيحسن التقليل منه لا للعمل بما قيل، بل لئلا يظن بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقه، لأن ذلك من خوارم المروءة. ١٣- البحث عن الأمر القبيح إذا أشيع وتعرف صحته وفساده بالتنقيب على من قيل فيه هل وقع منه قبل ذلك ما يشبهه أو يقرب منه واستصحاب حال من اتهم بسوء إذا كان قبل ذلك معروفا بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك. ١٤- وفيه استشارة المرء أهل بطانته ممن يلوذ به قرابة وغيرها، وتخصيص من جربت صحة رأيه منهم بذلك ولو كان غيره أقرب، والبحث عن حال من اتهم بشيء، وحكاية ذلك للكشف عن أمره ولا يعد ذلك غيبة. ١٥- وفيه فضائل جمة لعائشة ولأبويها ولصفوان ولعلي بن أبي طالب وأسامة وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وأم مسطح ﵃ جميعا. ١٦- التعصب لأهل الباطل يخرج عن اسم الصلاح.

стр. 76

١٧- جواز سب من يتعرض للباطل ونسبته إلى ما يسوءه وإن لم يكن ذلك في الحقيقة فيه، لكن إذا وقع منه ما يشبه ذلك جاز إطلاق ذلك عليه تغليظا له. ١٨- الندب إلى قطع الخصومة، وتسكين ثائرة الفتنة، وسد ذريعة ذلك، واحتمال أخف الضررين بزوال أغلظهما، وفضل احتمال الأذى. ١٩- أن من اذى النبي ﷺ بقول أو فعل يقتل لأن سعد بن معاذ أطلق ذلك ولم ينكره النبي ﷺ . ٢٠- تدرج من وقع في مصيبة فزالت عنه لئلا يهجم على قلبه الفرح من أول وهلة فيهلكه، يؤخذ ذلك من ابتداء النبي ﷺ بعد نزول الوحي ببراءة عائشة بالضحك ثم تبشيرها ثم إعلامها ببراءتها مجملة، ثم تلاوته الايات على وجهها. وقد نص الحكماء على أن من اشتد عليه العطش لا يمكّن من المبالغة في الري في الماء يفضي به ذلك إلى الهلكة بل يجرع قليلا قليلا. ٢١- أن الشدة إذا اشتدت أعقبها الفرج، وفضل من يفوض الأمر لربه، وأن من قوي على ذلك خف عنه الهم والغم، كما وقع

стр. 77

في حالتي عائشة قبل استفسارها عن حالها وبعد جوابها بقولها: والله المستعان. ٢٢- التأسي بما وقع للأكابر من الأنبياء وغيرهم. ٢٣- بيان أن الحبيب ﷺ ما كان يعلم الغيب حتى يعلمه الله تعالى، فكيف إذا بغيره ممن يدّعون علم الغيب والمكاشفة تغريرا بالمسلمين وتضليلا لهم لاستغلالهم. ٢٤- بيان براءة أم المؤمنين ولذا من شك في براءتها بعد نزول القران بذلك فقد كفر إما أن يراجع الإسلام وإلا فهو كافر من أهل النار. ٢٥- إقامة حد القذف على من قذف محصنا مؤمنا أو محصنة مؤمنة بفاحشة، إذ أقيم الحد على مسطح وحسان وحمنة، فطهرهم الله تعالى بذلك، ولم يقم الحد على ابن أبيّ لأنه كافر لا تطهره الحدود. ٢٦- حرمة قذف المحصنات المؤمنات وكذا المحصنين المؤمنين، وأنه من كبائر الذنوب، وموجب للحد، وهو ثمانون جلدة. وغير ذلك من الفوائد في هذه القصة كثير. «١»

стр. 78

الإسراء والمعراج تسلية ومكافأة ربانية قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء/ ١] قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها، لأن له الأفعال العظيمة والمنن الحسيمة التي من جملتها أن أسرى بعبده ورسوله محمد ﷺ مّن المسجد الحرام الذي هو أجل المساجد على الإطلاق إلى المسجد الأقصا الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل الأنبياء. فأسرى به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا، ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته، ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا. وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه، حيث يسره لليسرى في جميع أموره، وخوّله نعما فاق بها الأولين والاخرين.

стр. 79

وظاهر الاية أن الإسراء كان في أول الليل، وأنه من نفس المسجد الحرام، لكن ثبت في الصحيح، أنه أسري به من بيت أم هانئ، فعلى هذا تكون الفضيلة في المسجد الحرام لسائر الحرم، فكله تتضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد، وأن الإسراء بروحه وجسده معا، وإلا لم يكن في ذلك اية كبرى، ومنقبة عظيمة. وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء، وذكر تفاصيل ما رأى، وأنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به من هناك إلى السموات العلى، ورأى الجنة والنار والأنبياء على مراتبهم، وفرض الله عليه الصلوات خمسين، ثم ما زال يراجع ربه بإشارة موسى الكليم حتى صارت خمسا بالفعل، وخمسين بالأجر والثواب، وحاز من المفاخر تلك الليلة، هو وأمته ما لا يعلم مقداره إلا الله .. اهـ غير أن كفار قريش قابلوا هذه المعجزة بالتكذيب، والتشنيع، والسخرية والاستهزاء برسول الله ﷺ مما سبب له الحزن والتألم لتكذيب قريش له، غير أنه ﷺ صبر الصبر الجميل، ولم يهتز أمام هذه القلوب الحاقدة الحاسدة الماكرة وأعلن أمامهم التفاصيل

стр. 80

الدقيقة لهذه الرحلة والمعجزة المباركة الميمونة، بل ووصف لهم بيت المقدس وصف الخبير الذي حيرهم وأذهلهم ومع ذلك كابروا وعاندوا وشهّروا به ﷺ . والإسراء والمعراج نقطة تحول هامة في حياة الرسول ﷺ إذ عرف ﷺ وأتباعه من أعدائه الذين ارتدوا أمام تضخيم قريش المشين لهذه المعجزة. وأترك زبالات الجاهلية وعفنها، إلى المعجزة النبوية وعظمتها، نتعلم من إشراقاتها، ونستفيد من دروسها وهباتها، ونقف على جوانب العظمة والنبوة التي صبغت بها الشخصية المحمدية، والتي تدين بها الطوائف السلفية، وتضيق منها معاطن الفرق البدعيّة. عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق- وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه- قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل للرسول ﷺ : اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت. قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه، قال: قد بعث إليه،

стр. 81

ففتح لنا فإذا أنا بادم، فرحّب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحي ابن زكريا صلوات الله عليهما، فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ﷺ ، إذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحّب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحّب ودعا لي بخير، قال الله : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﷺ فرحب ودعا لي بخير.

стр. 82

ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﷺ فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كاذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إليّ ما أوحى، ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﷺ فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفّف عن أمتي فحطّ عني خمسا، فرجعت إلى موسى فقلت: حطّ عني خمسا. قال: إن أمتك لا

стр. 83

يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇، حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة. ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﷺ فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقال رسول الله ﷺ فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه» «١» وعن البخاري قال ﷺ : «يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه» . قال ابن القيم: فلما أصبح رسول الله ﷺ في قومه أخبرهم بما أراه الله من آياته الكبرى، فاشتد تكذبيهم له وأذاهم، واستضرارهم عليه،

стр. 84

وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلاه الله له حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئا. وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها. وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفورا، وأبى الظالمون إلا كفورا. اهـ «١» * ما يستفاد من الحديث: ١- أن للسماء أبوابا حقيقية وحفظة موكلين بها. ٢- إثبات الاستئذان، وأنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول: أنا فلان، ولا يقتصر على أنا، لأنه ينافي مطلوب الاستفهام، وأن المار يسلّم على القائد، وإن كان المار أفضل من القاعد. ٣- استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء. ٤- جواز مدح الإنسان المأمون على الافتتان في وجهه.

стр. 85

٥- وفيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور، وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة. ٦- وفيه جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل. ٧- وفيه فضل السير بالليل على السير بالنهار لما وقع من الإسراء بالليل. ولذلك كان أكثر عبادته ﷺ بالليل، وكان أكثر سفره ﷺ بالليل. وقال ﷺ : «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل» . ٨- وفيه أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، ويستفاد ذلك من قول موسى ﵇ للنبي ﷺ أنه عالج الناس قبله وجرّبهم. ٩- ويستفاد منه تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى، لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى أبدانا من هذه الأمة، وقد قال موسى إنه عالجهم على أقل من ذلك فما وافقوه. وأشار إلى ذلك ابن أبي جمرة، قال: ١٠- ويستفاد منه أن مقام الخلة مقام الرضا والتسليم، ومقام التكلم مقام الإدلال والانبساط، ومن ثم استبد موسى بأمر

стр. 86

النبي ﷺ بطلب التخفيف دون إبراهيم ﵇، ومع أن النبي ﷺ من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له من موسى لمقام الأبوة، ورفعة المنزلة والاتباع في الملة. وقال غيره: الحكمة في ذلك ما أشار إليه موسى ﵇ في نفس الحديث من سبقه إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها، وأنهم خالفوه. ١١- وفيه أن الجنة والنار قد خلقتا، لقوله في بعض طرقه التي بينها: «عرضت عليّ الجنة والنار» . ١٢- وفيها استحباب الإكثار من سؤال الله. قال: وتكثير الشفاعة عنده لما وقع منه ﷺ في إجابته مشورة موسى في سؤال التخفيف. ١٣- وفيه فضيلة الاستحياء وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها وإن لم يستشر الناصح في ذلك. اهـ من فتح الباري. ١٤- الإسلام دين الفطرة: قال محمد سعيد رمضان: وفي اختيار النبي ﷺ اللبن على الخمر حينما قدمهما له جبريل ﵇ دلالة رمزية على أن الإسلام هو دين الفطرة.

стр. 87

أي الدين الذي ينسجم في عقيدته وأحكامه كلها مع ما تقتضيه نوازع الفطرة الإنسانية الأصيلة، فليس في الإسلام شيء مما يتعارض والطبيعة الأصيلة في الإنسان. ولو أن الفطرة كانت جسما ذا طول وأبعاد لكان الدين الإسلامي الثوب المفصّل على قدره. وهذا من أهم أسرار سعة انتشاره وسرعة تقبل الناس له، إذ الإنسان مهما ترقى في مدارج الحضارة، وغمرته السعادة المادية، فإنه يظل نزاعا إلى استجابة نوازع الفطرة لديه، ميّالا إلى الانعتاق عن ربقة التكلفات والتعقيدات البعيدة عن طبيعته، والإسلام هو النظام الوحيد الذي يستجيب لأعمق نوازع الفطرة البشرية. «١» اهـ ١٥- المستقبل للإسلام: قال صفي الرحمن المباركفوري: يرى القارئ في سورة الإسراء أن الله ذكر قصة الإسراء في اية واحدة فقط ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم، ثم نبههم بأن هذا القران يهدي للتي هي أقوم.

стр. 88

فربما يظن القارئ أن الايتين ليس بينهما ارتباط، والأمر ليس كذلك فإن الله تعالى يشير بهذا الأسلوب إلى أن الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس، لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية لما ارتكبوا من الجرائم التي لم يبق معها مجال لبقائهم على هذا المنصب، وأن الله سينقل هذا المنصب فعلا إلى رسوله ﷺ ، ويجمع له مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما. فقد ان أوان انتقال القيادة الروحية من أمة إلى أمة، من أمة ملأت تاريخها بالغدر والخيانة والإثم والعدوان، إلى أمة تتدفق بالبر والخيرات، ولا يزال رسولها يتمتاع بوحي القران الذي يهدي للتي هي أقوم. «١» اهـ ١٦- مكافأة ربانية: قال الجزائري حفظه الله: " الإسراء والمعراج" كان مكافأة ربانية على ما لاقاه الحبيب ﷺ من أتراح والام وأحزان، إذ كان بعد حصار دام ثلاث سنوات في شعب أبي طالب، وما لاقاه في أثنائه من جوع وحرمان، إنه كان بعد فقد

стр. 89

الناصر الحميم، وفقد خديجة أم المؤمنين، إنه كان بعد خيبة الأمل في ثقيف، وما ناله من سفهائها وصبيانها وعبيدها. بعد هذه الالام كافأ الحبيب حبيبه فرفعه إليه، وقربه وأدناه، وخلع عليه من حلل الرضا ما أنساه كل ما كان قد لاقاه من حزن وأ لم ونصب وتعب، وما قد يلاقيه في سبيل إبلاغ رسالته ونشر دعوته. فصلى الله عليه وعلى اله وأصحابه ما ذكر الله الذاكرون، وما غفل عن ذكره الغافلون. «١» اهـ ١٧- الإسراء كان بالروح والجسد قال القاضي عياض: وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة، وهذا هو الحق ... وقال أيضا: والصحيح إن شاء الله أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها، وعليه تدل الاية وصحيح الأخبار والاعتبار، ولا يعدل عن الظاهر

стр. 90

والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة «١» إذ لو كان مناما لقال: بروح عبده ولم يقل بعبده. وقوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ولو كان مناما لما كان فيه اية ولا معجزة ولما استبعده الكفار ولا كذّبوه فيه، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به، إذ مثل هذا في المنامات لا ينكر بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته. اهـ «٢»

стр. 91

خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة/ ١٨٣] قال العلامة ابن عثيمين ﵀: قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي: فرض وقوله: كَما كُتِبَ أي كما فرض عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وإنما ذكر الله تعالى أنه فرض على من قبلنا ولم يذكر مثل ذلك في الصلاة، لأن الصيام فيه مشقة، وتعب، وترك المألوف، ولا يخفى أنه في أيام الحر وطول النهار يكون شديدا على النفوس، فذكر الله أنه فرضه على من قبلنا تسلية لنا، لأن الإنسان إذا علم أن هذا الشيء له ولغيره هان عليه، وذكره أيضا من أجل أن يبين أنه جل وعلا أكمل لنا الفضائل، كما أكمل لمن سبقنا ما شاء من الفضائل. اهـ ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعيته الصيام فقال: لعلّكم تتّقون فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه.

стр. 92

فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم بترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقربا بذلك إلى الله راجيا بتركها ثوابه، فهذا من التقوى. ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه لعلمه باطلاع الله عليه. اهـ من تفسير السعدي. لذلك كان فضل الصوم عظيما، لدرجة أن هذه الرائحة الكريهة التي تنبعث من فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ولذلك أقسم رسول الله ﷺ على ذلك. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : كل عمل ابن ادم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم.

стр. 93

والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» «١» الصائم ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل ربه، فلما طالت المدة بخلو معدته من الطعام إيثارا لطاعة الرحمن كانت تلك الرائحة التي فاحت من المعدة ووصلت إلى الفم حتى غيّرته وعلته الرائحة الكريهة والتي يضجر الناس منها بل ويتأففون. هذه الرائحة لماذا حصلت؟! وما كان الباعث وراءها؟! إنها العبودية والتقوى التي جعلت الصائم يؤثر ترك الطعام والشراب طاعة لله! فهل يعقل أن تكون النتيجة أن هذه الرائحة الكريهة كريهة كذلك عند الله؟! اللهم لا! فالجزاء من جنس العمل وإن لم يعلم المسلم ذلك.

стр. 94

* ما يستفاد من الحديث: ١- الصيام يختصه الله من بين سائر الأعمال، لأنه- أي الصيام- أعظم العبادات إطلاقا، فإنه سر بين الإنسان وربه، لأن الإنسان لا يعلم إذا كان صائما أو مفطرا، هو مع الناس ولا يعلم به، نيته باطنة، فلذلك كان أعظم إخلاصا، فاختصه الله منه بين سائر الأعمال. ٢- أن عمل ابن ادم يزاد من حسنة إلى عشرة أمثالها، إلا الصوم، فإنه يعطى أجره بغير حساب يعني: أنه يضاعف أضعافا كثيرة. قال أهل العلم: ولأن الصوم اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة، ففيه صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله. أما الصبر على طاعة الله: فلأن الإنسان يحمل نفسه على الصيام مع كراهته له أحيانا، يكرهه لمشقته، لا لأن الله فرضه، لو كره الإنسان الصوم، لأن الله فرضه لحبط عمله، لكنه كرهه لمشقته، ولكنه مع ذلك يحمل نفسه عليه، فيصبر عن الطعام والشراب والنكاح لله .

стр. 95

النوع الثاني من أنواع الصبر: الصبر عن معصية الله، وهذا حاصل للصائم فإنه يصبر نفسه عن معصية الله ، فيتجنب اللغو والرفث والزور وغير ذلك من محارم الله. الثالث: الصبر على أقدار الله، وذلك أن الإنسان يصيبه في أيام الصوم، - ولا سيما في الأيام الحارة والطويلة- من الكسل والملل والعطش ما يتألم ويتأذى به، ولكنه صابر لأن ذلك في مرضاة الله. فلما اشتمل على أنواع الصبر الثلاث، كان أجره بغير حساب، قال الله تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر/ ١٠] ٣- أن للصائم فرحتين، الفرحة الأولى عند فطره، إذا أفطر فرح بفطره، فرح بفطره من وجهين: الوجه الأول: أنه أدى فريضة من فرائض الله، وأنعم الله بها عليه، وكم من إنسان في المقابر يتمنى أن يصوم يوما واحدا فلا يكون له! وهذا قد منّ الله عليه بالصوم فصام، فهذه نعمة، فكم من إنسان شرع في الصوم ولم يتمه! فإذا أفطر فرح، لأنه أدى فريضة من فرائض الله، ويفرح أيضا فرحا اخر، وهو أن الله أحل له ما يوافق طبيعته من

стр. 96

الماكل والمشارب والمناكح، بعد أن كان ممنوعا منها، فهاتان فرحتان في الفطر: الأولى: أن الله منّ عليه بإتمام هذه الفريضة. الثانية: أن الله منّ عليه بما أحل له من محبوباته من طعام وشراب ونكاح. ٤- الإشارة إلى الحكمة من فرض الصوم، حيث قال ﷺ : «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب» يعني: لا يقول قولا يأثم به ولا يصخب فيتكلم بكلام صخب، بل يكون وقورا مطمئنا متأنيا، فإن سابه أحد أو شاتمه فلا يرفع صوته عليه، بل يقول: إني صائم، يقول ذلك، لئلا يتعالى عليه الذي سابّه، كأنه يقول: أنا لست عاجزا عن أن أقابلك بما سببتني ولكني صائم، يمنعني صومي من الرد عليك، وعلى هذا فيقوله جهرا. كذلك أيضا إذا قال: (إني صائم) يردع نفسه عن مقابلة هذا الذي سابّه كأنه يقول لنفسه: (إني صائم، فلا تردّي على هذا الذي سبّ) وهذا أيضا معنى جليل عظيم. «١»

стр. 97

* بحث ماتع في خلوف فم الصائم وقع بين أهل العلم خلاف وتنازع في قوله ﷺ : «ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك» ولذا أقسم النبي ﷺ على ذلك فقال: «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» . وقع الخلاف هل هو في الدنيا أو في الاخرة؟ وقد فصل المسألة تفصيلا عجيبا العلامة ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه المستطاب: " الوابل الصيب" وانفصل إلى كلمة سواء بين الفريقين فقال ﵀: وفصل النزاع في المسألة أن يقال: حيث أخبر النبي ﷺ بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة، فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال وموجباتها من الخير والشر، فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر، وتبدو على الوجوه، وتصير علانية، ويظهر فيه قبح رائحة الكفار، وسود وجوههم. وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف وحين يمسون، فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، ويكون حينئذ طيبها على ريح المسك عند الله-

стр. 98

تعالى- وعند ملائكته، وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد، فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى وبالعكس، فإن الناس يكرهونه، لمنافرته طباعهم، والله تعالى يستطيبه ويحبه، لموافقته أمره ورضاه ومحبته فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا، فإذا كان يوم القيامة، ظهر هذا الطيب للعباد، وصار علانية. وهكذا سائر الأعمال من الخير والشر، وإنما يكمل ظهورها علانية في الاخرة وقد يقوى العمل ويتزايد، حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر، كما هو مشاهد بالبصر والبصيرة. قال ابن عباس: إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورا في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق. وقال عثمان بن عفان: ما عمل رجل عملا إلا ألبسه الله تعالى رداءه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

стр. 99

وهذا أمر معلوم، يشترك فيه وفي العلم به أصحاب البصائر وغيرهم حتى إن الرجل الطيب البر لتشم منه رائحة طيبة، وإن لم يمس طيبا، فيظهر طيب رائحة روحه على بدنه وثيابه، والفاجر بالعكس، والمزكوم الذي أصابه الهواء لا يشم لا هذا ولا هذا، بل زكامه يحمله على الإنكار. فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، والله أعلم بالصواب. اهـ إنها لتعدل ثلث القران قال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ قال الجزائري حفظه الله: قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الايات الأربع المباركات نزلت جوابا لمن قالوا للرسول ﷺ من المشركين انسب لنا ربك أو صفه لنا فقال تعالى لرسوله محمد ﷺ قل أي لمن سألوك ذلك هو الله أحد، الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أي: ربي هو الإله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة إلا له.

стр. 100

أحد في ذاته وصفاته وأفعاله فليس له نظير، ولا مثيل في ذلك، إذ هو خالق الكل ومالك الجميع فلن تكون المحدثات المخلوقات كخالقها ومحدثها الله، أي المعبود الذي لا معبود بحق إلا هو، الصمد أي: السيد المقصود في قضاء الحوائج الذي استغنى عن كل خلقه، وافتقر الكل إليه لم يلد أي: لم يكن له ولد لانتفاء من يجانسه، إذ الولد يجانس والده، والمجانسة منفية عنه تعالى، إذ ليس كمثله شيء ولم يولد لانتفاء الحدوث عنه تعالى. ولم يكن لّه كفوا أحد أي: ولم يكن أحد كفوا له ولا مثيلا ولا نظيرا ولا شبيها إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فلذا هو يعرف بالأحدية والصمدية فالأحدية هو أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لم يكن له كفو ولا شبيه ولا نظير، والصمدية هي أنه المستغني عن كل ما سواه والمفتقر إليه في وجوده وبقائه كل ما عداه كما يعرف بأسمائه وصفاته وآياته. اهـ هذه السورة العظيمة أقسم النبي ﷺ أنها تعدل ثلث القران كما في هذا الموقف.

стр. 101

عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في: قل هو الله أحد «والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القران» . وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القران في ليلة؟» فشقّ ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق يا رسول الله؟ فقال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ ثلث القران» . وعنه: أن رجلا سمع رجلا يقرأ: قل هو الله أحد يرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، وكان الرجل يتقالّها، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القران» «١» القران الكريم كما هو معلوم مائة وأربع عشرة سورة وقد تضمنت الأجزاء الثلاثة الأخيرة من القران نصف هذا العدد أي سبعا وخمسين سورة من سورة المجادلة إلى سورة الناس وهذه السور القصار نسبيا معظمها من السور المكية، فقرابة أربعة أخماسها نزلت في

стр. 102

أول عهد النبوة، ومعنى هذا أن هذه السور على قصرها تضمنت أساس العقيدة الإسلامية. ولهذا فإن من حفظ العشر الأخير من القران فقد أوتي خيرا كثيرا، لأن هذا العشر المبارك يحتوي كما أسلفنا على سبع وخمسين سورة من كتاب الله لكل واحدة منها فضلها وبركتها وإعجازها وبلاغتها. إن سورة الإخلاص مثلا خمس عشرة كلمة، وهي على قصرها تعدل ثلث القران وإذا فما يكون للمسلم أن يتقالّ السور القصيرة، لأنها ذات شأن خطير وحسبك أنها أرست أساس الإسلام، فلقد مكث الوحي أكثر من خمس سنوات وهو لا ينزل إلا بسورة قصيرة، وفي هذا حكمة بالغة من الله- ﷻ إذ لو بدأ بإنزال السور الطوال لشق ذلك على الناس وهم إذ ذاك في العقيدة لطلاب الصف الأول الابتدائي. «١»

стр. 103

* ما يستفاد من الحديث: ١- قوله: «والذي نفسي بيده» كان ﷺ كثيرا ما يحلف بهذه الصيغة، وقد روى الطبراني وابن ماجه عن رفاعة بن عرابة: «كان النبي ﷺ إذا حلف قال والذي نفسي بيده» . فقوله ﷺ : «والذي نفسي بيده» أي روحي، وحياتي وموتي، يتصرف فيّ كيف يشاء. ٢- وقوله ﷺ : «إنها لتعدل ثلث القران» القران أنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منه الأحكام وبيان الحلال من الحرام. وثلث منه الوعد والوعيد والجزاء، وما وقع بمن كذب الله ورسله، وما سيقع بهم في الاخرة، وكذا من أطاعه. وثلث منه في أسماء الله تعالى وصفاته، وهذه السورة خالصة في الأسماء والصفات قاله أبو العباس ابن سريج، وغيره من السلف. ٣- وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على تفاضل كلام الله تعالى وصفاته، وهو المأثور عن السلف، وعليه أئمة الفقهاء وغيرهم، ونصوص الكتاب والسنة تؤيد ذلك.

стр. 104

قال الله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة/ ١٠٦] فأخبر تعالى أنه يأتي بخير منها أو مثلها، فدل على أن الايات تتماثل مرة وتتفاضل أخرى. وأما الأحاديث فكثيرة، من جملتها هذا الحديث، ومن تأمل كلام السلف ومن سار على نهجهم علم أن هذا من الأمور المستقرّة في نفوسهم. «١» ٤- وقوله ﷺ : «إنها لتعدل ثلث القران» يعني: أجرها كأجر ثلث القران لكنها لا تجزئ عن القران. ولهذا لو قرأها الإنسان مثلا ثلاث مرات بدل قراءة الفاتحة في الصلاة لا تجزئ، لأن هناك فرقا بين المعادلة في الأجر والمعادلة في الإجزاء. قد يكون الشيء معاد لغيره في الأجر ولكنه لا يعادله في إجزائه. أرأيتم مثلا إذا قال الإنسان: (لا إله إلا الله واحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل، يعني يعادل عتق أربعة رقاب، لكن لو كان عليه عتق رقبة، وقال ذلك ما نفعه ذلك.

стр. 105

فهناك فرق بين المعادلة في الثواب والمعادلة في الإجزاء، فهي تعدل ثلث القران في الثواب ولكنها لا تعدل في الإجزاء، ولهذا لو قرأها الإنسان ثلاث مرات في الصلاة لم تجزئه عن الفاتحة، والله الموفق. «١» ٥- هداية الكثيرين من علماء الأديان. هذه السورة المكونة من أربع ايات قصار كانت سببا في هداية الكثيرين من علماء الأديان، كثيرون أولئك الذين كانوا ينشدون صفاء التوحيد لم يجدوه في عقيدة النصارى حيث يختلط عندهم الأب والابن وروح القدس، ولا وجدوه عند اليهود حيث العزير ابن الله، وحيث هم جميعا أبناء الله، فلما قرؤوا: قل هو الله أحد" إذا هم بإزاء توحيد خالص لا يشوبه شرك. فالإله الذي يدعو محمدا إلى توحيده هو الواحد المتفرد بصفات العظمة والكبرياء والجلال، وكل من سواه عبد الله مخلوق بيديه. «٢» ٦- جواز استخدام اللفظ في غير ما يتبادر للفهم، لأن المتبادر من إطلاق ثلث القران أن المراد ثلث حجمه المكتوب، وقد ظهر للصحابة ﵃ أن ذلك غير مراد. «٣»

стр. 106

لو لم تذنبوا قال تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر/ ٥٣] قال العلامة السعدي ﵀: لا تقنطوا من رّحمة الله" أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا، وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها، ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك والقتل والزنا والربا والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. إنّه هو الغفور الرّحيم أي: وصفة المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل اثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسبح يداه من الخيرات اناء الليل والنهار،

стр. 107

ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنح، والرحمة سبقت الغضب وغلبته. ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجلّ، والطريق الأعظم. اهـ لأن الله تعالى يحب المغفرة، والرحمة، ولا يريد أن يعذب عباده، فهو لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، وتأمل الحديث الاتي حتى تتضح لك عظمة رحمته ومغفرته تعالى. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم» «١» القران مليء بالايات التي تحث على التعرض لرحمة الله تعالى، فعسى أن يرحم الله من يأخذ بأسباب النجاة.

стр. 108

والقران كذلك مليء بالايات التي تصف رحمة الله الواسعة بعباده ومنها قوله تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [الحجر/ ٤٩، ٥٠] . قال السعدي ﵀: نبّئ عبادى أي أخبرهم خبرا جازما مؤيدا بالأدلة أنّى أنا الغفور الرّحيم فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته ومغفرته، سعوا في الأسباب الموصلة إلى رحمته، وأقلعوا عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته. ومع هذا فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإدلال فنبئهم وأنّ عذابى هو العذاب الأليم أي: لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله، الذي لا يقادر قدره، ولا يبلغ كنهه، نعوذ به من عذابه، فإنهم إذا عرفوا أنه ... لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ [الفجر/ الاية ٢٥] حذروا، وأبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب.

стр. 109

فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائما بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها. اهـ * ما يستفاد من الحديث: الرسول ﷺ يقسم على أمر عظيم: ١- الذنوب والمعاصي شأنها خطير، فهي التي تكردس العبد في نار جهنم، وإذا تمادى العبد في المعصية ربما ختم له بما كان يألفه من المعاصي، ولكن مع ذلك على العبد المسلم أن لا ييأس من رحمة الله، ويعزف عن التوبة والاستغفار بحجة أن الذنوب صارت كثيرة وهي كفيلة بأن تطرده من رحمة الله تعالى. وهنا يأتي قسمه ﷺ على نسف هذه الأوهام، فيؤكد بحلفه أن المرء مهما قوي إيمانه فلابد له من التقصير في بعض الجوانب، بل وارتكاب بعض المعاصي، ولو لم تكن هذه الحقيقة كائنة لذهب الله بنا، ولجاء بقوم يذنبون، حتى يستغفروا ويبكوا على ما قدمت

стр. 110

أيديهم، وما فرطوا بجنب الله، فيتوبون، ويستغفرون ربهم بكرة وعشيا. فعلى المرء ألاييأس ولا يحزن فيقنط من رحمة الله. ٢- كل ابن ادم خطّاء: نعم كل ابن ادم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون، فعلى العبد أن يكثر من التوبة، ويجددها صباحا ومساء، ويعتبر بحال من مضى من هؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والمعاصي فلما تابوا تاب الله عليه. إن الله تعالى يقبل التوبة من جميع الذنوب والمعاصي بلا استثناء، فلا تستعظم ذنبا بجوار رحمة الله. واعلم عبد الله، أن الله يحب التوابين، ويحب المستغفرين، ويحب المتطهرين، فأكثر من التوبة والاستغفار تطهر من الذنوب والمعاصي بإذن العزيز الرحيم الغفار. ٣- ليس في الحديث تحريض على فعل المعصية أو التهوين والتقليل من شأنها ولكن فيه تبشير بالمغفرة وإزالة لشدة الخوف واليأس من النفوس فلقد كان من أصحاب رسول
следующие страницы →