← Сира

Сира · id 23685

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

القسطلاني

Полный текст (2 019 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

شىء مع خلوه من محبته. قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يومئ قول عمر فى الحديث الذى رواه البخارى فى «الأيمان والنذور» من حديث عبد الله بن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبى- ﷺ : لأنت يا رسول الله أحب إلى من كل شىء إلا نفسى التى بين جنبى، فقال النبى- ﷺ : «لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» فقال عمر: والذى أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلى من نفسى التى بين جنبى، فقال له النبى- ﷺ : «الآن يا عمر» » . فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظيمة فقط. فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا. وفى رواية فقال- ﷺ : «لا والذى نفسى بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك» قال بعض الزهاد: تقدير الكلام، لا تصدق فى حبى حتى تؤثر رضاى على هواك وإن كان فيه الهلاك. وأما وقوف عمر فى أول أمره، واستثناؤه نفسه، فلأن حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد- ﷺ منه حب الاختيار، إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. وعلى هذا فجواب عمر أولا كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبى- ﷺ أحب إليه من نفسه لكونه السبب فى نجاتها من الهلكات فى الدنيا والآخرة، فأخبره بما اقتضاه الاختيار، فذلك حصل الجواب بقوله (الآن يا عمر) أى الآن عرفت فنطقت بما يجب. وإذا كان هذا شأن نبينا محمد- ﷺ عبد الله ورسوله فى محبتنا له ووجوب تقديمها على محبة أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، فما الظن بمحبة الله تعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه، ومحبة الله تعالى تختص عن محبة غيره فى قدرها وصفتها، وإفراده بها، فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه

стр. 1227

وبصره ونفسه التى بين جنبيه، فيكون إلهه الحق، ومعبوده أحب إليه من ذلك كله. والشىء قد يحب من وجه دون وجه، وقد يحب لغيره وليس شىء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الألوهية إلا له تعالى. والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع. ومن علامات الحب المذكور لرسول الله- ﷺ أن يعرض الإنسان على نفسه أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه وفقد رؤية النبى- ﷺ أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أشد عليه من فقد شىء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية المذكورة لرسول الله- ﷺ ، ومن لا فلا. قال القرطبى: كل من آمن بالنبى- ﷺ إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شىء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من يأخذ بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقا فى الشهوات محجوبا فى الغفلات فى أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبى- ﷺ اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده ويبذل نفسه فى الأمور الخطيرة ويجد رجحان ذلك من نفسه وجدانا لا تردد فيه. وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقر فى قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال لتوالى الغفلات، انتهى. فكل مسلم فى قلبه محبة الله ورسوله، لا يدخل فى الإسلام إلا بها، والناس متفاوتون فى محبته- ﷺ بحسب استحضار ما وصل إليهم من جهته- ﵊ من النفع الشامل لخير الدارين والغافلة عن ذلك. ولا شك أن حظ الصحابة- رضى الله عنهم- فى هذا المعين أتم، لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم. وقد روى ابن إسحاق- كما حكاه فى الشفاء- أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله- ﷺ فقالت: ما فعل رسول

стр. 1228

الله- ﷺ ؟ قالوا: خيرا، هو بحمد الله كما تحبين، فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل تعنى: صغيرة. ورواه البيهقى فى الدلائل، وذكره صاحب اللباب بلفظ: لما قيل يوم أحد قتل محمد- ﷺ وكثرت الصوارخ بالمدينة، خرجت امرأة من الأنصار، فاستقبلت بأخيها وابنها وزوجها وأبيها قتلى، لا تدرى بأيهم استقبلت، فكلما مرت بواحد منهم صريعا قالت: من هذا؟ قالوا: أخوك وأبوك وزوجك وابنك قالت: فما فعل النبى- ﷺ ؟ فيقولون: أمامك، حتى ذهبت إلى رسول الله- ﷺ فأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لا أبالى إذا سلمت من عطب. وكذا رواه ابن أبى الدنيا بنحوه مختصرا. وقال عمرو بن العاص ما كان أحد أحب إلى من رسول الله- ﷺ . وقال على بن أبى طالب: كان رسول الله- ﷺ أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ. ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة- بفتح الدال المهملة وكسر المثلاثة وتشديد النون- من الحرم ليقتلوه قال له أبو سفيان بن حرب: أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك فى أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة وأنى جالس فى أهلى. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدا من الناس يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا. وروى- مما ذكره القاضى عياض- أن رجلا أتى النبى- ﷺ فقال: يا رسول الله لأنت أحب إلى من أهلى ومالى، وإنى لأذكرك فما أصبر حتى أجىء فأنظر إليك، وإنى ذكرت موتى وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأنى إن دخلتها لا أراك، فأنزل الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً «١» فدعا به فقرأها عليه.

стр. 1229

قال: وفى حديث آخر: كان رجل عند النبى- ﷺ ينظر إليه لا يطرف، فقال: «ما بالك؟» فقال: بأبى أنت وأمى، أتمتع بالنظر إليك، فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله، فأنزل الله الآية. وذكره البغوى فى تفسيره بلفظ: نزلت- أى الآية- فى ثوبان مولى رسول الله- ﷺ ، وكان شديد الحب لرسول الله- ﷺ قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم قد تغير لونه يعرف الحزن فى وجهه، فقال رسول الله- ﷺ : «ما غير لونك؟» فقال: يا رسول الله، ما بى مرض ولا وجع غير أنى إن لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أن لا أراك، لأنك ترفع مع النبيين، وأنى إن دخلت الجنة كنت فى منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية وكذا ذكره الواحدى فى «أسباب النزول» ، وعزاه للكلبى عن ثوبان. وقال قتادة: قال بعض أصحاب النبى- ﷺ : كيف يكون الحال فى الجنة وأنت فى الدرجات العلى ونحن أسفل منك فكيف نراك؟ فأنزل الله الآية. وذكره ابن ظفر فى «ينبوع الحياة» «١» بلفظ: إن عامر الشعبى قال: إن رجلا من الأنصار أتى النبى- ﷺ فقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلى من نفسى ومالى وولدى وأهلى، ولولا أن آتيك فأراك لرأيت أن أموت أو قال أن سوف أموت، وبكى الأنصارى، فقال له رسول الله- ﷺ : «ما أبكاك؟» قال: بكيت أن ذكرت أنك ستموت ونموت، فترفع مع النبيين، ونكون نحن إن دخلنا الجنة دونك، فلم يحر النبى- ﷺ إليه، بمعنى أى: لم يرجع إليه بقول، فأنزل الله الآية. قال: وذكر مقاتل بن سليمان مثل هذا، وقال: هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصارى الذى رأى الأذان. وذكر أيضا: أن عبد الله بن زيد هذا كان يعمل فى جنة له فأتاه ابنه فأخبره أن النبى- ﷺ قد توفى فقال: اللهم أذهب بصرى حتى لا أرى بعد حبيبى محمد أحدا، فكف بصره.

стр. 1230

واعلم أنه لا يمكن أن يجتمع فى القلب حبان، فإن المحبة الصادقة تقتضى توحيد المحبوب، فليختر المرء لنفسه إحدى المحبتين فإنهما لا يجتمعان فى القلب، والإنسان عند محبوبه كائنا ما كان كما قيل: أنت القتيل بأى من أحببته ... فاختر لنفسك فى الهوى من تصطفى ولبعض الحكماء: كما أن الغمد لا يتسع لعضبين فكذلك القلب لا يتسع لحبين، ولذلك لازم إقبالك على من تهواه إعراضك عن كل شىء سواه فمن داهن فى المحبة أو داجى، فقد عرض لمدى الغيرة أوداجا، فمحبة الرسول- ﷺ بل تقديمه فى الحب على الأنفس والآباء والأبناء- لا يتم الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة الله. وقد حكى عن أبى سعيد الخراز- مما ذكره القشيرى فى رسالته- أنه قال: رأيت النبى- ﷺ فى المنام، فقلت: يا رسول الله اعذرنى فإن محبة الله شغلتنى عن محبتك، فقال لى: «يا مبارك من أحب الله فقد أحبنى» . وقيل إن ذلك وقع لامرأة من الأنصار معه- ﷺ يقظة، ولابن أبى المجد. ألا يا محب المصطفى زد صبابة ... وضمخ لسان الذكر منك بطيبه ولا تعبأن بالمبطلين فإنما ... علامة حب الله حب حبيبه وكذلك كل حب فى الله ولله، كما فى الصحيحين، عن أنس أن رسول الله- ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار» «١» ، فعلق ذوق الإيمان بالرضى بالله ربّا، وعلق وجدان حلاوته بما هو موقوف عليه ولا يتم إلا به، وهو كونه سبحانه أحب الأشياء إلى العبد هو ورسوله، فمن رضى الله ربّا رضيه الله له عبدا.

стр. 1231

ومعنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات فى الدين، ويؤثر ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد لله تعالى تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول، قال النووى: وقال غيره: معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق الله ورسوله أكد عليه من حق والده وولده وجميع الناس، لأن الهدى من الضلال، والخلاص من النار، إنما كان على لسان رسوله. وفى قوله- ﷺ : «حلاوة الإيمان» استعارة تخييلية، فإنه شبه رغبة المؤمن فى الإيمان بشىء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشىء وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح، لأن المريض الصفراوى يجد طعم العسل مرّا، والصحيح يذوق حلاوته على ما هى، وكلما نقصت القوة شيئا ما، نقص ذوقه بقدر ذلك. وقال العارف ابن أبى حمزة: واختلف فى الحلاوة المذكورة هل هى محسوسة أو معنوية، فحملها قوم على المعنى وهم الفقهاء، وحملها قوم على المحسوس وأبقوا اللفظ على ظاهره من غير أن يتأولوه وهم أهل الصفة، أو قال الصوفة. قال: والصواب معهم فى ذلك والله أعلم، لأن ما ذهبوا إليه أبقوا لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل. قال: ويشهد إلى ما ذهبوا إليه أحوال الصحابة والسلف الصالح وأهل المعاملات، فإنه حكى عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة. فمن ذلك: حديث بلال حين صنع به ما صنع فى الرمضاء إكراها على الكفر، وهو يقول أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان. وكذلك أيضا عند موته، أهله يقولون: واكرباه، وهو يقول: واطرباه، غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وهى حلاوة الإيمان. ومنها حديث الصحابى الذى سرق فرسه بليل وهو فى الصلاة، فرأى السارق حين أخذه فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له فى ذلك فقال: ما كنت فيه ألذ من ذلك، وليس ذاك إلا لحلاوة الإيمان التى وجدها محسوسة فى وقته ذلك.

стр. 1232

ومنها حديث الصحابيين اللذين جعلهما- ﷺ فى بعض مغازيه من قبل العدو، وقد أقبل فرآهما، فكبل الجاسوس القوس ورمى الصحابى فأصابه، فبقى على صلاته ولم يقطعها، ثم رماه ثانية فأصابه فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثة فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه وقال: لولا أنى خفت على المسلمين ما قطعت صلاتى «١» . وليس ذاك إلا لشدة ما وجد فيها من الحلاوة التى أذهبت عنه ما يجد من ألم السلاح. قال: ومثل هذا حكى عن كثير من أهل المعاملات. انتهى. وحديث هذين الصحابيين ذكره البخارى فى صحيحه فى باب «من لم ير الوضوء إلا من المخرجين» بلفظ: ويذكر عن جابر أن النبى- ﷺ كان فى غزوة «ذات الرقاع» فرمى رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى فى صلاته. وقد وصله ابن إسحاق فى المغازى فقال: حدثنى صدقة بن يسار عن عقيل عن جابر عن أبيه مطولا، وأخرجه أحمد وأبو داود والدار قطنى وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، كلهم من طريق ابن إسحاق. قال فى فتح البارى، وشيخه «صدقة» ثقة، وعقيل- بفتح العين- لا أعرف راويا عنه غير صدقة. ولهذا لم يجزم به البخارى، أو لكونه اختصره، أو للخلاف فى ابن إسحاق. وأخرجه البيهقى فى الدلائل من وجه آخر، وسمى أحدهما: عباد بن بشر الأنصارى، وعمار بن ياسر من المهاجرين، والسورة الكهف. وإنما قال: (مما سواهما) ولم يقل «ممن» ليعم من يعقل ومن لا يعقل وفى قوله: (وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذى خطب فقال: «ومن يعصهما» «بئس

стр. 1233

الخطيب أنت» «١» فليس بمن هذا، لأن المراد فى الخطب الإيضاح، وأما هاهنا فالمراد الإيجاز فى اللفظ ليحفظ، ويدل عليه أن النبى- ﷺ قال فى موضع آخر: «ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه» «٢» . وقيل: إنه من قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٣» فأعاد (أطيعوا) الصوم، فى مقصد عباداته- ﵊. ومن محاسن الأجوبة فى الجمع بين هذا الحديث وقصة الخطيب، أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم يرتبط بالآخرى، فمن يدعى حب الله مثلا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «٤» فأوقع متابعته مكتنفة بين قطرى محبة العباد لله، ومحبة الله للعباد. وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف فى تقدير التكوير، والأصل استقلال كل واحد من المعطوفين فى الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٥» فأعاد (أطيعوا) فى الرسول ولم يعده فى أولى الأمر، لأنهم لا استقلال لهم فى الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصا من كلام البيضاوى والطيبى، كما فى فتح البارى. وفى الصحيح: «ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربّا وبالإسلام دينا،

стр. 1234

وبمحمد رسولا» «١» . قال فى المدارج: فأخبر أن للإيمان طعما، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب. وقد عبر النبى- ﷺ عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان وحصوله للقلب ومباشرته له بالذوق تارة وبالطعام والشراب أخرى، وبوجدان الحلاوة تارة، كما قال «ذاق» . وقال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان» «٢» ، ولما نهاهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل فقال: «إنى لست كهيئتكم، إنى أطعم وأسقى» «٣» وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسى للفم، وسيأتى تحقيق الكلام- إن شاء الله تعالى- فى الصوم، فى مقصد عباداته- ﵊. والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه كذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى اللذة، كما قال- ﷺ : «حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك» «٤» . وللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد، ولا تزول الشبه والشكوك إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحالة، فيباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه ويجد حلاوته. وقال العارف الكبير تاج الدين بن عطاء الله: يعنى فى هذا الحديث إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغافلة والهوى تتنعم بملذوذات المعانى كما تتنعم النفوس بملذوذات الأطعمة، وإنما ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربّا لأنه لما رضى بالله ربّا استسلم له وانقاد لحكمه، وألقى قياده إليه،

стр. 1235

فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض، ولما رضى بالله ربّا كان له الرضى من الله، وإذا كان له الرضى من الله أوجده الله حلاوة ذلك ليعلم ما منّ به عليه، وليعرف إحسانه عليه، ولما سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد الله وأنواره عوفى قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته لصحة إدراكه وسلامة ذوقه. وقوله- ﷺ : «وبالإسلام دينا» لأنه إذا رضى بالإسلام دينا فقد رضى به المولى، ولازم من رضى بمحمد نبيّا أن يكون له وليّا، وأن يتأدب بادابه ويتخلق بأخلاقه زهدا فى الدنيا وخروجا عنها، وصفحا عن الجناة وعفوا عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقيق المتابعة قولا وفعلا، وأخذا وتركا، وحبّا وبغضا، فمن رضى بالله استسلم له، ومن رضى بالإسلام عمل له، ومن رضى بمحمد- ﷺ تابعه، ولا يكون واحد منها إلا بكلها، إذ محال أن يرضى بالله ربّا ولا يرضى بالإسلام دينا، أو يرضى بالإسلام دينا ولا يرضى بمحمد نبيّا، وتلازم ذلك بين لا خفاء فيه. انتهى ملخصا. [أقسام محبة الله ﵎] واعلم أن محبة الله على قسمين: فرض وندب. فالفرض: المحبة التى تبعث على امتثال الأوامر والانتهاء عن المعاصى ، والرضى بما يقدره، فمن وقع فى معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره فى محبة الله حيث قدم هوى نفسه، والتقصير يكون مع الاسترسال فى المباحات والاستكثار منها فيورث الغافلة المقتضية للتوسع فى الرجاء فيقدم على المعصية، أو تستمر الغافلة فيقع وهذا الثانى يسرع إلى الإقلاع مع الندم. والندب: أن يواظب على النوافل ويجتنب الوقوع فى الشبهات ، والمتصف بذلك فى عموم الأوقات والأحوال نادر. وفى البخارى من حديث أبى هريرة عن النبى- ﷺ فيما يرويه عن ربه تعالى أنه قال: «ما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضته عليه- وفى رواية: بشىء أحب إلى من أداء ما افترضته عليه- ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى

стр. 1236

يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها، فبى يسمع، وبى يبصر، وبى يبطش، وبى يمشى، ولئن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذنى لأعيذنه، وما ترددت فى شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته» «١» . ويستفاد من قوله: (وما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلى..) أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله تعالى. [إشكال] وعلى هذا فقد استشكل كون النوافل تنتج المحبة ولا تنتجها الفرائض؟. وأجيب: بأن المراد من النوافل إذا كانت مع الفرائض، مشتملة عليها ومكملة لها، ويؤيده: أن فى رواية أبى أمامة «ابن آدم، إنك لا تدرك ما عندى إلا بأداء ما افترضته عليك» ، أو يجاب: بأن الإتيان بالنوافل لمحض المحبة لا لخوف العقاب على الترك، بخلاف الفرائض، وقال الفاكهانى: معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض، وداوم على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى ذلك إلى محبة الله تعالى. [إشكال] وقد استشكل أيضا: كيف يكون البارى جل وعلا «سمع العبد وبصره» إلخ. وأجيب بأجوبة: منها: أنه ورد على سبيل التمثيل ، والمعنى: كنت كسمعه وبصره فى إيثاره أمرى، فهو يحب طاعتى ويؤثر خدمتى كما يحب هذه الجوارح. ومنها: أن المعنى أن كليته مشغولة بى ، فلا يصغى بسمعه إلا إلى ما يرضينى، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به. ومنها: أن المعنى، كنت له فى النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله فى المعاونة على عدوه. ومنها: أنه على حذف مضاف ، أى: كنت حافظ سمعه الذى يسمع به، فلا يسمع إلا ما يحل سماعه، وحافظ بصره كذلك إلخ. قال الفاكهانى.

стр. 1237

قال: ويحتمل معنى آخر أدق من الذى قبله: وهو: أن يكون بمعنى مسموعه، لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل: فلان أملى، بمعنى: مأمولى، والمعنى: أنه لا يسمع إلا ذكرى ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابى ولا يأنس إلا بمناجاتى، ولا ينظر إلا فى عجائب ملكوتى، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاى، ورجله كذلك. وقال غيره: اتفق العلماء- ممن يعتد بقولهم- على أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته، حتى كأنه سبحانه تنزل عنده منزلة الآلات التى يستعين بها، ولهذا وقع فى رواية: «فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى» . قال: والاتحادية زعموا أنه على حقيقته، وأن الحق عين العبد، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا. وقال الخطابى: عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء، والنجح فى الطلب، وذلك أن مساعى الإنسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة. وعن أبى عثمان الجيزى- أحد أئمة الطريق- قال: معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه فى الإسماع وعينه فى النظر، ويده فى اللمس ورجله فى المشى. كذا أسنده عنه البيهقى فى «الزهد» «١» . وحمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه، من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتى يصفى من الكدورات، أنه يصير فى معنى الحق، تعالى الله عن ذلك، وأنه يفنى عن نفسه جملة، حتى يشهد أن الله هو الذاكر لنفسه، والموحد لنفسه، والمحب لنفسه، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدما صرفا. وعلى هذه الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة، لقوله فى بقية الحديث (ولئن سألنى) ، زاد فى رواية عبد الواحد (عبدى) . انتهى ملخصا. قال العلامة ابن القيم: بتضمن هذا الحديث الشريف الإلهى- الذى حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به- حصر أسباب

стр. 1238

محبته فى أمرين، أداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل، وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله، فإذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه لله فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملك عليه روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه ألبتة، فصار ذكر محبوبه وحبه مثله الأعلى مالكا لزمام قلبه، مستوليا على روحه استيلاء المحبوب على محبه الصادق فى محبته التى قد اجتمعت قوى محبه كلها له، ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه وإن أبصر أبصر به، وإن مشى مشى به، فهو فى قلبه ونفسه، وأنيسه وصاحبه. والباء- هنا- باء المصاحبة، وهى مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية «١» لا علمية محضة. قال: ولما حصلت الموافقة من العبد لربه فى محابه، حصلت موافقة الرب لعبده فى حوائجه ومطالبه فقال: «ولئن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذنى لأعيذنه» أى كما وافقنى فى مرادى بامتثال أوامرى، والتقرب إلى بمحابى، فأنا أوافقه فى رغبته ورهبته فيما يسألنى أن أفعله به، وفيما يستعذ بى أن يناله. وقوى أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه فى إماتة عبده لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكره عبده، ويكره مساءته فمن هذه الجهة يقتضى أن لا يميته ولكن مصلحته فى إماتته، فإنه ما أماته إلا ليحييه، ولا أمرضه إلا ليصحه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة فى صلب أبيه آدم إلا ليعاد إليها على أحسن أحواله، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه، انتهى. وقال الخطابى: التردد فى حق الله غير جائز، والبداء عليه فى الأمور غير سائغ، ولكن له تأويلان: أحدهما: أن العبد قد يشرف على الهلاك فى أيام عمره من داء يصيبه، أو فاقة تنزل به، فيدعو الله فيشفيه منها، ويدفع عنه مكروهها، فيكون ذلك

стр. 1239

من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه، ولابد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، لأن الله تعالى قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بالبقاء لنفسه. والثانى: أن يكون معناه: ما رددت رسلى فى شىء أنا فاعله كترديدى إياهم فى قبض نفس عبدى المؤمن، كما روى فى قصة موسى- ﵊، وما كان من لطمه عين ملك الموت، وتردده إليه مرة بعد أخرى «١» . قال: وحقيقة المعنى- على الوجهين- عطف الله على العبد، ولطفه به، وشفقته عليه.؟ وقال الكلاباذى ما حاصله: أنه عبر عن صفة الفعل بصفة الذات، يعنى باعتبار متعلقها، أى عن الترديد بالتردد، وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف ونصب إلى أن تنتقل محبته فى الحياة إلى محبته للموت، فيقبض على ذلك. قال: وقد يحدث الله تعالى فى قلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه والمحبة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت، فضلا عن إزالة الكراهة عنه، انتهى. وبالجملة: فلا حياة للقلب إلا بمحبة الله ومحبة رسوله، ولا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم وسكنت نفوسهم إليه واطمأنت قلوبهم به، واستأنسوا بقربه وتنعموا بمحبته، ففى القلب طاقة لا يسدها إلا محبة الله ورسوله ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات. قال صاحب المدارج: ولن يصل العبد إلى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية حتى يعرف الله ويهتدى إليه بطرق توصله إليه، ويحرق ظلمات الطبع بأشعة البصيرة، فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة، فينجذب إليها بكليته،

стр. 1240

ويزهد فى التعلقات الفانية، ويدأب فى تصحيح التوبة، والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة، ثم يقوم حارسا على قلبه فلا يسامحه بخطرة يكرهها الله تعالى، ولا بخطرة فضول لا تنفعه، فيصفو لذلك قلبه بذكر ربه ومحبته والإنابة إليه، ويخرج من بين بيوت طبعه ونفسه، إلى فضاء الخلوة بربه وذكره، كما قال: وأخرج من بين البيوت لعلنى ... أحدث عنك النفس فى السر خاليا فحينئذ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه، فإذا صدق فى ذلك رزق محبة الرسول، واستولت روحانيته على قلبه، فجعله إمامه وأستاذه ومعلمه وشيخه وقدوته، كما جعله الله نبيه ورسوله وهاديه، فيطالع سيرته ومبادى أموره، وكيفية نزول الوحى عليه، ويعرف صفاته وأخلاقه وآدابه وحركاته وسكونه، ويقظته ومنامه، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، إلى غير ذلك مما منحه الله تعالى، مما ذكرت بعضه، حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه، فإذا رسخ فى قلبه ذلك فتح عليه من ربه بحيث إذا قرأ السورة شاهد قلبه ماذا أنزلت فيه، وماذا أريد بها، وحظه المختص به منها، من الصفات والأخلاق والأفعال المذمومة، فيجهد فى التخلص منها، كما يجتهد فى تحصيل الشفاء من المرض المخوف. ولمحبة الرسول- ﷺ علامات: أعظمها الاقتداء به، واستعمال سنته، وسلوك طريقته، والاهتداء بهديه وسيرته، والوقوف مع ما حدّ لنا من شريعته. قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «١» فجعل تعالى متابعة الرسول- ﷺ آية محبة العبد ربه، وجعل جزاء العبد على حسن متابعة الرسول محبة الله تعالى إياه، وقد قال الحكيم- وهو محمود الوراق- كما أفاده المحاسبى فى كتابه «القصد والرجوع» : تعصى الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمرى فى القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع

стр. 1241

وهذه المحبة تنشأ من مطالعة منة الله عليه من نعمه الظاهرة والباطنة، فبقدر مطالعة ذلك تكون قوة المحبة. ومن أعظم مطالعة منة الله على عبده منة تؤهله لمحبته ومعرفته ومتابعة حبيبه- ﷺ ، وأصل هذا نور يقذفه الله تعالى فى قلب ذلك العبد، فإذا دار ذلك النور أشرقت له ذاته، فرأى فى نفسه وما أهلت له من الكمالات والمحاسن، فعلت به همته، وقويت عزيمته، وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه، لأن النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرح أحدهما الآخر، فوقعت الروح حينئذ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول. نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل فى الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل وبحسب هذا الاتباع توجب المحبة والمحبوبية معا، ولا يتم الأمر إلا بهما، فليس الشأن أن تحب الله، بل الشأن أن يحبك الله، ولا يحبك إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرا وباطنا، وصدقته خبرا، وأطعته أمرا، وأجبته دعوة، وآثرته طوعا، وفنيت عن حكم غيره بحكمه، وعن محبة غيره من الخلق وعن طاعة غيره بطاعته، وإن لم تكن كذلك فلا تتعن، فلست على شىء. وتأمل قوله تعالى: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «١» أى الشأن فى أن الله تعالى يحبكم، لا فى أنكم تحبونه، هذا لا ينالونه إلا باتباع الحبيب. وقال المحاسبى فى كتاب «القصد والرجوع» : وعلامة محبة العبد لله اتباع مرضاة الله، والتمسك بسنن رسوله- ﷺ ، فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان، ووجد طعمه، ظهرت ثمرة ذلك على جوارحه ولسانه، فاستحلى اللسان ذكر الله تعالى وما والاه، وأسرعت الجوارح إلى طاعة الله، فحينئذ يدخل حب الإيمان فى القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده فى اليوم الشديد الحر للظمان الشديد عطشه، فيرتفع عنه تعب الطاعة لاستلذاذه بها، بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه وسرورا له، وقرة عين فى حقه ونعيما لروحه، يلتذ بها أعظم من اللذات الجسمانية، فلا يجد فى أوراد العبادة كلفة.

стр. 1242

وفى الترمذى عن أنس مرفوعا: (ومن أحيا سنتى فقد أحبنى، ومن أحبنى كان معى فى الجنة) «١» . وعن ابن عطاء: من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب فى أوامره ونواهيه، وأفعاله وأخلاقه. وقال أبو إسحاق الرقى- من أقران الجنيد-: علامة محبة الله إيثار طاعته ومتابعة نبيه- ﷺ . وعن غيره: ولا يظهر على أحد شىء من نور الإيمان إلا باتباع السنة ومجانبة البدعة. فأما من أعرض عن الكتاب والسنة، ولم يتلق العلم من مشكاة الرسول- ﷺ بدعواه علما لدنيّا أوتيه فهو من لدن النفس والشيطان، وإنما يعرف كون العلم لدنيّا روحانيّا بموافقته لما جاء به الرسول عن ربه تعالى، فالعلم اللدنى نوعان: لدنى رحمانى ولدنى شيطانى، والمحك هو الوحى، ولا وحى بعد الرسول- ﷺ . وأما قصة موسى مع الخضر فالتعلق بها فى تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدنى إلحاد وكفر، يخرج عن الإسلام، موجب لإراقة الدم، والفرق: أن موسى- ﵇ لم يكن معبوثا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته، ولو كان مأمورا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه. ولهذا قال له: أنت موسى نبى بنى إسرائيل؟ قال: نعم «٢» ، ومحمد- ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، فرسالته عامة للجن والإنس فى كل زمان، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه. فمن ادعى أنه مع محمد كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة، فليجدد إسلامه، وليتشهد بشهادة الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلا عن أن يكون من خاصة أولياء الله تعالى. وإنما هو من أولياء الشيطان وحلفائه ونوابه.

стр. 1243

والعلم اللدنى الرحمانى هو ثمرة العبودية والمتابعة لهذا النبى الكريم. - عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم-، وبه يحصل الفهم فى الكتاب والسنة بأمر يختص به صاحبه كما قال على بن أبى طالب، وقد سئل: هل خصكم رسول الله- ﷺ بشىء دون الناس؟ فقال: لا، إلا فهما يؤتيه الله عبدا فى كتابه. فهذا هو العلم اللدنى الحقيقى. فاتباع هذا النبى الكريم حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض النفوس، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل المتحيرين. ومن علامة محبته: أن يرضى مدعيها بما شرعه، حتى لا يجد فى نفسه حرجا مما قضى. قال الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً «١» ، فسلب اسم الإيمان عن من وجد فى صدره حرجا من قضائه ولم يسلم له. قال شيخ المحققين وإمام العارفين، تاج الدين بن عطاء الله الشاذلى- أذاقنا الله حلاوة مشربه-: فى هذه الآية دلالة على أن الإيمان الحقيقى لا يحصل إلا لمن حكم الله ورسوله- ﷺ على نفسه قولا وفعلا وأخذا وتركا، وحبّا وبغضا، ويشتمل ذلك على حكم التكليف وحكم التعريف، والتسليم والانقياد واجب على كل مؤمن فى كليهما. فأحكام التكليف: الأوامر والنواهى المتعلقة باكتساب العباد. وأحكام التعريف: هو ما أورده عليك من فهم المراد. فتبين من هذا: أنه لا يحصل لك حقيقة الإيمان إلا بأمرين: الامتثال لأمره، والاستسلام لقهره. ثم إنه سبحانه لم يكتف بنفى الإيمان عمن لم يحكم، أو حكم ووجد الحرج فى نفسه، حتى أقسم على ذلك بالربوبية الخاصة برسوله- ﷺ رأفة وعناية وتخصيصا ورعاية، لأنه لم يقل: فلا والرب، وإنما قال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ «٢» ففى ذلك تأكيد بالقسم، وتأكيد

стр. 1244

فى القسم، علما منه سبحانه بما النفوس منطوية عليه من حب الغلبة ووجود النصرة سواء كان الحق عليها أو لها، وفى ذلك إظهار لعنايته برسوله- ﷺ ، إذ جعل حكمه حكمه، وقضاءه قضاءه، فأوجب على العباد الاستسلام لحكمه، والانقياد لأمره، ولم يقبل منهم الإيمان بإلهية حتى يذعنوا لأحكام رسوله- ﷺ ، لأنه كما وصفه به ربه وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «١» ، فحكمه حكم الله، وقضاؤه قضاء الله، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ «٢» وأكد ذلك بقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ «٣» . وفى الآية إشارة أخرى إلى تعظيم قدره، وتفخيم أمره- ﷺ وهى قوله تعالى: وَرَبِّكَ «٤» فأضاف نفسه إليه، كما قال فى الآية الآخرى: كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا «٥» فأضاف الحق سبحانه نفسه إلى محمد، وأضاف زكريا إليه ليعلم العباد فرق ما بين المنزلتين وتفاوت ما بين الرتبتين. ثم إنه تعالى لم يكتف بالتحكيم الظاهر فيكونوا به مؤمنين، بل اشترط فقدان الحرج- وهو الضيق- من نفوسهم فى أحكامه- ﷺ ، سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفها، وإنما تضيق النفوس لفقدان الأنوار، ووجود الأغيار، فعنه يكون الحرج وهو الضيق، والمؤمنون ليسوا كذلك، إن نور الإيمان ملأ قلوبهم فاتسعت وانشرحت، فكانت واسعة بنور الواسع العليم، ممدودة بوجود فضله العظيم، مهيأة لواردات أحكامه مفوضة له فى نقضه وإبرامه. انتهى. وقال سهل بن عبد الله: من لم ير ولاية الرسول عليه فى جميع

стр. 1245

الأحوال، ويرى نفسه فى ملكه لم يذق حلاوة سنته، لأنه- ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» «١» . وروينا عن سيدنا العارف الكبير أبى عبد الله القرشى أنه قال: حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت، ولا يبقى لك منك شىء. انتهى. فمن آثر هذا النبى الكريم على نفسه، كشف الله له عن حضرة قدسه، ومن كان معه بلا اختيار ظهرت له خفايا حقائق أسرار أنسه. ومن علامات محبته- ﷺ نصر دينه بالقول والفعل، والذب عن شريعته، والتخلق بأخلاقه فى الجود والإيثار، والحلم والصبر والتواضع وغيرها، مما ذكرته فى أخلاقه العظيمة، وتقدم فى كلام العارف ابن عطاء الله مزيد لذلك قريبا. فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، ومن وجدها استلذ بالطاعات، وتحمل المشاق فى الدين، وآثر ذلك على أغراض الدنيا. لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلى حرقة الشجى، فتنوع المدعون فى الشهود، فقيل لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «٢» ، فتأخر أكثرهم وثبت أتباع الحبيب فى أفعاله وأقواله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة، بتزكية يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ «٣» . فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم، فهلموا إلى بيعة إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ» ، فلما عرفوا عظمة ذلك المشترى وفضل الثمن وجلالة من أجرى على يده عقد التبايع، عرفوا قدر السلعة، وأن لها شأنا عظيما، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان

стр. 1246

بالتراضى، من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم؛ قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا، رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معها وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ «١» . ومن علامات محبته- ﷺ التسلى عن المصائب، فإن المحب يجد فى هذه المحبة ما ينسيه المصائب، ولا يجد فى مسها ما يجد غيره، حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق، بل يقوى سلطان المحبة حتى يلتذ بكثير من المصائب أعظم من التذاذ الخلى بحظوظه وشهواته، والذوق والوجود شاهد بذلك. فكرب المحبة موجود ممزوج بالحلاوة فإن فقد تلك الحلاوة اشتاق إلى ذلك الكرب كما قيل: تشكى المحبون الصبابة ليتنى ... نحلت بما يلقون من بينهم وحدى فكانت لقلبى لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلى محب ولا بعدى ومن علامات محبته- ﷺ كثرة ذكره، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره. ولبعضهم: المحبة دوام الذكر للمحبوب، ولآخر: ذكر المحبوب على عدد الأنفاس. ولغيره: للمحب ثلاث علامات: أن يكون كلامه ذكر المحبوب، وصمته فكرا فيه، وعمله طاعة له. وقال المحاسبى: علامة المحبين كثرة الذكر للمحبوب على طريق الدوام، لا ينقطعون ولا يملون ولا يفترون، وقد أجمع الحكماء على أن من أحب شيئا أكثر من ذكره، فذكر المحبوب هو الغالب على قلوب المحبين لا يريدون به بدلا ولا يبغون عنه حولا، ولو قطعوا عن ذكر محبوبهم لفسد عيشهم، وما تلذذ المتلذذون بشىء ألذ من ذكر المحبوب. انتهى. فالمحبون قد اشتغلت قلوبهم بلزوم ذكر المحبوب عن اللذات، وانقطعت أوهامهم عن عارض دواعى الشهوات، ورقت إلى معادن الذخائر وبغية

стр. 1247

الطلبات، وربما تزايد وجد المحب، وهاج الحنين وباح الأنين، وتحركت المواجيد، وتغير اللون، واستبسلت الجوارح، وفتر البدن واقشعر الجلد، وربما صاح، وربما بكى، وربما شهق وربما وله وربما سقط، ولسيدى محمد وفا: إذا أباح دم المهجور هاجره ... باح المحب بما تخفى ضمائره أيكتم الحب صب باح مدمعه ... لما جرى بالذى تخفى سرائره كأنما قلبه أجفان مقلته ... ودمعه فى أماقيه خواطره يا جيرة الجزع هل من جيرة لفتى ... عليه فى حكمه قد جار جائره آه وكم لى على خطب الهوى خطب ... من الغرام به تعلو منابره مهفهف أبلج بدر على غصن ... تخفى البدور إذا لاحت بوادره مطرز الخد بالريحان فى ضرج ... مورد آسه تزهو أزاهره مكحل الخلق ما تحصى خصائصه ... منضر الحسن قد قلت نظائره وربما زاد الوجد على المحب فقتله. أول نقد أثمان المحبة بذل الروح، فما للمفلس الجبان وسومها؟! بدم المحب يباع وصلهم، تالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فينفقها بالنسيئة المعسرون، لقد أسيمت للعرض فى سوق من يزيد، فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمنا فدارت السلعة بينهم ووقعت فى يد أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ «١» . فذكره- ﷺ جلاء قلوبنا، وشفاء صدورنا، وحلاوة ألسنتنا فى جميع الحالات، على اختلاف الأوقات والساعات، يتشرّف بذكره فى جميع العبادات، وفى الجمع والجماعات، والخطب والصلوات، وسائر التقلبات والتصرفات، حتى فى المعاطاة والمبايعات، وعقود المصالحات، واستفتاح المعاقدات والمعاهدات، وخصوصا عند الأذكار والدعوات، فإن بها ولوجها فى أبواب الإجابات.

стр. 1248

ومن علامات محبته- ﷺ تعظيمه عند ذكره، وإظهار الخشوع والخضوع والانكسار مع سماع اسمه، فكل من أحب شيئا خضع له، كما كان كثير من الصحابة بعده إذا ذكروه خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا، وكذلك كان كثير من التابعين فمن بعدهم يفعلون ذلك محبة وشوقا وتهيبا وتوقيرا. قال أبو إبراهيم التجيبى. واجب على كل مؤمن متى ذكره، أو ذكر عنده، أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته، ويأخذ فى هيبته وإجلاله، بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا الله به. وكان أيوب السختيانى إذا ذكر النبى- ﷺ بكى حتى نرحمه. وكان جعفر بن محمد كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر النبى- ﷺ اصفر لونه. وكان عبد الرحمن بن القاسم إذا ذكر النبى- ﷺ ينظر إلى لونه كأنه قد نزف منه الدم، وقد جف لسانه فى فمه هيبة لرسول الله- ﷺ . وكان عبد الله بن الزبير إذا ذكر عنده النبى- ﷺ بكى حتى لا يبقى فى عينيه دموع. وكان الزهرى من أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبى- ﷺ فكأنك ما عرفته ولا عرفك. وكان صفوان بن سليم من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر عنده النبى- ﷺ بكى، فلا يزال يبكى حتى يقوم الناس عنه ويتركوه. وكان قتادة إذا سمع الحديث، أخذه البكاء والعويل والزويل. أشار إلى ذلك القاضى عياض. ومن علامات محبته- ﷺ كثرة الشوق إلى لقائه، إذ كل حبيب يحب لقاء حبيبه. ولبعضهم: المحبة الشوق إلى المحبوب، وعن معروف الكرخى: المحبة ارتياح الذات لمشاهدة الصفات، أو مشاهدة أسرار الصفات، فيرى بلوغ السؤل ولو بمشاهدة الرسول. ولهذا كانت الصحابة- رضى الله عنهم- إذا اشتد بهم الشوق وأزعجتهم لواعج المحبة قصدوا رسول الله- ﷺ واشتفوا بمشاهدته، وتلذذوا بالجلوس معه والنظر إليه والتبرك به- ﷺ . وعن عبدة بنت خالد بن معدان: ما كان خالد يأوى إلى فراش إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله- ﷺ وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار

стр. 1249

يسميهم ويقول: هم أصلى وفصلى، وإليهم يحن قلبى، طال شوقى إليهم، فعجل رب قبضى إليك حتى يغلبه النوم. ولما احتضر بلال نادت امرأته، وا كرباه فقال: وا طرباه، غدا ألقى الأحبة، محمدا وصحبه. إذا ذاق المحب طعم المحبة اشتاق وتأججت نيران الحب والطلب فى قلبه، ويجد الصبر عن محبوبه من أعظم كبائره كما قيل: والصبر يحمد فى المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يحمد وعن زيد بن أسلم: خرج عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- ليلة يحرس فرأى مصباحا فى بيت فإذا عجوز تنفش صوفا وتقول: على محمد صلاة الأبرار ... صلى عليه الطيبون الأخيار قد كنت قواما بكاء بالأسحار ... يا ليت شعرى والمنايا أطوار هل تجمعنى وحبيبى الدار تعنى النبى- ﷺ ، فجلس عمر يبكى، ثم قام إلى باب خيمتها فقال: السلام عليكم، ثلاث مرات فقال لها: أعيدى على قولك، فأعادته بصوت حزين، فبكى وقال لها: وعمر لا تنسينه يرحمك الله، فقالت: وعمر فاغفر له يا غفار. ويحكى أنه رؤيت امرأة مسرفة على نفسها، بعد موتها، فقيل لها: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لى، قيل: بماذا؟ قالت: بمحبتى للنبى- ﷺ وشهوتى النظر إليه، فنوديت: من اشتهى النظر إلى حبيبنا فنستحى أن نذله بعتابنا، بل نجمع بينه وبين من يحبه. ومن علامات محبته- ﷺ حب القرآن الذى أتى به، واهتدى به وتخلق به، وإذا أردت أن تعرف ما عندك وعند غيرك من محبة الله ورسوله فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهى والغناء المطرب بسماعهم، فإنه من المعلوم أن من أحب محبوبا كان كلامه وحديثه أحب شىء إليه، كما قيل:

стр. 1250

إن كنت تزعم حبى ... فلم هجرت كتابى أما تأملت ما في ... هـ من لذيذ خطابى ويروى أن عثمان بن عفان قال: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه. قال النبى- ﷺ لعبد الله بن مسعود: «اقرأ على» قال: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: «إنى أحب أن أسمعه من غيرى» . فاستفتح وقرأ سورة النساء حتى بلغ فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً «١» قال: «حسبك» ، فرفع رأسه فإذا عينا رسول الله- ﷺ تذرفان من البكاء «٢» . رواه البخارى. وهذا يجده من سمع الكتاب العزيز بأذن قلبه، قال الله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ «٣» . قال صاحب «عوارف المعارف» - أذاقنا الله حلاوة مشربه-: هذا السماع هو السماع الحق، الذى لا يختلف فيه اثنان من أهل الإيمان، محكوم لصاحبه بالهداية، وهذا سماع ترد حرارته على برد اليقين، فتفيض العين بالدمع، لأنه تارة يثير حزنا، والحزن حار، وتارة يثير شوقا، والشوق حار، وتارة يورث ندما، والندم حار، فإذا أثار السماع هذه الصفات، من صاحب قلب مملوء ببرد اليقين بكى وأبكى، لأن الحرارة والبرودة إذا اضطربتا عصرتا ماء، فإذا ألمّ السماع بالقلب تارة يخف إلمامه فيظهر أثره فى الجسد ويقشعر منه الجلد، قال الله تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ «٤» ، وتارة يعظم وقعه ويتصوب أثره- أى يقصد- نحو الدماغ فتندفق منه العين بالدمع،

стр. 1251

وتارة يتصوب أثره إلى الروح، فتموج منه الروح موجا، ويكاد يضيق عنه نطاق القالب، فيكون من ذلك الصياح والاضطراب، وهذه كلها أحوال يجدها أربابها من أصحاب الأحوال. وقد كان ابن عمر، - رضى الله عنهما-، ربما مر باية فى ورده فتخنقه العبرة ويسقط ويلزم البيت اليوم واليومين حتى يعاد ويحسب مريضا. وقد كان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى الأشعرى يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يسمعون. فلمحبى السماع القرآنى من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف ما لمحبى السماع الشيطانى، فإذا رأيت الرجل ذوقه ووجده وطربه ونشأته فى سماع الأبيات دون سماع الآيات، وفى سماع الألحان دون سماع القرآن كما قيل: نقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر، وبيت من الشعر ينشد تميل كالنشوانى، فاعلم أن هذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله ورسوله، أدام الله لنا حلاوة محبته، ولا سلك بنا فى غير سبيل سنته، بمنه ورحمته. ومن علامات محبته- ﷺ محبة سنته، وقراءة حديثه، فإن من دخلت حلاوة الإيمان فى قلبه إذا سمع كلمة من كلام الله تعالى، أو من حديث رسوله- ﷺ تشربتها روحه وقلبه ونفسه، ويقول: أشم منك نسيما لست أعرفه ... أظن لمياء جرت فيك أردانا فتعمه تلك الكلمة وتشمله، فتصير كل شعرة منه سمعا، وكل ذرة منه بصرا، فيسمع الكل بالكل ويبصر الكل بالكل ويقول: لى حبيب خياله نصب عينى ... سره فى ضمائرى مدفون إن تذكرته فكلى قلوب ... أو تأملته فكلى عيون فحينئذ يستنير قلبه، ويشرق سره، وتتلاطم عليه أمواج التحقيق عند ظهور البراهين، ويرتوى برى عطف محبوبه، الذى لا شىء أروى لقلبه من

стр. 1252

عطفه عليه، ولا شىء أشد للهيبه وحريقه من إعراضه عنه، ولهذا كان عذاب أهل النار باحتجاب ربهم عنهم أشد عليهم من العذاب الجسمانى، كما أن نعيم أهل الجنة برؤيته تعالى وسماع خطابه ورضاه وإقباله أعظم من النعيم الجسمانى، لا حرمنا الله ذوق حلاوة هذا المشرب. ومن علامات محبته- ﷺ أن يلتذ محبه بذكره الشريف ويطرب عند سماع اسمه المنيف، وقد يوجب له ذلك سكرا يستغرق قلبه وروحه وسمعه. وسبب هذا السكر اللذة القاهرة للعقل، وسبب اللذة إدراك المحبوب- ﷺ ، فإذا كانت المحبة قوية وإدراك هذا المحبوب قويّا كانت اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين الأمرين. فإن كان العقل قويّا مستحكما لم يتغير لذلك، وإن كان ضعيفا حدث السكر المخرج له عن حكمه. وقد حدوا السكر بأنه: سقوط التمالك فى الطرب، كأنه يبقى فى السكران بقية يلتذ بها ويطرب، فلا يتمالك صاحبها، ولا يقدر أن يفنى معها. وقد يكون سبب السكر قوة الفرح بإدراك المحبوب، بحيث يختلط كلامه وتتغير أفعاله، بحيث يزول عقله ويعربد أعظم من عربدة شارب الخمر. وربما قتله سكر هذا الفرح بسبب طبيعى، وهو انبساط دم القلب وهلة واحدة انبساطا غير معتاد، والدم هو حائل الحار الغريزى، فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه فيحدث الموت. ومن هذا قول سكران الفرح- بوجود راحلته فى المفازة بعد أن استشعر الموت-: اللهم أنت عبدى وأنا ربك أخطأ من شدة فرحه «١» ، وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب فصور فى نفسك حال فقير معدم، عاشق للدنيا أشد العشق، ظفر بكنز عظيم، فاستولى عليه آمنا مطمئنا، كيف تكون سكرته؟ أو

стр. 1253

من غاب عنه غلامه بمال عظيم مدة سنين، حتى أضرّ به العدم، فقدم عليه من غير انتظار له بماله كله، وقد كسب أضعافه، كيف تكون سكرته؟ ومن أقوى أسباب ما نحن فيه سماع الأصوات المطربة بالإنشادات بالصفات النبوية المغربة المعربة إذا صادفت محلّا قابلا فلا تسأل عن سكرة السامع، وهذا السكر يحدث عندها من جهتين: إحداهما أنها فى نفسها توجب لذة قوية ينغمر منها العقل، الثانية: أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته، فتحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع التخيل للمحبوب وإحضاره فى النفس، وإدناء صورته إلى القلب واستيلائها على الفكرة لذة عظيمة تغمر القلب، فتجتمع لذة الألحان ولذة الأشجان، فتسكر الروح سكرا عجيبا أطيب وألذ من سكر الشراب، وتحصل له به نشأة ألذ من نشأة الشراب. وقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أن الله تعالى يقول لداود: مجدنى بذلك الصوت الذى كنت تمجدنى به فى الدنيا، فيقول: كيف وقد أذهبته فيقول: أنا أرده عليك، فيقوم عند ساق العرش ويمجده، فإذا سمع أهل الجنة صوته استفرغ نعيم أهل الجنة. وأعظم من ذلك: إذا سمعوا كلام الرب ﷻ وخطابه لهم، فإذا انضاف إلى ذلك رؤية وجهه الكريم الذى يغنيهم لذة رؤيته عن رؤية الجنة ونعيمها، فأمر لا تدركه العبارة ولا تحيط به الإشارة، وهذه صفة لا تلج كل أذن، وصيب لا تحيا به كل أرض، وعين لا يشرب منها كل وارد، وسماع لا يطرب عليه كل سامع، ومائدة لا يجلس عليها كل طفيلى، أشار إليه فى المدارج. فمن اتصف بهذه العلامات التى ذكرتها فهو كامل المحبة لله ورسوله، ومن خالف بعضها فهو ناقص المحبة، ولا يخرج عن اسمها بدليل قوله- ﷺ للذى حده فى الخمر- لما لعنه بعضهم وقال: ما أكثر ما يؤتى به- فقال- ﷺ : «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» «١» ، فيخبر أنه يحب الله

стр. 1254

ورسوله مع وجود ما صدر عنه. وفيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر، لثبوت النهى عن لعنه، وثبوت الأمر بالدعاء له. وفيه أنه لا تنافى بين ارتكاب النهى وثبوت محبة الله ورسوله فى قلب المرتكب، وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله ورسوله. ويحتمل أن يكون استمرار ثبوت محبة الله ورسوله فى قلب العاصى مقيدا بما إذا ندم على وقوع المعصية، أو إذا أقيم عليه الحد، فكفر عن ذنبه المذكور، بخلاف من لم يقع منه ذلك فإنه يخشى بتكرار الذنب أن ينطبع على قلبه حتى يسلب منه ذلك الحب، نسأل الله العفو والثبات على محبته وسلوك سنته برحمته ومنّه. تنبيه: قد اختلف العلماء، أيما أرفع درجة المحبة أو درجة الخلة؟ فحكى القاضى عياض: أن بعضهم جعلهما سواء، فلا يكون الحبيب إلا خليلا، ولا الخليل إلا حبيبا، لكنه خص إبراهيم بالخلة ومحمدا- ﷺ بالمحبة، وقال بعضهم: درجة الخلة أرفع واحتج بقوله- ﷺ : «لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر» «١» فلم يتخذه وقد أطلق المحبة لفاطمة وابنيها وأسامة. انتهى. وهذا هو الظاهر من المعنى الأخص، لأن المحبة مأخوذة من معنى الخلة، لكن يرد ما روى فى قصة الإسراء فى مناجاته- ﷺ لربه تعالى حيث قال له تعالى: يا محمد سل، فقال: يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمات موسى تكليما، فقال له تعالى: ألم أعطك خيرا من هذا. إلى قوله: واتخذتك حبيبا، أو ما فى معناه، رواه البيهقى. بنحوه، وهذا يعطى أن درجة المحبة أرفع. [فروق بين المحبة والخلة] وقد احتج من قال بتفضيل مقام المحبة على الخلة بفروق كثيرة، ذكر القاضى عياض فى الشفاء منها نقلا عن الإمام أبى بكر بن فورك عن بعض المتكلمين نبذة:

стр. 1255

منها: أن الخليل يصل بالواسطة، من قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «١» ، والحبيب يصل إليه به، من قوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٢» . ومنها: أن الخليل قال: وَلا تُخْزِنِي «٣» ، والحبيب قيل له: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ «٤» . ومنها: أن الخليل قال فى المحنة: حَسْبِيَ اللَّهُ «٥» والحبيب قيل له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ «٦» . ومنها: أن الخليل هو الذى تكون مغفرته فى حد الطمع، من قوله: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ «٧» ، والحبيب الذى مغفرته فى حد اليقين، من قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٨» . وفى كتابى: «تحفة السامع والقارى بختم حجج البخارى» وجوه أخر غير ما حكاه القاضى عياض. [مناقشة المؤلف للفروق بين المحبة والخلة] وفى كلها نظر واضح كما بينته فى حاشية الشفاء، وذلك أن مقتضى الفرق بين الشيئين أن يكون فى حد ذاتيهما، يعنى باعتبار مدلولى «خليل» و «حبيب» وما حكاه القاضى عياض، وذكرته فى التحفة، يقتضى تفضيل ذات محمد- ﷺ ذات إبراهيم- ﵊. لا يقال باعتبار ثبوت وصف الخلة له فيلزم ذلك. لأنا نقول: كل منهما ثابت له وصف الخلة والمحبة. إذ لا يسلب عن إبراهيم- ﵊ وصف المحبة

стр. 1256

لا سيما والخلة أخص من المحبة، ولا يسلب عن نبينا- ﷺ وصف الخلة لا سيما وقد ثبت فى حديث أبى هريرة قول الله تعالى له: (إنى اتخذتك خليلا) «١» . وقد قام الإجماع على فضل نبينا- ﷺ على جميع الأنبياء، بل هو أفضل خلق الله تعالى مطلقا. أما قوله: إن الخليل يصل بالواسطة فلا يفيد غرضا فى هذا المقام الذى هو بصدده، وليس المراد به قطعا إلا الوصول إلى المعرفة، إذ الوصول الحسى يمتنع على الله تعالى. وأما قوله: والحبيب يصل إليه به، فالوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا به حبيبا كان أو خليلا. وأما قوله: الخليل هو الذى تكون مغفرته فى حد الطمع إلخ ... فإنه لا يصح أن يكون على جهة التفسير للخليل، ولا تعلق له بمعناه. وقصارى ما ذكره: أنه يعطى تفضيل نبينا- ﷺ على إبراهيم- ﵊ فى حد ذاته من غير نظر إلى ما جعله علة معنوية فى ذلك من وصف المحبة والخلة. والحق: أن الخلة أعلى وأكمل وأفضل من المحبة. قال ابن القيم: وأما ما يظنه بعض الغالطين أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله ومحمدا حبيب الله فمن جهله. فإن المحبة عامة والخلة خاصة والخلة نهاية المحبة. قال: وقد أخبر النبى- ﷺ أن الله اتخذه خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. وأيضا فإنه تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الصابرين ويحب المحسنين ويحب المتقين ويحب المقسطين، وخلته خاصة بالخليلين. قال: وإنما هذا من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله. انتهى. وقال الشيخ بدر الدين الزركشى فى شرحه لبردة الأبوصيرى: وزعم بعضهم أن المحبة أفضل من الخلة وقال: محمد حبيب الله وإبراهيم خليل

стр. 1257

الله. وضعف: بأن الخلة خاصة، وهو توحيد المحبة، والمحبة عامة، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ «١» قال: وقد صح أن الله اتخذ نبينا خليلا فقال: إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. انتهى. تنبيه: والخليل مشتق من الخلة- بالفتح- وهى الحاجة، أو الخلة- بالضم- وهى المودة الحاصلة، أو من الخلل، قال ثعلب سمى خليلا لأن مودته تتخلل القلب، وأنشد: قد تخللت مسلك الروح منى ... وبدا سمى الخليل خليلا وقال الراغب: الخلة- بالفتح-: الاختلال العارض للنفس، إما لشهرتها بشىء أو لحاجتها إليه، ولهذا فسّر الخلة بالحاجة، والخلة- بالضم- إما لأنها تتخلل النفس أو تتوسطها، وإما لأنها تخل النفس فتؤثر فيها تأثير السهم فى الرمية، وإما لفرط الحاجة إليها. الفصل الثانى فى حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنة وفضيلة وصفة ومحلّا قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٢» . قال أبو العالية: معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند الملائكة، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء. قال فى فتح البارى: وهذا أولى الأقوال، فيكون معنى صلاة الله تعالى عليه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة. وعن ابن عباس: أن معنى صلاة الملائكة الدعاء بالبركة. وروى ابن أبى حاتم عن مقاتل بن حيان قال: صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار.

стр. 1258

وقال الضحاك بن مزاحم: صلاة الله رحمته، وفى رواية عنه: مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء. أخرجهما إسماعيل القاضى عنه، وكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ونحوها. وقال المبرد: الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة. وتعقب: بأنه الله غاير بين الصلاة والرحمة فى قوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ «١» ، ولذلك فهم الصحابة المغايرة من قوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٢» حتى سألوه عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر «الرحمة» فى تعليم السلام، حيث جاء بلفظ: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، وأقرهم النبى- ﷺ ، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم، قد علمتم ذلك فى السلام. وجوز الحليمى أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، وفيه نظر. وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة، فصلاته على أنبيائه هى ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة، فهى التى وسعت كل شىء. وحكى القاضى عياض: عن بكر القشيرى أنه قال: الصلاة على النبى- ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبى رحمة. وبهذا يظهر الفرق بين النبى- ﷺ وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى فى سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٣» ، وقال قبل ذلك فى السورة المذكورة: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ «٤» ، ومن المعلوم أن القدر الذى يليق بالنبى- ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره. والإجماع منعقد على أن فى هذه الآية من تعظيم النبى- ﷺ والتنويه به ما ليس فى غيرها. وقال الحليمى فى «الشعب» ، معنى الصلاة على النبى- ﷺ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد، عظم محمدا، والمراد تعظيمه فى الدنيا

стр. 1259

بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفى الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه فى أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ «١» ادعوا ربكم بالصلاة عليه. انتهى. ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه، فإنه لا يمتنع أن يدعى لهم بالتعظيم إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به. وما تقدم عن أبى العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله تعالى، وإلى ملائكته وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا خلاف فى جواز الترحم على غير الأنبياء: واختلف فى جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللهم صل على محمد: ارحم محمدا، أو ترحم على محمد، جاز لغير الأنبياء، وكذا لو كان بمعنى البركة، وكذلك الرحمة، لسقط الوجوب فى التشهد عند من يوجبه بقول المصلى فى التشهد: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته. ويمكن الانفصال عنه بأن ذلك وقع بطريق التعبد فلابد من الإتيان به، ولو سبق الإتيان بما يدل عليه. [سؤال] فإن قلت: فى أى وقت وقع الأمر بالصلاة عليه- ﷺ ؟ فالجواب - كما قال أبو ذر الهروى-: أنه وقع فى السنة الثانية من الهجرة، وقيل ليلة الإسراء، وقيل: إن شهر شعبان شهر الصلاة على رسول الله- ﷺ ، لأن آية الصلاة- يعنى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٢» نزلت فيه. والله أعلم. قال الحليمى: والمقصود بالصلاة عليه- ﷺ التقرب إلى الله تعالى بامتثال أمره تعالى، وقضاء حق النبى- ﷺ علينا. وتبعه ابن عبد السلام، فقال فى الباب الثامن من كتابه المسمى «بشجرة المعارف» : ليست صلاتنا على النبى- ﷺ شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بمكافأة من

стр. 1260

أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله- لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا- إلى الصلاة عليه. وذكر نحوه عن الشيخ أبى محمد المرجانى. وقال ابن العربى: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذى يصلى عليه، لدلالة ذلك على نصوح العقيدة وخلوص النية، وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة والاحترام للواسطة الكريمة- ﷺ . [حكم الصلاة على النبي ص] واختلف فى حكم الصلاة عليه- صلوات الله وسلامه عليه- على أقوال: أحدها: أنها تجب فى الجملة بغير حصر، لكن أقل ما يحصل به الإجزاء مرة. الثانى: يجب الإكثار منها، من غير تقييد بعدد ، قاله القاضى أبو بكر ابن بكير من المالكية، وعبارته- كما قاله القاضى عياض-: افترض الله تعالى على خلقه أن يصلوا على نبيه- ﷺ ويسلموا تسليما، ولم يجعل ذلك لوقت معلوم، فالواجب أن يكثر المرء منها ولا يغافل عنها. الثالث: تجب كل ما ذكر ، قاله الطحاوى وجماعة من الحنفية، والحليمى، وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربى: إنه الأحوط، وكذا قاله الزمخشرى. واستدلوا لذلك بحديث: (من ذكرت عنده فلم يصل على فمات فدخل النار فأبعده الله) «١» أخرجه ابن حبان من حديث أبى هريرة. وحديث: (رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل على) «٢» رواه الترمذى من حديث أبى هريرة، وصححه الحاكم. وحديث: (شقى عبد ذكرت عنده فلم يصل على) «٣» أخرجه الطبرانى من حديث جابر: لأن الدعاء: ب «الرغم

стр. 1261

والإبعاد والشقاء» يقتضى الوعيد، والوعيد على الترك من علامات الوجوب. ومن حيث المعنى: إن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر، فتتأكد إذا ذكر. واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً «١» فلو كان إذا ذكر لا يصلى عليه كان كاحاد الناس وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة، منها: أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين، فهو مخترع. ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن أن يصلى عليه، وكذا سامعه، وللزم القارئ إذا مر باية فيها ذكره- ﷺ فى القرآن، وللزم الداخل فى الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين ولكان فى ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة المطهرة بخلافه، ولكان الثناء على الله تعالى كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يقولوا به. وقد أطلق القدورى وغيره من الحنفية: أن القول بوجوب الصلاة كلما ذكر مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله، لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبى- ﷺ فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، ولأنه لو كان كذلك لما تفرغ لعبادة أخرى. وأجابوا عن الأحاديث: بأنها خرجت مخرج المبالغة فى تأكيد ذلك وطلبه، وفى حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا. وبالجملة: فلا دلالة على تكرر وجوب ذلك بتكرر ذكره- ﷺ فى المجلس الواحد، انتهى ملخصا، والله أعلم. الرابع: فى كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارا . حكاه الزمخشرى. الخامس: فى كل دعاء ، حكاه أيضا. السادس: أنها من المستحبات ، وهو قول ابن جرير الطبرى، وادعى

стр. 1262

الإجماع على ذلك، واحتج على ذلك مع ورود صيغة الأمر بذلك، بالاتفاق من جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، أن ذلك غير مستلزم فرضيتها حتى يكون تارك ذلك عاصيا، فدل على أن الأمر فيه للندب، ويحصل الامتثال لمن قاله ولو كان خارج الصلاة. قال فى فتح البارى: وما ادعاه من الإجماع معارض بدعوى غيره الإجماع على مشروعية ذلك فى الصلاة، إما بطريق الوجوب، وإما بطريق الندب، ولا يعرف عن- السلف لذلك مخالف، إلا ما أخرجه ابن أبى شيبة والطبرانى عن إبراهيم النخعى أنه كان يرى أن قول المصلى فى التشهد: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته مجزئ عن الصلاة، ومع ذلك: إنما ادعى إجزاء السلام عن الصلاة. السابع: تجب فى العمر مرة فى الصلاة أو غيرها، ككلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرازى من الحنفية. الثامن: تجب فى الصلاة من غير تعيين المحل ، ونقل ذلك عن أبى جعفر الباقر. التاسع: تجب فى التشهد ، وهو قول الشعبى وإسحاق بن راهواه. العاشر: تجب فى القعود آخر الصلاة، بين قول التشهد وسلام التحلل ، قاله الشافعى ومن تبعه. واستدل لذلك بما رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذى وابن خزيمة والحاكم عن أبى مسعود البدرى: أنهم قالوا يا رسول الله: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلى عليك إذا نحن صلينا عليك فى صلاتنا فقال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» الحديث «١» . ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفنا، هو الذى فى

стр. 1263

التشهد، الذى كان قد علمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن. وفيه: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، ورواه الشافعى فى مسنده عن أبى هريرة بمثله. وقد احتج بهذه الزيادة جماعة من الشافعية، منهم ابن خزيمة، والبيهقى، لإيجاب الصلاة عليه- ﷺ بعد التشهد وقبل السلام. [استدلال الشافعي على وجوب الصلاة على النبي ص] وقال الشافعى فى الأم: فرض الله الصلاة على رسول الله- ﷺ بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً» ولم يكن فرض الصلاة عليه فى موضع أولى منه فى الصلاة، ووجدنا الدلالة عن النبى- ﷺ بذلك: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنا صفوان بن سليم عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أنه قال: يا رسول الله، كيف نصلى عليك- يعنى فى الصلاة- قال: «تقولون اللهم صل على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم» الحديث «٢» . أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنى سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة عن النبى- ﷺ أنه كان يقول فى الصلاة: «اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» الحديث «٣» . قال الشافعى: فلما روى أن النبى- ﷺ كان يعلمهم التشهد فى الصلاة، وروى أنه علمهم كيف يصلون عليه فى الصلاة، لم يجز أن نقول: التشهد فى الصلاة واجب والصلاة فيه غير واجبة «٤» . [تعقيب هذا الاستدلال] وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه: أحدها: ضعف إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى ، والكلام فيه مشهور.

стр. 1264

الثانى: على تقدير صحته فقوله فى الأول: يعنى فى الصلاة ، لم يصرح بالقائل «يعنى» . الثالث: قوله فى الثانى: «أنه كان يقول فى الصلاة» وإن كان ظاهره أن المراد الصلاة المكتوبة، لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله فى الصلاة، أى فى صفة الصلاة عليه، وهو احتمال قوى، لأن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة يدل على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة لا عن محلها. الرابع: ليس فى الحديث ما يدل على تعيين ذلك فى التشهد ، خصوصا بينه وبين السلام. وقد أطنب قوم من متأخرى المالكية وغيرهم فى التشنيع على الشافعى فى اشتراطه ذلك فى الصلاة وزعم أنه تفرد بذلك. وحكى الإجماع على خلافه جماعة، منهم أبو جعفر الطبرى والطحاوى وابن المنذر والخطابى. وحكى القاضى عياض فى الشفاء مقالاتهم. وقد عاب عليه غير واحد، وقالوا: كان ينبغى سكوته عنها، لأن مبنى تأليفه «الشفاء» على كمال المبالغة فى تعظيمه- ﷺ ، وأداء حقوقه، والقول بوجوب الصلاة عليه فى الصلاة من غرض المبالغة فى تعظيمه، وقد استحسن هو القول بطهارة فضلاته، مع أن الأكثر على خلافه، لكنه استجاده لما فيه من الزيادة فى تعظيمه، وكيف ينكر القول بوجوب الصلاة عليه وهو من جنس الصلاة ومقتضياتها، وإذا شرع السلام فيها على نفس المصلى وعلى عباد الله الصالحين، فكيف لا تجب الصلاة على سيد المرسلين؟ وقد انتصر جماعة كثيرة من العلماء الأعلام للشافعى، كالحافظ عماد الدين ابن كثير، والعلامة ابن القيم، وشيخ الإسلام والحافظ أبى الفضل بن حجر، وتلميذه شيخنا الحافظ والعلامة أبى أمامة بن النقاش وغيرهم ممن يطول عدهم. واستدلوا لذلك بأدلة نقلية ونظرية، ودفعوا دعوى الشذوذ، فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو مسعود

стр. 1265

والبدرى وجابر بن عبد الله، ونقله أصحاب الشافعى عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ومن التابعين: الشعبى، فيما رواه البيهقى كما سيأتى، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل. وأخرج الحاكم- بسند قوى- عن ابن مسعود قال: يتشهد الرجل ثم يصلى على النبى- ﷺ ثم يدعو لنفسه «١» . قال الحافظ ابن حجر: وهذا أقوى شىء يحتج به للشافعى، فإن ابن مسعود ذكر أن النبى- ﷺ علمهم التشهد فى الصلاة، وأنه قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء، دل على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود فى دفع ما ذهب إليه الشافعى وادعى مثل ما ذكره القاضى عياض قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذى علمه له النبى- ﷺ ليس فيه ذكر الصلاة عليه. وفى جزء الحسن بن عرفة، وأخرج المعمرى «٢» فى عمل اليوم والليلة عن ابن عمر- بسند جيد- قال: لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة علىّ. وأخرج البيهقى فى الخلافيات- بسند قوى- عن الشعبى، وهو من كبار التابعين، قال: كنا نعلم التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يحمد ربه ويثنى عليه ثم يصلى على النبى- ﷺ ثم يسأل حاجته. وفى حديث أبى جعفر، عن ابن مسعود، مرفوعا: «من صلى صلاة لم يصل فيها على وعلى أهل بيتى لم تقبل منه» . قال الدارقطنى: والصواب أنه من قول أبى جعفر محمد بن على بن الحسين: لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبى- ﷺ وعلى أهل بيته لرأيت أنها لا تتم، لكن راويه عن أبى جعفر جابر الجعفى وهو ضعيف. كذا فى الشفاء. وقد وافق الشافعى من فقهاء الأمصار أحمد فى إحدى الروايتين عنه، وعمل به أخيرا، كما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقى، فيما ذكره الحافظ ابن
следующие страницы →