والإبعاد والشقاء» يقتضى الوعيد، والوعيد على الترك من علامات الوجوب.
ومن حيث المعنى: إن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر، فتتأكد إذا ذكر.
واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً «١» فلو كان إذا ذكر لا يصلى عليه كان كاحاد الناس وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة، منها:
أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين، فهو مخترع. ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن أن يصلى عليه، وكذا سامعه، وللزم القارئ إذا مر باية فيها ذكره- ﷺ فى القرآن، وللزم الداخل فى الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين ولكان فى ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة المطهرة بخلافه، ولكان الثناء على الله تعالى كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يقولوا به.
وقد أطلق القدورى وغيره من الحنفية: أن القول بوجوب الصلاة كلما ذكر مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله، لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبى- ﷺ فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، ولأنه لو كان كذلك لما تفرغ لعبادة أخرى.
وأجابوا عن الأحاديث: بأنها خرجت مخرج المبالغة فى تأكيد ذلك وطلبه، وفى حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا. وبالجملة: فلا دلالة على تكرر وجوب ذلك بتكرر ذكره- ﷺ فى المجلس الواحد، انتهى ملخصا، والله أعلم.
الرابع: فى كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارا .
حكاه الزمخشرى.
الخامس: فى كل دعاء ،
حكاه أيضا.
السادس: أنها من المستحبات ،
وهو قول ابن جرير الطبرى، وادعى
стр. 1262
الإجماع على ذلك، واحتج على ذلك مع ورود صيغة الأمر بذلك، بالاتفاق من جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، أن ذلك غير مستلزم فرضيتها حتى يكون تارك ذلك عاصيا، فدل على أن الأمر فيه للندب، ويحصل الامتثال لمن قاله ولو كان خارج الصلاة.
قال فى فتح البارى: وما ادعاه من الإجماع معارض بدعوى غيره الإجماع على مشروعية ذلك فى الصلاة، إما بطريق الوجوب، وإما بطريق الندب، ولا يعرف عن- السلف لذلك مخالف، إلا ما أخرجه ابن أبى شيبة والطبرانى عن إبراهيم النخعى أنه كان يرى أن قول المصلى فى التشهد:
السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته مجزئ عن الصلاة، ومع ذلك:
إنما ادعى إجزاء السلام عن الصلاة.
السابع: تجب فى العمر مرة
فى الصلاة أو غيرها، ككلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرازى من الحنفية.
الثامن: تجب فى الصلاة من غير تعيين المحل ،
ونقل ذلك عن أبى جعفر الباقر.
التاسع: تجب فى التشهد ،
وهو قول الشعبى وإسحاق بن راهواه.
العاشر: تجب فى القعود آخر الصلاة، بين قول التشهد وسلام التحلل ،
قاله الشافعى ومن تبعه. واستدل لذلك بما رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذى وابن خزيمة والحاكم عن أبى مسعود البدرى: أنهم قالوا يا رسول الله: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلى عليك إذا نحن صلينا عليك فى صلاتنا فقال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» الحديث «١» . ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفنا، هو الذى فى
стр. 1263
التشهد، الذى كان قد علمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن. وفيه:
السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، ورواه الشافعى فى مسنده عن أبى هريرة بمثله. وقد احتج بهذه الزيادة جماعة من الشافعية، منهم ابن خزيمة، والبيهقى، لإيجاب الصلاة عليه- ﷺ بعد التشهد وقبل السلام.
[استدلال الشافعي على وجوب الصلاة على النبي ص]
وقال الشافعى فى الأم: فرض الله الصلاة على رسول الله- ﷺ بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً»
ولم يكن فرض الصلاة عليه فى موضع أولى منه فى الصلاة، ووجدنا الدلالة عن النبى- ﷺ بذلك: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنا صفوان بن سليم عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أنه قال: يا رسول الله، كيف نصلى عليك- يعنى فى الصلاة- قال: «تقولون اللهم صل على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم» الحديث «٢» . أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنى سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة عن النبى- ﷺ أنه كان يقول فى الصلاة: «اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» الحديث «٣» .
قال الشافعى: فلما روى أن النبى- ﷺ كان يعلمهم التشهد فى الصلاة، وروى أنه علمهم كيف يصلون عليه فى الصلاة، لم يجز أن نقول:
التشهد فى الصلاة واجب والصلاة فيه غير واجبة «٤» .
[تعقيب هذا الاستدلال]
وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه:
أحدها: ضعف إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى ،
والكلام فيه مشهور.
стр. 1264
الثانى: على تقدير صحته فقوله فى الأول: يعنى فى الصلاة ،
لم يصرح بالقائل «يعنى» .
الثالث: قوله فى الثانى: «أنه كان يقول فى الصلاة»
وإن كان ظاهره أن المراد الصلاة المكتوبة، لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله فى الصلاة، أى فى صفة الصلاة عليه، وهو احتمال قوى، لأن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة يدل على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة لا عن محلها.
الرابع: ليس فى الحديث ما يدل على تعيين ذلك فى التشهد ،
خصوصا بينه وبين السلام. وقد أطنب قوم من متأخرى المالكية وغيرهم فى التشنيع على الشافعى فى اشتراطه ذلك فى الصلاة وزعم أنه تفرد بذلك.
وحكى الإجماع على خلافه جماعة، منهم أبو جعفر الطبرى والطحاوى وابن المنذر والخطابى.
وحكى القاضى عياض فى الشفاء مقالاتهم. وقد عاب عليه غير واحد، وقالوا: كان ينبغى سكوته عنها، لأن مبنى تأليفه «الشفاء» على كمال المبالغة فى تعظيمه- ﷺ ، وأداء حقوقه، والقول بوجوب الصلاة عليه فى الصلاة من غرض المبالغة فى تعظيمه، وقد استحسن هو القول بطهارة فضلاته، مع أن الأكثر على خلافه، لكنه استجاده لما فيه من الزيادة فى تعظيمه، وكيف ينكر القول بوجوب الصلاة عليه وهو من جنس الصلاة ومقتضياتها، وإذا شرع السلام فيها على نفس المصلى وعلى عباد الله الصالحين، فكيف لا تجب الصلاة على سيد المرسلين؟
وقد انتصر جماعة كثيرة من العلماء الأعلام للشافعى، كالحافظ عماد الدين ابن كثير، والعلامة ابن القيم، وشيخ الإسلام والحافظ أبى الفضل بن حجر، وتلميذه شيخنا الحافظ والعلامة أبى أمامة بن النقاش وغيرهم ممن يطول عدهم.
واستدلوا لذلك بأدلة نقلية ونظرية، ودفعوا دعوى الشذوذ، فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو مسعود
стр. 1265
والبدرى وجابر بن عبد الله، ونقله أصحاب الشافعى عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ومن التابعين: الشعبى، فيما رواه البيهقى كما سيأتى، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل.
وأخرج الحاكم- بسند قوى- عن ابن مسعود قال: يتشهد الرجل ثم يصلى على النبى- ﷺ ثم يدعو لنفسه «١» . قال الحافظ ابن حجر: وهذا أقوى شىء يحتج به للشافعى، فإن ابن مسعود ذكر أن النبى- ﷺ علمهم التشهد فى الصلاة، وأنه قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء، دل على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود فى دفع ما ذهب إليه الشافعى وادعى مثل ما ذكره القاضى عياض قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذى علمه له النبى- ﷺ ليس فيه ذكر الصلاة عليه.
وفى جزء الحسن بن عرفة، وأخرج المعمرى «٢» فى عمل اليوم والليلة عن ابن عمر- بسند جيد- قال: لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة علىّ. وأخرج البيهقى فى الخلافيات- بسند قوى- عن الشعبى، وهو من كبار التابعين، قال: كنا نعلم التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يحمد ربه ويثنى عليه ثم يصلى على النبى- ﷺ ثم يسأل حاجته. وفى حديث أبى جعفر، عن ابن مسعود، مرفوعا: «من صلى صلاة لم يصل فيها على وعلى أهل بيتى لم تقبل منه» . قال الدارقطنى: والصواب أنه من قول أبى جعفر محمد بن على بن الحسين: لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبى- ﷺ وعلى أهل بيته لرأيت أنها لا تتم، لكن راويه عن أبى جعفر جابر الجعفى وهو ضعيف. كذا فى الشفاء.
وقد وافق الشافعى من فقهاء الأمصار أحمد فى إحدى الروايتين عنه، وعمل به أخيرا، كما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقى، فيما ذكره الحافظ ابن
стр. 1266
كثير، وأوجب إسحاق بن راهواه الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان، والمشهور عن أحمد أنها تبطل بتركها عمدا أو سهوا، وعليه أكثر أصحابه، حتى إن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال فى الصلاة عليه: ﷺ ، كما علمهم أن يقولوا لما سألوه، كما ذكره ابن كثير، ووافق الخرقى إسحاق فى التقييد بالعمد دون السهو.
والخلاف أيضا عند المالكية كما ذكره ابن الحاجب فى سنن الصلاة، ثم قال: على الصحيح، فقال شارحه ابن عبد السلام: يريد أن فى وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام الإمام ابن المواز وبه صرح عنه ابن القصار، وعبد الوهاب، كما فى الشفاء بلفظ: إنه يراها فريضة فى الصلاة كقول الشافعى، قال: وحكى أبو يعلى العبدى عن المذهب فيها ثلاثة أقوال فى الصلاة:
الوجوب، والسنة، والندب. ورأيت مما يعزى للقاضى أبى بكر بن العربى فى «سراج المريدين» : قال ابن المواز والشافعى: الصلاة على النبى- ﷺ من فرائض الصلاة وهو الصحيح. انتهى.
وقد يلزم القائل الحنفية بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر كالطحاوى، ونقله السروجى فى شرح الهداية عن أصحاب المحيط والعقد والتحفة من كتبهم أن يقولوا بوجوبها فى التشهد لتقدم ذكره- ﷺ فى آخر التشهد فى قوله: وأشهد أن محمدا رسول الله، لكن لهم أن يلتزموا ذلك ولا يجعلونه شرطا فى صحة الصلاة. ولم يخالف الشافعى أحد من أصحابه فى ذلك. بل قال بعض أصحابنا بوجوب الصلاة على الآل، كما حكاه البندنيجى والدارمى، ونقله إمام الحرمين والغزالى قولا عن الشافعى، قال الحافظ ابن كثير: والصحيح أنه وجه، على أن الجمهور على خلافه، والقول بوجوبه ظهور للحديث.
وأما مخالفة الخطابى من أصحاب الشافعى فلا يعتد به لمقتضى الآمر المحمول على الوجوب إجماعا، وأولى أحواله الصلاة ولا مانع من احتمال كونه مرادا. وأما قوله: ولا أعلم له فيها قدوة، فيقال عليه: لا ريب أن
стр. 1267
الشافعى قدوة يقتدى به، والمقام مقام اجتهاد، فلا افتقار له فيه إلى غيره.
وأما قوله فى «الشفاء» : والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعى وإجماعهم عليه. ففيه نظر، لأنه إن أراد بالعمل الاعتقاد فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأن ذلك ليس بواجب، وأنى يوجد ذلك؟
وأما قوله: وقد شنع الناس عليه- يعنى الشافعى- فى هذه المسألة جدّا، فلا معنى له، وأى شناعة فى ذلك؟ ولم يخالف فيه نصّا ولا إجماعا ولا قياسا ولا مصلحة راجحة. بل القول بذلك من محاسن مذهبه، ولا ريب أن القائل بجواز ترك الصلاة على أفضل خلق الله فى الصلاة التى هى رأس العبادة المطلوب فيها الخضوع واستحضار شارعها والثناء عليه أولى بالتشنيع.
وأما نقله الإجماع فقد تقدم ما فيه. وأما قوله: إن الشافعى اختار تشهد ابن مسعود، فلم يقل به أحد، والشافعى إنما اختار تشهد ابن عباس كما سيأتى- إن شاء الله تعالى- فى مقصد عباداته.
وقد استدل للوجوب بما أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى وصححه، وكذا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد قال: سمع النبى- ﷺ رجلا يدعو فى صلاته، لم يحمد الله ولم يصل على النبى- ﷺ فقال: «عجل هذا» ، ثم دعاه إليه فقال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد لله والثناء عليه، ثم ليصل على النبى- ﷺ ثم ليدع بما شاء» «١» .
قلت: ومما يعد من كرامات إمامنا الشافعى وسره السارى، أن القاضى عياضا ساق هذا الحديث بسنده من طريق الترمذى من غير أن يطعن فى سنده بعد قوله: «فصل فى المواطن التى تستحب فيها الصلاة على النبى- ﷺ
стр. 1268
ويرغب» من ذلك: فى تشهد الصلاة، وذلك بعد التشهد وقبل الدعاء. وهذا الحديث- كما ترى- من أعظم الأدلة لنا. فإن قال قائل: ليس لكم فيه دلالة لأنه قال: سمع فيه رجلا يدعو فى صلاته، ولم يقل فى تشهده.
فيجاب: بأنه يلزم على هذا أن القاضى عياضا ساقه فى غير محله، لأنه عقد الفصل- كما قدمته- لبيان مواطن استحباب الصلاة. ثم قال: ومن ذلك فى تشهد الصلاة.
وفى «مصابيح» البغوى، من حديث فضالة بن عبيد هذا ما يدل على أنه كان فى التشهد، ولفظه: قال دخل رجل فقال: اللهم اغفر لى وارحمنى، فقال رسول الله- ﷺ : «عجلت أيها المصلى، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، ثم صل علىّ، ثم ادعه» .
وفى قوله: «عجلت» استلواح فوات الكمال عن الحقيقة المجزئة، إذ لو كانت مجزئة لما حسن اللوم والتعليم بصيغة الأمر، فإن قيل إنه فى مقام تعليم المستحبات إذ لو كان فى الواجبات لأمره بالإعادة، كما أمر المسىء صلاته، فيجاب: بأن فى قوله هذا غنية عن الأمر بالإعادة، لأنه حيث علمه ما هو الواجب علم قطعا أنه لم يأت به أولا فلم يكن آتيا به فوجبت إعادته، وهم أهل الفهم والعرفان. فإن قال: إن قوله «فقعدت» يحتمل أن يكون عطفا على مقدر، تقديره: إذا صليت وفرغت فقعدت للدعاء فاحمد الله.
فيجاب: بأن الأصل عدمه، وإنما هو عطف على المذكور، أى: إذا كنت فى الصلاة فقعدت للتشهد فاحمد الله، أى اثن عليه بقولك، التحيات لله إلخ والله أعلم.
وقال الجرجانى من الحنفية وغيره: لو كانت فرضا لما لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه- ﷺ علمهم التشهد وقال: «فليتخير من الدعاء ما شاء، ولم يذكر الصلاة عليه» .
وأجيب: باحتمال أن لا تكون فرضت حينئذ. وقال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى: قد ورد هذا الصحيح بلفظ: ثم ليتخير، و «ثم»
стр. 1269
للتراخى، فدل على أنه كان هناك شىء بين التشهد والدعاء، انتهى. وقد أطنب الشيخ أبو أمامة بن النقاش فى تفسيره فى الانتصار للشافعى فى هذه المسألة، مما يطول ذكره، فالله يثيبه على قصده الجميل.
وأما صفة الصلاة عليه- ﷺ ، (فعن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال:
لقينى كعب بن عجرة فقال: ألا أهدى لك هدية؟ إن النبى- ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك فيكف نصلى عليك؟
قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» ) «١» رواه البخارى ومسلم والترمذى وأبو داود والنسائى. فإن قلت: كيف يطابق قوله: (اللهم صل على محمد) قوله: (كما صليت على آل إبراهيم) ؟.
أجاب القاضى عياض: بأن «آل» مقحم، كما فى قوله- ﷺ فى أبى موسى: «إنه أعطى مزمارا من مزامير آل داود» «٢» ، ولم يكن له آل مشهور بحسن الصوت. وقد روى هذا الحديث ابن أبى حاتم بلفظ: لما نزلت إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٣» قال: قلنا يا رسول الله، فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» . وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى يقول: وعلينا معهم.
وعن أبى حميد الساعدى: (أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلى
стр. 1270
عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» ) «١» رواه الإمام أحمد.
وعن أبى مسعود الأنصارى قال: أتانا رسول الله- ﷺ ونحن فى مجلس سعد بن عبادة فقال له بشر بن سعد أمرنا الله أن نصلى عليك، فكيف نصلى عليك؟ قال: فسكت رسول الله- ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله- ﷺ : «قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فى العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم» «٢» ، رواه مالك ومسلم وغيرهما.
[إشكال]
فإن قلت: ما موقع التشبيه فى قوله: (كما صليت على إبراهيم) ، مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به؟ والواقع هنا عكسه، لأن محمدا- ﷺ وحده أفضل من إبراهيم ومن آل إبراهيم، ولا سيما وقد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة له أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره.
[الجواب]
فقد أجاب العلماء عنه بأجوبة كثيرة:
منها: أنه- ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم .
وقد أخرج مسلم حديث أنس: أن رجلا قال للنبى- ﷺ : يا خير البرية، قال:
«ذاك إبراهيم» «٣» . وتعقب: بأنه لو كان كذلك لغير صيغة الصلاة عليه بعد أن علم أنه أفضل.
ومنها: أنه قال ذلك تواضعا ،
وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك الفضيلة.
стр. 1271
ومنها: أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر ،
فهو كقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ «١» ، وهو كقول القائل: أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ «٢» ، ورجح هذا القول القرطبى فى «المفهم» .
ومنها: أن قوله: (اللهم صل على محمد) مقطوع عن التشبيه ،
فيكون التشبيه متعلقا بقوله: (وعلى آل محمد) وتعقب: بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف يطلب لهم صلاة مثل الصلاة التى وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله. ويمكن الجواب عنه: بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم، لا جميع الصفات التى كانت سببا للثواب.
وقد نقل العمرانى فى «البيان» عن الشيخ أبى حامد أنه نقل هذا الجواب عن نص الشافعى. واستبعد ابن القيم صحة ذلك عن الشافعى، لأنه مع فصاحته ومعرفته بلسان العرب لا يقول هذا الكلام المستلزم هذا التركيب الركيك البعيد من كلام العرب، كذا قال. وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال:
ليس التركيب المذكور ركيكا، بل التقدير: اللهم صل على محمد وصل على آل محمد كما صليت إلخ، فلا يمتنع الشبيه بالجملة الثانية.
ومنها: رفع المقدمة المذكورة أولا ،
وهى أن المشبه به يكون أرفع من المشبه، وأن ذلك ليس مطردا، بل قد يكون التشبيه بالمثل، بل بالدون، كما فى قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ «٣» ، وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون شيئا ظاهرا واضحا للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا هنا: لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهورا واضحا عند جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد
стр. 1272
وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم، ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله (فى العالمين) أى كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فى العالمين، ولهذا لم يقع (فى العالمين) إلا فى ذكر إبراهيم دون ذكر آل محمد على ما وقع فى الحديث الذى وردت فيه، وهو حديث أبى مسعود الأنصارى الذى ذكرته.
وهذا معنى قول الطيبى: وليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكامل، لكن من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر. وقال النووى: أحسن الأجوبة ما نسب إلى الشافعى: أن التشبيه لأصل الصلاة أو للمجموع بالمجموع.
وقال ابن القيم- بعد أن زيف أكثر الأجوبة إلا تشبيه المجموع بالمجموع-: وأحسن منه أن يقال: هو- ﷺ من آل إبراهيم، وقد ثبت ذلك عن ابن عباس فى تفسير قوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ «١» قال: محمد من آل إبراهيم، فكأنه أمرنا أن نصلى على محمد وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموما، فيحصل لآله ما يليق بهم، ويبقى الباقى كله له، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم. وتظهر حينئذ فائدة التشبيه، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ.
وقال الحليمى: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت فى بيت إبراهيم:
رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ «٢» وقد علم أن محمدا وآل محمد من أهل بيت إبراهيم، فكأنه قال: قولوا اللهم أجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك فى محمد وآل محمد كما أجبتها عندما قالوها فى آل إبراهيم الموجودين حينئذ، ولذلك ختم بما ختم به الآية وهو قوله إنك حميد مجيد.
стр. 1273
ومما يعزى للعارف الربانى أبى محمد المرجانى أنه قال: وسر قوله- ﷺ (كما صليت على إبراهيم، وكما باركت على إبراهيم) ولم يقل:
كما صليت على موسى، لأن موسى- ﵊ كان التجلى له بالجلال، فخر موسى صعقا، والخليل إبراهيم كان التجلى له بالجمال، لأن المحبة والخلة من آثار التجلى بالجمال، فلهذا أمرهم- صلوات الله وسلامه عليه- أن يصلوا عليه كما صلى على إبراهيم، فيسألوا له التجلى بالجمال، وهذا لا يقتضى التسوية فيما بينه وبين الخليل- صلوات الله وسلامه عليهما-، لأنه إنما أمرهم أن يسألوا له التجلى بالوصف الذى تجلى به للخليل- ﵊، فالذى يقتضيه الحديث المشاركة فى الوصف الذى هو التجلى بالجمال، ولا يقتضى التسوية فى المقامين ولا الرتبتين، فإن الحق سبحانه يتجلى بالجمال لشخصين بحسب مقاميهما، وإن اشتركا فى وصف التجلى بالجمال، فيتجلى لكل واحد منهما بحسب مقامه عنده، ورتبته منه ومكانته، فيتجلى للخليل- ﵊ بالجمال بحسب مقامه، ويتجلى لسيدنا محمد- ﷺ بالجمال بحسب مقامه، فعلى هذا يفهم الحديث انتهى. فإن قلت: ما المراد بال محمد فى هذا الحديث؟
فالجواب: أن الراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، كما نص عليه الشافعى، واختاره الجمهور، ويؤيده قوله- ﷺ للحسن بن على: «إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة» «١» وقيل: المراد بال محمد أزواجه وذريته. وقيل:
المراد بهم جميع الأمة أمة الإجابة. حكاه أبو الطيب الطبرى عن بعض الشافعية، ورجحه النووى فى شرح مسلم، وقيده القاضى حسين بالانقياد منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده ما رواه تمام فى فوائده، والديلمى عن أنس قال: سئل رسول الله- ﷺ : من آل محمد؟ فقال:
«كل تقى من أمة محمد» ، زاد الديلمى: ثم قرأ: إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا
стр. 1274
الْمُتَّقُونَ «١» ، وإسنادهما ضعيف، لكن ورد ما يشهد لذلك فى الصحيحين كحديث (إن آل أبى فلان ليسوا لى بأولياء، إنما وليى الله وصالح المؤمنين) «٢» انتهى ملخصا.
وقد استدل العلماء بتعليمه- ﷺ لأصحابه هذه الكيفية بعد سؤالهم عنها، بأنها أفضل كيفيات الصلاة عليه، لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل. ويترتب على ذلك: أنه لو حلف أن يصلى على النبى- ﷺ أفضل الصلاة، فطريق البر أن يأتى بذلك، هكذا صوبه النووى فى «الروضة» بعد ذكر حكاية الرافعى عن إبراهيم المروزى أنه قال: يبر إذا قال: كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عن ذكره الغافلون. قال النووى: وكأنه أخذ ذلك من كون الشافعى ذكر هذه الكيفية- يعنى فى خطبة «الرسالة» له- ولكن بلفظ «غفل» بدل «سها» .
وقال الأذرعى: «إبراهيم» المذكور كثير النقل من تعليقة القاضى حسين، ومع ذلك فالقاضى قال فى طريق البر؛ أن يقول: اللهم صل على محمد كما هو أهله ويستحقه، وكذا نقله البغوى فى تعليقه. ولو جمع بينها فقال ما فى الحديث، وأضاف إليه أثر الشافعى، وما قاله القاضى لكان أشمل. ولو قيل:
إنه يعمد إلى جميع ما اشتملت عليه الروايات الثابتة فيستعمل منها ذكرا يحصل به البر لكان حسنا.
وعن ابن مسعود، أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا تشهد أحدكم فى الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» «٣» ، رواه الحاكم. وقد يستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز
стр. 1275
الترحم على النبى- ﷺ ، كما هو قول الجمهور، ويعضده حديث الأعرابى الذى قال: اللهم ارحمنى وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال له رسول الله- ﷺ : «لقد تحجرت واسعا» «١» وحكى القاضى عياض عن جمهور المالكية منعه قال: وأجازه أبو محمد بن أبى زيد. انتهى. وسيأتى ما فى ذلك من البحث- إن شاء الله تعالى- فى المقصد التاسع عند الكلام على التشهد.
وعن سلامة الكندى أن عليّا كان يعلم الناس الدعاء- وفى لفظ: يعلم الناس الصلاة على رسول الله- ﷺ فيقول: اللهم داحى المدحوات، وبارئ المسموكات، اجعل شرائف صلواتك، ونوامى بركاتك، ورأفة تحننك، على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق، الخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات الأباطيل، كما حمّل فاضطلع بأمرك بطاعتك، مستوفزا فى مرضاتك، واعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أورى قبسا لقابس آلاء الله، تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب، بعد خوضات الفتن والإثم، وأبهج موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة ورسولك بالحق رحمة، اللهم افسح له فى عدنك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنئات له غير مكدرات، من فوز ثوابك المحلول، وجزيل عطائك المعلول، اللهم أعل على بناء الناس بناءه، وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، ومرضى المقالة، ذا منطق عدل، وخطة فصل، وبرهان عظيم «٢» .
حديث موقوف، رواه الطبرانى لكن قال الحافظ ابن كثير: فى سنده نظر،
стр. 1276
قال: وقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزى: سلامة الكندى هذا ليس بمعروف، ولم يدرك عليّا، كذا قال:
وقوله: «داحى المدحوات» : أى باسط الأرضين، وكل شىء بسطته ووسعته فقد دحوته. «وبارئ المسموكات» : أى خالق السماوات، وكل شىء رفعته وأعليته فقد سمكته. «والدافع لجيشات الأباطيل» : أى المهلك لما نجم وارتفع منها وفار. وأصل «الدمغ» من الدماغ، دمغه: أصاب دماغه، و «جيشات» من جاش إذا ارتفع. «واضطلع» : افتعل من الضلاعة، وهى القوة. «وأورى قبسا لقابس» : أى أظهر نورا من الحق لطالبه. «وآلاء الله» :
نعم الله «تصل بأهله» : أى أهل ذلك القبس وهو الإسلام والحق أسبابه، وأهله المؤمنون. «وبه هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم» : أى هديت بعد الكفر والفتن لموضحات الأعلام. «ونائرات» و «المنيرات» : الواضحات، يقال: نار الشىء، وأنار إذا وضح. «وشهيدك يوم الدين» : يريد الشاهد على أمته يوم القيامة. «وبعيثك نعمة» : أى مبعوثك، فعيل بمعنى مفعول. «وافسح له» : أى وسع له. «وفى عدنك» : أى فى جنة عدن. «والمعلول» : من العلل وهو الشرب بعد الشرب، يريد أن إعطاءه مضاعف، كأنه يعل به عباده، أى:
يعطيهم عطاء بعد عطاء. «وأعل على بناء الناس» وفى رواية: البانين، أى ارفع فوق أعمال العاملين عمله. «وأكرم مثواه» : أى منزله. «ونزله» : رزقه.
«والخطة» : بضم الخاء المعجمة، الأمر والقصة. «والفصل» : القطع.
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا صليتم على رسول الله- ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، فقالوا له علمنا، قال: قولوا اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا، يغبطه فيه الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد «١» حديث موقوف، رواه ابن ماجه.
стр. 1277
وعن رويفع بن ثابت الأنصارى أن رسول الله- ﷺ قال: «من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد الصدق المقرب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتى» «١» . رواه الطبرانى. قال ابن كثير: وإسناده حسن ولم يخرجوه. وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبى الأمى وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد» «٢» رواه أبو داود. وعن طاووس: سمعت ابن عباس يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله فى الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى. رواه إسماعيل القاضى. قال ابن كثير: وإسناده جيد قوى صحيح.
[مواطن الصلاة على النبي ص]
وأما المواطن التى تشرع فيها الصلاة عليه- ﷺ .
فمنها: التشهد الأخير ،
وهى واجبة فيه، كما قدمنا، وفى وجوبها فى التشهد الأول قولان، أظهرهما المنع، لبنائه على التخفيف، بل هى سنة، وفى استحباب الصلاة على الآل فى التشهد الأول القولان، وفى وجوبها فى الأخير رأيان: أصحهما المنع، بل هى سنة تابعة، وأقلها اللهم صل على محمد، وكذا: صلى الله على محمد، وأقلها على الآل: وآله. وقال فى «الكفاية» بإعادة «على» .
ومنها: خطبة الجمعة ،
وكذا غيرها من الخطب، فلا تصح خطبتا الجمعة إلا بها، لأنها عبادة. وذكر الله فيها شرط، فوجب ذكر الرسول فيها كالأذان والصلاة، وهذا مذهب الشافعى وأحمد.
ومنها: عقب إجابة المؤذن ،
لما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ابن العاصى، أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على، فإنه من صلى على صلاة واحدة صلى الله عليه بها
стр. 1278
عشرا، ثم سلوا الله لى الوسيلة، فإنها منزلة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة» «١» وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى من حديث كعب ابن علقمة، وذكره بلفظ «الرجاء» وإن كان متحقق الوقوع أدبا وإرشادا منه وتذكيرا بالخوف، وتفويضا إلى الله بحسب مشيئته، وليكون الطالب للشىء بين الرجاء والخوف. وقوله: «حلت عليه الشفاعة» أى وجبت، وقيل غشيته ونزلت به.
تنبيه:
قال شيخنا فى «المقاصد الحسنة» : حديث «الدرجة الرفيعة» المدرج فيما يقال بعد الأذان، لم أره فى شىء من الروايات، وأصل الحديث عند أحمد والبخارى والأربعة عن جابر مرفوعا: (من قال حين يسمع النداء:
اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته، حلت له شفاعتى يوم القيامة) «٢» : قال وكأن من زادها اغتر بما وقع فى بعض نسخ «الشفاء» من حديث جابر المشار إليه، لكن مع زيادتها فى هذه النسخة المعتمدة علم عليها كاتبها بما يشير إلى الشك فيها، ولم يرها فى سائر نسخ الشفاء، بل فى الشفاء عقد لها فصلا فى مكان آخر ولم يذكر فيه حديثا صريحا، وهو دليل لغلطها. انتهى والله أعلم.
ومنها: أول الدعاء وأوسطه وآخره ،
لما روى أحمد من حديث جابر:
أن رسول الله- ﷺ قال: «لا تجعلونى كقدح الراكب، فإن الراكب يملأ
стр. 1279
قدحه ثم يضعه ويرفع متاعه فإذا احتاج إلى شراب شرب، أو الوضوء توضأ، وإلا أهراقه، ولكن اجعلونى فى أول الدعاء وأوسطه وآخره» «١» .
ومنها: وهو من آكدها، عقب دعاء القنوت ،
لما رواه أحمد وأهل السنن، وابن جرير وابن حبان والحاكم، من حديث أبى الجوزاء، عن الحسن ابن على قال: علمنى رسول الله- ﷺ كلمات أقولهن فى الوتر: (اللهم اهدنى فيمن هديت، وعافنى فيمن عافيت، وتولنى فيمن توليت، وبارك لى فيما أعطيت، وقنى شر ما قضيت، فإنك تقضى ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، [ولا يعز من عاديت] «٢» تباركت ربنا وتعاليت) «٣» وزاد النسائى فى سننه: وصلى الله على النبى، وسيأتى فى المقصد التاسع البحث فى ذلك- إن شاء الله تعالى-.
ومنها: أثناء تكبيرات العيدين ،
لما روى إسماعيل القاضى أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة، خرج عليهم الوليد بن عقبة فقال: إن هذا العيد قد دنا، فكيف التكبير فيه؟ فقال عبد الله: تبتدئ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك وتصلى على النبى- ﷺ ، ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر وتركع، ثم تقوم فتكبر وتحمد ربك وتصلى على النبى- ﷺ ، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تركع. فقال حذيفة وأبو موسى صدق أبو عبد الرحمن. قال ابن كثير: إسناده صحيح.
стр. 1280
ومنها: عند دخول المسجد والخروج منه ،
لما رواه أحمد عن فاطمة قالت: كان رسول الله- ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد ثم قال:
«اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب رحمتك» ، وإذا خرج صلى على محمد ثم قال: «اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب فضلك» » .
ومنها: فى صلاة الجنازة ،
فإن السنة أن يقرأ الفاتحة بعد إحدى التكبيرات، وبعد الأولى أولى، وأن يصلى على النبى- ﷺ بعد الثانية، ويدعو للميت بعد الثالثة، وبعد الرابعة يقول: «اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده» «٢» . وفى ذلك حديث رواه الشافعى والنسائى.
ومنها: عند التلبية ،
لما رواه الشافعى والدار قطنى عن القاسم بن محمد ابن أبى بكر الصديق قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلى على النبى- ﷺ على كل حال.
ومنها: عند الصفا والمروة ،
لما روى إسماعيل القاضى عن عمر بن الخطاب أنه قال: إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعا، وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت فكبروا سبع تكبيرات، تكبيرا بعد حمد الله وثناء عليه، وصلاة على النبى- ﷺ ومسألة لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك. قال ابن كثير: إسناده حسن جيد قوى.
ومنها: عند الإجماع والتفرق ،
لما روى الترمذى عن أبى هريرة أن
стр. 1281
رسول الله- ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيه إلا كان عليه ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» «١» .
وروى إسماعيل القاضى عن أبى سعيد قال: ما من قوم يقاعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبى- ﷺ إلا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب «٢» .
ومنها: عند الصباح والمساء ،
لما روى الطبرانى من حديث أبى الدرداء مرفوعا: «من صلى على حين يصبح عشرا، وحين يمسى عشرا، أدركته شفاعتى يوم القيامة» «٣» .
ومنها: عند الوضوء ،
لحديث ابن ماجه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا وضوء لمن لم يصل على النبى- ﷺ » «٤» .
ومنها: عند طنين الأذن ،
لحديث أبى رافع عند ابن السنى مرفوعا: «إذا طنت أذن أحدكم فليذكرنى، وليصل على وليقل ذكر الله من ذكرنى بخير» «٥» .
ومنها: عند نسيان الشىء ،
لحديث أبى موسى المدينى، بسند فيه ضعف، عن أنس يرفعه: «إذا نسيتم شيئا فصلوا على تذكروه إن شاء الله تعالى» .
ومنها: بعد العطاس ،
كما ذهب إليه أبو موسى المدينى وجماعة،
стр. 1282
ونازعهم فى ذلك آخرون، وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الله تعالى، كالأكل والشرب والوقاع ونحو ذلك.
ومنها: عند زيارة قبره الشريف ،
لحديث أبى داود عن أبى هريرة: أن رسول الله- ﷺ قال: «ما من أحد يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد ﵇» «١» . وروى ابن عساكر: «من صلى على عند قبرى سمعته» وورد الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة وليلتها، فعن أوس بن أوس الثقفى قال:
قال رسول الله- ﷺ : «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة على» ، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت- يعنى: وقد بليت- قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» «٢» ، رواه أحمد وأبو داود والنسائى. وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطنى.
[الإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة]
قال الحافظ ابن كثير: وقد روى البيهقى من حديث أبى أمامة عن النبى- ﷺ الأمر بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ولكن فى إسناده ضعف. فإن قلت: ما الحكمة فى خصوصية الإكثار من الصلاة عليه- ﷺ يوم الجمعة وليلتها؟
أجاب ابن القيم بأن رسول الله- ﷺ سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، فللصلاة عليه فيه مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى، وهى أن كل خير نالته أمته فى الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده- ﷺ ، فجمع الله لأمته بين خيرى الدنيا والآخرة، وأعظم كرامة تحصل لهم فإنها تحصل لهم يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم فى الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو يوم عيدهم فى الدنيا، ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم
стр. 1283
بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقه- ﷺ أن يكثر من الصلاة عليه فى هذا اليوم وليلته.
[فضيلة الصلاة على النبي ص]
وأما فضيلة الصلاة عليه- ﷺ فقد ورد التصريح بها فى أحاديث قوية، لم يخرج البخارى منها شيئا، أمثلها ما أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة، عن النبى- ﷺ «من صلى على واحدة صلى الله عليه بها عشرا» «١» .
وعن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال: خرج رسول الله- ﷺ لحاجة، فلم يجد أحدا يتبعه، فأتاه عمر بمطهرة من خلفه، فوجد النبى- ﷺ ساجدا، فتنحى عنه حتى رفع النبى- ﷺ رأسه، فقال: «أحسنت يا عمر حين وجدتنى ساجدا فتنحيت عنى، إن جبريل أتانى فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، ورفعه عشر درجات» «٢» . رواه الطبرانى وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح قال ابن كثير: وقد اختار هذا الحديث الحافظ الضياء المقدسى فى كتابه «المستخرج على الصحيحين» .
وعن أبى طلحة أن رسول الله- ﷺ جاء ذات يوم والسرور يرى فى وجهه، فقالوا: يا رسول الله إنا لنرى السرور فى وجهك، فقال: «إنه أتانى الملك فقال: يا محمد، أما يرضيك أن ربك يقول: إنه لا يصلى عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا، قال: بلى» «٣» ، رواه الدارمى وأحمد وابن حبان والحاكم والنسائى، واللفظ له.
стр. 1284
وعن عامر بن ربيعة، أن رسول الله- ﷺ قال: «من صلى على صلاة لم تزل الملائكة تصلى عليه ما صلى على، فليقلّ عبد من ذلك أو ليكثر» «١» . رواه أحمد وابن ماجه من حديث شعبة.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: من صلى على رسول الله- ﷺ صلاة صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر «٢» ، رواه أحمد. والتخيير بعد الإعلام بما فيه الخيرة فى المختبر فيه على جهة التحذير من التفريط فى تحصيله، وهو قريب من معنى التهديد. وروى الترمذى، أن أبى بن كعب قال: يا رسول الله، إنى أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتى؟ قال: «ما شئت» ، قلت: الربع؟ قال: «ما شئت وإن زدت فهو خير لك» ، قلت: فالنصف؟ قال: «ما شئت وإن زدت فهو خير لك» ، قلت: فالثلثين؟ قال: «ما شئت وإن زدت فهو خير لك» ، قلت:
أجعل لك صلاتى كلها، قال: «إذن تكفى همك، ويغفر ذنبك» «٣» . ثم قال:
هذا حديث حسن.
فهذا ما يتعلق بالصلاة، وأما السلام فقال النووى: يكره إفراد الصلاة عن السلام، واستدل بورود الأمر بهما معا فى الآية، يعنى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٤» .
وتعقبوه: بأن النبى- ﷺ علم أصحابه التسليم قبل تعليمهم الصلاة، كما هو مصرح به فى قولهم: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلى عليك، وقوله- ﷺ بعد أن علمهم الصلاة والسلام: «كما قد علمتم» ، فأفرد التسليم مدة قبل الصلاة عليه. لكن قال فى فتح البارى: إنه
стр. 1285
يكره أن يفرد الصلاة ولا يسلم أصلا، أما لو صلى فى وقت، وسلم فى وقت آخر فإنه يكون ممتثلا.
وقال أبو محمد الجوينى من أصحابنا: السلام بمعنى الصلاة، فلا يستعمل فى الغائب ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: على ﵇، سواء فى هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به فيقال: سلام عليك، أو عليكم، أو السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه انتهى.
وقد جرت عادة بعض النساخ أن يفردوا عليّا وفاطمة- رضى الله عنهما- بالسلام، فيقولو: عليه أو ﵍ من دون سائر الصحابة فى ذلك، وهذا وإن كان معناه صحيحا لكن ينبغى أن يساوى بين الصحابة- رضى الله عنهم- فى ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، والشيخان وعثمان أولى بذلك منهما، أشار إليه ابن كثير.
وأما الصلاة على غير النبى- ﷺ فاختلف فيها. وأخرج البيهقى بسند واه من حديث بريدة رفعه: «لا تتركن فى التشهد الصلاة على وعلى أنبياء الله» . وأخرج إسماعيل القاضى بسند ضعيف من حديث أبى هريرة: «صلوا على أنبياء الله» . وأخرج الطبرانى من حديث ابن عباس رفعه: «إذا صليتم على فصلوا على أنبياء الله، فإن الله بعثهم كما بعثنى» «١» .
وثبت عن ابن عباس اختصاص ذلك بالنبى- ﷺ . أخرجه ابن أبى شيبة من طريق عثمان عن عكرمة عنه قال: «ما أعلم الصلاة تنبغى على أحد من أحد إلا على النبى- ﷺ » . وسنده صحيح. وحكى القول به عن مالك، وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز. وقال سفيان: يكره أن يصلى إلا على نبى. وعن بعض شيوخ مذهب مالك: لا يجوز أن يصلى إلا على محمد. قالوا: وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء وما ينبغى لنا أن نتعدى ما أمرنا به. وخالفه يحيى بن يحيى
стр. 1286
فقال: لا بأس به، واحتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة، فلا تمنع إلا بنص أو إجماع.
وأما الصلاة على غير الأنبياء، فإن كان على سبيل التبعية كما تقدم فى الحديث: اللهم صل على محمد وآل محمد ونحوه، فهو جائز بالإجماع.
وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم.
فقال قائلون بجواز ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ «١» وبقوله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ «٢» ، وبقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ «٣» ، وبحديث عبد الله بن أبى أوفى قال: كان رسول الله- ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صل عليهم» ، فأتاه أبى بصدقته فقال: «اللهم صل على آل أبى أوفى» «٤» أخرجه الشيخان.
وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة، لأن هذا قد صار شعارا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال أبو بكر ﷺ . أو: قال على ﷺ ، وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: قال محمد ، وإن كان عزيزا جليلا، لأن هذا من شعار ذكر الله . وحملوا ما ورد فى ذلك من الكتاب والسنة على الدعاء لهم، ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبى أوفى. وهذا مسلك حسن.
وقال آخرون: لا يجوز ذلك، لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدى بهم فى ذلك. ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو كراهة
стр. 1287
التنزيه، أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاها النووى فى كتاب «الأذكار» ، ثم قال: والصحيح الذى عليه الأكثرون، أنه مكروه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم.
الفصل الثالث فى ذكر محبة أصحابه ص وقرابته وأهل بيته وذريته
[فى ذكر محبة آله ص وقرابته وأهل بيته وذريته]
قال الطبرى: اعلم أن الله تعالى لما اصطفى نبيه- ﷺ على جميع من سواه، وخصه بما عمه به من فضله الباهر وحباه، أعلى ببركته من انتمى إليه نسبا أو نسبة، ورفع من انطوى عليه نصرة وصحبة، وألزم مودة قرباه كافة بريته، وفرض محبة جملة أهل بيته المعظم وذريته، فقال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى «١» . ويروى أنها لما نزلت قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء؟ قال: «على وفاطمة وابناهما» . وقال تعالى:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «٢» . وقد اختلف فى المراد بأهل البيت فى هذه الآية.
فروى ابن أبى حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت فى نساء النبى- ﷺ وروى ابن جرير عن عكرمة، أنه كان ينادى فى السوق إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «٣» قال: نزلت فى نساء النبى- ﷺ .
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يعنى: ما فى الآية نص فى دخول أزواجه- ﷺ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا، إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح. وقيل: المراد النبى- ﷺ .
стр. 1288
قال عكرمة: من شاء باهلته «١» أنها نزلت فى نساء النبى- ﷺ . فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن ففى هذا نظر فإنه قد ورد فى ذلك أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك. فروى الإمام أحمد عن واثلة ابن الأسقع أن رسول الله- ﷺ جاء ومعه على وحسن وحسين آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدنى عليّا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه- أو قال: كساءه- ثم تلا هذه الآية إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «٢» وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتى، وأهل بيتى أحق» «٣» .
زاد فى رواية ابن جرير، فقلت: وأنا يا رسول الله من أهلك، قال: وأنت من أهلى. قال واثلة: وإنها أرجى ما أرتجى.
وعن أم سلمة أن رسول الله- ﷺ كان فى بيتها، إذ جاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فدخلت عليه بها، فقال: «ادعى زوجك وابنيك» قالت:
فجاء على وحسن وحسين فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وتحته كساء، قالت: وأنا فى الحجرة أصلى، فينزل الله هذه الآية إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «٤» قالت:
فأخذ فضل الكساء فغشاهم به ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال:
«اللهم هؤلاء أهل بيتى وحامتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» ، قالت: فأدخلت رأسى من البيت فقلت وأنا معكم يا رسول الله فقال: «إنك
стр. 1289
إلى خير، إنك إلى خير» «١» . رواه أحمد فى إسناده من لم يسم وبقية إسناده ثقات. وقوله: «حامتى» بالتشديد، أى خاصتى.
وعن أبى سعيد قال: قال رسول الله- ﷺ : «نزلت هذه الآية فى خمسة: فىّ وفى على وحسن وحسين وفاطمة إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «٢» » رواه ابن جرير، ورواه أحمد فى المناقب، والطبرانى.
وعن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله- ﷺ خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتينى رسول ربى فأجيبه، وإنى تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله ، فيه الهدى والنور، فتمسكوا بكتاب الله ، وخذوا به» ، وحث فيه ورغب فيه ثم قال: «وأهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى» ، ثلاث مرات. فقيل لزيد: من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال:
بلى، إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال:
ومن هم؟ قال: هم آل على وال جعفر وآل عقيل وآل العباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم «٣» ، خرجه مسلم، و «الثقل» محركة كما فى القاموس كل شىء نفيس مصون، قال: ومنه حديث «إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى» «٤» ، وهى بكسر المهملة وسكون المثناة الفوقية. والأخذ بهذا الحديث أحرى، وليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هن مع أهله، ولا يشك من تدبر القرآن أن نساء النبى- ﷺ داخلات فى الآية الكريمة، فإن
стр. 1290
سياق الكلام معهن، ولهذا قال بعد هذا كله وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ»
. وهذا اختيار ابن عطية بعد أن نقل أن الجمهور على أنّهم: على وفاطمة والحسن والحسين. قال: وحجة الجمهور قوله تعالى:
عَنْكُمُ، وَيُطَهِّرَكُمْ «٢» ب «الميم» ولو كان للنساء خاصة لقال: عنكن.
وأجيب أن الخطاب بلفظ التذكير وقع على سبيل التغليب. فيكون المراد به كالمراد ب «آل» فى حديث كيفية الصلاة عليه السابق ذكره، على قول من فسره به، كما قدمته مع غيره قريبا فى الفصل السابق، والله أعلم. ولله در القائل:
يا آل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله فى القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفضل أنكم ... من لم يصل عليكم لا صلاة له
وأخرج أحمد عن أبى سعيد معنى حديث زيد بن أرقم السابق مرفوعا بلفظ: «إنى أوشك أن أدعى فأجيب، وإنى تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتى، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتى، وإن اللطيف الخبير أخبرنى أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا بماذا تخلفونى فيهما» «٣» وعترة الرجل- كما قاله الجوهرى-: أهله ونسله، ورهطه الأدنون، أى الأقارب. وعن أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- أنه قال: (يا أيها الناس ارقبوا محمدا فى أهل بيته) «٤» رواه البخارى. والمراقبة للشىء:
المحافظة عليه، يقول: احفظوهم فلا تؤذوهم.
وقال أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- كما فى البخارى أيضا- (لقرابة رسول
стр. 1291
الله- ﷺ أحب إلىّ أن أصل من قرابتى) «١» وهذا قاله على سبيل الاعتذار لفاطمة من منعه إياها ما طلبته منه من تركة النبى- ﷺ ، وقد جرى منه على موجب الإيمان، لأنه- ﷺ شرط الأحبية فيه على النفس والمال والولد، كما ذكرته فى الفصل الأول من هذا المقصد. ثم إنه- ﷺ أثبت لأقاربه ما أثبت لنفسه من ذلك فقال: «من أحبهم فبحبى أحبهم» «٢» وحثنا على ذلك شفقة منه علينا- صلوات الله وسلامه عليه وعليهم-، ولقد أحسن القائل:
رأيت ولائى آل طه فريضة ... على رغم أهل البعد يورثنى القربى
فما طلب المبعوث أجرا على الهدى ... بتبليغه إلا المودة فى القربى
وفى الترمذى- وقال: حديث حسن غريب-: «أحبوا الله لما يغذوكم به، وأحبونى بحب الله، وأحبوا أهل بيتى بحبى» «٣» . وفى المناقب لأحمد: من أبغض أهل البيت فهو منافق. وروى ابن سعد: من صنع إلى أحد من أهل بيتى معروفا، فعجز عن مكافأته فى الدنيا، فأنا المكافىء له فى يوم القيامة.
والمراد بالقرابة من ينتسب إلى جده الأقرب، وهو عبد المطلب، ممن صحب النبى- ﷺ ، أو رآه من ذكر وأنثى، وهم:
* على وأولاده: الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم من فاطمة- رضى الله عنها-.
* وجعفر بن أبى طالب وأولاده: عبد الله، وعون، ومحمد، ويقال إنه كان لجعفر بن أبى طالب ابن اسمه أحمد.
стр. 1292
* وعقيل بن أبى طالب، وولده مسلم بن عقيل.
* وحمزة بن عبد المطلب، وأولاده: يعلى، وعمارة، وأمامة.
* والعباس بن عبد المطلب، وأولاده الذكور العشرة، وهم: الفضل، وعبد الله، وقثم، وعبيد الله، والحارث، ومعبد، وعبد الرحمن، وكثير، وعون، وتمام، وفيه يقول العباس- رضى الله عنه-:
تموا بتمام فصاروا عشرة ... يا رب فاجعلهم كراما بررة
ويقال: إن لكل منهم رؤية، وكان له من الإناث: أم حبيبة، وآمنة، وصفية، وأكثرهم من لبابة أم الفضل.
* ومعتب بن أبى لهب، والعباس بن أبى لهب «١» ، وكان زوج آمنة بنت العباس.
* وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وأخته ضباعة، وكانت زوج المقداد بن الأسود.
* وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه جعفر.
* ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وابناه: المغيرة والحارث، ولعبد الله بن الحارث هذا رؤية. وكان يلقب «ببة» بموحدتين، الثانية ثقيلة.
* وأميمة وأروى وعاتكة وصفية بنات عبد المطلب، أسلمت صفية وصحبت، وفى الباقيات خلاف، والله أعلم.
وفى البخارى من حديث سعد بن أبى وقاص أن النبى- ﷺ قال لعلى: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبى بعدى» «٢» وفى لفظ آخر (أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى) أى نازلا منى منزلة هارون من موسى. والباء زائدة.
стр. 1293
وقال الطيبى: معنى الحديث: أنت متصل بى نازل منى منزلة هارون من موسى. وفيه تشبيه مبهم بينه بقوله: (إلا أنه لا نبى بعدى) «١» فعرف أن الاتصال بينهما ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها وهو الخلافة، ولما كان هارون المشبه به، إنما كان خليفة فى حياة موسى، دل ذلك على تخصيص خلافة على النبى- ﷺ بحياته والله أعلم. وأما ما استدل به من هذا الحديث على استحقاق على للخلافة دون غيره من الصحابة، فإن هارون كان خليفة موسى، فأجيب: بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا فى حياته لا بعد موته، لأنه مات قبل موسى باتفاق. أشار إلى ذلك الخطابى.
وأما حديث الترمذى والنسائى «من كنت مولاه فعلى مولاه» «٢» فقال الشافعى: يعنى بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ «٣» وقول عمر: أصبحت مولى كل مؤمن، أى ولى كل مؤمن. وطرق هذا الحديث كثيرة جدّا، استوعبها ابن عقدة فى كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان.
وروى أنه- ﷺ قال: «من آذى عليّا فقد آذانى» «٤» خرجه أحمد.
وأخرج المخلص الذهبى: «من أحب عليّا فقد أحبنى» . وقد ذكر النقاش: أن قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا «٥» نزلت فى على: وقال محمد ابن الحنفية: لا تجد مؤمنا إلا وهو يحب عليّا وأهل بيته. وقال أبو حيان فى «البحر» : ومن الغريب ما أنشدنا الإمام اللغوى رضى الدين أبو عبد الله بن يوسف الأنصارى الشاطبى لزبينا بن إسحاق النصرانى الرسعنى:
стр. 1294
عدى وتيم لا أحاول ذكرهم ... بسوء ولكنى محب لهاشم
وما يعترينى فى على ورهطه ... إذا ذكروا فى الله لومة لائم
يقولون ما بال النصارى تحبهم ... وأهل النهى من أعرب وأعاجم
فقلت لهم أنى لأحسب حبهم ... سرى فى قلوب الخلق حتى البهائم
وقالت عائشة- رضى الله عنها-: كانت فاطمة أحب الناس إلى رسول الله- ﷺ ، وزوجها أحب الرجال إليه «١» . رواه الترمذى. وفى البخارى: «إن فاطمة بضعة منى، فمن أغضبها أغضبنى» «٢» و «البضعة» بفتح الباء الموحدة، وحكى ضمها وكسرها أيضا، وبسكون المعجمة، أى قطعة لحم. واستدل به السهيلى على أن من سبها فإنه يكفر.
وفى الترمذى من حديث أسامة بن زيد- وقال حسن غريب- إنه- ﷺ قال فى حسن وحسين: «اللهم إنى أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما» «٣» . وخرجه مسلم من حديث أبى هريرة فى الحسن خاصة «٤» ، زاد أبو حاتم فما كان أحد أحب إلى من الحسن بعد ما قال- ﷺ ما قال.
وفى حديث أبى هريرة أيضا عند الحافظ السلفى قال: ما رأيت الحسن ابن على قط إلا فاضت عيناى دموعا، وذلك أن رسول الله- ﷺ خرج يوما وأنا فى المسجد فأخذ بيدى واتكأ على حتى جئنا سوق قينقاع، فنظر فيه ثم رجع حتى جلس فى المسجد ثم قال: «ادع ابنى» ، قال: فأتى الحسن بن
стр. 1295
على يشتد حتى وقع فى حجره، فجعل رسول الله- ﷺ يفتح فمه، ثم يدخل فمه فى فمه ويقول: «اللهم إنى أحبه فأحبه وأحب من يحبه» «١» ، ثلاث مرات.
وفى الترمذى من حديث أنس، أنه- ﷺ كان يشمهما ويضمهما إليه، وقال: «من أحبنى وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معى فى درجتى يوم القيامة» «٢» ، رواه أحمد، وقال الترمذى: «كان معى فى الجنة» ، وقال:
حديث غريب. وليس المراد بالمعية هنا المعية من حيث المقام، بل من حيث رفع الحجاب، وتقدم نحوه فى قوله تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ «٣» فى المقصد السادس.
وفى حديث أبى زهير بن الأرقم عن رجل من الأزد أنه- ﷺ قال فى الحسن «من أحبنى فليحبه، فيبلغ الشاهد الغائب» . وفى البخارى: «هما ريحانتاى من الدنيا» «٤» . وكان- ﷺ يمص لسان الحسن أو شفته «٥» ، رواه أحمد.
وعن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر، وحمل الحسن وهو يقول:
بأبى شبيه بالنبى، ليس شبيها بعلى. وعلى يضحك «٦» . وعن محمد بن
стр. 1296
سيرين عن أنس: كان- يعنى الحسين- أشبههم برسول الله- ﷺ «١» .
رواهما البخارى.
وعنده عن رواية الزهرى عن أنس (لم يكن أحد أشبه بالنبى- ﷺ من الحسن بن على) «٢» وهذا قد يعارضه قول على فى صفة النبى- ﷺ :
«لم أر قبله ولا بعده مثله» ، أخرجه الترمذى فى الشمائل كما تقدم فى المقصد الثالث، وأجيب: بأن يحمل النفى على عموم الشبه، والإثبات على معظمه.
وقول أنس: (لم يكن أحد أشبه بالنبى- ﷺ من الحسن بن على) قد يعارض رواية ابن سيرين عنه السابقة (كان الحسين- يعنى بالياء- أشبههم بالنبى- ﷺ ) ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع فى رواية الزهرى فى حياة الحسن، لأنه كان يومئذ أشد شبها بالنبى- ﷺ من أخيه الحسين. وأما ما وقع فى رواية ابن سيرين فكان بعد ذلك، أو المراد بمن فضل عليه الحسين فى الشبه، كان من عدا الحسن، ويحتمل أن يكون كل منهما كان أشد شبها به فى بعض أعضائه، فقد روى الترمذى وابن حبان من طريق هانئ بن هانئ عن على قال: الحسن أشبه رسول الله- ﷺ ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه النبى- ﷺ ما كان أسفل من ذلك «٣» .
وقد عدوا من كان له شبه بالنبى- ﷺ سوى الحسن والحسين جعفر بن أبى طالب، وقد قال- ﷺ لجعفر: «أشبهت خلقى وخلقى» «٤» قال الترمذى: حسن صحيح. وابنه عبد الله بن جعفر. وقثم بن العباس بن عبد المطلب. وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. ومسلم بن عقيل بن
стр. 1297
أبى طالب. ومن غير بنى هاشم: السائب بن يزيد المطلبى، الجد الأعلى للإمام الشافعى. وعبد الله بن عامر بن كريز- بضم الكاف وفتح الراء- وكابس بن ربيعة رجل من أهل البصرة، وجه إليه معاوية، وقبله بين عينيه وأقطعه قطيعة، وكان أنس إذا رآه بكى. فهؤلاء عشرة، ونظمهم شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل ابن حجر فقال:
شبه النبى لعشر سائب وأبى ... سفيان والحسنين الطاهرين هما
وجعفر وابنه ثم ابن عامرهم ... ومسلم كابس يتلوه مع قثما
وعدهم بعضهم: سبعة وعشرين. وممن كان يشبهه أيضا: فاطمة ابنته، وإبراهيم ولده. وولدا جعفر، عبد الله- السابق ذكره- وأخوه عون. وكان يشبهه أيضا من أهل البيت غير هؤلاء: إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن على ابن أبى طالب. ويحيى بن القاسم بن محمد بن جعفر بن على بن الحسين ابن على، وكان يقال له: الشبيه. قال الشريف محمد بن أسعد النسابة فى الزورة الأنيسة لمشهد السيدة نفيسة أنه كان ليحيى هذا موضع خاتم النبوة شامة قدر بيضه الحمامة، تشبه خاتم النبوة، وكان إذا دخل الحمام ورآه الناس صلوا على النبى- ﷺ وازدحموا عليه يقبلون ظهره تبركا، ولذا وصف بالشبيه.
والقاسم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبى طالب. وعلى بن على بن نجاد بن رفاعة الرفاعى، شيخ بصرى من أتباع التابعين. والمراد بالشبه هنا، الشبه فى البعض، وإلا فتمام حسنه- ﷺ منزه عن الشريك، كما قال الأبوصيرى- ﵀ وأجاد:
منزه عن شريك فى محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
كما أشرت إليه فى أول المقصد الثالث.
وقد أطلت المقال، وإنما جرنى إلى ذلك ذكر حمل الصديق للحسن على عاتقه، المشعر بالإكرام من أفضل البشر بعد النبيين، لأهل البيت المحمدى، وحملهم على الأعناق، ولا سيما مع قوله- رضى الله عنه- لقرابة رسول
стр. 1298
الله- ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتى «١» ، فلما تضمن هذا الحديث ذلك الشبه الكريم جرنى الكلام إليه، وهذا وقع لى كثير فى هذا المجموع لكنه لا يخلو عن فرائد الفوائد.
وقد روى أنه- ﷺ قال: «العباس بن عبد المطلب منى وأنا منه، لا تؤذوا العباس فتؤذنى، من سب العباس فقد سبنى» «٢» أخرجه البغوى فى معجمه. وقال- ﷺ للعباس أيضا: «والذى نفسى بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله» ، ثم قال: «أيها الناس، من آذى عمى فقد آذانى، فإنما عم الرجل صنو أبيه» «٣» رواه الترمذى وقال: حسن صحيح.
وفى قوله: «لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم» الإشارة إلى الإيمان الحقيقى المنجى، وهو التصديق القلبى، وبين المحبة والإيمان ارتباط من جهة أن المحبة ميل القلب إلى المحبوب، والإيمان التصديق القلبى، فيجتمعان فى القلب، وجعلهما متلازمين، فيلزم من نفى أحدهما نفى الآخر، ثم علل هذه المحبة بكونها لله ولرسوله، فلا عبرة بمحبة تكون لغير ذلك، ثم جعل أذاه كأذى نفسه، لأنه عضوه وعصبه، ثم عظم مقامه بتنزيله منزلة الأب، فكما أنه يجب على الولد تعظيم والده والقيام بحقوقه فكذلك عمه، فقال:
«وإنما عم الرجل صنو أبيه» وهو بكسر الصاد المهملة وسكون النون، أى:
مثل أبيه، قال ابن الأثير: وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، يريد أن أصل العباس وأصل أبى واحد، انتهى.
وجلله- ﷺ وبنيه بكساء ثم قال: «اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا، اللهم احفظه فى ولده» «٤» رواه الترمذى وقال:
стр. 1299
حسن غريب. وبين ابن السرى فى روايته: أن بنيه الذين جللوا بالكساء كانوا ستة: الفضل وعبد الله وعبيد الله وقثم ومعبد وعبد الرحمن. قال: وغطاهم بشملة له سوداء مخططة بحمرة وقال: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتى وعترتى فاسترهم من النار كسترهم بهذه الشملة» قال: فلم يبق فى البيت مدرة ولا باب إلا أمن.
وروى أنه- ﷺ قال لعقيل بن أبى طالب: «إنى أحبك حبين، حبّا لقرابتك منى، وحبّا لما كنت أعلم من حب عمى لك» »
قال الطبرى: أخرجه أبو عمر، والبغوى. وروى الدارقطنى أنه- ﷺ قال يوم حنين: «أبو سفيان ابن الحارث خير أهلى، أو من خير أهلى» «٢» . وأخرج الحاكم وصححه عن أبى سعيد: أن رسول الله- ﷺ قال: «لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار» «٣» .
اعلم أنه قد اشتهر استعمال أربعة ألفاظ يوصفون بها:
الأولى: آله- ﵊.
والثانية: أهل بيته.
والثالثة: ذوو القربى.
والرابعة: عترته.
فأما الأولى: فذهب قوم إلى أنهم هم أهل بيته، وقال آخرون: هم الذين حرمت عليهم الصدقة وعوضوا عنها خمس الخمس، وقال قوم: من دان بدينه وتبعه فيه.
وأما اللفظة الثانية، وهى أهل بيته، فقيل من ناسبه إلى جده الأدنى، وقيل من اجتمع معه فى رحم، وقيل من اتصل به بنسب أو سبب.
стр. 1300
وأما اللفظة الثالثة: وهى ذوو القربى، فروى الواحدى فى تفسيره بسنده عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى «١» قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمرنا الله تعالى بمودتهم؟ قال: «على وفاطمة وابناهما» .
وأما اللفظة الرابعة: وهى عترته، فقيل العشيرة، وقيل الذرية، فأما العشيرة فهى الأهل الأولون، وأما الذرية: فنسل الرجل، وأولاد بنت الرجل ذريته، ويدل عليه قوله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ إلى قوله:
وَعِيسى «٢» ، ولم يتصل عيسى بإبراهيم إلا من جهة أمه مريم.
فهذه الذرية الطاهرة، قد خصوا بمزايا التشريف، وعموا بواسطة السيدة فاطمة بفضل منيف، وألبسوا رداء الشرف، ومنحوا بمزيد الإكرام والتحف.
وقد وقع الاصطلاح على اختصاصهم من بين ذوى الشرف كالعباسيين والجعافرة بالشطفة الخضراء، لمزيد شرفهم.
والسبب فى ذلك- كما قيل- أن المأمون أراد أن يجعل الخلافة فى بنى فاطمة فاتخذ لهم شعارا وألبسهم ثيابا خضرا- لكون السواد شعار العباسيين، والبياض شعار سائر المسلمين فى جمعهم ونحوها، والأحمر مختلف فى كراهته، والأصفر شعار اليهود باخرة. ثم انثنى عزمه عن ذلك، ورد الخلافة لبنى العباس، فبقى ذلك شعار الأشراف العلويين من الزهراء، لكنهم اختصروا الثياب إلى قطعة من ثوب أخضر توضع على عمائمهم شعارا لهم ثم انقطع ذلك إلى أواخر القرن الثامن.
قال فى حوادث سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة من «أنباء الغمر بأبناء العمر» : وفيها أمر السلطان الأشرف أن يمتازوا عن الناس بعصائب خضر على العمائم، ففعل ذلك بمصر والشام وغيرهما، وفى ذلك يقول الأديب أبو عبد الله بن جابر الأندلسى: