سيرين عن أنس: كان- يعنى الحسين- أشبههم برسول الله- ﷺ «١» .
رواهما البخارى.
وعنده عن رواية الزهرى عن أنس (لم يكن أحد أشبه بالنبى- ﷺ من الحسن بن على) «٢» وهذا قد يعارضه قول على فى صفة النبى- ﷺ :
«لم أر قبله ولا بعده مثله» ، أخرجه الترمذى فى الشمائل كما تقدم فى المقصد الثالث، وأجيب: بأن يحمل النفى على عموم الشبه، والإثبات على معظمه.
وقول أنس: (لم يكن أحد أشبه بالنبى- ﷺ من الحسن بن على) قد يعارض رواية ابن سيرين عنه السابقة (كان الحسين- يعنى بالياء- أشبههم بالنبى- ﷺ ) ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع فى رواية الزهرى فى حياة الحسن، لأنه كان يومئذ أشد شبها بالنبى- ﷺ من أخيه الحسين. وأما ما وقع فى رواية ابن سيرين فكان بعد ذلك، أو المراد بمن فضل عليه الحسين فى الشبه، كان من عدا الحسن، ويحتمل أن يكون كل منهما كان أشد شبها به فى بعض أعضائه، فقد روى الترمذى وابن حبان من طريق هانئ بن هانئ عن على قال: الحسن أشبه رسول الله- ﷺ ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه النبى- ﷺ ما كان أسفل من ذلك «٣» .
وقد عدوا من كان له شبه بالنبى- ﷺ سوى الحسن والحسين جعفر بن أبى طالب، وقد قال- ﷺ لجعفر: «أشبهت خلقى وخلقى» «٤» قال الترمذى: حسن صحيح. وابنه عبد الله بن جعفر. وقثم بن العباس بن عبد المطلب. وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. ومسلم بن عقيل بن
стр. 1297
أبى طالب. ومن غير بنى هاشم: السائب بن يزيد المطلبى، الجد الأعلى للإمام الشافعى. وعبد الله بن عامر بن كريز- بضم الكاف وفتح الراء- وكابس بن ربيعة رجل من أهل البصرة، وجه إليه معاوية، وقبله بين عينيه وأقطعه قطيعة، وكان أنس إذا رآه بكى. فهؤلاء عشرة، ونظمهم شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل ابن حجر فقال:
شبه النبى لعشر سائب وأبى ... سفيان والحسنين الطاهرين هما
وجعفر وابنه ثم ابن عامرهم ... ومسلم كابس يتلوه مع قثما
وعدهم بعضهم: سبعة وعشرين. وممن كان يشبهه أيضا: فاطمة ابنته، وإبراهيم ولده. وولدا جعفر، عبد الله- السابق ذكره- وأخوه عون. وكان يشبهه أيضا من أهل البيت غير هؤلاء: إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن على ابن أبى طالب. ويحيى بن القاسم بن محمد بن جعفر بن على بن الحسين ابن على، وكان يقال له: الشبيه. قال الشريف محمد بن أسعد النسابة فى الزورة الأنيسة لمشهد السيدة نفيسة أنه كان ليحيى هذا موضع خاتم النبوة شامة قدر بيضه الحمامة، تشبه خاتم النبوة، وكان إذا دخل الحمام ورآه الناس صلوا على النبى- ﷺ وازدحموا عليه يقبلون ظهره تبركا، ولذا وصف بالشبيه.
والقاسم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبى طالب. وعلى بن على بن نجاد بن رفاعة الرفاعى، شيخ بصرى من أتباع التابعين. والمراد بالشبه هنا، الشبه فى البعض، وإلا فتمام حسنه- ﷺ منزه عن الشريك، كما قال الأبوصيرى- ﵀ وأجاد:
منزه عن شريك فى محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
كما أشرت إليه فى أول المقصد الثالث.
وقد أطلت المقال، وإنما جرنى إلى ذلك ذكر حمل الصديق للحسن على عاتقه، المشعر بالإكرام من أفضل البشر بعد النبيين، لأهل البيت المحمدى، وحملهم على الأعناق، ولا سيما مع قوله- رضى الله عنه- لقرابة رسول
стр. 1298
الله- ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتى «١» ، فلما تضمن هذا الحديث ذلك الشبه الكريم جرنى الكلام إليه، وهذا وقع لى كثير فى هذا المجموع لكنه لا يخلو عن فرائد الفوائد.
وقد روى أنه- ﷺ قال: «العباس بن عبد المطلب منى وأنا منه، لا تؤذوا العباس فتؤذنى، من سب العباس فقد سبنى» «٢» أخرجه البغوى فى معجمه. وقال- ﷺ للعباس أيضا: «والذى نفسى بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله» ، ثم قال: «أيها الناس، من آذى عمى فقد آذانى، فإنما عم الرجل صنو أبيه» «٣» رواه الترمذى وقال: حسن صحيح.
وفى قوله: «لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم» الإشارة إلى الإيمان الحقيقى المنجى، وهو التصديق القلبى، وبين المحبة والإيمان ارتباط من جهة أن المحبة ميل القلب إلى المحبوب، والإيمان التصديق القلبى، فيجتمعان فى القلب، وجعلهما متلازمين، فيلزم من نفى أحدهما نفى الآخر، ثم علل هذه المحبة بكونها لله ولرسوله، فلا عبرة بمحبة تكون لغير ذلك، ثم جعل أذاه كأذى نفسه، لأنه عضوه وعصبه، ثم عظم مقامه بتنزيله منزلة الأب، فكما أنه يجب على الولد تعظيم والده والقيام بحقوقه فكذلك عمه، فقال:
«وإنما عم الرجل صنو أبيه» وهو بكسر الصاد المهملة وسكون النون، أى:
مثل أبيه، قال ابن الأثير: وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، يريد أن أصل العباس وأصل أبى واحد، انتهى.
وجلله- ﷺ وبنيه بكساء ثم قال: «اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا، اللهم احفظه فى ولده» «٤» رواه الترمذى وقال:
стр. 1299
حسن غريب. وبين ابن السرى فى روايته: أن بنيه الذين جللوا بالكساء كانوا ستة: الفضل وعبد الله وعبيد الله وقثم ومعبد وعبد الرحمن. قال: وغطاهم بشملة له سوداء مخططة بحمرة وقال: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتى وعترتى فاسترهم من النار كسترهم بهذه الشملة» قال: فلم يبق فى البيت مدرة ولا باب إلا أمن.
وروى أنه- ﷺ قال لعقيل بن أبى طالب: «إنى أحبك حبين، حبّا لقرابتك منى، وحبّا لما كنت أعلم من حب عمى لك» »
قال الطبرى: أخرجه أبو عمر، والبغوى. وروى الدارقطنى أنه- ﷺ قال يوم حنين: «أبو سفيان ابن الحارث خير أهلى، أو من خير أهلى» «٢» . وأخرج الحاكم وصححه عن أبى سعيد: أن رسول الله- ﷺ قال: «لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار» «٣» .
اعلم أنه قد اشتهر استعمال أربعة ألفاظ يوصفون بها:
الأولى: آله- ﵊.
والثانية: أهل بيته.
والثالثة: ذوو القربى.
والرابعة: عترته.
فأما الأولى: فذهب قوم إلى أنهم هم أهل بيته، وقال آخرون: هم الذين حرمت عليهم الصدقة وعوضوا عنها خمس الخمس، وقال قوم: من دان بدينه وتبعه فيه.
وأما اللفظة الثانية، وهى أهل بيته، فقيل من ناسبه إلى جده الأدنى، وقيل من اجتمع معه فى رحم، وقيل من اتصل به بنسب أو سبب.
стр. 1300
وأما اللفظة الثالثة: وهى ذوو القربى، فروى الواحدى فى تفسيره بسنده عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى «١» قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمرنا الله تعالى بمودتهم؟ قال: «على وفاطمة وابناهما» .
وأما اللفظة الرابعة: وهى عترته، فقيل العشيرة، وقيل الذرية، فأما العشيرة فهى الأهل الأولون، وأما الذرية: فنسل الرجل، وأولاد بنت الرجل ذريته، ويدل عليه قوله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ إلى قوله:
وَعِيسى «٢» ، ولم يتصل عيسى بإبراهيم إلا من جهة أمه مريم.
فهذه الذرية الطاهرة، قد خصوا بمزايا التشريف، وعموا بواسطة السيدة فاطمة بفضل منيف، وألبسوا رداء الشرف، ومنحوا بمزيد الإكرام والتحف.
وقد وقع الاصطلاح على اختصاصهم من بين ذوى الشرف كالعباسيين والجعافرة بالشطفة الخضراء، لمزيد شرفهم.
والسبب فى ذلك- كما قيل- أن المأمون أراد أن يجعل الخلافة فى بنى فاطمة فاتخذ لهم شعارا وألبسهم ثيابا خضرا- لكون السواد شعار العباسيين، والبياض شعار سائر المسلمين فى جمعهم ونحوها، والأحمر مختلف فى كراهته، والأصفر شعار اليهود باخرة. ثم انثنى عزمه عن ذلك، ورد الخلافة لبنى العباس، فبقى ذلك شعار الأشراف العلويين من الزهراء، لكنهم اختصروا الثياب إلى قطعة من ثوب أخضر توضع على عمائمهم شعارا لهم ثم انقطع ذلك إلى أواخر القرن الثامن.
قال فى حوادث سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة من «أنباء الغمر بأبناء العمر» : وفيها أمر السلطان الأشرف أن يمتازوا عن الناس بعصائب خضر على العمائم، ففعل ذلك بمصر والشام وغيرهما، وفى ذلك يقول الأديب أبو عبد الله بن جابر الأندلسى:
стр. 1301
جعلوا لأبناء الرسول علامة ... إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة فى كريم وجوههم ... يغنى الشريف عن الطراز الأخضر
وللأديب شمس الدين الدمشقى- ﵀:
أطراف تيجان أتت من سندس ... خضر بأعلام على الأشراف
والأشرف السلطان خصهم بها ... شرفا ليفرقهم من الأطراف
والأشرف السلطان هو شعبان بن حسن بن الناصر محمد بن قلاوون.
فى محبة الصحابة:
وأما الصحابة- رضوان الله عليهم-، فقال الله :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ «١» إلى آخر السورة. لما أخبر أن سيدنا محمدا- ﷺ رسوله حقّا من غير شك ولا ريب، قال: محمد رسول الله. وهذا مبتدأ وخبر. وقال البيضاوى وغيره: جملة مبينة للمشهود به، يعنى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ إلى قوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً «٢» ، قال:
ويجوز أن يكون «رسول الله» صفة، و «محمد» خبر مبتدأ محذوف انتهى.
وهذه الآية مشتملة على كل وصف جميل.
ثم ثنّى بالثناء على أصحابه فقال: وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ «٣» ، كما قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ «٤» فوصفهم بالشدة والغلظة على الكفار، والرحمة والبر بالأخيار. ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص التام، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً «٥» ، فمن نظر إليهم أعجبه سمتهم وهداهم، لخلوص نياتهم، وحسن أعمالهم.
стр. 1302
قال مالك: بلغنى أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: «والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا» وصدقوا، فإن هذا الأمة المحمدية، خصوصا الصحابة، لم يزل ذكرهم معظما فى الكتب، كما قال : ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ «١» أى أفراخه فَآزَرَهُ «٢» أى شده وقواه فَاسْتَغْلَظَ «٣» شب فطال فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ «٤» قوته وغلظه وحسن منظره. فكذلك أصحاب محمد- ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطأ مع الزرع لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ «٥» .
ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك- ﵀ فى رواية عنه- تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، وقد وافقه على ذلك جماعة من العلماء. والأحاديث فى فضائل الصحابة كثيرة، ويكفى ثناء الله عليهم ورضاه عنهم، وقد وعدهم الله مغفرة، وأجرا عظيما، ووعد الله حق وصدق لا يخلف، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم. و «من» فى قوله «منهم» لبيان الجنس وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً «٦» .
واختلف فى تعريف الصحابى:
فقيل: من صحب النبى- ﷺ أو رآه من المسلمين. وإليه ذهب البخارى، وسبقه إليه شيخه ابن المدينى، وعبارته- كما قال شيخنا- من صحب النبى- ﷺ أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحابه. انتهى.
وهذا هو الراجح. والتقييد ب «الإسلام» يخرج من صحبه أو رآه من الكفار، ولو اتفق إسلامه بعد موته.
стр. 1303
لكن يرد على التعريف: من صحبه أو رآه مؤمنا به ثم ارتد بعد ذلك، ولم يعد إلى الإسلام، كعبيد الله بن جحش، فإنه ليس بصحابى اتفاقا، وكذلك ابن خطل، وربيعة بن أمية بن خلف الجمحى وهو ممن أسلم فى الفتح وشهد حجة الوداع وحدث عن النبى- ﷺ بعد موته، ثم لحقه الخذلان- والعياذ بالله- فى خلافة عمر فلحق بالروم وتنصر بسبب شىء أغضبه وقد أخرج له الإمام أحمد فى مسنده «١» ، وإخراجه له مشكل ولعله لم يقف على قصة ارتداده، فينبغى أن يزاد فى التعريف: ومات على ذلك.
فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام، لكنه لم يرد النبى- ﷺ ثانيا بعد عوده، فالصحيح أنه معدود فى الصحابة، لإطباق المحدثين على عد الأشعث ابن قيس ونحوه ممن وقع له ذلك، وإخراجهم أحاديثهم فى المسانيد.
لكن قال الحافظ زين الدين العراقى: إن فى ذلك نظرا كبيرا، فإن الردة محبطة للعمل عند أبى حنيفة، ونص عليه الشافعى فى الأم، وإن كان الرافعى قد حكى عنه أنها إنما تحيط بشرط اتصالها بالموت، وحينئذ فالظاهر أنها محبطة للصحبة المتقدمة، أما من رجع إلى الإسلام فى حياته- ﷺ كعبد الله بن أبى سرح فلا مانع من دخوله فى الصحبة بدخوله الثانى فى الإسلام.
وهل يشترط فى الرائى أن يكون بحيث يميز ما رآه، أو يكتفى بمجرد حصول الرؤية؟ قال الحافظ ابن حجر: محل نظر، وعمل من صنف فى الصحابة يدل على الثانى، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبى بكر الصديق، وإنما ولد قبل وفاة النبى- ﷺ بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت أن أمه أسماء بنت عميس ولدته فى حجة الوداع قبل أن تدخل مكة، وذلك فى أواخر ذى القعدة سنة عشرة من الهجرة.
ومنهم من بالغ فكان لا يعد فى الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية. وروى عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد فى الصحابة إلا من أقام
стр. 1304
مع النبى- ﷺ سنة فصاعدا، أو غزا معه غزوة فصاعدا. والعمل على خلاف هذا القول. ومنهم من اشترط فى ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغا، وهو مردود أيضا، لأنه يخرج مثل الحسن بن على ونحوه من أحداث الصحابة.
وأما التقييد بالرؤية فالمراد به عند عدم المانع منها، فإن كان كابن أم مكتوم الأعمى فهو صحابى جزما، فالأحسن أن يعبر ب «اللقاء» بدل الرؤية ليدخل فيه ابن أم مكتوم ونحوه.
قال الحافظ زين الدين العراقى: قولهم فمن رأى النبى- ﷺ هل المراد رآه فى حال نبوته، أو أعم من ذلك، حتى يدخل من رآه قبل النبوة ومات قبل النبوة على دين الحنيفية كزيد بن عمرو بن نفيل، فقد قال النبى- ﷺ :
«أنه يبعث أمة وحده» «١» ، وقد ذكره فى الصحابة أبو عبد الله بن منده، وكذلك لو رآه قبل النبوة ثم غاب عنه وعاش إلى بعد زمن البعثة، وأسلم ثم مات ولم يره، ولم أر من تعرض لذلك، ويدل على أن المراد: رآه بعد نبوته، أنهم ترجموا فى الصحابة لمن ولد للنبى- ﷺ كإبراهيم وعبد الله، ولم يترجموا لمن ولد قبل النبوة ومات قبلها كالقاسم، انتهى.
وهل يختص جميع ذلك ببنى آدم، أم يعم غيرهم من العقلاء؟ محل نظر. أما الجن، فالراجح دخولهم لأن النبى- ﷺ بعث إليهم قطعا، وهم مكلفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغى التردد فى ذكره فى الصحابة، وإن كان ابن الأثير عاب على أبى موسى فلم يستند فى ذلك إلى حجة، وأما الملائكة فيتوقف عدهم فى ذلك على ثبوت البعثة إليهم، فإن فيه خلافا بين الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته، وعكس بعضهم.
وهذا كله فيمن رآه فى قيد الحياة الدنيوية، أما من رآه بعد موته وقبل
стр. 1305
دفنه «١» فالراجح أنه ليس صحابيّا، وإلا لعد من اتفق أنه رأى جسده المكرم وهو فى قبره المعظم، ولو فى هذه الأعصار، وكذلك من كشف له من الأولياء عنه- ﷺ فرآه كذلك على طريق الكرامة كما قدمت مباحث فى خصوصياته- ﷺ من المقصد الرابع، إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذا الحياة ليست دنيوية، وإنما هى أخروية لا تتعلق بها أحكام الدنيا، وأما من رآه فى المنام، وإن كان قد رآه حقّا. فذلك فيما يرجع إلى الأمور المعنوية، لا الأحكام الدنيوية، فلذلك لا يعد صحابيّا، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به فى تلك الحالة.
وقد أجمع جمهور العلماء من السلف والخلف على أنهم خير خلق الله، وأفضلهم بعد النبيين وخواص الملائكة المقربين، لما روى البخارى من حديث عبد الله أن النبى- ﷺ قال: «خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» «٢» وله من حديث عمران بن حصين «خير أمتى قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدرى أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا «٣» .
قال فى فتح البارى: والقرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا فى أمر من الأمور المقصودة، ويطلق على مدة من الزمان، واختلفوا فى تحديدها، من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل، وقال صاحب المحكم: هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال. والمراد بقرن النبى- ﷺ فى هذا الحديث الصحابة، وتقدم فى أول المقصد الأول حديث «بعثت من خير قرون بنى آدم» «٤» وفى رواية بريدة عند أحمد «خير هذه الأمة القرن الذى بعثت فيهم» «٥» .
стр. 1306
وقد ضبط الأئمة من الحفاظ آخر من مات من الصحابة على الإطلاق بلا خلاف أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثى، كما جزم به مسلم، وكان موته سنة مائة على الصحيح، وقيل سنة سبع ومائة، وقيل سنة عشر ومائة، وهو الذى صححه الذهبى، وهو مطابق لقوله- ﷺ قبل وفاته بشهر-: «على رأسه مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد» . وفى رواية مسلم «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه ليس من نفس منفوسة تأتى عليها مائة سنة» «١» .
وأما ما ذكر أن عكراش بن ذؤيب عاش بعد يوم الجمل مائة سنة فذلك غير صحيح، وإن صح فمعناه أنه استكمل المائة بعد الجمل، لا أنه بقى بعدها مائة سنة، كما نص عليه الأئمة. وأما ما ذكر أيضا من أمر «بابارتن» «٢» ونحوه فإن ذلك لا يروج على من له أدنى مسكة من العقل، كما قاله الأئمة.
وأما آخر الصحابة موتا بالإضافة إلى النواحى فقد أفردهم ابن منده.
وأما قوله: «ثم الذين يلونهم» فهم أهل القرن الذين بعدهم، وهم التابعون، ثم الذين يلونهم وهم أتباع التابعين. واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين. لكن هل هذه الفضيلة بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟
والذى ذهب إليه ابن عبد البر هو الأول، كما قدمت ذلك فى خصائص هذه الأمة من المقصد الرابع، واحتج لذلك- سوى ما تقدم- بحديث «مثل أمتى مثل المطر، لا يدرى آخره خير أم أوله» «٣» قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث حسن، له طرق وقد يرتقى بها إلى درجة الصحة.
стр. 1307
وقد روى ابن أبى شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير- أحد التابعين- بإسناد حسن قال: قال رسول الله- ﷺ : «ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو خير، ثلاثا، ولن يخزى الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها» «١» .
وروى أبو داود والترمذى من حديث أبى ثعلبة- رفعه-: «تأتى أيام للعامل فيها أجر خمسين» ، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: «بل منكم» «٢» وهو شاهد لحديث «مثل أمتى مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره» لكن حديث «للعامل منهم أجر خمسين منكم» لا يدل على أفضلية غير الصحابة، لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضا:
الأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله فى ذلك العمل.
فأما ما فاز به من شاهد النبى- ﷺ من فضيلة المشاهدة، فلا يعدله فيها أحد، ولا ريب أن من قاتل معه أو فى زمانه بأمره، أو أنفق شيئا من ماله بسببه، لا يعدله أحد فى الفضل بعده كائنا من كان، قال الله تعالى:
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا «٣» ، وكذلك من ضبط الشرع المتلقى عنه وبلغه لمن بعده.
فمحصل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، وقد ظهر أنه فاز بما لم يفز به من لم يحصل له ذلك. وبهذا يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة.
ثم إن الصحابة على ثلاثة أصناف: الأول: المهاجرون، الثانى: الأنصار
стр. 1308
وهم الأوس والخزرج وحلفاؤهم ومواليهم، الثالث: من أسلم يوم الفتح.
قال ابن الأثير فى «الجامع» : والمهاجرون أفضل من الأنصار، وهذا على سبيل الإجمال، وأما على سبيل التفصيل، فإن جماعة من سباق الأنصار أفضل من جماعة من متأخرى المهاجرين وإنما سباق المهاجرين أفضل من سباق الأنصار، ثم هم بعد ذلك متفاوتون، فرب متأخر فى الإسلام أفضل من متقدم عليه، مثل عمر بن الخطاب وبلال بن رباح.
[طبقات الصحابة]
وقد ذكر العلماء للصحابة ترتيبا على طبقات، وممن قسمهم كذلك الحاكم فى «علوم الحديث» .
الطبقة الأولى: قوم أسلموا بمكة أول البعث ،
وهم سباق المسلمين، مثل: خديجة بنت خويلد، وعلى بن أبى طالب، وأبى بكر الصديق، وزيد ابن حارثة، وبقية العشرة، وقد تقدم الخلاف فى أول من أسلم فى المقصد الأول.
الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة ،
بعد إسلام عمر بن الخطاب حمل النبى- ﷺ ومن معه من المسلمين إلى دار الندوة، فأسلم لذلك جماعة من أهل مكة.
الطبقة الثالثة: الذين هاجروا إلى الحبشة فرارا بدينهم
من أذى المشركين أهل مكة، منهم: جعفر بن أبى طالب، وأبو سلمة بن عبد الأسد.
الطبقة الرابعة: أصحاب العقبة الأولى ،
وهم سباق الأنصار إلى الإسلام، وكانوا ستة، وأصحاب العقبة الثانية من العام المقبل، وكانوا اثنى عشر، وقد قدمت أسماء أهل العقبتين فى المقصد الأول.
الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثالثة ،
وكانوا سبعين من الأنصار، منهم: البراء بن معرور، وعبد الله بن حرام، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة.
стр. 1309
الطبقة السادسة: المهاجرون
الذين وصلوا إلى النبى- ﷺ بعد هجرته وهو بقباء قبل أن يا بنى المسجد وينتقل إلى المدينة.
الطبقة السابعة: أهل بدر الكبرى .
قال- ﷺ لعمر فى قصة حاطب ابن أبى بلتعة: «وما يدريك، لعل الله اطلع على هذه العصابة من أهل بدر فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «١» رواه مسلم.
الطبقة الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية .
الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان
الذين بايعوا بالحديبية تحت الشجرة، قال- ﷺ : «لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة أحد» «٢» رواه مسلم.
الطبقة العاشرة: الذين هاجروا بعد الحديبية
وقبل الفتح، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ومثل بعضهم بأبى هريرة لكن قال الحافظ العراقى، لا يصح التمثيل به، فإنه هاجر قبل الحديبية، عقيب خيبر بل فى أواخرها.
الطبقة الحادية عشر: الذين أسلموا يوم الفتح ،
وهم خلق كثير، فمنهم من أسلم طائعا، ومنهم من أسلم كارها ثم حسن إسلام بعضهم، والله أعلم بهم.
الطبقة الثانية عشر: صبيان أدركوا النبى- ﷺ ورأوه عام الفتح وبعده
فى حجة الوداع وغيرهما، كالسائب بن يزيد. ثم انقطعت الهجرة بعد الفتح على الصحيح من الأقوال.
وأما عدة أصحابه- ﷺ ، فمن رام حصر ذلك رام أمرا بعيدا، ولا
стр. 1310
يعلم حقيقة ذلك إلا الله تعالى، لكثرة من أسلم من أول البعثة إلى أن مات النبى- ﷺ ، وتفرقهم فى البلدان والبوادى. وقد روى البخارى أن كعب بن مالك قال فى قصة تخلفه عن غزوة تبوك: وأصحاب رسول الله- ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ «١» ، يعنى الديوان، لكن قد جاء ضبطهم فى بعض مشاهده كتبوك.
وقد روى أنه سار عام الفتح فى عشرة آلاف من المقاتلة، وإلى حنين فى اثنى عشر ألفا، وإلى حجة الوداع فى تسعين ألفا، وإلى تبوك فى سبعين ألفا، وقد روى أنه قبض عن مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا، والله أعلم بحقيقة ذلك.
ثم إن أفضلهم على الإطلاق عند أهل السنة إجماعا أبو بكر ثم عمر- رضى الله عنهما-. عن ابن عمر قال: كنا نخير بين الناس فى زمان رسول الله- ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان»
. رواه البخارى. وفى رواية عبيد الله بن عمر عن نافع: كنا فى زمان النبى- ﷺ لا نعدل بأبى بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبى- ﷺ فلا نفاضل بينهم «٣» . رواه البخارى أيضا. وقوله: «لا نعدل بأبى بكر أحدا» أى لا نجعل له مثيلا.
ولأبى داود من طريق سالم عن ابن عمر: كنا نقول- ورسول الله- ﷺ حى-: أفضل أمة النبى- ﷺ بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان «٤» .
زاد الطبرانى فى رواية: فيسمع رسول الله- ﷺ ذلك فلا ينكره.
وروى خيثمة بن سليمان فى «فضائل الصحابة» من طريق سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن ابن عمر: كنا نقول: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان
стр. 1311
استوى الناس، فيسمع النبى- ﷺ ذلك فلا ينكره. وفى ذلك تقديم عثمان بعد أبى بكر وعمر. وأهل السنة على أن عليّا بعد عثمان. وذهب بعض السلف إلى تقديم على على عثمان. وممن قال به سفيان الثورى.
وقيل: لا يفضل أحدهما على الآخر، ونقل ذلك عن مالك فى المدونة، وتبعه جماعة منهم يحيى بن القطان. وقال ابن معين: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، وعرف على سابقته وفضله فهو صاحب سنة، ولا شك أن من اقتصر على عثمان ولم يعرف لعلى فضله فهو مذموم.
وقد ادعى ابن عبد البر أن حديث الاقتصار على الثلاثة: أبى بكر وعمر وعثمان خلاف قول أهل السنة أن عليّا أفضل الناس بعد الثلاثة. وتعقب:
بأنه لا يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله، فالمقطوع به عند أهل السنة: القول بأفضلية أبى بكر ثم عمر ثم اختلفوا فيمن بعدهما، فالجمهور على تقديم عثمان، وعن مالك الوقف، والمسألة اجتهادية، ومستندها أن هؤلاء الأربعة اختارهم الله لخلافة نبيه، وإقامة دينه، فمنزلتهم عنده بحسب ترتيبهم فى الخلافة.
وقال الإمام أبو منصور البغدادى: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة تمام العشرة، يعنى: طلحة والزبير وسعدا وسعيدا وعبد الرحمن بن عوف وأبى عبيدة عامر بن الجراح.
وقد روى الترمذى عن سعيد بن زيد أنه قال: قال رسول الله- ﷺ :
«عشرة فى الجنة، أبو بكر فى الجنة، وعمر فى الجنة، وعثمان فى الجنة، وعلى والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبى وقاص» فعد هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر، فقال له القوم ننشدك الله، من العاشر؟ فقال: نشدتمونى بالله، سعيد بن زيد فى الجنة، يعنى نفسه «١» .
стр. 1312
وعن أبى موسى الأشعرى- رضى الله عنه-، أنه خرج إلى المسجد، فسأل عن النبى- ﷺ فقالوا: وجه هاهنا، فخرجت فى أثره حتى دخل بئر أريس «١» ، فجلست عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى رسول الله- ﷺ حاجته، فتوضأ فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها، فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بوابا للنبى- ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر، فدفع الباب فقلت من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت على رسلك ثم ذهبت إلى رسول الله- ﷺ فقلت: هذا أبو بكر يستأذن، فقال: «ائذن له وبشره بالجنة» ، فأقبلت حتى قلت لأبى بكر: ادخل، ورسول الله- ﷺ يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله- ﷺ معه فى القف ودلى رجليه فى البئر كما صنع رسول الله- ﷺ وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست، وقد تركت أخى يتوضأ ويلحقنى، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا- يريد أخاه- يأت به، فإذا بإنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟
قال: عمر بن الخطاب، فقلت على رسلك، ثم جئت إلى النبى- ﷺ فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: «ائذن له وبشره بالجنة» ، فقلت:
ادخل وبشرك رسول الله- ﷺ بالجنة، فجلس مع رسول الله- ﷺ فى القف عن يساره ودلى رجليه فى البئر، فرجعت وقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلت من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت على رسلك، وجئت إلى النبى- ﷺ فأخبرته فقال: «ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» ، فجئت فقلت: ادخل ورسول الله- ﷺ يبشرك بالجنة على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاهه من الصف الآخر «٢» . قال شريك: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم.
رواه أحمد ومسلم وأبو حاتم وأخرجه البخارى.
стр. 1313
وأخرج أبو داود نحوه عن أبى سلمة عن نافع بن عبد الحارث الخزاعى قال: دخل رسول الله- ﷺ حائطا من حوائط المدينة، فقال لبلال: «أمسك على الباب» ، فجاء أبو بكر فاستأذن. فذكر نحوه «١» . قال الطبرانى: وفى حديث أن نافع بن الحارث هو الذى كان يستأذن. وهذا يدل على تكرر القصة، لكن صوب الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر عدم التعدد، وأنها، عن أبى موسى، ووهّم القول بغيره. وأنشد لنفسه:
لقد بشر الهادى من الصحب زمرة ... بجنات عدن كلهم فضله اشتهر
سعيد زبير سعد طلحة عامر ... أبو بكر عثمان ابن عوف على عمر
ولأبى الوليد بن [الشحنة] :
أسماء عشر رسول الله بشرهم ... بجنة الخلد عمن زانها وعمر
سعد سعيد على عثمان طلحة بو ... بكر ابن عوف ابن جراح الزبير عمر
فإن قلت: من اعتقد فى الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم، ولكن محبته لبعضهم تكون أكثر، هل يكون آثما أم لا؟
فأجاب شيخ الإسلام الولى بن العراقى: أن المحبة قد تكون لأمر دينى، وقد تكن لأمر دنيوى، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا فى واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضا، نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوى كقرابة وإحسان فلا تناقض فى ذلك ولا امتناع، فمن اعترف بأن أفضل الأمة بعد نبيها- ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على، لكنه أحب عليّا أكثر من أبى بكر مثلا، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك، إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه، وهذا لم يعترف بأفضلية أبى بكر إلا بلسانه، وأما بقلبه فهو مفضل لعلى لكونه أحبه
стр. 1314
محبة دينية زائدة على محبة أبى بكر، وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية على أو لغير ذلك من المعانى فلا امتناع والله أعلم. انتهى.
وقد روى الطبرى فى «الرياض» وعزاه للملاء فى «سيرته» عن أنس مرفوعا، «إن الله افترض عليكم حب أبى بكر وعمر وعثمان وعلى كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج، فمن أنكر فضلهم فلا تقبل منه الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج» .
وأخرج الحافظ السلفى فى «مشيخته» من حديث أنس مرفوعا: «حب أبى بكر واجب على أمتى» .
وأخرج الأنصارى عنه أن رسول الله- ﷺ قال: «يا أبا بكر، ليت أنى لقيت إخوانى» فقال أبو بكر: يا رسول الله، نحن إخوانك، قال: «لا، أنتم أصحابى، إخوانى الذين لم يرونى، وصدقوا بى وأحبونى، حتى إنى لأحب إلى أحدهم من ولده ووالده» ، قالوا: يا رسول الله، أما نحن إخوانك؟ قال:
«لا، بل أنتم أصحابى، ألا تحب يا أبا بكر قوما أحبوك بحبى إياك؟» قال:
فأحبهم ما أحبوك بحبى إياك.
فمحبة من أحبه الرسول- ﷺ كال بيته وأصحابه- رضى الله عنهم- علامة على محبة رسول الله- ﷺ ، كما أن محبته- ﷺ علامة على محبة الله تعالى، وكذلك عداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم. فمن أحب شيئا أحب من يحب، وأبغض من يبغض، قال الله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «١» فحب آل بيته- ﷺ وأصحابه وأولاده وأزواجه من الواجبات المتعينات، وبغضهم من الموبقات المهلكات.
ومن محبتهم وجوب توقيرهم، وبرهم والقيام بحقوقهم، والاقتداء بهم بأن يمشى على سنتهم وآدابهم وأخلاقهم، والعمل بأقوالهم مما ليس للعقل فيه
стр. 1315
مجال، وحسن الثناء عليهم بأن يذكروا بأوصافهم الجميلة على قصد التعظيم.
فقد أثنى الله تعالى عليهم فى كتابه المجيد، ومن أثنى الله عليه فهو واجب الثناء، والاستغفار لهم، قالت عائشة: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله- ﷺ فسبوهم) «١» رواه مسلم. وفائدة المستغفر لهم عائدة عليه. قال سهل بن عبد الله التسترى: لم يؤمن بالرسول- ﷺ من لم يوقر أصحابه ولم يعزّ أوامره.
ومما يجب أيضا: الإمساك عما شجر بينهم، أى وقع بينهم من الاختلاف، والإضراب عن أخبار المؤرخين وجهلة الرواة، وضلال الشيعة والمبتدعين، القادحة فى أحد منهم، قال- ﷺ : «إذا ذكر أصحابى فأمسكوا» «٢» ، وأن يلتمس لهم مما نقل من ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات، ويخرج لهم أصوب المخارج، إذ هم أهل ذلك كما هو فى مناقبهم، ومعدود من ماثرهم، مما يطول إيراد بعضه.
وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات فله محامل وتأويلات، فسبهم والطعن فيهم إذا كان مما يخالف الأدلة القطعية كفر، كقذف عائشة- رضى الله عنها-، وإلا فبدعة وفسق. قال- ﷺ : «أيها الناس احفظونى فى أختانى وأصهارى وأصحابى، لا يطالبنكم الله بمظلمة أحد منهم، فإنها ليست مما يوهب» «٣» . رواه الخلعى.
وقال- ﷺ : «الله الله فى أصحابى، لا تتخذوهم غرضا من بعدى، من أحبهم فقد أحبنى، ومن أبغضهم فقد أبغضنى، ومن آذاهم فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه الله» «٤» رواه المخلص
стр. 1316
الذهبى. [أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن الذهبى] . وهذا الحديث- كما قال بعضهم- خرج مخرج الوصية بأصحابه على طريق التأكيد والترغيب فى حبهم، والترهيب عن بغضهم. وفيه إشارة إلى أن حبهم من الإيمان، وبغضهم كفر، لأنه إذا كان بغضهم بغضا له كان كفرا بلا نزاع، للحديث السابق «لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» «١» .
وهذا يدل على كمال قربهم منه بتنزيلهم منزلة نفسه، حتى كأن أذاهم واقع عليه وواصل إليه- ﷺ . و «الغرض» : الهدف الذى يرمى فيه. فهو نهى عن رميهم مؤكدا ذلك بتحذيرهم الله منه، وما ذاك إلا لشدة الحرمة.
وروى مرفوعا: «من سب أحدا من أصحابى فاجلدوه» «٢» . خرجه تمام فى فوائده. وقال مالك بن أنس وغيره- فيما ذكره القاضى عياض-: من أبغض الصحابة فليس له فى فىء المسلمين حق. قال: ونزع باية الحشر وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ «٣» الآية. وقال: من غاظه أصحاب محمد فهو كافر، قال الله تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ «٤» والله أعلم.
стр. 1317
فهرس المحتويات
الموضوع الصفحة المقصد الثالث الفصل الأول فى كمال خلقته وجمال صورته- ﷺ وشرفه وكرمه ٥
الفصل الثانى فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف المرضية ١٠
الفصل الثالث فيما تدعو ضرورته إليه- ﷺ من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق ذلك وفيه أربعة أنواع ١٤٢
النوع الأول فى عيشه- ﷺ فى المأكل والمشرب ١٤٢
النوع الثانى فى لباسه- ﷺ وفراشه ١٨٣
النوع الثالث فى سيرته- ﷺ فى نكاحه ٢٢٠
النوع الرابع فى نومه- ﷺ ٢٢٧
المقصد الرابع الفصل الأول فى معجزاته- ﷺ ٢٣٥
стр. 1318
تعريف المعجزة بالدليل ٢٣٥
حديث القصعة ٢٩٥
الفصل الثانى فيما خصّه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات ٣٠١
المقصد الخامس الإسراء والمعراج ٤٢٦
المقصد السادس فيما ورد فى آى التنزيل من تعظيم قدره- ﷺ ٥٠٧
النوع الأول فى آيات تتضمن تعظيم قدره ورفعة ذكره وجليل رتبته وعلو درجته على الأنبياء وتشريف منزلته ٥٠٨
النوع الثانى فى أخذ الله الميثاق له على النبيين فضلا ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه ٥٢٨
النوع الثالث فى وصفه له- ﷺ بالشهادة وشهادته له بالرسالة ٥٣١
النوع الرابع فى التنويه به- ﷺ فى الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل ٥٤٧
النوع الخامس فى آيات تتضمن إقسامه تعالى على تحقيق رسالته وثبوت ما أوحى إليه
стр. 1319
من آياته وعلو رتبته الشريفة ومكانته ٥٥٦
الفصل الأول فى قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم وحباه من الفضل العميم ٥٥٧
الفصل الثانى فى قسمه تعالى على ما أنعم به عليه وأظهره من قدره العلى لديه ٥٥٩
الفصل الثالث فى قسمه تعالى على تصديقه فيما أوتى به من وحيه وكتابه وتنزيهه عن الهوى فى خطابه ٥٦١
الفصل الرابع فى قسمه تعالى على تحقيق رسالته ٥٧٠
الفصل الخامس فى قسمه تعالى بمدة حياته- ﷺ وعصره وبلده ٥٧٢
النوع السادس فى وصفه تعالى له- ﷺ بالنور والسراج المنير ٥٧٦
النوع السابع فى آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته ٥٨٠
النوع الثامن فيما يتضمن الأدب معه- ﷺ ٥٨٦
النوع التاسع فى آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه- ﷺ ترفيعا لشأنه ٥٨٩
стр. 1320
النوع العاشر فى إزالة الشبهات عن آيات وردت فى حقه- ﷺ متشابهات ٥٩٣
المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته واتباع سنته والاقتداء بهديه وسيرته- ﷺ ٦١٢
الفصل الثانى فى حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنة وفضيلة وصفة ومحلّا ٦٤٨
الفصل الثالث فى ذكر محبة أصحابه- ﷺ وآله وقرابته وأهل بيته وذريته ٦٧٨
فهرس الكتاب ٧٠٩
стр. 1321
الجزء الثالث
المقصد الثامن فى طبه ص لذوى الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات
اعلم أنه لا سبيل لأحد إلى الإحاطة بنقطة من بحار معارفه، أو قطرة مما أفاضه الله تعالى عليه من سحائب عوارفه، وأنت إذا تأملت ما منحه الله تعالى به من جوامع الكلم، وخصه به من بدائع الحكم، وحسن سيره، وحكم حديثه، وإنبائه بأنباء القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى مع الخضر، ويوسف مع إخوته، وأصحاب الكهف، وذى القرنين، وأشباه ذلك، وبدء الخلق، وأخبار الدار الآخرة، وما فى التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وإظهار أحوال الأنبياء وأممهم، وأسرار علومهم ومستودعات سيرهم، وإعلامهم بمكتوم شرائعهم، ومضمنات كتبهم وغير ذلك مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك فضلا عما أفاضه من العلم ومحاسن الآداب والشيم «١» ، والمواعظ والحكم، والتنبيه على طرق الحجج العقليات، والرد على فرق الأمم ببراهين الأدلة الواضحات، والإشارة إلى فنون العلوم التى اتخذ أهلها كلامه فيها قدوة، وإشاراته حجة، كاللغة والمعانى والعربية، وقوانين الأحكام الشرعية والسياسات العقلية، ومعارف عوارف الحقائق القلبية، إلى غير ذلك من ضروب العلوم، وفنون المعارف الشاملة لمصالح أمته، كالطب والعبارة «٢» والحساب وغير ذلك مما لا يعد ولا يحد ... قضيت بإن مجال هذا الباب فى حقه- ﷺ ممتد، تنقطع دون نفاده الأدلاء، وإن بحر علمه ومعارفه زاخر لا تكدره الدلاء. وهذا المقصد- أعزك الله- يشتمل على ثلاثة فصول:
стр. 1322
الفصل الأول فى طبه ﷺ لذوى الأمراض والعاهات
اعلم أنه قد ثبت أنه- ﷺ كان يعود من مرض من أصحابه، حتى لقد عاد غلاما كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وكان يهوديّا، كما روى البخارى وأبو داود من حديث أنس: أن غلاما من اليهود كان يخدم النبى- ﷺ فمرض فعاده- ﷺ فقعد عند رأسه، فقال: «أسلم» ، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال:
أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبى- ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذى أنقذه من النار» «١» .
وكان- ﷺ يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأل عن حاله ويقول: «كيف تجدك؟» «٢» .
وفى حديث جابر عند البخارى ومسلم والترمذى وأبى داود، قال:
مرضت فأتانى رسول الله- ﷺ يعودنى وأبو بكر، وهما ماشيان، فوجدانى أغمى على، فتوضأ النبى- ﷺ ثم صب وضوءه على فأفقت، فإذا النبى- ﷺ ، وعند أبى داود: فنضح فى وجهى فأفقت. وفيه: أنه- ﷺ قال:
«يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا» «٣» .
стр. 1323
وفى حديث أبى موسى عند البخارى مرفوعا: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العانى» «١» . وعنده من رواية البراء: أمرنا- ﷺ بسبع، وذكر منها عيادة المريض «٢» وعند مسلم: خمس تجب للمسلم على المسلم، فذكرها منها «٣» . قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب، يعنى الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون للندب على التواصل والألفة. وعند الطبرى: يتأكد فى حق من ترجى بركته، ويسن فيمن يراعى حاله، ويباح فيما عدا ذلك. وهو فرض كفاية عند أبى حنيفة، كما قاله أبو الليث السمرقندى «٤» فى «مقدمته» .
واستدل بعموم قوله: «عودوا المريض» على مشروعية العيادة فى كل مرض، واستثنى بعضهم: الأرمد، وردّ: بأنه قد جاء فى عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن الأرقم، قال: عادنى رسول الله- ﷺ من وجع كان بعينى «٥» ، رواه أبو داود وصححه الحاكم. وأما ما أخرجه البيهقى والطبرانى مرفوعا: «ثلاثة ليس لهم عيادة، الرمد والدمل والضرس» «٦» ،
стр. 1324
فصحح البيهقى أنه موقوف على يحيى بن أبى كثير، ويؤخذ من إطلاقه عدم التقييد بزمان يمضى من ابتداء مرضه. وهو قول الجمهور، وجزم الغزالى فى «الإحياء» : بأنه لا يعاد إلا بعد ليال ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: كان- ﷺ لا يعود مريضا إلا بعد ثلاثة «١» وهذا حديث ضعيف تفرد به مسلمة بن على، وهو متروك، وقال أبو حاتم هو حديث باطل.
ولا نطيل بإيراد ما ورد فى فضل العيادة، ويكفى حديث أبى هريرة، مما حسنه الترمذى مرفوعا: «من عاد مريضا ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا» «٢» وهذا لفظ ابن ماجه. وفى سنن أبى داود عن أنس مرفوعا: «من توضأ فأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم محتسبا، بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفا» «٣» . وفى حديث أبى سعيد عند ابن حبان فى صحيحه مرفوعا: «خمس من عملهن فى يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضا وشهد جنازة وصام يوما، وراح إلى الجمعة وأعتق رقبة» «٤» . وعند أحمد، عن كعب مرفوعا: من عاد مريضا، خاض فى
стр. 1325
الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها «١» . زاد الطبرانى: وإذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج.
ولم يكن- ﷺ يخص يوما من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتا من الأوقات، فترك العيادة يوم السبت المخالفة للسنة، ابتدعه يهودى طبيب لملك قد مرض وألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضى لسبته فمنعه، فخاف على استحلال سبته، ومن سفك دمه، فقال: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه الملك، ثم أشيع ذلك، وصار كثير من الناس يعتمده، ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوى: أن العيادة تستحب فى الشتاء ليلا.
وفى الصيف نهارا، ولعل الحكمة فى ذلك أن المريض يتضرر بطول الليل فى الشتاء، وبطول النهار فى الصيف، فتحصل له بالعيادة استراحة.
وينبغى اجتناب التطبب بأعداء الدين، من يهودى أو نحوه، فإنه مقطوع بغشه سيما إن كان المريض كبيرا فى دينه أو علمه، خصوصا إن كان هذا العدو يهوديّا، لأن قاعدة دينهم: أن من نصح منهم مسلما فقد خرج عن دينه، وأن من استحل السبت فهو مهدر الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه، ولا ريب أن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل فى عموم النهى فيمن قتل نفسه بشئ. وقد كثر الضرر فى هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، والله تعالى يرحم القائل:
لعن النصارى واليهود فإنهم ... بلغوا بمكرهم بنا الآمالا
خرجوا أطباء وحسابا لكى ... يتقسموا الأرواح والأموالا»
ومما كان يفعله- ﷺ ويأمر به تطييب نفوس المرضى وتقوية قلوبهم،
стр. 1326
ففى حديث أبى سعيد الخدرى، قال- ﷺ : «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له فى أجله، فإن ذلك يطبب نفسه» «١» ، مثل أن يقول له: لا بأس عليك، طهور إن شاء الله، ووجهك الآن أحسن، وما أشبه ذلك. وقد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه فى مرضه، وأن المرض كفارة، فربما أصلح ذلك قلبه، وأمن من خوف ذلك ونحوه. وقال بعضهم: فى هذا الحديث نوع شريف جدّا من أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذى تقوى به الطبيعة، وتنتعش به القوة، وينبعث به الحار الغريزى، ويساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذى هو غاية تأثير الطبيب.
وفى تفريج نفس المريض، وتطييب قلبه، وإدخال السرور عليه تأثير عجيب فى شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذى. وقد شاهد الناس كثيرا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم له، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إياهم.
قال فى الهدى «٢» : وكان- ﷺ يسأل المريض عن شكواه، وكيف يجد، وعما يشتهيه، فإن اشتهى شيئا وعلم أنه لا يضره أمر له به، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو له، ويصف له ما ينفعه فى علته، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، كما فى حديث جابر المتقدم، وربما كان يقول للمريض: لا بأس عليك، طهور إن شاء الله «٣» ، وربما كان يقول: كفارة وطهور «٤» . وقالت عائشة: كان- ﷺ إذا عاد
стр. 1327
مريضا يضع يده على المكان الذى يألم ثم يقول: بسم الله «١» . رواه أبو يعلى بسند صحيح. وأخرج الترمذى من حديث أبى أمامة- بسند لين- رفعه: تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته فيسأله كيف هو «٢» ، وعند ابن السنى بلفظ: كيف أصبحت أو كيف أمسيت؟
وإذا علمت هذا، فاعلم أن المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان.
فأما طب القلوب ومعالجتها فخاص بما جاء به الرسول الكريم- ﷺ عن ربه تعالى، لا سبيل إلى حصوله إلا من جهته، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لرضاه ومحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقى ذلك إلا من جهة سيدنا محمد- ﷺ .
وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء فى المنقول عنه- ﷺ ، ومنه ما جاء عن غيره، لأنه- ﷺ إنما بعث هاديا وداعيا إلى الله وإلى جنته، ومعرفا بالله، ومبينا للأمة مواقع رضاه وآمرا لهم بها، ومواقع سخطه وناهيا لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد، وكيف شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك.
وأما طب الأجساد فجاء من تكميل شريعته، ومقصودا لغيره، بحيث إنما يستعمل للحاجة إليه، فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم إلى علاج القلوب وحفظ صحتها، ودفع أسقامها وحميتها مما يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد، وإصلاح الجسد بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدّا، وهى مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامة.
стр. 1328
وإذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب فى القلوب كضرر السموم فى الأبدان، على اختلاف درجاتها فى الضرر. وهل فى الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصى، فللمعاصى من الآثار القبيحة المذمومة والمضرة بالقلب والبدن والدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله.
فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله فى القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، وللإمام الشافعى- رضى الله عنه-:
شكوت إلى وكيع سوء حفظى ... فأرشدنى إلى ترك المعاصى
وقال اعلم بأن العلم نور ... ونور الله لا يؤتاه عاصى
ومنها: حرمان الرزق، ففى المسند: وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه «١» .
ومنها: وحشة يجدها العاصى فى قلبه، بينه وبين الله، لا يوازيها ولا يقاربها لذة.
ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه، أو متعسرا عليه.
ومنها: ظلمة يجدها فى قلبه حقيقة يحس بها، كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهم، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع فى البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، ثم تقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سوادا فيه، يراها كل أحد.
ومنها: أنها توهن القلب والبدن.
ومنها: حرمان الطاعة، وتقصير العمر، ومحق البركة، ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب، وقيل: بتأثير المعاصى فى محق العمر إنما
стр. 1329
هو بأن حقيقة الحياة هى حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعات تزيد فى هذه الأوقات التى هى حقيقة عمره، ولا عمر له سواها. وبالجملة: فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصى ضاعت عليه أيام حياته الحقيقة.
ومنها: أن المعصية تورث الذل.
ومنها: أنها تفسد العقل، فإن للعقل نورا، والمعصية تطفئ نور العقل.
ومنها: أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ «١» وقد أحسن القائل:
إذا كنت فى نعمة فارعها ... فإن الذنوب تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد ... فرب العباد سريع النقم
ومن عقوباتها أنها تستجلب مواد هلاك العبد فى دنياه وآخرته، فإن الذنوب هى أمراض متى استحكمت قتلت ولابد، وكما أن البدن لا يكون صحيحا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة الأخلاط الرديئة التى متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها من تناول من يؤذيه ويخشى ضرره فكذلك القلب، لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة يحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة النصوح يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة التى متى غلبت عليه أفسدته، وحمية توجب له حفظ الصحة، وتجنب ما يضادها، وهى عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة، والتقوى اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره.
وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية، وتوجب التخليط المضاد للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح.
стр. 1330
فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمى لها، كيف تكون صحته وبقاؤه، وقد أحسن القائل:
جسمك بالحمية حصنته ... مخافة من ألم طارى
وكان أولى بك أن تحتمى ... من المعاصى خشية النار
فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهى، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلبا، ولا للشر مهربا، وفى حديث أنس: «ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إن داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار» «١» . فقد ظهر لك أن طب القلوب ومعالجتها لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الرسول- ﷺ بواسطة الوحى.
وأما طب الأجساد فغالبه يرجع إلى التجربة. ثم هو نوعان:
نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر، بل فطر الله على معرفته الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع والعطش والبرد والتعب، وهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب.
ونوع يحتاج إلى الفكر والنظر، كدفع ما يحدث فى البدن مما يخرجه عن الاعتدال، وهو إما حرارة أو برودة، وكل منهما: إما إلى رطوبة أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، وغالب ما يقاوم الواحد منها بضده، والدفع قد يقع من خارج البدن، وقد يقع داخله وهو من أعسرهما، والطريق إلى معرفته بتحقيق السبب والعلامة. فالطبيب الحاذق هو الذى يسعى فى تفريق ما يضر بالبدن جمعه، أو عكسه، وفى تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحة. والاحتماء عن المؤذى واستفراغ المادة الفاسدة. وقد أشير إلى الثلاثة فى القرآن:
فالأول: فى قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ
стр. 1331
أَيَّامٍ أُخَرَ «١» وذلك أن السفر مظنة النصب، وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر، وكذلك القول فى المرض.
والثانى: وهو الحمية، من قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «٢» فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد «٣» ، وقال تعالى فى آية الوضوء: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
«٤» فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج.
والثالث: من قوله تعالى: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ «٥» فإنه أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذى منع منه المحرم، لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن فى الرأس تحت الشعر، لأنه إذا حلق رأسه تفتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة منها. فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذى انحباسه. فقد أرشد تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده.
وفى الصحيحين من حديث عطاء عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء» «٦» . وأخرجه النسائى وابن حبان وصححه الحاكم عن ابن مسعود بلفظ «إن الله لم ينزل داء إلا وأنزل له شفاء
стр. 1332
فتداووا» «١» وعند أحمد من حديث أنس: «إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا» «٢» .
وعند البخارى فى «الأدب المفرد» ، وأحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذى وابن خزيمة والحاكم عن أسامة بن شريك، رفعه: «تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدا وهو الهرم» «٣» وفى لفظ «إلا السام» - وهو بمهملة مخففة- الموت، يعنى إلا داء الموت، أى المرض الذى قدر على صاحبه الموت فيه واستثنى الهرم فى الرواية الأولى إما لأنه جعله شبيها بالموت، والجامع بينهما نقص الصحة، أو تقربه من الموت وإفضائه إليه، ويحتمل أن يكون استثناء منقطعا، والتقدير: لكن الهرم لا دواء له.
ولأبى داود، عن أبى الدرداء، رفعه: «إن الله جعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام» «٤» . وفى البخارى: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم «٥» ، فلا يجوز التداوى بالحرام.
وروى مسلم عن جابر، مرفوعا: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء
стр. 1333
برئ بإذن الله تعالى» «١» . فالشفاء متوقف على إصابة الدواء بالداء بإذن الله تعالى. وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد فى الكيفية أو الكمية فلا ينجح، بل ربما أحدث داء آخر. وفى رواية على عند الحميدى فى كتابه المسمى بطب أهل البيت: ما من داء إلا وله دواء، فإذا كان كذلك بعث الله ملكا ومعه ستر فجعله بين الداء والدواء، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء، فإذا أراد برأه أمر الملك فرفع الستر، ثم يشرب المريض الدواء فينفعه الله تعالى به.
وفى حديث ابن مسعود رفعه: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله» «٢» رواه أبو نعيم وغيره. وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد. وأما قوله «لكل داء دواء» فيجوز أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التى لا يمكن طبيب معرفتها، ويكون الله قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليها سبيلا، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله.
ولهذا علق- ﷺ الشفاء على مصادفة الدواء للداء، وقد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من دائه بدوائه فيبرأ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء، والدواء بعينه فلا ينجح، والسبب فى ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء، فرب مرضين تشابها، ويكون أحدهما مركبا، لا ينجح فيه ما ينجح فى الذى ليس مركبا، فيقع الخطأ من هناك، وقد يكون متحدا لكن يريد الله أن لا ينجح، وهنا تخضع رقاب الأطباء.
وفى مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافى التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات، والدعاء بطلب الشفاء ودفع المضار وغير ذلك. وقد سئل الحارث المحاسبى فى كتاب «القصد» من تأليفه: هل يتداوى المتوكل؟
стр. 1334
قال: نعم، قيل له من أين ذلك؟ قال: من وجود ذلك عن سيد المتوكلين، الذى لم يلحقه لا حق، ولا يسبقه فى التوكل سابق، محمد خير البرية- ﷺ . قيل له: ما تقول فى خبر النبى- ﷺ : «من استرقى أو اكتوى برئ من التوكل» «١» ؟ قال: برئ من توكل المتوكلين الذين ذكرهم فى حديث آخر فقال: «يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب» «٢» ، وأما سواهم من المتوكلين فمباح لهم الدواء والاسترقاء. فجعل المحاسبى التوكل بعضه أفضل من بعض.
وقال فى «التمهيد» : إنما أراد بقوله: «برئ من التوكل» إذا استرقى الرقى المكروهة فى الشريعة، أو اكتوى وهو يعلق رغبته فى الشفاء بوجود الكى، وكذلك قوله «لا يسترقون» الرقى المخالفة للشريعة، «لا يكتوون» وقلوبهم معلقة بنفع الكى ومعرضة عن فعل الله تعالى وأن الشفاء من عنده.
وأما إذا فعل ذلك على ما جاء فى الشريعة، وكان ناظرا إلي رب الدواء، وتوقع الشفاء من الله تعالى، وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح لله تعالى، وإتعاب نفسه وكدها فى خدمة ربه، فتوكله باق على حاله لا ينقص منه الدواء شيئا، استدلالا بفعل سيد المتوكلين إذ عمل بذلك فى نفسه وفى غيره انتهى.
فقد تبين أن التداوى لا ينافى التوكل، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التى نصبها الله تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح فى نفس التوكل، كما يقدح فى الأمر والحكمة.
стр. 1335
وحكى ابن القيم: أنه ورد فى خبر إسرائيلى، أن الخليل- ﵊ قال: يا رب ممن الداء؟ قال: منى، قال: فممن الدواء؟ قال: منى.
قال: فما بال الطبيب؟ قال: رجل أرسل الدواء على يديه. قال: وفى قوله- ﷺ : «لكل داء دواء» تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء، والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء، وبرد من حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، وقويت نفسه وانبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التى هى حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته. انتهى.
فإن قلت: ما المراد بالإنزال فى قوله فى الأحاديث السابقة «إلا أنزل له دواء» وفى الرواية الآخرى «شفاء» فالجواب: أنه يحتمل أن يكون عبر بالإنزال عن التقدير، ويحتمل أن يكون المراد إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبى- ﷺ .
وأين يقع طب حذاق الأطباء، الذى غايته أن يكون مأخوذا من قياس أو مقدمات وحدس وتجربة، من الوحى الذى يوحيه الله تعالى إلى رسوله- ﷺ بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عند حذاق الأطباء من الطب إلى هذا الوحى كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاء به- ﷺ . بل هاهنا من الأدوية التى تشفى من الأمراض ما لم تهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجربتهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله تعالى والتوكل عليه والانكسار بين يديه، والصدقة والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق والتفريج عن المكروب.
فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير فى الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، وقد جربت ذلك- والله- مرات، فوجدته يفعل ما لا تفعله الأدوية الحسية.