← Сира

Сира · id 23685

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

القسطلاني

Полный текст (2 019 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الجبلين إلى المقبرة، وهو خيف بنى كنانة، فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هناك، وكان على ثقله، قال أبو رافع: لم يأمرنى- ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكنى جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل «١» . رواه مسلم. وفيه وفى البخارى، عن أنس أنه- ﷺ صلى الظهر والعصر يوم النفر بالأبطح «٢» . وفيهما من حديث أبى هريرة: أنه- ﷺ قال- من الغد يوم النحر، وهو بمنى-: «نحن نازلون غدا بخيف بنى كنانة، حيث تقاسموا على الكفر» «٣» ، يعنى بذلك المحصب. وذلك أن قريشا وكنانة تحالفت على بنى هاشم وبنى المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبى- ﷺ . وعن ابن عباس، ليس التحصيب بشئ، إنما هو منزل نزله رسول الله- ﷺ «٤» ، أى: ليس التحصيب من أمر المناسك الذى يلزم فعله، لكن لما نزل به- ﷺ كان النزول به مستحبّا اتباعا له، لتقريره على ذلك، وقد فعله الخلفاء بعده «٥» ، كما فى مسلم. وعن أنس أن النبى- ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به «٦» ، رواه البخارى. وهذا

стр. 1822

هو طواف الوداع، ومذهب الشافعى أنه واجب يلزم بتركه دم على الصحيح: وهو قول أكثر العلماء. وقال مالك وداود: هو سنة لا شئ بتركه. واختلف فى المرأة إذا حاضت بعد ما طافت طواف الإفاضة، هل عليها طواف الوداع أم لا؟ وكان ابن عباس يرخص لها أن تنفر إذا أفاضت وكان ابن عمر يقول فى أول أمره: إنها لا تنفر، ثم قال فى آخر أمره: إن رسول الله- ﷺ رخص لهن «١» . رواه الشيخان. وعن عائشة: أن صفية بنت حيى حاضت، فذكر ذلك لرسول الله- ﷺ فقال: «أحابستنا هى؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلا إذن» «٢» . ومعنى أحابستنا هى؟ أى أمانعتنا من التوجه من مكة فى الوقت الذى أردنا التوجه فيه؟ ظنا منه- ﷺ أنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك لأنه كان لا يتركها ويتوجه ولا يأمرها بالتوجه معه وهى باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل الحل الثانى. وفى رواية: فحاضت صفية، فأراد النبى- ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت يا رسول الله إنها حائض. قال: «أحابستنا هى؟» «٣» الحديث. وهذا مشكل، لأنه- ﷺ إن كان علم أنها طافت طواف الإفاضة فكيف يقول: «أحابستنا هى؟» وإن كان ما علم، فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثانى؟ ويجاب عنه: بأنه- ﷺ ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنه نساؤه فى طواف الإفاضة فأذن لهن، فكان بانيا على أنها قد حلت، فلما قيل له إنها حائض جوز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة،

стр. 1823

فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهن فزال عنه ما خشيه من ذلك. انتهى. وقالت عائشة: يا رسول الله، ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبى بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج «١» . رواه الشيخان. وفى رواية لمسلم أنها وقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال لها- يعنى رسول الله- ﷺ : «قد حللت من حجك وعمرتك جميعا» ، فقالت: يا رسول الله، إنى أجد فى نفسى أنى لم أطف بالبيت حين حججت، قال: «فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم» ، وذلك ليلة الحصبة. زاد فى رواية: وكان- ﷺ رجلا سهلا، إذا هويت شيئا تابعها عليه «٢» . وقد كانت عائشة قارنة، لأنها كانت قد أهلت بالعمرة، فحاضت فأمرها فأدخلت عليها الحج، وصارت قارنة، وأخبرها أن طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها، فوجدت فى نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلتين، فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرنّ، وترجع هى بعمرة فى ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها. ثم ارتحل- ﷺ راجعا إلى المدينة، فخرج من كدى «٣» - بضم الكاف مقصورا- وهى عند باب شبيكة، بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان. واختلف فى المعنى الذى لأجله خالف- ﷺ بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من فى طريقه، وقيل: الحكمة فى ذلك المناسبة لجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم- ﵊ لما دخل مكة دخل منها: وقيل غير ذلك.

стр. 1824

وفى صحيح مسلم وغيره، من حديث ابن عباس: أنه- ﷺ لقى ركبا بالروحاء، فقال: «من القوم؟» فقالوا: المسلمون يا رسول الله، فرفعت امرأة صبيا لها فى محفة فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» . ولما وصل- ﷺ لذى الحليفة بات بها. قال بعضهم: إن نزوله لم يكن قصدا، وإنما كان اتفاقا، حكاه القاضى إسماعيل فى أحكامه عن محمد ابن الحسن وتعقبه. والصحيح أنه كان قصدا لئلا يدخل المدينة ليلا. فلما رأى المدينة كبر ثلاثا وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . ثم دخل المدينة نهارا من طريق المعرّس- بفتح الراء المشددة وبالمهملتين- وهو مكان معروف، فكل من المعرس والشجرة التى بات بها- ﷺ فى ذهابه إلى مكة على ستة أميال من المدينة. انتهى ملخصا من فتح البارى وغيره، والله أعلم. وأما عمره- ﷺ ، فالعمرة فى اللغة: الزيارة. ومذهب الشافعى وأحمد وغيرهما: أنها واجبة كالحج، والمشهور عن المالكية أنها تطوع وهو قول الحنفية. وقد اعتمر- ﷺ أربع عمر، ففى الصحيحين وسنن الترمذى وأبى داود عن قتادة قال: سألت أنسا: كم حج رسول الله- ﷺ قال: حج حجة واحدة، واعتمر أربع عمر، عمرة فى ذى القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين «١» ، هذا لفظ رواية الترمذى وقال: حسن صحيح. وفى رواية الصحيحين: اعتمر أربع عمر، كلهن فى ذى القعدة إلا التى مع حجته: عمرة الحديبية- أو زمن الحديبية- فى ذى القعدة، وعمرة من العام

стр. 1825

المقبل فى ذى القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين فى ذى القعدة، وعمرة فى حجته «١» . وعن محرش الكعبى: أنه- ﷺ خرج من الجعرانة ليلا معتمرا، فدخل مكة ليلا، فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد، خرج من بطن سرف، حتى جاء مع الطريق طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس «٢» . رواه الترمذى وقال: حديث غريب. وعن ابن عمر قال: اعتمر النبى- ﷺ قبل أن يحج «٣» ، رواه أبو داود. وعن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة، وإنا لنسمع صوتها بالسواك تستن، قال: فقلت يا أبا عبد الرحمن، اعتمر النبى- ﷺ فى رجب؟ قال: نعم، فقلت لعائشة: أى أمتاه، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول اعتمر النبى- ﷺ فى رجب، فقالت: يغفر الله لأبى عبد الرحمن، لعمرى ما اعتمر فى رجب، وما اعتمر من عمرة إلا وأنا معه. قال عروة: وابن عمر يسمع، فما قال: لا ولا نعم، سكت «٤» . وفى رواية أبى داود عن عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله- ﷺ اعتمر عمرتين فى ذى القعدة، وعمرة فى شوال «٥» . وفى رواية له عن مجاهد

стр. 1826

قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر النبى- ﷺ قال: عمرتين، فبلغ عائشة فقالت: لقد علم أن رسول الله- ﷺ اعتمر ثلاثا سوى التى قرنها بحجة الوداع. وقد ذكرت الاختلاف فيما كان- ﷺ محرما به فى حجة الوداع. والجمع بين ما اختلف فيه من ذلك. والمشهور عن عائشة أنه- ﷺ كان مفردا، وحديثها هذا يشعر بأنه كان قارنا، وكذا ابن عمر قد أنكر على أنس لكونه قال: «إنه- ﷺ كان قارنا» مع أن حديثه هذا المتقدم يدل على أنه كان قارنا، لأنه لم ينقل أنه- ﷺ اعتمر مع حجته، ولم يكن متمتعا لأنه- ﷺ اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدى. واحتاج بعضهم إلى تأويل ما وقع عن عائشة وابن عمر هنا فقال: إنما يجوز نسبة العمرة الرابعة إليه- ﷺ باعتبار أنه أمر الناس بها وعملت بحضرته، لا أنه- ﷺ اعتمرها بنفسه. وأنت إذا تأملت ما تقدم من أقوال الأئمة فى حجته- ﷺ من الجمع استغنيت عن هذا التأويل المتعسف. قال بعض العلماء المحققين: وفى عدهم عمرة الحديبية التى صدّ عنها- ﷺ ما يدل على أنها عمرة تامة. وفيه إشارة إلى حجة قول الجمهور: أنه لا يجب القضاء على من صدّ عن البيت خلافا للحنفية، ولو كانت عمرة القضية بدلا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة، وإنما سميت عمرة القضية والقضاء لأن النبى- ﷺ قاضى قريشا فيها، لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التى صدّ عنها، إذ لو كان كذلك لكانت عمرة واحدة. وأما حديث أبى داود عن عائشة: أنه اعتمر فى شوال، فإن كان محفوظا فلعله يريد عمرة الجعرانة حين خرج فى شوال، ولكن إنما أحرم فى ذى القعدة. وأنكر ابن القيم أن يكون- ﷺ اعتمر فى رمضان، نعم قد أخرج الدار قطنى من طريق العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد عن أبيه عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله- ﷺ فى عمرة رمضان فأفطر

стр. 1827

وصمت وقصر وأتممت «١» ، وقال: إن إسناده حسن. لكن يمكن حمله على أن قولها: «فى رمضان» متعلق بقولها: خرجت، ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان فى رمضان، واعتمر- ﷺ فى تلك السنة من الجعرانة، لكن فى ذى القعدة كما تقدم. وأما قول ابن القيم- فى الهدى أيضا-: ولم يكن فى عمره- ﷺ عمرة واحدة خارجا من مكة كما يفعله كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة. وقد أقام بمكة بعد الوحى ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أحد أنه اعتمر خارجا من مكة فى تلك المدة أصلا، فالعمرة التى فعلها وشرعها هى عمرة الداخل إلى مكة لا عمرة من كان بها، فيخرج إلى الحل ليعتمر. ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة وحدها. انتهى. فيقال عليه: بعد أن فعلته عائشة بأمره، فدل على مشروعيته. وروى الفاكهى وغيره من طريق محمد بن سيرين قال: بلغنا أن رسول الله- ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم. ومن طريق عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها. فثبت بذلك أن ميقات العمرة الحل وأن التنعيم وغيره فى ذلك سواء والله أعلم. النوع السابع من عبادته ص فى ذكر نبذة من أدعيته وأذكاره وقراءته اختلف هل الدعاء أفضل أم تركه والاستسلام للقضاء أفضل؟ فقال الجمهور: الدعاء أفضل، وهو من أعظم العبادة، ويؤيده ما أخرجه الترمذى من حديث أنس رفعه: «الدعاء مخ العبادة» «٢» . وقد تواترت الأخبار عنه- ﷺ بالترغيب فى الدعاء والحث عليه. وأخرج الترمذى وصححه ابن

стр. 1828

حبان والحاكم عنه- ﷺ «من لم يسأل الله يغضب عليه» «١» . وقال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-: إنى لا أحمل همّ الإجابة ولكن هم الدعاء، فإذا أتممت الدعاء علمت أن الإجابة معه. وفى هذا يقول القائل: لو لم ترد نيل ما أرجو وآمله ... من جود كفك ما عودتنى الطلبا فإنه يحب تذلل عبيده بين يديه، وسؤالهم إياه، وطلبهم حوائجهم منه، وشكواهم منه إليه، وعياذتهم به منه، وفرارهم منه إليه. كما قيل: قالوا أتشكو إليه ... ما ليس يخفى عليه فقلت ربى يرضى ... ذل العبيد لديه وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء، والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ «٢» بأن آخرها دل على أن المراد بالدعاء هو العبادة «٣» . قال الشيخ تقى الدين السبكى: الأولى حمل الدعاء فى الآية على ظاهره. وأما قوله تعالى بعد ذلك عَنْ عِبادَتِي «٤» فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا: فالوعيد إنما هو فى حق ترك الدعاء استكبارا، ومن فعل ذلك كفر، وأما تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة فيه.

стр. 1829

وقال القشيرى فى «الرسالة» : اختلف أى الأمرين أولى، الدعاء أو السكوت والرضاء؟ فقيل الدعاء، وهو الذى ينبغى ترجيحه لكثرة الأدلة، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضى أولى لما فى التسليم من الفضل. انتهى. وشبهتهم: أن الداعى لا يعرف ما قدر له، فدعاؤه إن كان على وفق القدرة فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاند. وأجيب: بأنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدر الله تعالى كان إذعانا لا معاندة وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفا على الدعاء، لأن الله تعالى خلق الأسباب ومسبباتها. انتهى. وقد أرشد- ﷺ أمته لكيفية الدعاء فقال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبى- ﷺ ، ثم ليدع بما شاء» ، رواه الترمذى من حديث فضالة بن عبيد. وقال- ﷺ فى رجل يدعو: «أوجب إن ختم بامين» «١» . رواه أبو داود. وقال: «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ولكن ليعزم على المسألة فإن الله لا مكره له» «٢» ، رواه البخارى وغيره. ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأمورا فى جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى، وقيل معنى العزم أن يحسن الظن بالله فى الإجابة، فإنه يدعو كريما، وقد قال ابن عيينة: لا يمنعن أحدا الدعاء ما يعلم من نفسه، يعنى التقصير، فإن الله تعالى قد استجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «٣» . وقال- ﷺ : «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لى» رواه الشيخان وغيرهما.

стр. 1830

وكان- ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك «١» ، رواه أبو داود من حديث عائشة: والجوامع: التى تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة، أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة. وكان- ﷺ يقول فى دعائه: «اللهم أصلح لى دينى الذى هو عصمة أمرى، وأصلح لى دنياى التى فيها معاشى، وأصلح لى آخرتى التى إليها معادى، واجعل الحياة زيادة لى فى كل خير، واجعل الموت راحة لى من كل شر» «٢» . رواه مسلم من حديث أبى هريرة. وكان يقول: «اللهم انفعنى بما علمتنى، وعلمنى ما ينفعنى، وزدنى علما، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار» «٣» . رواه الترمذى من حديث أبى هريرة. وكان يقول: «اللهم متعنى بسمعى وبصرى. واجعلهما الوارث منى، وانصرنى على من ظلمنى، وخذ منه بثأرى» «٤» . رواه الترمذى من حديث أبى هريرة أيضا. وكان أكثر دعائه: «ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» «٥» . رواه الشيخان من حديث أنس. وكان يقول: «ربّ أعنى ولا تعن على، وانصرنى ولا تنصر على، وامكر

стр. 1831

لى ولا تمكر على، واهدنى وانصرى على من بغى على، رب اجعلنى لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، مطواعا لك، مخبتا إليك، أواها منيبا، رب تقبل توبتى، واغسل حوبتى، وأجب دعوتى، وثبت حجتى، وسدد لسانى، واهد قلبى، واسلل سخيمة صدرى» «١» رواه الترمذى. وكان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إنى أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تضلنى، أنت الحى الذى لا تموت، والجن والإنس يموتون» «٢» رواه الشيخان عن ابن عباس. وكان يقول: «اللهم إنى أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى» «٣» . رواه مسلم والترمذى من حديث ابن مسعود. وكان يقول: «اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى، وإسرافى فى أمرى، وما أنت أعلم به منى، اللهم اغفر لى جدى وهزلى، وخطئى وعمدى، وكل ذلك عندى، اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شئ قدير» «٤» رواه الشيخان من حديث أبى موسى. وكان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك» «٥» . رواه الترمذى من حديث أم سلمة.

стр. 1832

وكان يقول: «اللهم عافنى فى جسدى، وعافنى فى سمعى وبصرى، واجعلهما الوارث منى، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين» «١» رواه الترمذى. وكان يقول: «اللهم اغسل خطاياى بماء الثلج والبرد، ونق قلبى من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس» «٢» رواه النسائى. وكان يقول: «اللهم إنى أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنى إليك غير مفتون» «٣» . رواه فى الموطأ. وكان يدعو: «اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، اقض عنى الدين وأغننى من الفقر، وأمتعنى بسمعى وبصرى وقوتى، وتوفنى فى سبيلك» «٤» رواه فى الموطأ. وكان- ﷺ يتعوذ فيقول: «اللهم إنى أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذبك من فتنة المحيا والممات» «٥» . رواه الشيخان من حديث أنس. وفى رواية أبى داود «اللهم إنى أعوذبك من الهم والحزن وضلع الدين وغلبة الرجال» «٦» .

стр. 1833

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الجذام والبرص والجنون، ومن سيئ الأسقام» «١» رواه أبو داود والنسائى، من حديث أنس. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من شر ما علمت، ومن شر ما لم أعلم» «٢» . رواه مسلم من حديث عائشة. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذبك من هذه الأربع» «٣» رواه الترمذى والنسائى من حديث ابن عمرو بن العاص. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك» «٤» ، رواه مسلم وأبو داود من حديث ابن عمرو بن العاص أيضا. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم» «٥» ، رواه أبو داود من حديث أبى هريرة. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق» «٦» ، رواه أبو داود من حديث أبى هريرة أيضا.

стр. 1834

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» «١» . رواه أبو داود والنسائى من حديث أبى هريرة أيضا. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو، وشماتة الأعداء» «٢» . رواه النسائى. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردى ومن الغرق والحرق والهرم، وأعوذ بك من أن يتخبطنى الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت فى سبيلك مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا» «٣» . رواه أبو داود والنسائى من حديث أبى اليسر. وكان يتعوذ من عين الجن والإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك «٤» . رواه النسائى. وكان إذا خاف قوما قال: «اللهم إنا نجعلك فى نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم» «٥» . رواه أبو داود. وكان يعوذ الحسن والحسين ويقول- «إن أبا كما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق» - «أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة» «٦» . رواه البخارى والترمذى.

стр. 1835

وقد استشكل صدور هذه الأدعية ونحوها منه- ﷺ مع قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «١» ووجوب عصمته، وأجيب: بأنه امتثل ما أمره الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة فى قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٢» . ويحتمل أن يكون قاله على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع والشكر لربه تعالى، لما علم أنه قد غفر له، ويحتمل أن يكون سؤاله ذلك لأمته وللتشريع، والله أعلم. وكان- ﷺ عند الكرب- وهو ما يهجم على الإنسان مما يأخذ بنفسه ويحزنه ويغمه. - يدعو: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرضين ورب العرش العظيم» «٣» رواه البخارى. وفى رواية: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرضين ورب العرش الكريم» . قال الطيبى: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب لأنه مقتضى التربية، ومنه التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة التى تدل على تمام القدرة، والحلم الذى يدل على العلم. إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية. انتهى. وكان- ﷺ إذا همه أمر رفع رأسه إلى السماء وقال: «سبحان الله العظيم» . رواه الترمذى من حديث أبى هريرة. فإن قلت: هذا ذكر ليس فيه دعاء. فالجواب: إن التعرض للطلب تارة يكون بذكر أوصاف العبد من فقره وحاجته، وتارة بذكر أوصاف السيد من وحدانيته والثناء عليه. وقد قال أمية ابن أبى الصلت فى مدح عبد الله بن جدعان: أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضك الثناء

стр. 1836

قال سفيان الثورى: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء، فكيف بالخالق. وكان- ﷺ إذا كربه أمر قال: «يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث» «١» رواه أبو داود من حديث أنس. وقال- ﷺ : «ما كربنى أمر إلا تمثل لى جبريل فقال: يا محمد قل: توكلت على الحى الذى لا يموت، والحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك، ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا» «٢» رواه الطبرانى عن أبى هريرة. وتقدم فى المقصد الثامن مزيد لذلك. وكان- ﷺ يقول فى الضالة: «اللهم رادّ الضالة وهادى الضالة أنت تهدى من الضلالة، اردد علىّ ضالتى بعزتك وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك» «٣» . رواه الطبرانى فى الصغير من حديث ابن عمر. وكان- ﷺ يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما «٤» . رواه أبو داود عن أنس: وقال أبو موسى الأشعرى- كما عند البخارى- دعا النبى- ﷺ ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه «٥» . وعنده أيضا من حديث ابن عمر: رفع- ﷺ يديه فقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» «٦» .

стр. 1837

لكن فى حديث أنس «لم يكن النبى- ﷺ يرفع يديه فى شئ من دعائه إلا فى الاستسقاء» «١» وهو حديث صحيح. ويجمع بينه وبين ما تقدم: بأن الرفع فى الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان فى حذو الوجه مثلا، وفى الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت فى كل منهما «حتى يرى بياض إبطيه» بل يجمع: بأن تكون رؤية البياض فى الاستسقاء أبلغ منها فى غيره، وإما أن الكفين فى الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء. قال الحافظ عبد العظيم المنذرى: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح. انتهى. وروى الإمام أحمد والحاكم وأبو داود أنه- ﷺ كان يرفع يديه إذا دعا حذو منكبيه. وفى رواية ابن ماجه: وبسطهما. وهذا يقتضى أن تكونا متفرقتين مبسوطتين، لا كهيئة الاغتراف. قال الحافظ ابن حجر: غالب الأحاديث التى وردت فى رفع اليدين فى الدعاء إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء. وروى ابن عباس: كان- ﷺ إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلى وجهه. رواه الطبرانى فى الكبير بسند ضعيف. وهل يمسح بهما وجهه؟ أما فى القنوت فى الصلاة فالأصح، لا، لعدم وروده فيه، قال البيهقى: لا أحفظ فيه عن أحد من السلف شيئا، وإن روى عن بعضهم فى الدعاء خارج الصلاة، وقد روى فيه عن النبى- ﷺ خبر ضعيف مستعمل عند بعضهم فى الدعاء خارجها، فأما فيها فعمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس، والأولى أن لا يفعله. وقد دعا- ﷺ لأنس فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» «٢» . رواه البخارى. وفى «الأدب المفرد» له، عن أنس قال: قالت أم

стр. 1838

سليم- وهى أم أنس-: خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له» «١» . وفى الصحيح: إن أنسا كان فى الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل- وقيل- سنة ثلاث- وله مائة وثلاث سنين. قاله خليفة وهو المعتمد. وأكثر ما قيل فى سنه: أنه بلغ مائة سنة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه بلغ تسعا وتسعين سنة. وأما كثرة ولده، فروي مسلم قال أنس: «فو الله إن مالى لكثير، وإن ولدى وولد ولدى ليعادون على نحو المائة اليوم» «٢» . وورد فى حديث رواه الشيخان «أن أنسا قال: أخبرتنى ابنتى أمينة- بضم الهمزة وفتح الميم، وسكون المثناة التحتية، بعدها نون- أنه دفن من صلبى إلى مقدم الحجاج البصرة مائة وعشرون» . وقال ابن قتيبة فى «المعارف» : كان بالبصرة ثلاث ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة، وخليفة بن بدر، وأنس، وزاد غيره رابعا: وهو المهلب بن أبى صفرة. وأخرج ابن سعد عن أنس قال: دعا لى النبى- ﷺ : «اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر له» ، فقد دفنت من صلبى مائة واثنين، وإن ثمرتى لتحمل فى السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأرجو الرابعة «٣» . وأخرج الترمذى عن أبى العالية فى ذكر أنس: وكان له بستان يؤتى فى كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان تفوح منه رائحة المسك «٤» . ورجاله ثقات. ودعا- ﷺ لمالك بن ربيعة السلولى أن يبارك له فى ولده، فولد له

стр. 1839

ثمانون ذكرا، رواه ابن عساكر. وأرسل- ﷺ إلى على يوم خيبر، وكان أرمد، فتفل فى عينيه وقال: «اللهم أذهب عنه الحر والبرد» ، قال: فما وجدت حرّا ولا بردا منذ ذلك اليوم، ولا رمدت عيناى «١» . وبعث- ﷺ عليّا إلى اليمن قاضيا فقال: يا رسول الله، لا علم لى بالقضاء، فقال: «ادن منى» ، فدنا منه، فضرب يده على صدره وقال: «اللهم اهد قلبه وثبت لسانه» ، قال على: فو الله ما شككت فى قضاء بين اثنين «٢» ، رواه أبو داود وغيره. وعاد- ﷺ عليّا من مرض فقال: «اللهم اشفه اللهم عافه» ، ثم قال: «قم» ، قال على: فما عاد لى ذلك الوجع بعد «٣» . رواه الحاكم وصححه البيهقى وأبو نعيم. ومرض أبو طالب، فعاده النبى- ﷺ ، فقال: يا ابن أخى ادع ربك الذى تعبد أن يعافينى، فقال: «اللهم اشف عمى» ، فقام أبو طالب كأنما نشط من عقال، فقال: يا ابن أخى، إن ربك الذى تعبد ليطيعك، فقال: «وأنت يا عماه لئن أطعت الله ليطيعنك» . رواه ابن عدى والبيهقى وأبو نعيم من حديث أنس. وتفرد به الهيثمى، وهو ضعيف. ودعا- ﷺ لابن عباس: «اللهم فقهه فى الدين، اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل» «٤» . رواه البغوى وابن سعد. وفى البخارى: «اللهم علمه الكتاب» «٥» فكان عالما بالكتاب، حبر الأمة، بحر العلم، رئيس المفسرين، ترجمان القرآن، وكونه فى الدرجة العليا والمحل الأقصى لا يخفى. وقال للنابغة الجعدى لما قال:

стр. 1840

ولا خير فى حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمى صفوه أن يكدرا ولا خير فى علم إذا لم يكن له ... حكيم إذا ما أورد الأمر أصدرا «لا يفضض الله فاك» «١» أى لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا يسقط الله أسنان فيك، فحذف المضاف: قال: فأتى عليه أكثر من مائة سنة وكان من أحسن الناس ثغرا. رواه البيهقى. وقال فيه: فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة وما ذهب له سن، وفى رواية ابن أبى أسامة: وكان من أحسن الناس ثغرا وإذا سقطت له سن، نبتت له أخرى، وعند ابن السكن: فرأيت أسنان النابغة أبيض من البرد لدعوته- ﷺ . وسقاه- ﷺ عمرو بن أحطب ماء فى قدح قوارير، فرأى فيه شعرة بيضاء فأخذها، فقال: «اللهم جمله» ، فبلغ ثلاثا وتسعين سنة وما فى لحيته ورأسه شعرة بيضاء «٢» ، رواه الإمام أحمد من طريق أبى نهيك. قال أبو نهيك: فرأيته ابن أربع وتسعين سنة وليس فى لحيته شعرة بيضاء «٣» . وصححه ابن حبان والحاكم. وأخرج البيهقى عن أنس أن يهوديّا أخذ من لحية النبى- ﷺ فقال: «اللهم جمله» . فاسودت لحيته بعد أن كانت بيضاء. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: حلب يهودى للنبى- ﷺ ناقة، فقال: «اللهم جمله» ، فاسود شعره، حتى صار أشد سوادا من كذا وكذا. قال معمر: وسمعت غير قتادة يذكر أنه عاش تسعين سنة فلم يشب. أخرجه ابن أبى شيبة وأبو داود فى المراسيل والبيهقى وقال: مرسل شاهد لما قبله. وقال- ﷺ لابن الحمق الخزاعى، وقد سقاه- ﷺ : «اللهم متعه بشبابه» ، فمرت عليه ثمانون سنة ولم ير شعرة بيضاء، رواه أبو نعيم وغيره.

стр. 1841

وجاءته فاطمة وقد علاها الصفرة من الجوع، فنظر إليها- ﷺ ووضع يده على صدرها ثم قال: «اللهم مشبع الجاعة لا تجع فاطمة بنت محمد» قال عمران بن حصين: فنظرت إليها وقد علاها الدم على الصفرة فى وجهها، ولقيتها بعد فقالت: ما جعت يا عمران، ذكره يعقوب بن سليمان الأسفراينى فى دلائل الإعجاز. ودعا- ﷺ لعروة بن الجعد البارقى فقال: «اللهم بارك فى صفقة يمينه» قال فما اشتريت شيئا قط إلا وربحت فيه. وقال لجرير وكان لا يثبت عل الخيل، وضرب فى صدره: «اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا» . قال فما وقعت عن فرسى بعد «١» . وقال لسعد بن أبى وقاص: «اللهم أجب دعوته» . فكان مجاب الدعوة. رواه البيهقى والطبرانى فى الأوسط. ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة. رواه الشيخان عن أنس، زاد البيهقى من وجه آخر، قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا أو فضة «٢» . الحديث. قال القاضى عياض: وقد فتح الله عليه ومات فحفر الذهب فى تركته بالفؤوس حتى مجلت فيه الأيدى، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا، وكن أربعا، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إحداهن لأنه طلقها فى مرض موته على ثمانين ألفا. وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية فى حياته، وعوارفه العظيمة، أعتق يوما ثلاثين عبدا، وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير، وردت عليه تحمل من كل شئ فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها. وذكر المحب الطبرى، مما عزاه للصفوة عن الزهرى: أنه تصدق بشطر ماله: أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس فى سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة فى سبيل الله،

стр. 1842

وكان عامة ماله من التجارة. ودعا على مضر فأقحطوا حتى أكلوا العلهز- وهو الدم بالوبر- حتى استعطفته قريش. ولما تلى- ﷺ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى «١» قال عتيبة بن أبى لهب. كفرت برب النجم، «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» . فخرج عتيبة مع أصحابه فى عير إلى الشام حتى إذا كانوا بالشام زأر أسد، فجعلت فرائصه ترعد، فقيل له: من أى شئ ترتعد؟ فو الله ما نحن وأنت فى هذا إلا سواء، فقال: إن محمدا دعا على، ولا والله ما أظلت هذه السماء من ذى لهجة أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يديه فيه حتى جاء النوم، فأحاطوا به وأحاطوا أنفسهم بمتاعهم، ووسطوه بينهم وناموا، فجاء الأسد يستنشق رؤسهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه فمضغه مضغة، وهو يقول: ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس، ومات. ذكره يعقوب الأسفراينى: وتقدم فى ذكره أولاده- ﷺ قصة بنحو هذه. وعن مازن الطائى، وكان بأرض عمان، قلت: يا رسول الله، إنى امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر والنساء، وألحت علينا السنون، فأذهبن الأموال وأهزلن الذرارى والرجال، وليس لى ولد، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد ويأتينى بالحياء ويهب لى ولدا، فقال- ﷺ : «اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وائته بالحياء، وهب له ولدا» قال مازن: فأذهب الله عنى كل ما كنت أجد، وأخصبت عمان وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لى حيان بن مازن. رواه البيهقى. ولما نزل- ﷺ بتبوك صلى إلى نخلة فمر رجل بينه وبينها فقال- ﷺ : «قطع صلاتنا قطع الله أثره فأقعد فلم يقم» «٢» . رواه أبو داود والبيهقى، لكن سنده ضعيف.

стр. 1843

وأكل رجل عنده بشماله فقال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت» فما رفعها إلى فيه بعد «١» . والرجل هو بسر- بضم الموحدة وسكون المهملة- ابن راعى العير، بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية. وطلب- ﷺ معاوية، فقيل له إنه يأكل، فقال فى الثانية: «لا أشبع الله بطنه» ، فما شبع بطنه أبدا «٢» ، رواه البيهقى من حديث ابن عباس، وكان معاوية رديفه يوما فقال: «يا معاوية، ما يلينى منك؟» قال: بطنى؟ قال: «اللهم املأه علما وحلما» . رواه البخارى فى تاريخه. وقال لابن ثروان: «اللهم أطل شقاءه وبقاءه» فأدرك شيخا كبيرا شقيّا يتمنى الموت. وكم له- ﷺ من دعوات مستجابات، وقد أفرد القاضى عياض بابا فى الشفاء ذكر فيه طرفا منها، وكذا الإمام يوسف بن يعقوب الإسفراينى فى كتابه «دلائل الإعجاز» فكم أجابه الله تعالى إلى مسئوله، وأجناه من شجرة دعائه ثمرة سؤله. وأما حديث أبى هريرة عند البخارى أن رسول الله- ﷺ قال: «لكل نبى دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتى شفاعة لأمتى فى الآخرة» «٣» فقد استشكل ظاهره بما ذكرته، وبما وقع لنبينا ولكثير من الأنبياء- صلى الله عليهم وسلم- من الدعوات المجابة، فإن ظاهره أن لكل نبى دعوة مجابة فقط. وأجيب: بأن المراد بالإجابة فى الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهم على رجاء الإجابة. وقيل: معنى قوله «لكل نبى

стр. 1844

دعوة» أى أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل: لكل منهم دعوة عامة مستجابة فى أمته، إما بإهلاكهم، وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة: فمنها ما يستجاب ومنها لا يستجاب. وقيل: لكل نبى منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «١» وقول زكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي «٢» ، وقول سليمان: رب هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إشارة إلى قوله: قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب. وأما قول الكرمانى فى شرحه على البخارى: فإن قلت: هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبى- ﷺ ؟ قلت: لكل نبى دعوة مستجابة، وإجابة الباقى فى مشيئة الله تعالى، فقال العينى: هذا السؤال لا يعجبنى، فإن فيه بشاعة، وأنا لا أشك أن جميع دعوات النبى- ﷺ مستجابة. وقوله: «لكل نبى دعوة مستجابة» لا ينفى ذلك، لأنه ليس بمحصور. انتهى. ولم ينقل أنه- ﷺ دعا بشئ فلم يستجب. وفى هذا الحديث بيان فضيلة نبينا- ﷺ على سائر الأنبياء، حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره، - صلوات الله وسلامه عليهم-. وظاهر الحديث يقتضى أنه- ﷺ أخر الدعاء والشفاعة ليوم القيامة، فذلك اليوم يدعو ويشفع، ويحتمل أن يكون المؤخر ليوم القيامة ثمرة تلك الدعوة ومنفعتها، وأما طلبها فحصل من النبى- ﷺ فى الدنيا حكاه صاحب مزيد الفتح. وقد أمر الله النبى- ﷺ بالترقى فى مراتب التوحيد بقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «٣» فإنه ليس أمرا بتحصيل ذلك العلم، لأنه عالم بذلك،

стр. 1845

ولا بالثبات، لأنه معصوم، فتعين أن يكون للترقى فى مراتبه ومقاماته، إشارة إلى أن العلم به تعالى والسير إليه لا نهاية له أبدا، فجميع العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية فى العالم منتظم فى سلك تحقيقها، وستثمر من أفنان طواياها، ولذا اكتفى بعلمها له- ﷺ فى الآية فالشأن كله فى تصحيح التوحيد وتجريده وتكميله، وقد قال تعالى له- ﷺ : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ «١» وقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً «٢» ، لأنه لا بد فى أول السلوك من الذكر باللسان مدة، ثم يزول الاسم ويبقى المسمى، فالدرجة الأولى هى المرادة بقوله: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ «٣» ، والمرتبة الثانية هى المرادة بقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً «٤» وفى استيفاء مباحث ذلك طول، يخرج عن الغرض، وقد تقدم جملة من أذكاره- ﷺ مفرقة فى الوضوء والصلاة والحج وغير ذلك. وقد كان- ﷺ يستغفر الله ويتوب إليه فى اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة «٥» . كما رواه عنه أبو هريرة عند البخارى. وظاهره أنه يطلب المغفرة، ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد: أنه- ﷺ يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجح الثانى ما أخرجه النسائى بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر: أنه سمع النبى- ﷺ يقول: «أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه» فى المجلس قبل أن يقوم مائة مرة. وله: من رواية محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: إن كنا لنعد لرسول الله- ﷺ فى المجلس: «رب اغفر لى وتب على إنك أنت التواب الغفور» ، مائة مرة «٦» . ويحتمل أن يريد بقوله فى حديث أبى هريرة «أكثر من سبعين

стр. 1846

مرة» المبالغة. ويحتمل أن يريد العدد بعينه، ولفظ «أكثر» مبهم، فيمكن أن يفسر بحديث ابن عمر المذكور، وأنه يبلغ المائة. وقد وقع فى طريق أخرى عن أبى هريرة، من رواية معمر عن الزهرى بلفظ «إنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة» لكن خالف معمر أصحاب الزهرى فى ذلك. نعم أخرج النسائى أيضا من رواية محمد بن عمرو عن أبى سلمة بلفظ: «إنى لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة» «١» . وأخرج النسائى أيضا من طريق عطاء، عن أبى هريرة: أن رسول الله- ﷺ جمع الناس فقال: «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإنى أتوب إليه فى اليوم مائة مرة» «٢» . واستغفاره- ﷺ تشريع لأمته، أو من ذنوبهم، وقيل غير ذلك، وتقدم ما ينتظم فى سلك ذلك. فإن قلت: ما كيفية استغفاره- ﷺ ؟. فالجواب: أنه ورد فى حديث شداد بن أوس، عند البخارى: رفعه «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك على، وأبوء بذنبى فاغفر لى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» . قال: «من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسى فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل موقنا بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» «٣» فتعين أن هذه الكيفية هى الأفضل، وهو- ﷺ لا يترك الأفضل. وأما قراءته- ﷺ وصفتها، فكانت مدّا، يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم «٤» . رواه البخارى عن أنس: ونعتتها أم سلمة: قراءة

стр. 1847

مفسرة حرفا حرفا «١» . رواه أبو داود والنسائى والترمذى. وقالت أيضا: كان- ﷺ يقطع قراءته، يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٢» ثم يقف، ثم يقول: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «٣» ثم يقف «٤» . رواه الترمذى: وقالت حفصة: كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها «٥» . رواه مسلم. وقال البراء: كان يقرأ فى العشاء وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ «٦» فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه- ﷺ «٧» . رواه الشيخان. فقد كانت قراءته- ﷺ ترتيلا لا هذا ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفا حرفا، وكان يقطع قراءته آية آية، وكان يمد عند حروف المد، وكان يتغنى بقراءته، ويرجع صوته بها أحيانا، كما رجع يوم الفتح فى قراءة إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً «٨» . وحكى عبد الله بن مغافل ترجيعه: ثلاث مرات «٩» ، ذكره البخارى. وإذا جمعت هذا الحديث إلى قوله: «زينوا القرآن بأصواتكم» «١٠» ،

стр. 1848

وقوله: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» «١» . وقوله: «ما أذن الله لشئ كإذنه لنبى حسن الصوت يتغنى القرآن» «٢» . أى ما استمع الله لشئ كاستماعه لنبى يتغنى بالقرآن يتلوه يجهر به، يقال منه: أذن يأذن أذنا بالتحريك. علمت أن هذا الترجيع منه- ﷺ كان اختيارا، لا اضطرارا لهز الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة لما كان داخلا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغافل يحكيه ويفعله اختيارا ليتأسى به وهو يرى هذا من هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول: «كان يرجع فى قراءته» فنسب الترجيع إلى فعله، ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمى ترجيعا. وقد استمع- ﷺ ليلة لقراءة أبى موسى الأشعرى، فلما أخبره بذلك قال: لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرا. أى حسنته وزينته بصوتى تزيينا. وهذا الحديث يرد على من قال: إن قوله «زينوا القرآن بأصواتكم» من باب القلب، أى: زينوا أصواتكم بالقرآن، فإن القلب لا وجه له. قال ابن الأثير: ويؤيد ذلك تأييدا لا شبهة فيه حديث ابن عباس: أن رسول الله- ﷺ قال: «لكل شئ حلية، وحلية القرآن حسن الصوت» «٣» . والله أعلم. وقد اختلف العلماء فى هذه المسألة اختلافا كثيرا يطول ذكره، وفصل النزاع فى ذلك أن يقال: إن التطريب والتغنى على وجهين. أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خلا فى ذلك وطبعه، واسترسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز وإن أعانته طبيعته على فضل تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى للنبى- ﷺ : لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا،

стр. 1849

والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التخزين والتطريب فى القراءة. ولكن النفوس تستجلبه وتستملحه لموافقة الطبع وعدم التكلف والتصنع، فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذى كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغنى المحمود، وهو الذى يتأثر به التالى والسامع. والوجه الثانى: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، ليس فى الطبائع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعليم والتكلف، فهذه هى التى كرهها السلف وعابوها وأنكروا القراءة بها. وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التى هى على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم اتقى لله من أن يقرؤا بها ويسوغوها، ويعلم قطعا أنهم كانوا يقرؤن بالتخزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقراءة، ويقرؤنه بسجاياهم تارة، وتطريبا أخرى، وهذا أمر فى الطباع، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضى الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه- ﷺ ، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» وليس المراد الاستغناء به عن غيره كما ظنه بعضهم، ولو كان كذلك لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى. والمعروف فى كلام العرب أن التغنى إنما هو الغناء الذى هو حسن الصوت بالترجيع، كما قال الشاعر: تغن بالشعر إذا ما كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار وروى ابن أبى شيبة عن عقبة بن عامر مرفوعا: «تعلموا القرآن وتغنوا به واكتبوه» «١» . الحديث والله أعلم. وقد صح أنه- ﷺ سمع أبا موسى

стр. 1850

الأشعرى يقرأ فقال: «لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود» «١» . يعنى من مزامير داود نفسه، كما ذكره أهل المعانى. وفى طريق آخر- كما تقدم- أن أبا موسى قال: يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا «٢» . قال ابن المنير: فهذا يدل على أنه كان يستطيع أن يتلو أشجى من المزامير عند المبالغة فى التحبير، لأنه قد تلا مثلها وما بلغ الحد، فكيف لو بلغ حد استطاعته. وقد كان داود- ﵇ إذا أراد أن يتكلم على بنى إسرائيل يجوع سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا يأتى النساء، ثم يأمر سليمان فينادى فى الضواحى والنواحى والآكام والأودية والجبال: إن داود يجلس يوم كذا، ثم يخرج له منبرا إلى الصحراء، فيجلس عليه، وسليمان قائم على رأسه، فتأتى الإنس والجن والطير والوحش والهوام والعذارى والمخدرات يسمعون الذكر، فيأخذ فى الثناء على الله بما هو أهله، فتموت طائفة من المستمعين، ثم يأخذ فى النياحة على المذنبين فتموت طائفة، فإذا استجر الموت بالخلق قال له سليمان: يا نبى الله، قد استجر الموت بالناس، وقد مزقت المستمعين كل ممزق، فيخر داود مغشيّا عليه، فيحمل على سريره إلى بيته، وينادى منادى سليمان: أيها الناس، من كان له مع داود قريب أو حميم فليخرج لافتقاده، فكانت المرأة تأتى فتقف على زوجها أو ابنها أو أخيها، فتدخل به المدينة، فإذا أفاق داود فى اليوم الثانى قال: يا سليمان، ما فعل عباد بنى إسرائيل؟ فيقول له سليمان: قد مات فلان وفلان وهلم جرا. فيضع داود يده على رأسه وينوح ويقول: يا ربّ داود، أغضبان أنت على داود حتى إنه لم يمت فيمن مات خوفا منك أو شوقا إليك؟ فلا يزال ذلك دأبه إلى المجلس الآخر، وأقام داود- ﵇ على ذلك ما شاء الله تعالى.

стр. 1851

ولا تظن بما ذكرته من حال بنى إسرائيل أنهم فى ذلك أعلى من هذه الأمة، فأما المزامير فحسبك ما ذكر من حال أبى موسى الأشعرى- رضى الله عنه-، وأما الموت من الموعظة شوقا أو خوفا فلنا فيه طريقان: أحدهما: أن نقول إن القوة التى أوتيتها هذه الأمة تقاوم الأحوال الواردة عليها فتتماسك الحياة، فلا تفنى القوة الجسمانية بل القوة الروحانية، والتأييدات الإلهية. فلفرط قوة هذه الأمة- إن شاء الله تعالى- تقارب عند سلفها الصالح ما بين حال سماع الموعظة وحال عدم سماعها، لتوالى أحوال الذكر وأطوار اليقين. وقد قال بعضهم: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. فتماسك قوة السلف عند واردات الأحوال هو الذى فرق بينهم وبين من قبلهم. ألا ترى أن داود وسليمان- ﵉ وهما أصحاب المزامير- لم يتفق لهما الموت كما اتفق لمن مات، وما ذلك من تقصيرهما فى الخوف والشوق، ولكن من القوة الربانية التى أمدهما بها. ولا خلاف بأن داود- ﵇ وإن لم يمت من الذكر أفضل ممن مات من أمته، وأما نواحه على كونه لم يمت فذلك من التواضع الذى يزيده شرفا، لا من التقصير عن آحاد أمته، بل لارتفاعه عنهم درجات وزلفى، وإلى هذه القوة الإلهية أشار أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- وقد رأى إنسانا يبكى من الموعظة فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب. عبر عن القوة بالقسوة تواضعا، ومرتبته بحمد الله محفوظة ومنزلته مرفوعة. والطريق الثانى: أن نقول: قد روي ما لا يحصى كثرة عن هذه الأمة مثل ما اتفق فى مجلس داود- ﵇ من موت المستمعين للذكر فى مجلس السماع قديما وحديثا، ولأبى إسحاق الثعلبى جزء فى قتلى القرآن رويناه، وعندى من ذلك جملة أرجو تدوينها، بل قد روي عن كثير من المريدين أنهم ماتوا بمجرد النظر إلى المشايخ، كما حكى أن مريدا لأبى تراب النخشبى كان يتجلى له الحق تعالى فى كل يوم مرات، فقال له أبو تراب: لو رأيت أبا يزيد لرأيت أمرا عظيما، فلما ارتحل المريد مع شيخه أبى تراب النخشبى لأبى يزيد

стр. 1852

ووقع بصر المريد عليه وقع ميتا، فقال له أبو تراب يا أبا يزيد نظرة منك قتلته، وقد كان يدعى رؤية الحق فقال له أبو يزيد قد كان صاحبك صادقا، وكان الحق يتجلى له على قدر مقامه، فلما رآنى تجلى له على قدر ما رأى، فلم يطق فمات. واصطلاح أهل الطريق فى التجلى معروف، وحاصله: رتبة من المعرفة جلية علية ولم يكونوا يعنون بالتجلى رؤية البصر التى قيل فيها لموسى- ﵇ على خصوصيته- لَنْ تَرانِي «١» والتى قيل فيها على العموم لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ «٢» . وإذا فهمت أن مرادهم الذى أثبتوه غير المعنى الذى حصل منه الناس على اليأس فى الدنيا، ووعد الخواص به فى الآخرى، فلا ضير بعد ذلك عليك. ولا طريق لسوء الظن بالقوم إليك، والله متولى السرائر. انتهى ملخصا. وإذا علمت هذا فاعلم أن السماع فى طريق القوم معروف، وفى الجواذب إلى المحبة معدود وموصوف، وقد نقل إباحته أبو طالب فى «القوت» عن جماعة من الصحابة كعبد الله بن جعفر، وابن الزبير، والمغيرة بن شعبة ومعاوية، وكذا الجنيد، والسرى وذى النون، واحتج له الغزالى فى «الإحياء» بما يطول ذكره، خصوصا فى أوقات السرور المباحة، تأكيدا له وتهييجا، كعرس وقدوم غائب، ووليمة وعقيقة وحفظ قرآن، وختم درس أو كتاب أو تأليف. وفى الصحيحين من حديث عائشة: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان فى أيام منى تدففان وتضربان، ورسول الله- ﷺ متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف- ﷺ عن وجهه وقال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» «٣» . وفى رواية: دخل على رسول الله- ﷺ وعندى جاريتان

стр. 1853

تغنيان بغناء يوم بعاث- بضم الموحدة والعين المهملة آخره مثلاثة- اسم حصن للأوس، وبالمعجمة تصحيف، أى تنشدان الأشعار التى قيلت يوم بعاث، وهو حرب كان بين الأنصار، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرنى وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله- ﷺ فأقبل عليه- ﷺ وقال: «دعهما» . واستدل جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بالة وبغير آلة. وتعقب: بأن فى الحديث الآخر عند البخارى عن عائشة: «وليستا بمغنيتين» «١» فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيا، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق لما فيه من تعريض بالفواحش أو تصريح. قال القرطبى: قولها- يعنى عائشة-: «ليستا بمغنيتين» أى ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك. قال: وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين، وهو الذى يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا إذا كان فى شعر فيه وصف محاسن النساء أو الخمر أو غيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف فى تحريمه. قال: وأما ما ابتدعته الصوفية فى ذلك فمن قبيل ما لا يختلف فى تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت فى كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وأن ذلك يثمر سنىّ الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة. انتهى. والحق: أن السماع إذا وقع بصوت حسن، بشعر متضمن للصفات العلية، أو النعوت النبوية المحمدية، عريّا عن الآلات المحرمة، والحظوظ

стр. 1854

الخسيسة الغبية، والشبه الدنية، وآثار كامن المحبة الشريفة العلية، وضبط السامع نفسه ما أمكنه، بحيث لا يرفع صوته بالبكاء، ولا يظهر التواجد وهو يقدر على ضبط نفسه ما أمكنه مع العلم بما يجب لله ورسوله ويستحيل، لئلا ينزل ما يسمعه على ما لا يليق، كان من الحسن فى غاية، ولتمام تزكية النفس نهاية. نعم تركه والاشتغال بما هو أعلى أسلم لخوف الشبهة، وللخروج من الخلاف، إلا نادرا. وقد نقل عن الإمام الشافعى ومالك وأبى حنيفة وجماعة من العلماء ألفاظ تدل على التحريم، ولعل مرادهم ما كان فيه تهييج شيطانى، وإذا كان النظر فى السماع باعتبار تأثيره فى القلوب، لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأشخاص، واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما فى القلب، وهو لمن يرتقى لربه ترقية مثير للكامن فى النفوس من الأزل، حين خاطبنا الحق تعالى بقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ «١» فما كان فى القلب من رقة ووجد وحقيقة فهو من حلاوة ذلك الخطاب، والأعضاء كلها ناطقة بذكره، مستطيبة لاسمه، فالسماع من أكبر مصايد النفوس، وإذا اقترن بألحانه المناسبة، وكان الشعر متضمنا لذكر المحبوب الحق، برز الكامن وذاعت الأسرار سيما فى أرباب البدايات. وقد شوهد تأثير السماع حتى فى الحيوانات الغير الناطقة من الطيور والبهائم، فقد شوهد تدلى الطيور من الأغصان على أولى النغمات الفائقة، والألحان الرائقة، وهذا الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيرا يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر لقوة نشاطه فى سماعه المسافة الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه، فتراه إذا طالت عليه البوادى، وأعياه الإعياء تحت الحمل إذا سمع منادى الحداء يمد عنقه ويصغى إلى الحادى، ويسرع فى سيره، وربما أتلف نفسه فى شدة السير وثقل الحمل، وهو لا يشعر بذلك لنشاطه.

стр. 1855

وقد حكى مما ذكره فى «الإحياء» عن أبى بكر الدينورى: أن عبدا أسود قتل جمالا كثيرة بطيب نغمته إذا حداها، وكانت محملة أحمالا ثقيلة، فقطعت مسيرة ثلاثة أيام فى ليلة واحدة، وأنه حدا على جمل غيرها بحضرته، فهام الجمل وقطع حباله وحصل له ما غيبه عن حسه، حتى خر لوجهه. فتأثير السماع محسوس، ومن لم يحركه فهو فاسد المزاج، بعيد العلاج، زائد فى غلظ الطبع وكثافته على الجمال. وإذا كانت هذا البهائم تتأثر بالنغمات، فتأثير النفوس الإنسانية أولى. وقد قال: نعم لولاه ما ذكر العقيق ... ولا جابت له الفلوات نوق نعم أسعى إليك على جفونى ... تدانى الحى أو بعد الطريق إذا كانت تحن لك المطايا ... فماذا يفعل الصب المشوق فزبدة السماع تلطيف السر، ومن ثم وضع العارف الكبير سيدى على الوفوى حزبه المشهور على الألحان والأوزان اللطيفة، تنشيطا لقلوب المريدين وترويحا لأسرار السالكين، فإن النفوس- كما قدمناه- لها حظ من الألحان، فإذا قيلت هذه الواردات السنية الفائضة من الموارد النبوية المحمدية بهذه النغمات الفائقة والأوزان الرائقة، تشربتها العروق، وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد الوفوى المحمدى، فأثمرت شجرة خطاب الأزل بما سقيته من موارد هذه اللطائف عوارف المعارف. تنبيه: زعم بعضهم أن السماع أدعى للوجد من التلاوة وأظهر تأثيرا. والحجة عن ذلك: أن جلال القرآن لا تحتمله القوى البشرية المحدثة، ولا تحتمله صفاتها المخلوقة، ولو كشف للقلوب ذرة من معناه لدهشت وتصدعت وتحيرت، والألحان مناسبة للطباع بنسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق، والشعر نسبته بنسبة الحظوظ، فإذا علقت الأشجان والأصوات بما فى الأبيات من الإشارات واللطائف، شاكل بعضها بعضا فكان أقرب إلى الحظوظ وأخف على القلوب بمشاكلة المخلوق. قاله أبو نصر السراج «١» .

стр. 1856

المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ص اعلم- وصلنى الله وإياك بحبل تأييده، وأوصلنا بلطفه إلى مقام توفيقه وتسديده- أن هذا الفصل مضمونه يسكب المدامع من الأجفان، ويجلب الفجائع لإثارة الأحزان، ويلهب نيران الموجدة على أكباد ذوى الإيمان. واعلم أنه لما كان الموت مكروها بالطبع، لما فيه من الشدة والمشقة العظيمة، لم يمت نبى من الأنبياء حتى يخير. وأول ما أعلم النبى- ﷺ من انقضاء عمره باقتراب أجله بنزول سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «١» ، فإن المراد من هذه السورة: إنك يا محمد إذا فتح الله عليك البلاد، ودخل الناس فى دينك الذى دعوتهم إليه أفواجا، فقد اقترب أجلك، فتهيأ للقائنا بالتحميد والاستغفار، فإنه قد حصل منك مقصود ما أمرت به، من أداء الرسالة والتبليغ، وما عندنا خير لك من الدنيا، فاستعد للنقلة إلينا. وقد قيل إن هذه السورة آخر سورة نزلت يوم النحر، وهو- ﷺ بمنى فى حجة الوداع، وقيل: عاش بعدها إحدى وثمانين يوما. وعند ابن أبى حاتم من حديث ابن عباس: عاش بعدها تسع ليال. وعن مقاتل: سبعا، وعن بعضهم: ثلاثا. ولأبى يعلى من حديث ابن عمر: نزلت هذه السورة فى أوسط أيام التشريق فى حجة الوداع، فعرف رسول الله- ﷺ أنه الوداع.

стр. 1857

وفى حديث ابن عباس، عند الدارمى: لما نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «١» دعا رسول الله- ﷺ فاطمة، وقال: «نعيت إلى نفسى» فبكت قال: «لا تبكى، فإنك أول أهلى لحوقا بى» ، فضحكت «٢» . الحديث. وروى الطبرانى من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٣» نعيت إلى رسول الله- ﷺ نفسه، فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا فى أمر الآخرة. وللطبرانى أيضا، من حديث جابر: لما نزلت هذه السورة قال النبى- ﷺ لجبريل: «نعيت إلى نفسى» . فقال له جبريل: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى «٤» . وروى فى حديث ذكره ابن رجب فى «اللطائف» : أنه تعبد حتى صار كالشن البالى. وكان- ﷺ يعرض القرآن كل عام على جبريل مرة، فعرضه ذلك العام مرتين، وكان- ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان كل عام فاعتكف فى ذلك العام عشرين، وأكثر من الذكر والاستغفار. وقالت أم سلمة: كان- ﷺ فى آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجئ إلا قال: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه» ، فقلت له: إنك تدعو بدعاء لم تكن تدعو به قبل اليوم، فقال: «إن ربى أخبرنى أنى سأرى علما فى أمتى، وأنى إذا رأيته أن أسبح بحمده وأستغفره» ، ثم تلا هذه السورة «٥» . رواه ابن جرير وابن خزيمة. وأخرج ابن مردويه من طريق مسروق عن عائشة نحوه. وروى الشيخان من حديث عقبة بن عامر قال: صلى رسول الله- ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء وللأموات، ثم طلع

стр. 1858

المنبر فقال: «إنى بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإنى لأنظر إليه وأنا فى مقامى هذا، وإنى قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإنى لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدى، ولكنى أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها» . وزاد بعضهم: «فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم» «١» . وعن أبى سعيد الخدرى: أن رسول الله- ﷺ جلس على المنبر فقال: «إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده» ، فبكى أبو بكر- رضى الله عنه- وقال: يا رسول الله، فديناك بابائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله- ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بابائنا وأمهاتنا. قال: فكان رسول الله- ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال النبى- ﷺ : «إن أمنّ الناس على فى صحبته وماله أبو بكر، فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام، لا يبقى فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر- رضى الله عنه-» «٢» . رواه البخارى ومسلم. ولمسلم من حديث جندب: سمعت النبى- ﷺ يقول قبل أن يموت بخمس ليال «إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل» «٣» . وكأن أبا بكر- رضى الله عنه- فهم الرمز الذى أشار به النبى- ﷺ من قرينة ذكره ذلك فى مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى.

стр. 1859

وما زال- ﷺ يعرض باقتراب أجله فى آخر عمره، فإنه لما خطب فى حجة الوداع قال للناس: «خذوا عنى مناسككم، فلعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا» وطفق يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع «١» . فلما رجع- ﷺ من حجة الوداع إلى المدينة جمع الناس بماء يدعى «خما» فى طريقه بين مكة والمدينة، فخطبهم وقال: «أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتينى رسول ربى فأجيب» ، ثم حض على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته «٢» . قال الحافظ ابن رجب: وكان ابتداء مرضه- ﷺ فى أواخر شهر صفر، وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوما فى المشهور. وكانت خطبته التى خطب بها المذكورة فى حديث أبى سعيد الذى قدمته فى ابتداء مرضه الذى مات فيه، فإنه خرج- كما رواه الدارمى- وهو معصوب الرأس بخرقة، حتى أهوى إلى المنبر فاستوى عليه فقال: «والذى نفسى بيده، إنى لأنظر إلى الحوض من مقامى هذا، ثم قال: إن عبدا عرضت عليه الدنيا» .. إلخ، ثم هبط عنه فما رؤى عليه حتى الساعة. فلما عرّض- ﷺ على المنبر باختياره اللقاء على البقاء، ولم يصرح، خفى المعنى على كثير ممن سمع، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به، ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ «٣» ، وكان أعلم الأمة بمقاصد الرسول- ﷺ ، فلما فهم المقصود من هذه الإشارة بكى وقال: بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا، فسكّن الرسول- ﷺ جزعه، وأخذ فى مدحه والثناء عليه على المنبر، ليعلم الناس كلهم فضله، فلا يقع عليه اختلاف فى خلافته فقال: «إن أمنّ الناس على فى صحبته وماله أبو بكر- رضى الله عنه-» ثم قال- ﷺ : «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة

стр. 1860

الإسلام» «١» ، لما كان- ﷺ لا يصلح له أن يخالل مخلوقا، فإن الخليل من جرت صحبة خليله منه مجرى الروح ولا يصلح هذا لبشر، كما قيل: قد تخللت مسلك الروح منى ... وبذا سمى الخليل خليلا أثبت له أخوة الإسلام، ثم قال- ﷺ : «لا يبقى فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر» «٢» ، إشارة إلى أن أبا بكر هو الإمام بعده، فإن الإمام يحتاج إلى سكن المسجد والاستطراق فيه بخلاف غيره، وذلك من مصالح المسلمين المصلين، ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحا أن يصلى بالناس أبو بكر- رضى الله عنه-، فروجع فى ذلك وهو يقول: «مروا أبا بكر أن يصلى بالناس» ، فولاه إمامة الصلاة، ولذا قال الصحابة عند بيعة أبى بكر- رضى الله عنه-: رضيه رسول الله- ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا. وكان ابتداء مرض رسول الله- ﷺ فى بيت ميمونة، كما ثبت فى رواية معمر عن الزهرى، وفى سيرة أبى معشر: كان فى بيت زينب بنت جحش، وفى سيرة سليمان التيمى كان فى بيت ريحانة، والأول هو المعتمد. وذكر الخطابى، أنه ابتدأ به يوم الاثنين، وقيل يوم السبت، وقال الحاكم أبو أحمد: يوم الأربعاء، واختلف فى مدة مرضه، فالأكثر أنها ثلاثة عشر يوما، وقيل: أربعة عشر، وقيل: اثنا عشر، وذكرهما فى الروضة، وصدر بالثانى، وقيل عشرة أيام، وبه جزم سليمان التيمى فى مغازيه، وأخرجه البيهقى بإسناد صحيح. وفى البخارى: قالت عائشة: لما ثقل رسول الله- ﷺ واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض فى بيتى فأذنّ له، فخرج وهو بين رجلين تخط رجلاه فى الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيد الله فأخبرت عبد الله بالذى قالت عائشة فقال لى عبد الله بن عباس: هل تدرى
следующие страницы →