← Сира

Сира · id 23685

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

القسطلاني

Полный текст (2 019 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ص اعلم- وصلنى الله وإياك بحبل تأييده، وأوصلنا بلطفه إلى مقام توفيقه وتسديده- أن هذا الفصل مضمونه يسكب المدامع من الأجفان، ويجلب الفجائع لإثارة الأحزان، ويلهب نيران الموجدة على أكباد ذوى الإيمان. واعلم أنه لما كان الموت مكروها بالطبع، لما فيه من الشدة والمشقة العظيمة، لم يمت نبى من الأنبياء حتى يخير. وأول ما أعلم النبى- ﷺ من انقضاء عمره باقتراب أجله بنزول سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «١» ، فإن المراد من هذه السورة: إنك يا محمد إذا فتح الله عليك البلاد، ودخل الناس فى دينك الذى دعوتهم إليه أفواجا، فقد اقترب أجلك، فتهيأ للقائنا بالتحميد والاستغفار، فإنه قد حصل منك مقصود ما أمرت به، من أداء الرسالة والتبليغ، وما عندنا خير لك من الدنيا، فاستعد للنقلة إلينا. وقد قيل إن هذه السورة آخر سورة نزلت يوم النحر، وهو- ﷺ بمنى فى حجة الوداع، وقيل: عاش بعدها إحدى وثمانين يوما. وعند ابن أبى حاتم من حديث ابن عباس: عاش بعدها تسع ليال. وعن مقاتل: سبعا، وعن بعضهم: ثلاثا. ولأبى يعلى من حديث ابن عمر: نزلت هذه السورة فى أوسط أيام التشريق فى حجة الوداع، فعرف رسول الله- ﷺ أنه الوداع.

стр. 1857

وفى حديث ابن عباس، عند الدارمى: لما نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «١» دعا رسول الله- ﷺ فاطمة، وقال: «نعيت إلى نفسى» فبكت قال: «لا تبكى، فإنك أول أهلى لحوقا بى» ، فضحكت «٢» . الحديث. وروى الطبرانى من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٣» نعيت إلى رسول الله- ﷺ نفسه، فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا فى أمر الآخرة. وللطبرانى أيضا، من حديث جابر: لما نزلت هذه السورة قال النبى- ﷺ لجبريل: «نعيت إلى نفسى» . فقال له جبريل: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى «٤» . وروى فى حديث ذكره ابن رجب فى «اللطائف» : أنه تعبد حتى صار كالشن البالى. وكان- ﷺ يعرض القرآن كل عام على جبريل مرة، فعرضه ذلك العام مرتين، وكان- ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان كل عام فاعتكف فى ذلك العام عشرين، وأكثر من الذكر والاستغفار. وقالت أم سلمة: كان- ﷺ فى آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجئ إلا قال: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه» ، فقلت له: إنك تدعو بدعاء لم تكن تدعو به قبل اليوم، فقال: «إن ربى أخبرنى أنى سأرى علما فى أمتى، وأنى إذا رأيته أن أسبح بحمده وأستغفره» ، ثم تلا هذه السورة «٥» . رواه ابن جرير وابن خزيمة. وأخرج ابن مردويه من طريق مسروق عن عائشة نحوه. وروى الشيخان من حديث عقبة بن عامر قال: صلى رسول الله- ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء وللأموات، ثم طلع

стр. 1858

المنبر فقال: «إنى بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإنى لأنظر إليه وأنا فى مقامى هذا، وإنى قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإنى لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدى، ولكنى أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها» . وزاد بعضهم: «فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم» «١» . وعن أبى سعيد الخدرى: أن رسول الله- ﷺ جلس على المنبر فقال: «إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده» ، فبكى أبو بكر- رضى الله عنه- وقال: يا رسول الله، فديناك بابائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله- ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بابائنا وأمهاتنا. قال: فكان رسول الله- ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال النبى- ﷺ : «إن أمنّ الناس على فى صحبته وماله أبو بكر، فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام، لا يبقى فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر- رضى الله عنه-» «٢» . رواه البخارى ومسلم. ولمسلم من حديث جندب: سمعت النبى- ﷺ يقول قبل أن يموت بخمس ليال «إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل» «٣» . وكأن أبا بكر- رضى الله عنه- فهم الرمز الذى أشار به النبى- ﷺ من قرينة ذكره ذلك فى مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى.

стр. 1859

وما زال- ﷺ يعرض باقتراب أجله فى آخر عمره، فإنه لما خطب فى حجة الوداع قال للناس: «خذوا عنى مناسككم، فلعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا» وطفق يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع «١» . فلما رجع- ﷺ من حجة الوداع إلى المدينة جمع الناس بماء يدعى «خما» فى طريقه بين مكة والمدينة، فخطبهم وقال: «أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتينى رسول ربى فأجيب» ، ثم حض على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته «٢» . قال الحافظ ابن رجب: وكان ابتداء مرضه- ﷺ فى أواخر شهر صفر، وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوما فى المشهور. وكانت خطبته التى خطب بها المذكورة فى حديث أبى سعيد الذى قدمته فى ابتداء مرضه الذى مات فيه، فإنه خرج- كما رواه الدارمى- وهو معصوب الرأس بخرقة، حتى أهوى إلى المنبر فاستوى عليه فقال: «والذى نفسى بيده، إنى لأنظر إلى الحوض من مقامى هذا، ثم قال: إن عبدا عرضت عليه الدنيا» .. إلخ، ثم هبط عنه فما رؤى عليه حتى الساعة. فلما عرّض- ﷺ على المنبر باختياره اللقاء على البقاء، ولم يصرح، خفى المعنى على كثير ممن سمع، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به، ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ «٣» ، وكان أعلم الأمة بمقاصد الرسول- ﷺ ، فلما فهم المقصود من هذه الإشارة بكى وقال: بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا، فسكّن الرسول- ﷺ جزعه، وأخذ فى مدحه والثناء عليه على المنبر، ليعلم الناس كلهم فضله، فلا يقع عليه اختلاف فى خلافته فقال: «إن أمنّ الناس على فى صحبته وماله أبو بكر- رضى الله عنه-» ثم قال- ﷺ : «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة

стр. 1860

الإسلام» «١» ، لما كان- ﷺ لا يصلح له أن يخالل مخلوقا، فإن الخليل من جرت صحبة خليله منه مجرى الروح ولا يصلح هذا لبشر، كما قيل: قد تخللت مسلك الروح منى ... وبذا سمى الخليل خليلا أثبت له أخوة الإسلام، ثم قال- ﷺ : «لا يبقى فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر» «٢» ، إشارة إلى أن أبا بكر هو الإمام بعده، فإن الإمام يحتاج إلى سكن المسجد والاستطراق فيه بخلاف غيره، وذلك من مصالح المسلمين المصلين، ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحا أن يصلى بالناس أبو بكر- رضى الله عنه-، فروجع فى ذلك وهو يقول: «مروا أبا بكر أن يصلى بالناس» ، فولاه إمامة الصلاة، ولذا قال الصحابة عند بيعة أبى بكر- رضى الله عنه-: رضيه رسول الله- ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا. وكان ابتداء مرض رسول الله- ﷺ فى بيت ميمونة، كما ثبت فى رواية معمر عن الزهرى، وفى سيرة أبى معشر: كان فى بيت زينب بنت جحش، وفى سيرة سليمان التيمى كان فى بيت ريحانة، والأول هو المعتمد. وذكر الخطابى، أنه ابتدأ به يوم الاثنين، وقيل يوم السبت، وقال الحاكم أبو أحمد: يوم الأربعاء، واختلف فى مدة مرضه، فالأكثر أنها ثلاثة عشر يوما، وقيل: أربعة عشر، وقيل: اثنا عشر، وذكرهما فى الروضة، وصدر بالثانى، وقيل عشرة أيام، وبه جزم سليمان التيمى فى مغازيه، وأخرجه البيهقى بإسناد صحيح. وفى البخارى: قالت عائشة: لما ثقل رسول الله- ﷺ واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض فى بيتى فأذنّ له، فخرج وهو بين رجلين تخط رجلاه فى الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيد الله فأخبرت عبد الله بالذى قالت عائشة فقال لى عبد الله بن عباس: هل تدرى

стр. 1861

من الرجل الآخر الذى لم تسم عائشة؟ قال: قلت: لا، قال ابن عباس: هو على بن أبى طالب «١» . الحديث. وفى رواية مسلم عن عائشة: فخرج بين الفضل بن العباس ورجل آخر «٢» . وفى أخرى لغير مسلم: رجلين أحدهما أسامة. وعند الدار قطنى: أسامة والفضل، وعند ابن حبان فى أخرى: بريرة ونوبة- بضم النون وسكون الواو ثم موحدة- قيل وهو اسم أمه، وقيل: عبد. وعند ابن سعد من وجه آخر: بين الفضل وثوبان. وجمعوا بين هذه الروايات على تقدير ثبوتها بأن خروجه تعدد، فتعدد من اتكأ عليه. وعن عائشة- رضى الله عنها- أنه- ﷺ قال لنسائه: «إنى لا أستطيع أن أدور فى بيوتكن، فإن شئتن أذنتن لى» . رواه أحمد. وفى رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنه- ﷺ كان يقول: «أين أنا غدا، أين أنا غدا؟» «٣» يريد يوم عائشة. وذكر ابن سعد بإسناد صحيح عن الزهرى: أن فاطمة هى التى خاطبت أمهات المؤمنين بذلك فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف. وفى رواية ابن أبى مليكة عن عائشة أن دخوله- ﷺ بيتها كان يوم الاثنين، وموته يوم الاثنين الذى يليه. وفى مرسل أبى جعفر عند ابن أبى شيبة: أنه- ﷺ قال: «أين أكون أنا غدا» ، كررها مرتين، فعرف أزواجه أنه إنما يريد عائشة، فقلن: يا رسول الله، قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة «٤» . وفى رواية هشام بن عروة عن أبيه

стр. 1862

- عند الإسماعيلى- كان يقول: «أين أنا غدا» حرصا على بيت عائشة، فلما كان يومى أذن له نساؤه أن يمرض فى بيتى «١» . وعن عائشة: أتى رسول الله- ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعا فى رأسى، وأنا أقول: وارأساه، فقال: «بل أنا وارأساه» ، ثم قال: «ما ضرك لو مت قبلى فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك» ، فقالت: لكأنى بك والله لو فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم- ﷺ ، ثم بدأ فى وجعه الذى مات فيه «٢» . رواه أحمد والنسائى. وفى البخارى، قالت عائشة: وارأساه فقال- ﷺ : «ذاك لو كان وأنا حى فأستغفر لك وأدعو لك» ، فقالت عائشة: واثكلياه، والله إنى لأظنك تحب موتى، فلو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك، فقال- ﷺ : «بل أنا وارأساه» ، لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبى بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون «٣» . وقوله: «بل أنا وارأساه» إضراب، يعنى: دعى ذكر ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلى بى. فإن قلت: قد اتفقوا على كراهة شكوى العبد كربه، وروى أحمد فى الزهد عن طاووس أنه قال: «أنين المريض شكوى» ، وجزم أبو الطيب وابن الصباغ وجماعة من الشافعية أن تأوه المريض مكروه. قلت: تعقبه النووى فقال: هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت فيه نهى مخصوص، وهو لم يثبت فيه ذلك، ثم احتج بحديث عائشة هذا،

стр. 1863

ثم قال: فلعلهم أرادوا بالكراهة خلاف الأولى، فإنه لا شك أن اشتغاله بالذكر أولى. انتهى. قال فى فتح البارى: ولعلهم أخذوه بالمعنى من كون كثرة الشكوى تدل على ضعف اليقين وتشعر بالتسخط للقضاء، وتورث شماتة الأعداء، وأما إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا بأس به اتفاقا، فليس ذكر الوجع شكاية. فكم من ساكت وهو ساخط، وكم من شاك وهو راض، فالمعوّل فى ذلك على عمل القلب اتفاقا لا على نطق اللسان. وقد تبين- كما نبه عليه فى «اللطائف» - أن أول مرضه- ﷺ كان صداع الرأس، والظاهر أنه كان مع حمى، فإن الحمى اشتدت به فى مرضه، فكان يجلس فى مخضب ويصب عليه الماء من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، يتبرد بذلك. وفى البخارى قالت عائشة: لما دخل بيتى واشتد وجعه قال: «أهريقوا علىّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلى أعهد إلى الناس» ، فأجلسناه فى مخضب لحفصة- زوج النبى- ﷺ ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن «١» . الحديث. وقد قيل فى الحكمة فى هذا العدد: أن له خاصية فى دفع ضرر السم والسحر، وسيأتى- إن شاء الله تعالى- أنه- ﷺ قال: «هذا أوان انقطاع أبهرى» «٢» ، أى من ذلك السم. وتمسك بعض من أنكر نجاسة سؤر الكلب به، وزعم أن الأمر بالغسل منه سبعا إنما هو لدفع السمية التى فى ريقه. وكانت عليه- ﷺ قطيفة، فكانت الحمى تصيب من يضع يده عليه

стр. 1864

من فوقها فقيل له فى ذلك فقال: «إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر» «١» ، رواه ابن ماجه وابن أبى الدنيا، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، كلهم من رواية أبى سعيد الخدرى. وقالت عائشة: ما رأيت أحدا كان أشد عليه الوجع من رسول الله- ﷺ «٢» . وعن عبد الله قال: دخلت على النبى- ﷺ وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكا شديدا، قال: «أجل، أنى أوعك كما يوعك رجلان منكم» ، قلت: ذلك أن لك أجرين، قال: «أجل، ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها» «٣» . رواه البخارى. والوعك- بفتح الواو وسكون العين المهملة، وقد تفتح-: الحمى، وقيل: ألم الحمى، وقيل: إرعادها الموعك وتحريكها إياه. وعن الأصمعى: الوعك: الحر، فإن كان محفوظا فلعل الحمى سميت وعكا لحرارتها. قال أبو هريرة: ما من وجع يصيا بنى أحب إلىّ من الحمى، إنها تدخل فى كل مفصل من ابن آدم، وإن الله يعطى كل مفصل قسطا من الأجر. وأخرج النسائى، وصححه الحاكم، من حديث فاطمة بنت اليمان- أخت حذيفة- قالت: أتيت النبى- ﷺ فى نساء نعوده: فإذا سقاء يقطر عليه من شدة الحمى، فقال: «إن من أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم» «٤» . وفى حديث عائشة: أنه- ﷺ كان بين يديه علبة أو ركوة فيها ماء،

стр. 1865

فجعل يدخل يديه فى الماء، فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات» «١» الحديث رواه الشيخان. وروى أيضا عن عروة أنه- ﷺ قال: «ما أزال أجد ألم الطعام الذى أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهرى من ذلك السم» «٢» . وفى رواية: «ما زالت أكلة خيبر تعادّنى» «٣» . والأكلة: بالضم، اللقمة التى أكل من الشاة. وبعض الرواة يفتح الألف، وهو خطأ لأنه- ﷺ لم يأكل منها إلا لقمة واحدة، قاله ابن الأثير. ومعنى الحديث: أنه نقض عليه سم الشاة التى أهدتها له اليهودية، فكان ذلك يثور عليه أحيانا. والأبهر: عرق مستبطن بالصلب يتصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه. وقد كان ابن مسعود وغيره يرون أنه- ﷺ مات شهيدا من السم. وعند البخارى أيضا قالت: إن رسول الله- ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح بيده، فلما اشتكى وجعه الذى توفى فيه، طفقت أنفث عليه بالمعوذات التى كان ينفث وأمسح بيد النبى- ﷺ عنه «٤» . وفى رواية مالك: وأمسح بيده رجاء بركتها «٥» . ولمسلم فلما مرض مرضه الذى مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسح بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدى. وأطلقت على السور الثلاث: المعوذات، تغليبا. وفى البخارى عن عائشة: دخل عبد الرحمن بن أبى بكر على النبى- ﷺ وأنا مسندته إلى صدرى، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به،

стр. 1866

فأبده رسول الله- ﷺ بصره، فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبى- ﷺ فاستن به، فما رأيته استن استنانا قط أحسن منه «١» . الحديث. قولها: «فأبده» بتشديد الدال المهملة أى: مد نظره إليه. وقولها: «فقضمته» - بكسر الضاد المعجمة- أى: لطوله ولإزالة المكان الذى تسوك به عبد الرحمن. «ثم طيبته» : أى لينته بالماء. وفى رواية له أيضا: قالت: إن من نعم الله تعالى علىّ أن جمع الله بين ريقى وريقه عند موته، دخل علىّ عبد الرحمن وبيده سواك، وأنا مسندة رسول الله- ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم «٢» . وفى رواية: مر عبد الرحمن وفى يده جريدة رطبة، فنظر إليه- ﷺ فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها ونفضتها ودفعتها إليه فاستن بها كأحسن ما كان مستنا، ثم ناولنيها فسقطت يده أو سقطت من يده، فجمع الله بين ريقى وريقه فى آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة «٣» . وفى حديث خرجه العقيلى، أنه- ﷺ قال لها فى مرضه: «ائتينى بسواك رطب فامضغيه ثم ائتينى به أمضغه لكى يختلط ريقى بريقك لكى يهون على عند الموت» . قال الحسن: لما كرهت الأنبياء الموت هون الله عليهم ذلك بلقاء الله، وبكلما أحبوا من تحفة أو كرامة، حتى إن نفس أحدهم لتنزع من بين جنبيه وهو محب لذلك، لما قد مثل له. وفى المسند عن عائشة أيضا: أن النبى- ﷺ قال: «إنه ليهون على

стр. 1867

الموت لأنى رأيت بياض كف عائشة فى الجنة» . وخرجه ابن سعد وغيره مرسلا: أنه- ﷺ قال: «لقد رأيتها فى الجنة، حتى ليهون علىّ بذلك موتى، كأنى أرى كفيها» ، يعنى عائشة. فقد كان- ﷺ يحب عائشة حبّا شديدا، حتى لا يكاد يصبر عنها، فمثلت له بين يديه فى الجنة ليهون عليه موته، فإن العيش إنما يطيب باجتماع الأحبة، وقد سأله- ﷺ رجل فقال: «أى الناس أحب إليك؟» فقال: «عائشة» فقال: من الرجال: قال: «أبوها» «١» ، ولهذا قال لها فى ابتداء مرضه لما قالت: وارأساه: «وددت أن ذلك كان وأنا حى فأصلى عليك وأدفنك» «٢» فعظم ذلك عليها، وظنت أنه يحب فراقها، وإنما- ﷺ يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما. ويروى أنه كان عنده- ﷺ فى مرضه سبعة دنانير، فكان يأمرهم بالصدقة بها ثم يغمى عليه، فيشتغلون بوجعه، فدعا بها فوضعها فى كفه فقال: «ما ظن محمد بربه لو لقى الله وعنده هذه؟» ثم تصدق بها كلها. رواه البيهقى. انظر إذا كان هذا سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف حال من لقى الله وعنده دماء المسلمين وأموالهم المحرمة، وما ظنه بربه تعالى. وفى البخارى من طريق عروة عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: دعا النبى- ﷺ فاطمة فى شكواه الذى قبض فيه، فسارّها بشئ فبكت، ثم دعاها فسارّها فضحكت، فسألناها عن ذلك فقالت: سارّنى النبى- ﷺ أنه يقبض فى وجعه الذى توفى فيه فبكيت، ثم سارّنى فأخبرنى أنى أول أهله يتبعه فضحكت «٣» .

стр. 1868

وفى رواية مسروق عن عائشة: أقبلت فاطمة تمشى كأن مشيتها مشية النبى- ﷺ ، فقال: «مرحبا بابنتى» ، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارّها «١» . ولأبى داود والترمذى والنسائى وابن حبان والحاكم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت: ما رأيت أحدا أشبه سمتا وهديا ودلا برسول الله- ﷺ فى قيامها وقعودها من فاطمة. وكانت إذا دخلت على النبى- ﷺ قام إليها وقبلها وأجلسها فى مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مرض دخلت عليه فأكبت عليه فقبلته «٢» . واتفقت الروايتان: على أن الذى سارّها به أولا فبكت، هو إعلامه إياها أنه ميت فى مرضه ذلك، واختلفتا فيما سارّها به فضحكت، ففى رواية عروة أنه: إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقا به «٣» ، وفى رواية مسروق أنه: إخباره إياها أنها سيدة نساء أهل الجنة «٤» . وجعل كونها أول أهله لحوقا به مضموما إلى الأول، وهو الراجح، فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست فى حديث عروة، وهو من الثقات الضابطين. فمما زاده مسروق: قول عائشة فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشى سر رسول الله- ﷺ ، حتى توفى النبى- ﷺ فسألتها فقالت: أسر إلىّ أن جبريل كان يعارضنى القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضنى العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلى، وأنك أول أهل بيتى لحاقا بى «٥» .

стр. 1869

وفى رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: أن عائشة لما رأت بكاها وضحكها قالت: إن كنت لأظن أن هذه المرأة من أعقل النساء، فإذا هى من النساء. ويحتمل تعدد القصة. وفى رواية عروة الجزم أنه ميت من وجعه ذلك بخلاف رواية مسروق ففيها أنه ظن ذلك بطريق الاستنباط مما ذكره من معارضة القرآن. وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلا بالزيادة، ولا يمتنع أن يكون إخباره بكونها أول أهله لحوقا به سببا لبكائها ولضحكها باعتبارين، فذكر كل من الراويين ما لم يذكره الآخر. وقد روى النسائى من طريق أبى سلمة عن عائشة فى سبب البكاء أنه ميت، وفى سبب الضحك الأمرين الآخرين. ولابن سعد من رواية أبى سلمة عنها: أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك لحاقها به. وعند الطبرانى- من وجه آخر- عن عائشة أنه قال لفاطمة: «إن جبريل أخبرنى أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزية منك، فلا تكونى أدنى امرأة منهن صبرا» . وفى الحديث: إخباره- ﷺ بما سيقع، فوقع كما قال- ﷺ ، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة- رضى الله عنها- كانت أول من مات من أهل بيت النبى- ﷺ بعده، حتى من أزواجه- ﵊. وقد كان- ﷺ من شدة وجعه يغمى عليه فى مرضه ثم يفيق، وأغمى عليه مرة فظنوا أن وجعه ذات الجنب فلدوه، فجعل يشير إليهم أن لا يلدوه، فقالوا: كراهية للدواء، فلما أفاق قال: «ألم أنهكم أن تلدونى؟» فقالوا: كراهية المريض للدواء، فقال: «لا يبقى أحد فى البيت إلا لدّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم» «١» . رواه البخارى. واللدود، هو ما يجعل فى جانب الفم من الدواء، فأما ما يصب فى الحلق فيقال له: الوجور. وفى الطبرانى من حديث العباس: أنهم أذابوا قسطا بزيت ولدوه به.

стр. 1870

وفى قوله «لا يبقى أحد فى البيت إلا لدّ، إلخ» مشروعية القصاص فيما يصاب به الإنسان، وفيه نظر: لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عما نهاهم عنه. قال ابن العربى: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة وعليهم حقه فيقعوا فى خطيئة عظيمة. وتعقب: بأنه كان يمكن أن يقع العفو، ولأنه كان لا ينتقم لنفسه، والذى يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديبا لا اقتصاصا ولا انتقاما. قيل: وإنما كره اللدود مع أنه كان يتداوى، لأنه تحقق أنه يموت فى مرضه، ومن تحقق ذلك كره له التداوى. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، والذى يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقيق، وإنما أنكر التداوى لأنه كان غير ملائم لدائه، لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمها، ولم يكن فيه ذلك، كما هو ظاهر فى سياق الخبر. وعند ابن سعد قال: كانت تأخذ رسول الله- ﷺ الخاصرة، فاشتدت فأغمى عليه، فلدوه، فلما أفاق قال: «كنتم ترون أن الله يسلط علىّ ذات الجنب، ما كان الله ليجعل لها على سلطانا، والله لا يبقى أحد فى البيت إلا لدّ» ، فما بقى أحد فى البيت إلا لدّ، ولددنا ميمونة وهى صائمة. وروى أبو يعلى- بسند ضعيف فيه ابن لهيعة- من وجه آخر عن عائشة: أنه- ﷺ مات من ذات الجنب. وجمع بينهما: بأن ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين: أحدهما: ورم حار يعرض فى الغشاء المستبطن، والآخر: ريح محتقن بين الأضلاع، فالأول هو المنفى هنا. وقد وقع فى رواية الحاكم فى المستدرك: ذات الجنب من الشيطان، والثانى هو الذى أثبت هنا وليس فيه محذور كالأول. وفى حديث ابن عباس عند البخارى: لما حضر رسول الله- ﷺ وفى البيت رجال، فقال النبى- ﷺ : «هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» ، فقال بعضهم: إن رسول الله- ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا

стр. 1871

كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول الله- ﷺ : «قوموا» . قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله- ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم «١» . قال المازرى: إنما جاز للصحابة الاختلاف فى هذا الكتاب: مع صريح أمره لهم بذلك. لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه- ﷺ قال ذلك عن غير قصد جازم. وقال النووى: اتفق العلماء على أن قول عمر: «حسبنا كتاب الله» «٢» من قوة فقهه ودقيق نظره، لأنه خشى أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد على العلماء، وفى تركه- ﷺ الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه، وأشار بقوله: «حسبنا كتاب الله» إلى قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «٣» ، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: «إن الرزية إلخ» لأن عمر كان أفقه منه قطعا، ولا يقال إن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن، وأعلم الناس بتفسيره وتأويله، ولكنه أسفا على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه، لكونه أولى من الاستنباط، والله أعلم. ولما اشتد به- ﷺ وجعه قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» ، فقالت

стр. 1872

له عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» ، فعادوته بمثل مقالتها، فقال: «إنكن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» «١» . رواه الشيخان وأبو حاتم واللفظ له. وفى رواية: إن أبا بكر رجل أسيف «٢» . وفى حديث عروة عن عائشة عند البخارى: فمر عمر فليصل بالناس، قالت: قلت لحفصة قولى له إن أبا بكر إذا قام فى مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله- ﷺ : «مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس» ، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا «٣» . والأسيف: بوزن فعيل، وهو بمعنى فاعل، من الأسف وهو شدة الحزن، والمراد به هنا، رقيق القلب. ولابن حبان من رواية عاصم عن شقيق عن مسروق عن عائشة فى هذا الحديث: قال عاصم: والأسيف الرقيق الرحيم، وصواحب: جمع صاحبة، والمراد: أنهن مثل صواحب يوسف فى إظهار ما فى الباطن. ثم إن هذا الخطاب، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة وهى عائشة- رضى الله عنها-. ووجه المشابهة بينهما فى ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، ومرادها الزيادة على ذلك وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها فى محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها لكونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن لا يتشاءم الناس به. وقد صرحت هى بذلك، كما عند البخارى فى باب وفاته- ﷺ فقالت: لقد راجعته وما حملنى على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع فى قلبى أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا. وأن لا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به.

стр. 1873

وقد نقل الدمياطى: أن الصديق صلى بالناس سبع عشرة صلاة. وقد ذكر الفاكهى فى «الفجر المنير» مما عزاه لسيف الدين بن عمر فى كتاب «الفتوح» أن الأنصار لما رأوا رسول الله- ﷺ يزداد وجعا، أطافوا بالمسجد، فدخل العباس فأعلمه- ﷺ بمكانهم وإشفاقهم، ثم دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك، ثم دخل عليه على بن أبى طالب كذلك. فخر- ﷺ متوكئا على علي والفضل والعباس أمامه، والنبى- ﷺ معصوب الرأس يخط برجليه، حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر وثار الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس، بلغنى أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبى قبلى فيمن بعث إليه فأخلد فيكم؟ ألا إنى لاحق بربى، وإنكم لاحقون به، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا، وأوصى المهاجرين فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ «١» إلى آخرها، وإن الأمور تجرى بإذن الله تعالى، ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله لا يعجل بعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ «٢» ، وأوصيكم بالأنصار خيرا، فإنهم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم فى الثمار؟ ألم يوسعوا لكم فى الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولى أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، إلا وإنى فرط لكم، وأنتم لا حقون بى، إلا وإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده علىّ غدا فليكفف يده ولسانه، إلا فيما ينبغى، يا أيها الناس، إن الذنوب تغير النعم، وتبدل القسم، فإذا برّ الناس، برّهم أئمتهم، وإذا فجر الناس عقوهم. وفى حديث أنس عند البخارى: قال: مرّ أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلس النبى

стр. 1874

- ﷺ منا، فدخل أحدهما على النبى- ﷺ فأخبره بذلك، فخرج النبى- ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر- ولم يصعده بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشى وعيبتى، وقد قضوا الذى عليهم، وبقى الذى لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» «١» . وقوله «كرشى وعيبتى» أى موضع سرى أراد أنهم بطانته وموضع أمانته، والذين يعتمد عليهم فى أموره. واستعار الكرش والعيبة لذلك. لأن المجتر يجمع علفه فى كرشه، والرجل يجمع ثيابه فى عيبته، وقيل: أراد بالكرش الجماعة، أى جماعتى وصحابتى يقال: عليه كرش من الناس، أى جماعة، قاله فى النهاية. وذكر الواحدى بسند وصله بعبد الله بن مسعود قال: نعى لنا رسول الله- ﷺ نفسه قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا فى بيت عائشة فقال: «حياكم الله بالسلام، رحمكم الله، جبركم الله، رزقكم الله، نصركم الله، رفعكم الله، آواكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأستخلفه عليكم، وأحذركم الله، إنى لكم منه نذير مبين، أن لا تعلوا على الله فى بلاده وعباده، فإنه قال لى ولكم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ «٢» وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ «٣» » ، قلنا: يا رسول الله، متى أجلك؟ قال: «دنا الفراق، والمنقلب إلى الله وإلى جنة المأوى» ، قلنا: يا رسول الله، من يغسلك؟ قال: «رجال من أهل بيتى الأدنى فالأدنى» ، قلنا: يا رسول الله، فيم نكفنك؟ قال: «فى ثيابى هذه وإن شئتم فى بياض ثياب مصر، أو حلة يمنية» ، قلنا: يا رسول الله، من يصلى عليك؟ قال: «إذا أنتم غسلتمونى وكفنتمونى فضعونى على سريرى هذا على شفير

стр. 1875

قبرى، ثم اخرجوا عنى ساعة، فإن أول من يصلى على جبريل، ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت ومعه جنود من الملائكة، ثم ادخلوا على فوجا فوجا، فصلوا علىّ وسلموا تسليما، وليبدأ بالصلاة علىّ رجال أهل بيتى، ثم نساؤهم، ثم أنتم، واقرؤا السلام على من غاب من أصحابى ومن تبعنى على دينى، من يومى هذا إلى يوم القيامة» ، قلنا: يا رسول الله، من يدخلك قبرك؟ قال: «أهلى مع ملائكة ربى» . وكذا رواه الطبرانى فى «الدعاء» وهو واه جدّا. وقالت عائشة: كان رسول الله- ﷺ وهو صحيح يقول: «إنه لم يقبض نبى قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيّا أو يخير» . فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذى غشى عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: «اللهم فى الرفيق الأعلى» ، فقلت: إذا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذى كان يحدثنا وهو صحيح «١» . وفى رواية: أنها أصغت إليه قبل أن يموت، وهو مستند إلىّ ظهره يقول: «اللهم اغفر لى وارحمنى وألحقنى بالرفيق الأعلى» «٢» . رواه البخارى من طريق الزهرى عن عروة. وما فهمته عائشة من قوله- ﷺ : «اللهم فى الرفيق الأعلى» أنه خير، نظير فهم أبيها- رضى الله عنه- من قوله- ﷺ : «إن عبدا خيره الله ما بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» أن العبد المراد هو النبى- ﷺ حتى بكى كما قدمته. ذكره الحافظ ابن حجر. وعند أحمد من طريق المطلب بن عبد المطلب بن عبد الله عن عائشة: أن النبى- ﷺ كان يقول: «ما من نبى يقبض إلا يرى الثواب ثم

стр. 1876

يخير» «١» . ولأحمد أيضا، من حديث أبى مويهة قال: قال لى رسول الله- ﷺ : «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد ثم الجنة، فخيرات بين ذلك وبين لقاء ربى فاخترت لقاء ربى والجنة» «٢» . وعند عبد الرزاق من مرسل طاووس، رفعه: «خيرات بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتى، وبين التعجيل فاخترت التعجيل» ، وفى رواية أبى بردة بن أبى موسى عن أبيه عند النسائى، وصححه ابن حبان: فقال اسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل. وظاهره: أن الرفيق الأعلى، المكان الذى تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، وقال ابن الأثير فى «النهاية» الرفيق: جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، وقيل: المراد به الله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة، انتهى، وقيل: المراد حظيرة القدس. وفى كتاب «روضة التعريف بالحب الشريف» : لما تجلى له الحق ضعفت العلائق بينه وبين المحسوسات والحظوظ الضرورية من أوانى معانى الترقيات البشرية، فكانت أحواله فى زيادة الترقى، ولذلك روى أنه- ﷺ قال: «كل يوم لا أزداد فيه قربا من الله فلا بورك لى فى طلوع شمسه» . وكلما فارق مقاما واتصل بما هو أعلى منه لمح الأول بعين النقص، وسار على ظهر المحبة، ونعمت المطية لقطع هذه المراحل والمقامات والأحوال، والسفر إلى حضرة ذى الجلال، والاتصال بالمحبوب الذى كل شئ هالك إلا وجهه. وقال السهيلى: الحكمة فى اختتام كلامه- ﷺ بهذه الكلمة، كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب، حتى يستفاد منها الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان، لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره إذا كان قلبه عامرا بالذكر. انتهى ملخصا. قال الحافظ ابن رجب: وقد روى ما يدل على أنه قبض ثم رأى مقعده من الجنة ثم ردت إليه نفسه ثم خير. ففى المسند قالت- يعنى عائشة- كان

стр. 1877

النبى- ﷺ يقول: «ما من نبى إلا تقبض نفسه ثم يرى الثواب ثم ترد إليه فيخير بين أن ترد إليه إلى أن يلحق» «١» ، فكنت قد حفظت ذلك عنه، فإنى لمسندته إلى صدرى، فنظرت إليه حتى مالت عنقه، فقلت: قضى، قالت: فعرفت الذى قال، فنظرت إليه حين ارتفع ونظر، فقلت: إذا والله لا يختارنا، فقال: مع الرفيق الأعلى فى الجنة، مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وفى البخارى من حديث عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله- ﷺ وهو صحيح- يقول: «إنه لم يقبض نبى قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيّا أو يخير» ، فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشى عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: «اللهم فى الرفيق الأعلى» «٢» . ونبه السهيلى على أنه النكتة فى الإتيان بهذه الكملة بالإفراد، الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد. وفى صحيح ابن حبان عنها قالت: أغمى على رسول الله- ﷺ ورأسه فى حجرى. فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال: «أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» «٣» . ولما احتضر- ﷺ ، اشتد به الأمر، قالت عائشة: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على النبى- ﷺ ، قالت: وكان عنده قدح من ماء، فيدخل يده فى القدح ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: «اللهم أعنى على سكرات الموت» «٤» . وفى رواية: فجعل يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات» «٥» . قال بعض العلماء: فيه أن ذلك من شدة الآلام والأوجاع لرفعة منزلته.

стр. 1878

وقال الشيخ أبو محمد المرجانى: تلك السكرات سكرات الطرب، ألا ترى إلى قول بلال حين قال له أهله وهو فى السياق: واكرباه، ففتح عينيه وقال: واطرباه، غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه، فإذا كان هذا طربه وهو فى هذا الحال بلقاء محبوبه وهو النبى- ﷺ وحزبه، فما بالك بلقاء النبى- ﷺ لربه تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ «١» وهذا موضع تقصر العبارة عن وصف بعضه. وفى حديث مرسل ذكره الحافظ ابن رجب: أنه- ﷺ قال: «اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل، فأعنى عليه وهونه على» . وعند الإمام أحمد والترمذى من طريق القاسم عنها قالت: ورأيته وعنده قدح فيه ماء وهو يموت، فيدخل يده فى القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: «اللهم أعنى على سكرات الموت» «٢» . ولما تغشاه الكرب، قالت فاطمة- رضى الله عنها-: واكرب أبتاه، فقال لها: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» «٣» ، رواه البخارى. قال الخطابى: زعم من لا يعد من أهل العلم: أن المراد بقوله- ﷺ : «لا كرب على أبيك بعد اليوم» أن كربه كان شفقة على أمته، لما علم من وقوع الاختلاف والفتن بعده، وهذا ليس بشئ، لأنه كان يلزم أن تنقطع شفقته على أمته بموته، والواقع أنها باقية إلى يوم القيامة، لأنه مبعوث إلى من جاء بعده، وأعمالهم تعرض عليه، وإنما الكلام على ظاهره، وإن المراد بالكرب ما كان يجده- ﷺ من شدة الموت، وكان- ﷺ فيما يصيب جسده من الآلام كالبشر ليتضاعف له الأجر، انتهى. وروى ابن ماجه أنه- ﷺ قال لفاطمة: «إنه حضر من أبيك ما الله تعالى بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة» «٤» .

стр. 1879

وفى البخارى من حديث أنس بن مالك: أن المسلمين بينما هم فى صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلى لهم لم يفجأهم إلا رسول الله- ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم فى صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله- ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، قال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا فى صلاتهم فرحا برسول الله- ﷺ ، فأشار إليهم بيده- ﷺ أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر «١» . وفى رواية أبى اليمان عن شعيب، عند البخارى، فى «الصلاة» : فتوفى من يومه «٢» . وفى رواية معمر عنده أيضا. وكلها من حديث أنس: لم يخرج إلينا- ﷺ ثلاثا، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم، فقام نبى الله- ﷺ بالحجاب فرفعه، فلما وضح لنا وجه رسول الله- ﷺ ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من وجه رسول الله- ﷺ حين وضح لنا، قال: فأومأ رسول الله- ﷺ إلى أبى بكر أن يتقدم وأرخى الحجاب «٣» . الحديث رواه الشيخان. وعنه أن أبا بكر كان يصلى بهم فى وجع النبى- ﷺ الذى توفى فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف فى الصلاة، كشف رسول الله- ﷺ ستر الحجرة، فنظرنا إليه وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله- ﷺ ضاحكا «٤» . الحديث رواه مسلم. وقد جزم موسى ابن عقبة عن ابن شهاب، أنه- ﷺ مات حين زاغت الشمس، وكذا لأبى الأسود عن عروة.

стр. 1880

وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما بقى من أجل رسول الله- ﷺ ثلاث، نزل عليه جبريل، فقال: يا محمد إن الله قد أرسلنى إليك إكراما لك، وتفضيلا لك، وخاصة لك، يسألك عما هو أعلم به منك يقول: كيف تجدك؟ فقال: «أجدنى يا جبريل مغموما، وأجدنى يا جبريل مكروبا» ثم أتاه فى اليوم الثانى فقال له مثل ذلك، ثم جاءه فى اليوم الثالث فقال له مثل ذلك، ثم استأذن فيه ملك الموت فقال جبريل: يا محمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يأذن على نبى قبلك، ولا يستأذن على آدمى بعدك، قال: «ائذن له» ، فدخل ملك الموت فوقف بين يديه فقال: يا رسول الله، إن الله أرسلنى إليك وأمرنى أن أطيعك فى كل ما تأمر، إن أمرتنى أن أقبض روحك قبضتها، وإن أمرتنى أن أتركها تركتها، فقال جبريل: يا محمد، إن الله قد اشتاق إلى لقائك، فقال- ﷺ : «فامض يا ملك الموت لما أمرت به» ، فقال جبريل: يا رسول الله، هذا آخر موطئى من الأرض، إنما كنت حاجتى من الدنيا. فقبض روحه، فلما توفى- ﷺ ، وجاءت التعزية سمعوا صوتا من ناحية البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، إن فى الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال على: أتدرون من هذا؟ هو الخضر- ﵇. رواه البيهقى فى دلائل النبوة. وفى تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقى: وذكر التعزية المذكورة عن ابن عمر، مما ذكره فى الإحياء وأن النووى أنكر وجود الحديث المذكور فى كتب الحديث، وقال: إنما ذكره الأصحاب ثم قال العراقى: قد رواه الحاكم فى المستدرك من حديث أنس ولم يصححه، ولا يصح. ورواه ابن أبى الدنيا عن أنس أيضا قال: لما قبض رسول الله- ﷺ اجتمع أصحابه حوله يبكون، فدخل عليهم رجل طويل شعر المنكبين فى إزار ورداء، يتخطى أصحاب رسول الله- ﷺ حتى أخذ بعضادتى باب البيت

стр. 1881

فبكى على رسول الله- ﷺ ، ثم أقبل على أصحابه فقال: إن فى الله عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل فان. الحديث. وفيه: ثم ذهب الرجل، فقال أبو بكر: علىّ بالرجل، فنظروا يمينا وشمالا فلم يروا أحدا، فقال أبو بكر لعلى: هذا الخضر، جاء يعزينا. ورواه ابن أبى الدنيا أيضا من حديث على ابن أبى طالب، وفيه محمد بن جعفر الصادق، تكلم فيه، وفيه انقطاع بين على بن الحسين وبين جده على، والمعروف عن على بن الحسين مرسلا من غير ذكر على، كما رواه الشافعى فى الأم وليس فيه ذكر للخضر- ﵇ «١» . قال البيهقى: قوله: «إن الله اشتاق إلى لقائك» معناه: قد أراد لقاءك بأن يردك من دنياك إلى معادك زيادة فى قربك وكرامتك. وأخرج الطبرانى من حديث ابن عباس قال: جاء ملك الموت إلى النبى- ﷺ فى مرضه ورأسه فى حجر على، فاستأذن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال له على: ارجع فإنا مشاغيل عنك، فقال- ﷺ : «هذا ملك الموت، ادخل راشدا» ، فلما دخل قال: إن ربك يقرئك السلام. فبلغنى أن ملك الموت لم يسلم على أهل بيت قبله ولا يسلم بعده. وقالت عائشة: توفى رسول الله- ﷺ فى بيتى، فى يومى، وبين سحرى ونحرى «٢» ، وفى رواية: بين حاقنتى وذاقنتى «٣» . رواه البخارى. والحاقنة: بالمهملة والقاف والنون، أسفل من الذقن. والذاقنة: طرف الحلقوم. والسحر: بفتح السين وسكون الحاء المهملتين، هو الصدر. والنحر: بفتح

стр. 1882

النون وسكون الحاء المهملة. والمراد: أنه- ﷺ توفى ورأسه بين عنقها وصدرها. وهذا لا يعارضه ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق: أنه- ﷺ مات ورأسه فى حجر على، لأن كل طريق منها- كما قاله الحافظ ابن حجر- لا تخلو من شئ، فلا يلتفت لذلك والله أعلم. قال السهيلى: وجدت فى بعض كتب الواقدى: أن أول كلمة تكلم بها النبى- ﷺ وهو مسترضع عند حليمة: الله أكبر، وآخر كلمة تكلم بها: الرفيق الأعلى. وروى الحاكم من حديث أنس: أن آخر ما تكلم به- ﷺ : «جلال ربى الرفيع» . ولما توفى- ﷺ كان أبو بكر غائبا بالسنح- يعنى العالية، عند زوجته بنت خارجة- وكان- ﷺ قد أذن له فى الذهاب إليها، فسل عمر بن الخطاب سيفه وتوعد من يقول: مات رسول الله- ﷺ ، وكان يقول: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى- ﵇، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إنى لأرجو أن يقطع أيدى رجال وأرجلهم. فأقبل أبو بكر من السنح حين بلغه الخبر إلى بيت عائشة فدخل، فكشف عن وجه رسول الله- ﷺ فجثا يقبله ويبكى ويقول: توفى والذى نفسى بيده، صلوات الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حيّا وميتا، ذكره الطبرى فى «الرياض» . وقالت عائشة: أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة، فبصر برسول الله- ﷺ وهو مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله ثم بكى وقال: بأبى أنت وأمى، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التى كتبت عليك فقد متها «١» . رواه البخارى.

стр. 1883

واختلف فى قول أبى بكر- رضى الله عنه-: «لا يجمع الله عليك موتتين» . فقيل هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدى رجال، لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره، كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وكالذى مر على قرية، وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها. وقيل: أراد أنه لا يموت موتة أخرى فى القبر كغيره، إذ يحيا ليسئل ثم يموت، وهذا جواب الداودى. وقيل: لا يجمع الله موت نفسك وموت شريعتك. وقيل: كنى بالموت الثانى عن الكرب، أى لا يلقى بعد كرب الموت كربا آخر. قاله فى فتح البارى. وعنها: أن عمر قام يقول: والله ما مات رسول الله- ﷺ ، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله- ﷺ فقبله وقال: بأبى أنت وأمى، طبت حيّا وميتا، والذى نفسى بيده، لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «١» وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ «٢» الآية، قال: فنشج الناس يبكون «٣» ، رواه البخارى. يقال: نشج الباكى، إذا غص بالبكاء فى حلقه من غير انتحاب. وعن سالم بن عبيد الأشجعى قال: لما مات رسول الله- ﷺ كان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-، فأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحدا يقول: مات رسول الله- ﷺ إلا ضربته بسيفى هذا، قال: فقال

стр. 1884

الناس يا سالم، أطلب صاحب رسول الله- ﷺ ، قال: فخرجت إلى المسجد، فإذا بأبى بكر، فلما رأيته أجهشت بالبكاء، فقال: يا سالم أمات رسول الله- ﷺ ؟ فقلت: إن هذا عمر بن الخطاب يقول: لا أسمع أحدا يقول مات رسول الله- ﷺ إلا ضربته بسيفى هذا، قال: فأقبل أبو بكر حتى دخل على النبى- ﷺ وهو مسجى، فرفع البرد عن وجهه، ووضع فاه على فيه واستنشى الريح، ثم سجاه والتفت إلينا فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ «١» الآية، وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٢» يا أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت. قال عمر: فو الله لكأنى لم أتل هذه الآيات قط، خرجه الحافظ أبو أحمد حمزة بن الحارث، كما ذكره الطبرى فى «الرياض» له، وقال: خرج الترمذى معناه بتمامه. واستنشى الريح: شمها، أى شم ريح الموت. وعند أحمد: عن عائشة قالت: سجيت النبى- ﷺ ثوبا، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا، فأذنت لهما وجذبت الحجاب، فنظر عمر إليه فقال: واغشياه، ثم قاما، فقال المغيرة: يا عمر، مات، قال: كذبت، إن رسول الله- ﷺ لا يموت حتى يفنى الله المنافقين. ثم جاء أبو بكر، فرفعت الحجاب فنظر إليه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله- ﷺ «٣» . وفى حديث ابن عباس عند البخارى: إن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، قال الله : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ «٤» قال: والله لكأن

стр. 1885

الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها الناس منه كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها «١» . وفى حديث ابن عمر عند ابن أبى شيبة أن أبا بكر مر بعمر وهو يقول: ما مات رسول الله- ﷺ ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين. قال: وكانوا أظهروا الاستبشار ورفعوا رؤسهم، فقال: أيها الرجل، إن رسول الله- ﷺ قد مات: ألم تسمع الله تعالى يقول: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٢» وقال: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ «٣» ثم أتى المنبر. الحديث. قال القرطبى أبو عبد الله المفسر: وفى هذا أدل دليل على شجاعة الصديق، فإن الشجاعة حدها: ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبى- ﷺ . فظهر عنده شجاعته وعلمه. قال الناس: لم يمت رسول الله- ﷺ ، واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية، فرجع عمر عن مقالته التى قالها. كما ذكر الوائلى أبو نصر عبد الله فى كتاب «الإنابة» عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فى مسجد رسول الله- ﷺ واستوى على منبره- ﷺ ، تشهد ثم قال: أما بعد، فإنى قلت لكم أمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت، وإنى والله ما وجدت المقالة التى قلت لكم فى كتاب الله، ولا فى عهد عهده رسول الله- ﷺ ولكنى كنت أرجو أن يعيش رسول الله- ﷺ حتى يدبرنا- أى يكون آخرنا موتا، أو كما قال- فاختار الله لرسوله الذى عنده على الذى عندكم، وهذا الكتاب الذى هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسوله- ﷺ . قال أبو نصر: المقالة التى قالها ثم رجع عنها: هى أن النبى- ﷺ لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدى وأرجل، وكان ذلك لعظيم ما ورد عليه

стр. 1886

وخشى الفتنة وظهور المنافقين، فلما شاهد قوة يقين الصديق الأكبر وتفوهه بقول الله : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ «١» وقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٢» وخرج الناس يتلونها فى سكك المدينة كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم انتهى. وقال ابن المنير: لما مات- ﷺ طاشت العقول، فمنهم من خبل، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من أخرس فلم يطق الكلام، ومنهم من أضنى، وكان عمر ممن خبل، وكان عثمان ممن أخرس، يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلاما، وكان على ممن أقعد فلم يستطع حراكا، وأضنى عبد الله ابن أنيس فمات كمدا. وكان أثبتهم أبو بكر الصديق- رضى الله عنه-، جاء وعيناه تهملان وزفراته تتردد وغصصه تتصاعد وتترفع، فدخل على النبى- ﷺ فأكب عليه وكشف الثوب عن وجهه وقال: طبت حيّا وميتا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس. اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك. ووقع فى حديث ابن عباس وعائشة عند البخارى: أن أبا بكر قبل النبى- ﷺ بعد ما مات، كما قدمنا. وكذا وقع فى رواية غيره. وفى رواية يزيد بن بابنوس عنها، عند أحمد، أنه أتاه من قبل رأسه، فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: واصفياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته وقال: واخليلاه. وعند ابن أبى شيبة عن ابن عمر: فوضع فاه على جبين رسول الله- ﷺ فجعل يقبله ويبكى ويقول: بأبى أنت وأمى، طبت حيّا وميتا. وعن عائشة: أن أبا بكر دخل على النبى- ﷺ بعد وفاته، فوضع فاه

стр. 1887

بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه. أخرجه ابن عرفة العبدى كما ذكره الطبرى. قال: ولا تضاد بين هذا على تقدير صحته وبين ما تقدم مما تضمن ثباته، بأن يكون قد قال ذلك من غير انزعاج ولا قلق خافتا به صوته، ثم التفت إليهم وقال لهم ما قال. وأخرج البيهقى وأبو نعيم من طريق الواقدى عن شيوخه: أنهم شكوا فى موته- ﷺ ، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه- ﷺ فقالت: قد توفى، قد رفع الخاتم من بين كتفيه، فكان هذا الذى قد عرف به موته. وأخرجه ابن سعد عن الواقدى أيضا. ولما توفى- ﷺ قالت فاطمة: يا أبتاه، أجاب ربّا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه «١» . رواه البخارى. قال الحافظ ابن حجر- ﵀: وقد قيل الصواب: إلىّ جبريل نعاه. جزم بذلك سبط ابن الجوزى فى مرآة الزمان. قال: والأول متوجه فلا معنى لتغليط الرواة بالظن. وزاد الطبرانى: يا أبتاه، من ربه ما أدناه. وقد عاشت فاطمة- رضى الله عنها- بعده- ﷺ ستة أشهر فما ضحكت تلك المدة، وحق لها ذلك. على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كان من ليلى على الهجر طاويا وأخرج أبو نعيم عن على قال: لما قبض- ﷺ صعد ملك الموت باكيا إلى السماء، والذى بعثه بالحق نبيّا لقد سمعت صوتا من السماء ينادى: وا محمداه. الحديث. كل المصائب تهون عند هذه المصيبة. وفى سنن ابن ماجه: أنه- ﷺ قال فى مرضه: «أيها الناس، إن أحد من الناس، أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بى عن المصيبة التى

стр. 1888

تصيبه بغيرى، فإن أحدا من أمتى لن يصاب بمصيبة بعدى أشد عليه من مصيبتى» «١» . وقال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه ويقول: يا عبد الله، اتق الله، فإن فى رسول الله أسوة حسنة. ويعجبنى قول القائل: اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد واصبر كما صبر الكرام فإنها ... نوب تنوب اليوم تكشف فى غد وإذا أتتك مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبى محمد ويرحم الله القائل: تذكرت لما فرق الدهر بيننا ... فعزيت نفسى بالنبى محمد وقلت لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت فى يومه مات فى غد كادت الجمادات تتصدع من ألم فراقه- ﷺ ، فكيف بقلوب المؤمنين؟ لما فقده الجذع الذى كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حنّ إليه وصاح. كان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول الله- ﷺ ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه. وروى أن بلالا لما كان يؤذن بعد وفاته- ﷺ ، وقبل دفنه، فإذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله، ارتج المسجد بالبكاء والنحيب. فلما دفن ترك بلال الأذان. ما أمرّ عيش من فارق الأحباب خصوصا من كانت رؤيته حياة الألباب. لو ذاق طعم الفراق رضوى ... لكان من وجده يميد قد حملوني عذاب شوق ... يعجز عن حمله الحديد

стр. 1889

وقد كانت وفاته- ﷺ يوم الاثنين بلا خلاف، وقت دخول المدينة فى هجرته حين اشتد الضحاء، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل ليلة الأربعاء. فعند ابن سعد فى الطبقات، عن على: توفى رسول الله- ﷺ يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء. وعنده أيضا عن عكرمة، توفى يوم الاثنين، فحبس بقية يومه وليلته، ومن الغد حتى دفن من الليل، وعنده أيضا: عن عثمان بن محمد الأخنس: توفى يوم الاثنين حين زاغت الشمس ودفن يوم الأربعاء. وروى أيضا عن أبىّ بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده: توفى يوم الاثنين، فمكث بقية يوم الاثنين والثلاثاء حتى دفن يوم الأربعاء. وعنده أيضا: عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب: توفى يوم الاثنين حين زاغت الشمس «١» . ورثته عمته صفية بمراثى كثيرة منها قولها: ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برّا ولم تك جافيا وكنت رحيما هاديا ومعلما ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا لعمرك ما أبكى النبى لفقده ... ولكن لما أخشى من الهجر آتيا كأن على قلبى لذكر محمد ... وما خفت من بعد النبى المكاويا أفاطم صلى الله رب محمد ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا فدى لرسول الله أمى وخالتى ... وعمى وخالى ثم نفسى وماليا فلو أن رب الناس أبقى نبينا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا عليك من الله السلام تحية ... وأدخلت جنات من العدن راضيا أرى حسنا أيتمته وتركته ... يبكّى ويدعو جده اليوم نائيا ورثاه أبو سفيان بن الحارث فقال: أرقت فبت ليلى لا يزول ... وليل أخى المصيبة فيه طول وأسعدنى البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل

стр. 1890

لقد عظمت مصيبتنا وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحى والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرائيل وذاك أحق ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كادت تسيل نبى كان يجلو الشك عنا ... بما يوحى إليه وما يقول ويهديناا فلا نخشى ضلالا ... علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعى ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول ورثاه الصديق بقوله: لما رأيت نبينا متجندلا ... ضاقت على بعرضهن الدور فارتاع قلبى عند ذاك لهلكه ... والعظم منى ما حييت كسير أعتيق ويحك إن حبك قد ثوى ... فالصبر عنك لما لقيت يسير يا ليتنى من قبل مهلك صاحبى ... غيبت فى جدث على صخور فلتحدثن بدائع من بعده ... يعيى بهن جوارح وصدور ورثاه الصديق أيضا بقوله: ودعنا الوحى إذا وليت عنا ... فودعنا من الله الكلام سوى ما قد تركت لنا رهينا ... تضمنه القراطيس الكرام ولقد أحسن حسان بقوله يرثيه- ﷺ : كنت السواد لناظرى ... فعمى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر ورثاه حسان بقوله أيضا: بطيبة رسم للرسول ومعهد ... مبين وقد تعفو الرسوم وتهمد

стр. 1891

ولا تنمحى الآيات من دار حرمه ... بها منبر الهادى الذى كان يصعد وأوضح آيات وباقى معالم ... وربع له فيه مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها ... أتاها البلى فالآى منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وعهده ... وقبرا بها واراه فى الترب ملحد أطالت وقوفا تذرف العين دمعها ... على طلل القبر الذى فيه أحمد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد وبورك لحد منك ضمن طيبا ... عليه بناء من صفيح منضد تهيل عليه الترب أيد وأعين ... تباكت وقد غارت بذلك أسعد لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة ... عشية عالوه الثرى لا يوسد وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد يبكون من تبكى السماوات موته ... ومن قد بكته الأرض والناس وأكمد وهل عدلت يوما رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد ولما تحقق عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- موته- ﷺ بقول أبى بكر، ورجع إلى قوله، قال وهو يبكى: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد كان لك جذع تخطب الناس عليه، فلما كثروا اتخذت منبرا لتسمعهم، فحن الجذع لفراقك، حتى جعلت يدك عليه فسكن، فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم، بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته، فقال: من يطع الرسول فقد أطاع الله، بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك فى أولهم، فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ «١» الآية، بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده، أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم فى أطباقها يعذبون، يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول. الخبر ذكره أبو العباس القصار فى شرحه لبردة الأبوصيرى،

стр. 1892

ونقله عنه الرشاطى فى كتابه «اقتباس الأنوار والتماس الأزهار» وذكره ابن الحاج فى المدخل وساقه بتمامه، والقاضى عياض فى «الشفاء» لكنه ذكر بعضه، ويقع فى كثير من نسخ الشفاء: روى عن عمر بن الخطاب-- رضى الله عنه- أنه قال فى كلام بكى به النبى- ﷺ ، بتشديد الكاف من بكى، والصواب فيها التخفيف، لأن هذا الكلام إنما سمع من عمر- رضى الله عنه- بعد موته- ﷺ كما تقدم، ونبهت عليه فى حاشية الشفاء والله أعلم. ويؤيد هذا قوله فى الخبر نفسه: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد اتبعك فى قصر عمرك ما لم يتبع نوحا فى كثرة سنه وطول عمره، فلقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل. وأخرج ابن عساكر عن أبى ذؤيب الهذلى قال: بلغنا أن النبى- ﷺ عليل، فأوجس الحى خيفه، وبث بليلة طويلة حتى إذا كان السحر نمت فهتف بى هاتف وهو يقول: خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومقعد الآطام قبض النبى محمد فعيوننا ... تبدى الدموع عليه بالتسجام فوثبت من نومى فزعا، فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح فعلمت أن النبى- ﷺ قبض!! أو هو ميت، فقدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقيل: قبض رسول الله- ﷺ . ومن عجيب ما اتفق ما روى عن عائشة: أنهم لما أرادوا غسل النبى- ﷺ قالوا: لا ندرى، أنجرد النبى- ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه فى صدره، ثم كلهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو، اغسلوا رسول الله- ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا وغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص «١» . رواه البيهقى فى دلائل النبوة.

стр. 1893

وروى ابن ماجه بسند جيد عن على يرفعه: «إذا أنا مت فاغسلونى بسبع قرب من بئرى بئر غرس» «١» . قال فى النهاية: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء والسين المهملتين. وقد روى ابن النجار: أنه- ﷺ قال: «رأيت الليلة أنى أصبحت على بئر من الجنة» ، فأصبح على بئر غرس فتوضأ منها وبزق فيها. وغسّل- ﷺ ثلاث غسلات، الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور، وغسله على، والعباس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة وشقران مولاه- ﷺ يصبون الماء وأعينهم معصوبة من وراء الستر. لحديث على: «لا يغسلنى إلا أنت فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه» «٢» رواه البزار والبيهقى. وأخرج البيهقى عن الشعبى قال: غسل على النبى- ﷺ فكان يقول وهو يغسله- ﷺ : بأبى أنت وأمى طبت حيّا وميتا. أخرج أبو داود، وصححه الحاكم عن على قال: غسلته- ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئا، وكان طيبا حيّا وميتا. وفى رواية ابن سعد: وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط «٣» . قيل: وجعل على على يده خرقة وأدخلها تحت القميص ثم اعتصروا قميصه، وحنطوا مساجده ومفاصله، ووضؤوا منه ذراعيه ووجهه وكفيه وقدميه وجمروه عودا وندّا «٤» . وذكر ابن الجوزى أنه روى عن جعفر بن محمد قال: كان الماء يستنقع

стр. 1894

فى جفون النبى- ﷺ فكان على يحسوه. وأما ما روى أن عليّا لما غسله- ﷺ امتص ماء محاجر عينيه فشربه، وأنه قد ورث بذلك علم الأولين والآخرين، فقال النووى: ليس بصحيح. وفى حديث عروة عن عائشة قالت: كفن رسول الله- ﷺ فى ثلاثة أثواب سحولية بيض «١» ، أخرجه النسائى من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن عروة. واتفق عليه الأئمة الستة من طريق هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة بزيادة: من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة «٢» . وليس قوله «من كرسف» عند الترمذى ولا ابن ماجه. زاد مسلم: أما الحلة فإنما شبّه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفن فيها، فتركت الحلة وكفن فى ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبى بكر فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسى، ثم قال: لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها فباعها وتصدق بثمنها «٣» . وفى رواية له: أدرج رسول الله- ﷺ فى حلة يمانية كانت لعبد الله ابن أبى بكر ثم نزعت عنه «٤» ، وذكر الحديث بطوله. وفى رواية أصحاب السنن الأربعة: فذكر لعائشة قولهم كفن فى ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه «٥» . قال الترمذى: حسن صحيح.

стр. 1895

وفى رواية البيهقى: فى ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد «١» . والسحولية: بفتح السين وضمها، قال النووى: والفتح أشهر، وهو رواية الأكثرين، وفى النهاية تبعا للهروى، فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار، لأنه يسحلها، أى يغسلها، أو إلى سحول وهى قرية باليمن، وأما الضم فهو جمع سحل وهو الثوب الأبيض النقى، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شذوذ لأنه نسب إلى الجمع، وقيل: إن اسم القرية بالضم أيضا. والكرسف: بضم الكاف وإسكان الراء، وضم السين المهملتين والفاء: القطن. وقال الترمذى: روى فى كفن النبى- ﷺ روايات مختلفة، وحديث عائشة أصح الأحاديث فى ذلك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. وقال البيهقى فى «الخلافيات» : قال أبو عبد الله- يعنى الحاكم-: تواترت الأخبار عن على بن أبى طالب وابن عباس وعائشة وابن عمر، وجابر وعبد الله بن مغافل، فى تكفين النبى- ﷺ فى ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة. وعن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن الحنفية عن على: أن رسول الله- ﷺ كفن فى سبعة أثواب «٢» ، وقد روى هذا الحديث أحمد فى مسنده، وذكر ابن حزم: أن الوهم فيه من ابن عقيل أو ممن بعده. وقد اختلف فى معنى قوله: «ليس فيها قميص ولا عمامة» . فالصحيح أن معناه: أنه ليس فى الكفن قميص ولا عمامة أصلا. والثانى: أن معناه أنه كفن فى ثلاثة أثواب خارج عن القميص والعمامة. قال الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد: والأول أظهر فى المراد، وذكر
следующие страницы →