← Сира

Сира · id 23685

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

القسطلاني

Полный текст (2 019 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

باكيا قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب، وضعه فى القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشغ من البكاء يقول: «يا حمزة يا عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله، يا حمزة يا فاعل الخيرات، يا حمزة يا كاشف الكربات، يا حمزة يا ذابّا عن وجه رسول الله» «١» . والنشغ: الشهيق حتى يبلغ به الغشى. وكان- ﷺ إذا صلى على جنازة كبر عليها أربعا، وكبر على حمزة سبعين تكبيرة، رواه البغوى فى معجمه. وقد روى أنس بن مالك أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم «٢» . خرجه أحمد وأبو داود. فيحمل أمر حمزة على التخصيص، ومن صلى عليه عليه أنه جرح حال الحرب ولم يمت حتى انقضت الحرب. وكان سن حمزة يوم قتل تسعا وخمسين سنة، ودفن هو وابن أخته عبد الله بن جحش فى قبر واحد. وأما العباس وكنيته أبو الفضل، فأمه نتلة، ويقال نتيلة بنت جناب بن كلب بن النمر بن قاسط، ويقال: إنها أول عربية كست البيت الحرام الديباج وأصناف الكسوة، لأن العباس ضل وهو صبى، فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت. وكان العباس جميلا وسيما أبيض، له ضفيرتان، معتدلا وقيل كان طوالا، وولد قبل الفيل بثلاث سنين، وكان أسن من النبى- ﷺ بسنتين أو ثلاث، وكان رئيسا فى قريش وإليه عمارة المسجد الحرام. وكان مع النبى- ﷺ يوم العقبة يعقد له البيعة على الأنصار، وكان ﵇ يثق به فى أمره كله. ولما شدوا وثاقه فى أسرى بدر سهر- ﷺ تلك الليلة، فقيل: ما يسهرك يا رسول الله؟ قال: «لأنين العباس» فقام رجل

стр. 527

فأرخى وثاقه، وفعل ذلك بالأسرى كلهم، ذكره أبو عمر، وصاحب الصفوة. وقيل: كان يكتم إسلامه وخرج مع المشركين يوم بدر فقال- ﷺ «من لقى العباس فلا يقتله فإنه خرج مستكرها» «١» فأسره كعب بن عمرو، ففادى نفسه ورجع إلى مكة. وقيل: إنه أسلم يوم بدر ثم أقبل إلى المدينة مهاجرا، فاستقبل النبى ﷺ يوم الفتح بالأبواء وكان معه فى فتح مكة، وبه ختمت الهجرة. وقال أبو عمر: أسلم قبل فتح خيبر وكان يكتم إسلامه ويسره ما يفتح الله على المسلمين، وأظهر إسلامه يوم فتح مكة، وشهد حنينا والطائف وتبوك. ويقال: إن إسلامه كان قبل بدر، وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله- ﷺ ، وكان المسلمون بمكة يثقون به، وكان يحب القدوم على رسول الله- ﷺ ، فيكتب إليه- ﷺ «إن مقامك بمكة خير لك» وقال أبو مصعب إسماعيل بن قيس بن سعد بن زيد بن ثابت حدثنا أبو حازم سلمة ابن دينار عن سهل بن سعد- رضى الله عنه- قال: استأذن العباس- رضى الله عنه- النبى ﷺ فى الهجرة فكتب إليه: «يا عم أقم مكانك الذى أنت فيه، فإن الله يختم بك الهجرة كما ختم بى النبوة» «٢» رواه أبو يعلى والهيثم بن كليب- فى مسنديهما- والطبرانى فى الكبير. وأبو مصعب متروك، لكن يعتضد بقول عروة بن الزبير: كان العباس قد أسلم وأقام على سقايته ولم يهاجر «٣» ، رواه الحاكم فى مستدركه. وذكر السهمى فى الفضائل أن أبا رافع لما بشر النبى- ﷺ بإسلام العباس أعتقه.

стр. 528

وكان- ﷺ يكرم العباس بعد إسلامه ويعظمه، ووصفه- ﵇ فقال: «أجود الناس كفّا، وأحناه عليهم» رواه الفضائلى وفى معجم البغوى: «العباس عمى وصنو أبى، من آذاه فقد آذانى» «١» وفى الترمذى نحوه، وقال: حسن صحيح. وذكر السهمى فى الفضائل: أن العباس أتى النبى- ﷺ فلما رآه قام إليه، وقبل ما بين عينيه، ثم أقعده عن يمينه ثم قال: «هذا عمى فمن شاء فليباه بعمه» فقال العباس: نعم القول يا رسول الله، قال «ولم لا أقول هذا، أنت عمى وصنو أبى وبقية آبائى ووارثى وخير من أخلف من أهلى» وقال له ﷺ «يا عم لا ترم منزلك أنت وبنوك غدا حتى أتيكم فإن لى فيكم حاجة» فلما أتاهم اشتمل عليهم بملاءة ثم قال: «يا رب، هذا عمى وصنو أبى وهؤلاء أهل بيتى فاسترهم من النار كسترى إياهم بملاءتى هذه» قال: فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين. رواه ابن غيلان، وأبو القاسم حمزة، والسهمى، ورواه ابن السرى وفيه: فما بقى فى البيت مدرة ولا باب إلا أمن. ورواه الترمذى من حديث ابن عباس بلفظ «فألبسنا كساء» ثم قال: «اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا، اللهم احفظه فى ولده» «٢» ، وقال حسن غريب. وعند ابن عبد الباقى من حديث أبى هريرة: «اللهم اغفر للعباس ولولد العباس ولمن أحبهم» «٣» . وفى تاريخ دمشق من حديث ابن عباس عن أبيه أن رسول الله- ﷺ قال له فى فتح مكة «اللهم انصر العباس وولد العباس» قالها ثلاثا ثم قال:

стр. 529

«يا عم أما علمت أن المهدى من ولدك» «١» . وروى الحاكم فى مستدركه والبغوى فى معجمه عن سعيد بن المسيب أنه قال: «العباس حبر هذه الأمة، ووارث النبى- ﷺ وعمه» قال الذهبى سنده صحيح. قال: ويتكلف لتأويله إن كان قوله خير- بالمعجمة والتحتية-. وفى الأفراد للدار قطنى عن جابر الأنصارى- رضى الله عنه-. قال سمعت: رسول الله- ﷺ يقول «من لم يحب العباس بن عبد المطلب وأهل بيته فقد برىء من الله ورسوله» وفى سنده عمر بن راشد الحارثى. وهو ضعيف جدّا. لكن يشهد له ما رواه محمد بن حسين الأشنانى ثم أبو بكر بن عبد الباقى فى أماليه ومن طريقهما المنذرى من طريق منصور عن مسلم بن صبيح بن الضحى عن مسروق عن ابن عباس- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «من لم يحب عمى» هذا- وأخذ بيد العباس فرفعها «لله ولقرابته لى فليس بمؤمن» «٢» . وللترمذى وقال: حسن، عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن رسول الله- ﷺ قال للعباس «والذى نفسى بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان ما لم يحبكم لله ولرسوله» ثم قال «يا أيها الناس من آذى عمى فقد آذانى فإنما عم الرجل صنو أبيه» «٣» . وروى البغوى أنه- ﵊ قال له: «لك يا عم من الله حتى ترضى» «٤» . وروى السهمى فى الفضائل أنه- ﵇ قال للعباس: «إن الله غير معذبك ولا أحد من ولدك» . وفى المعجم الكبير للطبرانى عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله

стр. 530

- ﷺ : «اللهم اغفر للعباس، وأبناء العباس وأبناء أبناء العباس» «١» . وفى سنده عبد الرحمن بن حاتم المرادى المصرى وهو متروك. وفى تاريخ دمشق- مما هو شديد الوهى- عن أبى هريرة مرفوعا: «اللهم اغفر للعباس ولولد العباس ولمحبى ولد العباس وشيعتهم» «٢» . وفى المناقب للإمام أحمد بسند لا بأس به، أن العباس قال: كنت عند النبى- ﷺ ذات ليلة فقال: «انظر هل ترى فى السماء نجما» قلت: نعم قال: «ما ترى» قلت: الثريا، قال: «أما إنه يلى هذه الأمة بعددها من صلبك» «٣» . وروى السهمى من حديث ابن عباس أنه- ﷺ قال له: «ألا أبشرك يا عم» قال: بلى بأبى أنت وأمى فقال- ﵇: «إن من ذريتك الأصفياء ومن عترتك الخلفاء» «٤» . ومن حديث أبى هريرة: «فيكم النبوة والمملكة» «٥» . ومن حديث ابن عباس عن أبيه: «هذا عمى أبو الخلفاء أجود قريش كفّا وأجملها وإن من ولده السفاح والمنصور والمهدى» «٦» .

стр. 531

وذكر ابن حبان والملاء من حديث ابن عباس أن رسول الله- ﷺ قال: «يا أبا بكر هذا العباس قد أقبل وعليه ثياب بيض وسيلبس ولده من بعده السواد» . وعن جابر بن عبد الله سمعت رسول الله- ﷺ يقول «ليكونن فى ولده- يعنى العباس- ملوك يكونون أمراء أمتى، يعز الله بهم الدين» «١» قال الحافظ أبو الحسن الدار قطنى: هذا حديث غريب من حديث عمرو بن دينار عن جابر، خرجه الأصفهانى. وتوفى العباس- رضى الله عنه- فى خلافة عثمان- رضى الله عنه- قبل مقتله بسنتين بالمدينة، يوم الجمعة لاثنتى عشرة- وقيل لأربع عشرة- خلت من رجب، وقيل من رمضان سنة اثنتين وقيل ثلاث وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل سبع وثمانين سنة، أدرك منها فى الإسلام اثنتين وثلاثين سنة ودفن بالبقيع، ودخل قبره ابنه عبد الله. وكان عظيما جليلا، وكان يسمى ترجمان القرآن، وهو أبو الخلفاء. ويروى أن أمه أم الفضل لما وضعته أتت به النبى- ﷺ فأذن فى أذنه اليمنى، وأقام فى اليسرى، وقال: «اذهبى بأبى الخلفاء» «٢» رواه ابن حبان وغيره. وقد ملأ عقبه الأرض حتى قيل إنهم بلغوا فى زمن المأمون ستمائة ألف. واستبعد والله أعلم. وكان العباس أصغر أعمامه- ﷺ ولم يسلم منهم إلا هو وحمزة. وأسنهم الحارث. وأما عماته- ﷺ بنات عبد المطلب بن هاشم، فجملتهن ست: عاتكة، وأميمة، والبيضاء وهى أم حكيم، وبرة، وصفية، وأروى، ولم يسلم منهن إلا صفية أم الزبير بلا خلاف.

стр. 532

واختلف فى أروى وعاتكة، فذهب أبو جعفر العقيلى إلى إسلامهما، وعدهما فى الصحابة، وذكر الدار قطنى: عاتكة فى جملة الإخوة والأخوات، ولم يذكر أروى. وأما ابن إسحاق فذكر أنه لم يسلم منهن غير صفية. فأما صفية فأسلمت باتفاق، كما ذكرته، وشهدت الخندق، وقتلت رجلا من اليهود، وضرب لها- ﷺ بسهم، وأمها هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، شقيقة حمزة والمقوم وحجل، وكانت فى الجاهلية تحت الحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس، ثم هلك فخلفه عليها العوام بن خويلد أخو خديجة أم المؤمنين، فولدت له الزبير والسائب وعبد الكعبة، وتوفيت بالمدينة فى خلافة عمر- رضى الله عنه- سنة عشرين، ولها ثلاث وسبعون سنة، ودفنت بالبقيع. وأما عاتكة المختلف فى إسلامها فأمها فاطمة بنت عمرو بن عائد، فتكون شقيقة عبد الله أبى النبى- ﷺ وأبى طالب والزبير وعبد الكعبة، وهى صاحبة الرؤيا فى قصة بدر «١» . وأما أروى المختلف أيضا فى إسلامها، فأمها صفية بنت جندب، فهى شقيقة الحارث بن عبد المطلب، وكانت تحت عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصى، فولدت له طليبا، ثم خلفه عليها كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى. وأسلم طليب وكان سببا فى إسلام أمه، كما ذكره الواقدى. وأما أم حكيم، البيضاء، فهى شقيقة عبد الله أبى النبى- ﷺ . وأما برة فأمها فاطمة أيضا، وكانت عند أبى رهم بن عبد العزى العامرى، ثم خلفه عليها عبد الأسد بن هلال المخزومى، فولدت له أبا سلمة بن عبد الأسد الذى كانت عنده أم سلمة قبل النبى- ﷺ . وأما أميمة فأمها فاطمة، وكانت تحت جحش بن رئاب، فولدت له عبد الله وعبيد الله وأبا أحمد وزينب وأم حبيبة وحمنة، أولاد جحش بن رئاب. وأما جداته- ﵊ من أبيه:

стр. 533

فأم عبد الله- أبيه- هى فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وأم عبد المطلب، سلمى ابنة عمرو من بنى النجار، وكانت قبل هاشم تحت أحيحة بن الجلاح فولدت له عمرو بن أحيحة، وهو أخو عبد المطلب لأمه. وأم هاشم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان من بنى سليم. وأم عبد مناف عاتكة بنت فالج بن مليك بن ذكوان من بنى سليم. وأم قصى فاطمة بنت سعد من أزد الشراة. وأم كلاب، نعم بنت سرير بن ثعلبة بن مالك بن كنانة. وأم مرة وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهم. وأم كعب، سلمى بنت محارب من فهم. وأم لؤى، وحشية بنت مدلج بن مرة بن عبد مناف من كنانة. وأم غالب، سلمى بنت سعد من هذيل. وأم فهر، جندلة بنت الحارث الجرهمى. وأم مالك: هند بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن غيلان. وأم النضر، برة بنت مرة، أخت تميم بن مرة. ذكره ابن قتيبة فى كتاب المعارف كما حكاه الطبرى عنه وقال: فالجدة الأولى قرشية مخزومية، والثانية نجارية، والثالثة سليمية والرابعة سليمية أيضا، وقيل خزاعية والخامسة أزدية، والسادسة كنانية، والسابعة فهمية والثامنة فهمية أيضا أو فهرية- والخط فى الأصل يوهم- والتاسعة كنانية، والعاشرة هذلية، والحادية عشرة جرهمية، والثانية عشرة قيسية، والثالثة عشرة مرية. وأما جداته- ﵊ من أمه «١» : فأم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب بن مرة وأم أبيها وهب:

стр. 534

عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان من بنى سليم، ذكره ابن قتيبة. وقال أبو عمر: ويعرف أبوها بأبى كبشة الذى ينسب إليه رسول الله ﷺ فيقال: ابن أبى كبشة، ونسب إليه لأنه كان يعبد «الشعرى» ولم يكن أحد من العرب يعبدها غيره، فلما جاءهم- ﷺ بخلاف ما كانت عليه العرب قالوا: هذا ابن أبى كبشة، ولم يقصدوا ذمه- ﷺ بذلك. وقيل: بل نسب إلى وهب أخى أمه كان يدعى بها، وقيل: كان يدعى بها أبوه من الرضاعة: الحارث بن عبد العزى زوج حليمة فنسب إليه. وأم برة هى أم حبيب، قاله ابن قتيبة وقال أبو سعد: أم سفيان بنت أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب. وأم أم حبيب هى برة بنت عوف بن عبيد بن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب. وأم برة بنت عوف، قلابة بنت الحارث بن صعصعة بن عائذ بن لحيان ابن هذيل. وأم قلابة، هند بنت يربوع من ثقيف. قاله ابن قتيبة، وقال ابن سعد: أمها بنت مالك بن عثمان من بنى لحيان. فالجدة الأولى والثانية والثالثة من أمهات أمه- ﷺ قرشيات، وأم أبى أمه سلمية والرابعة لحيانية هذلية، والخامسة ثقفية، ففى كل قبيلة من قبائل العرب له- ﷺ علقة نسب. وأما إخوته- ﵊ من الرضاعة «١» : فحمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد، أرضعتهما معه- ﷺ ثويبة جارية أبى لهب بلبن ابنها مسروح بن ثويبة. وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أرضعته ورسول الله- ﷺ

стр. 535

حليمة السعدية، وعبد الله وآسية وجدامة- وتعرف بالشيماء- الثلاثة أولاد حليمة. وقد روى أن خيلا له- ﷺ أغارت على هوازن، فأخذوها فى جملة السبى، فقالت: أنا أخت صاحبكم، فلما قدموا على رسول الله- ﷺ قالت له: يا محمد، أنا أختك، فرحب بها وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه ودمعت عيناه، وقال- ﷺ : «إن أحببت فأقيمى عندى مكرمة محببة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك وصلتك» قالت: بل أرجع إلى قومى، فأسلمت، وأعطاها رسول الله- ﷺ ثلاثة أعبد وجارية ونعما وشاء «١» ذكره أبو عمر وابن قتيبة. وأما أمه من الرضاعة، فحليمة بنت أبى ذؤيب من هوازن، وهى التى أرضعته حتى أكملت رضاعه، وجاءته- ﷺ يوم حنين فقام إليها وبسط رداءه لها، فجلست عليه. وكذا ثويبة جارية أبى لهب أيضا، واختلف فى إسلامها كما اختلف فى إسلام حليمة وزوجها، فالله أعلم. وكانت ثويبة تدخل عليه- ﷺ بعد أن تزوج خديجة، فكانت تكرمها. وأعتقها أبو لهب، وكان- ﷺ يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر. ذكره أبو عمر. وكانت حاضنته- ﷺ أم أيمن، بركة بنت ثعلبة بن حصن بن مالك، غلبت عليها كنيتها، وكنيت باسم ابنها أيمن الحبشى، وهى أم أسامة بن زيد، تزوجها زيد بعد عبيد، فولدت له أسامة، ويقال: إنها مولاة رسول الله ﷺ . هاجرت الهجرتين إلى أرض الحبشة وإلى المدينة. وكانت لعبد الله ابن عبد المطلب، فورثها النبى- ﷺ . وقيل كانت لأمه- ﵇. وكان ﷺ يقول: «أم أيمن أمى بعد أمى» «٢» . وكانت الشيماء بنت حليمة السعدية تحضنه أيضا مع أمها حليمة السعدية.

стр. 536

الفصل الخامس فى خدمه وحرسه ومواليه ومن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن يأذن عليه ومن كان يضرب الأعناق بين يديه أما خدمه: [من الرجال] فمنهم أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد الأنصارى الخزرجى، يكنى أبا حمزة، خدم النبى- ﷺ تسع سنين أو عشر سنين، ودعا له- ﷺ فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة» «١» . وقال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله- ﷺ منه. وتوفى سنة ثلاث وتسعين وقيل سنة اثنتين وقيل سنة إحدى وتسعين وقد جاوز المائة. ومنهم: ربيعة بن كعب الأسلمى، صاحب وضوئه، وتوفى سنة ثلاث وستين. ومنهم: أيمن ابن أم أيمن، صاحب مطهرته- ﷺ ، استشهد يوم حنين. ومنهم: عبد الله بن مسعود بن غافل- بالمعجمة والفاء- ابن حبيب الهذلى، أحد السابقين الأولين، شهد بدرا والمشاهد، وكان صاحب الوسادة والسواك والنعلين والطهور وكان يلى ذلك من النبى- ﷺ ، وكان إذا قام النبى- ﷺ ألبسه نعليه، وإذا جلس جعلهما فى ذراعيه حتى يقوم. وتوفى بالمدينة وقيل بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث.

стр. 537

ومنهم عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهنى، وكان صاحب بغلته يقود به- ﷺ فى الأسفار، روينا عنه أنه قال: بينما أقود برسول الله ﷺ فى نقب من تلك النقاب إذ قال لى رسول الله- ﷺ : «اركب يا عقبة» قال فأجللت رسول الله- ﷺ أن أركب مركبه ثم أشفقت أن يكون معصية قال: فركبت هنيهة ثم نزلت، ثم ركب النبى- ﷺ وقدت به، فقال لى: «يا عقبة ألا أعلمك من خير سورتين قرأ بهما الناس» فقلت: بلى بأبى أنت وأمى يا رسول الله فقال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ «١» وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ «٢» «٣» . الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائى. ولأحمد: فقال «يا عقبة، ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت فى التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم» ، قال: قلت بلى، قال: «فأقرأنى» قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٤» وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ «٥» وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ «٦» . وكان عقبة عالما بكتاب الله وبالفرائض فصيحا شاعرا مفوها، ولى مصر لمعاوية سنة أربع وأربعين ثم صرفه بمسلمة بن مخلد، وتوفى بها سنة ثمان وخمسين. ومنهم: أسلع بن شريك صاحب راحلته. وفى الطبرانى عن الربيع بن بدر قال: حدثنى أبى عن أبيه عن رجل يقال له أسلع قال كنت أخدم النبى ﷺ وأرحل له، فقال لى ذات يوم: «يا أسلع، قم فارحل» فقلت: يا

стр. 538

رسول الله أصابتنى جنابة، فسكت رسول الله- ﷺ وأتاه جبريل فنزل باية الصعيد [النساء: ٤٣ والمائدة: ٦] فقال رسول الله- ﷺ : «قم يا أسلع فتيمم» قال: فقمت، ثم رحلت له ثم سار حتى مر بماء ثم قال لى يا أسلع: «مسّ أو أمسّ هذا جلدك» قال: فأرانى التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين «١» . انتهى. ومنهم: سعد مولى أبى بكر، وقيل سعيد، ولم يثبت، وروى عنه ابن ماجه. ومنهم: أبو ذر جندب بن جنادة الغفارى، أسلم قديما، وتوفى بالربذة سنة إحدى وثلاثين، وصلى عليه عبد الله بن مسعود ثم مات بعده فى ذلك اليوم، قاله ابن الأثير فى «معرفة الصحابة» ، وفى التقريب للحافظ ابن حجر سنة اثنتين وثلاثين. ومنهم: مهاجر مولى أم سلمة. ومنهم: حنين والد عبد الله، مولى عباس، كان يخدم النبى- ﷺ ، ثم وهبه لعمه العباس. ومنهم: نعيم بن ربيعة الأسلمى. ومنهم: أبو الحمراء، مولاه- ﷺ وخادمه، واسمه هلال بن الحارث، أو ابن ظفر، نزل حمص وتوفى بها. ومنهم: أبو السمح خادمه- ﷺ واسمه إياد. ومن النساء: بركة أم أيمن الحبشية، وهى والدة أسامة بن زيد ماتت فى خلافة عثمان رضى الله عنه-. وخولة جدة حفص. وسلمى أم رافع، زوج أبى رافع.

стр. 539

وميمونة بنت سعد. وأم عياش مولاة رقية بنت النبى- ﷺ . وكان يضرب الأعناق بين يديه: على بن أبى طالب، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، والضحاك بن سفيان. وكان قيس بن سعد بن عبادة بن يديه- ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة. وكان بلال على نفقاته. ومعيقيب بن أبى فاطمة الدوسى على خاتمه. وابن مسعود على سواكه ونعله، كما تقدم. وأبو رافع واسمه أسلم- وقيل غير ذلك- قبطى، وكان على ثقله «١» . وأذن عليه- ﷺ فى المشربة لعمر بن الخطاب- رضى الله عنه- رياح النوبى. وأما حراسه: فمنهم: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس، سيد الأوس، أسلم بين العقبتين على يد مصعب بن عمير، وشهد بدرا وأحدا والخندق، فرمى فيه بسهم فعاش شهرا ثم انتقض جرحه فمات. حرس النبى- ﷺ يوم بدر حين نام فى العريش. ومنهم: محمد بن مسلمة الأنصارى، حرسه يوم أحد. ومنهم: الزبير بن العوام حرسه يوم الخندق. ومنهم: بلال، المؤذن، أسلم قديما، وعذب فى الله، وسكن الشام أخيرا، ولا عقب له، وتأتى وفاته- إن شاء الله تعالى-، وكان يحرس النبى ﷺ بوادى القرى. وكان أبو بكر الصديق يوم بدر فى العرش شاهرا سيفه على رأسه ﷺ لئلا يصل إليه أحد من المشركين. رواه السمان فى الموافقة. ووقف المغيرة بن شعبة على رأسه بالسيف يوم الحديبية.

стр. 540

وكان يحرسه- ﷺ أيضا عباد بن بشر. فلما نزل وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «١» ترك ذلك. وأما مواليه ﷺ : أسامة وأبوه زيد بن حارثة، حب رسول الله- ﷺ ، أعتقه وزوجه مولاته أم أيمن واسمها بركة فولدت له أسامة. وكان زيد قد أسر فى الجاهلية، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فاستوهبه النبى- ﷺ منها: ذكر قصته محمد بن إسحاق فى السيرة، وأن أباه وعمه أتيا مكة فوجداه، فطلبا أن يفدياه، فخيره النبى- ﷺ بين أن يدفعه لهما أو يبقى عنده- ﷺ ، وفى رواية الترمذى قال: يا رسول الله، لا أختار عليك أحدا أبدا. واستشهد زيد فى مؤتة، ومات ابنه أسامة بالمدينة أو بوادى القرى سنة أربع وخمسين. ومنهم: ثوبان، لازم رسول الله- ﷺ ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين. وأبو كبشة، أوس، ويقال سليم من مولدى مكة وشهد بدرا. وشقران- بضم الشين المعجمة وسكون القاف- واسمه صالح الحبشى، ويقال: فارسى، شهد بدرا وهو مملوك، ثم عتق، قاله الحافظ ابن حجر وقال: أظنه مات فى خلافة عثمان. ورباح- وهو بفتح الراء وبالموحدة- الأسود، وكان يأذن عليه أحيانا إذا انفرد، وهو الذى أذن لعمر بن الخطاب فى المشربة، كما تقدم. ويسار الراعى، وهو الذى قتله العرنيون. وزيد وهو أبو يسار- وليس زيد بن حارثة والد أسامة- ذكره ابن الأثير.

стр. 541

ومدعم- بكسر الميم وفتح العين المهملة- عبد أسود، كان لرفاعة بن زيد الضبيبى- بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة الأولى- فأهداه إلى رسول الله ﷺ . وأبو رافع، واسمه: أسلم القبطى، وكان للعباس فوهبه للنبى- ﷺ ، فلما بشر النبى- ﷺ بإسلام العباس أعتقه، توفى قبل قتل عثمان بيسير. ورفاعة بن زيد الجذامى. وسفينة، واختلف فى اسمه، فقيل: طهمان، وقيل: كيسان، وقيل: مهران، وقيل غير ذلك، وسماه رسول الله- ﷺ سفينة لأنهم كانوا حملوه شيئا كثيرا فى السفر «١» . ومأبور القبطى، وهو من جملة من أهداه المقوقس للنبى- ﷺ . وواقد، أو أبو واقد، وأنجشة الحادى، ويأتى ذكره فى حداته- ﷺ إن شاء الله تعالى. وسلمان الفارسى، أبو عبد الله، ويقال له سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل من رام هرمز، أول مشاهده الخندق، مات سنة أربع وثلاثين، يقال بلغ ثلاثمائة سنة. وشمعون بن زيد، أبو ريحانة. قال الحافظ ابن حجر: حليف الأنصار، ويقال مولى رسول الله- ﷺ ، شهد فتح دمشق وقدم مصر، وسكن بيت المقدس. وأبو بكرة، نفيع بن الحارث بن كلدة، جد القاضى الجليل بكار بن قتيبة الحنفى قاضى مصر المدفون بها. ومن النساء: أم أيمن الحبشية، وسلمى أم رافع زوج أبى رافع، ومارية وريحانة وقيسر أخت مارية وغير ذلك. قال ابن الجوزى: مواليه ثلاثة وأربعون، وإماؤه إحدى عشرة.

стр. 542

الفصل السادس فى أمرائه ورسله وكتّابه وكتبه إلى أهل الإسلام فى الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام أما كتابه فجمع كثير وجم غفير ذكرهم بعض المحدثين فى تأليف له بديع استوعب فيه جملا من أخبارهم، ونبذا من سيرهم وآثارهم، وصدر فيه بالخلفاء الأربعة الكرام، خواص حضرته- ﵊. فأولهم فى التقديم أبو بكر الصديق، وكان اسمه فى الجاهلية عبد الكعبة، وفى الإسلام عبد الله، وسمى بالصديق لتصديقه النبى- ﷺ ، وقيل إن الله صدقه، ويلقب عتيقا لجماله، أو لأنه ليس فى نسبه ما يعاب به، وقيل لأنه عتيق من النار. ولى الخلافة سنتين ونصفا، وسنه سن المصطفى- ﷺ . وتوفى مسموما. وأسلم أبوه أبو قحافة يوم الفتح، وتوفى بعد ولده فى خلافة عمر، وأسلمت أمه أم الخير سلمى بنت صخر قديما فى دار الأرقم. وعمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، استخلفه أبو بكر فأقام عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، وقتله أبو لؤلؤة، فيروز غلام المغيرة بن شعبة. وعثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما، ثم قتل يوم الدار شهيدا. وروى عن عائشة، مما ذكره الطبرى فى فضائله من كتاب «الرياض» أن رسول الله- ﷺ لمسند ظهره إلىّ، وإن جبريل ليوحى إليه القرآن، وإنه ليقول له: «اكتب يا عثيم» «١» . رواه أحمد.

стр. 543

وروى البيهقى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس جلس أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره وعثمان بين يديه، وكان كاتب سر رسول الله- ﷺ . وعلى بن أبى طالب، وأقام فى الخلافة أربع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام، وتوفى شهيدا على يد عبد الرحمن بن ملجم واختص على بكتابة الصلح يوم الحديبية. وطلحة بن عبيد الله التيمى، أحد العشرة، استشهد يوم الجمل سنة ست وثلاثين وهو ابن ثلاث وستين سنة. والزبير بن العوام بن خويلد الأسدى ابن عمته وحواريه، أحد العشرة أيضا، قتل سنة ست وثلاثين، يوم الجمل، قتله عمرو بن جرموز، بوادى السباع غيلة وهو نائم. وسعيد بن العاص، أخو خالد وأبان. وسعد بن أبى وقاص. وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر- رضى الله عنه-. وعبد الله بن الأرقم القرشى الزهرى، كان يكتب الرسائل عن رسول الله- ﷺ إلى الملوك وغيرهم، وكتب بعده لأبى بكر، ثم لعمر من بعده، رضى الله عنهم-، واستعمله عمر على بيت المال مدة ولايته ثم عثمان من بعده، إلى أن استعفى عثمان من الولاية وبقى عاطلا، وكان أمير المؤمنين عمر يقول: ما رأيت أحدا أخشى لله منه، مات فى خلافة عثمان. وأبىّ بن كعب- بضم الهمزة وفتح الموحدة- من سبّاق الأنصار، كان يكتب الوحى له- ﷺ ، وهو أحد الستة الذين حافظوا القرآن على عهده ﷺ وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهده- ﵇، توفى بالمدينة سنة تسع عشرة. وقيل سنة عشرين، وقيل غير ذلك، وهو الذى كتب الكتاب إلى ملكى عمان «جيفر» و «عبد» ابنى الجلندى، كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-.

стр. 544

وثابت بن قيس بن شماس، استشهد باليمامة، وهو الذى كتب كتاب قطن بن حارثة العليمى، كما سيأتى- إن شاء الله-. وحنظلة بن الربيع الأسيدى الذى غسلته الملائكة حين استشهد «١» . وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشى الأموى. وابنه معاوية، ولى لعمر الشام، وأقره عثمان. قال ابن إسحاق: وكان أميرا عشرين سنة، وخليفة- أمير المؤمنين- بعد نزول الحسن بن على سبط سيد المرسلين عشرين سنة. وروينا فى مسند الإمام أحمد من حديث العرباض قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «اللهم علم معاوية الكتاب والحساب، وقه العذاب» «٢» . وهو مشهور بكتابة الوحى. أسلم يوم فتح مكة ومات فى العشر الأخير من رجب سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين وقد قارب الثمانين. وقال ابن عبد البر عن اثنتين وثمانين سنة والله أعلم. وأخوة يزيد بن أبى سفيان بن حرب، أمّره عمر على دمشق حتى مات بها سنة تسع عشرة بالطاعون، فوليها بعده أخوه معاوية حتى رقى منها إلى الخلافة، وكان يزيد- رضى الله عنه- من سروات الصحابة وساداتهم، أسلم يوم الفتح أيضا وأعطاه رسول الله- ﷺ من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية وزنها له بلال- رضى الله عنه-. وزيد بن ثابت بن الضحاك الأنصارى النجارى، مشهور بكتب الوحى، مات سنة خمسين أو ثمان وأربعين، وقيل بعد الخمسين. وكان أحد فقهاء الصحابة، وهو أحد من جمع القرآن فى خلافة أبى بكر، ونقله إلى المصحف فى خلافة عثمان.

стр. 545

وشرحبيل ابن حسنة، وهى أمه، وهو أول كاتب للنبى- ﷺ . والعلاء بن الحضرمى. وخالد بن الوليد بن المغيرة المخزومى، سيف الله، أسلم بين الحديبية والفتح، مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين. وعمرو بن العاص بن وائل السهمى، فاتح مصر فى أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضى الله عنهما-، أسلم عام الحديبية وولى إمرة مصر مرتين، وهو الذى فتحها، ومات بها سنة نيف وأربعين وقيل بعد الخمسين. والمغيرة بن شعبة الثقفى، أسلم قبل الحديبية، وولى إمرة البصرة ثم الكوفة، مات سنة خمسين على الصحيح. وعبد الله بن رواحة الخزرجى الأنصارى أحد السابقين، شهد بدرا واستشهد بمؤتة. ومعيقيب- بقاف وآخره موحدة، مصغر- ابن أبى فاطمة الدوسى، من السابقين الأولين، وشهد المشاهد ومات فى خلافة عثمان أو على. وكتب له خالد بن سعيد بن العاص كتاب ثقيف كما سيأتى إن شاء الله تعالى فى الوفود. وحذيفة بن اليمان، من السابقين، صح فى مسلم أنه- ﷺ أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابى أيضا استشهد بأحد، ومات حذيفة فى أول خلافة على سنة ست وثلاثين. وحويطب بن عبد العزى العامرى، أسلم يوم الفتح، عاش مائة وعشرين سنة، ومات سنة أربع وخمسين. وله كتّاب أخر سوى هؤلاء، وذكروا فى الكتاب الذى تقدم ذكره. وكان معاوية وزيد بن ثابت ألزمهم لذلك وأخصهم به، كما قاله الحافظ الشرف الدمياطى وغيره، ونبهت عليه. قال الحافظ ابن حجر: وقد كتب له قبل زيد بن ثابت، أبى بن كعب، وهو أول من كتب له بالمدينة، وأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن أبى

стр. 546

سرح، ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح، وممن كتب له فى الجملة أكثر من غيره الخلفاء الأربعة وأبان وخالد ابنا سعيد بن العاص بن أمية. وقد كتب- ﷺ إلى أهل الإسلام كتبا فى الشرائع والأحكام. منها كتابه فى الصدقات الذى كان عند أبى بكر، فكتبه أبو بكر لأنس لما وجهه إلى البحرين ولفظه كما فى البخارى وأبى داود والنسائى: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التى فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتى أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط: فى أربعة وعشرين من الإبل فما دونها، من الغنم فى كل خمس من الإبل شاة. فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر. فإنذا بلغت ستّا وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى. فإذا بلغت ستّا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة طروقة الجمل. فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة. فإذا بلغت ستّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون. فإذا بلغت إحدى وسبعين إلى عشرين ومائة، ففيها حقتان طروقتا الجمل. فإذا زادت عن عشرين ومائة، ففى كل أربعين ابنة لبون وفى كل خمسين حقة. ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل، فليست فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة. ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما.

стр. 547

ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا ابنة لبون، فإنه تقبل منه بنت لبون، ويعطى شاتين أو عشرين درهما. ومن بلغت صدقته بنت لبون، وعنده حقة، فإنه تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون، وليست عنده وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت المخاض، ويعطى معها عشرين درهما أو شاتين. ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شىء. وفى صدقة الغنم فى سائمتها إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة. فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان. فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه. فإذا زادت على ثلاثمائة ففى كل مائة شاة. فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها. ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج فى الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدّق.

стр. 548

وفى الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها) «١» . قوله وفى الرقة: الدراهم المضروبة، والهاء فيه عوض من الواو المحذوفة من الورق. قاله ابن الأثير فى الجامع. وقال فى فتح البارى: هى بكسر الراء وتخفيف القاف: الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة. ومنها كتابه الذى كان عند عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-، فى نصب الزكاة وغيرها، كما رواه أبو داود والترمذى عن سالم عن أبيه: كتب- ﷺ كتاب الصدقة ولم يخرجه إلى عماله وقرنه بسيفه حتى قبض، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض وكان فيه: فى خمس من الإبل شاة، وفى عشر شاتان وفى خمسة عشر ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين بنت مخاض، إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة ففيها ابنة لبون، إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة، إلى خمس وسبعين فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك ففى كل خمسين حقة وفى كل أربعين ابنة لبون. وفى الغنم فى كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فشاتان، إلى المائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففى كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شىء حتى تبلغ المائة. ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية، ولا يؤخذ فى الصدقة هرمة ولا ذات عيب.

стр. 549

قال الزهرى: وإذا جاء المصدق قسم الشاء أثلاثا، ثلث خيار، وثلث أوساط، وثلث شرار، وأخذ من الوسط «١» رواه أبو داود والترمذى وقال: حديث حسن، قال: ورواه يونس وغير واحد عن الزهرى عن سالم ولم يرفعه. قال ابن الأثير فى النهاية: والخليط: المخالط، يريد به الشريك الذى يخلط ماله بمال شريكه، والتراجع بينهما هو أن يكون لأحدهما مثلا أربعون بقرة وللآخر ثلاثون بقرة ومالهما مختلط، فيأخذ الساعى عن الأربعين مسنة وعن الثلاثين تبيعا، فيرجع باذل المسنة بثلاثة أسباعها على شريكه، وباذل التبيع بأربعة أسباعه على شريكه، لأن كل واحد من السنين واجب على الشيوع وكأن المال ملك واحد. انتهى. وقال فى فتح البارى: واختلف فى المراد بالخليط، فعند أبى حنيفة أنه الشريك، واعترض عليه بأن الشريك لا يعرف عين ماله. وقد قال: إنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكا قوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ «٢» وقد بينه قبل ذلك بقوله: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ «٣» . واعتذر بعضهم عن الحنفية: بأنهم لم يبلغهم هذا الحديث، أو رأوا أن الأصل قوله: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وحكم الخليط يغاير هذا الأصل، فلم يقولوا به، وقال أبو حنيفة: لا يجب على أحد منهم فيما يملك إلا مثل الذى يجب عليه لو لم يكن خلطة. وقال سفيان الثورى: لا يجب حتى يتم لهذا أربعون شاة ولهذا أربعون شاة.

стр. 550

وقال الشافعى وأحمد وأصحاب الحديث: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا، والخلطة عندهم أن يجتمعا فى المسرح والمبيت والحوض والفحل، والشركة أخص منها. انتهى. ومنها كتابه- ﷺ إلى أهل اليمن، وهو كتاب جليل، فيه من أنواع الفقه فى الزكاة والديات والأحكام، وذكر الكبائر والطلاق والعتاق، وأحكام الصلاة فى الثوب الواحد والاحتباء فيه، ومس المصحف وغير ذلك. واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات، ورواه النسائى وقال: قد روى هذا الحديث يونس عن الزهرى مرسلا، وأبو حاتم فى صحيحه وغيرهما متصلا عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن، وكان فى كتابه: أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وفيه: أن الرجل يقتل بالمرأة، وفيه: فى النفس الدية مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار، وفى الأنف إذا أوعب جدعه الدية مائة من الإبل، وفى الأسنان الدية، وفى الشفتين الدية، وفى البيضتين الدية، وفى الذكر الدية، وفى الصلب الدية، وفى العينين الدية، وفى الرجل الواحدة نصف الدية، وفى المأمومة ثلث الدية، وفى الجائفة ثلث الدية، وفى المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفى كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفى السن خمس من الإبل «١» . وفى رواية مالك: وفى العين خمسون، وفى اليد خمسون، وفى الرجل خمسون، وفى الموضحة خمس من الإبل. ومنها كتابه إلى بنى زهير. وأما مكاتباته- ﵊ إلى الملوك وغيرهم: فروى أنه- ﷺ لما رجع من الحديبية كتب إلى الروم، فقيل له: إنهم لا يقرؤن كتابا إلا أن

стр. 551

يكون مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقش فيه ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، و «الله» سطر، وختم به الكتاب «١» . وإنما كانوا لا يقرؤن الكتاب إلا مختوما خوفا من كشف أسرارهم، وللإشعار بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغى أن تكون مما لا يطلع عليها غيرهم. وعن أنس، إن ختم كتاب السلطان والقضاة سنة متبعة، وقال بعضهم: هو سنة لفعله- ﷺ . فكتب إلى قيصر، المدعو «هرقل» ملك الروم يوم ذاك، ثم قال بعد تمام الكتاب «من ينطلق بكتابى هذا إلى هرقل وله الجنة» فقالوا: وإن لم يصل يا رسول الله؟ قال: «وإن لم يصل» فأخذه دحية بن خليفة الكلبى، وتوجه إلى مكان فيه هرقل. ولفظه: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله- وفى رواية البخارى: عبد الله ورسوله- إلى هرقل عظيم الروم- وفى رواية غير البخارى: إلى قيصر صاحب الروم-: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسين ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «٢» «٣» . رواه البخارى. وكان- ﷺ أرسل هذا الكتاب مع دحية بن خليفة الكلبى إلى هرقل فى آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية، كما قاله الواقدي. ووقع فى

стр. 552

تاريخ خليفة أن إرساله كان سنة خمس، والأول أثبت، بل هذا غلط لتصريح أبى سفيان: بأن ذلك كان فى مدة صلح الحديبية كما فى حديث البخارى، فى المدة التى كان- ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، يعنى مدة صلح الحديبية، وكانت سنة ست اتفاقا. ولم يقل- ﷺ إلى هرقل ملك الروم، لأنه معزول بحكم الإسلام، ولم يخله من الإكرام لمصلحة التأليف. وقوله: يؤتك الله أجرك مرتين، أى لكونه مؤمنا بنبيه ثم آمن بمحمد ﷺ . وقوله: فإن عليك إثم الأريسين: أى فإن عليك مع إثمك إثم الأتباع بسبب أنهم اتبعوك على استمرار الكفر. وقيل: إنه- ﷺ كتب هذه الآية: يعنى يا أَهْلَ الْكِتابِ «١» قبل نزولها، فوافق لفظه لفظها لما نزلت، لأن هذه الآية نزلت فى قصة وفد نجران، وكانت قصتهم سنة الوفود سنة تسع، وقصة أبى سفيان هذه كانت قبل ذلك سنة ست. وقيل: نزلت فى اليهود، وجوز بعضهم نزولها مرتين، وهو بعيد والله أعلم. ولما قرىء كتاب النبى- ﷺ غضب ابن أخى قيصر غضبا شديدا وقال: أرنى الكتاب، فقال له وما تصنع به؟: فقال: إنه بدأ بنفسه، وسماك صاحب الروم، فقال له عمه: إنك لضعيف الرأى، أتريد أن أرمى بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر، أو كلاما هذا معناه، أو قال: أن أرمى بكتاب ولم أعلم ما فيه، لئن كان رسول الله إنه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق: أنا صاحب الروم، والله مالكى، ومالكه، ثم أمر بإنزال دحية وإكرامه إلى أن كان من أمره ما ذكره البخارى فى حديثه. انتهى. وكتب- ﷺ إلى كسرى أبرويز بن هرمز بن أنو شروان ملك فارس.

стр. 553

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. أدعوك بدعاية الله، فإنى رسول الله إلى الناس كلهم، لينذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن توليت فعليك إثم المجوس) . فلما قرىء عليه الكتاب مزقه، فبلغ ذلك رسول الله- ﷺ فقال: «مزق ملكه» «١» . وفى البخارى من حديث ابن عباس أن رسول الله- ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمى، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله- ﷺ أن يمزقوا كل ممزق «٢» . وقيل: بعثه مع عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-، والذى فى البخارى هو الصحيح. وفى كتاب «الأموال» لأبى عبيد من مرسل عمير بن إسحاق قال: كتب رسول الله- ﷺ إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر فلما قرأ الكتاب طواه ثم رفعه، فقال رسول الله- ﷺ : «أما هؤلاء فيمزقون، وأما هؤلاء فسيكون لهم بقية» . وروى أنه لما جاء الجواب كسرى قال: «مزق ملكه» ولما جاء جواب هرقل قال: «ثبت ملكه» . وذكر شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر العسقلانى فى فتح البارى. عن سيف الدين قلج المنصورى، أحد أمراء الدولة القلاوونية، أنه قدم على ملك المغرب بهدية من الملك المنصور قلاوون، فأرسله ملك المغرب إلى ملك

стр. 554

الفرنج فى شفاعة، وأنه قبله وأكرمه، وقال: لأتحفنك بتحفة سنية، فأخرج له صندوقا مصفحا بذهب، فأخرج منه مقلمة من ذهب فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، وقد ألصقت عليه خرقة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم لجدى قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا عن آبائهم إلى قيصر، إنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا. انتهى «١» . وكتب- ﷺ إلى النجاشى «٢» : (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة، أما بعد: فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه، ونفخه كما خلق آدم بيده، وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى وتؤمن بالذى جاءنى، فإنى رسول الله، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله تعالى، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتى، وقد بعثت إليكم ابن عمى جعفرا ومعه نفر من المسلمين، والسلام على من اتبع الهدى) . وبعث الكتاب مع عمرو بن أمية الضمرى، فقال النجاشى له عندما قرأ الكتاب: أشهد بالله أنه النبى الأمى الذى ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار، كبشارة عيسى براكب الجمل، وأن العيان ليس بأشفى من الخبر عنه، ولكن أعوانى من الحبش قليل، فأنظرنى حتى أكثر الأعوان وألين القلوب. ثم كتب النجاشى جواب الكتاب إلى النبى- ﷺ :

стр. 555

(بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله من النجاشى أصحمة، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركات الله الذى لا إله إلا هو الذى هدانى للإسلام أما بعد: فقد بلغنى كتابك يا رسول الله، فما ذكرت من أمر عيسى، فو رب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا، إنه كما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين. وقد بعثت إليك ابنى، وإن شئت أتيتك بنفسى فعلت يا رسول الله، فإنى أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته) . ثم إنه أرسل ابنه فى أثر من أرسله من عنده مع جعفر بن أبى طالب عم رسول الله، فلما كانوا فى وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله- ﷺ وكانوا سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام، فقرأ عليهم رسول الله- ﷺ من القرآن يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى- ﵊، وفيهم أنزل الله: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا «١» . إلى آخر الآية، لأنهم كانوا من أصحاب الصوامع. انتهى. الثفروق: علاقة ما بين النواة والقشر. وهذا هو أصحمة الذى هاجر إليه المسلمون فى رجب سنة خمس من النبوة، وكتب إليه النبى- ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية الضمرى سنة ست من الهجرة، فامن به وأسلم على يد جعفر بن أبى طالب، وتوفى فى رجب سنة تسع من الهجرة ونعاه النبى- ﷺ يوم توفى وصلى عليه بالمدينة. وأما النجاشى الذى ولى بعده، وكتب له النبى- ﷺ يدعوه إلى

стр. 556

الإسلام فكان كافرا، لم يعرف إسلامه ولا اسمه. وقد خلط بعضهم ولم يميز بينهما. وفى صحيح مسلم عن قتادة: أن نبى الله- ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشى وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشى الذى صلى عليه «١» . وكتب- ﷺ إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية واسمه جريح بن مينا «٢» . (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله، إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم القبط، يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «٣» . وبعث به مع حاطب بن أبى بلتعة، فتوجه إليه إلى مصر، فوجده بالإسكندرية، فذهب إليها، فرآه فى مجلس مشرف على البحر، فركب سفينة إليه وحاذى مجلسه وأشار بالكتاب إليه، فلما رآه أمر بإحضاره بين يديه، فلما جىء به إليه، ووقف بين يديه، ونظر إلى الكتاب فضه وقرأه، وقال لحاطب: ما منعه إن كان نبيّا أن يدعو على فيسلط على؟ فقال له حاطب: وما منع عيسى أن يدعو على من خالفه أن يسلط عليه؟ فاستعاد منه الكلام مرتين ثم سكت، فقال له حاطب: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك.

стр. 557

فقال: إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه. فقال حاطب: ندعوك إلى دين الإسلام الكافى به الله فقد ما سواه، إن هذا النبى دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمرى ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد ﷺ ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعاء أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبى أدرك قوما فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبى، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به. فقال المقوقس: إنى قد نظرت فى أمر هذا النبى، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ومل أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى وسأنظر. فأخذ كتاب النبى- ﷺ وجعله فى حق من عاج ودفعه لجارية له، ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبى- ﷺ . بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيّا قد بقى، وكنت أظن أن يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان من القبط عظيم وبكسوة وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام. ولم يزد على هذا، ولم يسلم. وكتب- ﷺ إلى المنذر بن ساوى: ذكر الواقدى «١» بإسناده عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب فى كتب ابن عباس بعد موته، فنسخته فإذا فيه: بعث رسول الله- ﷺ العلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى وكتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام. فكتب المنذر إلى رسول الله- ﷺ : أما بعد، يا رسول الله فإنى قد قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب

стр. 558

الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضى يهود ومجوس، فأحدث إلى فى ذلك أمرك. فكتب إليه رسول الله- ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله. أما بعد، فإنى أذكرك الله ، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلى ويتبع أمرهم فقد أطاعنى، ومن نصح لهم فقد نصح لى، وإن رسلى قد أثنوا عليك خيرا، وإنى قد شفعتك فى قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية. وكتب- ﷺ إلى ملكى عمان، وبعثه مع عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى جيفر- بفتح الجيم وسكون التحتية بعدها فاء- وعبد ابنى الجلندى: السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإنى رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلى تحل بساحتكما، وتظهر نبوتى على ملككما. وكتب أبي بن كعب، وختم الكتاب. قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد- وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا- فقلت إنى رسول الله ﷺ إليك وإلى أخيك. فقال: أخى المقدم على بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى تقرأ كتابك عليه. ثم قال: وما تدعو إليه؟

стр. 559

قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: يا عمرو إنك كنت ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا فيه قدوة. قلت: مات ولم يؤمن بمحمد- ﷺ ، وددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت على مثل رأيه حتى هدانى الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا، فسألنى: أين كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشى، وأخبرته أن النجاشى قد أسلم. قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه واتبعوه. قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة فى رجل أفضح له من كذب. قلت: ما كذبت وما نستحله فى ديننا. ثم قال: فأخبرنى ما الذى يأمر به وينهى عنه. قلت: يأمر بطاعة الله- وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. قال: ما أحسن هذا الذى يدعو إليه، ولو كان أخى يتابعنى لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به، ولكن أخى أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا. قلت: إن أسلم ملكه رسول الله- ﷺ على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقرائهم. قال: إن هذا لخلق حسن. وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله- ﷺ من الصدقات فى الأموال، حتى

стр. 560

انتهيت إلى الإبل، فقال: يا عمرو، يؤخذ من سوائم مواشينا التى ترعى الشجر وترد المياه؟ فقلت: نعم. قال: والله ما أرى قومى فى بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون هذا. قال: فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبرى، ثم إنه دعانى يوما فدخلت عليه فأخذ أعوانه بضبعى فقال: دعوه، فأرسلت، فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعونى لأجلس فنظرت، فقال: تكلم بحاجتك فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففض ختمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره. ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلا أنى رأيت أخاه أرق منه، فقال: ألا تخبرنى عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه إما راغب فى الدين وإما مقهور بالسيف، قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا فى الإسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله أنهم كانوا فى ضلال. فما أعلم أحدا بقى غيرك فى هذه الحرجة، وإن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل، فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال. قال: دعنى يومى هذا وارجع إلى غدا. فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو إنى لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه. حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لى، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أنى لم أصل إليه، فأوصلنى إليه فقال: إنى فكرت فيما دعوتنى إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما فى يدى، وهو لا تبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقى. قلت: وأنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجى، خلا به أخوه فأصبح فأرسل إلى فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدق النبى- ﷺ ، وخليا بينى وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لى عونا على من خالفنى. وكتب- ﷺ إلى صاحب اليمامة هوذة بن على، وأرسل به سليط بن عمرو العامرى:

стр. 561

(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هوذة بن على، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يدك) . فلما قدم عليه سليط بكتاب رسول الله- ﷺ مختوما، أنزله وحباه واقترأ عليه الكتاب، فرد ردّا دون رد وكتب إلى النبى- ﷺ : ما أحسن ما تدعو إليه وأجله، والعرب تهاب مكانى فاجعل إلى بعض الأمر أتبعك. وأجاز سليطا بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر. فقدم بذلك على النبى- ﷺ فأخبره، وقرأ النبى- ﷺ كتابه وقال: لو سألنى سيابة من الأرض ما فعلت. باد، وباد ما فى يديه. فلما انصرف النبى- ﷺ من الفتح جاءه جبريل- ﵇ بأن هوذة مات، فقال- ﷺ : «أما إن اليمامة سيظهر بها كذاب يتنبأ، يقتل بعدى» «١» فكان كذلك. وكتب- ﷺ إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى، وكان بدمشق، بغوطتها. (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله وصدق، فإنى أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك) ، وأرسله مع شجاع بن وهب. قال صاحب «باعث النفوس» : روى عن أبى هند الدارى قال: قدمنا على رسول الله- ﷺ ونحن ستة نفر: تميم بن أوس الدارى، وأخوه نعيم، ويزيد بن قيس، وأبو عبد الله بن عبد الله- وهو صاحب الحديث- وأخوه الطيب بن عبد الله فسماه النبى- ﷺ عبد الرحمن، وفاكه بن النعمان، فأسلمنا وسألنا رسول الله- ﷺ أن يقطعنا أرضا من أرض الشام، فقال:

стр. 562

- ﷺ «سلوا حيث شئتم» قال أبو هند فنهضنا من عنده- ﷺ إلى موضع نتشاور فيه: أين نسأل. فقال تميم: أرى أن نسأله بيت القدس وكورتها، فقال أبو هند: رأيت ملك العجم اليوم، أليس هو بيت المقدس، قال تميم: نعم، فقال أبو هند: فكذلك يكون فيه ملك العرب، وأخاف ألايتم لنا هذا. قال تميم: نسأله بيت جيرون وكورتها، فقال أبو هند: أكبر وأكبر، فقال تميم: فأين ترى أن نسأل؟ قال: أرى أن نسأله القرى التى نصنع فيها حصونا مع ما فيها من آثار إبراهيم- ﵇، فقال تميم: أصبت ووفقت. قال: فنهضنا إلى رسول الله- ﷺ فقال: «يا تميم أتحب أن تخبرنى بما كنتم فيه، أو أخبركم» فقال تميم: بل تخبرنا يا رسول الله فنزداد إيمانا، فقال ﵇: أردت يا تميم أمرا، وأراد أبو هند غيره، ونعم الرأى رأى أبى هند، فدعا رسول الله- ﷺ بقطعة من أدم، وكتب لهما فيها كتابا نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب ذكر فيه ما وهب رسول الله ﷺ للداريين إذا أعطاه الله الأرض، وهب لهم بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم ومن فيهم إلى أبد الأبد) شهد عباس بن عبد المطلب وخزيمة بن قيس، وشرحبيل بن حسنة وكتب. قال: ثم دخل بالكتاب إلى منزله فعالج فى زاوية الرقعة بشىء لا يعرف، وعقد من خارج الرقعة بسير عقدتين، وخرج به إلينا مطويّا وهو يقول: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ «١» . ثم قال: انصرفوا حتى تسمعوا أنى قد هاجرت. قال أبو هند: فانصرفنا، فلما هاجر- ﷺ إلى المدينة قدمنا عليه وسألناه أن يجدد لنا كتابا آخر، فكتب لنا كتابا آخر نسخته. (بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أنطى «٢» محمد رسول الله لتميم

стр. 563

الدارى وأصحابه، إنى أنطيتكم «١» بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم برمتهم وجميع ما فيهم نطية «٢» بت ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم أبد الأبد، فمن آذاهم فيه آذاه الله» شهد أبو بكر بن أبى قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب، ومعاوية بن أبى سفيان وكتب. فلما قبض رسول الله- ﷺ واستخلف أبو بكر- رضى الله عنه- وجند الجنود إلى الشام كتب كتابا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. من أبى بكر الصديق إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد: فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد فى قرى الداريين، وإن كان أهلها قد جلوا عنها وأراد الداريون يزرعونها فليزرعوها بلا خراج وإذا رجع إليها أهلها فهى لهم وأحق بهم والسلام عليك انتهى. نقل من كتاب الأخصا بفضائل المسجد الأقصى. وكتب- ﷺ ليوحنة بن رؤبة صاحب أيلة «٣» لما أتاه بتبوك، وصالح رسول الله- ﷺ وأعطاه الجزية. بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله ومحمد النبى رسول الله ليوحنة بن رؤبة وأهل أيلة أساقفتهم وسائرهم فى البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة النبى ومن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر. هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله- ﷺ . وكتب- ﷺ لأهل جربا وأذرح لما أتوه بتبوك أيضا وأعطوه الجزية: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبى رسول الله لأهل

стр. 564

أذرح وجربا أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد. وإن عليهم مائة دينار فى كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين من المخافة «١» . وعن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده ضميرة أن رسول الله- ﷺ مرّ بأم ضميرة وهى تبكى، فقال «ما يبكيك أجائعة أنت أم عارية أنت؟» فقالت: يا رسول الله فرق بينى وبين ابنى فقال رسول الله- ﷺ : «لا يفرق بين الوالدة وولدها» ثم أرسل إلى الذى عنده ضميرة فدعاه فابتاعه منه ببكر قال ابن أبى ذؤيب ثم أقرأنى كتابا عنده: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لأبى ضميرة وأهل بيته، أن رسول الله أعتقهم وأنهم أهل بيت من العرب، إن أحبوا أقاموا عند رسول الله وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم فلا يعرض لهم إلا بحق، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا «٢» . وكتب أبي بن كعب. وكتب- ﷺ كتابا إلى أهل وج «٣» ، سيأتى فى وفد ثقيف فى الفصل العاشر من هذا المقصد إن شاء الله تعالى. وكذا كتابه- ﷺ إلى مسيلمة الكذاب فى وفد بنى حنيفة. وكتب- ﷺ لأكيدر ولأهل دومة الجندل لما صالحه «٤» : بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر ولأهل دومة، إن لنا الضاحية من الضحل، والبور والمعامى وأغفال الأرض، والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل، والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم، ولا تعدّ فاردتكم، ولا يحصر عليكم النبات،

стр. 565

تقيمون الصلاة لوقتها وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك حق الله والميثاق، ولكم به الصدق والوفاء. شهد الله ومن حضر من المسلمين. والضاحى: البارز الظاهر. والضحل: الماء القليل. البور: الأرض تستخرج. والمعامى: أعفال الأرض. والحصن: دومة الجندل. والضامنة: النخل الذى معهم فى الحصن. والمعين: الظاهر من الماء الدائم. وباع- ﷺ للعداء عبدا وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله، اشترى عبدا أو أمة- شك الراوى- لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم «١» . رواه أبو داود والدار قطنى. والغائلة: الإباق والسرقة والزنا. الخبثة: قال ابن أبى عروبة: بيع غير أهل المسلمين. وكان إسلام العداء بعد فتح خيبر، وهذا يدل على مشروعية الإشهاد فى المعاملات قال الله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ «٢» والأمر هنا ليس للوجوب. فقد باع- ﷺ ولم يشهد، واشترى ورهن درعه عند يهودى ولم يشهد، ولو كان الإشهاد أمرا واجبا لوجب مع الرهن خوف المنازعة والله أعلم. وأما أمراؤه- ﵊ - «٣» : فمنهم: باذان بن ساسان من ولد بهرام، أمره- ﷺ على اليمن، وهو أول أمير فى الإسلام على اليمن، وأول من أسلم من ملوك العجم. وأمر- ﷺ على صنعاء خالد بن سعيد. وولى زياد بن لبيد الأنصارى حضر موت.
следующие страницы →