(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هوذة بن على، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يدك) .
فلما قدم عليه سليط بكتاب رسول الله- ﷺ مختوما، أنزله وحباه واقترأ عليه الكتاب، فرد ردّا دون رد وكتب إلى النبى- ﷺ : ما أحسن ما تدعو إليه وأجله، والعرب تهاب مكانى فاجعل إلى بعض الأمر أتبعك.
وأجاز سليطا بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر.
فقدم بذلك على النبى- ﷺ فأخبره، وقرأ النبى- ﷺ كتابه وقال:
لو سألنى سيابة من الأرض ما فعلت. باد، وباد ما فى يديه.
فلما انصرف النبى- ﷺ من الفتح جاءه جبريل- ﵇ بأن هوذة مات، فقال- ﷺ : «أما إن اليمامة سيظهر بها كذاب يتنبأ، يقتل بعدى» «١» فكان كذلك.
وكتب- ﷺ إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى، وكان بدمشق، بغوطتها.
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله وصدق، فإنى أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك) ، وأرسله مع شجاع بن وهب.
قال صاحب «باعث النفوس» : روى عن أبى هند الدارى قال: قدمنا على رسول الله- ﷺ ونحن ستة نفر: تميم بن أوس الدارى، وأخوه نعيم، ويزيد بن قيس، وأبو عبد الله بن عبد الله- وهو صاحب الحديث- وأخوه الطيب بن عبد الله فسماه النبى- ﷺ عبد الرحمن، وفاكه بن النعمان، فأسلمنا وسألنا رسول الله- ﷺ أن يقطعنا أرضا من أرض الشام، فقال:
стр. 562
- ﷺ «سلوا حيث شئتم» قال أبو هند فنهضنا من عنده- ﷺ إلى موضع نتشاور فيه: أين نسأل.
فقال تميم: أرى أن نسأله بيت القدس وكورتها، فقال أبو هند: رأيت ملك العجم اليوم، أليس هو بيت المقدس، قال تميم: نعم، فقال أبو هند:
فكذلك يكون فيه ملك العرب، وأخاف ألايتم لنا هذا. قال تميم: نسأله بيت جيرون وكورتها، فقال أبو هند: أكبر وأكبر، فقال تميم: فأين ترى أن نسأل؟ قال: أرى أن نسأله القرى التى نصنع فيها حصونا مع ما فيها من آثار إبراهيم- ﵇، فقال تميم: أصبت ووفقت.
قال: فنهضنا إلى رسول الله- ﷺ فقال: «يا تميم أتحب أن تخبرنى بما كنتم فيه، أو أخبركم» فقال تميم: بل تخبرنا يا رسول الله فنزداد إيمانا، فقال ﵇: أردت يا تميم أمرا، وأراد أبو هند غيره، ونعم الرأى رأى أبى هند، فدعا رسول الله- ﷺ بقطعة من أدم، وكتب لهما فيها كتابا نسخته:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب ذكر فيه ما وهب رسول الله ﷺ للداريين إذا أعطاه الله الأرض، وهب لهم بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم ومن فيهم إلى أبد الأبد) شهد عباس بن عبد المطلب وخزيمة بن قيس، وشرحبيل بن حسنة وكتب.
قال: ثم دخل بالكتاب إلى منزله فعالج فى زاوية الرقعة بشىء لا يعرف، وعقد من خارج الرقعة بسير عقدتين، وخرج به إلينا مطويّا وهو يقول: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ «١» . ثم قال: انصرفوا حتى تسمعوا أنى قد هاجرت.
قال أبو هند: فانصرفنا، فلما هاجر- ﷺ إلى المدينة قدمنا عليه وسألناه أن يجدد لنا كتابا آخر، فكتب لنا كتابا آخر نسخته.
(بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أنطى «٢» محمد رسول الله لتميم
стр. 563
الدارى وأصحابه، إنى أنطيتكم «١» بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم برمتهم وجميع ما فيهم نطية «٢» بت ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم أبد الأبد، فمن آذاهم فيه آذاه الله» شهد أبو بكر بن أبى قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب، ومعاوية بن أبى سفيان وكتب.
فلما قبض رسول الله- ﷺ واستخلف أبو بكر- رضى الله عنه- وجند الجنود إلى الشام كتب كتابا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. من أبى بكر الصديق إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد: فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد فى قرى الداريين، وإن كان أهلها قد جلوا عنها وأراد الداريون يزرعونها فليزرعوها بلا خراج وإذا رجع إليها أهلها فهى لهم وأحق بهم والسلام عليك انتهى. نقل من كتاب الأخصا بفضائل المسجد الأقصى.
وكتب- ﷺ ليوحنة بن رؤبة صاحب أيلة «٣» لما أتاه بتبوك، وصالح رسول الله- ﷺ وأعطاه الجزية.
بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله ومحمد النبى رسول الله ليوحنة بن رؤبة وأهل أيلة أساقفتهم وسائرهم فى البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة النبى ومن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر.
هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله- ﷺ .
وكتب- ﷺ لأهل جربا وأذرح لما أتوه بتبوك أيضا وأعطوه الجزية:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبى رسول الله لأهل
стр. 564
أذرح وجربا أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد. وإن عليهم مائة دينار فى كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين من المخافة «١» .
وعن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده ضميرة أن رسول الله- ﷺ مرّ بأم ضميرة وهى تبكى، فقال «ما يبكيك أجائعة أنت أم عارية أنت؟» فقالت: يا رسول الله فرق بينى وبين ابنى فقال رسول الله- ﷺ :
«لا يفرق بين الوالدة وولدها» ثم أرسل إلى الذى عنده ضميرة فدعاه فابتاعه منه ببكر قال ابن أبى ذؤيب ثم أقرأنى كتابا عنده: بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا كتاب من محمد رسول الله لأبى ضميرة وأهل بيته، أن رسول الله أعتقهم وأنهم أهل بيت من العرب، إن أحبوا أقاموا عند رسول الله وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم فلا يعرض لهم إلا بحق، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا «٢» . وكتب أبي بن كعب.
وكتب- ﷺ كتابا إلى أهل وج «٣» ، سيأتى فى وفد ثقيف فى الفصل العاشر من هذا المقصد إن شاء الله تعالى.
وكذا كتابه- ﷺ إلى مسيلمة الكذاب فى وفد بنى حنيفة.
وكتب- ﷺ لأكيدر ولأهل دومة الجندل لما صالحه «٤» :
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر ولأهل دومة، إن لنا الضاحية من الضحل، والبور والمعامى وأغفال الأرض، والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل، والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم، ولا تعدّ فاردتكم، ولا يحصر عليكم النبات،
стр. 565
تقيمون الصلاة لوقتها وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك حق الله والميثاق، ولكم به الصدق والوفاء. شهد الله ومن حضر من المسلمين.
والضاحى: البارز الظاهر. والضحل: الماء القليل. البور: الأرض تستخرج. والمعامى: أعفال الأرض. والحصن: دومة الجندل. والضامنة:
النخل الذى معهم فى الحصن. والمعين: الظاهر من الماء الدائم.
وباع- ﷺ للعداء عبدا وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله، اشترى عبدا أو أمة- شك الراوى- لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم «١» . رواه أبو داود والدار قطنى.
والغائلة: الإباق والسرقة والزنا. الخبثة: قال ابن أبى عروبة: بيع غير أهل المسلمين.
وكان إسلام العداء بعد فتح خيبر، وهذا يدل على مشروعية الإشهاد فى المعاملات قال الله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ «٢» والأمر هنا ليس للوجوب. فقد باع- ﷺ ولم يشهد، واشترى ورهن درعه عند يهودى ولم يشهد، ولو كان الإشهاد أمرا واجبا لوجب مع الرهن خوف المنازعة والله أعلم.
وأما أمراؤه- ﵊ - «٣» :
فمنهم: باذان بن ساسان من ولد بهرام، أمره- ﷺ على اليمن، وهو أول أمير فى الإسلام على اليمن، وأول من أسلم من ملوك العجم.
وأمر- ﷺ على صنعاء خالد بن سعيد. وولى زياد بن لبيد الأنصارى حضر موت.
стр. 566
وولى أبا موسى الأشعرى زبيد وعدن. وولى معاذ بن جبل الجند.
وولى أبا سفيان بن حرب نجران. وولى ابنه يزيد تيماء.
وولى عتّاب- بفتح المهملة وتشديد المثناة الفوقية- ابن أسيد- بفتح الهمزة وكسر السين- مكة، وإقامة الموسم والحج بالمسلمين سنة ثمان. وولى على بن أبى طالب القضاء باليمن. وولى عمرو بن العاص عمان وأعمالها.
وولى أبا بكر الصديق إقامة الحج سنة تسع، وبعث فى أثره عليّا، فقرأ على الناس براءة، فقيل: لأن أولها نزل بعد أن خرج أبو بكر إلى الحج، وقيل أردفه به عونا له ومساعدا، ولهذا قال له الصديق: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور، وأما الرافضة فقالوا: بل عزله، وهذا لا يبعد من بهتهم وافترائهم.
وقد ولى- ﷺ على الصدقات جماعة كثيرة.
وأما رسله- ﷺ -
، فقد روى أنه- ﵇ بعث ستة نفر فى يوم واحد «١» ، فى المحرم سنة سبع. وذكر القاضى عياض فى الشفاء مما عزاه للواقدى: أنه أصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم.
انتهى.
وكان أول رسول بعثه- ﷺ عمرو بن أمية الضمرى، إلى النجاشى ملك الحبشة، وكتب إليه كتابين يدعوه فى أحدهما إلى الإسلام ويتلو عليه القرآن، فأخذه النجاشى ووضعه على عينيه ونزل عن سريره، فجلس على الأرض ثم أسلم وشهد شهادة الحق وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته.
وفى الكتاب الآخر أن يزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان، فزوجه إياها كما تقدم فى ذكر الأزواج، ودعا بحق من عاج فجعل فيه كتابى رسول الله ﷺ وقال: «لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرهم» وصلى عليه النبى- ﷺ وهو بالحبشة كذا قاله الواقدى وغيره.
وليس كذلك، فإن النجاشى الذى صلى عليه رسول الله- ﷺ ليس هو الذى كتب إليه، كما قدمته.
стр. 567
وبعث- ﷺ دحية بن خليفة الكلبى- وهو أحد الستة- إلى قيصر ملك الروم، واسمه هرقل يدعوه إلى الإسلام، فهمّ بالإسلام فلم توافقه الروم فخافهم على ملكه فأمسك.
وبعث عبد الله السهمى إلى كسرى وهو الثالث.
وبعث الرابع وهو حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس فأكرمه، وبعث إلى النبى- ﷺ بجاريتين وكسوة وبغلة ولم يسلم.
وبعث الخامس وهو شجاع بن وهب الأسدى إلى ملك البلقاء الحارث ابن أبى شمر الغسانى.
وبعث السادس وهو سليط بن عمرو العامرى إلى هوذة وإلى ثمامة بن أثال الحنفى فأسلم ثمامة.
وبعث عمر بن العاص فى ذى القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى بعمان فأسلما وصدقا.
وبعث العلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى بن العبدى ملك البحرين قبل منصرفه من الجعرانة- وقيل قبل الفتح- فأسلم وصدق.
وبعث المهاجر بن أبى أمية المخزومى إلى الحارث بن عبد كلال الحميرى باليمن، فقال سأنظر فى أمرى.
وبعث أبا موسى الأشعرى ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك سنة عشر فى ربيع الأول داعيين إلى الإسلام، فأسلم غالب أهلها من غير قتال. ثم بعث على بن أبى طالب بعد ذلك إليهم ووافاه بمكة فى حجة الوداع.
وبعث جرير بن عبد الله البجلى إلى ذى الكلاع وذى عمرو يدعوهم إلى الإسلام، فأسلما وتوفى- ﷺ وجرير عندهم.
وبعث عمرو بن أمية الضمرى إلى مسيلمة الكذاب بكتاب.
وبعث إلى فروة بن عمرو الجذامى- وكان عاملا لقيصر- يدعوه إلى
стр. 568
الإسلام فأسلم، وكتب إلى النبى- ﷺ بإسلامه، وبعث إليه بهدية مع مسعود بن سعد، وهى: بغلة شهباء، يقال لها فضة، وفرس يقال له الظرب، وحمار يقال له يعفور، وبعث إليه أثوابا وقباء سندسيا مذهبا، فقبل هديته ووهب لمسعود بن سعد اثنى عشر أوقية.
وبعث المصدقين لأخذ الصدقات هلال المحرم سنة تسع:
فبعث عيينة بن حصن الفزارى إلى بنى تميم. وبعث بريدة- ويقال كعب ابن مالك- إلى أسلم وغفار. وبعث عباد بن بشر إلى سليم ومزينة. وبعث رافع بن مكيث إلى جهينة. وبعث عمرو بن العاص إلى فزارة. وبعث الضحاك بن سفيان إلى بنى كلاب. وبعث بشر بن سفيان الكعبى- ويقال النحام العدوى- إلى بنى كعب.
وبعث عبد الله بن اللتبية إلى ذبيان. وبعث رجلا من سعد هذيم إلى قومه.
стр. 569
الفصل السابع فى مؤذنيه وخطبائه وحداته وشعرائه
أما مؤذنوه فأربعة
«١» : اثنان بالمدينة:
بلال بن رباح، وأمه حمامة، مولى أبى بكر الصديق، وهو أول من أذن لرسول الله- ﷺ ، ولم يؤذن بعده لأحد من الخلفاء إلا أن عمر لما قدم الشام حين فتحها أذن بلال، فتذكر الناس رسول الله- ﷺ ، قال أسلم مولى عمر- فلم أر باكيا أكثر من يومئذ، وتوفى بلال سنة سبع عشرة، أو ثمانى عشرة، أو عشرين بداريا بباب كيسان، وله بضع وستون سنة، وقيل دفن بحلب، وقيل بدمشق. وعمرو بن أم مكتوم القرشى الأعمى، وهاجر إلى المدينة قبل النبى- ﷺ .
وأذن له- ﵇ بقباء، سعد بن عائد أو ابن عبد الرحمن المعروف بسعد القرظ وبالقرظى، مولى عمار، بقى إلى ولاية الحجاج على الحجاز، وذلك سنة أربع وسبعين.
وبمكة أبو محذورة، واسمه أوس الجمحى المكى، أبوه: معير- بكسر الميم وسكون المهملة وفتح التحتانية- مات بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل تأخر بعد ذلك.
وكان منهم من يرجع الأذان ويثنى الإقامة، وبلال لا يرجع ويفرد الإقامة، فأخذ الشافعى بإقامة بلال، وأهل مكة أخذوا بأذان أبى محذورة وإقامة بلال. وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبى محذورة، وأخذ أحمد وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته، وخالفهم مالك فى موضعين:
إعادة التكبير وتثنية لفظ الإقامة.
стр. 570
وأما شعراؤه- ﷺ الذين يذبون عن الإسلام:
فكعب بن مالك. وعبد الله بن رواحة الخزرجى الأنصارى. وحسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن حرام الأنصارى، دعا له- ﷺ فقال: «اللهم أيده بروح القدس» «١» .
فيقال: أعانه جبريل بسبعين بيتا، وفى الحديث «إن جبريل مع حسان ما نافح عنى» «٢» .
وهو بالحاء المهملة أى دافع، والمراد هجاء المشركين ومجاوبتهم على أشعارهم.
وعاش مائة وعشرين سنة، ستين فى الجاهلية وستين فى الإسلام، وكذا عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وجد أبيه حرام، كل واحد منهم عاش مائة وعشرين سنة، وتوفى حسان سنة أربع وخمسين.
ولما جاءه- ﷺ بنو تميم، وشاعرهم الأقرع بن حابس، فنادوه يا محمد اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا زين وذمنا شين. فلم يزد ﷺ على أن قال: «ذاك الله إذا مدح زان وإذا ذم شان، إنى لم أبعث بالشعر، ولم أومر بالفخر، ولكن هاتوا» فأمر- ﵇ ثابت بن قيس أن يجيب خطيبهم فخطب فغلبهم. فقام الأقرع بن حابس شاعرهم فقال:
أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وأنا رؤس الناس على فى كل معشر ... وإن ليس فى أرض الحجاز كدارم
فأمر- ﷺ حسانا يجيبهم فقام فقال:
стр. 571
بنى دارم لا تفخروا إن فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول ما بين قن وخادم
وكان أول من أسلم شاعرهم.
وكان أشد شعرائه- ﷺ على الكفار حسان وكعب. ولما رجع ﷺ من تبوك وفد عليه وفد همدان، وعليهم مقطعات الحبرات- الخز- والعمائم العدنية، جعل ملك بن النمط يرتجز بين يديه- ﷺ .
وكان خطيبه- ﷺ ثابت بن قيس بن شماس- بمعجمة وميم مشددة وآخره مهملة- وهو خزرجى، شهد له النبى- ﷺ بالجنة، وكان خطيبه وخطيب الأنصار، واستشهد يوم اليمامة سنة اثنتى عشرة.
وكان يحدو بين يديه- ﷺ فى السفر عبد الله بن رواحة، وفى رواية الترمذى فى الشمائل عن أنس أنه- ﷺ دخل مكة فى عمرة القضية وابن رواحة يمشى بين يديه ويقول:
خلوا بنى الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله «١»
وقد تقدم مزيد لهذا فى عمرة القضية والله أعلم.
وعامر بن الأكوع- بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الواو وبالعين المهملة- وهو عم سلمة بن الأكوع، استشهد يوم خيبر، ومرت قصته فى غزوتها.
وأنشجة، العبد الأسود- وهو بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم وبالشين المعجمة- وكان حسن الحداء. قال أنس: كان البراء بن مالك يحدو بالرجال وأنجشة يحدو بالنساء. وقد كان يحدو وينشد القريض والرجز. فقال
стр. 572
له- ﷺ كما فى رواية البراء بن مالك-: «عبد رويدك رفقا بالقوارير» «١» أى النساء.
فشبههن بالقوارير من الزجاج، لأنه يسرع إليها الكسر، فلم يأمن ﷺ أن يصيبهن أو يقع فى قلوبهن حداؤه فأمره بالكف عن ذلك. وفى المثل: الغناء رقية الزنا. وقيل أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت فى المشى واشتدت فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة.
стр. 573
الفصل الثامن فى آلات حروبه ﷺ كدروعه وأقواسه ومنطقته وأتراسه «١»
أما أسيافه- ﷺ -
فكان له تسعة أسياف:
مأثور، وهو أول سيف ملكه- ﷺ وهو الذى يقال إنه قدم به إلى المدينة فى الهجرة.
والعضب، أرسله إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر.
وذو الفقار، لأنه كان فى وسطه مثل فقرات الظهر، ويجوز فى «فائه» الفتح والكسر، وصار إليه يوم بدر، وكان للعاصى بن منبه، وكان هذا السيف لا يفارقه- ﷺ يكون معه فى كل حرب يشهدها، وكانت قائمته وقبيعة وحلقته وذؤابته وبكراته ونعله من فضة.
والقلعى، بضم الفاء وفتح اللام، وهو الذى أصابه من قلع، موضع بالبادية.
والبتار، أى القاطع.
والحتف، وهو الموت.
والمخدم، وهو القاطع.
والرسوب، أى يمضى فى الضريبة ويغيب فيها، وهو فعول من رسب يرسب إذا ذهب إلى أسفل وإذا ثبت.
أصابهما من الفلس- بضم الفاء وإسكان اللام- صنم كان لطىء.
والقضيب.
стр. 574
وأما أدراعه فسبعة:
ذات الفضول، بالضاد المعجمة، لطولها، أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وكانت من حديد، وهى التى رهنها عند أبى الشحم اليهودى على شعير، وكان ثلاثين صاعا، وكان الدين إلى سنة «١» .
وذات الوشاح.
وذات الحواشى.
والسعدية، ويقال بالغين المعجمة، وهى درع عكبر القينقاعى، قيل وهى درع داود- ﵇ التى لبسها حين قتل جالوت.
وفضة وكان قد أصابهما من بنى قينقاع.
والبتراء، لقصرها.
والخرنق، باسم ولد الأرنب. كان عليه- ﷺ يوم أحد درعان، ذات الفصول وفضة. وكان عليه- ﷺ يوم حنين درعان: ذات الفضول والسعدية.
وأما أقواسه- ﷺ فكانت ستة:
الزوراء، وثلاث من سلاح بنى قينقاع، قوس تدعى الروحاء، وقوس تدعى الصفراء، وشوحط، والكتوم وكسرت يوم أحد فأخذها قتادة، والسداد.
وكانت له جعبة تدعى الكافور، وكانت له منطقة من أديم فيها ثلاث حلق فضة، والإبزيم من فضة، والطرف من فضة.
وأما أتراسه
، فكان له- ﷺ ترس اسمه: الزلوق، يزلق عنه السلاح، وترس يقال له الفتق، وترس أهدى إليه، فيه صورة تمثال عقاب أو كبش، فوضع يده عليه فأذهب الله ذلك التمثال «٢» .
стр. 575
وأما أرماحه- ﷺ -
، فالمثوى: قال ابن الأثير سمى به لأنه يثبت المطعون به، من الثوى وهو الإقامة. انتهى. والمثنى، ورمحان آخران.
وكانت له- ﷺ حربة كبيرة اسمها البيضاء، وكانت له- ﵇ حربة أخرى صغيرة دون الرمح شبه العكاز، يقال لها العنزة، وكانت تركز أمامه ويصلى إليها. وكان له- ﷺ مغفر من حديد يسمى السبوغ، أو ذا السبوغ، وآخر يسمى الموشح.
تكميل:
وكان له- ﷺ فسطاط يسمى الكن. وكان له محجن قدر ذراع أو أكثر يمشى ويركب به ويعلقه بين يديه على بعيره. وكانت له مخصرة تسمى العرجون، وقضيب من الشوحط يسمى الممشوق. وكان له قدح يسمى الريان، وآخر يسمى مغيثا، وآخر مضبب بسلسلة من فضة فى ثلاثة مواضع، وآخر من عيدان، وآخر من زجاج. وتور من حجارة يسمى المخضب، وركوة تسمى الصادرة، ومخضب من نحاس، ومغتسل من صفر، ومدهن وربعة اسكندرانية يجعل فيها المرآة، ومشط من عاج- وهو الذبل- والمكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثا فى كل عين، وكان له فى الربعة أيضا المقراض والسواك.
وهذه الربعة أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية مع مارية أم إبراهيم ﵇.
وكانت له قصعة تسمى الغراء، بأربع حلق، وصاع، ومد. وقطيفة وسرير قوائمة من ساج، وفراش من أدم حشوه ليف. وخاتم من حديد، ملوى بفضة، وخاتم فضة، فصه منه، يجعله فى يمينه، وقيل: كان أولا فى يمينه ثم حوله إلى يساره، منقوش عليه: محمد رسول الله. وأهدى له النجاشى خفين ساذجين فلبسهما.
وكان له ثلاث جباب يلبسهن فى الحرب، جبة سندس أخضر، وجبة طيالسة. وعمامة يقال لها السحاب، وأخرى سوداء، ورداء، - صلوات الله وسلامه عليه-.
стр. 576
الفصل التاسع فى ذكر خيله ﷺ ولقاحه ودوابه «١»
أما خيله- ﷺ -:
فالسكب، يقال: فرس سكب أى: كثير الجرى كأنما يصب جريه صبّا، وأصله من سكب الماء يسكب، وهو أول فرس ملكه، اشتراه- ﵇ بعشر أواق، وكان أغر محجلا طلق اليمين، كميتا، وقال ابن الأثير: كان أدهم.
والمرتجز- بضم الميم وسكون الراء وفتح التاء وكسر الجيم بعدها زاى- سمى به لحسن صهيله، مأخوذ من الرجز الذى هو ضرب من الشعر، وكان أبيض، وهو الذى شهد له فيه خزيمة بن ثابت، فجعل شهادته بشهادة رجلين «٢» .
والظرب- بالظاء المعجمة- واحد الظراب، سمى به لكبره وسمنه، وقيل لقوته وصلابة حافره، أهداها له فروة بن عمرو الجذامى.
واللحيف- بالمهملة- أهداها له ربيعة بن البراء، سمى به لسمنه وكبره، كأنه يلحف الأرض أى يغطيها بذنبه لطوله، فعيل بمعنى فاعل، يقال لحفت الرجل باللحاف.
طرحته عليه، ويروى بالجيم وبالخاء المعجمة، رواه البخارى ولم يتحققه، والمعروف بالحاء المهملة، قاله فى النهاية.
واللزاز، سمى به لشدة تلززه، أو لاجتماع خلقه. ولزبه الشىء أى لزق به، كأنه يلتزق بالمطلوب لسرعته، وهذه أهداها له المقوقس.
стр. 577
والورد، قال ابن سعد: أهداها له تميم الدارى، فأعطاه عمر فحمل عليه فى سبيل الله، ثم وجده يباع برخص فقال: «لا تشتره» .
وسبحة، بالموحدة، من قولهم: فرس سابح إذا كان حسن مد اليدين فى الجرى. قال ابن بنين: هى فرس شقراء اشتراها من أعرابى من جهينة بعشر من الإبل.
فهذه سبعة متفق عليها:
وذكر ابن بنين فيما حكاه الحافظ الدمياطى: البحر، فى خيله- ﷺ ، قال: وكان اشتراه من تجار قدموا من اليمن، فسبق عليه مرات، فجثا- ﷺ على ركبتيه ومسح وجهه وقال «ما أنت إلا بحر» فسمى بحرا. قال ابن الأثير: وكان كميتا وكان سرجه دفتان من ليف.
والسجل، بكسر السين وسكون الجيم، ذكره على بن محمد بن الحسين ابن عبدوس الكوفى، ولعله مأخوذ من قولك سجلت الماء فانسجل، أى صببته فانصب.
وذو اللمة- بكسر اللام وتشديد الميم- ذكره ابن حبيب.
وذو العقال بضم العين المهملة وتشديد القاف، وحكى بعضهم تخفيفها.
والسرحان- بكسر المهملة وسكون الراء- ذكره ابن خالويه.
والطرف- بكسر الطاء المهملة وسكون الراء بعدها فاء- ذكره ابن قتيبة فى المعارف، وذكر فى رواية أنه الذى اشتراه من الأعرابى وشهد له به خزيمة ابن ثابت.
والمرتجل- بكسر الجيم- ذكره ابن خالويه، من قولهم ارتجل الفرس ارتجالا، إذا خلط العنق بشىء من الهملجة.
والمرواح- بكسر الميم- من أبنية المبالغة- كالمطعام- مشتق من الريح، أو من الرواح لتوسعه فى الجرى، أهداها له قوم من مذحج، ذكره ابن سعد.
стр. 578
وملاوح، - بضم الميم وكسر الواو- ذكره ابن خالويه.
والمندوب، ذكره بعضهم فى خيله- ﷺ .
والنجيب، ذكره ابن قتيبة، وأن فى رواية: أنه الذى اشتراه من الأعرابى وشهد له به خزيمة.
واليعبوب واليعسوب ذكرهما قاسم بن ثابت فى كتاب الدلائل، وكان سرجه دفتان من ليف.
وكان له- ﷺ من البغال:
دلدل: بدالين مهملتين، وكانت شبهاء أهداها له المقوقس.
وفضه: أهداها له فروة بن عمرو الجذامى.
وأخرى: أهداها له ابن العلماء، صاحب أيلة. وأخرى من دومة الجندل، وأخرى من عند النجاشى.
قيل: وأهدى له كسرى بغلة أخرى، وفى ذلك نظر، لأن كسرى مزق كتابه- ﷺ .
وكان له- ﷺ من الحمير: عفير، أهداه له المقوقس، ويعفور، أهداه له فروة بن عمرو، ويقال: هما واحد، وذكر أن سعد بن عبادة أعطى للنبى ﷺ حمارا فركبه.
وكان له- ﷺ من اللقاح: القصواء وهى التى هاجر عليها، والعضباء والجدعاء ولم يكن بهما عضب ولا جدع، وإنما سميتا بذلك، وقيل كان بأذنها عضب، وقيل: العضباء والجدعاء- واحدة، والعضباء هى التى كانت لا تسبق فجاء أعرابى على قعود له فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال ﷺ : «إن حقّا على الله ألايرفع من الدنيا شيئا إلا وضعه» «١» .
стр. 579
وغنم- ﷺ يوم بدر جملا لأبى جهل فى أنفه برة من فضة، فأهداه يوم الحديبية ليغيظ بذلك المشركين. وكانت له خمسة وأربعون لقحة أرسل بها إليه سعد بن عبادة: منها: أطلال، وأطراف، وبردة، وبركة، والبغوم، والحناء، ورمزه، والرياء، والسعدية، وسقيا، والسمراء، والشقراء، وعجرة، والعريس، وغوثة، وقيل: غيثة، وقمر، ومروة، ومهرة، وورشة، والعسيرة.
وكانت له مائة شاة، وكانت له ستة أعنز منائح ترعاهن أم أيمن.
стр. 580
الفصل العاشر فى ذكر من وفد عليه ﷺ وزاده فضلا وشرفا لديه «١»
قال النووى: الوفد، الجماعة المختارة للتقدم فى لقاء العظماء، واحدهم: وافد، انتهى.
وقد كان ابتداء الوفود عليه بعد رجوعه- ﷺ من الجعرانة فى آخر سنة ثمان وما بعدها، وقال ابن إسحاق: بعد غزوة تبوك، وقال ابن هشام:
كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود.
وقد سرد محمد بن سعد فى الطبقات الوفود، وتبعه الدمياطى فى السيرة له، وابن سيد الناس، ومغلطاى، والحافظ زين الدين العراقى.
ومجموع ما ذكروه يزيد على الستين.
فقدم عليه- ﷺ وفد هوازن «٢» ، كما ذكره البخارى وغيره، وذكر موسى بن عقبة فى المغازى: أن رسول الله لما انصرف من الطائف فى شوال إلى الجعرانة وفيها السبى- يعنى سبى هوازن- قدمت عليه وفود هوازن مسلمين، فيهم تسعة نفر من أشرافهم فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه فقالوا: يا رسول الله، إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، فقال:
«سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم، فأى الأمرين أحب إليكم، السبى أم المال» قالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا، ولا نتكلم فى شاة ولا بعير، فقال: «أما الذى لبنى هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين فكلموهم وأظهروا إسلامكم» .
стр. 581
فلما صلى رسول الله- ﷺ الهاجرة قاموا، فتكلم خطباؤهم فأبلغوا ورغبوا إلى المسلمين فى رد سبيهم، ثم قام رسول الله- ﷺ حين فرغ، فشفع لهم وحض المسلمين عليه، وقال: «قد رددت الذى لبنى هاشم عليهم» «١» ، وفى رواية ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
وأدركه وفد هوازن بالجعرانة، وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك. فامنن علينا منّ الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله، إن اللواتى فى الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، وأنت خير مكفول ثم أنشد:
امنن علينا رسول الله فى كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر
الأبيات المشهورة الآتية- إن شاء الله تعالى-.
وروينا فى المعجم الصغير للطبرانى من ثلاثياته، عن زهير بن صرد الجشمى يقول: لما أسرنا رسول الله- ﷺ يوم حنين- يوم هوازن- وذهب يفرق السبى والشاء أتيته فأنشأت أقول هذا الشعر:
امنن علينا رسول الله فى كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر
امنن على بيضة قد عاقها قدر ... مشتت شملها فى دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين تختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك تملؤه من مخضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتى وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر
إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر
يا خير من مرحمت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر
стр. 582
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هادى البرية إذ تعفو وتنتصر
فاعفو عفا الله عما أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
قال: فلما سمع النبى- ﷺ هذا الشعر قال: «ما كان لى ولعبد المطلب فهو لكم» وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله «١» .
ومن بين الطبرانى وزهير لا يعرف، لكن يقوى حديثه بالمتابعة المذكورة، فهو حديث حسن، وقد وهم من زعم أنه منقطع. وقد زاد الطبرانى على ما أورده ابن إسحاق خمسة أبيات.
وذكر الواقدى: أن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتا، فيهم أبو برقان السعدى، فقال: يا رسول الله، إن هذه لأمهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك فامنن علينا منّ الله عليك، فقال: «قد استأنيت «٢» بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبى» «٣» .
وقدم عليه- ﷺ وفد ثقيف، بعد قدومه- ﷺ من تبوك، وكان من أمرهم أنه- ﷺ لما انصرف من الطائف قيل له: يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال: «اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» «٤» .
ولما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فلما أشرف على علية له، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله.
ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرا، ثم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة
стр. 583
لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله- ﷺ .
فبعثوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومعه اثنان من الأحلاف: الحكم ابن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك، وشرحبيل بن غيلان، وثلاثة من بنى مالك: عثمان بن أبى العاص، وأوس بن عوف، ونمير بن خرشة، فلما قدموا على رسول الله- ﷺ ضرب لهم قبة فى ناحية المسجد، وكان خالد ابن سعيد بن العاصى هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله- ﷺ حتى أسلموا واكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذى كتبه، وكان فيما سألوا رسول الله- ﷺ أن يدع لهم الطاغية- وهى اللات- لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم- ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها.
وكانوا سألوه مع ذلك أن يعفيهم من الصلاة، وألايكسروا أوثانهم إلا بأيديهم، فقال- ﷺ : «كسروا أوثانكم بأيديكم وأما الصلاة فلا خير فى دين لا صلاة فيه» «١» فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب أمّر عليهم عثمان بن أبى العاص وكان من أحدثهم سنّا، لكنه كان من أحرصهم على التفقه فى الإسلام وتعلم القرآن.
فرجعوا إلى بلادهم ومعهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية، فلما دخل المغيرة عليها علاها يضربها بالمعول، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها، وأخذ المغيرة بعد أن كسرها مالها وحلبها.
وكان كتاب رسول الله- ﷺ الذى كتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين: إن عضاه وج وصيده حرام لا يعضد، ومن وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد، وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ النبى محمدا، وإن هذا أمر النبى محمد رسول الله، وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله.
стр. 584
و «وج» : واد بالطائف. واختلف فيه: هل هو حرم يحرم صيده وقطع شجره؟
فالجمهور: أنه ليس فى البقاع حرم إلا حرم مكة والمدينة. وخالفهم أبو حنيفة فى حرم المدينة.
وقال الشافعى- فى أحد قوليه- وج حرم، يحرم صيده وشجره، واحتج لهذا القول بحديثين: أحدهما: ما تقدم، والثانى: حديث عروة بن الزبير عن أبيه أن النبى- ﷺ قال: «إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله» «١» رواه الإمام أحمد وأبو داود. لكن فى سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه.
وفى مغازى المعتمر بن سليمان التيمى عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفى عن عمه عمرو بن أوس عن عثمان بن أبى العاص، قال: استعملنى رسول الله- ﷺ وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أنى كنت قرأت سورة البقرة، فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلت منى، فوضع يده على صدرى وقال: «يا شيطان اخرج من صدر عثمان» «٢» ، فما نسيت شيئا بعده أريد حفظه.
وفى صحيح مسلم، عن عثمان بن أبى العاص، قلت: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بينى وبين صلاتى وقراءتى، فقال: «ذلك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا» قال: ففعلت فأذهبه الله عنى «٣» .
وقدم وفد بنى عامر «٤» عليه- ﷺ ، قال ابن إسحاق: لما فرغ- ﷺ
стр. 585
من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، فدخلوا فى دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه.
فوفد إليه- ﷺ بنو عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس وخالد بن جعفر، وحيان بن أسلم بن مالك، وكان هذا النفر رؤساء القوم وشياطينهم، فقدم- عدو الله- عامر بن الطفيل على رسول الله- ﷺ وهو يريد أن يغدر به، فقال لأربد إذا قدمنا على الرجل فإنى شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فأعله بالسيف فكلم عامر رسول الله- ﷺ وقال: والله لأملأنها عليك خيلا ورجلا، فلما ولى قال- ﷺ : «اللهم اكفنى عامر بن الطفيل» «١» .
فلما خرجوا، قال عامر لأربد: ويحك، أينما كنت أمرتك به؟ فقال:
والله ما هممت بالذى أمرتنى به إلا دخلت بينى وبينه، أفأضربك بالسيف؟
ولما كانوا ببعض الطريق بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون فى عنقه فقتله الله.
وفى صحيح البخارى: أن عامرا أتى النبى- ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال، يكون لك أهل السهل، ولى أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. فطعن فى بيت امرأة فقال: أغدة كغدة البكر فى بيت امرأة من بنى فلان. ائتونى بفرسى فركب فمات على ظهر فرسه «٢» .
وقدم وفد عبد القيس «٣» عليه، زاده الله فضلا وشرفا لديه وهى قبيلة كبيرة يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى- بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى- ابن دعمى- بضم الدال وسكون العين المهملتين وكسر الميم بعدها تحتانية-.
стр. 586
وفى الصحيحين من حديث ابن عباس: (قدم وفد عبد القيس على رسول الله- ﷺ فقال: «ممن القوم» قالوا: من ربيعة، قال: «مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى» فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا فى شهر حرام، فمرنا بأمرنا فصل، نأخذ به ونأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة. قال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان؟ شهادة ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم» ) «١» .
قال ابن القيم: ففى هذه القصة أن الإيمان بالله مجموع هذه الخصال من القول والعمل، كما علي ذلك أصحاب رسول الله- ﷺ والتابعون وتابعوهم كلهم، ذكر ذلك الشافعى فى المبسوط، وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة، ولم يعد الحج من هذه الخصال، وكان قدومهم فى سنة تسع، وهذا أحد ما يحتج به على أن الحج لم يكن فرض بعد، وأنه إنما فرض فى العاشرة، ولو كان فرض لعده من الإيمان كما عد الصوم والزكاة.
انتهى.
وقد كان لعبد القيس وفدتان:
إحداهما: قبل الفتح، ولهذا قالوا له- ﷺ : حال بيننا وبينك كفار مضر، وكان ذلك قديما، إما سنة خمس أو قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلا، وقيل كانوا أربعة عشر راكبا، وفيها سألوه عن الإيمان، وعن الأشربة، وكان فيهم الأشج، وكان كبيرهم، وقال له ﷺ : «إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة» «٢» . رواه مسلم من حديث أبى سعيد.
стр. 587
وأخرج البيهقى: بينما النبى- ﷺ يحدث أصحابه قال: «سيطلع عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق» فقام عمر نحوهم، فلقى ثلاثة عشر راكبا، فبشرهم بقوله- ﷺ ثم مشى معهم حتى أتى النبى- ﷺ ، فرموا بأنفسهم عن ركائبهم، فأخذوا يده فقبلوها «١» الحديث وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد. فيمكن أن يكون أحد المذكورين غير راكب أو مرتدفا.
وثانيهما: كانت فى سنة الوفود وكان عددهم حينئذ أربعين رجلا، كما فى حديث أبى خيرة الصباحى عند ابن منده.
ويؤيد التعدد: ما أخرجه من وجه آخر أنه- ﷺ قال لهم: «ما لى أرى ألوانكم تغيرت» «٢» ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير، وفى قولهم:
يا رسول الله، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا فى قولهم كفار مضر، وقولهم: الله ورسوله أعلم.
ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضا، ما فى البخارى: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة فى مسجد رسول الله- ﷺ فى مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين وهى قرية لهم «٣» ، وإنما جمّعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، وقال فى فتح البارى: فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام.
وما جزم به ابن القيم من أن السبب فى كونه لم يذكر الحج فى الحديث، لأنه لم يكن فرض، هو المعتمد. وقدمت الدليل على قدم إسلامهم، لكن جزمه تبعا للواقدى بأن قدومهم كان فى سنة تسع قبل فتح مكة ليس بجيد، لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، لكنه اختار كغيره- أن فرض الحج فى السنة العاشرة، حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور شىء.
وقد احتج الشافعى لكونه على التراخى بأن فرض الحج كان بعد
стр. 588
الهجرة، وأنه- ﷺ كان قادرا على الحج فى سنة ثمان، وفى سنة تسع، ولم يحج إلا فى سنة عشر، وسيأتى فى حجه- ﷺ من مقصد عباداته مزيد لذلك إن شاء الله تعالى.
فإن قلت كيف قال- ﷺ آمركم بأربع، والمذكورات خمس؟ قلت أجاب القاضى [عياض] «١» تبعا لابن بطال: بأن الأربع، ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد، لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: ولذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض.
وقال غيره: وقوله «وأن تعطوا» معطوف على قوله «بأربع» أى: آمركم بأربع وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والإتيان: بأن والفعل، مع توجيه الخطاب إليهم.
وقال القاضى أبو بكر بن العربى: يحتمل أن يقال: إنه- ﷺ عد الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها فى كتاب الله، وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم يعد الخمس لأنه داخل فى عموم إيتاء الزكاة والجامع بينهما: أنه إخراج مال معين.
وقال البيضاوى: الظاهر أن الأمور الخمسة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الآخرى حذفها الراوى اختصارا أو نسيانا.
وتعقب بأنه وقع فى صحيح البخارى أيضا فى رواية: «آمركم بأربع:
شهادة ألاإله إلا الله، وعقد واحدة» فدل على أن الشهادة إحدى الأربع.
وقال القرطبى: قيل إن أول الأربع المأمور بها: إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركا، وإلى هذا نحا الطيبى، فقال عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبا لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض فى
стр. 589
الإيراد ذكر الشهادتين لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتى الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر فى صدر الإسلام.
قال: ولهذا لم يعد الشهادتين فى الأوامر «١» ، انتهى ملخصا من فتح البارى.
وقدم عليه- ﷺ وفد بنى حنيفة «٢» ، فيهم مسيلمة الكذاب، فكان منزلهم فى دار امرأة من الأنصار، من بنى النجار، فأتوا بمسيلمة إلى رسول الله- ﷺ وهم يسترونه بالثياب، ورسول الله- ﷺ جالس مع أصحابه، فى يده عسيب من سعف النخل، فلما انتهى إلى رسول الله- ﷺ - وهم يسترونه بالثياب- كلمه وسأله، فقال له رسول الله- ﷺ : «لو سألتنى هذا العسيب الذى فى يدى ما أعطيتك» «٣» .
وذكر حديثه ابن إسحاق على غير ذلك فقال: حدثنى شيخ من أهل اليمامة من بنى حنيفة: أن وفد بنى حنيفة أتوا رسول الله- ﷺ وخلفوا مسيلمة فى رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا فى رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله ﷺ بما أمر به للقوم، وقال لهم «إنه ليس بشركم مكانا» يعنى لحفظه صنيعة أصحابه، ثم انصرفوا، فلما قدموا اليمامة ارتد- عدو الله- وتنبأ وقال: إنى أشركت فى الأمر معه، ثم جعل يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى.
وسجع اللعين على سورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «٤» فقال: إنا أعطيناك
стр. 590
الجواهر، فصل لربك وهاجر، إن مبغضك رجل فاجر. وفى رواية: إنا أعطيناك الجماهر فخذ لنفسك وبادر، واحذر أن تحرص أو تكاثر، وفى رواية:
إنا أعطيناك الكواثر فصل لربك وبادر فى الليالى الغوادر.
ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتى فى أوائل مقصد معجزاته- ﷺ من تسجيع مسيلمة الركيك مزيد لذلك على ما ذكرته هنا- إن شاء الله تعالى-.
وقيل: إنه أدخل البيضة فى القارورة وادعى أنها معجزة له، فافتضح بنحو ما ذكر:
أن النوشادر إذا ضرب فى خل الخمر ضربا جيدا، وجعلت فى بيضة بنت يومها يوما وليلة فإنها تمتد كالخيط، فتجعل فى القارورة ويصب عليها الماء البارد فإنها تجمد.
ولما سمع اللعين أن النبى- ﷺ مسح رأس صبى كان ألمّ به داء فشفى ومج فى بئر فكثر ماؤها، وتفل فى عين على- وكان أرمد- فبرىء.
فتفل اللعين فى بئر فغار ماؤها، وفى عين بصير فعمى، ومسح بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درها. ويبس ضرعها، ولله در الشقراطيسى حيث يقول يخاطب النبى- ﷺ :
أعجزت بالوحى أرباب البلاغة فى ... عصر البيان فضلّت أوجه الحيل
سألتهم سورة فى مثل حكمته ... فتلّهم عنه حين العجز حين تلى
فرام رجس كذوب أن يعارضه ... بعى غى فلم يحسن ولم يطل
مثبج بركيك الإفك ملتبس ... ملجلج بزرى الزور والخطل
يمج أول حرف سمع سامعه ... ويعتريه كلال العجز والملل
كأنه منطق الورهاء شذّ به ... لبس من الخبل أو مس من الخبل
أمرت البئر واغورت لمجته ... فيها وأعمى بصير العين بالتفل
وأيبس الضرع منه شؤم راحته ... من بعد إرسال رسل منه منهمل
стр. 591
فشبه هذا الكلام الذى عارض به مسيلمة، بكلام امرأة ورهاء، وهى الحمقاء التى تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهى تهذى بكلام مشذب- أى مختلط- لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بعضا ككلام من به خبل بسكون الموحدة- أى فساد، أو مس من الخبل- بفتحها- أي جنون.
ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله- ﷺ أنه نبى.
وقد كان كتب لرسول الله- ﷺ : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإنى قد أشركت معك فى الأمر، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر.
فقدم على رسول الله- ﷺ رسوله بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله- ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
وفى الصحيحين من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على رسول الله- ﷺ فجعل يقول: إن جعل لى محمد الأمر من بعده اتبعته، وقدمها فى بشر كثير من قومه، فأقبل النبى- ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفى يد النبى- ﷺ قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة فى أصحابه، فقال: «لو سألتنى هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإنى لأراك الذى أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عنى» ثم انصرف «١» .
قال ابن عباس: فسألت عن قول النبى- ﷺ : «إنك الذى أريت فيه ما رأيت» فأخبرنى أبو هريرة أن النبى- ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيت فى يدى سوارين من ذهب فأهمنى شأنهما فأوحى الله إلى فى المنام أن أنفخهما،
стр. 592
فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدى، فهذان هما: أحدهما العنسى صاحب صنعاء والآخر مسيلمة» «١» .
فإن قلت: كيف يلتئم خبر ابن إسحاق مع الحديث الصحيح أن النبى ﷺ اجتمع به وخاطبه، وصرح بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة من الجريدة ما أعطاه.
فالجواب: إن المصير إلى ما فى الصحيح أولى.
ويحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين، الأولى كان تابعا وكان رئيس بنى حنيفة غيره، ولهذا أقام فى حفظ رحالهم، ومرة متبوعا، وفيها خاطبه النبى ﷺ .
أو القصة واحدة، وكانت إقامته فى رحالهم باختياره أنفة منه واستكبارا أن يحضر مجلس النبى- ﷺ ، وعامله- ﷺ معاملة الكرم على عادته فى الاستئلاف فقال لقومه: «إنه ليس بشركم» أى مكانا، لكونه يحفظ رحالهم، وأراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يفد فى مسيلمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر إليه بالإنذار. والعلم عند الله تعالى.
وقدم عليه- ﷺ وفد طىء «٢» وفيهم زيد الخيل وهو سيدهم، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال- ﷺ : «ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءنى إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه» ثم سماه زيد الخير. فخرج راجعا إلى قومه، فلما انتهى إلي ماء من مياه نجد أصابته الحمى بها فمات «٣» .
قال ابن عبد البر: وقيل مات فى آخر خلافة عمر. وله ابنان: مكنف
стр. 593
وحريث، أسلما وصحبا رسول الله- ﷺ ، وشهد قتال أهل الردة مع خالد.
وقدم عليه- ﷺ وفد كنده «١» فى ثمانين أو ستين راكبا من كنده، فدخلوا عليه مسجده، قد رجّلوا جممهم وتسلحوا، ولبسوا جباب الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا قال- ﷺ : «أو لم تسلموا» قالوا: بلى، قال:
«فما هذا الحرير فى أعناقكم فشقوه فنزعوه وألقوه» «٢» .
وقدم عليه- زاده الله شرفا لديه- الأشعريون وأهل اليمن.
قيل هو من عطف الخاص على العام، وقال الحافظ أبو الفضل شيخ الإسلام ابن حجر: المراد بهم بعض أهل اليمن، وهم وفد حمير. قال:
ووجدت فى كتاب الصحابة لابن شاهين من طريق إياس بن عمرو الحميرى:
أنه قدم وافدا على رسول الله- ﷺ فى نفر من حمير فقالوا: أتيناك لنتفقه فى الدين الحديث.
والحاصل: أن الترجمة تشتمل على طائفتين، وليس المراد اجتماعهما فى الوفادة، فإن قدوم الأشعرين كان مع أبى موسى فى سنة سبع عند فتح خيبر، وقدوم حمير كان فى سنة تسع، وهى سنة الوفود، ولهذا اجتمعوا مع بنى تميم.
وروى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن رسول الله- ﷺ قال:
«يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا» «٣» فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون:
غدا نلقى الأحبه ... محمدا وحزبه
стр. 594
وعن أبي هريرة- رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية والسكينة فى أهل الغنم، والفخر والخيلاء فى الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس» «١» رواه مسلم.
وفى البخارى: إن نفرا من بنى تميم جاؤا إلى رسول الله- ﷺ فقال: «أبشروا يا بنى تميم» فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغير وجه رسول الله ﷺ وجاء نفر من أهل اليمن، فقال: «اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا: قد قبلنا، ثم قالوا: يا رسول الله جئنا لنتفقه فى الدين ونسألك عن هذا الأمر، فقال: «كان الله ولم يكن شىء غيره وكان عرشه على الماء وكتب فى الذكر كل شىء» «٢» .
وقوله: وجاء نفر من أهل اليمن، هم الأشعريون قوم أبي موسى.
وقدم عليه- ﷺ صرد بن عبد الله الأزدى «٣» ، فأسلم وحسن إسلامه، فى وفد من الأزد فأمّره- ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم أهل الشرك من قبائل اليمن.
فخرج صرد يسير بأمر رسول الله- ﷺ حتى نزل بجرش، وبها قبائل من قبائل العرب، فحاصروهم فيها قريبا من شهر، وامتنعوا فيها، فرجع عنهم قافلا، حتى إذا كان فى جبل لهم وظنوا أنه إنما ولى عنهم منهزما خرجوا فى طلبه، حتى أدركوه عطف عليهم فقتله قتلا شديدا.
وكان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله- ﷺ رجلين منهم، فبينما هما عنده- ﷺ عشية فقال لهما- ﵇: «إن بدن الله لتنحر عند شكر» أى
стр. 595
المكان الذى وقع به قتل قومهم، قال: فجلس الرجلان إلى أبى بكر وعثمان فقالا لهما إن رسول الله- ﷺ ينعى لكما قومكما.
فخرجا إلى قومهما فوجداهم قد أصيبوا فى اليوم الذى قال فيه رسول الله- ﷺ ما قال، وفى الساعة التى ذكر فيها ما ذكر.
فخرج وفد جرش حتى قدموا عليه- ﷺ فأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم.
وفد بنى الحارث بن كعب «١» . قال ابن إسحاق: بعث- ﷺ خالد بن الوليد فى شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم.
فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون فى كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه.
فأقام خالد يعلمهم الإسلام وكتب إلى رسول الله- ﷺ بذلك. ثم أقبل على رسول الله- ﷺ ومعه وفدهم، منهم: قيس بن الحصين، ويزيد ابن المحجل، وشداد بن عبد الله.
وقال لهم- ﷺ : «بم كنتم تغلبون من قاتلكم» قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال: «صدقتم» «٢» .
وأمر عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم فى بقية من شوال أو من ذى القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفى رسول الله- ﷺ .
وقدم عليه- ﷺ وفد همدان فيهم: مالك بن النمط، وضمام بن مالك، وعمرو بن مالك، فلقوا رسول الله- ﷺ مرجعه من تبوك، وعليهم
стр. 596
مقطعات الحبرات والعمائم العدنية، على الرواحل المهرية والأرحبية، ومالك ابن النمط يرتجز بين يديه- ﷺ . وذكروا له كلاما كثيرا حسنا فصيحا.
فكتب لهم- ﷺ كتابا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف. وكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه.
وروى البيهقى بإسناد صحيح عن البراء أن النبى- ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا، ثم إن النبى- ﷺ بعث على بن أبى طالب فأمره أن يقفل خالدا إلا رجلا ممن كان مع خالد أن يعقب مع على.
فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا على، ثم صفنا صفّا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله- ﷺ فأسلمت همدان جميعا، فكتب على إلى رسول الله- ﷺ بإسلامهم. فلما قرأ رسول الله- ﷺ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: «السلام على همدان، السلام على همدان» «١» وأصل الحديث فى صحيح البخارى.
وهذا أصح مما تقدم، ولم تكن همدان تقاتل ثقيفا ولا تغير على سرحهم، فإن همدان باليمن وثقيف بالطائف. قاله ابن القيم فى الهدى النبوى.
روى البيهقى عن النعمان بن مقرن قال: قدمنا على رسول الله- ﷺ أربعمائة رجل من مزينة، فلما أردنا أن ننصرف قال: «يا عمر زود القوم» قال: ما عندى إلا شىء من تمر ما أظنه يقع من القوم موقعا. قال: «انطلق فزودهم» قال: فانطلق بهم عمر فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى علية، فلما دخلنا فإذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق، فأخذ القوم منه حاجتهم. قال
стр. 597
النعمان: وكنت فى آخر من خرج، فنظرت: وما أفقد موضع تمرة من مكانها «١» .
وفد دوس «٢» : وكان قدومهم عليه- ﷺ بخيبر. قال ابن إسحاق:
كان الطفيل بن عمرو الدوسى يحدث أنه قدم مكة ورسول الله- ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى بين أظهرنا فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين المرء وابنه وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه.
قال: فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت ألاأسمع منه شيئا، ولا أكلمه، حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا، فرقا من أن يبلغنى شىء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله- ﷺ قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعنى بعض قوله: فسمعت كلاما حسنا، فقلت: واثكل أماه. والله إنى لرجل لبيب شاعر، ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنا قبلت، وإن كان قبيحا تركت.
قال: فمكثت حتى أتى- ﷺ إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته فقلت: يا محمد إن قومك قد قالوا لى كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفونى أمرك حتى سددت أذنى بكرسف ألاأسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولا حسنا، فاعرض على أمرك.
فعرض على رسول الله- ﷺ الإسلام، وتلا على القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة
стр. 598
الحق، وقلت: يا رسول الله، إنى امرؤ مطاع فى قومى وإنى راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لى آية.
قال: فخرجت إلى قومى حتى إذا كنت بثنية تطلعنى على الحاضر، وقع نور بين عينى مثل المصباح، قال قلت: اللهم فى غير وجهى، إنى أخشى أن يقولوا إنها مثلة وقعت فى وجهى لفراق دينهم، قال: فتحول فوقع فى رأس سوطى كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلما نزلت أتانى أبى- وكان شيخا كبيرا- فقلت: إليك عنى يا أبت، فلست منى ولست منك، قال: ولم يا بنى؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بنى فدينى دينك، قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال أعلمك ما علمت، قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم.
ثم أتتنى صاحبتى فقلت: إليك عنى فلست منك ولست منى، قالت:
لم؟ قلت: فرق الإسلام بينى وبينك، أسلمت وتابعت محمدا- ﷺ ، قالت: فدينى دينك فأسلمت.
ثم دعوت دوسا إلى الإسلام، فأبطئوا على فجئت رسول الله- ﷺ فقلت: يا نبى الله إنه قد غلبنى على دوس الزنا، فادع الله عليهم، فقال:
«اللهم اهد دوسا» ثم قال «ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم» ، فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله- ﷺ بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس. ثم لحقنا برسول الله- ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين «١» .
وهذا يدل على تقدم إسلامه، وقد جزم ابن أبى حاتم بأنه قدم مع أبى هريرة بخيبر، وكأنها قدمته الثانية.
стр. 599
وقدم عليه- ﷺ وفد نصارى نجران «١» ، فلما دخلوا المسجد النبوى بعد العصر حانت صلاتهم، فقاموا يصلون فيه، فأراد الناس منعهم فقال ﷺ دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
وكانوا ستين راكبا، منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم، العاقب، أمير القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم واسمه عبد المسيح. والسيد: صاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم- بتحتانية ساكنة- ويقال شرحبيل. وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، قد شرف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه، وكان يعرف أمر النبى- ﷺ وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة. ولكن حمله جهله على الاستمرار فى النصرانية، لما يرى من تعظيمه ووجاهته عند أهلها.
فدعاهم النبى- ﷺ إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، فقال:
«إن أنكرتم ما أقول فهلم أباهلكم» «٢» .
وفى البخارى من حديث حذيفة، (جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى رسول الله- ﷺ يريدان أن يلاعناه- يعنى يباهلاه- فقال أحدهما لا تفعل) «٣» .
وعند أبى نعيم: أن القائل ذلك هو السيد، وعند غيره: بل الذى قال ذلك هو العاقب، لأنه صاحب رأيهم، وفى زيادات يونس بن بكير فى المغازى أن الذى قال ذلك هو شرحبيل.
(فو الله لئن كان نبيّا فلاعناه- يعى: باهلناه- لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا- زاد فى رواية ابن مسعود: أبدا- ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث
стр. 600
معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال: «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين» فاستشرف لها أصحاب رسول الله- ﷺ فقال: «قم يا أبا عبيدة ابن الجراح» فلما قام قال رسول الله- ﷺ : «هذا أمين هذه الأمة» «١» .
وفى رواية يونس بن بكير أنه صالحهم على ألفى حلة، ألف فى رجب وألف فى صفر، ومع كل حلة أوقية، وساق الكتاب الذى بينهم مطولا.
وذكر ابن سعد: أن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك وأسلما. وفى ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة. ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفا وخلفا، ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلا لا تمضى عليه سنة من يوم المباهلة.
وقدم عليه- ﷺ رسول فروة بن عمرو الجذامى ملك الروم وكان منزله معان- بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، ولما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه ثم صلبوه على ماء بفلسطين، وضربوا عنقه على ذلك الماء «٢» .
وقدم عليه- ﷺ ضمام بن ثعلبة، بعثه بنو سعد بن بكر «٣» .
روى البخارى من حديث أنس بن مالك قال، (بينما نحن جلوس مع النبى- ﷺ فى المسجد دخل رجل على جمل فأناخه فى المسجد ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد؟ والنبى- ﷺ متكىء بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال النبى ﷺ : «قد أجبتك» . فقال: إنى سائلك فمشدد عليك فى المسألة فلا تجد على فى نفسك. فقال: «سل عما بدا لك» . فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: «اللهم نعم» فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلى الصلوات الخمس فى اليوم والليلة؟ قال: «اللهم نعم» .