فيقول: يا محمد فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلّغت» «١» .
[٣٤] عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أنه دفع مع النبى- ﷺ يوم عرفة، فسمع النبىّ- ﷺ وراءه زجرا «٢» شديدا وضربا وصوتا للإبل، فأشار بسوطه إليهم وقال: «أيها الناس، عليكم بالسّكينة «٣» ، فإن البرّ ليس بالإيضاع «٤» » «٥» .
[٣٥] عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ :
«تكون إبل للشّياطين «٦» وبيوت للشّياطين، فأمّا إبل الشّياطين فقد رأيتها يخرج أحدكم بجنيبات «٧» معه قد أسمنها فلا يعلو بعيرا منها ويمرّ بأخيه قد انقطع به فلا يحمله، وأمّا بيوت الشّياطين فلم أرها» . كان سعيد يقول: لا أراها إلّا هذه الأقفاص «٨» الّتى يستر النّاس بالدّيباج «٩» .
[٣٦] عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت النبى- ﷺ يقول: «فى كلّ إبل سائمة «١٠» فى كلّ أربعين
стр. 37
ابنة لبون لا يفرّق إبل عن حسابها «١» من أعطاها مؤتجرا «٢» فله أجرها ومن أبى فإنّا اخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا «٣» لا يحلّ لال محمد- ﷺ منها شىء» «٤» .
[٣٧] عن سراقة بن جعشم قال: سألت رسول الله- ﷺ عن ضالّة الإبل، تغشى حياضى «٥» ، قد لطتّها «٦» لإبلى، فهل لى من أجر إن سقيتها؟ قال: «نعم. فى كلّ ذات كبد حرّى «٧» أجر» «٨» .
[٣٨] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله- ﷺ «قضى أنّ من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض «٩» ، وثلاثون بنت لبون «١٠» ، وثلاثون حقّة «١١» ، وعشرة بنى لبون ذكر» «١٢» .
[٣٩] عن عطاء بن أبى رباح أن رسول الله- صلّى الله عليه
стр. 38
وسلّم- «قضى فى الدّية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتى بقرة، وعلى أهل الشّاء ألفى شاة، وعلى الحلل مائتى حلّة، وعلى أهل القمح شيئا لم يحفظه محمّد» «١» .
[٤٠] عن أبى ذر قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «فى الإبل صدقتها، وفى الغنم صدقتها، وفى البقر صدقتها، وفى البرّ صدقته» «٢» .
[٤١] عن أبى مسعود الأنصارى قال: بعثنى النبى- ﷺ ساعيا ثم قال: «انطلق يا أبا مسعود، ولا ألفينّك يوم القيامة يجىء على ظهرك بعير من إبل الصّدقة له رغاء قد غللته» قال: إذا لا أنطلق. قال: «إذا لا أكرهك» «٣» .
[٤٢] عن عبد الله بن أبى بكرة قال: حدثنى أبى فى هذا المسجد، يعنى مسجد البصرة، قال: قال رسول الله- ﷺ :
«لتنزلن طائفة من أمتى أرضا يقال لها البصرة، يكثر بها عددهم، ويكثر بها نخلهم، ثم يجىء بنو قنطوراء، عراض الوجوه صغار العيون، حتى ينزلوا على جسر لهم يقال له دجلة، فيتفرق المسلمون ثلاث فرق؛ فأما فرقة فيأخذون بأذناب الإبل، وتلحق بالبادية
стр. 39
وهلكت، وأما فرقة فتأخذ على أنفسها فكفرت، فهذه وتلك سواء، وأما فرقة فيجعلون عيالهم خلف ظهورهم ويقاتلون، فقتلاهم شهداء، ويفتح الله على بقيتها» «١» .
[٤٣] عن أبن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإنى أخاف عليكم الرماء» والرماء هو الربا.
فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ قال: «لا بأس إذا كان يدا بيد» «٢» .
[٤٤] عن أبى سعيد الخدرى أن أعرابيا سأل رسول الله- ﷺ عن الهجرة فقال: «ويحك! إن شأنها شديد، فهل لك من إبل تؤدى صدقتها؟» قال: نعم. قال: «فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا» «٣» .
[٤٥] عن أنس أن أبا بكر رضى الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التى فرض رسول الله عليه وسلم على المسلمين، والتى أمر الله بها
стр. 40
رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط: فى أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كلّ خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض «١» أنثى، فإذا بلغت ستّا وثلاثين إلى خمس وأربعين أنثى ففيها بنت لبون «٢» أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقّة طروقة الجمل «٣» ، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة «٤» ، فإذا بلغت- يعنى ستا وسبعين- إلى تسعين ففيها بنتا لبون.
فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقّتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففى كلّ أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقّة. ومن لم يكن معه إلّا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلّا أن يشاء ربّها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة.
وفى صدقة الغنم فى سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث، فإذا زادت على ثلاثمائة ففى كلّ مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلّا أن يشاء ربّها، وفى الرّقة «٥» ربع العشر، فإذا لم تكن إلّا تسعين ومائة فليس فيها شىء إلّا أن يشاء ربّها» «٦» .
стр. 41
[٤٦] عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله- ﷺ ، فخرجنا أنا ورباح غلام رسول الله ﷺ بظهر رسول الله- ﷺ ، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد أن أبديه مع الإبل، فلما كان بغلس غار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله- ﷺ وقتل راعيها، وخرج يطردها هو وأناس معه فى خيل.
فقلت: يا رباح، اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله ﷺ أنه قد أغير على سرجه. قال: وقمت على تلّ فجعلت وجهى من قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات: يا صاحباه، ثم اتبعت القوم مع سيفى ونبلى فجعلت أرميهم وأعقر بهم، وذلك حين يكثر الشجر، فإذا رجع إلىّ فارس جلست له فى أصل شجرة، ثم رميت فلا يقبل علىّ فارس إلا عقرت به، فجعلت أرميهم وأنا أقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع ... الحديث «١» .
[٤٧] عن مالك أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب فى الصدقة، قال:
فوجدت فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم- كتاب الصدقة- فى أربع وعشرين من الإبل، فدونها الغنم، فى كل خمس شاة، وفيما فوق ذلك إلى خمس وثلاثين ابنة مخاض «٢» ، فإن لم تكن ابنة مخاض، فابن لبون ذكر «٣» ،
стр. 42
وفيما فوق ذلك، إلى خمس وأربعين، بنت لبون، وفيما فوق ذلك إلى ستّين، حقّة طروقة «١» الفحل. وفيما فوق ذلك، إلى خمس وسبعين، جذعة. وفيما فوق ذلك، إلى تسعين، ابنتا لبون. وفيما فوق ذلك، إلى عشرين ومائة، حقّتان، طروقتا الفحل. فما زاد على ذلك من الإبل، ففى كلّ أربعين، بنت لبون.، وفى كلّ خمسين حقّة.
فى سائمة الغنم، إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة، شاة، وفيما فوق ذلك، إلى مائتين، شاتان، وفيما فوق ذلك، إلى ثلاثمائة، ثلاث شياه، فما زاد على ذلك، ففى كلّ مائة شاة.
ولا يخرج فى الصّدقة تيس «٢» ، ولا هرمة، ولا ذات عوار «٣» ، إلّا ما شاء المصّدّق، ولا يجمع بين مفرق، ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصّدقة. وما كان من خليطين فإنّهما يتراجعان بينهما بالسّويّة، وفى الرّقة «٤» ، إذا بلغت خمس أواق، ربع العشر «٥» .
стр. 43
٢- الأرضة (الأرضة- سوسة الخشب- دابة الأرض- السّرفة)
(أ) الأرضة فى اللغة:
الأرضة دويبة بيضاء تشبه النملة، ودودة أو دويبّة تأكل الخشب ونحوه، وهى كنصف العدسة.
وإن شئت فسمها «سوسة الخشب» أو «دابة الأرض» التى ذكرها الله فى القران الكريم، وجاء ذكرها فى الحديث الشريف «١» .
ولما كان فعلها فى الأرض أضيفت إليها فاشتق اسم «الأرضة» من فعل «أرض» بمعنى أكل.
ويقال لها: «السّرفة» .
وفى المثل: «اكل من أرضة» و «أصنع من أرضة» .
(ب) طبائع الأرضة:
إذا كان العرب قد وصفوها بأنها تشبه النملة فإنها تختلف عن «النمل الحقيقى» الذى يعرفه كل إنسان فى المنازل والحدائق والمصانع وغيرها.
فالنمل له جسم صلب داكن اللون عادة، ولكن «الأرضة» جسمها لين، فاتح اللون.
هذا ولا يوجد للأرضة خصر ضيق بين الصدر والبطن كما هو الحال فى النمل.
стр. 44
على أنهما يختلفان- أيضا- فى العادات الغذائية: فالنمل يأكل كل شىء يعثر عليه من بقايا الحيوانات الحية أو الميّتة، والأوراق النباتية والفطريات، ورحيق الأزهار والعصارات النباتية، وما يستطيع الوصول إليه من طعام الإنسان- بينما لا تتغذى «الأرضة» إلا على الخشب والمصنوعات الخشبية، كما تتغذى على جذور الأشجار وسيقانها وفروعها المختلفة.
وهى لا تعيش منفردة، بل توجد دائما فى مستعمرات تحت الأرض يبلغ تعداد كل منها عدة الاف من الأفراد.
وفن مجتمع الأرضة يمكن تمييز أربعة أنواع من الأفراد وهى: الذكور، والملكات، والجنود، والشغالة، ولكل منها وظيفة محددة تؤدى لصالح هذا المجتمع.
وعلى الشغالة من الذكور والإناث أن تقوم بقرض الخشب، وابتلاع أجزاء من التربة متخذة من تلك المواد طعاما لها.
وبعد هضم هذا الطعام تقئ «الشغالة» جزا منه لإطعام الملكة والجنود والحوريات الصغيرة.
وتستخدم الشغالة فى بناء الأعشاش والممرات مادة من جزئيات التربة تبللها بلعابها، ثم تقيئها بعد فترة من الزمن فتصبح صالحة للاستعمال كمادة لاصقة.
ويقول عالم الحشرات «هويلر» : إن هذه المادة بعد جفافها فى صلابة «الأسمنت» الذى يستخدمه الإنسان فى عمليات البناء والتشييد.
وربما أفسدت الأرضة على أهل القرى منازلهم، وأكلت كل شىء لهم، ولا تزال كذلك حتى يظهر النمل الأبيض فى تلك القرى، فيسلط الله ذلك النمل على تلك الأرضة حتى يأتى على اخرها!.
(ج) الأحكام الفقهية:
إذا استخرجت من الأرض ترابها فهل يجوز التيمم به؟
قال القاضى حسين: إن استخرجته من «مدر» جاز التيمم به، ولا يضر
стр. 45
اختلاطه بلعابها؛ فإنه طاهر؛ فصار كتراب عجن بخلّ أو ماء ورد.
وإن استخرجت شيئا من الخشب أو الكتب لم يجز لعدم التراب.
العثّة: بضم العين وتشديد التاء- دويبة تلحس الثياب والصوف، والجمع:
عث وعثث، وأكثر ما تكون فى الصوف.
وقال فى «المحكم» : هى دويبة تقع فى الصوف.
وقال ابن قتيبة إنها دويبة تأكل الأديم، وغاير بينها وبين الأرضة.
وقال الجوهرى: العثة: السوسة التى تلحس الصوف وحكمها: تحريم الأكل.
(د) ما جاء بشأن الأرضة فى الحديث النبوى الشريف:
جاء فى الصحيحين وغيرهما أن قريشا لما بلغهم إكرام النجاشى لجعفر وأصحابه وكتبوا كتابا على بنى هاشم ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم.
وكان الذى كتب الصحيفة بغيض بن عامر فشلّت يده! وعلّقوا الصحيفة فى جوف الكعب، وحصروا بنى هاشم فى شعب أبى طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من مبعثه ﷺ ، وانحاز إليهم بنو عبد المطلب، وقطعت عنهم قريش الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغوا الجهد، وأقاموا على ذلك ثلاث سنين.
ثم أطلع الله نبيه ﷺ على أمر الصحيفة، وأن الأرضة قد أكلت ما كان فيها من ظلم وجور، وبقى ما كان فيها من ذكر الله تعالى، فأخبرهم أبو طالب بذلك، فارتقوا إلى الصحيفة فوجدوها، كما قال رسول الله ﷺ ، فأخرجوهم من الشّعب.
стр. 46
[٤٨] عن الطّفيل بن أبىّ بن كعب، عن أبيه: قال: كان رسول الله- ﷺ يصلّى إلى جذع إذ كان المسجد عريشا «١» وكان يخطب إلى ذلك الجذع. فقال رجل من أصحابه: هل لك أن نجعل لك شيئا تقوم عليه يوم الجمعة حتّى يراك النّاس وتسمعهم خطبتك؟ قال: «نعم» فصنع له ثلاث درجات. فهى الّتى أعلى المنبر.
فلمّا وضع المنبر، وضعوه فى موضعه الّذى هو فيه. فلمّا أراد رسول الله ﷺ أن يقوم إلى المنبر، مرّ إلى الجذع الّذى كان يخطب إليه. فلمّا جاوز الجذع «٢» ، خار «٣» حتّى تصدّع وانشقّ. فنزل رسول الله- ﷺ لمّا سمع صوت الجذع. فمسحه بيده حتّى سكن. ثمّ رجع إلى المنبر. فكان إذا صلّى، صلّى إليه. فلمّا هدم المسجد وغيّر، أخذ ذلك الجذع أبىّ ابن كعب. وكان عنده فى بيته حتّى بلى. فأكلته الأرضة وعاد رفاتا «٤» » «٥» .
стр. 47
٣- الأرنب (الأرنب- الخزز- عكرشة- خرنق- سخلة)
(أ) الأرنب فى اللغة:
الأرنب: واحدة الأرانب، وهو اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى. وجمع أرنب أرانب وأران.
وقال الجاحظ: فإذا قلت: أرنب فلا يطلق إلا على الأنثى، كما أن العقاب لا يكون إلا للأنثى.
وذكر الأرنب يقال له: «الخزز» ، وجمعه «خزّان» . ويقال للأنثى:
«عكرشة» .
والخرنق: ولد الأرنب، فهو أولا خرنق، ثم سخلة، ثم أرنب.
وقالت العرب فى أمثالهم:
«أقطف من أرنب» و «أطعم أخاك كلية الأرنب» . ويضرب للمواساة.
ومن أمثالهم المشهورة:
«فى بيته يؤتى الحكم» وهو ما زعمته العرب على ألسنة البهائم.
قالوا: إن الأرنب التقطت تمرة، فاختلسها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب؛ فقالت الأرنب: يا أبا حسل! قال:
سميعا دعوت.
قالت: أتيناك لنختصم إليك.
قال: عادلا حكّمتما.
قالت: فاخرج إلينا.
قال: فى بيته يؤتى الحكم.
стр. 48
قالت: إنى وجدت تمرة. قال: حلوة فكليها.
قالت: فاختلسها الثعلب.
قال: لنفسه بغى الخير.
قالت: فلطمته.
قال: بحقّك أخذت.
قالت: فلطمنى!.
قال: حرّ انتصر لنفسه.
قالت: فاقض بيننا.
قال: قد قضيت.
فذهبت أقواله كلها أمثالا.
(ب) طبائع الأرنب:
الأرنب حيوان قصير اليدين، طويل الرجلين، يطأ الأرض على مؤخر قوائمه.
والأرنب تنام مفتوحة العين، فربما جاءها القناص فوجدها كذلك فيظنها مستيقظة.
ويضرب المثل بالأرنب فى كثرة التناسل؛ إذ يصل متوسط إنتاجها فى السنة إلى ٤٨ أرنبا.
وللذكر القدرة على تلقيح عشرين أنثى!
ومن طباعها: الجبن والخوف!
وهى- كما يقول الجاحظ- لا ترد الماء ولا تريده.
وفى الأرنب جبن، وقد عوضه الله عن ذلك بأذنين طويلتين حتى يتمكن بهما من التقاط الأصوات بكفاءة عالية، وعندئذ يتمكن من الفرار عند الخطر، ويسلم من أذى الأعداء!
وقد زوده الله- أيضا- بحاسة شم قوية إلى جانب أنه يتمتاع بساقين خلفيتين طويلتين تمكنانه من الاندفاع بقوة إلى الأمام فى أثناء الجرى.
стр. 49
ولشدة خوفها وجبنها تعيش البرّية منها فى جحور تحت الأرض، ولا تهجرها إلا لضرورة ماسّة كالبحث عن الطعام! وغالبا ما يكون ذلك قبيل الفجر حتى تكون فى مأمن من العيون الراصدة!
ومن أشهى الأطعمة للأرانب: البرسيم، وعرش الجزر، والبطاطا، والحشائش البرية!
ومن بعض أنواع الأرانب «الأنجوراه» نصنع الأقمشة الصوفية حيث يبلغ طول شعرها حوالى ٣٠ سنتيمترا، ويربى هذا النوع فى تركيا.
ونحصل أيضا من الأرنب على نوع من «الفراء» يتميز بشعر ناعم الملمس، وموطنه فرنسا وألمانيا. ويسمى «الركس» .
ولا تعجب إذا عرفت أن فراءه متعدد الألوان سميك حتى أنهم يعتبرونه من أفضل أنواع الفراء الطبيعى فى العالم.
أما أنواع الأرانب الموجودة بمصر فإنها تكاد تكون مخصصة لأكل لحمها، وهى نوعان:
(أ) نوع يسمى «البلدى الأحمر» .
(ب) ونوع اخر يسمى «الجيزة الأبيض» .
والأرنب حيوان من رتبة القوارض يغطى جسمه فرو ناعم، ومنه البرى والداجن.
وتتحدث كتب الحيوان عن «أرنب بحرى» فيقول ابن سينا: إنه حيوان صغير صدفى من ذوات السموم.
وللأرانب أهمية كبيرة فى زيادة الثروة الحيوانية نظرا لنموها السريع، وسرعة توالدها، ووفرة نسلها، مما يسهم فى حل أزمة اللحوم.
وقد تربى الأرانب بغرض إنتاج الفراء أو للزينة- كما عرفت- وقد يصل وزن الأرنب إلى ٨ كيلو جرام.
стр. 50
ويكمل نموها الجنسى عندما تبلغ خمسة أشهر، ولها القدرة على إنتاج:
(٥- ٦ بطون) فى السنة بمتوسط (٨ أفراد) فى البطن الواحدة.
وتقوم الأرانب البرية بإنشاء مساكنها بنفسها، وذلك بحفر جحورها فى باطن الأرض لحمايتها من العوامل الجوية، والحيوانات المعتدية!
والأرنب والضفادع والدّراج تعظم ولا تسمن!
والناس يتقززون من الأرانب والضباع لمكان الحيض.
(ج) الأحكام الفقهية:
ويحل أكل الأرنب عند العلماء كافة، وسؤرها طاهر.
(د) وإليك ما جاء بشأنها فى الحديث النبوى الشريف:
[٤٩] عن أنس رضى الله عنه قال: «أنفجنا أرنبا «١» بمر الظهران «٢» ، فسعى القوم فلغبوا «٣» ، فأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، فبعث بوركها وفخذيها إلى رسول الله- ﷺ فأتيت بها رسول الله- ﷺ فقبله» «٤» .
[٥٠] عن محمد بن خالد قال: سمعت أبى خالد بن الحويرث يقول: «إن عبد الله بن عمرو كان بالصّفاح- قال محمد: مكان بمكة- وإنّ رجلا جاء بأرنب قد صادها، فقال: يا عبد الله بن عمرو،
стр. 51
ما تقول؟ قال: قد جئ بها إلى رسول الله- ﷺ وأنا جالس فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها، وزعم أنّها تحيض» «١» .
[٥١] عن أبى الزبير: «أن عمر بن الخطاب قضى فى الضّبع بكبش، وفى الغزال بعنز، وفى الأرنب بعناق «٢» ، وفى اليربوع «٣» بجفرة «٤» » «٥» .
وذلك فى فدية ما أصيب من الطير والوحش.
[٥٢] وفى حديث أم زرع الذى رواه الشيخان: « ... قالت الثامنة:
زوجى، الريح ريح زرنب «٦» ، والمسّ مسّ أرنب «٧» ... » «٨» الحديث.
[٥٣] وجاء فى حديث ابن حوالة عند أحمد « ... كيف تفعل فى فتنة تخرج فى أطراف الأرض كأنها صياحى بقر؟» قلت: لا أدرى ما خار الله لى ورسوله.
قال: «وكيف تفعل فى أخرى تخرج بعدها كأن الأولى فيها انتفاجة «٩» أرنب؟» .
стр. 52
قلت: لا أدرى ما خار الله لى ورسوله.
قال: «اتبعوا هذا»
قال: ورجل مقفى حينئذ.. قال: فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبه، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله- ﷺ ، فقلت: هذا؟
قال: «نعم» .. قال: وإذا هو عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه «١» .
стр. 53
٤- الأرويّة (الأروى- الوعل- الأيّل)
(أ) اللغة:
يقول الجاحظ: الأروى: إناث الأوعال، واحدتها «أرويّة» .
والناس يسمون بناتهم باسم الجماعة، ولا يسمون البنت الواحدة باسم الواحدة منها: لا يسمون بأرويّة؛ وإنما يسمون بأروى.
ويقول الدميرى: الأروية: تقع على الذكر والأنثى من الوعل، والهمزة مضمومة أو مكسورة، أما الياء فمشددة. والجمع: أراوى، وأروى- على غير قياس-، وبها سميت المرأة.
وقيل الأروى: غنم الجبل. والأيّل: ذكر الأوعال. والأيل لغة فيه. ويقال:
إنه هو الذى يسمى بالفارسية (كوزن) .
ويقال فى الأمثال:
«إنما فلان كبارح الأروى!» .
وذلك أن مأواها الجبل؛ فلا يكاد الناس يرونها سانحة ولا بارحة إلا فى الدهر مرة!
يضرب: لمن يرى منه الإحسان فى بعض الأحايين.
(ب) طبائعها:
يقول الجاحظ: والأيائل تأكل الحيات كما أن الحيات تطلب بيض كل طائر وفراخه.
والأروى تسكن الجبال ولا تسهل كما أن النعام تسكن السهل ولا ترقى فى الجبال.
стр. 54
ويقول الدميرى عن الأيّل: إنه فى أكثر أحواله شبيه ببقر الوحش، وهو إذا خاف من الصياد رمى نفسه من رأس الجبل، ولا يتضرر بذلك.
وعدد سنىّ عمره عدد العقد التى فى قرنه. ومن العجائب أنه إذا لسعته الحية أكل السرطان! ويصادق السمك فهو يمشى إلى الساحل ليرى السمك، والسمك يقرب منه ليراه؛ والصيادون يعرفون هذا فيلبسون جلده ليقصدهم السمك فيصيدوا منه!
(ج) الأحكام الفقهية:
يقول الدميرى: ويحل أكل الأيّل لأنه مستطاب كالوعل.
(د) وإليك ما جاء بشأن الأروية أنثى الوعل فى الحديث الشريف:
[٥٤] عن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله- ﷺ : «إن الدّين ليأرز «١» إلى الحجاز كما تأرز الحيّة إلى جحرها، وليعقلنّ الدّين من الحجاز معقل الأرويّة من رأس الجبل. إنّ الدّين بدأ غريبا ويرجع غريبا، فطوبى للغرباء الّذين يصلحون ما أفسد النّاس من بعدى من سنّتى» «٢» .
стр. 55
٥- الأسد (لبؤة- أسدة- الشبل- الحفص- الفرهد)
(أ) اللغة:
الأسد من السباع معروف، وجمعه: أسود، وأسد، واسد، واساد.
والأنثى أسدة، ولبؤة. وولد الأسد خاصة هو: الشبل، والحفص، والفرهد.
وللأسد أسماء كثيرة؛ قال ابن خالويه: إنها خمسمائة، وزاد عليها بعضهم مائة وثلاثين، وربما وصلت إلى الألف، وأكثرها مشتق من صفاته.
ومن أشهرها: أسامة، والبيهس، والحارث، وحيدرة، والرّئبال، والضّيغم، والغضنفر، والقسورة، والليث، والورد.
ومن كناه: أبو الأبطال، وأبو حفص، وأبو شبل، وأبو العباس، وأبو الحارث.
ومن أمثالهم فى الأسد:
«أكرم من الأسد» و «أبخر من الأسد» و «أكبر من الأسد» و «أشجع من الأسد» و «أجرأ من الأسد» . ويضرب المثل بأسد الشّرى، وهو طريق بسلمى كثيرة الأسد.
(ب) الطبائع:
والأسد أشرف الحيوان المتوحش، فمنزلته منزلة الملك المهاب لقوته وشجاعته وقساوته وشهامته وجهامته (غلظ وجهه وسماجته) وشراسة خلقه.
ويضرب به المثل فى القوة والنجدة والبسالة وشدة الإقدام، والجرأة والصولة، ومنه قيل لحمزة بن عبد المطلب «أسد الله» .
وأصحاب الكلام فى طبائع الحيوان يقولون: إن أنثى السبع المعروف لا تضع
стр. 56
إلا جروا واحدا إذا مضت عليه ستة أشهر كلف الاكتساب لنفسه بالتعليم والتدريب.
وللأسد من الصبر على الجوع وقلة الحاجة إلى الماء ما ليس لغيره من السباع.
ومن شرف نفسه أنه لا يأكل من فريسة غيره؛ فإذا شبع من فريسته تركها ولم يعد إليها.
وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلأ من الطعام ارتاض، ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب (شرب ما فيه بأطراف لسانه) .
وإذا أكل نهس (أخذ اللحم بمقدم أسنانه) من غير مضغ، وريقه قليل جدّا؛ ولذا يوصف بالبخر (النتن فى الفم) .
ومن العجيب أنه يوصف بالشجاعة والجبن معا، فمن جبنه أنه يفزع من صوت الديك، ونقر الطشت، ومن السّنّور، ويتحير عند رؤية النار.
وهو شديد البطش، ولا يألف شيئا من السباع، لأنه لا يرى فيها ما يكافئه.
ويعمّر كثيرا، وعلامة كبره سقوط أسنانه.
والأسد أشد فصيلته قوة لا يضارعه فى ذلك إلا الببر ولا يعرض للناس إلا بعد أن يهرم فيعجز عن صيد الوحش، ولا يطلب فريسته إلا إذا جاع، فإذا شبع انصرف عنها، ولذا قيل عنه: إنه من الحيوانات الشريفة ذوات الرياسة.
وزعم محمد بن الجهم- كما يقول الجاحظ- أن العيون التى تضئ بالليل كأنها مصابيح هى عيون الأسد، والنمور، والسنانير، والأفاعى.
وزئيره يرهب كثيرا من الحيوان الذى هو أعظم منه جسما وقوة، وللأسد ثلاث طبائع:
الأولى: أنه إذا مشى فشم ريح الصيادين عفّى على اثاره بذنبه لكيلا يتبعه الصيادون، ويصلوا إلى عرينه فيتصيدوه.
والثانية: أن اللبؤة تلد شبلها- أشبه بالميت- فلا تزال تحرسه حتى يأتى أبوه فى اليوم الثالث فينفخ فى منخره فيتحرك!
стр. 57
والثالثة: أنه يفتح عينيه إذا نام وهما يقظتان.
إنه أكبر حيوان سنّورى بعد النمر، ولهذا يطلق عليه: «ملك الغابة» وهو من اكلات اللحوم.
ويعيش الأسد فى أفريقيا واسيا فى الغابات حيث تكثر الغزلان والظباء.
وليس من عادة الأسد أن يتسلق الأشجار، واللبؤة هى التى تقوم بمهمة الصيد غالبا، وتلد بعد حمل يدوم ثلاثة أشهر ونصف، وتضع اثنين أو ثلاثة من الأشبال.
ويكون حجم الشبل عند الولادة فى حجم الهرة. وفى الشهر السادس أو الثامن تقريبا يرافق أمه فى تجوالها وصيدها ليأخذ درسا فى كيفية الصيد على يديها!
ويعيش الأسد من عشرين إلى خمس وعشرين سنة. وعدوه الوحيد هو الإنسان، ويبلغ طول الأسد حوالى ١٢ قدما، وقد يصل وزنه إلى حوالى ٦٠٠ رطلا.
وإذا جاع يأكل حوالى سبعة أرطال من اللحم خلال الوجبة الواحدة، وتميل الأسود للعيش فى قطعان، فنادرا ما نراها تعيش كحيوانات مستقلة بذاتها، ويتكون قطيع الأسود المعتاد من ٦ إلى ٣٠ حيوانا.
(ج) الأحكام الفقهية:
قال أكثر الأئمة والجمهور: يحرم أكل الأسد لما روى مسلم فى صحيحه أن النبى ﷺ قال:
«كل ذى ناب من السباع فأكله حرام» «١»
والمراد بذى الناب: ما يتقوى بنابه ويصطاد.
وقال الشافعى: إنه ممّا قويت أنيابه فعدا على الحيوان طالبا غير مطلوب فكان عدوه بأنيابه علة تحريمه!
стр. 58
وقال المروزىّ: هو ما كان عيشه بأنيابه.
وقال أبو حنيفة: هو ما افترس بأنيابه، وإن لم يبتدئ بالعدو، وإن عاش بغير أنيابه.
وقال مالك: يكره أكل كل ذى ناب من السباع، ولا يحرم، واحتج بقوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ....
[سورة الأنعام الاية: ١٤٥]
قال الشافعى- رضى الله عنه-: ولأن العرب لم تأكل أسدا ولا ذئبا ولا كلبا ولا نمرا ولا دبّا، ولا كانت تأكل الفأر ولا العقارب، ولا الحيات ولا الحدأ، ولا الغربان، ولا الرّخم، ولا البغاث، ولا الصّقور، ولا الصوائد من الطير، ولا الحشرات!
وأما بيع الأسد فلا يصح؛ لأنه لا ينتفع به، وحرم الله أكل فريسته.
(د) وإليك ما جاء فى السنة النبوية بشأن الأسد:
[٥٥] عن أبى قتادة- رضى الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين، فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل علىّ فضمنى ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلنى، فلحقت عمر بن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا وجلس النبى- ﷺ فقال: «من قتل قتيلا له عليه بيّنة «١» ، فله سلبه» «٢» فقمت فقلت: من يشهد لى؟ ثم جلست، ثم قال: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» ، فقلت: من يشهد لى؟ ثم جلست، ثم قال الثالثة مثله. فقمت، فقال رسول الله-
стр. 59
صلّى الله عليه وسلّم- «ما لك يا أبا قتادة؟» فقصصت عليه القصة فقال رجل: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندى فأرضه من حقه. فقال أبو بكر الصديق- رضى الله عنه-: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، يعطيك سلبه فقال النبى- ﷺ «صدق فأعطه إياه» فأعطانى، قال: فبعث الدرع، فابتعت به مخرفا فى بنى سلمة فإنه لأول مال تأثلته فى الإسلام» «١» .
[٥٦] عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد» «٢» .
[٥٧] عن حرملة مولى أسامة قال: أرسلنى أسامة إلى على وقال:
إنه سيسألك الان فيقول: ما خلف صاحبك؟ فقل له: يقول لك: لو كنت فى شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره، فلم يعطنى شيئا، فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر فأوقروا «٣» لى راحلتى «٤» .
[٥٨] عن علىّ- رضى الله عنه- قال: بعثنى رسول الله- ﷺ إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية «٥» للأسد، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلّق باخر ثم تعلق رجل باخر
стр. 60
حتّى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد فانتدب له «١» رجل بحربة فقتله، وماتوا من جراحتهم كلهم فقام أولياء الأول إلى أولياء الاخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا فأتاهم على- رضى الله عنه- على تفيئة ذلك، فقال:
تريدون أن تقاتلوا ورسول الله- ﷺ حىّ؟! إنى أقضى بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء وإلّا حجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبى- ﷺ فيكون هو الذى يقضى بينكم فمن عدا بعد ذلك فلا حق له. اجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر ربع الدية، وثلث الدية، ونصف الدية، والدية كاملة، فللأول الربع؛ لأنه هلك من فوقه، وللثانى ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، فأبوا أن يرضوا، فأتوا النبى- ﷺ وهو عند مقام إبراهيم فقصوا عليه القصة، فقال: «أنا أقضى بينكم واحتبى، فقال رجل من القوم: إن عليّا قضى فينا فقصوا عليه القصة فأجازه رسول الله- ﷺ » «٢» .
[٥٩] روى الحاكم أن النبى- ﷺ دعا على عتبة ابن أبى لهب فقال: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» .
فافترسه الأسد بالزرقاء من أرض الشام «٣» .
стр. 61
[باب الباء]
١- البخت
البخت من الإبل، معرب، وبعضهم يقول: هو عربى. الواحد الذكر بختىّ، والأنثى بختية، وجمعه بخاتى. وهو غير مصروف، لأنه بزنة جمع الجمع. ولك أن تخفف وكذا ما أشبهها مما واحده مشدد، فإنه يجوز فى جمعه التشديد والتخفيف كالأوانى والكراسى والمهارى.
والبخاتى: جمال طوال الأعناق (انظر الإبل) .
وإليك ما جاء بشأنها فى الحديث النبوى الشريف:
[٦٠] روى أبو داود والترمذىّ والنسائى وأحمد، من حديث جنادة بن أمية قال: كنّا مع بسر بن أرطاة فى البحر، فأتى بسارق قد سرق بختيّة، فقال:
سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «لا تقطع الأيدى فى السفر ولولا ذلك لقطعته» «١» .
[٦١] وفى صحيح مسلم من حديث زهير عن جرير بن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن النبى- ﷺ قال فى صفة النساء اللاتى يأتين فى اخر الزمان: «رؤسهن كأسنمة البخت لا يجدن ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمس مئة عام» «٢» .
[٦٢] وفى «المستدرك» من حديث عبد الله بن عمرو أن النبى- ﷺ قال: «سيكون فى اخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب مساجدهم، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤسهنّ كأسنمة
стр. 62
البخت العجاف. العنوهن فإنهن ملعونات» «١» .
[٦٣] وفى الكامل فى ترجمة فضل بن مختار البصرى عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ فى الجنة طيرا أمثال البخاتىّ» .
قال أبو بكر- رضى الله تعالى عنه- إنها لناعمة يا رسول الله؟ فقال النبى ﷺ : «أنعم منها من يأكلها، وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر» «٢» .
стр. 63
٢- البدنة
جمعها بدن (بضم الدال وإسكانها) وبالإسكان جاء القران. وممن ذكر الضمّ الجوهرى ﵀.
والبدن: ما أشعر من ناقة أو بقرة. سميت بذلك لأنها تبدن: أى تسمّن.
وقال النووى: هى البعير ذكرا كان أو أنثى.
وشرطها: أن تكون فى سن الأضحية عند الفقهاء، وعند اللغويين أو أكثرهم. تطلق على الإبل والبقر.
وقال الأزهرى: تكون فى الإبل والبقر والغنم. سميت بذلك لعظم أبدانها.
ما جاء بشأنها فى الحديث النبوى الشريف
[٦٤] روى مسلم عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن النبى ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة ثمّ راح فى الساعة الأولى، فكأنّما قرّب بدنة، ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» «١» .
وفى مسند الإمام أحمد رضى الله عنه: «فى الساعة الرابعة دجاجة، وفى الخامسة بيضة» «٢» .
[٦٥] وروى مسلم عن موسى بن سلمة الهذلىّ قال: انطلقت أنا وسنان بن سلمة معتمرين قال: وانطلق سنان ومعه بدنة يسوقها فأزحفت «٣» عليه بالطريق، فيعى بشأنها إن هى أبدعت (أى كلت) كيف يأتى بها
стр. 64
. قال: لئن قدمت البلد لأستحفين عن ذلك «١» .. قال: فأضحيت «٢» ، فلما نزلنا بالبطحاء قال: انطلق إلى ابن عباس نتحدث إليه ... قال:
فذكر له شأن بدنته، فقال: على الخبير سقطت.
بعث رسول الله ﷺ بست عشرة بدنة مع رجل وأمّره فيها «٣» ، فقال: يا رسول الله، كيف أصنع بما أبدع علىّ منها؟ فقال ﷺ :
«انحرها، ثم اصبغ نعليها «٤» فى دمها، ثم اجعله على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك» «٥» .
[٦٦] وروى البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن النبى ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة فقال له:
«اركبها» . قال: يا رسول الله، إنها بدنة. قال: «اركبها» قال: إنها بدنة! قال: «اركبها ويلك» .. (فى الثانية أو فى الثالثة) وفى رواية:
«ويلك اركبها. ويلك اركبها» «٦» .
[٦٧] وروى الحاكم عن ابن عباس- رضى الله تعالى عنهما- أنه قال: «إذا أردت أن تنحر البدنة فأقمها ثم قل: الله أكبر، اللهم منك وإليك، ثم سمّ وانحرها، وكذلك فى الأضحية» «٧» .
[٦٨] وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن قرط، أن النبى
стр. 65
صلّى الله عليه وسلّم قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القرب» وقرب رسول الله ﷺ خمس بدنات أو ستّا ينحرهن فطفقن يزدلفن إليه أيتهن يبدأ بها «١» .
[٦٩] عن على- رضى الله عنه- قال: «بعثنى النبى ﷺ فقمت على البدن فقسمت لحومها، ثم أمرنى فقسمت جلالها «٢» وجلودها» «٣» .
[وفى رواية عنه: أمرنى النبى ﷺ أن أقوم على البدن ولا أعطى عليها شيئا فى جزارتها] .
[٧٠] عن زياد بن جبير قال: «رأيت ابن عمر، رضى الله عنهما أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها قال: ابعثها قياما مقيدة «٤» سنة محمد «٥» ﷺ » «٦» .
[٧١] عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- قال: «خرجنا مع النبى ﷺ معتمرين فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﷺ بدنه «٧» وحلق رأسه» «٨» .
стр. 66
٣- البراق
(أ) البراق فى اللغة:
الدابة التى ركبها سيد المرسلين ﷺ ليلة الإسراء، مشتقة من البرق الذى يلمع فى الغيم، كما روى فى حديث المرور على الصراط:
« ... فمنهم من يمرّ كالبرق الخاطف، ومنهم من يمرّ كالريح العاصف، ومنهم من يمرّ كالفرس الجواد» «١» .
(ب) طباع البراق:
قال الدّميرى: وفى الصحيح: «أنه دون البغل، وفوق الحمار، أبيض، يضع خطوه عند أقصى طرفه» «٢» .
وقال صاحب المقتفى: وكان البراق أبيض، وكانت بغلته شهباء إشارة إلى تخصيصه ﷺ بأشرف الألوان.
والشهباء: هى التى أكثرها بياض.
والحكمة فى كونه على هيئة بغل، ولم يكن على هيئة فرس: التنبيه على أن الركوب كان فى سلم وأمن، لا فى حرب وخوف، أو لإظهار الاية فى الإسراع العجيب فى دابة لا يوصف شكلها بالإسراع!
فإن قيل: ركب النبى ﷺ البغلة فى الحرب، فالجواب أن ذلك كان لتحقيق نبوته وشجاعته ﷺ .
ثم إن البراق يركبه النبى ﷺ يوم القيامة دون سائر الأنبياء، يدل لذلك ما رواه الحاكم، وما رواه أبو الربيع بن سبع السبتى فى «شفاء الصدور» عن سويد ابن عمرو: أن النبى ﷺ قال:
стр. 67
«حوضى أشرب منه يوم القيامة أنا ومن استسقانى من الأنبياء ﵈ ويبعث الله تعالى لصالح ناقته يحلبها، ويشرب هو والذين آمنوا معه، ثم يركبها حتى يوافى بها الموقف، ولها رغاء» .
فقال رجل: يا رسول الله، وأنت يومئذ على العضباء؟
قال رسول الله ﷺ : «تلك تحشر عليها ابنتى فاطمة، وأنا أحشر على البراق، أخصّ به دون سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» «١» .
(ج) وإليك ما جاء فى شأنه من الأحاديث:
[٧٢] عن مالك بن صعصعة، عن النبىّ ﷺ أنه قال: «بينما أنا عند البيت بين النّائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين قال: فأتيت فانطلق بى فأتيت بطست من ذهب فيها من ماء زمزم فشرح صدرى إلى كذا، وكذا- قال قتادة: قلت لصاحبى ما تعنى، قال: إلى أسفل بطنى. فاستخرج قلبى فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، قال: وحشى إيمانا وحكمة أو قال: وكنز إيمانا وحكمة- الشك من سعيد قال- ثم أتيت بدابّة أبيض يقال له:
البراق، فوق الحمار ودون البغل، يقع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه ومعى صاحبى لا يفارقنى، فانطلقنا حتى أتينا السّماء الدّنيا فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ فقال جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد قالوا: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتح لنا قالوا: مرحبا به ولنعم المجىء جاء فأتيت على ادم- ﵇ فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك ادم، فسلّمت عليه، فقال:
стр. 68
مرحبا بالابن الصالح والنبىّ الصالح، ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتح لنا، وقالوا مرحبا به ولنعم المجىء جاء، فأتيت على يحيى وعيسى.
قال سعيد أحسبه قال: ابنى الخالة.
فسلمت عليهما، فقالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح، ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثالثة فاستفتح جبريل- ﵊ فقيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد قيل:
وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبا به ولنعم المجىء جاء، فأتيت على يوسف، فقلت: يا جبريل! من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، فسلّمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصّالح والنبىّ الصّالح، ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال:
جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال:
نعم، قالوا: مرحبا به ولنعم المجىء جاء، فأتيت على إدريس- ﵇ فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك إدريس، فسلّمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصّالح والنبىّ الصالح [قال عبد الوهاب: قال سعيد وكان قتادة يقول عندها- قال الله وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا «١» ] ، ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الخامسة فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال:
محمد. قيل وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبا به ولنعم المجىء جاء، قال: فأتيت على هارون فقلت: يا جبريل! من هذا؟ قال هذا
стр. 69
أخوك هارون، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبىّ الصالح، ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السادسة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل:
وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبا به ولنعم المجىء جاء، قال فأتيت على موسى- ﵇ فقال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبىّ الصالح، فلما جاوزته بكى فنودى ما يبكيك؟ قال: يا رب هذا غلام بعثته بعدى يدخل من أمته الجنّة أكثر مما يدخل من أمتى، ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السابعة فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: نعم، قالوا: مرحبا به، ولنعم المجئ جاء، فأتيت على إبراهيم- ﵇ فقلت: يا جبريل: من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلّمت عليه، فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبىّ الصالح، ورفع لنا البيت المعمور فقلت: يا جبريل: ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك حتى إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه اخر ما عليهم، ثم رفعت لنا سدرة المنتهى، فحدّث نبىّ الله ﷺ أن ورقها مثل اذان الفيلة، وأن نبقها «١» مثل قلال «٢» هجر، وحدّث النبى ﷺ أنه رأى أربعة أنهار: يخرج من أصلها نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذه الأنهار يا جبريل؟ فقال: أما الباطنان:
فنهران فى الجنة، وأما الظاهران: فالنيل والفرات، قال: وأتيت بإناءين: أحدهما خمر، والاخر لبن فعرضا علىّ، فاخترت اللبن.
стр. 70
فقيل لى: أصبت أصاب الله بك أمّتك «١» على الفطرة، وفرضت علىّ خمسون صلاة كلّ يوم، أو قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم- الشك من سعيد- فجئت حتى أتيت على موسى، فقال لى: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بخمسين صلاة كلّ يوم، قال: إنى قد بلوت النّاس قبلك، وعالجت بنى إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمّتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربّك فسله التخفيف لأمّتك، فرجعت، فحطّ عنى خمس صلوات، فما زلت أختلف بين ربّى وبين موسى كلما أتيت عليه قال لى: مثل مقالته حتى رجعت بخمس صلوات كلّ يوم، فلما أتيت على موسى قال لى: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إنى قد بلوت النّاس قبلك وعالجت بنى إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربّك فسله التخفيف لأمتك، قلت: لقد رجعت إلى ربّى حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلّم، قال: فنوديت أو نادانى مناد- الشك من سعيد- أن قد أمضيت فريضتى، وخفّفت عن عبادى، وجعلت بكل حسنة عشر أمثالها» «٢» .
[٧٣] عن أنس بن مالك، قال: «لما جاء جبريل- ﵇ إلى رسول الله ﷺ بالبراق فكأنها أمرّت ذنبها، فقال لها جبريل: مه يا براق «٣» ! فو الله إن ركبك «٤» مثله، وسار رسول الله ﷺ فإذا هو
стр. 71
بعجوز على جانب الطريق فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: سر يا محمد؛ فسار ما شاء الله أن يسير، فإذا شىء يدعوه متنحّيا عن الطريق يقول: هلمّ يا محمد، فقال له جبريل: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير، قال: فلقيه خلق من الخلق، فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا اخر، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: اردد السلام، يا محمد، فردّ السلام، ثم لقيه الثانية فقال له مثل مقالته الأولى، ثم الثالثة كذلك حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء والخمر واللبن فتناول رسول الله ﷺ اللبن فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغويت أمّتك، ثم بعث له ادم فمن دونه من الأنبياء ﵈ فأمّهم رسول الله ﷺ تلك الليلة، ثم قال له جبريل: أمّا العجوز التى رأيت على جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا ما بقى من عمر تلك العجوز، وأما الذى أراد أن تميل إليه فذلك عدوّ الله إبليس أراد أن تميل إليه. وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى ﵈» «١» .
[٧٤] عن أنس بن مالك، قال: «أتى رسول الله ﷺ بالبراق ليلة أسرى به مسرجا ملجما «٢» فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما حملك على هذا والله ما ركبك خلق قطّ أكرم على الله- منه قال: منه فارفضّ عرقا «٣» » «٤» .
стр. 72
[٧٥] عن حذيفة «أن النبىّ ﷺ أتى بالبراق وهو دابّة، أبيض فوق الحمار ودون البغل فلم يزايلا ظهره هو وجبريل- ﵇ حتى انتهيا به إلى بيت المقدس، فصعد به جبريل إلى السماء فاستفتح جبريل فأراه الجنّة والنّار» .
ثم قال لى: هل صلّى فى بيت المقدس؟ قلت: نعم. قال اسمع يا أصيلع إنى لأعرف وجهك ولا أدرى ما اسمك؟ قال: قلت: أنا زرّ بن حبيش. قال: فأين تجده صلاها؟ فتأوّلت الاية: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ إلى اخر الاية «١» قال: فإنه لو صلى لصلّيتم كما يصلون فى المسجد الحرام قال: قلت لحذيفة: أربط الدابة بالحلقة التى كانت تربط بها الأنبياء، قال: أكان يخاف أن يذهب منه وقد أتاه الله بها» «٢» قلت وبمعناه رواه حماد بن زيد عن عاصم إلا أنه لم يحفظ صفة البراق وكان حذيفة لم يسمع صلاته فى بيت المقدس.
стр. 73
٤- البرذون
(أ) البرذون فى اللغة:
يطلق على غير العربى من الخيل والبغال، من الفصيلة الخيلية، والجمع براذين. والأنثى برذونة، وكنيته أبو الأخطل لخطل أذنيه وهو استرخاؤهما.
(ب) طبائع هذا الحيوان:
عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوى الأرجل، عظيم الحوافر، وأذناه- كما سبق مسترخيتان؛ بخلاف أذن الفرس العربى.
قال الجاحظ: سألت بعض الأعراب: أىّ الدوابّ اكل؟ قال: برذونة رغوث. (مرضع) .
ومن طبيعته الخيلاء.
جاء فى الكامل: لما افتتح عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- بيت المقدس قدم إلى الشام أربع مرات: الأولى على فرس، والثانية على بعير، والثالثة رجع لأجل الطاعون. والرابعة على حمار.
وكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بالجابية، فركب فرسه، فرأى به عرجا، فنزل عنه، وأتى ببرذون فركبه، فجعل يتجلجل به؛ أى يزهو فى مشيته، فنزل عنه، وصرف عنه وجهه، وقال: لا علّم الله من علّمك هذه الخيلاء!
ثم ركب ناقته، ولم يركب برذونا بعده ولا قبله.
(ج) الأحكام الفقهية:
ما دام من الفصيلة الخيلية فيسرى عليه ما يسرى على الخيل من أحكام سنفصلها إن شاء الله فى الخيل.
(د) وإليك ما جاء فى البراذين من أحاديث ...
[٧٦] عن جابر- رضى الله عنه- قال: «جاءنى النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم
стр. 74
يعودنى ليس براكب بغلا ولا برذونا» «١» .
[٧٧] عن عائشة: «أنّ جبريل- ﵇ أتى النّبىّ- ﷺ على برذون وعليه عمامة طرفها بين كتفيه، فسألت النّبىّ ﷺ فقال:
رأيته؟ ذاك جبريل ﵇» «٢» .
[٧٨] عن عبد الله بن بريدة قال: شكّ عبيد الله بن زيادة فى الحوض فقال له أبو سبرة- رجل من صحابة عبيد الله بن زياد- فإن أباك حين انطلق وافدا إلى معاوية انطلقت معه فلقيت عبد الله بن عمرو فحدثنى من فيه إلى فىّ حديثا سمعه من رسول الله ﷺ فأملاه علىّ وكتبته قال: فإنى أقسمت عليك لما أعرقت هذا البرذون حتى تأتينى بالكتاب قال: فركبت البرذون فركضته حتى عرق فأتيته بالكتاب، فإذا فيه: حدثنى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ قال:
«إن الله يبغض الفحش والتفحّش، والذى نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يخون الأمين ويؤتمن الخائن حتى يظهر الفحش والتفحّش وقطيعة الأرحام وسوء الجوار، والذى نفس محمد بيده إنّ مثل المؤمن لكمثل القطعة من الذهب نفخ عليها صاحبها فلم تغير ولم تنقص، والذى نفس محمد بيده إن مثل المؤمن لكمثل النحلة أكلت طيّبا ووضعت طيّبا ووقعت فلم تكسر، ولم تفسد، قال: وقال: ألا إن لى حوضا ما بين ناحيتيه كما بين أيلة إلى مكّة أو قال: صنعاء إلى المدينة
стр. 75
وإن فيه من الأباريق مثل الكواكب هو أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدا. قال أبو سبرة فأخذ عبيد الله بن زياد الكتاب فجزعت عليه فلقينى يحيى بن يعمر فشكوت ذلك إليه فقال: والله لأنا أحفظ له منى لسورة من القران فحدثنى به كما كان فى الكتاب سواء» «١» .