(٩) صفية بنت حيي بن أخطب «١» عقيلة بني النضير (..- ٥٠ هـ) (..- ٦٧٠ م)
[زوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى]
إنها أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب الخزرجية من أزواج النبي ﷺ ، أم المؤمنين، كانت يهودية قبل إسلامها، من أهل المدينة، وقد تزوجها سلام بن مشكم القرظي، ثم فارقها، فتزوجها كنانة بن الربيع النضري، وقد قتل عنها يوم خيبر، وأسلمت، فتزوجها رسول الله ﷺ ، وبهذا الزواج المبارك صارت أما للمؤمنين، فرضي الله عنها وأرضاها، وقد ورد عنها في كتب الحديث عشرة أحاديث روتها عن رسول الله ﷺ ، وقد توفيت في المدينة سنة خمسين.
стр. 107
على مشارف خيبر وقف رسول الله ﷺ يقول:
«الله أكبر، ضربت خيبر، إنا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ...
وسرعان ما اندفع العمالقة الفرسان من المسلمين على خيبر فاستسلمت الحصون المنيعة كلها حصنا حصنا، ووقعت جميعا في أيدي الكماة البسلاء وقتل المشركون، وأخذت نساؤهم سبايا، وكان من بينهن شابة حسناء وضيئة في السابعة عشرة من عمرها، هي عقيلة بني النضير «صفية بنت حيي بن أخطب» التي ينتهي نسبها إلى هارون ﵇، وأمها برّة بنت شموال القرظية.
وعلى الرغم من صغر سنها وقتذاك إلا أنها سبق أن تزوجت مرتين قبل ذلك: الأول كان زواجها من فارس من فرسان قومها وكان شاعرا مفوّها هو سلام بن مشكم القرظي، ثم خلفه عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري صاحب حصن القموص في خيبر.
وكان كنانة قد خبّأ كنز بني النضير وأخفاه، وجمده، ولما اكتشف مخبأ الكنز عنده، دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة الأنصاري فضرب عنقه.
ثم سيقت النساء سبايا، ومن بينهن، بل وفي مقدمتهن صفية بنت حيي بن أخطب، زوجة كنانة ... وكانت رزينة وقورا تكتم آلاما تصارعها، وتحبس حزنا ووجدا في دخيلتها، إذ إن أهلها صرعى قد أعمل السيف في رقابهم، وقطّعت أشلاؤهم إربا إربا، وذهبوا شذر مذر إلى غير رجعة ... في بطون الطير، وصاروا طعما سائغا للدود وخنافس التراب، وعائفات الطيور الشوارد ... هذه الأحزان المكتومة، واللواعج المكبوتة تعتمل في صدرها وهي
стр. 108
متماسكة لكن صفحة وجهها، ومرآة جبينها تنبىء عما يداخلها من أسى، وما يخالطها من لوعة، وما يخامرها من هوان وتهوين وتوهين ... وتتصاعد من حبيس صدرها تنهدات ينفلق لها الصخر ... وهي صابرة على بلواها ... ورآها رسول الله ﷺ في مسيس الحاجة إلى الحدب والشفقة والحنان، فقال لها: هل لك فيّ؟ قالت: يا رسول الله، قد كنت أتمنى ذلك في الشرك، فكيف إذا أمكنني الله منه في الإسلام؟
فأعتقها ﷺ ، وجعل عتقها صداقها ثم دفعها إلى أم سليم لتهيئها، ولتعتد عندها.
وانطلقت صفية من بين زمرة السبايا، إلى نسيم الحرية، ومن ذلة وهوان الكفر إلى عزة ورفعة الإسلام، وسمو شأنه. تركت أهلها المشركين مجندلين صرعى ونسيت تماما كل ما جرى لهم من الذبح والتقتيل، وقد مسحت من ذاكرتها كل تداعيات الأسى وأحزان المعركة التي قطفت فيها رؤوس أبطالها، وحصدت هامهم، وبقرت بطونهم ... في مذبحة مروعة ...
تهيأت صفية للزواج فور انقضاء عدتها، وبنى عليها رسول الله ﷺ ، وبذلك أصبحت أمّا للمؤمنين ...
ثم تتداعى الذكريات القديمة في خواطر وخلجات العروس الشابة فتذكر رؤيا رأتها في ليلة عرسها بكنانة بن الربيع حيث رأت في منامها أن قمرا وقع في حجرها ... فلما أن صحت من نومها قصت رؤياها على كنانة، غضب غضبا شديدا، وقال لها: «ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا» ، ولطم وجهها لطمة ما يزال أثر منها فيه.
وكانت صفية ﵂ جميلة وضيئة في خير عمرها وشبابها مما حدا
стр. 109
بالسيدة عائشة ﵂ لأن تخرج متنقبة تتبع خطواتها من بعيد والغيرة ترعى في أحشائها كما ترعى النار الهشيم، وكانت تنعتها باليهودية، فقال لها رسول الله ﷺ :
«لا تقولي ذلك، فإنها أسلمت وحسن إسلامها» «١» .
ولما كانت في بيت النبوة ورأت عائشة وحفصة وسودة في جانب، وباقي الزوجات في جانب آخر وتشايعهن فاطمة الزهراء ﵅ جميعا، رأت صفية في الانضمام لأي منهن حرجا شديدا، ولا سيما وأنها لا تزال حتى الان منظورا إليها- وهي أم المؤمنين- إلى أنها يهودية ولا تزال محمولا عليها بجريرة تطهرت منها، وبحوب وإصر تطهرت منه بإسلامها وحسن تدينها وأمومتها للمؤمنين، فرأت أن تمسك العصا من النصف، وتكون هي واسطة العقد، فلم تنضم، ولم تنحز لآية جهة، وبلباقة وذكاء واستبصار رأت تحسن الصلة بين ضرائرهن كلهن وبنت جسرا طيبا من الودّ والمحبة والألفة والإيناس مع فاطمة الزهراء ﵂ ...
وكان أخشى ما تخشاه جانب عائشة لشدة غيرتها على رسول الله ﷺ من كل جارية حسناء تدخل في بيته، كما كان يؤذيها أن تعير بقومها وعشيرتها ...
ومع منهجها السديد الموفق، ونظرتها الثاقبة النافذة، وبصرها القوي، وبصيرتها العميقة إلا أنها لم تسلم من الوقوع في شرك المنازعات فيلفها مرير الكلام وغليظ القول عن عائشة وحفصة، وهي لم تقدم أية إساءة إلى أي منهما ... وبكت بكاء حارا للمصطفى ﷺ الذي رقّ لها وتأثر
стр. 110
بها أبلغ التأثير، وقال لها: «ألا قلت: وكيف تكونان خيرا مني، وزوجي محمد، وأبي هرون، وعمي موسى» «١» .
جبرت كلماته ﷺ خاطرها المكسور، وزادت ثقتها بنفسها وبتدينها وبزوجها، فقد نزلت وترسلت هذه الكلمات على صدرها بردا وسلاما.
لقد كان ﷺ يحامي عن صفية ويذب عنها، ويختصها برعاية وحياطة مخصوصة، ويشعر بالضيق والتأثر إذا ما أوذيت من الضرائر ...
ولقد ظل يحامي عنها ﵊ حتى آخر عمره، فلم يحرمها من ذلك لحظة طوال حياته ...
وبعد انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى اكتنفها الانفراد والاستيحاش، وظلت على طبيعتها من التوسط والوقار والرزانة، وعند حدوث الفتنة الكبرى وهجوم الثوار على سيدنا عثمان بن عفان أمير المؤمنين
﵁ وقفت صفية ﵂ إلى صفه، وتعاطفت معه، وقيل إنها قد وضعت معبرا بين منزلها ومنزل عثمان، تنقل إليه الطعام والماء إبّان محنة الحصار الذي طوقه به الثائرون ... ولما أغاروا على أمير المؤمنين ذي النورين، الإمام الصابر المحتسب، كان حزن صفية أم المؤمنين عليه بالغا وكبيرا.
ولقيت ربها راضية مرضيا عنها في حوالي سنة خمسين في خلافة معاوية ﵁.
وقد خرّج الحفاظ أحاديثها عن رسول الله ﷺ ، وهي ثابتة في الكتب الستة.
стр. 111
(١٠) رملة بنت أبي سفيان «١» السيدة أم حبيبة (٢٥ ق. هـ- ٤٤ هـ) (٥٩٦- ٦٦٤ م .)
إنها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، أخت معاوية بن أبي سفيان، كانت من فصيحات قريش، وقد تزوجها رسول الله ﷺ وهي في الحبشة، وصارت أما للمؤمنين، وهي من الصحابيات الأوليات.
كانت السيدة رملة مشهورة بالذكاء والزكانة والحصافة وجودة الرأي.
كانت قبل زواجها من رسول الله ﷺ مع عبيد الله بن جحش، ثم هاجرت معه إلى الحبشة في الهجرة الثانية، لكن عبيد الله ارتد عن الإسلام وتحول إلى النصرانية، فتركته وأعرضت عنه حتى هلك، فأرسل إليها رسول الله ﷺ يخطبها، وعهد للنجاشي ملك الحبشة بعقد نكاحه عليها، وكانت وكلت عنها خالد بن سعيد بن العاص، وكان النجاشي
стр. 112
أصدقها من عنده أربعمائة دينار، وكان ذلك سنة سبع، وكان عمرها وقتذاك بضع وثلاثون سنة.
وكان أبو سفيان أبوها لا يزال مقيما على الشرك، ولما علم وبلغه ما صنع رسول الله ﷺ عجب له وقال: ذلك الفحل لا يقرع أنفه!! وقد توفيت ﵂ بالمدينة سنة أربع وأربعين، وروت عن رسول الله ﷺ خمسة وستين حديثا.
ظهرت المدينة في أبهى صورها، وأجمل رونقها وهي تتهيأ لاستقبال الظافرين المسلمين من خيبر الذين أتوا على قافلة الشرك فقصموا ظهره، وأتوا بنيانه من القواعد، وفي نفس الوقت تستقبل المدينة مهاجرة الحبشة الذين جاؤا في صحبة عمرو بن أمية الضمري المبعوث من رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ليعود بمن بقي في بلاده من المهاجرين الأولين.
ويتفرس رسول الله ﷺ وجوه أصحابه ورجاله من المهاجرين الكماة «١» الأبطال فما أن يلمح ابن عمه جعفر بن أبي طالب، حتى وثب من فوق راحلته، معانقا ومقبلا عينيه، وهو يقول هاشا مغبوطا:
«ما أدري بأيهما أنا أسر: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» .
وكان من بين المهاجرات اللاتي وصلن (أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان، أم المؤمنين، وكانت فرحتها وغبطتها لا نهائية حيث رحب بها رسول الله ﷺ وفتح لها صدره وقلبه، ليكافئها على صبرها وابتلائها في بلاد الغربة النائية الشطون، حيث كانت مصيبتها وفجيعتها في زوجها الهالك عبيد الله بن
стр. 113
جحش الذي صبأ عن الإسلام، واعتنق دين الأحباش (النصرانية) وتركها وابنتها منه (حبيبة) في ديار الغربة محزونة مهمومة، تعاني الأمرين من الغربة والبين عن الأهل والزوج والوطن ... فقد فرّق الإسلام بينها وبين أهلها، حتى إن الزوج المسلم الذي كان كنفا وملاذا صار غريبا عنها فحرمت من كل عطف وشفقة وتحنن، ولولا أن تزوجها رسول الله ﷺ بالوكالة لما رتق هذا الفتق، ولا جبر هذا الكسر شيء في الدنيا جميعا، فإن جرحها كان غائرا، لأشجان الاغتراب ومرارة التنكر للاباء والأجداد، وقد صارت ديار بني جحش يبابا خرابا تنعق عليها البوم، وتنعب على أطلالها الدوارس الغربان.
لقد صارت رملة (أم حبيبة) أما للمؤمنين، وكان أبوها لا يزال مقيما على الكفر والشرك، وكان دخول أم حبيبة بيت النبوة تحولا خطيرا غير مسبوق.
وكانت فرحة ذي النورين عثمان بن عفان- ﵁ لا توصف ولا تحد، وهو خالها المحب العطوف الذي كان أول من بارك تزويج ابنة أخته من رسول الله ﷺ ، وتجلى هذا السرور في إقامة عثمان وليمة حافلة نحرت فيها الذبائح، وطعم الناس فيها اللحم، وعلى عزف الطبول وأغنيات الجواري والفتيات سهرت المدينة وسهر أهلها يتغنون بقول أبي سفيان عند ما علم بزواج ابنته من رسول الله ﷺ :
«هذا الفحل لا يجدع أنفه» .
ولم يكن هناك داع بادي الرأي ولا مبرر لغيرة عائشة من رملة حيث إنها سيدة قد نيفت على الأربعين أو تكاد ... ولكن هي الآخرى أم حبيبة رأت أن تربأ بنفسها عن أن تكون مقودة بابنة أبي بكر ﵄، وأن تكون- وهي من هي ابنة أبي سفيان زعيم قريش- تبعا لعائشة التي تتزعم ثورة الضرائر في بيت النبوة للاستئثار بأكبر نصيب من رسول الله ﷺ ...
стр. 114
ولعل أم حبيبة كانت محزونة مشحونة بالهموم والأنكاد، للمصارمة والقطيعة والعداوة الشديدة بين أبيها وأهلها وبين زوجها رسول الله ﷺ ، فهي تتفطر حزنا وأسى ولوعة، وهي تسمع أنباء تهييج أبيها واستنفاره للمشركين ضد المسلمين، وهي في نفس الوقت حريصة كل الحرص على زوجها وحبيبها رسول الله ﷺ ، وعلى أبنائها المؤمنين من الفوارس الأبطال، فهي لذلك مشغولة البال من كثرة الوساوس والبلبال، فإن نارا تتلظى في حشاها، وجحيما تتسعر لا تخبو ليلا ولا تهمد نهارا، ولا تكبو طرفة عين، ولا سيما بعد أن تراقى إليها، ونما إلى سمعها وحك أذنيها أن لقاء المواجهة الحاسمة بين أبيها ورجاله، وبين زوجها وأبنائها صار وشيكا، فإنه عندئذ سيأكل بعضها بعضا ... لذلك لم يكن لديها من الوجدان والشعور متسع ولا فيه منادح أو مسارح لمثل خطط الضرائر وتحزبهن، ومكايدهن لبعضهن البعض، فهي عندها من الشواغل والهموم حيلولة طبيعية دون ذلك.
ذات يوم عمدت قريش إلى نقض عهد الحديبية، فاجتمع كبراؤها ورؤوسها ليتداولوا في الأمر، وليقوموا مدى توفر ضمانات النصر والظفر ...
لكن بعد مشاورات جادة رأوا أن قوة محمد ﷺ أصبحت مضربا للأمثال، وأصبحت قوة ضاربة، يتمثل بها الصادر والوارد، وأصبح حدّ المسلمين كثيفا ولم يعد كلؤهم مستباحا، ولا عقوتهم محلولا بها، ولا ذمارهم مغارا عليه، ولا بد لمن يفكر في الإغارة عليهم أو استباحة ذمارهم أن يفكر ويتدبر ويتردد ألف مرة، وأن أية محاولة سيكون ثمنها غاليا، وأن أية مغامرة سيكون فيها الهلاك والتشريد والإبادة الساحقة الماحقة التي لا تبقي ولا تذر.
لذلك أجمعوا أمرهم على أن يقوم كبيرهم أبو سفيان بن حرب رسولا
стр. 115
منهم ممثلا لهم إلى المدينة ليتفاوض مع محمد ﷺ ، وذلك ليمد الهدنة عشر سنوات أخرى.
لكن أبا سفيان رأى الموقف حرجا ودقيقا للغاية فاختلف إلى بيت أم حبيبة خلسة متسللا ليعرض عليها مطلوب قريش، ولم يكن قد رآها قبل هجرتها إلى الحبشة ... ووقف أمام ابنته، وقد فوجئت أم حبيبة بأبيها يقف أمامها وفي عقر دارها، ثم أذن لنفسه أن يجلس على الفراش من تلقاء نفسه من غير أن تأذن له، فما راعه وروّعه وفت في ساعده إلا أن وثبت أم حبيبة فاختطفت الفراش الذي قعد عليه أبوها وسحبته من تحته وطوته في قوة وصلابة، فسألها وهو يلوذ بالصبر والحلم والاحتمال:
«أطويته يا بنية رغبة بي عن الفراش، أم رغبة بالفراش عني؟؟!!» .
وكان ردها صارما قاسيا:
«هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك، فلم أحب أن تجلس عليه!!» .
قال أبو سفيان، وهو يعتصر من داخله والألم يفري كبده، وقد كسرت كلمات رملة فقار ظهره، وصفعته على جبينه وصكته صكا:
«لقد أصابك يا بنية بعدي شر» .
وانصرف كالح الوجه كاسف البال، مقهور القلب، مكسور الجناح، واهي العزيمة، واهن القوة، مهدود القوى خائرها، مقوّض الأركان، مغشيا عليه.
ثم لقي رسول الله ﷺ في الأمر فلم يجبه بشيء، فانصرف إلى أبي بكر فرفض، ثم ذهب بعد ذلك إلى عمر، ثم إلى علي ﵃ أجمعين متوسلا إليهم مستشفعا بهم أن يشفعوا له عند محمد صلى
стр. 116
الله عليه وسلم، لكنه وصل بعد هذه المساعي الموصولة إلى طريق مسدودة موصدة فما يجير أحد على رسول الله ﷺ .
وأخذ أخيرا بنصيحة علي بن أبي طالب، وهي أن يجير هو بين الناس، ثم يسرع فيلحق بأرضه، ومن ثم ذهب أبو سفيان إلى المسجد، ثم أعلن أنه أجار بين الناس، ثم أسرع إلى راحلته، فانطلق بها يعدو في طريق مكة كأنه يفر من مطارد.
رجع أبو سفيان إلى قومه يضرب أصدريه، وعاد بخفي حنين، صفر اليدين، مجروح الكرامة، مبخوس الحظ، مقروح الفؤاد، مصدوع الكبد ...
وفي طريق من طرق مكة والجيش اللجب الجرار، والخميس العرمرم يتوجه قاصدا البيت الحرام، والأبطال المغاوير شاكين السلاح، ولقي العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ أبا سفيان فابتدره العباس ينبئه بالخبر، فقال له:
«ويحك يا أبا حنظلة، هذا رسول الله في الناس واصباح قريش إذا دخل مكة عنوة! فأسلم ثكلتك أمك وعشيرتك» .
ثم أجاره العباس عند رسول الله ﷺ وأخذه عنده، وفي الغداة من صباح اليوم التالي جاء به العباس لعرضه على رسول الله ﷺ ، فقال له:
«ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم ألاإله إلا الله؟» قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره، لقد أغنى شيئا بعد!» فقال رسول الله ﷺ :
«ويحك يا أبا سفيان: ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟» .
стр. 117
قال أبو سفيان:
«بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما أحلمك وما أكرمك وما أوصلك!! أما هذه، فو الله إن في النفس منها حتى الان شيئا!» .
لكن ما لبث أبو سفيان أن صدع بكلمة الحق تدوي على ملأ الأشهاد ليشهد ألاإله إلّا الله، وأن محمدا رسول الله حقا وصدقا، وأن الدين عند الله الإسلام ...
وينادي رسول الله ﷺ : ومن «دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق من دونه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن» .
كانت في تلك اللحظات (رملة) تجلس واجمة حزينة مهمومة، وهي لا تملك شيئا، ولكن في لحظة عابرة سرح بخاطرها شعور لذيذ جميل، وهو من محصول التداعيات الكثيرة التي تعتمل في فكرها، وتجول وتصول في صدرها ... وهي ما الذي يمنع أن يدخل أبو سفيان وابنه معاوية في الإسلام مثلما حدث مع أبي بكر وعمر ﵄؟؟ وورد على خاطرها في نفس اللحظة قوله تعالى:
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً، وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» .
وما لبثت وهي يخامرها هذا الخاطر الجميل، ويساورها ويراوحها حتى
стр. 118
بلغها إسلام أبيها، فطارت فرحا، وانتشت غبطة تحمد الله، وتشكر فضله، وخرت له ساجدة شاكرة، وقد انزاح عن كاهلها جبال من الهموم أثقل من أحد وشهلان، وطرحت عن ظهرها أثقالا فادحة زلزلت كيانها منذ كانت في ديار الغربة وما لقيته فيها من عذاب وعنت ومشقة.
وعند ما شعرت بدنو ساعة الرحيل، وكان لا بد من دنو قطافها يوما من الأيام بعد أن جاهدت في سبيل الله حق جهاده، بعثت لعائشة لتحللها مما كان بينهما من هفوات أو هنوات تكون بين الضرائر عادة فقالت لعائشة وقد دعتها إليها:
«قد كاد أن يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فتحلليني من ذلك» أو قالت: قد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك» ، فحللتها عائشة، واستغفرت لها، فقالت لها:
«سررتني سرك الله» وفعلت نفس هذا الأمر مع أم سلمة بنت زاد الركب» .
ثم صعدت الروح الطيبة إلى بارئها وثوى الجسد الطاهر المسجى في بقيع المدينة رضوان الله عليها.
стр. 119
(١١) ميمونة بنت الحارث الهلالية «١» آخر أمهات المؤمنين ( ... - ٥١ هـ) ( ... - ٦٧١ م)
هي ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية: آخر امرأة تزوجها رسول الله ﷺ ، وكانت هي أيضا آخر من مات من أمهات المؤمنين ﵅ أجمعين. وكان اسمها «برّة» فسمّاها «ميمونة» وكانت بايعت بمكة قبل الهجرة، وكانت زوجة أبي رهم بن عبد العزى العامري، ثم مات عنها، وفي سنة سبع تزوجها رسول الله ﷺ ، وبنى عليها، وقد اشتهرت بالورع والصلاح والخشية والإخبات، ومن عجب أنها توفيت في «سرف» وهي
стр. 120
نفس الموضع الذي بنى عليها فيه رسول الله ﷺ بالقرب من مكة، ودفنت فيه، وكان ذلك عن عمر يقدر بثمانين سنة «١» .
في فتح مكة لما دخلها المسلمون وهم ألفا رجل موحد يقودهم رسول الله ﷺ على ناقته يملك بخطامها عبد الله بن رواحة الأنصاري «٢» انكشف المشركون، وانجلوا عنها مغلولين مدحورين فما فيها منهم يومئذ أحد.
ودخل الموحدون مكة آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون ...
وكان هذا تحقيقا للرؤيا التي رآها رسول الله ﷺ ، فنزل في ذلك قوله تعالى:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً «٣» .
واندفع الموكب الهائل إلى بيت الله الحرام ملبين مهللين مكبرين: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك» .
وتتصاعد إلى عنان السماء نداآت اليقين والصدق من الأبرار أهل التقوى
стр. 121
وأهل المغفرة، تحمد الله وتشكر فضله على نعمة التبريز والظهور على أعدائه، فيعلو صوت الموحدين:
«لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده» .
في هذا الموكب المهيب الرهيب الذي ارتفعت فيه راية الإسلام عالية خفاقة في العالمين، واندكت صروح الشرك، واندحرت فلول المشركين، في هذا الموكب الصاخب كانت ثمّ سيدة من فضليات سيدات مكة ترنو إلى أمل كبير تحلم بتحقيقه، ألا وهو أن تكون أمّا للمؤمنين الأبطال الظافرين ... إنها برّة بنت الحارث بن حزن بن بجير العامرية الهلالية وهي إحدى الأخوات اللاتي قال فيهن رسول الله ﷺ : (الأخوات مؤمنات) «١» وكان لها أخوات من أمها هنّ:
زينب بنت خزيمة أم المؤمنين، المسماة أم المساكين، وأسماء بنت عميس الخثعمية زوج جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين (الطيار) وسلمى بنت عميس زوج حمزة بن أبي طالب، شهيد أحد، أسد الله.
كانت أمهن هند بنت عوف بن زهير بن الحارث، التي قيل عنها إنها أكرم عجوز في الأرض أصهارا، حيث إن أصهارها: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وحمزة، والعباس، وجعفر، وعلي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. وكان لها أيضا أصهار آخرون من المبرزين وذوي المكانة والمنزلة بين أقوامهم.
стр. 122
وتزوج رسول الله ﷺ برة بنت الحارث وسمّاها (ميمونة) وفي رواية أنها وهبت نفسها للنبي ﷺ ، فأنزل الله ﵎ فيها قوله تعالى:
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ «١» .
ولما أن انتهت الأيام الثلاثة التي كانت منصوصا عليها في صلح الحديبية، أراد رسول الله ﷺ أن يعرس بميمونة بمكة بين ظهراني قريش، لكنهم لم يوافقوه، وعرض عليهم في رفق بالغ:
«ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه؟؟» .
فكان رد القرشيين جافيا غليظا ...
«لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا» .
فوفاء بالوعد والعهد المبرم المقطوع، وفي الموعد المضروب أذّن رسول الله ﷺ في المسلمين بالرحيل، ومزايلة البلد، مخلفا مولاه أبا رافع بمكة ليلحق به في صحبة ميمونة....
وقرب التنعيم في «سرف» جاءت ميمونة بصحبة أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، وكان ذلك في ذي القعدة من سنة سبع، فبنى عليها رسول الله ﷺ ، وقد سمّاها ﷺ (ميمونة) وذلك لكون هذا الزواج تم في مناسبة مباركة ميمونة، وهي دخوله عليه الصلاة
стр. 123
والسلام أم القرى (مكة) لأول مرة منذ سنوات سبع ومعه رجاله من غير خوف ولا وجل ...
ثم دخلت ميمونة بيت رسول الله ﷺ ليسعها قلبه وفؤاده ووجدانه ... وكانت غير قادرة على مواجهة الضرائر بحال، لكنها كان يعتصرها شعور دخيل مستور غير ظاهر بالغيرة منهن ... وكانت تدرك بفراستها شعور رسول الله ﷺ وحبه لعائشة الذي يفوق الوصف..
حتى إنه كان عندها في مرض موته، وعرفت بثاقب نظرها ونفاذ بصيرتها رغبة رسول الله ﷺ وهواه، فرضيت أن ينتقل إلى بيت عائشة ﵂ ليمرض فيه ... وكأنها تكتفي بأن تكون أما للمؤمنين في مناسبة ميمونة مباركة على المسلمين جميعا.
وكانت طيبة النفس مطمئنة القلب، لم يعلق بها من زخرف الدنيا ولا مظهرها الخلوب شيء، فقد كانت أقصى أمنياتها أن تكون زوجا لرسول الله ﷺ ، وأن تكون أما للمؤمنين، فوهبت نفسها للنبي ﷺ فقبلها، وكان لها ما أرادت لخلوص نيتها، وصدق يقينها، وإخلاصها الصريح المحصن لله ولرسوله ﷺ .
وتوفيت ﵂ سنة إحدى وخمسين على الأرجح، صلى عليها ابن أختها عبد الله بن عباس- ﵄، ودفنت بسرف ... فرضي الله عنها وأرضاها في دار المقامة.
стр. 124
(١٢) مارية القبطية «١» أم إبراهيم ( ... - ١٦ هـ) ( ... - ٦٣٧ م)
هي مارية بنت شمعون القبطية، أم إبراهيم من سراري النبي ﷺ ، مصرية الأصل، ولدت في قرية «حفن» من كورة «أنصنا» «٢» بمصر، وقد أهداها المقوقس كبير القبط صاحب مصر والإسكندرية سنة سبع للهجرة إلى رسول الله ﷺ ، وأهداه أيضا معها أختها «سيرين» ثم ولدت له مارية إبراهيم، فقال: أعتقها ولدها. ثم أهدى سيرين أختها إلى
стр. 125
الصحابي الجليل شاعر الإسلام، وشاعر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت- ﵁ فأنجبت منه ولده عبد الرحمن بن حسان، وقد عني بها الراشدان أبو بكر وعمر ﵄ بعد انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى فكانا ينفقان عليها.
وقد توفيت في خلافة عمر ﵁، ثم دفنت بالبقيع ببقعة العالية بالمدينة.
وشاع في أرجاء المدينة، وطار الخبر في نواحيها أن شابة مصرية جميلة، بيضاء حلوة، جعدة الشعر، لها ملامح جذابة جاءت من بلاد النيل هدية للنبي صلى الله عليه من المقوقس، فأنزلها ﵊ بمنزل لحارثة بن النعمان الأنصاري، قرب المسجد.
وكانت أولى نسائه ﷺ بحثا لهذا الموضوع عائشة ﵂، لكنها استقرت إلى أن هذه الشابة لا خطر منها في الراجح، لأنها وإن كانت ساحرة خلوبا إلا أنها جارية قبطية غريبة مهداة من سيد إلى سيد وحسب.
لكن اهتمام رسول الله ﷺ بها كان واضحا ومثيرا ... ثم عرض عليها وأختها الإسلام فأسلمتا وكان أنزلهما على أم سليم بنت ملحان، ثم حولها إلى مال له بالعالية ... ثم اختصها بنفسه ﵊، ووهب أختها حسان بن ثابت.
ومر عامان وهي في كنفه ﷺ ورعايته، وهي تراودها وتراوحها كل لحظة ذكريات السيدة هاجر التي أهداها ملك مصر إلى النبي إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وقد جاءت حاملة معها عبق
стр. 126
النيل وصفاء مائه، وخضرة شاطئه، وطيب واديه ... ثم حملت منه وأنجبت له الولد ...
فما المانع إذن أن تكون الحوادث مكرورة، وأن التاريخ- عندما يكون الحظ مواتيا- لا يستبعد أن يعيد نفسه مرة أخرى، فإنها ربما كانت صورة مكرورة، أو معادة مما سبق مع المصرية الحسناء الخلوب هاجر، ثم ضرب عليها الحجاب شأن أمهات المؤمنين، فأرضاها ذلك كل الرضى ...
وكان خبرا سارا ومثيرا أن أعلن أن مارية القبطية صارت حاملا من رسول الله ﷺ ولذلك فإنه حرصا عليها وعلى جنينها الذي يسكن في أحشائها ورغبة في راحتها نقلها ﷺ إلى «العالية» بضواحي المدينة، لمزيد من العناية وتوفيرا للراحة.
ولأجل مارية القبطية أم إبراهيم ﵇، وكذلك هاجر أم إسماعيل ﵇ أيضا جد العرب العدنانية، أوصى رسول الله ﷺ بقبط مصر خيرا ...
وفي صحيح الإمام مسلم بن الحجاج عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما» ، أو قال: «ذمة وصهرا» «١» .
ولذلك فإنه لما كان فتح مصر سنة عشرين ذكر عمرو بن العاص في
стр. 127
مفاوضات الصلح: «وقد أعلمنا نبينا ﷺ أنّا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفاظا لرحمنا فيكم، وأن لكم إن أجبتمونا ذمة إلى ذمة، ومما عهد إلينا أمير المؤمنين: استوصوا بالقبطيين خيرا، فإن رسول الله ﷺ أوصانا بالقبطيين خيرا؛ لأن لهم رحما وصهرا» «١» .
وفي الطبقات الكبرى لابن سعد أنجبت مارية له ﷺ إبراهيم الذي أعتق أمه من الرق، ثم حمل وليدها وابنه بين يديه في غبطة وسماه «إبراهيم» تيمنا بإبراهيم أبي الأنبياء ﵇.
ودب دبيب الغيرة في قلب عائشة بنت أبي بكر التي كادت تحترق من الحزن رغم محاولاتها كتمان ذلك تماما، لكن لا يقدم ذلك ولا يؤخر في القدر المقدور ...
لقد قرت عينا رسول الله ﷺ بالولد الذي رزقه الله به من الحسناء المصرية (مارية) وهو يربو على الستين من عمره....
وما كان يؤجج الغيرة، ويثير الحفائظ، مثل كثرة اختلاف رسول الله ﷺ إلى العالية ...
لكن لم يشب إبراهيم عن الطوق، حتى غرب نجمه وغار وهو في مهده، وانطفأ مصباحه المنير، فقد مرض ولما يبلغ العامين من عمره ... ونزل به المرض نزولا شديدا لم ينفع له تمريض، ولم يدفع منه شيئا ...
وجاءه ﷺ معتمدا- لشدة ما به من الألم- على عبد الرحمن بن عوف- ﵁ فالتقط صغيره من حجر أمه وعيناه
стр. 128
مغرورقتان بالدموع الواكفة، وقلبه مضطرم بالنيران المشبوبة، وفؤاده محزون تتقطع نياط قلبه ... وتغرب عينا إبراهيم بعد لحظة وداع فاترة النظرات إلى الملامح والتقاسيم ... وينظر رسول الله صلى الله وسلم لابنه وهو يكيد بنفسه، فيقول:
«إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من الله شيئا»
وأخرج الشيخان في الصحيحين، من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على «أبي سيف، القين» وكان ظئرا لإبراهيم ﵇، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبّله وشمه.
ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه ... فجعلت عينا رسول الله ﷺ تدمعان، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «يا بن عوف، إنها رحمة» . ثم أتبعها أخرى فقال ﷺ :
«إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» «١» .
وكان إبراهيم ﵇ ولد سنة ثمان، وقضى نحبه سنة عشر من الهجرة على الأرجح.
ثم قال ﵊ وعيناه تكفان وتهضبان سخين العبرات، وانحنى على جثمان صغيره المسجى يقبله ثم قال: «يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق
стр. 129
ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك حزنا أشد من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون. تبكي العين وتدمع، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب» وفي رواية «ولا نقول ما يسخط الرب» «١» .
ولم يعش رسول الله ﷺ بعد إبراهيم طويلا فما أهل عليه ربيع السنة التالية إلا وكان لاحقا بالرفيق الأعلى ...
ثم بقيت بعده مارية ﵂ بضع سنوات في شبه عزلة عن الحياة والأحياء، لا تكاد تشعر بالدنيا من حولها حبيسة دارها حلس بيتها، وأدركها الوهن والحزن العميق والكابة ... فلا تكاد تبرح وتزايل دارها إلا لزيارة الحبيبين في المسجد أو في البقيع ... ولما دنت ساعة الرحيل أسلمت الأنفاس وجادت بالروح إلى بارئها، راضية مرضيا عنها، وحشد عمر ﵁ لجنازتها الناس وصلى عليها، ثم دفنها بالبقيع فرضي الله عنها وأرضاها، وسلام عليها في جنات النعيم.
стр. 130
المصادر والمراجع الأساسية «١»
- الاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر، مطبوع على هامش الإصابة ١٩٣٩ م. ثم نقلت عن الطبعة الأخيرة أيضا.
- أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير طبعة مصر ١٢٨٠ هـ.
- الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، طبعة مصر ١٩٣٩ م.
والأخيرة أيضا.
- الأعلام لخير الدين الزركلي، الطبعة الأولى ثم الطبعة الأخيرة (السابعة) دار العلم للملايين ١٩٨٦ م.
- أنساب الأشراف للبلاذري بتحقيق الدكتور محمد حميد الله. طبعة دار المعارف ١٩٥٩ م.
- تاريخ الطبري. الطبعة الأولى، ثم طبعة مؤسسة الأعلمي- بيروت لبنان، بدون تاريخ.
стр. 131
- تفسير القرطبي والطبري وابن كثير والبحر المحيط.
- تفسير البحر المحيط لأبي حيان.
- تفسير الفخر الرازي الكبير.
- تفسير الكشاف للزمخشري.
- تفسير التسهيل لعلوم التنزيل.
- تراجم سيدات بيت النبوة ﵅. دكتورة عائشة عبد الرحمن- «بنت الشاطئ» طبعة أولى- نشر دار الريان للتراث ١٩٨٨ م.
- الروض الأنف للسهيلي- طبعة مؤسسة مختار والكليات الأزهرية ١٩٧٢ م.
- الروض المعطار في خبر الأقطار (معجم جغرافي) لمحمد بن عبد المنعم الحميري تحقيق د. إحسان عباس- مؤسسة ناصر للثقافة ١٩٨٠ م.
- سنن أبي داود.
- السيرة النبوية لابن هشام بتحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا- مطبوعة دار التراث العربي- القاهرة ١٩٧٩ م.
- صحابة النبي ﷺ ، السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار- دكتور السيد الجميلي- دار المشرق العربي بمصر طبعة أولى ١٩٨٧ م.
- صحيح البخاري بحاشية السندي.
- وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ط. أولى ثم طبعة دار المعرفة.
- صحيح مسلم.
- الطبقات الكبرى لابن سعد. طبعة أولى- ثم طبعة دار صادر- بيروت لبنان، بتحقيق د. إحسان عباس. بدون تاريخ.
стр. 132
- العشرة المبشرون بالجنة. تأليف الدكتور السيد الجميلي طبعة دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان ١٩٨٤ م.
- فتوح البلدان للبلاذري- تحقيق رضوان محمد رضوان. نشر العلمية ١٩٨٣ م.
- معجم البلدان لياقوت الحموي- طبعة دار صادر بيروت. بدون تاريخ.
- نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي ط. العلمية ١٩٨٤ م.
стр. 133
الفهرس
إهداء ٥
المقدمة ٧
خديجة بنت خويلد ١١
سودة بنت زمعة ٣٣
عائشة بنت أبي بكر ٤٣
حفصة بنت عمر ٦٩
زينب بنت خزيمة ٧٩
هند بنت أبي أمية ٨٣
زينب بنت جحش ٩١
جويرية بنت الحارث الخزاعية ١٠٧
صفية بنت حيي بن أخطب ١١٥
رملة بنت أبي سفيان ١٢١
ميمونة بنت الحارث الهلالية ١٢٩
مارية القبطية ١٣٥
المصادر والمراجع الأساسية ١٤١