← Тараджим

Тараджим · id 23687

نساء النبي

السيد الجميلى

Полный текст (133 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقيل: إن جبريل نزل على رسول الله ﷺ ، وقال له: (أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة) . وكان على حفصة أن تستجيب لأمر الله، فعادت أدراجها، لكن استفادتها من التجربة المريرة كانت أكبر من كل توقع، إذ تجافت حرب الضرائر، وآثرت البعد والنأي عن مشاغباتهن أو مشايعتهن في شيء قليلا كان أم كثيرا. ولم ير رسول الله ﷺ من حفصة بعد ذلك شيئا لا يسره حتى انتقاله للرفيق الأعلى. واكتوت حفصة مع زمرة الأبرار الأخيار بوفاته ﷺ ، وكان حزنها على فراقه بالغا وشديدا ... ثم عاشت عهد الصديق أبي بكر، ثم عهد أبيها عمر، وقد فجعت للمرة الثانية بمقتل أبيها عمر- ﵁. ولم تجد من الوحدة سبيلا غير الاعتكاف للعبادة وذكر الله، فبقيت في المدينة حتى جاءها الحتم المجاب، فلم تتردد لحظة واحدة وكان ذلك في عهد معاوية بن أبي سفيان، فرضي الله عنها وأرضاها.

стр. 72

(٥) زينب بنت خزيمة «١» أم المساكين (٠٠٠- ٤ هـ) (٠٠٠- ٦٢٥ م) هي زينب المخزومية أم المؤمنين، زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، الهلالية. هذه الأرملة الشابة التي دخلت بيت النبوة أما للمؤمنين بوقت قصير من دخول حفصة بنت عمر، لكنها كانت قصيرة العمر، حيث مرت مرورا عابرا سريعا، فانطفأ شهاب عمرها، وذوى هذا المصباح وقد نضب زيته فجأة وغار ضياؤه، ونفدت ذبالته. لقد كان قصر مقامها وثوائها ببيت رسول الله ﷺ سببا

стр. 73

في التفات المؤرخين وكتاب السيرة عنها، وسكوتهم عن ترجمتها، حيث أغفلت ذكرها وأشاحت عن أحداث حياتها القصيرة. لكن الحق يقال: إن نسبها من جهة أبيها ثابت من كل الروايات والمصادر حيث لم يختلف عليه أحد. لكن الاختلاف والاضطراب كان كثيفا كثيرا بالنسبة إلى نسبها من جهة أمها حيث أغفلته جمهرة المصادر. قيل إنها أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين لأمها «١» ، وقيل إنها كانت أكثر من عداها من أمهات المؤمنين حظا من اختلاف الرواة واضطراب الروايات في حياتها قبل زواجها من رسول الله ﷺ ، حيث إن كل ما ورد بخصوص هذه السيرة كان أكثره من التظني والترجم والتحزير، وليس مقطوعا به على سبيل الجزم واليقين. فقد اختلفوا فيمن كانت عنده قبل النبي ﷺ ، ولعل الراجح في هذا المضطرب الواسع أنها كانت عند الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب «٢» فخلفه عليها أخوه عبيدة بن أبي الحارث، وقد استشهد ﵁ في بدر، فخلفه عليها النبي ﷺ . وقيل: بل كانت عند الطفيل بن الحارث بن عبد مناف، فطلقها فخلفه عليها النبي ﷺ .

стр. 74

وقيل: إنها كانت عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ومن قبله كانت عند جهم بن عمرو بن الحارث الهلالي، وهو ابن عمها. وقيل كانت عند عبد الله بن جحش «١» ، الذي استشهد في أحد، فخلفه عليها النبي ﷺ . ووردت روايات وأقاويل أخرى كلها موضع نظر، وعليها تحفظات، وفي إسناد كل منها مقال، لا يخلو من تعقيب أو تثريب، أو قدح وهلم جرا. ثم إن وصف شكلها وصورتها لم يرد في أي من المصادر التي بين أيدينا، فليس هناك قول ثابت أو رواية راجحة أو مقطوع بها في هذا الصدد. إلا أن بعضا من المؤرخين قال على التحقيق إن زواج رسول الله ﷺ منها كان بدافع الشفقة والرفق. لقد كانت طيبة القلب، واسعة الصدر، بعيدة الأناة، كريمة الأخلاق، مرضية الطبيعة، فيها من السخاء والجود والعطف على الفقراء البائسين والمحتاجين ما لم يخف فضله على أحد. لذلك لم يكن بدعا أن تسمى «أم المساكين» حيث إنها كانت كثيرة الرفق بهم والحدب عليهم، والإشفاق والحب لهم جميعا، وكانت كثيرة الإطعام للمساكين.

стр. 75

وهذه النعوت الطيبة والخلال المحمودة، والخصال الممدوحة ذكرها الطبري في تاريخه المشهور، وابن حجر في الإصابة، وابن عبد البر في الاستيعاب. وكما اختلف في تاريخ حوادث حياتها ابتداء من نسبها لأمها وغيره كذلك كان الاختلاف في وفاتها، حيث قيل فيها الكثير ولعل الراجح أنها ماتت- ﵂ وأرضاها- في الثلاثين من عمرها، كما هو المنقول والمأثور عن ابن حجر في الإصابة وعن الواقدي. لقد مرت هذه الشعلة المضيئة سريعا، وانطفأ شهابها الثاقب، وألوت وجهها عن الدنيا، وأشاحت عنها في لمحة خاطفة، فكان عمرها قصيرا كعمر الزهور وكما عاشت رقيقة الطبيعة، مرهفة الشعور، ذهبت كذلك. لم تدركها حيرة، ولا نالت منها غيرة، فكانت زاهدة إلا في حظها من رسول الله ﷺ ، وقد أسلمت الروح إلى بارئها راضية مرضية في هدوء وصمت فصلى عليها النبي ﷺ ودفنها بالبقيع فكانت أولى من دفن فيه من أمهات المؤمنين بعد خديجة المدفونة بالحجون في مكة وسلام عليهن جميعا في الخالدين.

стр. 76

(٦) هند بنت أبي أمية «١» أم سلمة (٢٨ ق. هـ- ٦٢ هـ) (٥٩٦ م- ٦٨١ م) هي هند بنت سهيل المعروف بأبي أمية «٢» بن المغيرة، القرشية المخزومية أم سلمة، تزوجها رسول الله ﷺ سنة أربع للهجرة الشريفة، وكانت ﵂ من أكمل النساء فهما، وأرجحهن عقلا، وأتمهن مشورة، وأطيبهن خلقا، وقد أسلمت مبكرا مع زوجها الأول «أبي سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة» إلى الحبشة، وولدت له ابنه سلمة، ثم رجعا إلى مكة، ثم هاجرا بعد ذلك إلى المدينة، فولدت له بنتين وابنا. ثم مات أبو سلمة في المدينة من جراء جرح أصيب به، ثم خطبها أبو بكر

стр. 77

رضي الله عنه، فلم تتزوجه، ولما خطبها النبي ﷺ قالت له ما مؤداه: مثلي لا تصلح للزواج، فإني تجاوزت السن، فلا يولد لي وأنا امرأة غيور، وعندي أطفال. فأرسل إليها النبي ﷺ قائلا: أما السن، فأنا أكبر منك، وأما الغيرة فيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله ورسوله، ثم تزوجها وبنى عليها، وحازت شرف خدمة بيت النبوة حيث صارت أما للمؤمنين. وكان من موفور عقلها ما تضرب به الأمثال من الحصافة والحكمة والتدبير والاستبصار في الأمور وتقدير عواقبها. واختلف المؤرخون في سنة وفاتها، وقد روت ثمانية وسبعين وثلاثمائة حديث عن رسول الله ﷺ ، وكانت وفاتها بالمدينة ﵂ وأرضاها. لقد كانت أم سلمة بدخولها البيت النبوي أثارت زوبعة وعاصفة عاتية من حيث إنها كانت من أشراف قريش، وكان أبوها معروفا بزاد الركب؛ لأنه كان إذا سافر يحمل زادا لكل من يرافقه ... أما من جهة أمها فكانت حسيبة نسيبة، فأمها هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية ... ونظرا لتفرد أم سلمة بأشياء مخصوصة مقصورة عليها تميزت بها كان هذا التفرد والتميز جالبا لكثير من الاضطرابات النفسية والبدهية عند الضرائر. لقد اجتمع في تكوينها الجمال الساحر الخلوب، والعقل الراجح الرزين، والحلم والوقار، والسكينة ... وفوق هذا كله فقد كانت من السابقين إلى

стр. 78

الإسلام لأنها من أصحاب الهجرتين، هي وزوجها الصحابي الجليل أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وابن عمة رسول الله ﷺ ، وهو أيضا أخوه من الرضاعة ... فقد أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب. ولما كان الرحيل وشيكا لعبد الله أبي سلمة كان رسول الله ﷺ جالسا إلى جواره يدعو له وهو يحتضر ويعالج خلجات الروح وسكرات الموت. ورد في صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» . قلت: فلما مات أبو سلمة، أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات، فقال: قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة» قالت: فقلت، فأعقبني الله من هو خير منه؛ رسول الله ﷺ . ثم قال ﵊: اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه» «١» . لقد كان شرفا عظيما، وخيرا عميما لأبي سلمة المجاهد الصابر، المكافح المحتسب- أن يجلس إلى جواره في فراش موته رسول الله ﷺ

стр. 79

يدعو له بالخير حتى فاضت روحه إلى بارئها، فأسبل ﷺ بيده الكريمة عينيه، وكبّر عليه تسع تكبيرات. قيل: يا رسول الله، أسهوت أم نسيت؟ فقال: «لم أسه ولم أنس، ولو كبّرت على أبي سلمة ألفا، كان أهلا لذاك» . قرر هذا ابن حجر في الإصابة، والطبري في تاريخه. ولما مات أبو سلمة استرجعت أم سلمة، وفوضت أمرها لله ، فكانت تقول: «إنا لله وإنا اليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي وعوضني خيرا منها» . وفي الطبقات الكبرى لابن سعد أن أبا سلمة دعا لها قبل موته: «اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلا خيرا مني، لا يحزنها ولا يؤذيها. فلما مات أبو سلمة قلت: من هذا الذي هو خير من أبي سلمة؟» . وذكر صاحب الاستيعاب أن أبا سلمة دعا عند وفاته: «اللهم أخلفني في أهلي بخير» فأخلفه رسول الله ﷺ على زوجته أم سلمة؛ فصارت وأصبحت أما للمؤمنين. وليس هناك أشرف ولا أكرم من رسول الله ﷺ ليكون خيرا من أبي سلمة ... وليس هناك أوفى وأبر وأكرم منه ﵊. لقد بنى عليها رسول الله ﷺ في بيت زينب بنت خزيمة، بعد أن توفيت، وتصف لنا أم المؤمنين أم سلمة غرفة زينب بقولها على ما ورد في

стр. 80

الطبقات الكبرى «١» لابن سعد: « ... فإذا جرة هناك، فاطلعت ... فإذا فيها شيء من شعير، وإذا رحى وبرمة وقدر نظرت فإذا فيها كعب من إهالة (شحم) فأخذت ذلك الشعير فطحنته ثم عصرته في البرمة، وأخذت الكعب من الإهالة فأدمته به، فكان ذلك طعام رسول الله ﷺ وطعام أهله ليلة عرسه» . أه. بتصرف. حاولت عائشة وحفصة بادي الرأي وفي أول الأمر التكلف واصطناع شيء من الرضا بالتلطف ... لكن يبدو أن هذا الأسلوب لم يكن مكتوبا له الاستمرار فسرعان ما زايلهما، ثم ظهرت مخايل وسمات وأمارات الغيرة، وورد في طبقات ابن سعد اعتراف عائشة ﵂ بقولها: « ... ولكني كنت غيرى» .. ومن عجب أن أم سلمة بحصافتها وزكانتها وتجربتها في الحياة كانت سعيدة في قرارة نفسها لما يعتور ويكانف كلا عائشة وحفصة من غيرة شديدة منها ... لكن بدت بكبريائها حكيمة واعية وقور لا يفت في ساعدها، ولا يوهن من عزمها، ولا يستفز في طويتها مشاعر الحدة أو الغضب أو الاستنفار ... وفي الطبري «٢» أن رسول الله ﷺ لما غزا بني قريظة في السنة الخامسة للهجرة وحاصرهم جهدهم الحصار، فبعثوا الى رسول الله ﷺ أن يرسل إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر ليستشيروه في الأمر، فرق اليهم أبو لبابة، فلما سألوه: أننزل على حكم محمد؟ أجابهم: «نعم، انه الذبح» وأشار بيده الى حلقه. فما زايل موضعه ولا برح مكانه، حتى شعر

стр. 81

بالإثم والحرج والحوب، وخيانة الله ورسوله، وسرعان ما ذهب الى عمود من عمد المسجد، ثم قال: «لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت. وعاهد الله: ألاأطأ بني قريظة أبدا، ولا آوي في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. وقد ظل مربوطا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع.... فلما استراثه واستبطأه رسول الله ﷺ ، وعرف جلية الأمر قال ﵊: «أما أنه لو جاءني لاستغفرت له. فأما وقد فعل (إذ فعل) ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه» . ولقد نزلت توبة الله تعالى على أبي لبابة من السحر وهو في بيت أم سلمة، إذ نزل عليه قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» . فقامت- بعد أن استأذنت رسول الله ﷺ على باب حجرتها، قبل أن يضرب الحجاب على أمهات المؤمنين، فقالت أم سلمة ﵂: «يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك» فلما ثار الناس ليطلقوه أبى

стр. 82

وقال: والله إلا يطلقني رسول الله ﷺ فلما مرّ عليه رسول الله ﷺ وهو خارج لصلاة الصبح أطلقه «١» . وكانت ﵂ تؤثر حياة الظل والهدوء، طلبا للدعة والسلامة ... فلما كان من أمر النزاع المشهور بين علي ﵁ ومعاوية بن أبي سفيان ﵁، كانت متعاطفة مع علي الذي قدمت له ولدها ليشهد مشاهده. وذلك لاطمئنانها وثقتها بأن الحق مع علي، ومع رجاله. ثم إن أم سلمة لما علمت بخروج السيدة عائشة ﵂ إلى موقعة الجمل مع معاوية، وأنها تتزعم ثورة ضد علي أرسلت إليها برسالة تقول فيها: «أي خروج هذا الذي تخرجين؟ ... الله من وراء هذه الأمة!! .. لو سرت سيرك هذا ثم قيل لي: ادخلي الفردوس، لاستحييت أن ألقى محمدا هاتكة حجابا قد ضربه علي» . أه. كانت صحبت رسول الله ﷺ في رحلته إلى الكعبة معتمرا سنة ست للهجرة «٢» ، كما صحبته ﷺ في غزوة خيبر وفي فتح مكة، وفي غزوة هوازن وثقيف وحصار الطائف ثم في حجة الوداع أيضا.

стр. 83

ثم تقدم بها العمر، وتوالت عليها السنون وهي تبتلى ابتلاء الأولياء الصابرين المحتسبين، فبعد ما حدث من المواجهات الدامية بين علي ومعاوية ﵄، اكتوت بنار الجريمة الكبرى، والمصيبة النكراء بمقتل الإمام الحسين ﵁ بكربلاء، وبعد ذلك بفترة قليلة انطوى السجل الطيب الحافل بكل المناقب الحسنة المذكورة، وصعدت الروح إلى بارئها تحفها ملائكة الأرض والسماء إلى أعلى عليين. فرضي الله عنها وأرضاها وسلام على الصادقين.

стр. 84

(٧) زينب بنت جحش «١» فتاة قريش الصّوامة القوّامة، الصّناع (٣٣ ق. هـ- ٢٠ هـ) (٥٩٠- ٦٤١ م .) هي زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، من أسد خزيمة، أم المؤمنين، وابنة عمة رسول الله ﷺ ، زوّجها رسول الله ﵊ من زيد بن حارثة، واسمها (برّة) ، وطلقها زيد ثم تزوجها بعد ذلك بأمر الله سيّدنا رسول الله ﷺ لتكون أما للمؤمنين، وكان سماها عندئذ (زينب) . وقد كانت ﵂ من أجمل النساء، وقد نزلت بسببها

стр. 85

آية الحجاب، وقد روت عن رسول الله ﷺ أحد عشر حديثا. وكانت أول من حمل بالنعش من موتى العرب. وتوفيت إلى رحمة الله ورضوانه سنة عشرين للهجرة النبوية المشرفة الموافق سنة إحدى وأربعين وستمائة للميلاد. كانت زينب بنت جحش كريمة العنصر، شريفة النسب، طيبة الجرثومة، حسناء جميلة وضيئة، حفيدة عبد المطلب بن هاشم، فأمها أميمة بنت عبد المطلب، عمة رسول الله ﷺ . كانت أقربهن من رسول الله ﷺ ، وقد أضفت عليها هذه القرابة الشرف والفخر الذي كانت به تتيه وتعتز، مثلما تعتز بجمالها، وشبابها وحيويتها ومضريتها. ثم إن هذا التزويج الذي تم بها لرسول الله ﷺ كان شاغلا للمجتمع بأسره، فلم يخف أثره على أحد من المدنيين على حد سواء، وما ترتب على هذا التزويج الذي لم يكن زواجا عاديا، وإنما كان تزويجا خارجا عن ناموس الطبيعة مما جعله مجالا وغرضا للبحث والمناقشة والتأويل والتعليل شأن أي أمر يتحول بالمجتمع الإنساني من منهج إلى منهج، ومن عقيدة إلى عقيدة، ومن تشريع إلى تشريع. ولم يكن هذا التزويج مقصورا على أسبابه المعروفة ولكن كان محمولا على عموم دلالته التشريعية. ذكر مؤرخو السيرة أن سعدى بنت ثعلبة، زوجة شراحيل بن كعب الكلبي كانت خرجت ذات يوم لتزور أهلها بني معن بن طيء، ومعها ابنها زيد بن حارثة صبيا لم يشب عن الطوق، يقارب عمره ثماني سنوات ... وبينما كانا يغذوان المسير، يذرعان الطريق بلهفة المشوق المستهام للقاء الأهل والأحباب بعد

стр. 86

طول الغياب ... إذ دهمتهم فجأة، وأحصرتهم بغتة خيل من بني القين بن جسر ... وكسر في ذرع سعدى بنت ثعلبة ورأت الموت رأي العين، بلغت بها المأساة ذروتها عندما انتزعوا منها فلذة كبدها، وتركوها تسير مجروحة كليمة الفؤاد كليلة العزيمة خائرة القوى، تهيم على وجهها هيمانا من الوجد والأسى ولوعة الفراق لابنها الصبي الصغير ... وانطلق القوم مسرعين بالصبي الأخيذ المخطوف، ثم بيع إلى تاجر اسمه حكيم بن خزام بن خويلد الأسدي القرشي «١» ... وما أن عاد حكيم إلى بلده وعاد أدراجه من رحلته التجاريه، وبعد ان ألقى عصاه، وضرب بجرانه، حتى جاءته عمته خديجة بنت خويلد الأسدي زوج محمد بن عبد الله ﷺ ، لتزوره، فعرض عليها غلمانا عنده تختار منهم واحدا هدية لها، فنظرت إليهم وتفرست وجوههم، ثم اختارت زيدا بن حارثة. وما أن عادت به خديجة إلى بيتها حتى رآه زوجها ﷺ ، فسألها أن تهبه إياه ففعلت. لما عرف حارثة بن شراحيل بأمر اختطاف ابنه جزع جزعا شديدا، واهتم هما لا مزيد عليه ... ثم خرج هو وأخوه كعب يذرعان البطون والشعاب، ويجدون في البحث والتنقيب عن مفقودهم المخطوف ... حتى سمعوا أنه في مكة عند محمد بن عبد الله ﷺ ، فهرولا إليه ملهوفين

стр. 87

مكروبين قائلين: «يا بن عبد المطلب، يا بن سيد قومه، أنتم جيران الله، تفكون العاني، وتطعمون الجائع، وقد جئناك في ابننا، فتحسن الينا في فدائه؟» . وكان ردّ الكريم أبلغ الرد الذي يقطر عطفا وحدبا وبرا وأريحية فقال لهما: أو غير ذلك؟» . قالا: «وما هو؟» . قال: «أدعوه وأخيره، فإن اختار كما فذاك، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا» . قالا: قد زدت على النصفة. ودعي زيد «١» ، فعرف أباه وعمه، وخيّره رسول الله ﷺ : إن شاء ذهب معهما، مع أبيه وعمه، وإن أحب أقام معه ... لكن انطلقت كلمة الحق الذي لا تخالجه مصانعة، والصدق الذي لا تخامره مداهنة، واليقين الثابت الذي لا يخالطه تردد أو تقاعس ... انطلقت على لسان زيد من غير مواربة، ومن غير احتراس ولا اكتراث، وهو يعلم أن أباه وعمه لقيا الأمرّين من أهوال البحث والتنقيب عنه، ويدرك جيدا مدى الهم والغم والعنت الذي لحق بأهله من جرائه وبسببه، لكن يصدع بما في طويته ودخيلته فيختار سيده محمدا بن عبد الله ﷺ . ولم تنفع ضراعة أبيه وعمه بين يديه، ولا نفعت توسلات أبيه إليه وتذكيره بوالديه وقومه ومسقط رأسه. ثم يقول زيد ردا على ذلك كله: «إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا، وما أنا بالذي أفارقه أبدا» .

стр. 88

قال له أبوه: «يا زيد، أتختار العبودية على أبيك وأمك، وبلدك، وقومك؟» . وقال غير ذلك، ولم يتردد زيد لحظة واحدة ولم يبد غير التصميم والإصرار والثبات على الأمر من غير وجل أو تردد أو تقاعس، فلم يتحول عن موقفه ولم يعدل عنه رغم كل هذا الإلحاح والتوسل. إنه لأمر أعجب من العجب ... مثير للدهشة والاستغراب، وهو إيثار واختيار العبودية على الطلاقة والحرية، لا يمكن أن يسبق إلى ظن أو توهم أو اعتقاد ... وما كان رسول الله ﷺ إلا أن يزداد تمسكا بزيد واحتضانا له وتكريما لشأنه كفاء هذا الموقف الندب الذي خلعه عليه ﷺ ... إذ إن هذا التصرف من زيد تكريم أي تكريم لرسول الله ﷺ وهو أن يكون الرق والتمليك له شرفا وفخرا ومجدا فوق النسب والحسب، والأهل والعشيرة وكل الأحباب والخلان. بأبي أنت وأمي يا رسول الله ... !! وعاد أبوه وعمه مخذولان يضربان أصدريهما، قافلين بخفي حنين «١» . أخذ رسول الله ﷺ زيدا وأمسك بيده على رؤوس الأشهاد، وقام به إلى الملأ من قريش فأشهدهم أنّ زيدا ابنه وارثا ومورثا. ومنذ تلك اللحظة كان زيد يدعى زيد بن محمد. ثم لما أن بلغ الصبي مبلغ الرجال، وأكرمه الله تعالى بالإسلام، حيث كان من الأربعة نفر الأولين السابقين زاد حب رسول الله ﷺ له،

стр. 89

وأراد أن يكافئه على صنيعه باختياره له على أهله ورفاقه وعشيرته، فأراد أن تكون الهدية مكافئة ومساوية لهذا الصنيع وهي أن تكون نفيسة مضنونا بها، وعقيلة من العقائل الأشراف، فاختار له ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب (زينب بنت جحش) لتكون زوجا له ... لكنّ وقع هذا الاختيار كان شديدا وأليما على زينب العروس الشابة الحسناء وعلى أخيها عبد الله بن جحش الذي أثر في نفسه ذلك أبلغ التأثير إذ رأى كيف يتم ذلك بين شريفة عقيلة نسيبة ومملوك مثل زيد؟ هذا على الرغم من أن زيدا كان عربيا صميما من قبل أبيه، ومن جهة أمه أيضا، لكن هذه العربية المحصنة لم يفلح شافعها عند زينب وأخيها عبد الله من الجانب النفسي والوجداني. بيد أن الله رأى شيئا غير ذلك الذي رأياه، فلما رأى كلاهما أن قدر الله تعالى وقضاؤه لا بد أن يتم بهذا التزويج لم يترددا لحظة واحدة ورضيا به فور سماعهما قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً «١» . فإنه لا اختيار للمؤمن ولا للمؤمنة إلا بما يوافق قضاء الله تعالى، وإنه

стр. 90

سبحانه وتعالى لا يقضي للمؤمن ولا للمؤمنة إلا بما هو خير سواء في عاجل الأمر أو آجله. ولا عبرة لما يكون من كلا الطرفين قبولا واستحسانا أو رفضا واستهجانا؛ فإن اختيار الله تعالى ليس قبله ولا بعده اختيار. ثم تزوجت زينب زيدا بناء على الوحي الإلهي غير المردود، الذي لا معقب له، فهو غير منقوض. لكن سحب الشقاء لم تنقشع عن سماء الزوجية الملبدة بغيوم الهموم، فإن زينب لم تكن هانئة ولا هادئة في بيت الزوجية حيث لم تذق طعم الاستقرار النفسي ولا الطمأنينة ... كذلك عاش زيد حياة قاسية مريرة مع زينب، فهو لا يرضى أن يكون زوجا مفروضا على عقيلة من أشراف قريش، وهو مولى من الموالي والرقيق ... ولم يكن عند زيد إزاء إعراض زينب عنه إلا أن يشكو إلى رسول الله ﷺ ، ولم يكن من رسول الله ﷺ إلا أن يأمره بالصبر وبتقوى الله، وأن يمسك عليه زوجه ... ثم تتكرر الشكوى من زينب لسوء معاملتها لزوجها وقسوتها عليه، وإعراضها عنه، ورسول الله ﷺ ينصحه بمزيد من الصبر والتقوى والاحتمال ... لكن بلغ السيل الربى، وبلغ الحز المفصل، ووصل السكين العظم، وبلغت الدلو الحمأة ... كان لا بد من التفريق بينهما حيث إن العشرة أصبحت في تلك اللحظة ضربا من المحال، فكان طلاقها ثم تزويجها من رسول الله ﷺ . ذكر الإمام الطبري في تاريخه المشهور، وابن سعد في طبقاته الكبرى من طريق الواقدي أن النبي ﷺ جاء بيت زيد يطلبه فلم يجده،

стр. 91

فقامت إليه زينب فضلا، فأعرض ﷺ عنها، فقالت: ليس هو هنا يا رسول الله، فادخل بأبي أنت وأمي. وأبى رسول الله ﷺ أن يدخل، وإنما عجلت إليه زينب لما قيل لها: رسول الله ﷺ على الباب، فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه، إلا أنه ربما أعلن «سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب» وفي رواية: «يا مصرف القلوب ثبّت قلبي على دينك» . وهناك رواية أخرى للإمام الطبري بنحو هذه الرواية من طريق يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري ... وهذه الحادثة رغم عفويتها وأنها لا شيء فيها غير طبيعي، إلا أن المغرضين استغلوها أسوأ استغلال واستثمروها في إلقاء ظلال قاتمة من الريبة والشك والغمز واللمز للنيل من مقام النبوة. إن الطاعنين في الإسلام رسالة ورسولا لم يتركوا المرويات العادية من غير أن يتقولوا فيها ويحدثوا من الثلم ما يسوغون به الإطلال بوجوههم القبيحة الكالحة مرجفين متخرصين مدلسين، والله من ورائهم محيط. لو كان رسول الله ﷺ راغبا في الزواج من زينب لما كان هو الذي سعى وأتم هذا الزواج من البداية، ولما كان حريصا على أن تستمر الحياة بين زيد وزينب، وكان كلما جاءه شاكيا باكيا قال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك ... لذلك فإن هذه المرويات الداحضة المردودة والمنقوضة لم تجد قبولا ولا تسويغا ولا تبريرا من عاقل أريب ذو فهم ودربة ودراية ... وأراد القرآن الكريم أن

стр. 92

يسجل الصورة الحقيقية على أكمل وجه وأتمه إنصافا للحق والحقيقة وقطعا لدابر الفتنة، فقال : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ. لم يكن رسول الله ﷺ مسوقا إلى هذا الزواج بعاطفة غريزية كما هو في كل الزيجات أو أكثرها، لكن إرادة الله من وراء هذا التزويج حتى يتم إبطال قضية التبني، وما يترتب عليها من حقوق وآثار كانت مقررة في الجاهلية، وأراد الإسلام أن ينسخها ويمحوها ويبطل كل آثارها. لكن الأفئدة المريضة، والقلوب السقيمة، والضمائر المعتلة تأخذ من هذه الواقعة مادة للغمز واللمز غير الكريم، وقد استثمرها المستشرقون في التخرص والأفيكة والبهتان. ولئن كان أولئك المستشرقون قد عوّلوا على أقوال بعض المفسرين من علماء المسلمين، والذين بدورهم كوّنوا عقيدتهم تلك على أحاديث مرسلة، وأخرى ضعيفة الإسناد، وبعض المرويات قد كانت مشوبة بمنهج المعتزلة كما ورد من تأويل الزمخشري في كشافه. إن نيران الفتنة ألهب ضرامها، وأوقد جمرتها وأذكى سعيرها وأسجر تنورها تأويل المتأولين وتفنيد المفندين لقوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ. فالذين سولت لهم أنفسهم شيئا، وسوغت لهم وبررت تأويلهم، وذهاب ظنونهم كل مذهب في دلالة الاية أنه ﷺ كان يخفي في نفسه

стр. 93

حب زينب، وهو الذي أبداه الله، هذا قولهم بأفواههم، ورسول الله ﷺ حاشاه ذلك كان منزها عن هذا بكل الأدلة والبراهين والبينات. وأول هذه الأدلة وأولاها بالتقدير، وهي من أبلغ أدلة البراءة هي نفسها التي اتخذها المرجفون الخراصون دليلا للتأثيم، وهو معنى قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ فهم جعلوا ما أخفاه رسول الله ﷺ حاشاه ذلك- حبّ زينب عندما رآها بغتة، وقيل: رغبته في فراق زينب زيدا. وهذا مردود عليه منقوض لأنه ﷺ أمر زيدا بإمساك زينب وعدم تطليقها، فلو كان راغبا في ذلك لما أمره بالتقوى والصبر والتحمل والتجمل. وقد كان ﷺ يعلم سلفا بوحي من الله أن زينب ستكون من أزواجه وستكون أما للمؤمنين، ولكنه أخفى هذا في نفسه، ولم يطلع زيدا عليه، وكلما جاءه شاكيا لم يطلعه على السر الذي أميط اللثام له عنه، لأنّ الله تعالى لم يخف شيئا عن نبيّه ﷺ . هذا هو الحق والصدق والصواب والذي يوافق عصمة النبوة التي تتنزه عن أوضار الهوى وأرجاس الغواية، وأدناس الضلالة ... ورسول الله ﷺ ، أولى بكل فضل وفضيلة ... لأنّ الله تعالى قد طهّره تطهيرا، وأعلى درجته ورفع ذكره في العالمين، ولذلك كان محالا أن تسيطر عليه شهوة الجسد، وكان مستحيلا أن يكون مقودا في لحظة من اللحظات إلى نزوة من النزوات الدنيوية. ثم إن زينب ابنة عمته لم تكن بعيدة منه، ولم يكن جمالها خافيا عليه ... ومن غير المعقول أن يصر تزويجها من زيد وهو لا يدرك ولا يعرف مقدار جمالها!!! ...

стр. 94

كذلك فإن زينب لم تكن تمتنع عن الزواج من ابن خالها لو طلب منها ذلك بادي الرأي قبل عرض زيد عليها، إذ إنها لم تكن لتتأبى على ذلك ... وليس معقولا ولا مقبولا ولا سائغا بحال أن يظهر جمال زينب بغتة وفجأة بما لم يكن فيها قبل ذلك، أو أن جمالها لم يكن قبل ذا تأثير ومراس وأصبح في طرفة عين له سحر هاروت وماروت، وكسحر الجان فيفعل الأفاعيل من خوارق المعجزات ... !! إن محصول القول، وصفوة ولباب القضية أن كل ما ورد من مرويات وأقاويل جديرة بالترك والإهمال ما خلا ما ذكرناه من أن الذي كان يخفيه رسول الله ﷺ هو إخبار الله إياه بأن زينب ستصير زوجته، وما حمله على ذلك الإخفاء لهذا الأمر إلى خوف مقالة الناس إن محمدا تزوج امرأة ابنه ... ولما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه لزيد: «فاذكرها عليّ» فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، أن رسول الله ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي. فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن. وجاء رسول الله ﷺ ، فدخل عليها بغير إذن. قال أنس- وهو راوي هذا الحديث الصحيح-: ولقد رأتينا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج

стр. 95

رسول الله ﷺ واتبعته فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: كيف وجدت أهلك؟ فما أدري، أنا أخبرته أن القوم خرجوا، أو أخبرني؟ فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب» . لقد نزلت آية الحجاب في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً «١» منذ هذه اللحظة أصبح الحجاب مفروضا ومضروبا على أمهات المؤمنين وجميع المؤمنات. وفي كتاب النكاح لصحيح الإمام مسلم بن الحجاج ثبت أن رسول الله ﷺ أولم على زينب بذبح شاة. قال ابن عباس- ﵄: كان ناس من المؤمنين يتحينون طعام النبي ﷺ ، فيدخلون قبل أن يدرك الطعام، ويقاعدون إلى أن يدرك، ثم يأكلون، ولا يخرجون فنزلت «٢» .

стр. 96

وكانت ﵂ اسمها برة فسمّاها رسول الله ﷺ زينب. وبنى عليها رسول الله ﷺ ، وكان لا بد أن تلتهب نيران الغيرة في نسائه ﵅، فإن ذلك أمر طبيعي، فمثلهن لا بد أن يغرن على مثله، ولا سيما وأن هذه العروس لها مكانتها من جهة القربى منه ﷺ ، ثم إنها رزقت جمالا وملاحة وصباحة ... فضلا عن أنهن جميعهن زوجهن أولياؤهن، لكنها- أي زينب- زوجها الله من فوق سبع سموات.. فكان قمينا بها وحريا بها أن تفخر عليهن جميعا. وكانت عائشة أولى المضرورات نفسيا من ضرائر زينب، فقد كانت قبل ذلك لا تجد من تمكن أن تكون شاغلة لمكانتها في قلب النبي ﷺ ، وها هي ترى زينب بجمالها وبهائها ووضاءتها، منافسا قويا شديد المراس قوي الشكيمة. وقد ذكر صاحب السيرة، وابن عبد البر في الاستيعاب وابن حجر في الإصابة أن عائشة ﵂ قالت: «لم تكن واحدة من نساء النبي تناصبني غير زينب» . إنصاف الضرة لما كان حديث الإفك كارثة وقعت، ابتلي بها، وفتن فيها كثير من الناس، وكانت السيدة عائشة- ﵂ العفيفة الحصان دريئة وهدفا وغرضا لألسنة المتخرصين والمنافقين وأعداء الإسلام، وذلك للزراية والطعن والثلب في

стр. 97

مقام النبوة والقدح في أمهات المؤمنين، المصونات العرض، النقيات الجيب، الطاهرات الذيل، ﵅ وأرضاهن. لكن نفرا من العقلاء تورط أيضا في هذا الموضوع وتكلم بما لا يعلم غير السماع، ولا سيما بعد أن فشا أمر الحديث بين الصادر والوارد، وتكلم به آحاد الناس وأصبح في وقت من الأوقات حديث أكثر البيوت. ثم إن زينب بنت جحش كانت الضرّة الأولى في مواجهة عائشة، والتي كانت تشعر بغيرة وحساسية خاصة تجاهها، وكان مظنونا ومتصورا أن تفرح زينب أو تخوض في هذا الحديث الذي كثر فيه القيل واللغط، فقد تصونت وتأنفت وترفعت عنه، ونزهت نفسها عن التورط فيه وكانت محتاطة لدينها كل الاحتياط فحفظها الله وصانها ... وليس أدل على هذا مثل ما قالته السيدة عائشة نفسها التي فوجئت بذلك الموقف النبيل الكريم من أكثر وأقوى ضرائرها، فقالت: «وكان كبر ذلك- الإفك- عند عبد الله بن أبي سلول في رجال من الخزرج، مع الذي قال مسطح، وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب كانت عند رسول الله ﷺ ، ولم تكن امرأة من نسائه تناصبني في المنزلة عنده غيرها ... فأما زينب فعصمها الله تعالى بدينها، فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة بنت جحش فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارني لأختها، فشقيت بذلك» . ثم تنعتها بعد ذلك عائشة بأطيب النعوت، وأكرم الصفات، وأجل السجايا فتقول ﵂: «ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي يتصدق به ويتقرب به إلى الله عزوجل» . أه.

стр. 98

لقد كانت زينب صوامة قوامة، صناعا وتتصدق بذلك كله على المساكين، فكانت لذلك مفزعا للأرامل واليتامى، وكانت أيضا أطولهن يدا في الخير والبذل والعطاء حسبة لوجة الله تعالى..... كان هذا العطاء المبذول لأهل رحمها والعفاة من أهل الحاجة المكروبين والمضرورين الذين عضتهم الفاقة، وأتى عليهم المحل والإسنات. كانت زينب في أمهات المؤمنين أطولهن يدا بالصدقة وقد قال ﷺ : «أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا» ... وكانت زينب صناع اليدين: تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله. وفي سنة عشرين خبا ضوء المصباح، وأفل النجم الزاهر، وانطوى سجل الخير الحافل بالذكريات الطيبة، وأعمال البر المبرورة، وعطاآت الخير غير المحدودة من أم المؤمنين. وتصعد الروح الكريمة السخية إلى بارئها، فتدع حياة الشقاء، وشقاء الحياة، لتحظى بالقرب من ساحة الحق التي طالما اشتاقت إليها النفس، وتعلق بها الوجدان، فتكون أقرب أمهات المؤمنين لحوقا بالمصطفى ﷺ ، ليصدق قوله ﵊ وهو الصادق المصدوق، لأنها أطولهن يدا لما تسديه يدها البيضاء الصناع في سبيل الله، ولقاء وجهه الكريم فطوي لها مع الأبرار والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والحمد لله رب العالمين.

стр. 99

(٨) جويرية بنت الحارث الخزاعية «١» سيدة بني المصطلق (الأخيذ الحسناء) ( ... - ٥٦ هـ) ( ... - ٦٧٦ م .) هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، من خزاعة، إحدى أمهات المؤمنين، كانت زوجا قبل رسول الله ﷺ لمسافع بن صفوان الذي قتل يوم المريسيع سنة ست للهجرة. وكان الحارث بن أبي ضرار شريفا في الجاهلية، سيدا في قومه، مشارا إليه بالبنان، وقد سبيت مع بني المصطلق، فافتداها أبوها، وكان نصيبها الحسن، وفألها الطيب أن تكون مقسومة لرسول الله ﷺ ، وكان اسمها (برّة) فغيره رسول الله ﷺ إلى اسم (جويرية) وكانت من

стр. 100

فضليات النساء أدبا وفصاحة. وقد روت سبعة أحاديث متفقا عليها عند الشيخين، ومخرجة في الصحيحين. وقد لقيت ربها راضية مرضيا عنها سنة ست وخمسين للهجرة عن عمر يناهز خمسا وستين سنة، وقيل في رواية أخرى سبعين سنة. ذكرت كتب التاريخ أن رسول الله ﷺ كان انتصر انتصارا ساحقا ماحقا على جموع الأحزاب الذين تحزبوا عليه من المشركين الذين دفعهم اليهود دفعا حتى يأتوا على المسلمين في ديار هجرتهم. وكان المشركون أخيافا مختلفين، وأوزاعا متباينين اجتمعوا على عقيدة واحدة، وتحت راية واحدة لهدف واحد هو الإطاحة بالإسلام والمسلمين فما لبثوا أن أمكن الله تعالى منهم، وجعل أمرهم حديثا مضروبا فمكن الله من رقابهم سيوف الإسلام الماضية المشحوذة باليقين والإيمان. في هذه الواقعة المشهودة (وقعة الخندق) لم يكن المسلمون غير ثلاثة آلاف موحد من عمالقة الفرسان والكماة الشجعان والمغاوير البسلاء، وكانت قريش قد أقبلت برجلها وعدتها وعتادها، وبأبطالها وفرسانها في عشرة آلاف من الأحابيش، يظاهرهم لفيف من بني كنانة وتهامة، ثم غطفان ومن والاهم من النجديين، وكان اليهود قد أماطوا اللثام، وحسروا النقاب عن وجوههم الكالحة، وضمائرهم المريضة السقيمة المعتلة، ونقضوا عهدهم، وجهروا بذلك، رافعين لواء الغدر والخيانة والخديعة ... واندفعوا على المسلمين مغيرين عليهم في اجتياح مروع حتى ضاقت على المسلمين الأرض بما رحبت ولم يكن لهم منجاة من الأمر إلا بالتسليم لله تعالى وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه، ومع أنهم زلزلوا زلزالا شديدا، وكسر في ذرعهم، فقد حفر المسلمون الخندق بمشورة وبرأي سلمان الفارسي.

стр. 101

وكان رأيا سديدا مباركا فيه جعل الدائرة تدور على أعداء الله وزلزل أقدامهم، ورعب قلوبهم، وكسر شوكتهم، وألان عريكتهم، وجعلهم أحاديث فسرعان ما كروا راجعين إلى ديارهم من حيث أتوا، مغلولين مقهورين مقموعين، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، بعد حصار شديد عنيف على مدى سبع وعشرين ليلة متواصلة. كان النصر على أعداء الله ساحقا ومروعا، شفى الله به الصدور، وأفلج به الحجة، وأذل به الحق سبحانه أعناق الطامعين فانقلبوا خاسرين ناكبين مغلولين. وما أن تخفف المسلمون الظافرون من شكتهم ومن أسلحتهم، حتى أخلدوا يلتمسون الراحة، وما هي إلا سويعات حتى سمعوا مؤذن النبي ﷺ ينادي: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة» . وفي فهم هذا النداء انقسم الناس إلى فريقين في فقه مقصوده ﷺ من أمره ألايصلين السامع المطيع العصر إلّا في بني قريظة، وكان إقراره ﷺ لكلا الفريقين تسويغا وتجويزا للاجتهاد ومشروعية التدبر والتأمل، حتى في وجوده ﷺ بين ظهرانيهم. فالبعض فهم أنه لا بد أن ينفذ الأمر على ظاهر اللفظ فسارع بالنهوض وخف لتنفيذ هذا الأمر، وفي معتقده أن الظاهر هو المقصود باللفظ ومدلوله ... ولم ير هذا النفر داعيا لتأويله فأنظروا صلاة العصر حتى بلوغهم بني قريظة ... لكن الاخرين رأوا أن اللفظ محمول على المجاز وهو كناية من النهوض والمسارعة بعزيمة قوية، وهمة شجاعة فصلوا في الطريق لفهمهم وفقههم بأن الظاهر ليس مقصودا لذاته..

стр. 102

وقد أقر رسول الله ﷺ هؤلاء، وهؤلاء، من غير تثريب أو لوم أو إنحاء ... وحصر المسلمون يهود بني قريظة خمسة وعشرين يوما، وانتهى أمرهم بالتسليم، ويومئذ فرح المؤمنون بنصر الله ... ثم كانت بعد ذلك غزوة بني لحيان ثم غزوة ذي قرد ... ولم يسترح رسول الله ﷺ بعد ذلك غير شهر أو بعضه حتى نما إلى علمه أن بني المصطلق الخزاعيين يحشدون الحشود ويجيشون الجيوش يزمعون لقاءه، ويعمدون إلى مواجهته، وأن الصدام صار وشيكا ... وكان زعيمهم في هذا الاستعداد والتأهب الحارث بن أبي ضرار بن حبيب، سيدهم وكبيرهم، وكانت الملحمة عند ماء يسمى المريسيع، وكانت حفرتها عائشة ﵂. وكانت الواقعة، حيث اشتجرت الأسنة، والتحم الفرسان، وقصرت الأعنة، واصفرت الألوان، وحمي الوطيس، وخفقت الأعمدة على المغافر، وسطع الرهج من سنابك الخيل، وتداعت الأصوات، وتجاوبت الأصداء، وترجرجت الأرض وبلغت القلوب الحناجر حتى أسفرت الحرب بعد هياجها عن انكشاف أعداء الله، وانكسار شوكتهم، وولوا مدبرين، ولم يكن له محيص ولا تحويل عن القتل والأسر. وسيقت أبطالهم أسارى، كما سيقت النساء سبايا ومنهن «برّة بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب» عميدهم وسيدهم وكبيرهم، وهي الأخيذ الحسناء الجميلة التي قاربت العشرين من عمرها. تستمتع بخلابة وحسن فائق لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه. ذات يوم استأذنت في الدخول على رسول الله صلى الله عليه والمثول بين

стр. 103

يديه لتسأل عن كتابتها على ثابت بن قيس الأنصاري «١» الذي كانت وقعت في سهمه، فكاتبها على نفسه، ولما أذن لها بالمثول بين يديه ﷺ وحكت له هذا الأمر رقّ قلبه من هلع وذعر الشابة العربية المليحة الغانية الحسناء الهلوع عندما قالت وهي مكروبة ملهوفة ضارعة: «يا رسول الله، أنا بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس ... فكاتبته على نفسي ... ثم جئتك أستعينك على أمري» . أخذته ﷺ الشفقة والحدب والرقة عليها، وقال لها: «فهل لك في خير من ذلك؟» . سألت في حيرة وقلق ولهفة: «وما هو يا رسول الله؟» . قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك» . فتألق وجهها الجميل بفرحة الغبطة، وقالت وهي لا تكاد تصدق أنها قد نجت من الضياع والهوان: «نعم، يا رسول الله!» قال ﵊: «قد فعلت» . ودخلت (برّة) التي سماها رسول الله ﷺ (جويرية) بيت النبوة لتصبح أما للمؤمنين، بعد أن كانت أخيذا سبية تجرعت الذل والهوان وهي العربية المضرية الخزاعية ابنة سيد قومها. وفي رواية أخرى ذكرها صاحب الاستيعاب أن أباها هو الذي ذهب وأعد

стр. 104

بكرين أخفاهما في شعاب مكة ليفتدي بهما ابنته من الأسر، ثم دخل على رسول الله ﷺ ليفدي ابنته، فلما سأله رسول الله ﷺ عن البكرين اللذين أخفاهما في شعاب مكة ولم يعرف بأمرهما أحد شهد أن محمدا رسول الله ﷺ ، حقا وصدقا، فعرض عليه رسول الله ﷺ تخيير ابنته بين أن تكون طليقا من الأسر بالفدية وبين أن يتزوجها رسول الله ﷺ ... فقبل أبوها وخيّرها فاختارت رسول الله ﷺ ، واختارت الإيمان لتكون في أحمى جناب، وأجمل جوار، فيزداد شرفها رفعة، وتنال ذكرا طيبا حسنا إلى يوم القيامة، فرضي الله عنها وأرضاها. وذكر في السيرة أن صداقها كان أربعمائة درهم. ولم تكن هناك امرأة خلعت على قومها من الكرامة والبركة مثل ما صنعت جويرية، حيث إن أهلها من تلك اللحظة التي بنى عليها رسول الله صلى الله عليه صاروا أصهارا له فكان كل صحابي بيده أسرى منهم أطلقه أو أطلقهم أحرارا تكريما لمكانة مصاهرتهم لرسول الله ﷺ ، وقيل: قد أعتق أهل مائة بيت من بني المصطلق. وكانت السيدة عائشة أول من رآها وهي على باب رسول الله ﷺ ، واستقبلتها، وكأن خوفا شديدا قد ألقي في قلب السيدة عائشة إذ شعرت أن شيئا سيحدث إرهاصا وتوقعا إذا ما رآها رسول الله ﷺ . تقول السيدة عائشة: «وكانت- أي جويرية- امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه،

стр. 105

فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، فو الله ما هو إلّا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أن سيرى منها ما رأيت» . أه. بتصرف من السيرة. ولقيت ربها راضية مرضيا عنها، بعد أن عمت بركتها قومها جميعا، ونجت بنفسها وبأهلها وذويها، وحسبها أن تكون أما للمؤمنين، فأعزها الله بعد ذلة، ورفع شأنها، وأعلى ذكرها، فرضي الله عنها وأرضاها وسلام عليها في الصالحين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 106

(٩) صفية بنت حيي بن أخطب «١» عقيلة بني النضير (..- ٥٠ هـ) (..- ٦٧٠ م) [زوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى] إنها أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب الخزرجية من أزواج النبي ﷺ ، أم المؤمنين، كانت يهودية قبل إسلامها، من أهل المدينة، وقد تزوجها سلام بن مشكم القرظي، ثم فارقها، فتزوجها كنانة بن الربيع النضري، وقد قتل عنها يوم خيبر، وأسلمت، فتزوجها رسول الله ﷺ ، وبهذا الزواج المبارك صارت أما للمؤمنين، فرضي الله عنها وأرضاها، وقد ورد عنها في كتب الحديث عشرة أحاديث روتها عن رسول الله ﷺ ، وقد توفيت في المدينة سنة خمسين.

стр. 107

على مشارف خيبر وقف رسول الله ﷺ يقول: «الله أكبر، ضربت خيبر، إنا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ... وسرعان ما اندفع العمالقة الفرسان من المسلمين على خيبر فاستسلمت الحصون المنيعة كلها حصنا حصنا، ووقعت جميعا في أيدي الكماة البسلاء وقتل المشركون، وأخذت نساؤهم سبايا، وكان من بينهن شابة حسناء وضيئة في السابعة عشرة من عمرها، هي عقيلة بني النضير «صفية بنت حيي بن أخطب» التي ينتهي نسبها إلى هارون ﵇، وأمها برّة بنت شموال القرظية. وعلى الرغم من صغر سنها وقتذاك إلا أنها سبق أن تزوجت مرتين قبل ذلك: الأول كان زواجها من فارس من فرسان قومها وكان شاعرا مفوّها هو سلام بن مشكم القرظي، ثم خلفه عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري صاحب حصن القموص في خيبر. وكان كنانة قد خبّأ كنز بني النضير وأخفاه، وجمده، ولما اكتشف مخبأ الكنز عنده، دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة الأنصاري فضرب عنقه. ثم سيقت النساء سبايا، ومن بينهن، بل وفي مقدمتهن صفية بنت حيي بن أخطب، زوجة كنانة ... وكانت رزينة وقورا تكتم آلاما تصارعها، وتحبس حزنا ووجدا في دخيلتها، إذ إن أهلها صرعى قد أعمل السيف في رقابهم، وقطّعت أشلاؤهم إربا إربا، وذهبوا شذر مذر إلى غير رجعة ... في بطون الطير، وصاروا طعما سائغا للدود وخنافس التراب، وعائفات الطيور الشوارد ... هذه الأحزان المكتومة، واللواعج المكبوتة تعتمل في صدرها وهي

стр. 108

متماسكة لكن صفحة وجهها، ومرآة جبينها تنبىء عما يداخلها من أسى، وما يخالطها من لوعة، وما يخامرها من هوان وتهوين وتوهين ... وتتصاعد من حبيس صدرها تنهدات ينفلق لها الصخر ... وهي صابرة على بلواها ... ورآها رسول الله ﷺ في مسيس الحاجة إلى الحدب والشفقة والحنان، فقال لها: هل لك فيّ؟ قالت: يا رسول الله، قد كنت أتمنى ذلك في الشرك، فكيف إذا أمكنني الله منه في الإسلام؟ فأعتقها ﷺ ، وجعل عتقها صداقها ثم دفعها إلى أم سليم لتهيئها، ولتعتد عندها. وانطلقت صفية من بين زمرة السبايا، إلى نسيم الحرية، ومن ذلة وهوان الكفر إلى عزة ورفعة الإسلام، وسمو شأنه. تركت أهلها المشركين مجندلين صرعى ونسيت تماما كل ما جرى لهم من الذبح والتقتيل، وقد مسحت من ذاكرتها كل تداعيات الأسى وأحزان المعركة التي قطفت فيها رؤوس أبطالها، وحصدت هامهم، وبقرت بطونهم ... في مذبحة مروعة ... تهيأت صفية للزواج فور انقضاء عدتها، وبنى عليها رسول الله ﷺ ، وبذلك أصبحت أمّا للمؤمنين ... ثم تتداعى الذكريات القديمة في خواطر وخلجات العروس الشابة فتذكر رؤيا رأتها في ليلة عرسها بكنانة بن الربيع حيث رأت في منامها أن قمرا وقع في حجرها ... فلما أن صحت من نومها قصت رؤياها على كنانة، غضب غضبا شديدا، وقال لها: «ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا» ، ولطم وجهها لطمة ما يزال أثر منها فيه. وكانت صفية ﵂ جميلة وضيئة في خير عمرها وشبابها مما حدا

стр. 109

بالسيدة عائشة ﵂ لأن تخرج متنقبة تتبع خطواتها من بعيد والغيرة ترعى في أحشائها كما ترعى النار الهشيم، وكانت تنعتها باليهودية، فقال لها رسول الله ﷺ : «لا تقولي ذلك، فإنها أسلمت وحسن إسلامها» «١» . ولما كانت في بيت النبوة ورأت عائشة وحفصة وسودة في جانب، وباقي الزوجات في جانب آخر وتشايعهن فاطمة الزهراء ﵅ جميعا، رأت صفية في الانضمام لأي منهن حرجا شديدا، ولا سيما وأنها لا تزال حتى الان منظورا إليها- وهي أم المؤمنين- إلى أنها يهودية ولا تزال محمولا عليها بجريرة تطهرت منها، وبحوب وإصر تطهرت منه بإسلامها وحسن تدينها وأمومتها للمؤمنين، فرأت أن تمسك العصا من النصف، وتكون هي واسطة العقد، فلم تنضم، ولم تنحز لآية جهة، وبلباقة وذكاء واستبصار رأت تحسن الصلة بين ضرائرهن كلهن وبنت جسرا طيبا من الودّ والمحبة والألفة والإيناس مع فاطمة الزهراء ﵂ ... وكان أخشى ما تخشاه جانب عائشة لشدة غيرتها على رسول الله ﷺ من كل جارية حسناء تدخل في بيته، كما كان يؤذيها أن تعير بقومها وعشيرتها ... ومع منهجها السديد الموفق، ونظرتها الثاقبة النافذة، وبصرها القوي، وبصيرتها العميقة إلا أنها لم تسلم من الوقوع في شرك المنازعات فيلفها مرير الكلام وغليظ القول عن عائشة وحفصة، وهي لم تقدم أية إساءة إلى أي منهما ... وبكت بكاء حارا للمصطفى ﷺ الذي رقّ لها وتأثر

стр. 110

بها أبلغ التأثير، وقال لها: «ألا قلت: وكيف تكونان خيرا مني، وزوجي محمد، وأبي هرون، وعمي موسى» «١» . جبرت كلماته ﷺ خاطرها المكسور، وزادت ثقتها بنفسها وبتدينها وبزوجها، فقد نزلت وترسلت هذه الكلمات على صدرها بردا وسلاما. لقد كان ﷺ يحامي عن صفية ويذب عنها، ويختصها برعاية وحياطة مخصوصة، ويشعر بالضيق والتأثر إذا ما أوذيت من الضرائر ... ولقد ظل يحامي عنها ﵊ حتى آخر عمره، فلم يحرمها من ذلك لحظة طوال حياته ... وبعد انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى اكتنفها الانفراد والاستيحاش، وظلت على طبيعتها من التوسط والوقار والرزانة، وعند حدوث الفتنة الكبرى وهجوم الثوار على سيدنا عثمان بن عفان أمير المؤمنين ﵁ وقفت صفية ﵂ إلى صفه، وتعاطفت معه، وقيل إنها قد وضعت معبرا بين منزلها ومنزل عثمان، تنقل إليه الطعام والماء إبّان محنة الحصار الذي طوقه به الثائرون ... ولما أغاروا على أمير المؤمنين ذي النورين، الإمام الصابر المحتسب، كان حزن صفية أم المؤمنين عليه بالغا وكبيرا. ولقيت ربها راضية مرضيا عنها في حوالي سنة خمسين في خلافة معاوية ﵁. وقد خرّج الحفاظ أحاديثها عن رسول الله ﷺ ، وهي ثابتة في الكتب الستة.
следующие страницы →