← Тараджим

Тараджим · id 23687

نساء النبي

السيد الجميلى

Полный текст (133 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد روت السيدة سودة بنت زمعة عن رسول الله ﷺ حديثا واحدا متفقا عليه أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين. وقد روى لها الإمام البخاري حديثين، أحدهما السابق المتفق عليه، والثاني لم يخرجه مسلم في صحيحه. كما أخرج لها وروى عنها عبد الله بن عباس ﵄، وأبو داود والنسائي وغيرهم. وكانت عائشة ﵂ تعرف لها الفضل والجميل لما وهبتها ليلتها، فكانت تقول: «ما من امرأة أحب إلي من أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة ... لما كبرت قالت: يا رسول الله، قد جعلت يومي منك لعائشة» . وقد أسند الواقدي عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: «كانت سودة بنت زمعة قد أسنّت، وكان رسول الله ﷺ لا يستكثر منها، وقد علمت مكاني من رسول الله ﷺ وأنه يستكثر مني، فخافت أن يفارقها، وضنت بمكانها عنده، فقالت: يا رسول الله، يومي الذي يصيا بني لعائشة، فقبله النبي ﷺ ، وفي ذلك نزلت: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً «١» الاية. وفي سودة أيضا نزلت آية الحجاب، فقد كان أزواجه ﷺ يخرجن بالليل إذا أردن التبرز إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، فكان عمر بن

стр. 37

الخطاب ﵁ يقول للنبي ﷺ : أحجب نساءك، فلم يكن الرسول يفعل، ولما خرجت سودة ذات ليلة وكانت فارهة طويلة، فرآها عمر فناداها، فأنزل الله تعالى آية الحجاب. رحم الله أم المؤمنين سودة بنت زمعة.

стр. 38

(٣) عائشة بنت أبي بكر «١» الصديقة بنت الصديق (٩ ق هـ- ٥٨ هـ) (٦١٣ م- ٦٧٨ م) هي عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة، عبد الله بن عثمان من أشراف قريش، أفقه نساء الأمة، وأعلمهن بالدين وفقه الشريعة، وأكثرهن إحاطة بأدب العرب، وكانت ﵂ تكنى بأم عبد الله، وقد تزوجها رسول الله صلى عليه وسلم في السنة الثانية للهجرة. كانت عائشة أم المؤمنين هي الوحيدة التي تزوجها رسول الله ﷺ ، وبنى عليها بكرا دون أمهات المؤمنين جميعهن اللاتي تزوجهن كلهن ثيبات.

стр. 39

وكانت ﵂ أقربهن من قلب النبي ﷺ ، وأحبهن إليه، وأكثرهن رواية عنه، ولها خطب وآراء حديثية دقيقة مشهودة، وقد ثبتت في كتاب «الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة» وكانت فصيحة ذكية نبيهة، على قدر كبير من النباهة والزكانة والجمال والفصاحة. وكانت إذا عرض لها موقف أنشدت فيه شعرا، وقرضت فيه نظما بديعا رائقا رائعا. كان أكابر الصحابة يختلفون إليها يسألونها عن الفرائض وكثيرا من أحكام الدين فكانت تجيبهم بذكاء ونباهة. كان مسروق «١» إذا روى عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق، وقد توفيت بالمدينة سنة ثمان وخمسين بعد هجرة المصطفى ﷺ . وقد روت عشرة ومائتين وألفي حديث. قال رسول الله ﷺ : «إن من أمنّ الناس عليّ في ماله وصحبته أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام» . ولقد ولدت ﵂ قبل الهجرة بنحو ثماني سنوات وكانت نفيسة بنت منبه قد خطبتها إلى رسول الله ﷺ وهي عمرها ست سنوات، في صباها الباكر، وكان أبوها- ﵁ أقرب وأحب الناس إلى قلب وعقل ووجدان النبي ﷺ .

стр. 40

كان أبو بكر- ﵁ من أشراف مكة، دمث الأخلاق، طيب العشرة، كريم العنصر، طيب الأرومة، لين الجانب، سهل الطبيعة، مرضي الأخلاق. قالت عائشة: - «لم أعقل أبويّ قط إلا وهما يدينان الدين» وهو حديث صحيح أخرجه البخاري. وما كان رسول الله صلى الله عليه ليطيق غياب صاحبه عنه، فلم يمر يوم واحد لا يراه فيه، فهو يختلف إليه كل يوم تقريبا، من ثم كان رفيقا له في هجرته من مكة إلى المدينة، وقد اختبأ معه في غار ثور. وكان أبو بكر نسابة، عالما بالأنساب والتواريخ فكان إذا لقيه قوم يسألونه عن رسول الله ﷺ كان يستعمل معاريض الكلام استعمالا جميلا رائعا سائغا مقبولا، فكان يقول عنه ﷺ : إنه هاد يهديناي الطريق. فهو لا يخبرهم بأنه رسول الله ﷺ لئلا يتعرض صاحبه ﵊ للأخطار، وكانت هذه من أجمل المعاريض، والتي قال عنها رسول الله ﷺ : إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب. «١» وسئل ﷺ : ممن القوم أنتم؟ قال: «نحن من ماء» «٢» وهذا من أروع وأجمل وأدق معاريض الكلام. كانت أم عائشة ﵂ أيضا ذات حسب ونسب فهي أم رومان

стр. 41

بنت عمير بن عامر الكنانية «١» ، وكانت في الجاهلية متزوجة من عبد الله بن الحارث الأسدي، وأنجبت منها ولدا هو الطفيل، وبعد وفاة زوجها اقترنت بأبي بكر وأنجبت منه عائشة ﵂ وأخاها عبد الرحمن. كانت هذه السيدة الفاضلة الكريمة الحسيبة النسيبة درة غالية، ذات جمال وبهاء وعقل وحكمة وفطنة، قال فيها رسول الله ﷺ : «من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين، فلينظر إلى أم رومان» «٢» . كان جمال عائشة ﵂ ظاهرا، فقد كانت عروسا مليحة، عيناها نجلاوتان، وجهها مشرب بالحمرة، شعرها جعد، جسمها خفيف. وكانت أصولها قد امتدت وترعرعت من أطيب عنصر وأكرم جرثومة، فإن قومها وعشيرتها- وهم بنوتيم- مشهورون بالشجاعة والكرم والسخاء والجود والأريحية، والأمانة وسداد الرأي، وحسن المودة، وحسن العشرة. لم يكن يشاكه عائشة أو يقاربها في الفضل الا خديجة ﵂، التي لم تبرح مخيلة رسول الله ﷺ برهة من زمانه، ولم تزايل حركاته أو سكناته، فهي غائبة حاضرة بروحها معه، تظاهره وتشايعه في كل موقف صعب، ومع كل حادث جلل. كان إذا ما تذكر خديجة دمعت عيناه، ووكفت وهضبت محاجره أسى ولوعة للفراق، ثم يترحم عليها ويدعو لها لقاء ما تركته من ذكريات طيبة كريمة.

стр. 42

بيد أن عام الحزن الذي فقد فيه الحبيبة وعمه أبا طالب كان قد كبده أثقالا فادحة غير محتملة، لا يقدر عليها بشر غيره، فكان في عائشة السلوى والتسرية وفي كنفها منادح ومسارح لنفسه المكدودة المنهوكة من تباريح الشوق ومواجيد الفراق. ونعى الناعون، وأسرف الغالون، وأغرق الجاهلون في التثريب واللوم والإنحاء على رسول الله صلى الله عليه أن يتزوج من عائشة ﵂ وهي في التاسعة من عمرها وهي في الصبا الباكر، في عمر الزهور وفي مقام بنت من بناته ﷺ . ثم إنها في هذه السن الصغيرة لم تكن على دربة أو ممارسة أو بصيرة أو استئناس بمقتضيات الزواج، وما يتطلبه من أمور اجتماعية وشخصية ونفسية، فأنّى لصبية صغيرة أن تعرف أو تدرك شيئا من هذا؟!! لكن هؤلاء نسوا أو جهلوا أن البيئة والجزيرة العربية لم تنكر هذا أبدا بحال، ففيها أمثلة كثيرة مضروبة على هذا، الأمر الذي يدل على سبيل القطع بأن هذا التزويج كان مقبولا وسائغا، ولم يكن مستهجنا ولا مستغربا أن يقع. والدليل على ذلك ان سيدنا عمر بن الخطاب «١» ﵁ كان تزوج من بنت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو في عمر أبيها ولم ينكر أحد عليه ذلك. ثم إن عبد المطلب جد رسول الله ﷺ كان تزوج من هالة ابنة عم آمنة بنت وهب وهو شيخ كبير طاعن في السن كان ناهز العمرين، وقد

стр. 43

أكل الدهر عليه وشرب، وقد زايلته ميعته، وولت شرته، ولانت قناته، وطارت شبيبته، وكان زواجه منها وبناؤه بها في نفس اليوم الذي تزوج فيه أصغر أبنائه عبد الله من آمنة بنت وهب. وفي كل عصر ومصر يكثر ويتواتر تزويج الفتيات الصغيرات من شيوخ كبار في السن متقدمين في العمر في سن آبائهن أو أجدادهن، ويتلقى المجتمع والناس هذه المسائل بالرضى والقبول والتسليم، وهي أحداث مكرورة كثيرة الحدوث، ولم ينكر أحد على أحد، ولم يثرّب إنسان في هذا على أحد بحال. لكن عندما يكون هذا لرسول الله ﷺ فلا بد أن تثور الثورات، وتتفجر الزلازل والبراكين، وتقوم الدنيا في الحال ولا تقعد أبدا، حيث إن المستشرقين يعمدون إلى النيل من هذا الدين، ومن شايعهم من أولئك المغموزين المصدورين الموتورين، وهذا النيل يتمثل في تفنيد الأباطيل والأراجيف والتخرص الكاذب غير الكريم والافتئات على الحق والحقيقة والإنحاء على رسول الله ﷺ بما لا يليق، وهو الذي أعزه الله، ورفع شأنه، وأعلى ذكره في العالمين، ولو كره الكافرون ولو حنق الجاهلون. كان تزويجه ﷺ في كل أحواله بأمر الله، ولم يكن زواجا كما يحدث بين آحاد الناس، إذ إن الله تعالى هو الذي اختار له ﷺ ، ولذلك يطيب لي أن يقول المؤرخون وكتاب السيرة وتراجم النبوة عندما يتعرضون لهذه المسألة: تزويج رسول الله ﷺ لا زواجه، وذلك لقوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها «١» .

стр. 44

ذكر ابن حجر في الإصابة، والإمام الطبري في تاريخه المعروف: مراسم زفاف عائشة ﵂ إلى رسول الله ﷺ ، وقد نقلناه بتصرف على لسان السيدة عائشة، تقول الصديقة بنت الصديق: «جاء رسول الله إلى بيتنا، فاجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وأنا في أرجوحة بين عذقين، فأنزلتني ثم سوّت شعري، ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى إذا كنت عند الباب، وقفت بي حتى ذهب بعض نفسي، ثم أدخلتني ورسول الله ﷺ جالس على سرير في بيتنا، فأجلستني في حجره، وقالت: هؤلاء أهلك، فبارك الله لك فيهن، وبارك لهن فيك» «١» . ووثب القوم والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتي، ما نحرت عليّ جزور، ولا ذبحت من شاة، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله» . ثم حمل إليهما كذلك قدح من لبن، شرب رسول الله ﷺ منه، ثم تناولته العروس على استحياء فشربت منه» . ماذا كانت شقة الزوجية التي أعدها رسول الله ﷺ المصطفى المجتبى المختار من خلق الله إلى العروس الصبية فاتنة قريش، وأم المؤمنين، التي بنى عليها رسول الله ﷺ بكرا دون نسائه أمهات المؤمنين الآخريات اللاتي كنّ جميعهنّ ثيبات؟؟ لم يكن بيت الزوجية الذي استقبل هذه العروس الحلوة الجميلة المليحة إلا حجرة ملحقة بالمسجد مشيدة من اللبن، وسعف النخيل، ولم يكن يحتوي

стр. 45

فراشها فيها غير أدم حشوه ليف، ليس بينه وبين الأرض إلا الحصير، وعلى فتحة الباب أسدل ستار من الشعر. هذا البيت المتواضع البسيط الذي مدّ أفياءه على خير مخلوق، وأكرم مبعوث، وأجمل عروس، وأذكى فتاة، وأكرم عقيلة، هذا البيت كان نموذجا ومثلا حيا للتواضع والزهد وصفاء العنصر، وعدم التكلف الذي يرغب إليه كثير من الناس، فإن الذي استدبر الدنيا، وأعرض عنها، واتجه للآخرة وسعى لها سعيها، يكون في كل أطواره ومختلف أحواله زاهدا في زخرفها متزجيا منها باليسير، متبلغا بالقليل، مكتفيا بما يسد الرمق. لم يكن عرس عائشة ولا بيتها متكلفا ولا مبالغا فيه، لكنه كان مقتصدا، ولسان حاله ﷺ يقول: «وما أنا من المتكلفين» . وهذا مثل يجب أن يظل مضروبا في كل الأعصار والأمصار عند النسب والمصاهرة، ألا وهو وجوب توافق العناصر، وتواؤم الطبائع، والتقاء الأرواح وتعانق القلوب، وطهارة الدخائل، هذا كله قبل إعداد شقق الزوجية، والإنفاق بالسرف على النوادي والحفلات الصاخبة التي تهدر فيها آلاف الجنيهات في ولائم مبالغا فيها يحضرها الأغنياء، ولا يأتيها الفقراء. تفتحت عينا العروس الصغيرة على بيت الزوجية بما فيه من مسؤوليات وتبعات، لكنها لم تكن تدرك أبعاد الحياة الجديدة، إذ إنها لا زالت تمرح على مدارج الطفولة، وتسرح في منادح الصبا. وكانت هذه الطفولة البريئة تسعد رسول الله ﷺ ، ولم يكن ليضيق بها أبدا، فهو الذي كان يأتيها بصواحبها ليلعبن معها، هذه الصبية الغرير اللاعبة.

стр. 46

وتارة أخرى كان يحملها ﷺ على عاتقه؛ لتطل على نفر من الحبشة يلعبون الحراب ... كل هذا يبين لنا سعادته وغبطته ﵊ بذلك. وقد ذكر هذا الإمام البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده. وكانت دائما تذكر شهر شوال بالخير وتستحب لنسائها أن يدخلن فيه، لأنها خطبت إلى رسول الله ﷺ ، ثم بنى عليها في شوال أيضا. وهذا دليل قاطع على شدة حبها وتعلقها، بل وامتلاء قلبها بحب حليلها ﷺ . وكيف لا يكون هذا الحب الجارف متمكنا من حبات كيانها وهو من هو ﵊ وسامة وقسامة وجمال خلق واستواء بنية، واستقامة منهج ونبي أمة، ورسول بعثه الله تعالى للعالمين بشيرا ونذيرا وهاديا إلى أحسن طريق وإلى أقوم سبيل ... إن حبها له ﷺ كان في واقعه وحقيقته كسبا وغنما للدنيا والآخرة، ومن ذا الذي ينعم بسعادة الدنيا والفوز بالآخرة، ولا يحب من أسدى إليه سعادة الدارين، من إسباغ نعمة الدنيا مع نعيم الجنة. هذه العروس التي لم تشب عن الطوق بعد، ولم يعجم عودها تجريب، إذ كان غصنها رطبا لدنا، كانت أحوج ما تكون إلى الملاطفة والملاعبة التي كفلها لها رسول الله ﷺ ، وكان مسرورا بها كل السرور. ومع تعلق قلبه ﷺ بالفاتنة الحسناء لما كانت مطبوعة عليه من براءة ولما كانت مفطورة عليه من سجية نقية مبرورة، ودخيلة صافية، مع تعلقه بها وحبه إياها حبّا جما كثيرا، إلّا أن هذا الحب الكبير لم ينسه خديجة ولا ذكراها العطرة، ولا الأيام الحلوة الخوالي التي أنفقها معها، ولا الليالي الهادئة التي عاش فيها بين دفء أحضانها، ورقة شعورها.

стр. 47

وكانت غريزة الأنوثة دائما تحرض وتهيج عائشة ﵂ على الغيرة، وتحفزها وتستحثها على الضيق الذي كان مضمرا مكتوما في صدرها، محبوسا مكبوتا في طويتها، لم يطّلع عليه أحد، ولم يعرفه إنسان. ولعل الفطرة التي جبلت عليها النسوة- وهي القاسم المشترك في كل منهن- هي أن الواحدة منهن ترغب في امتلاك زوجها ولا ترضى أن يلتفت عنها إلى غيرها لا كليا ولا جزئيا، سواء كانت ضرة أو غيرها، حليلة أو خليلة، ولا يمكن لعائشة ولا غيرها أن تسيغ حياة الضرائر بوجه من الوجوه. وكانت عائشة ﵂ على حق في غيرتها الشديدة على رسول الله ﷺ الذي لا يدانيه بشر في خلقه ولا خلقه، ولا يرقى إليه في جمال بدنه وجمال روحه بشر ... فأنّى لزوجة له لا تغار عليه، وهو من هو لا ضريب له في عالم الرجال، ناهيك بعالم المثل العليا والأخلاق الراقية المعصومة من أوضار الهوى، ونزوات النفوس، وأرجاس الشهوات. كلما ذكر ﵊ خديجة وزير الصدق على الإسلام، وكلما تذكر قبرها بالحجون، وكفت وهضبت عيناه وبدا على محياه الشريف، وعلى وجهه الكريم التأثر الشديد، والأسى البالغ بما لا يستطاع كتمانه أو دفعه أو تجفيف منابعه. كان هذا الاختلاج والتفاعل الشعوري واللاشعوري مرئيا ملحوظا على صفحة وجهه ﷺ يراه القاصي والداني، ولا ينكره ﷺ ، وتهيج الذكر بين فينة وفينة، ومن حين لاخر. وقد زاد من حزن عائشة، وحمل عليها من لواعج الأسى ومواجيد القسوة عدم إنجابها الولد لرسول الله ﷺ ، لأن العرب

стр. 48

يدركون أن الولد به تقر العيون، ويزيد ويضاعف من الحب والمودة. قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً. قال العلماء المفسرون: إن المودة هي الجماع، والرحمة هي الولد. وإنجاب الولد ثمرة جنية شهية تكلف بها النفس ولا تفرط فيها أبدا. وبينا ولدت لمحمد ﷺ زوجه العجوز خديجة البنات والبنين؛ زهرة العمر، وربيع القلب، كانت عائشة ﵂ عقيما عاقرا لا تنجب ... فضاعف هذا من أساها ولوعتها، وحرقتها وشوقها إلى التعقيب والإنجاب، ولا سيما ورسول الله ﷺ كان ذكر خديجة بقوله: « ... ورزقت منها بالولد» . لكن لا بد من التسليم لأمر الله ، فلا يمكن أن يقع مقدور إلا بإذنه، ولا يخرج مقدور عن قدره ولا عن قضائه. من ناحية أخرى كان تعلقه ﷺ ببناته من خديجة ﵂ له نفس الأثر المرهف للشعور بوطأة الحرمان، وأوام العطش لإرواء ذلك النهم والرغبة الملحة باستمرار في الإنجاب، لكن لا سبيل إلا التحمل والتجمل. وكثيرا ما كان ﷺ يواسيها مما يقاسيها وتقاسيه من لواعج الشوق ولهفة ولوعة الحرمان بلطيف اللفظ ورقيق الكلمات، ورفيف الملاطفات والملاعبات، حتى يزيح عنها هذا الكابوس الضاغط الخانق الذي يجثم على صدرها غير مترفق بها، إذ لا يريم ولا يزايلها طرفة عين. ولا عبرة ولا حجة لمن زعم أن عائشة ﵂ قد ولدت لرسول

стр. 49

الله ﷺ ولدا مات «١» طفلا في مهده، ولا عبرة أيضا بتوهم الواهمين من أنها أسقطت «٢» سقطا منه ﷺ ، إذ إن هذه آثار موضوعة مكذوبة ولو كان شيء من هذا صحيحا لتواترت به الأخبار، ولم تكن ليخفى أمرها على الصادر والوارد. كان تأكيده ﷺ على حبه عائشة أمرا مفروغا منه لكن كان يجدده ليطيب خاطرها، ويمسح عنها مكتنف الهموم ومشاعر الأسى ولوعة ولواعج البرحاء. قال ﷺ : «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» «٣» . ولما سأله عمرو بن العاص عن أحب الناس إليه قال ﷺ : «عائشة» قال: من الرجال، نقصد يا رسول الله؟ قال: «أبوها» «٤» . كان بيت رسول الله ﷺ محتويا على صفوة من أمهات المؤمنين من خيار نساء الأمة ﵅ وأرضاهن، مثل عائشة وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وابنة عمته زينب بنت جحش مطلقة متبناه زيد بن حارثة، والفاتنة الحسناء المترفعة أم سلمة بنت أبي أمية زاد الركب، والغانية البارعة الجمال جويرية بنت الحارث، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم مكة وقائد جيشها المطاع المسموع الكلمة، ثم أم ولده إبراهيم مارية القبطية. كان لا بد أن تستعر حرب الضرائر الشعواء الضروس التي لا يخبو أوراها،

стр. 50

ولا يسكن لهيبها، وكان هذا الصراع نتيجة انقسام النساء إلى معسكرين، أو جبهتين متقابلتين، الجبهة الأولى بقيادة عائشة، والآخرى جبهة صلبة أيضا لا تقل ضراوة وصلابة عن الأولى. وكان طبيعيا أن يضيق رسول الله ﷺ بحرب الضرائر الضروس المشتعلة، وكان لا بد أن يتخذ إجراء لردع هذا الصراع أو على الأدنى التقليل من حدته، فقرر ﷺ أن يعتزلهن جميعا شهرا كاملا.... وسرت الأنباء، وطارت الشائعات هنا وهناك تبث في كل مكان، وتفري الفري بأن رسول الله ﷺ قد طلّق نساءه جميعا. هذا الخبر المكذوب الذي لا ظل له من حق ولا حقيقة تناقله الناس همسا في مجالسهم ومنتدياتهم لغرابته، ثم إن ذلك في حالة صدقه لا يكون إلا لأمور في غاية الشدة والتعقيد، والناس مغرمون من قديم باستطلاع هذه الخصوصيات التي تقع ما بين آحادهم، لكن عندما يكون الأمر خاصا برسول الله ﷺ فإنه يكون أمرا ذا بال، ولا يحتمل السكوت عنه- في نظرهم-. ولم يكن مستغربا أن تلوك الألسنة هذا الخبر من قطاع كبير من الناس، فمن كان من المسلمين كان مفزوعا لهذا راجيا أن يكون الخبر غير صادق، وسائلا الله عزوجل أن يدفع عن حبيبه ومصطفاه كل هم وغم وبلاء، حتى يتفرغ لرسالة ربه، وما نيط به من مسؤلية التبليغ. أما الكافرون فيستثمرون أي اضطراب ولو كان قليلا أو غير ذي بال لإحداث الشائعات والبلابل، كالنار التي ترعى الهشيم للثلب والطعن في النبي والنبوة، ولكن رسول الله ﷺ الذي كان في كلاءة ربه وحفظه،

стр. 51

كان محوطا محفوظا مرعيا بعناية الله وتسديده وتمكينه بالمناعة الإيمانية، وصدق اليقين وحسن الظن بالله. أضرب النبي عنهن شهرا كاملا لولا أن تدخل عمر بن الخطاب ﵁ لدى النبي ﷺ ، وكان نتيجة ذلك أن ضرب رسول الله ﷺ عن الأمر صفحا، فأضرب عن هذا الإضراب عنهن، فكان خبرا سارا سعيدا سرى إلى نسائه يبسر بعودته ﷺ إليهن مرة أخرى، فطرن غبطة وسرورا، ووقفن على أمشاط أرجلهن احتفالا واحتفاء برسول الله ﷺ ، لأن رضاه من رضى الله تعالى، وغضبه من غضب الله تعالى، أعاذنا الله منه، ولكنها معاشرة الضرائر، ومكايد النسوة، ولعن الله الشيطان وتسويله، ودسائسه وتغريره ... دخل رسول الله ﷺ الى البيت بعد جفائه شهرا، ثم توجه إلى غرفة عائشة ﵂، وهي التي ألّبت عليه، وأذكت روح التمرد والثورة عليه ﷺ ، وكان ﵊ يعرف ذلك ولم ينكره، ولكن الحب شافع لا يرد والهوى غلّاب. كان القدر مطويا، والغيب المحجوب يحمل في طياته محنة وابتلاء لأم المؤمنين عائشة ﵂، حيث كان ينتظرها مقدور محتم لا محيص عنه، ولا مناص منه ألا وهو حديث الإفك ... الذي كانت به أولى نسائه ﷺ ، ورضي عنهن، كانت أولاهن محنة بهذا الحدث الجلل المكذوب المفترى المختلق. عند عودته ﷺ ظافرا منتصرا من غزوة بني المصطلق، كانت السيدة عائشة بصحبته، وفي الطريق بالقرب من المدينة، وعلى مشارفها، تلبث الركب وتلوم بعض الوقت ليلا للاستجمام بعض الوقت، ثم أذن لهم

стр. 52

رسول الله ﷺ بالرحيل، فارتحلوا ثم أغذوا السير في طريقهم، وقد اقتيد وسيق بعير عائشة ﵂ إلى بيتها، وكانت المفاجأة الكبرى التي أذهلت الجميع أن تبين أن الهودج كان خاليا، ولم تكن عائشة فيه. واستطار الخبر وفشا وذاع الى كل حدب وصوب في مختلف أرجاء المدينة، وكسر في ذرع كثير من الناس من هول المفاجأة التي نزلت، والنائبة التي نابت. بعث رسول الله ﷺ من يلتمس طريقها بحثا عنها وبغتة ظهرت على مدى الأفق البعيد تركب بعيرا يقوده صفوان بن المعطل السلمي «١» . لقد انطلقت- من جراء هذا المشهد- ألسنة الخراصين وأطلقت الشائعات يدها الأثيمة في عرض أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وانسابت الأفاعي الحاقدة بفحيح الغيظ لتنهش لحم البريئة المغبونة المظلومة المهضومة الصديقة بنت الصديق، طعنا وثلبا وتجريحا وزراية على بيت النبوة الطاهر المصون العفيف الزكي. أما عن سبب تأخر عائشة عن الركب فهو أنها كانت خرجت لبعض حاجتها قبل أن يؤذن في الناس بالرحيل، وفي عنقها عقد لها فيه جزع ظفار، فلما فرغت انسل من عنقها وهي لا تدري، أي انفرط العقد ولم تشعر به، فلما رجعت الى الرحل ذهبت تلتمسه في عنقها فلم تجده، وكان الناس أخذوا في الرحيل، فرجعت إلى مكانها الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته، وجاء

стр. 53

القوم فرحّلوا بعيرها، وأخذوا الهودج وهم يظنون أنها فيه، فاحتملوا الهودج فشدوه على البعير، ولم يشكوا أنها فيه، ثم أخذوا رأس البعير، فانطلقوا به، فرجعت إلى المعسكر، وما فيه من داع ولا مجيب، قد انطلق الناس ... فتلففت بجلبابها، ثم اضطجعت في مكانها، وعرفت أن لو قد افتقدت لرجع إليها ... ثم تقول بلسانها ﵂: «فو الله إني لمضطجعة، إذ مرّ بي صفوان بن المعطل السلمي، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس فرأى سوادي، فأقبل حتى وقف عليّ فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله ﷺ ! ما خلفك يرحمك الله؟! فما كلمته ... ثم قرّب البعير، فقال: اركبي، واستأخر عني، فركبت، وأخذ برأس البعير، فانطلق سريعا يطلب الناس، فو الله ما أدركنا الناس وما افتقدت، حتى أصبحت ونزل الناس ... » . هذا القول سمعه منها رسول الله ﷺ فلم ينكر عليها منه شيئا، ولم يتطرق إلى ذهنه شك أو ريبة أو هاجس، ولم يداخله حدس أو ترجم بغيب أو مظنة سوء بحال من الأحوال ... إذ إن الظاهر أنه ﷺ بعد أن سمع كلامها، لم يعلق بخاطره من هذا الموضوع شيء البتة ولا فكّر فيه برهة من زمان، لأن الموضوع لا يستحق ولا يقتضي جهدا في التمحيص وإعمال الذهن لأنه لا شيء فيه غير طبيعي. بيد أن أعداء الإسلام المجرمين من المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وكانوا من المتربصين لأدنى هفوة لينسجوا على منوالها افتراآتهم

стр. 54

ومنحولاتهم المكذوبة، زراية وطعنا في الدين، أولئك المرجفون الخراصون لم تأخذهم شفقة ولا هوادة، ولم يراعوا إلا ولا ذمة فأفرخت على أيديهم الفرية، واستطار الخبر، وتنوقلت الروايات والتأويلات غير الكريمة التي تنطوي على غمز وعلى لمز خبيث لئيم. كان على رأس المنافقين عبد الله بن ابي بن سلول «١» غضب الله عليه ولعنه، وكان مقصوده اللعين من هذا أن يشغل بال رسول الله ﷺ ، ويزيد من همومه فيلتفت عن مهمته الأصلية إلى قضايا فرعية، ومسائل جدلية جانبية، إلى جانب اللمز والطعن في طهارة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق شيخ الصحابة. ولم تكن الفرية موقوفة عند المنافقين وحدهم، وإلّا هان الأمر نسبيا، لكنها امتدت أيضا حتى تراوحت وتنوقلت عن بعض المقربين لرسول الله ﷺ ، بل ومن أقرب الناس منه مثل حسان بن ثابت «٢» شاعر النبي ﷺ ، ومسطح بن أثاثة «٣» ، قريب أبي بكر وموضع حدبه وبره والطافه، وكذلك حمنة بنت جحش «٤» ابنة عمة النبي ﷺ ، وأخت زوجته زينب بنت جحش.

стр. 55

ظل هذا الموضوع حديث الناس وشاغلهم؛ الصادر منهم والوارد على مدى شهر كامل ... حتى بلغت الطامّة أقصى مداها، وغاية منتهاها، وذلك بوصول هذا الخبر إلى رسول الله ﷺ ، ونما إلى أبي بكر ﵁، وكذلك إلى زوجه أم رومان، وكانت ثالثة الأثافي والأسى والحزن الذي لا مزيد عليه، وما كان من رسول الله ﷺ إلا أن جفا عائشة وبدت على مخايل وجهه الكريم ما لم يسبق رؤيته عليه من كابة وحزن وامتعاض، وشعرت أم المؤمنين عائشة أنها صارت معدولا ومرغوبا عنها، مزهودا فيها، شبه متروكة ... فأثر هذا الشعور فيها وعليها أبلغ التأثير ... إن الإدبار بعد الإقبال، والنفور بعد التعلق من أبلغ العقوبات عند آحاد الناس، لكنه من رسول الله ﷺ يكون ذا بلاغة مخصوصة لا تدانيها بلاغة، بل ويكون من أغلظ العقوبات المهذبة الكريمة ... ولم تطق السيدة عائشة ﵂ هذا الجفاء غير المسبوق من حبيب القلب والروح ... فاستأذنته أن تذهب بيت أهلها ... فأذن لها على الفور ... وفي بعض الروايات أنه ﷺ ، هو الذي طلب منها ذلك. وعلى أية حال فقد كانت صدمة أبي بكر وأم رومان، من أصعب وأشق ما نزل بهما في حياتهما. ولئن كانت الأعراض مصونة، والاقتراب منها أو محاولة الطعن فيها جريمة غير مقبولة تماما مهما كان التبرير، إلا أن الأمر عندما يكون مختصا بابنة أبي بكر بن أبي قحافة يكون أكثر فداحة وخسارة والذي قال فيه رسول الله ﷺ : «كل من أسدى إلينا يدا كافأناه بها ما خلا أبا بكر فإن له يدا يكافئه الله بها

стр. 56

يوم القيامة» ويقول: «وما نفعني مال مثل مال أبي بكر» فرضي الله عنه وأرضاه. وفي مرض موته يقول ﷺ : «سدّوا هذه الشوارع ... في المسجد، ما خلا خوخة أبي بكر، فإني لا أعلم أحدا أحسن يدا عندي في الصحبة منه» كان توأم روحه، ونهمة نفسه، ومنتهى سعادته. لم يمض على عائشة أكثر من ثلاثة أسابيع تقريبا كانت مريضة ملازمة للفراش، وما إن أفرقت وتماثلت للشفاء حتى دهمتها الفاجعة المؤلمة ... وكان لا بد أن تعلم، لكن المؤلم أنها كانت آخر من يعلم، ولم يكن جوابها عن ذلك إلا العبرات السخينة، والاهات المكتومة، ولم يرقأ لها دمع، ولم تكف لها محاجر، ولم تغمض لها عين، فلم يعد يزورها النوم طرفة عين، وكيف تنام أو تقر عيونها، وحديثها في كل بيت وعلى كل لسان، حيث صارت عائشة وقضيتها حديثا. تبودلت الاتهامات بين قبيلتي الأوس والخزرج؛ فكل فريق ينحي باللائمة على الاخر، ويرميه بالمسؤولية أنه كان مصدرا للقيل والقال ... وكان التقاء كلا الفريقين وشيكا، وكادت الحرب تستعر، وتلتهب جمرتها بينهم ... لم يكن رسول الله ﷺ مرتابا ولا شاكا في أهله، ولكن فداحة الخبر، وسهولة انطلاقه على الألسنة، وتورط كثير من المقربين والعقلاء فيه مع سلامة صدورهم، ونقاء طوياتهم، وطهارة إيمانهم، كان مهيجا لكثير من الهواجس والخواطر التي تأتي وتذهب فتظاهرت كلها في صورة تداعيات متلاحقة تستوجب وتقتضي إعادة التقويم، وإجالة الفكر، ومعاودة النظر ... هذه التداعيات وما يعتورها ويكانفها ويلازمها من هموم وأشجان ظلت تراوح رسول

стр. 57

الله ﷺ وتناوشه في الليل والنهار، في المنام واليقظة، فلا يستطيع لها دفعا ... وهو يريد ويعمد الى البحث عن أدلة قاطعة لتبرير وتسويغ ما جرى، ولتبرئة أم المؤمنين ﵂ ... لقد كانت الأثقال النفسية على رسول الله ﷺ خطبا فادحا لا يمكن تصور جنايته وجريرته وجرمه. استشار النبي ﷺ أخلص الناس وأحبهم إليه أسامة بن زيد «١» حبّ رسول الله ﷺ ، فقال أسامة: يا رسول الله، أهلك، ولا نعلم منها إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل ... وسأل ابن عمه عليا بن أبي طالب ﵁ قال له: يا رسول الله، النساء غيرها كثير، وإنك لقادر أن تستخلف، وسل الجارية تصدقك ... سأل رسول الله ﷺ بريرة الجارية فلم تقل عن عائشة إلا خيرا ... أخذت الهموم من رسول الله ﷺ كل مأخذ، لم يستطع لها دفعا، ولا منها فكاكا، ولا عنها مزايلة ... ثم أخذ طريقه إلى بيت أبي بكر ﵁ ... ثم اقترب من عائشة ... وطلب منها إن كانت اقترفت ذنبا أن تتوب إلى الله ... وكأن السماء

стр. 58

قد أطبقت على الأرض، وكأن شفرة مطرورة مشحوذة قد أجهزت على رقبتها، وكأن حريقا قد اشتعل في قلبها بنار الغضى التي لا يخبو أوارها، ولا يسكن لهيبها، وتتوقد جمرتها، ويذكو لظاها ... ولم تزد على أن قالت: لن أقول إلّا ما قاله يعقوب: «صبر جميل والله المستعان على ما تصفون» . والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، فإن الله يعلم أني بريئة ... ثم أمسكت عن الكلام وقد أخذتها رعدة شديدة، وضربات قلبها مسرعة، ونفسها مبهور، ومحاجرها تهضب بسخاء ... وبينما كان رسول الله ﷺ جالسا بغتة غشاه الوحي، فسجي بثوبه، ووضعت وسادة تحت رأسه، وما هي إلا لحظات غير طويلة حتى سرّي عنه، فجلس يمسح عرقه ويقول: «أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك» ثم خرج إلى الناس يقرأ عليهم قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ «١» والإفك هو الكذب المختلق المفترى المكذوب وهو التخرص والإرجاف والبهتان والدعاوى الباطلة الفاحشة، التي لا ظل لها من حقيقة.

стр. 59

قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير: الإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وقد أجمع المسلمون على أنّ المراد ما أفك به على عائشة، وهي زوجة الرسول المعصوم «١» . ثم يتوعد القرآن الكريم أولئك الخراصين والمنافقين بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «٢» . إن المحصنات الغافلات المؤمنات، السليمات الصدور، المبرآت من العيوب، النقيات الجيوب، الطاهرات الذيول لهن درجتهن عند الله تعالى، فمن قذفهن ووقع في أعراضهن، باء بغضب الله تعالى ولعنه وسخطه، والولوغ في الدماء قد يكون أهون مئات المرات من الولوغ في الأعراض، إذ إن الحرة تضيق عليها الأرض بما رحبت وترى الموت أشرف وأكرم لها من مجرد القذف في شرفها، والاستطالة على سيرتها وسمعتها. قال ابن عباس- ﵄: هذا اللعن- في الاية الشريفة- فيمن قذف زوجات النبي ﷺ إذ ليس له توبة، ومن قذف مؤمنة جعل الله له توبة «٣» . ذلك لأن قاذف أم المؤمنين متجرئ على كل المؤمنات.

стр. 60

انجلت الغمة، وذهب الكرب، وذهل المفترون، وقتلت الفتنة، وارتفع الحق، ودحض الباطل الزهوق، وأعلى الله ذكر عائشة ورفع درجتها، وشملها بلطفه ورضوانه ليصبرها على هذه البلية التي طعنتها في قلبها «١» . لقد تبلج نور اليقين فأزاح ظلمات الريب، وشبهات الراغمين، وارتفع الصدق والحق إلى أعلى درج، وانخسف الباطل إلى أحط وأسفل درك، وظهر أمر الله وأعداؤه كارهون. بعد ذلك انقضت الأيام يستحث بعضها بعضا، وقد قرت عين أم المؤمنين عائشة، وحمد الله أبو بكر وأم رومان، وعاد الاستقرار وثابت السكينة والرضى بالمقسوم من قضائه وقدره، وشكرا له على ما أنعم وأفاض من روحه وريحانه. ثم حج رسول الله ﷺ حجة الوداع، ثم عاد إلى المدينة، وقد قربت ساعة الرحيل، بعد أن أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. وقد تم تمريضه ﷺ في حجرة عائشة، وعندما دنت ساعة الرحيل، واقترب وقت الفراق ضمته عائشة إلى صدرها، وكان في يدها سواك من الأراك تستاك به، فأشار إليه رسول الله ﷺ يريده فأعطته إياه فتناوله وشاص به أسنانه، قالت السيدة عائشة ﵂: «قضى رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، وجمع بين ريقي وريقه» .

стр. 61

وكان بديهيا أن تظهر دلائل وأمارات ومخايل هذه الواشجة الروحية الوثيقة من الدنيا إلى الآخرة، فقد دفن ﷺ في حجرة عائشة. جزاه الله خير ما يجزى نبي عن أمته. بعد أن انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، بقيت السيدة عائشة ﵂ وحيدة وقد غشيها سكون رهيب وتراوحتها وحشة وحرمان واستيحاش؛ فإن حياة الوحدة أو وحدة الحياة بالغة القسوة والشدة على مثلها وقد كانت ملء السمع والبصر، وملء القلب والفؤاد من رسول الله ﷺ ، وها هي لم تنجب ولدا ليكون سلوانا وإيناسا لها في غربة هذه الحياة الدنيا. ثم أرادت عائشة أن تدفع عن نفسها شيئا من تباريح الوحدة وآلام الغربة في الأهل فعمدت إلى أبناء إخوتها تتلمس فيهم وتلتمس منهم أن يسدوا خلتها، ويرأبوا هذا الحرمان الذي تعاني منه وهو الحرمان من الأمومة. أنزلت لأجل ذلك ابن أختها أسماء (عبد الله بن الزبير) منزل الابن، وكنيت به إذ كان يقال لها: «أم عبد الله» ، كذلك ضمت إليها القاسم ابن أخيها عبد الرحمن، وابنته وكانت طفلة صغيرة. لكن عبد الله بن الزبير استدرجها إلى «موقعة الجمل» وقد بسطنا البحث فيها في كتابنا: «العشرة المبشرون بالجنة» وكانت هي الآخرى بلية وفتنة كبرى. لكن الفقه الإسلامي مدين لاراء عائشة القيّمة حيث كان لها دور كبير مشهود يعرفه ويقدره العارفون.

стр. 62

وقد أثر عنها أكثر من ألفين ومائة وعشرة أحاديث. ولما أن بلغت من العمر ستا وستين سنة، وفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان عام سبعة وخمسين للهجرة فاضت روحها البريئة إلى بارئها. وفي غسق الليل وعلى أضواء المشاعل، شيعت جنازتها الى بقيع الفرقد، فرضي الله عنها وأرضاها. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ...

стр. 63

(٤) حفصة بنت عمر «١» حافظة المصحف (١٨ ق. هـ- ٤٥ هـ) (٦٠٤- ٦٦٥ م) هي حفصة بنت عمر بن الخطاب، الصحابية الجليلة الفاضلة الصالحة الكريمة، زوج النبي ﷺ ، أم المؤمنين، ولدت بمكة سنة ثمان عشرة قبل الهجرة، وقد تزوجها خنيس بن حذافة السهمي، فكانت عنده إلى أن ظهر الإسلام، فدخلا فيه، ثم هاجرت معه إلى المدينة، فمات عنها ﵁. وبعد انقضاء عدتها عرضها عمر ﵁ أبوها على أبي بكر فسكت ولم يبد رفضا ولا قبولا، ثم عرضها على عثمان بن عفان ﵁ فاعتذر هو الاخر فتألم لذلك ألما شديدا، ثم كان لها في مخبوء القدر من هو أحسن

стр. 64

وأعظم من هذا ومن ذاك، كان لها رسول الله ﷺ ، لتصبح بذلك أم المؤمنين. تزوجها رسول الله سنة ثلاث للهجرة- وفي بعض الأقوال سنة اثنتين للهجرة- وعاشت بعد وفاة النبي في المدينة إلى أن توفيت بها سنة خمس وأربعين للهجرة، وقد ورد لها في الصحيحين ستون حديثا صحيحا متفقا عليها. كان زوجها الأول خنيس بن حذافة بن قيس السهمي، هو الرجل الوحيد من بني سهم الذي شهد بدرا، فهو بدري، وهو أيضا من أصحاب الهجرتين. وقد شهد أحدا بعد ذلك، وكانت وفاته بدار الهجرة، بسبب جراحة جرحها يوم أحد. ترك خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي أرملته الشابة الفاتنة الحسناء حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية، تركها للوحدة تعاني بعده استيحاش الحبيب وفراقه الذي لا لقاء بعده في الدنيا مرة أخرى. لم تكن صورة الرجل الصالح تبرح مخيلتها برهة من زمان، ولم تزايلها طرفة عين، وانعكس ذلك على نفسيتها وعلى بدنها حيث طفق يجتالها الهم، ويغتال جسمها المكدود طول التفكير في الغائب الحاضر، القريب وهو بعيد. تمر الأيام والأسابيع والأشهر، وهي في حداد وحزن مقيم على بعلها أربى على ستة أشهر أو يزيد، ولا جرم أن أباها كان متأثرا جدا لحال ابنته الشابة الأرملة في عنفوان شبابها وهي لم تعد ثماني عشرة سنة من عمرها، فهي في خير عمرها وشبابها الباكر. ولم يكن يشعر بعذابها مثل أبيها عمر ﵁، حتى كأنه كان يقرأ كل ما يدور برأسها من هواجس، وما يجري في داخلها من اختلاج، وكان يتألم

стр. 65

في نفسه لأن ابنته جزء من كيانه، فكيف يتصرف وهو يراها نهبا للحزن المقيم والأسى الملازم الذي لا يريم؟؟ وليس عمر في حيرته بدعا من الرجال في مثل هذه الظروف التي نزلت بساحة ابنته، فإن الأب يتألم لما يؤلم ابنته، ولا يريحه إلا ما يسرّي عنها ويدفع عنها الشر والبلاء. لم يجد عمر مخرجا من هذه المحنة إلا أن بحث لها عن رجل زوجا صالحا يختاره من الصفوة المختارة من إخوانه ليؤنس وحدتها، ويذهب وحشتها ... إن ابنة عمر ليس لها مخرج من هذه المحنة إلا بالزواج فقد كانت مثل أبيها مرهفة الحس، رقيقة الشعور، مشدودة الأعصاب. هذه الخلال والخصال الموروثة من الشاق ومن العسير التحرر منها، أو الإفلات من قبضتها ... فكّر عمر ﵁ في أبي بكر ﵁، وأخذ يجيل الأمر في ذهنه، وسرى في خاطره مناقب أبي بكر ومحاسنه، وخلقه وشرفه وأريحيته، وسبقه للإسلام ورجاحة عقله، ونظافة أردانه، وحب رسول الله ﷺ له، وحلمه ورزانته، وحكمته وحصافته، كلها من أطيب النعوت وأكرم المعاني والصفات، فقرر أن يذهب إليه على الفور، غير متردد، ولا متقاعس فإنه غير أبي بكر لا يصلح لحفصة، فإنه بخبرته وهدوئه، ووقاره يحتمل ويستوعب حدتها التي تعتريها أحيانا من غيرة وشدة وصرامة. حكى وشكا عمر ﵁ إلى أبي بكر ﵁ ما أصاب ابنته من حزن وكابة بعد موت زوجها، وأن عمر اختار أبا بكر زوجا لابنته ليخرجها من هذا الحصار المحدق بها من الكابة والترمل. كان متوقعا ومظنونا وراجحا أن يغتبط أبو بكر بهذا العرض ليتزوج من

стр. 66

شابة فاتنة حسناء في خير عمرها وشبابها، وهي من هي حسبا ونسبا وفضلا وكرامة ... لكن حدث غير المتوقع ... أبدى أبو بكر عطفا وتأثرا وهو يرثي لحالها، لكنه أمسك عن القبول ولا حتى التعريض أو التلميح بقبول ولا رفض، ولم يبرر هذا السكوت ... كان ألم عمر بالغا، وشعوره بالإحباط بليغا، حيث رجع بخفي حنين، يضرب أصدريه، صفر اليدين، وقد انقشع أمله ورجاؤه، وفوجئ بسراب خادع من التوهم والتظني، ولكن مع حزنه ولوعته، لم يفت ذلك في ساعده، ولم يثن من عزمه، ولم يجعله ينصرف عن مهمته أو يتحول عنها. وانطلق إلى بيت الرجل الصالح التقي النقي ذي الوجه المشرق والسمت الكريم السمح الجواد الشريف المعطاء عثمان بن عفان ﵁، وكانت زوجه رقية بنت محمد ﷺ قد مرضت رحمها الله وذلك إبّان وقعة بدر وبعد انتصار المسلمين مباشرة توفيت ﵂ وقد أذن رسول الله ﷺ لزوجها عثمان في القعود عن الحرب ليجلس إلى جوار زوجته لتمريضها، لكنها اختارت جوار ربها فرضي الله عنها وأرضاها. تكلم عمر عن حال ابنته ومحنتها وحزنها إلى عثمان وعرضها عليه ليتزوجها، وما كان عمر ليختار لابنته إلا كريم الأصل طيب الجرثومة، أريحيّ الخصال ... لكن عثمان ﵁ استمهله أياما، ثم جاء بعدها يقول له: «ما أريد أن أتزوج اليوم» !!. كان وقع هذا على عمر شديدا قاسيا مريرا، اختلج على اثره اختلاجا، وزلزل من دخيلته زلزالا نفسيا قاسيا.

стр. 67

فذهب عمر من فوره إلى رسول الله ﷺ يشكو إليه صاحبيه، ويحكي له ما جرى من هذا الأمر ... ثم يقول له ﷺ بعد أن سمع قصته ما يمحو من نفسه ووجدانه كل هم وحزن وغم وحزازة، فيقول له أحلى وأجمل كلمات كان يتمناها عمر ﵁: «يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة» . كان رسول الله ﷺ هو الذي خير من عثمان وكأن عمر لا يصدق نفسه من شدة الفرح والابتهاج، والغبطة والسعادة حيث ردّ إليه اعتباره، بعد أن شعر بمهانه الرقص والزهد في ابنته، وليس هناك لرسول الله ﷺ من شبيه ولا مثيل ولا ضريب في عالم الرجولة والرجال. كان شرفا عظيما ومجدا أثيلا للفتاة الشابة ابنة الثماني عشرة سنة، الأرمل الغرير أن تصبح أما للمؤمنين وزوجا لرسول الله ﷺ . تهلل وجه عمر، وكاد يطير فرحا وحبورا يبشر كل من لقيه بهذا الخبر الميمون السعيد المبارك، فيتلقى التهاني من الناس، وانطلق إلى ابنته ليبشرها بفضل الله تعالى وجميل بره، وجزيل عطائه، وجليل مكافأته ومجازاته لها على صبرها واحتمالها المكاره وحزنها على فراق زوجها، وليس هناك عوض أجمل ولا أعظم من رسول الله ﷺ . ثم يقول أبو بكر معتذرا لعمر: «لا تجد عليّ يا عمر، فإن رسول الله ﷺ ذكر حفصة، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها لتزوجتها» . كان أعظم رأب للصدع الذي شدخ نفس حفصة، فرتق الفتق، وسد

стр. 68

الثلمة، وضمد الجراح الغائرة، ويا بني رسول الله ﷺ بحفصة بنت عمر «١» ، ويا بني عثمان ﵁ بأم كلثوم «٢» بنت محمد ﷺ بعد ابنته الفقيدة رقية ﵂. ذكر ابن سعد في طبقاته: «فخار الله لهم جميعا: كان رسول الله ﷺ لحفصة خيرا من عثمان، وكانت بنت رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من حفصة» . دخلت حفصة بنت عمر إلى بيت النبوة لتمارس مهامها المنوطة بها، لكن سرعان ما انخرطت في طابور الضرائر، لكن عمر ﵁ كان دائما يحذر ابنته ويتعهدها بالنصح والإرشاد، حتى لا تغضب رسول الله ﷺ عليها فيكون غضبه سببا لغضب الله تعالى عليها وإنه لشفيق على ابنته من خطورة مسؤوليتها في بيت رسول الله ﵊. ومن أجمل ما قاله فاروق الإسلام لابنته: «تعلمين أني أحذرك عقوبة الله، وغضب رسوله، يا بنية، لا يغرنّك هذه التي أعجبها حسنها، وحب رسول الله إياها- يقصد عائشة- ولقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك!!! وكان هذا الأمر يؤلم حفصة غاية الألم، ويجرح كبرياءها ويشعرها بالمرارة التي لا تستطيع لها ردا ولا دفعا. هذا الشعور الجارح كان يدمي قلبها، ويقطع أحشاءها وهو يساورها ويراوحها بين فينة وفينة، وبين عشية أو ضحاها، هذا الهاجس الذي يجرح

стр. 69

صميم القلب، إنها مقولة عمر التي لم تنسها طرفة عين، بل لا يمكن أن تنساها أبدا، لأنها تصدع الصخر، وتشدخ الفولاذ، ويلين لها قاسي الحديد، جاسي الطبع، ولعلها من أبلغ العقوبات، وأقسى وأعصى أنواع الزجر من أب مثل عمر، لابنة مثل حفصة ... ذات يوم دخل رسول الله ﷺ ومعه زوجته مارية القبطية فدخلا معا غرفة حفصة ليتسرى بها ... !! ولما انصرفت مارية، هاجت الثورة النفسية في داخل حفصة، ولم تستطع كتمان هذا الشعور الهادر، ولا قدرت على احتماله، فقالت لرسول الله ﷺ : (لقد رأيت من كان عندك، والله لقد سبيتني، وما كنت لتصنعها لولا هواني عليك!) . ثم انفجرت بالبكاء والعويل يعلو نشيجها، وعليها قد تظاهرت الهواجس والتداعيات، وهي تتذكر قول أبيها عمر، وما تشعر به في دخيلتها، ثم يأتي هذا المشهد بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، أو ثالثة الأثافي ... أخذت رسول الله ﷺ الشفقة بها والحدب عليها، والحنو على رقتها وضعفها، وتألم مما سمعه منها، فأقبل عليها بوجهه المشرق ليسري عنها ويهدئ من روعها، فأسر إليها بأن مارية قد صارت محرمة عليه من تلك اللحظة، وقد أوصاها أن تصون هذا السر، وليظل مكتوما محبوسا في داخلها، ولا تطلع عليه أحدا، ولا يعلم به قريب أو بعيد. لم تصدق حفصة نفسها وهي تسمع هذا الخبر السار، وشعرت أن الجرح

стр. 70

الغائر أصبح التئامه وشيكا، وأحست بأن الفتق قد قارب الرتق، ثم يندمل الجرح، وتطيح الهموم والأحزان. لكن شعور الأنثى كان أكبر من حصافة العقل، وأقوى من كل محاولات الحرص على كتمان السر، فلم تقدر عزيمتها على النهوض بأمر هذه المهمة الصعبة. أفشت حفصة بالسر إلى عائشة ﵂، وقد كان تظاهرهما على حفظ سر رسول الله ﷺ في الظاهر ولم يكن ذلك واقعيا ولذلك، ولهذا السبب نزلت سورة التحريم. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ، فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ. عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً «١» . كانت حفصة بنت عمر هي التي أذاعت وأفشت سر رسول الله ﷺ ، ولذلك فقد طلقها طلقة واحدة رحمة وشفقة بأبيها عمر الذي هاله الخبر فحثا التراب على رأسه.

стр. 71

وقيل: إن جبريل نزل على رسول الله ﷺ ، وقال له: (أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة) . وكان على حفصة أن تستجيب لأمر الله، فعادت أدراجها، لكن استفادتها من التجربة المريرة كانت أكبر من كل توقع، إذ تجافت حرب الضرائر، وآثرت البعد والنأي عن مشاغباتهن أو مشايعتهن في شيء قليلا كان أم كثيرا. ولم ير رسول الله ﷺ من حفصة بعد ذلك شيئا لا يسره حتى انتقاله للرفيق الأعلى. واكتوت حفصة مع زمرة الأبرار الأخيار بوفاته ﷺ ، وكان حزنها على فراقه بالغا وشديدا ... ثم عاشت عهد الصديق أبي بكر، ثم عهد أبيها عمر، وقد فجعت للمرة الثانية بمقتل أبيها عمر- ﵁. ولم تجد من الوحدة سبيلا غير الاعتكاف للعبادة وذكر الله، فبقيت في المدينة حتى جاءها الحتم المجاب، فلم تتردد لحظة واحدة وكان ذلك في عهد معاوية بن أبي سفيان، فرضي الله عنها وأرضاها.

стр. 72

(٥) زينب بنت خزيمة «١» أم المساكين (٠٠٠- ٤ هـ) (٠٠٠- ٦٢٥ م) هي زينب المخزومية أم المؤمنين، زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، الهلالية. هذه الأرملة الشابة التي دخلت بيت النبوة أما للمؤمنين بوقت قصير من دخول حفصة بنت عمر، لكنها كانت قصيرة العمر، حيث مرت مرورا عابرا سريعا، فانطفأ شهاب عمرها، وذوى هذا المصباح وقد نضب زيته فجأة وغار ضياؤه، ونفدت ذبالته. لقد كان قصر مقامها وثوائها ببيت رسول الله ﷺ سببا

стр. 73

في التفات المؤرخين وكتاب السيرة عنها، وسكوتهم عن ترجمتها، حيث أغفلت ذكرها وأشاحت عن أحداث حياتها القصيرة. لكن الحق يقال: إن نسبها من جهة أبيها ثابت من كل الروايات والمصادر حيث لم يختلف عليه أحد. لكن الاختلاف والاضطراب كان كثيفا كثيرا بالنسبة إلى نسبها من جهة أمها حيث أغفلته جمهرة المصادر. قيل إنها أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين لأمها «١» ، وقيل إنها كانت أكثر من عداها من أمهات المؤمنين حظا من اختلاف الرواة واضطراب الروايات في حياتها قبل زواجها من رسول الله ﷺ ، حيث إن كل ما ورد بخصوص هذه السيرة كان أكثره من التظني والترجم والتحزير، وليس مقطوعا به على سبيل الجزم واليقين. فقد اختلفوا فيمن كانت عنده قبل النبي ﷺ ، ولعل الراجح في هذا المضطرب الواسع أنها كانت عند الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب «٢» فخلفه عليها أخوه عبيدة بن أبي الحارث، وقد استشهد ﵁ في بدر، فخلفه عليها النبي ﷺ . وقيل: بل كانت عند الطفيل بن الحارث بن عبد مناف، فطلقها فخلفه عليها النبي ﷺ .

стр. 74

وقيل: إنها كانت عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ومن قبله كانت عند جهم بن عمرو بن الحارث الهلالي، وهو ابن عمها. وقيل كانت عند عبد الله بن جحش «١» ، الذي استشهد في أحد، فخلفه عليها النبي ﷺ . ووردت روايات وأقاويل أخرى كلها موضع نظر، وعليها تحفظات، وفي إسناد كل منها مقال، لا يخلو من تعقيب أو تثريب، أو قدح وهلم جرا. ثم إن وصف شكلها وصورتها لم يرد في أي من المصادر التي بين أيدينا، فليس هناك قول ثابت أو رواية راجحة أو مقطوع بها في هذا الصدد. إلا أن بعضا من المؤرخين قال على التحقيق إن زواج رسول الله ﷺ منها كان بدافع الشفقة والرفق. لقد كانت طيبة القلب، واسعة الصدر، بعيدة الأناة، كريمة الأخلاق، مرضية الطبيعة، فيها من السخاء والجود والعطف على الفقراء البائسين والمحتاجين ما لم يخف فضله على أحد. لذلك لم يكن بدعا أن تسمى «أم المساكين» حيث إنها كانت كثيرة الرفق بهم والحدب عليهم، والإشفاق والحب لهم جميعا، وكانت كثيرة الإطعام للمساكين.

стр. 75

وهذه النعوت الطيبة والخلال المحمودة، والخصال الممدوحة ذكرها الطبري في تاريخه المشهور، وابن حجر في الإصابة، وابن عبد البر في الاستيعاب. وكما اختلف في تاريخ حوادث حياتها ابتداء من نسبها لأمها وغيره كذلك كان الاختلاف في وفاتها، حيث قيل فيها الكثير ولعل الراجح أنها ماتت- ﵂ وأرضاها- في الثلاثين من عمرها، كما هو المنقول والمأثور عن ابن حجر في الإصابة وعن الواقدي. لقد مرت هذه الشعلة المضيئة سريعا، وانطفأ شهابها الثاقب، وألوت وجهها عن الدنيا، وأشاحت عنها في لمحة خاطفة، فكان عمرها قصيرا كعمر الزهور وكما عاشت رقيقة الطبيعة، مرهفة الشعور، ذهبت كذلك. لم تدركها حيرة، ولا نالت منها غيرة، فكانت زاهدة إلا في حظها من رسول الله ﷺ ، وقد أسلمت الروح إلى بارئها راضية مرضية في هدوء وصمت فصلى عليها النبي ﷺ ودفنها بالبقيع فكانت أولى من دفن فيه من أمهات المؤمنين بعد خديجة المدفونة بالحجون في مكة وسلام عليهن جميعا في الخالدين.
следующие страницы →