رَحِيمٌ «١» وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «٢» ورأى ﵊ رأي أبي بكر بعد أن مدح كلا من الصاحبين لأن الوجهة واحدة وهي إعزاز الدين، وخذلان المشركين ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة «٣» فلا يفلتن أحد من أسراكم إلّا بفداء، وقد بلغ قريشا ما عزم عليه الرسول في أمر الأسرى، فناحت على القتلى شهرا ثم أشير عليهم من كبارهم ألّا يفعلوا كيلا يبلغ محمّدا وأصحابه جزعهم فيشمتوا بهم، فسكتوا وصمموا على ألّا يبكوا قتلاهم حتى يأخذوا بثأرهم، وتواصوا فيما بينهم ألّا يعجلوا في طلب الفداء لئلا يتغالى المسلمون فيه.
الفداء
فلم يلتفت إلى ذلك المطلب ابن أبي وداعة السهمي. وكان أبوه من الأسرى، فخرج خفية حتى أتى المدينة وفدى أباه بأربعة الاف درهم، وعند ذلك بعثت قريش في فداء أسراها، وكان أربعة الاف درهم، ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المدينة يعلّمهم، وكان ذلك فداءه.
ومن الأسرى: عمرو بن أبي سفيان، ولما طلب من أبيه فداؤه أبى وقال:
والله لا يجمع محمّد بين ابني ومالي دعوه يمسكوه في أيديهم ما بدا لهم. فبينما أبو سفيان بمكّة إذ وجد سعد بن النعمان الأنصاري معتمرا، فعدا عليه فحبسه بابنه عمرو، فمضى قوم سعد إلى رسول الله وأخبروه فأعطاهم عمرا ففكّوا به سعدا ومن الأسرى: أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت الرسول، وكان ﵊ قد أثنى عليه خيرا في مصاهرته، فإنه لما استحكمت العداوة بين قريش ورسول الله بمكّة، طلبوا من أبي العاص أن يطلّق زينب، كما فعل ابنا أبي لهب بابنتي الرسول، فامتنع وقال: والله لا أفارق صاحبتي، وأحب أنّ لي بها امرأة من قريش، ولما أسر أرسلت زينب في فدائه قلادة لها كانت حلّتها بها أمها خديجة
стр. 107
ليلة عرسها. فلمّا رأى ﵊ تلك القلادة رقّ لها رقة شديدة، وقال لأصحابه: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا لها قلادتها فافعلوا، فرضي الأصحاب بذلك، فأطلقه ﵊ بشرط أن يترك زينت تهاجر إلى المدينة. فلمّا وصل إلى مكّة أمرها باللحاق بأبيها، وكان الرسول أرسل لها من يأتي بها فاحتملوها. هذا ولما أسلم أبو العاص بن الربيع قبيل الفتح ردّ عليه امرأته بالنكاح الأول «١» .
ومن الأسرى: سهيل بن عمرو «٢» وكان من خطباء قريش وفصحائها وطالما اذى المسلمين بلسانه، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أنزع ثنيتي سهيل، يدلع «٣» لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا. فقال ﵊ «لا أمثّل فيمثّل الله بي وإن كنت نبيّا، وعسى أن يقوم مقاما لا تذمّه» وقدم بفدائه مكرز بن حفص، ولما ارتضى معهم على مقدار حبس نفسه بدله حتى جاء بالفداء. هذا وقد حقق الله خبر الرسول في سهيل، فإنه لمّا مات ﵊ أراد أهل مكّة الارتداد كما فعل غيرهم من الأعراب، فقام سهيل هذا خطيبا وقال: بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله: أيها الناس من كان يعبد محمّدا فإن محمّدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت ألم تعلموا أن الله قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٤» وقال وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ «٥» ثم قال: والله وأني أعلم أنّ هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها فلا يغرّنكم هذا- يريد أبا سفيان من أنفسكم، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم لكنه قد ختم على صدره حسد
стр. 108
بني هاشم، وتوكّلوا على ربكم، فإنّ دين الله قائم، وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره ومقوّ دينه، وقد جمعكم الله على خيركم يريد أبا بكر وإن ذلك لم يزد الإسلام إلّا قوة فمن رأيناه ارتدّ ضربنا عنقه، فتراجع الناس عمّا كانوا عزموا عليه، وكان هذا الخبر من معجزات نبينا ﷺ .
ومن الأسرى: الوليد بن الوليد «١» أفتكّه أخواه خالد وهشام، فلمّا افتدى ورجع إلى مكّة أسلم، فقيل له: هلّا أسلمت قبل الفداء؟ فقال: خفت أن يعدّوا إسلامي خوفا. ولما أراد الهجرة منعه أخواه ففرّ إلى النبي في عمرة القضاء.
ومن الأسرى: السائب بن يزيد «٢» وكان صاحب الراية في تلك الحرب فدى نفسه وهو الجد الخامس للإمام محمّد بن إدريس الشافعي.
ومنهم: وهب بن عمير الجمحي «٣» كان أبوه عمير شيطانا من شياطين قريش كثير الإيذاء لرسول الله، جلس يوما بعد انتهاء هذه الحرب مع صفوان بن أمية «٤» يتذكران مصاب بدر، فقال عمير: والله لولا دين عليّ ليس عندي قضاؤه وعيال أخشى عليهم الفقر بعدي، كنت اتي محمدا فأقتله، فإن ابني أسير في أيديهم، فقال صفوان: دينك عليّ وعيالك مع عيالي، فأخذ عمير سيفه وشحذه وسمّه، وانطلق حتى قدم المدينة، فبينا عمر مع نفر من المسلمين إذ نظر إلى عمير متوشحا سيفه، فقال: هذا الكلب عدو الله ما جاء إلّا بشرّ، ثم قال للنبي ﵊ هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحا سيفه فقال: أدخله عليّ. فأخذ عمر
стр. 109
بحمائل «١» سيفه وأدخله، فلمّا راه ﵊ قال: أطلقه يا عمر، أدن يا عمير فدنا وقال: أنعموا صباحا، فقال ﵊: قد أبدلنا الله تحية خيرا من تحيتك وهي: السلام، ثم قال ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف؟ قال قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا؟ قال ﵊: أصدقني ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلّا لذلك. قال ﵊: كلا بل قعدت أنت وصفوان في الحجر وقلتما كيت وكيت فأسلم عمير وقال: كنّا نكذبك بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلّا أنا وصفوان!! فقال ﵊: فقّهوا أخاكم في دينه وأقرؤوه القران، وأطلقوا أسيره، فعاد عمير إلى مكة وأظهر أسلامه.
ومن الأسرى: أبو عزيز بن عمير «٢» أخو مصعب بن عمير مرّ به أخوه فقال للذي أسره: شدّ يدك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. فقال له: يا أخي هذه وصايتك بي! ثم بعثت أمه بفدائه أربعة الاف درهم.
ومن الأسرى: العباس بن عبد المطلب»
عم رسول الله ﷺ ، كان قد خرج لهذه الحرب مكرها، ولما وقع في الأسر طلب منه فداء نفسه وابن أخيه عقيل بن أبي طالب، فقال: علام ندفع وقد استكرهنا على الخروج؟ فقال ﵊: لقد كنت في الظاهر علينا، فأخذت منه فدية نفسه وابن أخيه، ثم قال للرسول: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، قال كيف وقد تركت لأم الفضل أموالا؟ وقلت لها إن متّ فقد تركتك غنية! فقال العباس: والله ما اطّلع على ذلك أحد. وهذا العمل غاية ما يفعل من العدل والمساواة فإنه ﵊ لم يعف عمّه مع علمه بأنه إنما خرج مكرها، وقد أعفى غيره جماعة تحقق له فقرهم فهكذا العدل، ولا غرابة فذلك أدب قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
стр. 110
بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ «١» ومن الأسرى: أبو عزة الجمحي الشاعر، كان شديد الإيذاء لرسول الله ﷺ بمكّة فلمّا أسر قال: يا محمد إني فقير، وذو عيال، وذو حاجة قد عرفتها فامنن، فمن عليه فضلا منه.
العتاب في الفداء
ولما تمّ الفداء أنزل الله في شأنه ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «٢» نهى سبحانه عن اتّخاذ الأسرى قبل الإثخان في قتل الذين يصدّون عن سبيل الله ويمنعون دين الله من الإنتشار، وعاب بعض المسلمين على إرادة عرض الدّنيا وهو الفدية، ولولا حكم سابق من الله أن لا يعاقب مجتهدا على اجتهاده ما دام المقصد خيرا لكان العذاب، ثم أباح لهم الأكل من تلك الفدية المبني أخذها على النظر الصحيح. وهذا من أقوى الأدلة على صدق نبيّنا ﵊ فيما جاء به، لأنه لو كان من عنده ما كان يعاتب نفسه على عمل عمله بناء على رأي كثير من الصحابة. وقد وعد الله الأسرى الذين يعلم في قلوبهم خيرا بأن يؤتيهم خيرا ممّا أخذ منهم ويغفر لهم فقال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٣» وهذه الغزوة هي التي أعزّ الله بها الإسلام وقوّى أهله، ودمغ فيه الشرك، وخرّب محلّه مع قلّة المسلمين وكثرة عدوهم، فهي اية ظاهرة على عناية الله تعالى بالإسلام وأهله مع ما كان عليه العدو من القوة بسوابغ الحديد، والعدة الكاملة، والخيل المسومة، والخيلاء الزائدة، ولذلك قال الله ممتنا على عباده بهذا النصر وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ «٤» أي قليل عددكم لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله فهي أعظم غزوات الإسلام إذ بها كان ظهوره، وبعد وقوعها أشرق على الافاق نوره، فقد قتل فيها
стр. 111
من صناديد قريش «١» من كانوا الأعداء الألداء للإسلام، ودخل الرعب في قلوب العرب الاخرين، فكانت للمسلمين هيبة بها يكسرون الجيوش، ويهزمون الرجال، فلا جرم أن شكرنا العلي الأعلى على هذه العناية، واتّخذنا يوم النصر في بدر وهو السابع عشر من شهر رمضان عيدا نتذكر فيه نعمة الله على رسوله وعلى المسلمين.
غزوة قينقاع
هذا، وإذا كان للشخص عدّوان فانتصر على أحدهما حرّك ذلك شجو «٢» الاخر وهاج فؤاده، فتبدو بغضاؤه غير مكترث بعاقبة عدائه، وهذا ما حصل من يهود بني قينقاع عند تمام الظفر في بدر، فإنهم نبذوا ما عاهدوا المسلمين عليه، وأظهروا مكنون ضمائرهم، فبدت البغضاء من أفواههم، وانتهكوا حرمة سيدة من نساء الأنصار، وهذا مما يدعو المسلمين للتحرز منهم وعدم ائتمانهم في المستقبل إذا شبّت الحرب في المدينة بين المسلمين وغيرهم فأنزل الله في سورة الأنفال وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ «٣» إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ «٤» فدعا ﵊ رؤساءهم وحذرهم عاقبة البغي ونكث العهد، فقالوا: يا محمد لا يغرنك ما لقيت من قومك فإنهم لا علم لهم بالحرب ولو لقيتنا لتعلمن أنّا نحن الناس وكانوا أشجع يهود فأنزل الله في سورة ال عمران قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ «٥» وعند ذلك تبرأ من حلفهم عبادة بن الصامت أحد رؤساء الخزرج وتشبّث بالحلف عبد الله بن أبي، وقال إني رجل أخشى الدوائر، فأنزل الله تعليما للمسلمين في سورة المائدة
стр. 112
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ «١» . وعندما تظاهر يهود قينقاع بالعداوة وتحصنوا بحصونهم، سار إليهم ﵊ في نصف شوال من هذه السنة يحمل لواءه عمه حمزة، وخلف على المدينة أبا لبابة الأنصاري «٢» ، فحاصرهم خمسة عشرة ليلة.
جلاء قينقاع
ولمّا رأوا من أنفسهم العجز عن مقاومة المسلمين وأدركهم الرعب سألوا رسول الله أن يخلي سبيلهم، فيخرجوا من المدينة ولهم النساء والذرية، وللمسلمين الأموال فقبل ذلك ﵊، ووكّل بجلائهم عبادة بن الصامت وأمهلهم ثلاث ليال، فذهبوا إلى أذرعات «٣» ولم يحل عليهم الحول حتى هلكوا، وخمّس ﵊ وأموالهم، وأعطى سهم ذوي القربي لبني هاشم ولبني المطلب دون بني أخويهما عبد شمس ونوفل، ولما سئل عن ذلك قال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد في الجاهلية والإسلام هكذا وشبك بين أصابعه.
غزوة السّويق «٤»
كان أبو سفيان متهيجا لأنه لم يشهد بدرا التي قتل فيها ابنه وذوو قرباه، فحلف ألايمسّ رأسه الماء «٥» حتى يغزو محمّدا، وليبرّ بقسمه خرج بمائتين من أصحابه يريد المدينة، ولما قاربها أراد أن يقابل اليهود من بني النضير ليهيجهم ويستعين بهم على حرب المسلمين، فأتى سيدهم حيي بن أخطب فلم يرض مقابلته،
стр. 113
فأتى سلّام بن مشكم فأذن له واجتمع به، ثم خرج من عنده، وأرسل رجالا من قريش إلى المدينة فحرّقوا في بعض نخلها، ووجدوا أنصاريا فقتلوه، ولما علم بذلك رسول الله خرج في أثرهم في مائتين من أصحابه لخمس خلون من ذي الحجة بعد أن ولّى على المدينة بشير بن عبد المنذر «١» ، ولكن لم يلحقهم لأنهم هربوا، وجعلوا يخفّفون ما يحملونه ليكونوا أقدر على الإسراع، فألقوا ما معهم من جرب السّويق «٢» فأخذه المسلمون، ولذلك سميت هذه الغزوة بغزوة السّويق.
صلاة العيد
وفي هذا العام سنّ الله للعالم الإسلامي سنّة عظيمة، بها يتمكّن أبناء البلد الواحد من المسلمين أن يجددوا عهود الإخاء، ويقووا عروة الدين الوثقى، وهي الإجتماع في يومي عيد الفطر وعيد الأضحى. وكان ﵊ يجمع المسلمين في صعيد واحد. ويصلي بهم ركعتين تضرعا إلى الله ألايفصم عروتهم، وأن ينصرهم على عدوهم، ثم يخطبهم حاضّا لهم على الائتلاف.
ومذكرا ما يجب عليهم لأنفسهم، ثم يصافح المسلمون بعضهم بعضا. وبعد ذلك يخرجون لأداء الصدقات للفقراء والمساكين، حتى يكون السرور عامّا لجميع المسلمين، فبعد الفطر زكاته، وبعد الأضحى تضحيته، نسأله تعالى أن يؤلف بين قلوبنا، ويوفّقنا لأعمال سلفنا.
زواج علي بفاطمة «٣» ﵉
وفي هذه السنة تزوج علي بن أبي طالب وعمره احدى وعشرون سنة بفاطمة بنت رسول الله وسنها خمس عشرة سنة، وكان منها عقب رسول الله بنوه الحسن والحسين وزينب «٤» وفيها دخل ﵊ بعائشة بنت أبي بكر وسنها إذ ذاك تسع سنوات.
стр. 114
السنة الثالثة
يا لله يقضي على الشقي بالشقاوة حتى لا يسمع ولا يبصر، فيتّخذ الغدر رداء والخيانة شعارا، فلا ينجح معه إلّا إراحة العالم من شرّه، هذا كعب بن الأشرف اليهودي عظيم بني النضير، أعمته عداوة المسلمين حتى خلع برقع الحياء، وصار يحرّض قريشا على حرب رسول الله، ويهجوه بالشعر، ويجتهد في إثارة الشحناء «١» بين المسلمين، فكلّما جبر ﵊ كسرا هاضه «٢» هذا الشقي بما ينفثه من سموم لسانه.
قتل كعب بن الأشرف
ولمّا انتصر المسلمون ببدر، ورأى الأسرى مقرّنين في الحبال خرج إلى قريش يبكي قتلاهم، ويحرّضهم على حرب المسلمين، فقال ﵊: من لكعب بن الأشرف فإنه قد اذى الله ورسوله «٣» ؟! فقال محمّد بن مسلمة «٤» الأنصاري الأوسي: أتحبّ أن أقتله؟ قال: نعم، قال: أنا لك به، وأذن لي أقول شيئا أتمكن به، فأذن له، ثم خرج ومعه أربعة من قومه حتى أتى كعبا فقال له: إن هذا الرجل يريد رسول الله قد سألنا صدقة وإنه قد عنانا «٥» وإني قد
стр. 115
أتيتك أستسلفك، قال: وأيضا والله لتملّنّه «١» ، قال: إنا قد اتّبعناه فلا نحبّ أن ندعه حتى ننظر إلى أيّ شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين «٢» ، قال: نعم ولكن ارهنوني. قالوا: أي شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم قالوا:
كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسبّ أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللأمة- يعني السلاح- فرضي، فواعده ليلا أن يأتيه فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة «٣» أخو كعب من الرضاع وعبّاد بن بشر «٤» والحارث بن أوس «٥» وأبو عبس بن جبر- وكلهم أوسيون- فناداه محمّد بن مسلمة فأراد أن ينزل فقالت له امرأته: أين تخرج الساعة: وإنك امرؤ محارب؟ فقال: إنما هو ابن أخي محمّد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب. ثم قال محمّد لمن معه: إذا جاءني فإني اخذ بشعره فأشمّه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فاضربوه، فنزل إليهم كعب متوشّحا سيفه، وهو ينفح منه ريح المسك، فقال محمد: ما رأيت كاليوم، ريحا أطيب، أتأذن لي أن أشمّ رأسك؟ قال: نعم فشمّه، فلما استمكن منه قال: دونكم فاقتلوه ففعلوا «٦» ، وأراح الله المسلمين من شرّ أعماله التي كان يقصدها بهم، ثم أتوا النبي فأخبروه، وكان قتل هذا الشقي في ربيع الأول من هذا العام، وكان ﵊ إذا رأى من رئيس غدرا ومقاصد سوء ومحبة لإثارة الحرب، أرسل له من يريحه من شرّه.
وقد فعل كذلك مع أبي عفك اليهودي وكان مثل كعب في الشرّ.
стр. 116
غزوة غطفان «١»
بلغ رسول الله انّ بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمّعوا برياسة رئيس منهم اسمه دعثور «٢» يريدون الغارة على المدينة، فأراد ﵊ أن يغلّ أيديهم كيلا يتمكّنوا من هذا الاعتداء، فخرج إليهم من المدينة في أربعمائة وخمسين رجلا لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وخلف على المدينة عثمان بن عفّان. ولمّا سمعوا بسير رسول الله هربوا إلى رؤوس الجبال، ولم يزل المسلمون سائرين حتى وصلوا ماء يسمى ذا أمر، فعكسروا به، وحدث أنه ﵊ نزع ثوبه يجفّفه من مطر بلّله وارتاح تحت شجرة والمسلمون متفرقون، فأبصره دعثور فأقبل إليه بسيفه حتى وقف على رأسه وقال: من يمنعك مني يا محمّد؟ فقال: الله. فأدركت الرجل هيبة ورعب أسقطا السيف من يده، فتناوله ﵊ وقال لدعثور: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد. فعفا عنه»
فأسلم الرجل ودعا قومه للإسلام، وحول الله قلبه من عداوة رسول الله وجمع الناس لحربه إلى محبته وجمع الناس له ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ «٤» وهذا ما ينتجه حسن المعاملة، والبعد عن الفظاظة وغلظ القلب فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ «٥» .
غزوة بحران «٦»
بلغه ﵊ أن جمعا من بين سليم يريدون الغارة على المدينة،
стр. 117
فسار إليهم في ثلاثمائة من أصحابه لست خلون من جمادى الأولى، وخلف على المدينة ابن أم مكتوم ولما وصل بحران «١» تفرقوا ولم يلق كيدا فرجع.
سرية «٢»
لما تيقنت قريش أن طريق الشام من جهة المدينة أغلق في وجه تجارتهم، ولا يمكنهم الصبر عنها لأن بها حياتهم، أرسلوا عيرا إلى الشام من طريق العراق، وكان فيها جمع من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى، فجاءت أخبارهم لرسول الله فأرسل لهم زيد بن حارثة في مائة راكب يترقبونهم، وكان ذلك في جمادى الاخرة فسارت السرية حتى لقيت وما فيها وهرب الرجال، وقد خمّس الرسول ﵊ هذه حينما وصلت له.
غزوة أحد «٣»
ولما أصاب قريشا ما أصابها ببدر، وأغلقت في وجوههم طرق التجارة، اجتمع من بقي من أشرافهم إلى أبي سفيان رئيس تلك العير التي جلبت عليهم المصائب- وكانت موقوفة بدار الندوة، ولم تكن سلّمت لأصحابها بعد- فقالوا:
إن محمّدا قد وترنا «٤» وقتل خيارنا، وإنا رضينا أن نترك ربح أموالنا فيها استعدادا لحرب محمّد وأصحابه، وقد رضي بذلك كلّ من له فيها نصيب، وكان ربحها نحوا من خمسين ألف دينار، فجمعوا لذلك الرجال، فاجتمع من قريش ثلاثة الاف رجل ومعهم الأحابيش وهم حلفاؤهم من بني المصطلق وبني الهون بن خزيمة ومعهم أبو عامر الراهب الأوسي، وكان قد فارق المدينة كراهية لرسول الله ﷺ ، ومعه عدد ممّن هم على شاكلته، وخرج معهم جماعات من أعراب كنانة
стр. 118
وتهامة، وقال صفوان بن أمية لأبي عزّة الشاعر الذي لا ينسى القارىء أن الرسول منّ عليه ببدر، وأطلقه من غير فداء: إنك رجل شاعر، فأعنّا بلسانك، فقال: إني عاهدت محمّدا ألاأعين عليه، وأخاف أن وقعت في يده مرة ثانية ألّا أنجو، فلم يزل به صفوان حتى أطاعه، وذهب يستنفر الناس لحرب المسلمين، ودعا جبير بن مطعم غلاما حبشيا له اسمه وحشي، وكان راميا قلّما يخطىء. فقال له:
اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة بعمّي طعيمة فأنت حرّ. ثم خرج الجيش، ومعهم القيان والدفوف والمعازف والخمور، واصطحب الأشراف منهم نساءهم كيلا ينهزموا، ولم يزالوا سائرين حتى نزلوا مقابل المدينة بذي الحليفة.
أما رسول الله ﵊ فكان قد بلغه الخبر من كتاب بعث به إليه عمه العباس بن عبد المطلب الذي لم يخرج مع المشركين في هذه الحرب محتجّا بما أصابه يوم بدر. ولمّا وصلت الأخبار باقتراب المشركين، جمع ﵊ أصحابه وأخبرهم الخبر. وقال: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن هم أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم، فكان مع رأيه شيوخ المهاجرين والأنصار، ورأى ذلك أيضا عبد الله بن أبي، أما الأحداث وخصوصا من لم يشهد بدرا منهم فأشاروا عليه بالخروج، وكان مع رأيهم حمزة بن عبد المطلب، وما زال هؤلاء بالرسول حتى تبع رأيهم، لأنهم الأكثرون عددا والأقوون جلدا، فصلى الجمعة بالناس في يومها لعشر خلون من شوال وحضّهم في خطبتها على الثبات والصبر وقال لهم: «لكم النصر ما صبرتم» ثم دخل حجرته ولبس عدّته فظاهر بين درعين «١» ، وتقلّد السيف، وألقى الترس وراء ظهره. ولما رأى ذوو الرأي من الأنصار أنّ الأحداث استكرهوا الرسول على الخروج لاموهم، وقالوا ردوا الأمر لرسول الله، فما أمر ائتمرنا، فلمّا خرج ﵊ قالوا: يا رسول الله نتّبع رأيك فقال: ما كان لنبي لبس سلاحه أن يضعه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، ثم عقد الألوية فأعطى لواء المهاجرين لمصعب بن عمير، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن الحضير، وخرج من المدينة بألف رجل. فلمّا وصلوا رأس الثنية نظر ﵊ إلى كتيبة كبيرة، فسأل عنها فقيل هؤلاء حلفاء عبد الله بن
стр. 119
أبي من اليهود، فقال: إنا لا نستعين بكافر على مشرك، وأمر بردهم لأنه لا يأمن جانبهم من حيث لهم اليد الطولى في الخيانة. ثم استعرض الجيش فرد من استصغر «١» وكان فيمن ردّ رافع بن خديج «٢» وسمرة بن جندب «٣» ثم أجاز رافعا لما قيل له أنه رام فبكى سمرة، وقال لزوج أمه: أجاز رسول الله رافعا وردّني مع أني أصرعه، فبلغ رسول الله الخبر، فأمرهما بالمصارعة فكان الغالب سمرة فأجازه، ثم بات ﵊ محله ليلة السبت، واستعمل على حرس الجيش محمّد بن مسلمة، وعلى حرسه الخاص ذكوان بن عبد قيس «٤» . وفي السّحر سار الجيش حتى إذا كان بالشوط- وهو بستان بين أحد والمدينة- رجع عبد الله بن أبي بثلاثمائة من أصحابه وقال: عصاني وأطاع الولدان فعلام نقتل أنفسنا؟ فتبعهم عبد الله بن عمرو والد جابر، وقال: يا قوم أذكّركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم: قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ «٥» فقال لهم: أبعدكم الله فسيغني الله عنكم نبيّه. ولمّا فعل ذلك عبد الله بن أبي، همّت طائفتان من المؤمنين أن تفشلا: بنو حارثة من الخزرج، وبنو سلمة من الأوس، فيعصمهما الله وقد افترق المسلمون فرقتين فيما يفعلون بالمنخذلين، فقوم يقولون نقاتلهم، وقوم يقولون نتركهم، فأنزل الله في سورة النساء فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا «٦» ، ثم سار الجيش حتى نزل الشعب من أحد «٧» ، وجعل ظهره للجبل، ووجهه للمدينة، أما المشركون فنزلوا ببطن الوادي من قبل أحد، وكان على ميمنتهم خالد بن
стр. 120
الوليد «١» ، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل «٢» . وعلى المشاة صفوان بن أمية، فجعل ﵊ الزبير بن العوام بازاء خالد، وجعل اخرين أمام الباقين، واستحضر الرماة وكانوا خمسين رجلا يرأسهم عبد الله بن جبير «٣» الأنصاري فوقفهم خلف الجيش على ظهر الجبل وقال: «لا تبرحوا: إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تبرحوا «٤» » ثم عدّل ﵊ الصفوف، وخطب المسلمين، وكان فيما قال: «ألقى في قلبي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شيء وأن أبطأ عنها فاتّقوا ربكم وأجملوا في طلب الرزق، لا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية الله. والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى له سائر جسده» ثم. ابتدأ القتال بالمبارزة، فخرج رجل «٥» من صفوف المشركين فبرز له الزبير فقتله، ثم حمل اللواء طلحة بن أبي طلحة فقتله عليّ، فحمل اللواء أخوه عثمان فقتله حمزة، فحمله أخ لهما اسمه أبو سعيد فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم قضى عليه، فتناوب اللواء بعده أربعة من أولاد طلحة بن أبي طلحة، وكلهم يقتلون، وخرج من صفوف المشركين عبد الرحمن بن أبي بكر «٦» يطلب البراز فأراد أبوه أن يبرز له، فقال ﵊: متعنا بنفسك يا أبا بكر، ثم
стр. 121
حملت خيّالة المشركين على المسلمين ثلاث مرّات وفي كلّها ينضحهم المسلمون بالنبل فيتقهقرون. ولما التقت الصفوف، وحميت الحرب ابتدأ نساء المشركين يضربن بالدفوف، وينشدن الأشعار تهييجا لعواطف الرجال، وكان ﵊ كلما سمع نشيد النساء يقول: «اللهم بك أحول وبك أصول وفيك أقاتل «١» ، حسبي الله ونعم الوكيل» . وفي هذه المعمة قتل حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله سيّد الشهداء، غافله وحشي «٢» وهو يجول في الصفوف وضربه بحربة لم تخطىء ثنايا بطنه.
هذا، ولما قتل حملة اللواء من المشركين، ولم يقدر أحد على الدنو منه ولّوا الأدبار ونساؤهم يبكين ويولولن، وتبعهم المسلمون يجمعون الغنائم والأسلاب، فلمّا رأى ذلك الرماة الذين يحمون ظهور المسلمون فوق الجبل، قالوا: ما لنا في الوقوف من حاجة، ونسوا أمر السيد الحكيم ﷺ ، فذكّرهم رئيسهم به فلم يلتفتوا وانطلقوا ينتهبون. أما رئيسهم فثبت وثبت معه قليل منهم، فلمّا رأى خالد بن الوليد أحد رؤساء المشركين خلوّ الجبل من الرماة انطلق ببعض الجيش، فقتل من ثبت من الرماة، وأتى المسلمين من ورائهم وهم مشتغلون بدنياهم، فلمّا رأوا ذلك البلاء دهشوا وتركوا ما بأيديهم، وانتقضت صفوفهم، واختلطوا من غير شعور، حتى صار يضرب بعضهم بعضا، ورفعت إحدى نساء المشركين «٣» . اللواء فاجتمعوا حوله، وكان من المشركين رجل يقال له ابن قمئة قتل مصعب بن عمير صاحب اللواء، وأشاع أن محمّدا قد قتل، فدخل الفشل في المسلمين حتى قال بعضهم: علام نقاتل إذا كان محمّد ﷺ قد قتل؟ فارجعوا إلى قومكم يؤمّنوكم، وقال جماعة: إذا كان محمّد قد قتل، فقاتلوا عن دينكم، وكان نتيجة هذا الفشل أن انهزم جماعة من المسلمين من بينهم الوليد بن عقبة، وخارجة
стр. 122
ابن زيد، ورفاعة بن المعلى، وعثمان بن عفان، وتوجّهوا إلى المدينة، ولكنهم استحيوا أن يدخلوها فرجعوا بعد ثلاث، وثبت رسول الله ﷺ ومعه جماعة منهم:
أبو طلحة الأنصاري «١» استمرّ بين يديه يمنع عنه بجحفته «٢» ، وكان راميا شديد الرمي. فنثر كنانته «٣» بين يدي رسول الله، وصار يقول: وجهي لوجهك فداء، وكل من كان يمر ومعه كنانة يقول له ﵊: انثرها لأبي طلحة، وكان ينظر إلى القوم ليرى ماذا يفعلون، فيقول له أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، لا تنظر يصيبك سهم من سهام القوم! نحري دون نحرك.
وممن ثبت سعد بن أبي وقاص، فكان ﵊ يقول له: «إرم سعد! فداك أبي وأمي» . ومنهم سهل بن حنيف «٤» وكان من مشاهير الرماة نضح عن رسول الله بالنبل حتى انفرج عنه الناس. ومنهم أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري «٥» تترّس على رسول الله ﷺ ، فصار النبل يقع على ظهره وهو منحن حتى كثر فيه. وكان يقاتل عن الرسول ﷺ زيادة بن السكن «٦» حتى أصابت الجراح مقاتله، فأمر به فأدني منه ووسده قدمه حتى مات. وقد أصابه ﵊ شدائد عظيمة تحمّلها بما أعطاه الله من الثبات، فقد أقبل أبي بن خلف يريد قتله، فأخذ ﵊ الحربة ممّن كانوا معه، وقال: خلّوا طريقه، فلمّا قرب منه ضربه ضربة كانت سبب هلاكه وهو راجع، ولم يقتل رسول الله غيره لا في هذه الغزوة ولا في غيرها. وكان أبو عامر الراهب قد حفر حفرا وغطاها ليقع فيها المسلمون، فوقع الرسول ﷺ في حفرة منها، فأغمي عليه، وخدشت ركبتاه، فأخذ عليّ بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله وهما ممن ثبت حتى
стр. 123
استوى قائما، فرماه عتبه بن أبي وقاص بحجر كسر رباعيته فتبعه حاطب بن أبي بلتعه «١» فقتله، وشجّ وجهه ﵊ عبد الله بن شهاب الزهري، وجرحت وجنتاه بسبب دخول حلقتي المغفر فيهما من ضربة ضربه بها ابن قمئة غضب الله عليه، فجاء أبو عبيدة وعالج الحلقتين حتى نزعهما، فكسرت في ذلك ثنيتاه، وقال حينئذ ﵊: كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم؟
فأنزل الله في سورة ال عمران لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ»
وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد هذه الدهشة كعب بن مالك الأنصاري «٣» فنادى: يا معشر المسلمين أبشروا، فأشار إليه الرسول أن اصمت.
ثم سار بين سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة يريد الشّعب ومعه جمع منهم: أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير والحارث بن الصمّة، وأقبل عليه إذ ذاك عثمان بن عبد المغيرة يقول: أين محمد لا نجوت إن نجا، فعثر به فرسه، ووقع في حفرة فمشى إليه الحارث بن الصمّة وقتله. ولما وصل الشّعب جاءت فاطمة فغسلت عنه الدم، وكان علي يسكب الماء، ثم أخذت قطعة من حصير فأحرقتها ووضعتها على الجرح فاستمسك الدّم. ثم أراد ﵊ أن يعلو الصخرة التي في الشّعب فلم يمكنه القيام لكثرة ما نزل من دمه، فحمله طلحة بن عبيد الله حتى أصعده، فنظر إلى جماعة من المشركين على ظهر الجبل فقال: لا ينبغي لهم أن يعلونا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، ثم أرسل إليهم عمر بن الخطاب في جماعة فأنزلوهم.
وقد أصاب المسلمين الذين كانوا يحوطون رسول الله كثير من الجراحات لأنّ الشخص منهم كان يتلقى السهم خوفا أن يصل للرسول ﷺ فوجد بطلحة نيف وسبعون جراحة، وشلّت يده، وأصاب كعب بن مالك سبع عشرة جراحة. أما القتلى فكانوا نيّفا وسبعين، منهم ستة من المهاجرين، والباقون من الأنصار.
стр. 124
ومن المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، ومن الأنصار حنظلة بن أبي عامر «١» وعمرو بن الجموح، وابنه خلّاد بن عمرو وأخو زوجه والد جابر بن عبد الله، فأتت زوج عمرو هند بنت حرام وحملتهم زوجها وابنها وأخاها على بعير لتدفنهم بالمدينة، فنهى ﵊ عن الدفن خارج أحد فرجعوا وقتل سعد بن الربيع، وأرسل ﵊ من يأتيه بخبره فوجده بين القتلى وبه رمق، فقيل له إن رسول الله يسأل عنك، فقال لمبلغه: قل لقومي:
يقول لكم سعد بن الربيع: الله الله وما عاهدتم عليه رسوله ليلة العقبة، فو الله مالكم عندي عذر، وقتل أنس بن النضر «٢» عم أنس بن مالك، فإنه لما سمع بقتل رسول الله قال: يا قوم ما تصنعون بالبقاء بعده؟ موتوا على ما مات عليه إخوانكم، فلم يزل يقاتل حتى قتل ﵁.
ومثّلت قريش بقتلى أحد حتى إن هندا زوج أبي سفيان «٣» بقرت بطن حمزة، وأخذت كبده لتأكلها، فلاكتها ثم أرسلتها، وفعلوا قريبا من ذلك بإخوانه الشهداء، ثم إن أبا سفيان صعد الجبل، ونادى بأعلى صوته: أنعمت فعال، إنّ الحرب سجال يوم بيوم بدر، وموعدكم بدر العام المقبل، ثم قال: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة لم امر بها ولم تسؤني «٤» . ثم إن المشركين رجعوا إلى مكّة، ولم يعرجوا على المدينة، وهذا مما يدل على أن المسلمين لم ينهزموا في ذلك اليوم، وإلّا لم يكن بدّ من تعقب المشركين لهم حتى يغيروا على مدينتهم. ثم تفقّد ﵊ القتلى وحزن على عمه حمزة حزنا شديدا، ودفن الشهداء كلّهم بأحد، كل شهيد بثوبه الذي قتل فيه، وكان يدفن الرجلين والثلاثة في لحد واحد
стр. 125
لما كان عليه المسلمون من التعب، فكان يشقّ عليهم أن يحفروا لكل شهيد حفرة.
ولما رجع المسلمون إلى المدينة سخر منهم اليهود والمنافقون، وأظهروا ما في قلوبهم من البغضاء، وقالوا لإخوانهم: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا «١» .
وهذا الذي ابتلي به المسلمون درس مهمّ لهم يذكرهم بأمرين عظيمين تركهما المسلمون فأصيبوا:
أولهما: طاعة الرسول ﷺ في أمره، فقد قال للرماة: لا تبرحوا مكانكم إن نحن نصرنا أو قهرنا، فعصوا أمره ونزلوا.
الثاني: أن تكون الأعمال كلها لله غير منظور فيها لهذه الدنيا التي كثيرا ما تكون سببا في مصائب عظيمة، وهؤلاء أرادوا عرض الدّنيا، والتهوا بالغنائم حتى عوقبوا، وفي ذلك أنزل الله في سورة ال عمران التي فصّلت غزوة أحد وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ «٢» فسبب هذا الابتلاء؛ التنازع فينبغي الاتفاق، والفشل فينبغي الثبات، والعصيان فينبغي طاعة الرئيس. نسأل الله التوفيق.
غزوة حمراء الأسد
لمّا رجع ﵊ إلى المدينة أصبح حذرا من رجوع المشركين إلى المدينة ليتمّموا انتصارهم، فنادى في أصحابه بالخروج خلف العدو، وأن لا يخرج إلّا من كان معه بالأمس، فاستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح «٣» ، فضمّدوا جراحاتهم، وخرجوا واللواء معقود لم يحلّ، فأعطاه عليّ بن أبي طالب، وولّى على المدينة ابن أم مكتوم، ثم سار الجيش حتى وصلوا حمراء
стр. 126
الأسد «١» ، وقد كان ما ظنّه الرسول ﷺ حقّا. فإن المشركين تلاوموا على ترك المسلمين من غير شنّ الغارة على المدينة حتى يتمّ لهم النصر، فأصرّوا على الرجوع، ولكن لمّا بلغهم خروج الرسول في أثرهم ظنوا أنه قد حضر معه من لم يحضر بالأمس، وألقى الله الرعب في قلوبهم، فتمادوا في سيرهم إلى مكّة، وظفر ﵊ وهم في حمراء الأسد بأبي عزة الشاعر الذي منّ عليه ببدر بعد أن تعهّد ألا يكون على المسلمين فأمر بقتله، فقال: يا محمد أقلني، وامنن عليّ، ودعني لبناتي، وأعطيك عهدا ألّا أعود لمثل ما فعلت، فقال ﵊: «لا والله لا تمسح عارضيك بمكّة تقول: خدعت محمّدا مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين «٢» » ، اضرب عنقه يا زيد «٣» ، فضرب عنقه، وفي هذا تأديب عظيم من صاحب الشرع الشريف، فإن الرجل الذي لا يحترز مما أصيب منه ليس بعاقل، فلا بدّ من الحزم لإقامة دعائم الملك.
حوادث
وفي هذه السنة زوّج ﵊ بنته أم كلثوم لعثمان بن عفّان بعد أن ماتت رقية عنده، ولذلك كان يسمّى ذا النورين وفيها تزوّج ﵊ حفصة بنت عمر بن الخطاب، وأمها أخت عثمان بن مظعون، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي «٤» ﵁، فتوفّي عنها بجراحة أصابته ببدر، وفيها تزوج ﵊ زينب بنت خزيمة «٥» الهلالية من بني هلال ابن عامر، كانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لرأفتها وإحسانها إليهم، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش، فقتل عنها بأحد وهي أخت ميمونة بنت الحارث
стр. 127
لأمها، وفيها ولد الحسن بن علي «١» ﵄.
وفيها حرّمت الخمر، وكان تحريمها بالتدريج لما عليه العرب من المحبة الشديدة لها، فيصعب إذا تحريمها دفعة واحدة، وكان ذلك التحريم تابعا لحوادث تنفّر عنها لأن المنكر إذا أسند تحريمه لحادثة أقرّ الجميع على تقبيحها، كان ذلك أشدّ تأثيرا في النفس. فأول ما بين فيها قوله تعالى في سورة البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ «٢» فمنفعة الميسر التصدق بربحه على الفقراء كما كانت عادة العرب، ومنفعة الخمر تقوية الجسم «٣» ، ولما شربها بعض المسلمين وخلط في القراءة حرّمت الصلاة على السكران، فقال تعالى في سورة النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ «٤» ، ولما حدث من شربها اعتداء بعض المسلمين على إخوانهم حرّمت قطعيا بقوله تعالى في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ «٥» وَالْأَزْلامُ «٦» رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٧» وقد أجاب المسلمون على ذلك بقولهم: انتهينا، فليجب المسلمون الان.
стр. 128
السنة الرابعة
(سرية) «١»
في بدء السنة الرابعة بلغ رسول الله أن طلحة وسلمة ابني خويلد الأسديين يدعوان قومهما بني أسد لحربه ﵊، فدعا أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وعقد له لواء وقال له: سرّ حتى نزل أرض بني أسد بن خزيمة فأغر عليهم، وأرسل معه رجالا، فسار في هلال المحرم حتى بلغ قطنا «٢» فأغار عليهم، فهربوا من منازلهم، ووجد أبو سلمة إبلا وشاء فأخذها، ولم يلق حربا ورجع بعد عشرة أيام من خروجه.
وفي بدئها أيضا بلغه ﵊ أنّ سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي المقيم بعرنة «٣» يجمع الجموع لحربه، فأرسل له عبد الله بن أنيس الجهني واحده ليقتله، فاستأذن رسول الله ﷺ أن يتقول حتى يتمكّن، فأذن له، وقال: انتسب لخزاعة، فخرج لخمس خلون من المحرم، ولما وصل إليه قال له سفيان: ممن الرجل؟ قال: من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمّد ﷺ ؟ فجئت لأكون معك، فقال له: أجل إني لفي الجمع له، فمشى عبد الله معه وحدّثه وسفيان يستحلي حديثه، فلمّا انتهى إلى خبائه تفرّق الناس عنه فجلس معه عبد الله حتى نام، فقام وقتله، ثم ارتحل حتى أتى المدينة، ولم يلحقه الطلب وكفى الله المؤمنين القتال.
سرية «٤»
وفي صفر أرسل ﵊ عشرة رجال عيونا «٥» على قريش مع
стр. 129
رهط «١» عضل والقارة «٢» الذين جاؤوا رسول الله ﷺ يطلبون من يفقّههم في الدين، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري «٣» ، فخرجوا يسيرون الليل، ويكمنون النهار حتى إذا كانوا بالرجيع «٤» غدر بهم أولئك الرهط، ودلّوا عليهم هذيلا قوم سفيان ابن خالد الهذلي الذي كان قتله عبد الله بن أنيس، فنفروا إليهم فيما يقرب من مائتي رام، واقتفوا اثارهم حتى قربوا منهم، فلمّا أحسّ بهم رجال السرية لجؤوا إلى جبل هناك، فقال لهم الأعداء: انزلوا، ولكم العهد ألّا نقتلكم، فنزل إليهم ثلاثة اغترّوا بعهداهم، وقاتلهم الباقون، ومعهم عاصم غير راضين بالنزول في ذمة مشرك. ولمّا رأى الثلاثة الذين سلموا عين الغدر، امتنع أحدهم فقتلوه، وأما الاثنان، فباعوهما بمكّة ممن كان له ثأر عند المسلمين، وهناك قتلا. وقد قال أحدهما وهو خبيب بن عدي «٥» حين أرادوا قتله: «٦» .
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع»
стр. 130
سرية «١»
وفي صفر وفد على رسول الله ﷺ أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنّة «٢» ، وهو من رؤوس بني عامر، فدعاه ﵊ إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، بل قال: إني أرى أمرك هذا حسنا شريفا ولو بعثت معي رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال ﵊: إني أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو عامر: أنا لهم جار، فأرسل معه المنذر بن عمرو «٣» في سبعين من أصحابه كانوا يسمّون القرّاء لكثرة ما كانوا يحفظون من القران، فساروا حتى نزلوا بئر معونة «٤» فبعثوا حرام بن ملحان «٥» بكتاب إلى عامر بن الطفيل سيد بني عامر، فلمّا وصل إليه، لم يلتفت إلى الكتاب بل عدا على حرام فقتله «٦» ، ثم استصرخ على بقية البعثة أصحابه من بني عامر، فلم يرضوا أن يخفروا جوار ملاعب الأسنة، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم، وهم رعل وذكوان وعصيّة فأجابوه وذهبوا معه، حتى إذا التقوا بالقرّاء أحاطوا بهم، وقاتلوهم حتى قتلوهم عن اخرهم، بعد دفاع شديد لم يجدهم نفعا لقلّة عددهم، ولم ينج إلّا كعب بن زيد «٧» وقع بين القتلى حتى ظنّ أنه منهم، وعمرو بن أميّة «٨» كان في سرح «٩» القوم. وأبلغ ﵊ خبر القراء فخطب في أصحابه، وكان فيما قال: «إن إخوانكم قد لقوا المشركين وقتلوهم،
стр. 131
وإنهم قالوا: ربنا بلّغ قومنا أنّا قد لقينا ربنا فرضينا عنه ورضي عنّا» ، وكان وصول خبر هذه السرية وسرية الرّجيع في يوم واحد، فحزن عليهم ﷺ حزنا شديدا، وأقام يدعو على الغادرين بهم شهرا في الصلاة.
غزوة بني النضير «١»
يا لله ما أسوأ عاقبة الطيش، فقد تكون الأمة مرتاحة البال هادئة الخواطر، حتى تقوم جماعة من رؤسائها بعمل غدر، يظنون من ورائه النجاح، فيجلب عليهم الشرور ويشتتهم من ديارهم، وهذا ما حصل ليهود بني النضير حلفاء الخزرج الذين كانوا يجاورون المدينة، فقد كان بينهم وبين المسلمين عهود يأمن بها كلّ منهم الاخر، ولكن بنو النضير لم يوفّوا بهذه العهود حسدا منهم وبغيا.
فبينما رسول الله ﷺ وبعض أصحابه «٢» في ديار بني النضير إذ إئتمر جماعة منهم على قتله بأن يأخذ أحد منهم «٣» صخرة ويلقيها عليه من علو، فأطلع ﵊ على قصدهم فرجع وتبعه أصحابه، ثم أرسل لهم محمّد بن مسلمة يقول لهم: اخرجوا من بلادي فقد هممتم بما هممتم من الغدر «إذ الحزم كل الحزم ألا يتهاون الإنسان مع من عرف منه بالغدر» فتهيأ القوم للرحيل فأرسل لهم اخوانهم المنافقون يقولون: لا تخرجوا من دياركم ونحن معكم لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ «٤» ولكن اليهود طمعوا بهذا الوعد، وتأخّروا عن الجلاء، فأمر ﵊ بالتهيؤ لقتالهم، فلمّا اجتمع الناس خرج بهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطى رايته عليّا، أما بنو النضير فتحصّنوا في حصونهم، وظنّوا أنهم مانعتهم من الله فحاصرهم ﵊ ستّ ليال، ثم أمر بقطع نخيلهم ليكون أدعى إلى تسليمهم،
стр. 132
فقذف الله في قلوبهم الرعب، ولم يروا من عبد الله بن أبي مساعدة، بل خذلهم كما خذل بني قينقاع من قبلهم، فسألوا رسول الله أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، وأنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم، إلّا الة الحرب ففعل، وصار اليهود يخرّبون بيوتهم بأيديهم كيلا يسكنها المسلمون.
ولمّا سار اليهود نزل بعضهم بخيبر، ومنهم أكابرهم حييّ بن أخطب وسلّام بن أبي الحقيق، ومنهم من سار إلى أذرعات بالشام، وأسلم منهم اثنان يامين ابن عمرو «١» وأبو سعد بن وهب، ولم يخمّس رسول الله ما أخذ من بني النضير، فإنه فيء لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب «٢» ، ومثل هذا يكون لمعدات الحرب، وللرسول يطعم منه أهله، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كما قال تعالى في سورة الحشر ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ «٣» فأعطى ﵊ من هذا الفيء فقراء المهاجرين «٤» الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وردّوا لأخوانهم من الأنصار ما كانوا قد أخذوه منهم أيام هجرتهم، وأخذ ﵊ أرضا يزرعها ويدخر منها قوت أهله عاما.
غزوة ذات الرقاع «٥»
وفي ربيع الاخر بلغه ﵊ أن قبائل من نجد يتهيؤون لحربه،
стр. 133
وهم بنو محارب وبنو ثعلبة، فتجهز لهم وخرج في سبعمائة مقاتل، وولّى على المدينة عثمان بن عفّان «١» ، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا ديار القوم فلم يجدوا فيها أحدا غير نسوة فأخذهنّ، فبلغ الخبر رجالهم، فخافوا وتفرّقوا في رؤوس الجبال، ثم اجتمع جمع منهم وجاؤوا للحرب، فتقارب الناس، وأخاف بعضهم بعضا. ولما حانت صلاة العصر وخاف ﵊ أن يغدر بهم الأعداء وهم يصلون صلّى بالمسلمين صلاة الخوف «٢» فألقى الله الرعب في قلوب الأعداء وهم يصلّون. وتفرقت جموعهم خائفين منه ﷺ . ومال الإمام البخاري إلى أن هذه الغزوة كانت في السنة الرابعة وأجمع أهل السير على خلافه.
غزوة بدر الاخرة
لمّا أهلّ شعبان هذا العام كان موعد أبي سفيان، فإنه بعد انقضاء غزوة أحد قال للمسلمين: موعدنا بدر العام المقبل، فأجابه الرسول إلى ذلك. وكان بدر محل سوق تعقد كل عام للتجارة في شعبان يقيم التجار فيه ثمانيا. فلمّا حلّ الأجل، وقريش مجدبون، لم يتمكّن أبو سفيان من الإيفاء بوعده، فأراد أن يخذل المسلمين عن الخروج كيلا يوسم بخلف الوعد، فاستأجر نعيم بن مسعود الأشجعي «٣» ليأتي المدينة ويرجف بما جمعه أبو سفيان من الجموع العظيمة، فقدم نعيم المدينة وقال للمسلمين: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ «٤» ، ولم يلتفت ﵊ لهذا الإرجاف اتّكالا على ربه بل خرج بألف وخمسمائة من أصحابه، واستخلف على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي «٥» . ولم يزالوا سائرين حتى أتوا بدرا، فلم
стр. 134
يجدوا أحدا لأن أبا سفيان أشار على قريش بالخروج على نية الرجوع بعد مسير ليلة أو ليلتين ظانا أن إرجاف نعيم يفيد فيكون المخلف هم المسلمون، فسار حتى أتى مجنّة وهي سوق معروفة من ناحية مرّ الظهران «١» فقال لقومه: إن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلّا عام عشب فارجعوا، أما المسلمون فأقاموا ببدر لا يشاركهم في تجارته أحد فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ «٢» ولما سمع بذلك صفوان بن أمية قال لأبي سفيان: قد والله نهيتك أن تعد القوم قد اجترؤوا علينا ورأوا أنّا أخلفناهم.
حوادث
وفي هذا العام ولد الحسين بن علي «٣» ، وفيه توفيت زينب بنت خزيمة أم المؤمنين «٤» ، وفيه توفّي أبو سلمة ﵁ ابن عمة رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة وأول من هاجر إلى الحبشة، وفيه تزوّج ﵊ أم سلمة هندا زوج أبي سلمة بعد وفاته.
стр. 135
السنة الخامسة
غزوة دومة الجندل «١»
وفي ربيع الأول من هذا العام بلغ النبي ﷺ أن جمعا من الأعراب بدومة الجندل يظلمون من مرّ بهم، وأنهم يريدون الدنوّ من المدينة، فتجهز لغزوتهم، وخرج في ألف من أصحابه بعد أن ولّى على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري «٢» ، ولم يزل يسير الليل ويكمن النهار حتى قرب منهم، فلمّا بلغهم الخبر تفرّقوا، فهجم المسلمون على ما شيتهم ورعائهم، فأصيب من أصيب، وهرب من هرب، ثم نزل بساحتهم فلم يلق أحدا، وبث السرايا فلم تجد منهم أحدا، فرجع ﵊ غانما، وصالح وهو عائد عيينة بن حصن الفزاري، وهو الذي كان يسميه ﵊ الأحمق المطاع «٣» لأنه يتّبعه ألف قناة، وأقطعه ﵊ أرضا يرعى فيها بهمه «٤» على بعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة لأن أرضه كانت قد أجدبت.
غزوة بني المصطلق «٥»
في شعبان بلغه ﵊ أن الحارث بن ضرار سيّد بني المصطلق
стр. 136
الذين ساعدوا قريشا على حرب المسلمين في أحد يجمع الجموع لحربه، فخرج له ﵊ في جمع كثير، وولّى على المدينة زيد بن حارثة، وخرج معه من نسائه عائشة وأم سلمة، وخرج معه ناس من المنافقين لم يخرجوا قط في غزوة قبلها يرجون أن يصيبوا من عرض الدنيا، وفي أثناء مسيره ﵊ التقى بعين بني المصطلق، فسأله عن أحوال العدو فلم يجب فأمر بقتله.
ولما بلغ الحارث رئيس الجيش مجيء المسلمين لحربه، وأنهم قتلوا جاسوسه خاف هو وجيشه خوفا شديدا حتى تفرّق عنه بعضهم، ولما وصل المسلمون إلى المريسيع «١» تصافّ الفريقان للقتال، بعد أن عرض عليهم الإسلام فلم يقبلوا، فتراموا بالنبل ساعة، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فلم يتركوا لرجل من عدوهم مجالا للهرب، بل قتلوا عشرة منهم وأسروا باقيهم مع النساء والذّرية واستاقوا الإبل والشياه، وكانت الإبل ألفي بعير، والشياه خمسة الاف استعمل الرسول على ضبطها مولاه شقران «٢» ، وعلى الأسرى بريدة «٣» . وكان في نساء المشركين برّة بنت الحارث «٤» سيد القوم، وقد أخذ من قومها مئتا بنت أسرى وزّعت على المسلمين، وهنا يظهر حسن السياسة، ومنتهى الكرم، فإن بني المصطلق من أعزّ العرب دارا، فأسر نسائهم بهذه الحال صعب جدا، فأراد ﵊ أن يجعل المسلمين يمنّون على النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم، فتزوّج برة بنت الحارث التي سمّاها جويرية، فقال المسلمون: أصهار رسول الله ﷺ لا ينبغي أسرهم في أيدينا، فمنّوا عليهم بالعتق، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها «٥» كما قالت عائشة رضى الله عنها، وتسبّب عن هذا الكرم العظيم،
стр. 137
وهذه المعاملة الجليلة أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم، وكانوا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم. وقد حصل في هذه الغزوة نادرتان، لولا أن صاحبتهما حكمة رسول الله ﷺ لعادتا بالتفريق على المسلمين.
فأولاهما أنّ أجيرا «١» لعمر بن الخطاب اختصم مع حليف للخزرج «٢» ، فضرب الأجير الحليف حتى سال دمه، فاستصرخ بقومه الخزرج، واستصرخ الأجير بالمهاجرين، فأقبل الذعر من الفريقين، وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ - وهي ما يقال في الاستغاثة يا لفلان- فأخبر الخبر، فقال: دعوا هذه الكلمة فإنها منتنة، ثم كلّم المضروب حتى أسقط حقّه، وبذلك سكنت الفتنة، فلمّا بلغ عبد الله بن أبي هذا الخصام غضب، وكان عنده رهط من الخزرج فقال: ما رأيت كاليوم مذلة أوقد فعلوها؟
نافرونا «٣» في ديارنا، والله ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأول: سمّن كلبك يأكلك، أما والله لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ «٤» ثم التفت إلى من معه، وقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم، ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضا للمنايا دون محمّد ﷺ ، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضّوا من عنده، وكان في مجلسه شاب حديث السن قوي الإسلام اسمه زيد بن أرقم «٥» ، فأخبر رسول الله الخبر، فتغير وجهه. قال: يا غلام لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت، فقال: والله يا رسول الله لقد سمعته. قال لعلّه أخطأ سمعك، فاستأذن عمر الرسول في قتل ابن
стр. 138
أبيّ أو أن يأمر أحدا غيره بقتله فنهاه عن ذلك. وقال: كيف يا عمر إذا تحدّث الناس أن محمّدا يقتل أصحابه، ثم أذن بالرّحيل، في وقت لم يكن يرتحل فيه حين اشتدّ الحرّ، يقصد بذلك ﵊ شغل الناس عن التكلّم في هذا الموضوع، فجاءه أسيد بن حضير، وسأله عن سبب الارتحال في هذا الوقت؟ فقال: أوما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، قال: أنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم سار ﵊ بالناس سيرا حثيثا «١» حتى اذتهم الشمس، فنزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض حتى وقعوا نياما، وكلم رجال من الأنصار عبد الله بن أبيّ في أن يطلب من الرسول الاستغفار فلوى رأسه واستكبر. وهنا نزل على الرسول سورة المنافقين التي فضحت عبد الله بن أبيّ وإخوانه، وصدقت زيد بن أرقم، ولما بلغ ذلك عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، استأذن رسول الله في قتل أبيه حذرا من أن يكلف بذلك غيره، فيكون عنده من ذلك أضغان وأحقاد، فأمره ﵊ بالإحسان إلى أبيه «٢» .
حديث الإفك
النادرة الثانية وهي أفظع من الأولى وأجلب منها للمصائب وهي رمي عائشة الصّدّيقة زوج رسول الله بالإفك، فاتهموها بصفوان بن المعطّل «٣» السّلمي وذلك أنهم لما دنوا من المدينة أذن ﵊ ليله بالرحيل. وكانت السيدة عائشة قد مضت لقضاء حاجتها حتى جاوزت الجيش، فلمّا قضت شأنها أقبلت إلى
стр. 139
رحلها. فلمست صدرها فإذا عقد لها من جزع ظفار «١» قد انقطع، فرجعت تلتمس عقدها، فحبسها ابتغاؤه، فأقبل الرهط «٢» الذين كانو يرحلونها فاحتملوا هودجها «٣» ظانين أنها فيه لأن النساء كن إذ ذاك خفافا لم يغشهنّ اللحم، فلم يستنكر القوم خفّة الهودج، وكانت عائشة جارية حديثة السنّ، فجاءت منزل الجيش بعد أن وجدت عقدها، وليس بالمنزل داع ولا مجيب، فغلبتها عيناها فنامت، وكان الذي يسير وراء الجيش يفتقد ضائعه صفوان بن المعطّل. فأصبح عند منزلها فعرفها لأنه كان راها قبل الحجاب، فاسترجع، فاستيقظت باسترجاعه «٤» ، وسترت وجهها بجلبابها «٥» فأناخ راحلته، وأركبها من غير أن يتكلّما بكلمة، ثم انطلق يقود بها الراحلة حتى وصل الجيش، وهو نازل للراحة، فقامت قيامة أهل الافك، قالوا ما قالوا في عائشة وصفوان. والذي تولّى كبر الإفك عبد الله بن أبيّ، ولما قدموا المدينة مرضت عائشة شهرا، والناس يفيضون «٦» في قول أهل الإفك. وهي لا تشعر بشيء، وكانت تعرف في رسول الله رقّة إذا مرضت، فلم يعطها نصيبا منها في هذا المرض، بل كان يمرّ على باب الحجرة لا يزيد على قوله: كيف حالكم؟
مما جعلها في ريب عظيم، فلما نقهت «٧» خرجت هي وأم مسطح بن أثاثة «٨» أحد أهل الإفك للتبرز خارج البيوت، فعثرت أم مسطح في مرطها «٩» فقالت: تعس مسطح! فقالت عائشة: بئس ما قلت!!! أتسبيّن رجلا شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه «١٠» أولم تسمعي ما قالوا؟ فسألتها عائشة عن ذلك فأخبرتها الخبر، فازدادت مرضا على مرضها، ولما جاءها ﵊ كعادته، استأذنته أن تمرّض في بيت أبيها، فأذن لها، فسألت أمها عمّا يقول الناس فقالت با بنيّة هوّني عليك،
стр. 140
فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة «١» عند رجل يحبّها لها ضرائر إلّا أكثرن عليها فقالت عائشة: سبحان الله! أو قد تحدّث الناس بهذا؟! وبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع، ولا تكتحل بنوم. وفي خلال ذلك كان ﵊ يستشير كبار أهل بيته فيما يفعل، فقال له أسامه بن زيد «٢» لما يعلمه من براءة عائشة: أهلك أهلك ولا نعلم عليهم إلّا خيرا، وقال علي بن أبي طالب: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا ﵊ بريرة «٣» جارية عائشة وقال لها: هل رأيت من شيء يريبك؟ فقالت:
والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه «٤» غير أنها جارية حديثة السّن تنام عن عجينها، فتأتي الداجن «٥» فتأكله.
فقام ﵊ من يومه، وصعد المنبر، والمسلمون مجتمعون، وقال: من يعذرني «٦» من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلّا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما يدخل على أهلي إلّا معي.
فقال سعد بن معاذ: أنا يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة الخزرجي وقال: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أنه يقتل، فقام أسيد بن خضير، وقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه، فإنك منافق تجادل المنافقين. وكادت تكون فتنة بين الأوس والخزرج لولا أن رسول الله ﷺ نزل من فوق المنبر، وخفّضهم حتى سكتوا، أما عائشة فبقيت ليلتين لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم. وبينما هي مع أبويها إذ دخل النبي عليه
стр. 141
الصلاة والسلام فسلّم ثم جلس فقال: أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف وتاب تاب الله عليه، فتقلّص «١» دمع عائشة، وقالت لأبويها:
أجيبا رسول الله ﷺ ، فقالا: والله ما ندري ما نقول، فقالت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم:
إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة لتصدّقنّي، فو الله لا أجدلي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف حيث قال فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ «٢» .
ثم تحولت واضطجعت على فراشها، ولم يزاول رسول الله ﷺ مجلسه حتى نزلت عليه الايات من سورة النور ببراءة السيدة المطهرة عائشة الصديقة إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «٣» فسرّي عن رسول وهو يضحك، وبشّر عائشة بالبراءة «٤» ، فقالت لها أمها: قومي فاشكري رسول الله، فقالت: لا والله،
стр. 142
لا أشكر إلّا الله الذي برّأني «١» . وبعد ذلك أمر ﵊ بأن يجلد من صرّح بالإفك ثمانين جلدة وهي حد القاذف، وكانوا ثلاثة: حمنة بنت جحش «٢» ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت. وكان أبو بكر ينفق على مسطح بن أثاثة «٣» لقرابته منه، فلمّا تكلّم بالإفك قطع عنه النفقة، فأنزل الله وَلا يَأْتَلِ «٤» أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٥» فقال أبو بكر: بل نحب ذلك يا رسول الله، وأعاد النفقة على مسطح. فهذه مضار المنافقين الذين يدخلون بين الأمم مظهرين لهم المحبة وقلوبهم مملوءة حقدا يتربصون الفتن، فمتى رأوا بابا لها ولجوه فنعوذ بالله منهم.
غزوة الخندق «٦»
لم يقرّ لعظماء بني النضير قرار بعد جلائهم عن ديارهم وإرث المسلمين لها، بل كان في نفوسهم دائما أن يأخذوا ثأرهم، ويستردّوا بلادهم، فذهب جمع منهم إلى مكّة، وقابلوا رؤساء قريش، وحرّضوهم على حرب رسول الله ﷺ ومنّوهم المساعدة، فوجدوا منهم قبولا لما طلبوه، ثم جاؤوا إلى قبيلة غطفان وحرّضوا
стр. 143
رجالها كذلك، وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب، فوجدوا منهم ارتياحا، فتجهزت قريش وأتباعها يرأسهم أبو سفيان، ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، وعددهم أربعة الاف معهم ثلاثمائة فرس وألف بعير.
وتجهزت غطفان يرأسهم عيينة بن حصن الذي جازى إحسان رسول الله كفرا، فإنه كما قدّمنا أقطعه أرضا يرعى فيها سوائمه، حتى إذا سمن خفّه وحافره، قام يقود الجيوش لحرب من أنعم عليه، وكان معه ألف فارس. وتجهّزت بنو مرّة يرأسهم الحارث بن عوف المري وهم أربعمائة، وتجهّزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعود ابن رخيلة «١» ، وتجهّزت بنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد شمس، وهم سبعمائة، وتجهّزت بنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي، وعدة الجميع عشرة الاف محارب قائدهم العام أبو سفيان. ولمّا بلغه ﵊ أخبار هاته التجهيزات، استشار أصحابه فيما يصنع أيمكث بالمدينة أم يخرج للقاء هذا الجيش الجرّار؟ فأشار عليه سلمان الفارسي بعمل الخندق وهو عمل لم تكن العرب تعرفه، فأمر ﵊ المسلمين بعمله، وشرعوا في حفره شمالي المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، وهذه هي الجهة التي كانت عورة تؤتى المدينة من قبلها. أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل، لا يتمكّن العدو من الحرب جهتها، وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفر الخندق، لأنهم لم يكونوا في سعة من العيش حتى يتيسر لهم العمل، وعمل معهم ﵊، فكان ينقل التراب متمثّلا بشعر ابن رواحة:
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا «٢»
وأقام الجيش في الجهة الشرقية مسندا ظهره إلى سلع وهو جبل مطل على المدينة وعدّتهم ثلاثة الاف، وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة. أما قريش فنزلت بمجمع الأسيال «٣» ، وأما غطفان
стр. 144
فنزلت جهة أحد، وكان المشركون معجبين بمكيدة الخندق التي لم تكن العرب تعرفها، فصاروا يترامون مع المسلمين بالنبل. ولما طال المطال عليه أكره جماعة منهم على اقتحام الخندق، منهم: عكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن ود واخرون، وقد برز عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لعمرو بن ود فقتله وهرب إخوانه، وهوى في الخندق نوفل بن عبد الله فاندقت عنقه ورمي «١» سعد بن معاذ ﵁ بسهم قطع أكحله وهو شريان الذراع واستمرّت المناوشة والمراماة بالنبل يوما كاملا حتى فاتت المسلمين صلاة ذاك اليوم وقضوها بعد، وجعل ﵊ على الخندق حرّاسا حتى لا يقتحمه المشركون بالليل، وكان يحرس بنفسه ثلمة «٢» فيه مع شدّة البرد، وكان ﵊ يبشّر أصحابه بالنصر والظفر ويعدهم الخير. أما المنافقون فقد أظهروا في هذه الشدّة ما تكنّه ضمائرهم حتى قالوا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً «٣» وانسحبوا قائلين: إنّ بيوتنا عورة نخاف أن يغير عليها العدو وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً «٤» ، واشتدّت الحال بالمسلمين، فإنّ هذا الحصار صاحبه ضيق على فقراء المدينة، والذي زاد الشدّة عليهم ما بلغهم من أنّ يهود بني قريظة الذين يساكنونهم في المدينة قد انتهزوا هذه الفرصة لنقض العهود، وسبب ذلك أنّ حييّ بن أخطب سيد بني النضير المجليّين توجّه إلى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة، وكان له كالشيطان إذ قال للإنسان: اكفر، فحسّن له نقض العهد، ولم يزل به حتى أجابه لقتال المسلمين، ولمّا بلغت هذه الأخبار رسول الله ﷺ أرسل مسلمة بن أسلم «٥» في مائتين، وزيد ابن حارثة في ثلاثمائة لحراسة المدينة خوفا على النساء والذراري، وأرسل الزبير ابن العوّام يستجلي له الخبر، فلمّا وصلهم وجدهم حانقين يظهر على وجوههم الشرّ، ونالوا من رسول الله والمسلمين أمامه، فرجع وأخبر الرسول بذلك.
وهنالك اشتدّ وجل المسلمين وزلزلوا زلزالا شديدا، لأنّ العدو جاءهم من فوقهم ومن أسفل منهم وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وظنّوا بالله الظنون،
стр. 145
وتكلّم المنافقون بما بدا لهم، فأراد ﵊ أن يرسل لعيينة بن حصن، ويصالحه على ثلث ثمار المدينة لينسحب بغطفان، فأبى الأنصار ذلك قائلين: إنهم لم يكونوا ينالون منّا إلّا قليلا من ثمارنا ونحن كفار، أفبعد الإسلام يشاركوننا فيها؟! وإذا أراد الله العناية بقوم هيأ لهم أسباب الظفر من حيث لا يعلمون. فانظر إلى هذه العناية من الله للمتمسكين بدينه القويم.
جاء نعيم بن مسعود الأشجعي وهو صديق قريش واليهود ومن غطفان، فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وقومي لا يعلمون بإسلامي فمرني بأمرك حتى أساعدك. فقال: أنت رجل واحد وماذا عسى أن تفعل؟ ولكن خذّل عنّا ما استطعت فإن الحرب خدعة «١» .
الخدعة في الحرب
فخرج من عنده وتوجّه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهود المسلمين، فلمّا رأوه أكرموه لصداقته معهم فقال: يا بني قريظة تعرفون ودّي لكم وخوفي عليكم، وإني محدّثكم حديثا فاكتموه عنّي، قالوا: نعم، فقال: لقد رأيتم ما وقع لبني قينقاع والنضير من إجلائهم وأخذ أموالهم وديارهم، وإنّ قريشا وغطفان ليسوا مثلكم فهم إذ رأوا فرصة انتهزوها وإلّا انصرفوا لبلادهم. وأما أنتم فتساكنون الرجل يريد الرسول ولا طاقة لكم بحربه واحدكم فأرى ألاتدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم بأن تأخذوا منهم رهائن سبعين شريفا منهم، فاستحسنوا رأيه وأجابوه إلى ذلك.
ثم قام من عندهم وتوجّه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم، وقال: أنتم تعرفون ودّي لكم ومحبتي إيّاكم وإني محدّثكم حديثا فاكتموه عني، قالوا: نفعل، فقال لهم: إنّ بني قريظة قد ندموا على ما فعلوه مع محمد وخافوا منكم أن ترجعوا وتتركوهم معه، فقالوا له: أيرضيك أن نأخذ جمعا من أشرافهم ونعطيهم لك، وتردّ جناحنا الذي كسرت- يريد بني النضير- فرضي بذلك منهم. وها هم مرسلون إليكم فاحذروهم ولا تذكروا مما قلت لكم حرفا. ثم أتى غطفان