عبد الله بن أريقط من بني الدّيل بن بكر، وكان هاديا ماهرا، وهو على دين كفار قريش فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال. ثم فارق الرسول ﵊ أبا بكر وواعده المقابلة ليلا خارج مكّة، وكانت هذه الليلة هي ليلة استعداد قريش لتنفيذ ما أقرّوا عليه، فاجتمعوا حول باب الدار، ورسول الله داخله، فلمّا جاء ميعاد الخروج، أمر ابن عمه عليا بالمبيت مكانه كي لا يقع الشكّ في وجوده أثناء الليل، فإنهم كانوا يردّدون النظر من شقوق الباب ليعلموا وجوده، ثم سجّى «١» عليّا ببرده وخرج على القوم وهو يقرأ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ «٢» فألقى الله النوم عليهم حتى لم يره أحد، ولم يزل ﵊ سائرا حتى تقابل مع الصدّيق، وسارا حتى بلغا غار ثور «٣» فاختفيا فيه.
أما المشركون فلمّا علموا بفساد مكرهم وأنهم إنما باتوا يحرسون علي بن أبي طالب لا محمّد بن عبد الله، هاجت عواطفهم فأرسلوا الطلب من كل جهة، وجعلوا الجوائز لمن يأتي بمحمّد أو يدلّ عليه، وقد وصلوا في طلبهم إلى ذلك الغار الذي فيه طلبتهم بحيث لو نظر أحدهم تحت قدميه لنظرهما حتى أبكى ذلك أبا بكر فقال له ﵊: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا «٤» فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم يحن لأحد منهم التفاتة إلى ذلك الغار «٥» بل صار أعدى الأعداء أمية بن خلف يبعد لهم اختفاء المطلوبين في مثل هذا الغار «٦» فأقاما فيه ثلاث ليال حتى ينقطع الطلب، وكان يبيت عندهم عبد الله بن أبي بكر «٧» (وهو
стр. 72
شاب ثقف «١» ولقن) «٢» فيدلج «٣» من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت «٤» بها، فلا يسمع أمرا يكتادان «٥» به إلّا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان عامر بن فهيرة يروح عليهما بقطعة من غنم، يرعاها حين تذهب ساعة من العشاء، ويغدو بها عليهما، فإذا خرج من عندهما عبد الله تبع أثره عامر بالغنم كيلا يظهر لقدميه أثر. ولما انقطع الطلب خرجا بعد أن جاءهما الدليل «٦» بالراحلتين صبح ثلاث، وسارا متّبعين طريق الساحل، وفي الطريق لحقهم طالبا، سراقة بن مالك المدلجي «٧» وكان قد رأى رسل مشركي قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره. فبينما هو في مجلس من مجالس قومه بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام عليهم وهم جلوس فقال: يا سراقة إني رأيت انفا أسودة «٨» بالساحل أراها محمدا وأصحابه، فعرف سراقة أنهم هم، ولكنه أراد أن يثني عزم مخبره عن طلبهم، فقال: إنّك رأيت فلانا فلانا انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم، ثم لبث في المجلس ساعة، وقام وركب فرسه ثم سار حتى دنا من الرسول ﷺ ومن معه، فعثرت به فرسه فخرّ عنها ثم ركبها ثانيا وسار حتى صار يسمع قراءة المصطفى وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت «٩» قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخرّ عنها، ثم زجرها حتى نهضت، فلم تكد تخرج يديها حتى سطح لأثرهما غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فعلم سراقة أنّ عمله ضائع سدى، وداخله رعب عظيم، فناداهما بالأمان فوقف ﵊ ومن معه حتى جاءهم،
стр. 73
ويقول سراقة: وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرهم بما يريد بهم الناس، وعرض عليهم الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئا بل قالا له: اخف عنا. فسأله سراقة أن يكتب له كتاب أمن، فأمر أبا بكر فكتب «١» . وبذلك انقضت هذه المشكلة التي أظهر الله فيها مزيد عنايته برسوله ﷺ .
وكان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله وقدومه عليهم يخرجون إلى الحرة «٢» حتى يردهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد أن أطالوا انتظارهم، فلمّا أووا إلى بيوتهم أو فى رجل من يهود أطم «٣» من اطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله وأصحابه يزول بهم السراب يظهرهم تارة ويخفيهم أخرى، فقال اليهوديّ بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدّكم أي حظكم الذي تنتظرون، فثاروا إلى السلاح فتلقّوا رسول الله بظهر الحرة «٤» .
النزول بقباء «٥»
فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء، والذي حققه المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان في اليوم الثاني من ربيع الأول الذي يوافق ٢٠ سبتمبر سنة ٦٢٢، وهذا أول تاريخ جديد «٦» لظهور الإسلام بعد أن مضى عليه ثلاث عشرة سنة، وهو مضيق عليه من مشركي قريش، ورسول الله ممنوع من الجهر بعبادة ربه، أما الان فقد اواه الله هو وصحابته رضوان الله عليهم بعد أن كانوا قليلا يتخطفهم الناس.
стр. 74
هجرة الأنبياء
وبهذه الهجرة تمّت لرسولنا ﷺ سنّة إخوانه من الأنبياء من قبله، فما من نبي منهم إلّا نبت به بلاد نشأته «١» ، فهاجر عنها، من إبراهيم أبي الأنبياء خليل الله إلى عيسى كلمة الله وروحه كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم أهينوا من عشائرهم، فصبروا ليكونوا مثالا لمن يأتي بعدهم من متّبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام في طاعة الله. فسل مصر وتاريخها تنبئك عن اسرائيل وبنيه أنهم هاجروا إليها حينما رأوا من بنيها ترحيبا بهم، وتركهم وما يعبدون إكراما ليوسف وحكمته. ولما مضت سنون، نسي فيها المصريون تدبير يوسف وفضله عليهم، فاضطهدوا بني اسرائيل واذوهم، خرج بهم موسى وهارون ليتمكّنوا من إعطاء الله حقه في عبادته، وهرب المسيح ﵇ من اليهود حينما كذّبوه، فأرادوا الفتك به حتى كان من ضمن تعاليمه لتلاميذه (طوبى للمطرودين من أجل البرّ لأنّ لهم ملكوت السموات) ثم قال بعد (افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم طردوا الأنبياء الذين قبلكم) وسل القرى التي حلّت بها نقمة الله بكفر أهلها كديار لوط وعاد وثمود تنبئك عن مهاجرة الأنبياء منها قبل حلول النقمة، فلا غرابة أن هاجر ﵊ من بلاد منعه أهلها من تتميم ما أراده الله سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا «٢» .
أعمال مكّة
هذا ولنبين لك مجمل ما دعا إليه الرسول ﵊ بمكّة من أصول الدين وذلك أمران:
الأول: الاعتقاد بواحدانية الله وألايشرك معه في العبادة غيره، سواء كان ذلك الغير صنما كما يفعل مشركو مكّة، أو أبا أو زوجة أو بنتا كما عليه بعض الطوائف الاخرى كالنصارى، ولولا الاعتقاد بواحدانية الله ما كلّف أحد نفسه تكاليف الحياة من اداب الأخلاق بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من شهواتها وملذّاتها ما دام ذلك خافيا عن الناس.
стр. 75
الثاني: الاعتقاد بالبعث والنشور وأنّ هناك يوما ثانيا للإنسان يجازى فيه على ما صنعه في الدنيا إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وعلى هذين الأمرين جاء غالب الاي المكية، فقلّما نرى سورة من سور مكّة إلّا مشحونة بالاستدلال عليهما وتوبيخ من تركهما، وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل، وبراهين لا تحتاج لفلسفة الذين يشغلون أنفسهم بما لا طائل تحته مما يضيع الوقت سدى. ونزل على رسول الله ﷺ بمكة من القران معظمه، وهو ما عدا ثلاثا وعشرين سورة منه، وهي: البقرة، ال عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحجّ، النور، الأحزاب، القتال «١» ، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق، التحريم، النصر، هذه كلها مدنية وباقي القران مكي.
ولما نزل ﵊ بقباء، نزل على شيخ بني عمرو كلثوم بن الهدم «٢» وكان يجلس للناس ويتحدّث لهم في بيت سعد بن خيثمة «٣» لأنه كان عزبا ونزل أبو بكر بالسّنح- محلة بالمدينة- على خارجة بن زيد «٤» من بني الحارث من الخزرج.
مسجد قباء
وأقام رسول الله بقباء ليالي «٥» أسس فيها مسجد قباء الذي وصفه الله بأنه مسجد أسس على التقوى من أول يوم «٦» ، وصلّى فيه ﵊ بمن
стр. 76
معه من الأنصار والمهاجرين، وهم امنون مطمئنون، وكانت المساجد على عهد رسول الله في غاية من البساطة ليس فيها شيء مما اعتاده بناة المساجد في القرون الأخيرة، لأن الرسول وأصحابه لم يكن جلّ همّهم إلّا منصرفا لتزيين القلوب، وتنظيفها من حظ الشيطان، فكان سور المسجد لا يتجاوز القامة وفوقه مظلة يتّقى بها حرّ الشمس.
الوصول إلى المدينة
ثم تحوّل ﵊ إلى المدينة والأنصار محيطون به متقلدي سيوفهم، وهنا حدّث ولا حرج عن سرور أهل المدينة، فكان يوم تحوّله إليهم يوما سعيدا لم يروا فرحين بشيء فرحهم برسول الله، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع «١»
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
وكان الناس يسيرون وراء رسول الله ما بين ماش وراكب يتنازعون زمام ناقته كلّ يريد أن يكون نزيله.
أول جمعة «٢»
وأدركته ﵊ صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف «٣» ، فنزل وصلّاها وهذه أول جمعة له ﵊، وأول خطبة خطبها ﵊؛ حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيّها الناس فقدّموا لأنفسكم، تعلّمنّ والله ليصعقنّ أحدكم، ثم ليدعنّ غنمه ليس لها راع، ثم ليقولنّ له ربه، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلّغك وأتيتك مالا وأفضلت عليك؟، فما قدّمت لنفسك؟ فلينظرنّ يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم لينظرنّ قدّامه فلا يرى غير جهنم، فمن أستطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقّ
стр. 77
تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإنّ بها تجزى الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته «١» .
النزول على أبي أيوب
ثم ساروا وكلّما مرّوا على دار من دور الأنصار يتضرّع إليه أهلها بأن ينزل عندهم، ويأخذون بزمام الناقة، فيقول: دعوها فإنها مأمورة، ولم تزل سائرة حتى أتت بفناء بني عدي بن النجار- وهم أخواله الذين تزوج منهم هاشم جده- فبركت بمحلة من محلاتهم أمام دار أبي أيوب الأنصاري واسمه خالد بن زيد «٢» وذلك محل مسجده الشريف، فقال ﵊: ههنا المنزل إن شاء الله رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ «٣» فاحتمل أبو أيوب رحله ووضعه في منزله، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام ناقته فكانت عنده، وخرجت ولائد النجار يقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبّذا محمّد من جار
فخرج إليهن رسول الله ﷺ فقال: أتحببنني؟ فقلن: نعم فقال: الله يعلم أنّ قلبي يحبكن «٤» واختار ﵊ النزول في الدور الأسفل من دار أبي أيوب ليكون أريح لزائريه، ولكن لم يرض ﵁ ذلك كرامة لرسول الله لما يمكن أن يصيبه من التراب الذي يحدثه وطء الأقدام أو الماء الذي يهراق، فقد اتفق أن كسرت من زوجته جرّة ماء بالليل، فقام هو وهي بقطيفتهما التي ليس لهما غيرها يمسحان الماء خوفا على رسول الله، ولذلك لم يزل أبو أيوب
стр. 78
يستعطفه حتى كان في العلو، وكانت تأتيه الجفان «١» كل ليلة من سراة «٢» الأنصار كسعد بن عبادة وأسعد بن زرارة وأم زيد بن ثابت «٣» فما من ليلة إلّا وعلى بابه الثلاث أو الأربع من جفان الثريد.
نزول المهاجرين
ولما تحوّل مع رسول الله أغلب المهاجرين تنافس فيهم الأنصار، فحكّموا القرعة بينهم، فما نزل مهاجري على أنصاري إلّا بقرعة.
إخوة الإسلام
ومن يتأمّل إلى هذه المحبّة التي يستحيل أن تكون بتأثير بشر بل بفضل من الله ورحمته، يفهم كيف انتصر هؤلاء الأقوام على معانديهم من المشركين وأهل الكتاب مع قلة العدد والعدد.
وكان الأنصار يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم قال تعالى في سورة الحشر وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٤» . وهذا أعلى درجات الأخوة، وكل ذلك كانوا يرونه قليلا بالنسبة لما وجب عليهم لإخوانهم، فإن رسول الله ﷺ ليمكّن بينهم الإخاء، اخى بين المهاجرين والأنصار، فكان كل أنصاري ونزيله أخوين في الله.
ومن العبث أن نكلّف القلم أن يوضح للقارىء أن هذه الاخوة كانت أرقى بكثير من الإخوة العصبية بل نكل ذلك للإحساس الإسلامي فإنه أفصح منطقا من القلم.
وعلى الإجمال فتلك قلوب ألف الله بينها حتى صارت شيئا واحدا في أجسام متفرقة، وعسى الله أن يوفق مسلمي عصرنا إلى هذا الإخاء حتى يسودوا كما ساد المتحدون، وكان هذا الإخاء على المواساة والحق، وأن يتوارثوا بعد الموت دون
стр. 79
ذوي الأرحام، وكان ﵊ يقول لكل اثنين تاخيا في الله: أخوين أخوين) «١» ودام هذا الميراث إلى أن نزل الله سبحانه قوله في سورة الأحزاب وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ «٢» .
هجرة أهل البيت
ولما استقرّ ﵊ بالمدينة أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكّة ليأتيا بمن تخلّف من أهله، وأرسل معهما عبد الله بن أريقط «٣» يدلهما على الطريق، فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه ﵇، وسودة زوجه، وأم أيمن زوج زيد وابنها أسامه، أما زينب فمنعها زوجها أبو العاص بن الربيع، وخرج مع الجميع عبد الله بن أبي بكر بأم رومان «٤» زوج أبيه، وعائشة أخته، واسماء زوج الزبير بن العوام، وكانت حاملا بابنها عبد الله، وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة.
حمّى المدينة
ولم يكن هواء المدينة في البدء موافقا للمهاجرين من أهل مكّة، فأصاب كثيرا منهم الحمّى «٥» ، وكان رسول الله يعودهم فلمّا شكوا إليه الأمر قال: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكّة وأشدّ وبارك في مدّها وفي صاعها، وانقل وباءها إلى الجحفة «٦» ، فاستجاب الله جلّ وعلا دعوته، وعاش المهاجرون في المدينة بسلام.
стр. 80
منع المستضعفين من الهجرة
ومنع مشركو مكّة بعضا من المسلمين عن الهجرة، وحبسوهم وعذبوهم منهم الوليد بن الوليد «١» وعياش بن ربيعة، وهشام بن العاص «٢» فكان ﵊ يدعو لهم في صلاته، وهذا أصل القنوت، وقد حصل في أوقات مختلفة ومحالّ في الصلاة مختلفة، فكان في وتر العشاء، وصلاة الصبح بعد الركوع وقبله، فروى كل صحابي ما راه، وهذا سبب اختلاف الائمة في مكان القنوت «٣» .
стр. 81
السنة الأولى
بناء المسجد «١»
ثم شرع ﵊ في بناء مسجده في مبرك ناقته أمام محلّة بني النجار، وكان محله مربدا للتمر يملكه غلامان يتيمان «٢» في حجر أسعد بن زرارة، فدعا الغلامين، وساومهما المربد ليتّخذه مسجدا، فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى ﵊ أن يقبله منهما هبة بل ابتاعه منهما، وكان فيه قبور للمشركين وبعض حفر ونخل، فأمر بالقبور فنبشت، وبالحفر فسوّيت، وبالنخل فقطع، ثم أمر باتّخاذ اللبن فاتّخذ وشرعوا في البناء، به، وجعلوا عضادتي الباب من الحجارة، وسقفوه بالجريد، وجعلت عمده من جذوع النخل، ولا يزيد ارتفاعه عن القامة إلّا قليلا، وقد عمل فيه رسول الله بنفسه ليرغب المسلمين في العمل، وصاروا يرتجزون وهو يقول معهم.
اللهم لا خير إلا خير الاخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة
وجعلت قبلة المسجد في شماله إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب ثم حصبت أرضه لأن المطر كان قد أثّر فيه، فأمر ﵊ بحصبه، ولم يزين المسجد بفرش حتى ولا بالحصر، وبنى بجانبه حجرتان، احداهما لسودة بنت زمعة، والاخرى لعائشة، ولم يكن ﵊ متزوجا غيرهما إذ
стр. 82
ذاك، وكانت الحجرتان متجاورتين وملاصقتين للمسجد على شكل بنائه، وصارت الحجرات تبنى كلّما جاءت زوج «١» .
بدء الأذان
أوجب الله الصلاة على المسلمين ليكونوا دائما متذكرين عظمة العلي الأعلى، فيتبعون أوامره، ويجتنبون نواهيه، ولذلك قال في محكم كتابه في سورة العنكبوت إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ «٢» . وجعل أفضل الصلاة ما كان جماعة ليذاكر المسلمون بعضهم بعضا في شؤونهم واحتياجاتهم، ويقووا روابط الألفة والاتّحاد بينهم، ومتى حان وقت الصلاة فلا بدّ من عمل ينبّه الغافل، ويذكر الساهي حتى يكون الاجتماع عاما، فائتمر «٣» النبي ﵊ مع الصحابة فيما يفعل لذلك، فقال بعضهم: نرفع راية إذا حان وقت الصلاة ليراها الناس، فلم يرضوا ذلك لأنها لا تفيد النائم ولا الغافل، وقال الاخرون نشعل نارا على مرتفع من الهضاب فلم يقبل أيضا، وأشار اخرون ببوق وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم- فكرهه رسول الله لأنه لم يكن يحب تقليد اليهود في عمل ما، وأشار بعضهم بالناقوس وهو ما يستعمله النصارى- فكرهه الرسول أيضا، وأشار بعضهم بالنداء فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة وينادي بها فقبل هذا الرأي، وكان أحد المنادين عبد الله بن زيد الانصاري «٤» ، فبينما هو بين النائم واليقظان «٥» إذ عرض له شخص وقال: ألا أعلمك كلمات تقولها عند النداء بالصلاة؟ قال: بلى، فقال له: قل: الله أكبر الله أكبر مرتين، وتشهّد مرتين، ثم قل: حيّ على الصلاة مرتين ثم حيّ على الفلاح مرتين، ثم كبّر ربك مرتين، ثم قل: لا اله إلا الله فلمّا استيقظ توجّه إلى النبي ﷺ وأخبره خبر
стр. 83
رؤياه، فقال: إنها لرؤيا حق، ثم قال له: لقّن ذلك بلالا فإنه أندى «١» صوتا منك، وبينما بلال يؤذن إذ جاء عمر يجر رداءه، فقال: والله لقد رأيت مثله يا رسول الله «٢» . وكان بلال أحد مؤذنيه بالمدينة، والاخر عبد الله بن أم مكتوم، وكان بلال يقول في أذان الصبح بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين، وأقره الرسول على ذلك، وكان ﵊ يأمر في فجر رمضان بأذانين أولهما يوقظ به الغافلون حتى ينتبهوا للسحور، والثاني للصلاة. أما الأذان للجمعة. فكان أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلمّا كان عثمان وكثر الناس زاد نداء اخر على الزوراء. رواه البخاري.
ولمّا تولى هشام بن عبد الملك أخذ الأذان الذي زاده عثمان بالزوراء وجعله على المنار، ثم نقل الأذان الذي كان على المنار حين صعود الإمام على المنبر في العهد الأول بين يديه.
فعلم بذلك أن الأذان في المسجد بين يدي الخطيب بدعة أحدثها هشام بن عبد الملك، ولا معنى لهذا الأذان لأنه هو نداء إلى الصلاة، ومن هو في المسجد لا معنى لندائه ومن هو خارج المسجد لا يسمع النداء إذا كان النداء في المسجد.
ذكر ذلك الشيخ محمد بن الحاج في المدخل.
قال الحافظ في فتح الباري: وأما ما أحدث الناس قبل الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي ﷺ فهو في بعض البلاد دون بعض واتباع السلف الصالح أولى.
فعلم من ذلك كلّه أن سنة رسول الله ﷺ في أذان الجمعة أنه كان إذا جلس على المنبر أذن مؤذّنه على المنار، فإذا انتهت الخطبة أقيمت الصلاة وما عدا ذلك فكله ابتداع «٣» .
стр. 84
أما الإقامة وهي الدعوة للصلاة في المسجد، فقد اختلفت الروايات في نصّها فرواها محمّد بن ادريس الشافعي مفردة إلّا لفظ قد قامت الصلاة فمثنى، ورواها مالك بن أنس مفردة كلها، ورواها أبو حنيفة النعمان مثنى كلها.
يهود المدينة
هذا وكما ابتلى الله المسلمين في مكّة بمشركي قريش ابتلاهم في المدينة بيهودها وهم بنو قينقاع وقريظة والنّضير-، فإنهم أظهروا العداوة والبغضاء حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم أنه الحقّ، وكانوا قبل مجيء الرسول يستفتحون على المشركين من العرب إذا شبّت الحرب بين الفريقين بنبي يبعث قد قرب زمانه، فلمّا جاءهم ما عرفوا استعظم رؤساؤهم أن تكون النبوة في ولد اسماعيل، فكفروا بما أنزل الله بغيا، مع أنهم يرون أن رسول الله محمدا لم يأت إلا مصدقا لما بين يديه من كتب الله التي أنزلها على من سبقه من المرسلين مبيّنا ما أفسده التأويل منها، ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. ومما عابوه على الإسلام نسخ الأحكام، وما دروا أن القادر العليم يعلم ما يحتاجه الإنسان أكثر منهم، فإنه ميال بطبعه للترقّي، والرسول ﵊ وجد بادىء بدء بين جماعة من العرب أميين ليسوا على شيء من الاعتقادات الإلهية، فكانت الحكمة داعية لأن يكون التشريع لهم على التدريج، لأنه لو حرّم الله عليهم شرب الخمر وأكل الربا، وأمرهم بالصلاة والزكاة وهكذا إلى اخر الأوامر والمناهي التي جاء بها الشرع الإسلامي لما أجابه أحد من هؤلاء النافرة قلوبهم، المختلفة أهواؤهم الذين كانوا منغمسين في كثير من الأضاليل، فجاءهم رسول الله ﷺ بالأمر شيئا فشيئا حتى روّضت عقولهم، وهذّبت نفوسهم، وكانت الأحكام لا ينزلها الله عليه إلا عقب الحوادث التي تقتضيها، ليكون التأثير في النفوس أشدّ، ولكن اليهود أرادوا غل يد القدرة عن أن تفعل إلّا ما يشتهون، وقد حجّهم القران الشريف بما يدلّ على أنهم يعلمون من نفوسهم البعد عن الحق، فقال في سورة
стр. 85
البقرة قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» ثم حتّم جلّ ذكره عدم اجابتهم بقوله وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ «٢» فلو كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم على الحقّ لما تأخّروا عمّا طلب منهم مع سهولته وحرصهم على تكذيب الصادق الأمين، ولم ينقل لنا عن أحد منهم أنه تمنّى ذلك ولو نطقا باللسان. وقد تبيّن الهدى لأحد رؤساء بني قينقاع وهو عبد الله بن سلام، فترك هواه وأسلم بعد أن سمع القران بعد أن كان اليهود يعدّونه من رؤسائهم عدوه من سفهائهم حينما بلغهم إسلامه، فبئسما اشتروا لأنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، ولما استحكمت في قلوبهم عداوة الإسلام صاروا يجهدون أنفسهم في إطفاء نوره فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ «٣» .
المنافقون
وكان يساعدهم على مقاصدهم جماعة من عرب المدينة أعمى الله بصائرهم، فأخفوا كفرهم خوفا على حياتهم، وكان يرأس هذه الجماعة عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي الذي كان مرشحا لرياسة أهل المدينة قبل هجرة رسول الله ﷺ ، ولا شكّ أن ضرر المنافقين أشدّ على المسلمين من ضرر الكفار، لأن أولئك يدخلون بين المسلمين فيعلمون أسرارهم، ويشيعونها بين الأعداء من اليهود وغيرهم كما حصل ذلك مرارا، والأساس الذي كان عليه رسول الله أن يقبل ما ظهر ويترك لله ما بطن، ولكنه ﵊ مع ذلك كان لا يأمنهم في عمل ما. فكثيرا ما كان يتغيب عن المدينة، ويولي عليها بعض الأنصار، ولكن لم يعهد أنه ولّى رجلا ممّن عهد عليه النفاق، لأنه ﵊ يعلم ما يكون منهم لو ولّوا عملا، فإنهم بلا شكّ يتّخذون ذلك فرصة لإضرار المسلمين، وهذا درس مهمّ لرؤساء الإسلام يعلّمهم أنهم لا يثقون في الأعمال المهمّة إلّا بمن لم تظهر عليهم شبهة النفاق أو إظهار ما يخالف ما في الفؤاد.
стр. 86
معاهدة اليهود
هذا وقد علمت أنه كان يضاد المسلمين في المدينة فئتان: اليهود، والمنافقون، ولكنّ الرسول قبل من هؤلاء ظواهرهم، وعقد مع أولئك عهدا مقتضاه ترك الحرب والأذى، فلا يحاربهم ولا يؤذيهم، ولا يعينون عليه أحدا، وإن دهمه بالمدينة عدو ينصرونه، وأقرّهم على دينهم.
مشروعية القتال «١»
قد علم ممّا تقدّم أنّ رسول الله عليه الصلاة السلام لم يقاتل أحدا على الدخول في الدّين، بل كان الأمر قاصرا على التبشير والإنذار، وكان الله سبحانه ينزل عليه من الاي ما يقوّيه على الصبر أمام ما كان يلاقيه من أذى قريش، ومن ذلك قوله في سورة الأحقاف فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ «٢» وكان كثيرا ما يقصّ الله عليه أنباء إخوانه من المرسلين قبله ليثبت به فؤاده، ولما ازداد طغيان أهل مكة ألجؤوه إلى الخروج من داره بعد أن ائتمروا على قتله، فكانوا هم البادئين بالعداء على المسلمين حيث أخرجوهم من ديارهم بغير حقّ، فبعد الهجرة أذن الله للمهاجرين بقتال مشركي قريش بقوله في سورة الحجّ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ «٣» ثم أمرهم بذلك في سورة البقرة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
стр. 87
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ «١» . وبذلك لم يكن الرسول يتعرّض إلّا لقريش دون سائر العرب فلما تمالأ على المسلمين غير أهل مكّة من مشركي العرب واتّحدوا عليهم مع الأعداء أمر الله بقتال المشركين كافة بقوله في سورة التوبة وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً «٢» وبذلك صار الجهاد عاما لكل من ليس له كتاب من الوثنيين وهذا مصداق قوله ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألاإله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلّا بحق الإسلام وحسابهم على الله) «٣» ولما وجد المسلمون من اليهود خيانة للعهود حيث أنهم ساعدوا المشركين في حروبهم، أمر الله بقتالهم بقوله في سورة الأنفال وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ «٤» وقتالهم واجب حتى يدينوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ليأمن المسلمون جانبهم، وصار قتال رسول الله ﷺ للأعداء على هذه المبادئ الاتية:
(١) اعتبار مشركي قريش محاربين لأنهم بدؤوا بالعدوان فصار للمسلمين قتالهم ومصادرة تجارتهم حتى يأذن الله بفتح مكّة أو تعقد هدنة وقتية بين الطرفين.
(٢) متى رئي من اليهود خيانة وتحيّز للمشركين قوتلوا حتى يؤمن جانبهم بالنفي أو القتل.
(٣) متى تعدّت قبيلة من العرب على المسلمين أو ساعدت قريشا قوتلت حتى تدين بالإسلام.
(٤) كل من بادأ بعداوة من أهل الكتاب كالنصارى قوتل حتى يذعن بالإسلام أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر.
(٥) كل من أسلم فقد عصم دمه وماله إلّا بحقه. والإسلام يقطع ما قبله.
وقد أنزل الله في القران الكريم كثيرا من الاي تحريضا على الإقدام في قتال
стр. 88
الأعداء وتبعيدا عن الفرار من الزحف فقال في الموضوع الأول في سورة النساء فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «١» ، وقال في الموضوع الثاني في سورة الأنفال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ «٢» .
بدء القتال
كانت عادة قريش أن تذهب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتبتاع، ويسمى الركب السائر بهذه التجارة عيرا، وكان يسير معها لحراستها كثير من أشراف القوم وسراتهم. ولا بدّ لوصولهم إلى الشام من المرور على دار الهجرة، فرأى رسول الله ﷺ أن يصادر تجارتهم ذاهبة وايبة. ليكون في ذلك عقاب لمشركي مكّة، حتى تضعف قوتهم المالية، فيكون ذلك أدعى لخذلانهم في ميدان القتال، الذي لا بدّ أن يكون. لأنّ قريشا لم تكن لتسكت عمن سفّه أحلامهم، وعاب عبادتهم خصوصا وهم قدوة العرب في الدين.
سرية «٣»
ففي شهر رمضان أرسل عمه حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين رجلا من المهاجرين، وعقد لهم لواء أبيض حملة أبو مرثد «٤» حليف حمزة، ليعترض عيرا لقريش ايبة من الشام، فيها أبو جهل وثلاثمائة من أصحابه المشركين، فسار حمزة حتى وصل ساحل البحر من ناحية العيص «٥» فصادف العير هناك، فلمّا تصافّوا للقتال حجز بين الفريقين مجدي بن عمرو الجهني فأطاعوه وانصرفوا، وشكر ﵊ مجديا على عمله لما كان من قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم.
стр. 89
سرية «١»
وفي شوال أرسل عبيدة بن الحارث «٢» بن عم حمزة في ثمانين راكبا «٣» من المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله مسطح بن أثاثة «٤» ليعترض عيرا لقريش، فيها مائتا رجل، فوافوا العير ببطن رابغ «٥» فكان بينهم الرمي بالنبل، ثم خاف المشركون أن يكون للمسلمين كمين فانهزموا، ولم يتبعهم المسلمون، وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن الأسود وعتبة بن غزوان وكانا قد أسلما وخرجا ليلحقا بالمسلمين.
وفيات
وفي هذه السنة توفّي من المهاجرين عثمان بن مظعون أخو رسول الله ﷺ من الرضاع أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، ولما دفن أمر ﵊ بأن يرشّ قبره بالماء، ووضع على قبره حجرا، وقال: أتعلّم به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي، وهذا كان القصد من وضع الأحجار على المقابر لا ما يقصده أهل العصور الأخيرة من تشييد الهياكل على القبور، وتصويرها بصور ترى في عين الناظر كالأصنام، ليأتي أقارب الميت ويصنعوا عندها احتفالات كثيرة، تشبه ما كان يفعله مشركو مكّة عند معابدهم، ومن العبث فعل شيء لم يفعله رسول الله ممّا يتعلّق بأمور الاخرة.
ومات من الأنصار أسعد بن زرارة أحد النقباء الاثني عشر كان ﵁ نقيب بني النجار، ولمّا مات اختار رسول الله نفسه للنقابة عليهم لأن ابن أخت القوم منهم، ومات أيضا البراء بن معرور أحد النقباء، وهو الذي كان يتكلّم عن القوم في العقبة الثانية، ومات من مشركي مكّة في هذه السنة الوليد بن المغيرة، ولما احتضر جزع، فقال له أبو جهل ما جزعك يا عم، فقال: والله ما بي من جزع الموت، ولكن أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة بمكّة، فقال: أبو سفيان لا
стр. 90
تخف إني ضامن ألّا يظهر، وفيها أيضا مات العاص بن وائل السهمي. وقد كفى الله المسلمين شرّ هذين الشّقيّين.
стр. 91
السنة الثانية
غزوة ودّان
ولاثنتي عشرة ليلة خلت من السنة الثانية خرج رسول الله ﷺ من المدينة بعد أن استخلف عليها سعد بن عبادة ليعترض عيرا لقريش، فسار حتى بلغ ودّان «١» وكان يحمل لواءه عمه حمزة، ولم يلق هناك حربا لأن العير كانت قد سبقته، وفي هذه الغزوة صالح بني ضمرة على أنهم امنون على أنفسهم ولهم النصر على من رامهم، وأنّ عليهم نصرة المسلمين إذا دعوا، ثم رجع إلى المدينة بعد مضي خمس عشرة ليلة.
غزوة بواط
ولم يمض على رجوعه غير قليل حتى بلغه أن عيرا لقريش ايبة من الشام، فيها أمية بن خلف ومائة من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، فسار إليها في مائتين من المهاجرين، وذلك في ربيع الأول، وكان يحمل لواءه سعد بن أبي وقاص، فسار حتى بلغ بواط «٢» فوجد العير قد فاتته فرجع ولم يلق كيدا «٣» ، وذلك كله لما كان يأخذه المشركون من الحذر على أنفسهم والاجتهاد في تعمية أخبارهم عن أهل المدينة.
стр. 92
غزوة العشيرة «١»
وأعقب رجوعه ﵇ خروج قريش بأعظم عير لها، فقد جمعوا فيها أموالهم حتى لم يبق بمكة قرشي أو قرشية لها مثقال فصاعدا إلا بعث به في تلك العير، وكان يرأسها أبو سفيان بن حرب «٢» ومعه بضعة وعشرون رجلا، فخرج لها الرسول في جمادى الأولى، ومعه مائة وخمسون من المهاجرين، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وحمل لواءه عمه حمزة، ولم يزل سائرا حتى بلغ العشيرة فوجد العير قد مضت، وحالف ﵊ في هذه الغزوة بني مدلج وحلفاءهم، ثم رجع ﵊ إلى المدينة ينتظر هذه العير حينما ترجع.
غزوة بدر الأولى
وبعد رجوعه ﵊ بقليل جاء كرز بن جابر الفهري «٣» ، وأغار على سرح «٤» المدينة وهرب، فخرج الرسول ﷺ في طلبه، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة الأنصاري، وحمل لواءه على بن أبي طالب، فسار حتى بلغ سفوان «٥» وفاته كرز فلم يلق حربا، وتسمى هذه الغزوة بدرا الأولى.
стр. 93
سرية «١»
وفي رجب من هذه السنة أرسل سرية عدّتها ثمانية رجال، يرأسها عبد الله بن جحش «٢» ، وأعطاه كتابا مختوما لا يفضه إلّا بعد أن يسير يومين ثم ينظر فيه، فسار عبد الله يومين، ثم فتح الكتاب فإذا فيه: «إذا نظرت كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة «٣» ، فترصّد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم» وإنما لم يخبرهم ﵊ بمقصدهم وهم بالمدينة حذرا من شيوع الخبر، فيدل عليهم أحد الأعداء من المنافقين أو اليهود فتترصّد لهم قريش. ولا يخفى أن عدد السرية قليل لا يمكنه المقاومة، ثم سار عبد الله ﵁، وفي أثناء السير تخلّف سعد بن أبي وقاص وعتبه بن غزوان لأنهما أضلا بعيرهما الذي كانا يعتقبانه، وسار الباقون حتى وصلوا نخلة فمرّت بهم عير قرشية تريد مكّة فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان، فأجمع المسلمون أمرهم على أن يحملوا عليهم ويأخذوا ما معهم، فحملوا عليهم في اخر يوم من رجب، فقتلوا عمرو بن الحضرمي «٤» ، وأسروا عثمان والحكم، وهرب نوفل، واستاقوا العير وهي أول غنيمة غنمها المسلمون من أعدائهم قريش ثم رجعوا، ولم يتمكّن المشركون من اللحاق بهم، فلمّا قدموا المدينة وشاع أنهم قاتلوا في الأشهر الحرم، وعابتهم قريش واليهود بذلك، عنّفهم المسلمون، وقال لهم ﵊: ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم فندموا، فأنزل الله في سورة البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ «٥» فسرّي عنهم. وقد طلب المشركون فداء أسيريهما، فقال ﵊: حتى يرجع سعد وعتبة، فلمّا رجعا قبل ﵊ الفدية في الأسيرين، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه مع المسلمين، وأما عثمان فلحق بمكة كافرا.
стр. 94
تحويل القبلة «١»
مكث ﵊ بالمدينة ستة عشر شهرا يستقبل بيت المقدس في صلاته «٢» وكان يحب أن تكون قبلته الكعبة ويقلّب وجهه في السماء داعيا الله بذلك. فبينما هو في صلاته إذ أوحى الله إليه بتحويل القبلة إلى الكعبة فتحوّل وتحوّل من وراءه. وكانت هذه الحادثة سببا لافتتان بعض المسلمين الذين ضعفت قلوبهم فارتدّوا على أعقابهم، وقد أكثر اليهود من التنديد على الإسلام بهذا التحويل، وما دروا أنّ لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
صوم رمضان «٣»
وفي شعبان من هذه السنة أوجب الله صوم شهر رمضان على الأمة الإسلامية، وكان ﵊ قبل ذلك يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، والصيام من دعائم هذا الدين، والفرائض التي يتمّ بها النظام، فإن الإنسان مجبول على حب نفسه، والسعي فيما يعود عليها بالنفع الخاصّ، تاركا ما وراء ذلك من حاجات الضعفاء والمساكين، فلا بدّ من وازع يزعه لحاجات قوم أقعدتهم قواهم عن إدراك حاجاتهم، ولا أقوى من ذوق قوارص الجوع والعطش، إذ بهما تلين نفسه ويتهذّب خلقه، فيسهل عليه بذل الصدقات.
стр. 95
صدقة الفطر
ولذلك أوجب الشّارع الحكيم عقب الصوم زكاة الفطر فترى الإنسان يبذلها بسخاء ومحبّة خالصة.
زكاة المال «١»
وفي هذا العام فرضت زكاة الأموال، وهذه هي النظام الوحيد الذي به يأكل الفقراء والمساكين من إخوانهم الأغنياء بلا ضرر على هؤلاء، فإذا بلغت الدنانير عشرين أو الدراهم مائتين، وحال عليها الحول، وجب عليك أن تؤدّي ربع عشرها- أي اثنين ونصفا في كل مائة- وما زاد فبحسابه. وإذا بلغت الشياه أربعين، والبقر ثلاثين، والإبل خمسا، وحال عليها الحول وجب عليك كذلك أن تؤدّي منها جزا مخصوصا حدّده الشّارع «٢» . ومثلها عروض التجارة ومحصولات الزراعة كل هذا يقبضه الإمام، ويوزعه على مستحقيه من الفقراء والمساكين وبقية المذكورين في اية الصدقة إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «٣» واللبيب العاقل البعيد عن التعصّب يحكم لأول نظرة أنّ هذا النظام مع عدم اضراره بالأغنياء مقلّل لمصائب الفقر التي ألجأت كثيرا من فقراء الأمم أن يخالفوا نظام دولهم، ويؤسسوا مبادىء تقويض العمران وتداعي الأمن كما يفعله الإشتراكيون وغيرهم.
غزوة بدر الكبرى «٤»
لم يطل العهد بتلك العير العظيمة التي خرج لها ﵊ وهي
стр. 96
متوجّهة إلى الشام، فلم يدركها ولم يزل مترقبا رجوعها. فلما سمع برجوعها ندب إليها أصحابه وقال: هذه عير قريش فاخرجوا إليها لعلّ الله أن ينفلكموها فأجاب قوم وثقل اخرون لظنهم أن الرسول ﵊ لم يرد حربا، فإنه لم يحتفل بها بل قال: من كان ظهره حاضرا فليركب معنا. ولم ينتظر من كان ظهره غائبا، فخرج لثلاث ليال خلون من رمضان بعد أن ولّى على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وكان معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا: مائتان ونيف وأربعون من الأنصار. والباقون من المهاجرين، ومعهم فرسان، وسبعون بعيرا يعتقبونها «١» .
والحامل للواء مصعب بن عمير العبدري. ولما علم أبو سفيان بخروج الرسول ﷺ استأجر راكبا «٢» ليأتي قريشا ويخبرهم الخبر، فلمّا علموا بذلك أدركتهم حميتهم، وخافوا على تجارتهم، فنفروا سراعا ولم يتخلّف من أشرافهم إلّا أبو لهب بن عبد المطلب، فإنه أرسل بدله العاص بن هشام بن المغيرة «٣» . وأراد أمية بن خلف أن يتخلّف لحديث حدثه إياه سعد بن معاذ حينما كان معتمرا بعد الهجرة بقليل، حيث قال كما رواه البخاري: سمعت من رسول الله يقول: إنهم قاتلوك بمكّة؟
قال لا أدري، ففزع لذلك، وحلف ألّا يخرج، فعابه أبو جهل ولم يزل به حتى خرج قاصدا الرجوع بعد قليل. ولكن إرادة الله فوق كل إرادة فإن منيته ساقته إلى حتفه رغم أنفه. وكذلك عزم جماعة من الأشراف «٤» على القعود فعيب عليهم ذلك، وبهذا أجمعت رجال قريش على الخروج، فخرجوا على الصعب والذلول، أمامهم القينات يغنين بهجاء المسلمين وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ «٥» . وقد ضرب الله عمل الشيطان هذا مثلا يعتبر به ذوو الرأي من بعدهم، فقال في سورة الحشر: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ»
стр. 97
وهكذا كان عمله في هذه الواقعة فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ «١» وكان عدة من خرج من المشركين تسعمائة وخمسين رجلا معهم مائة فرس وسبعمائة بعير «٢» أما رسول الله ﷺ فلم يكن يعرف شيئا مما فعله المشركون، ولم يكن خروجه إلّا للعير، فعسكر ببيوت السقيا خارج المدينة، واستعرض الجيش فردّ من ليس له قدرة على الحرب، ثم أرسل اثنين يتجسّسان الأخبار «٣» عن العير. ولما بلغ الروحاء «٤» جاءه الخبر بمسير قريش لمنع عيرهم، وجاءه كبراء الجيش وقال لهم:
«أيها الناس إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم العير أو النفير» فتبيّن له ﵊ أن بعضهم يريدون غير ذات الشوكة وهي العير ليستعينوا بما فيها من الأموال، فقد قالوا هلا ذكرت لنا القتال فنستعد، وجاء مصداق ذلك قوله تعالى في سورة الأنفال وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «٥» . ثم قام المقداد بن الأسود «٦» ﵁ فقال:
يا رسول الله امض لما أمرك الله فو الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:
اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله لو سرت بنا إلى برك الغماد «٧» لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه فدعا له بخير، ثم قال ﵊: أشيروا عليّ أيها الناس وهو يريد الأنصار، لأن بيعة العقبة ربما يفهم منها أنه لا تجب عليهم نصرته إلّا ما دام بين أظهرهم. فإن فيها: يا رسول الله إنا براء من ذمتك حتى تصل إلى دارنا، فإذا
стр. 98
وصلت إليها فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فقال سعد بن معاذ سيد الأوس: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال أجل، فقال سعد: قد امنا بك وصدّقناك، وأعطيناك عهودنا، فامض لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك، وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعلّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك فسر على بركة الله، فأشرق وجهه ﵊ وسرّ بذلك وقال كما في رواية البخاري « (أبشروا والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم) » فعلم القوم من هذه الجملة أنّ الحرب لا بدّ حاصلة وحقيقة حصلت، فإنّ أبا سفيان لما علم بخروج المسلمين له ترك الطريق المسلوكة، وسار متبعا ساحل البحر فنجا، وأرسل إلى قريش يعلمهم بذلك، ويشير عليهم بالرجوع، فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نحضر بدرا «١» فنقيم فيه ثلاثا ننحر الجزر «٢» ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا. فقال الأخنس بن شريق الثقفي لبني زهرة وكان حليفا لهم: ارجعوا يا قوم فقد نجّى الله أموالكم، فرجعوا، ولم يشهد بدرا زهري ولا عدوي، ثم سار الجيش حتى وصلوا وادي بدر فنزلوا عدوته القصوى «٣» عن المدينة في أرض سهلة لينة أما جيش المسلمين، فإنّه لمّا قارب بدرا أرسل ﵊ علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ليعرفا الأخبار «٤» فصادفا سقاة لقريش فيهم غلام لبني الحجاج وغلام لبني العاص السهميين، فأتيا بهما والرسول ﵊ قائم يصلي، ثم سألاهما عن أنفسهما فقالا: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم الماء، فضرباهما لأنهما ظنا أن الغلامين لأبي سفيان، فقال الغلامان: نحن لأبي سفيان فتركاهما. ولما أتمّ الرسول ﵊ صلاته قال: إذا صدقاكم ضربتموهما. وإذا كذباكم تركتموهما؟! صدقا «٥» . والله إنهما لقريش. ثم قال لهما: أخبراني عن قريش؟
стр. 99
قالا: هم وراء هذا الكثيب، فقال لهما: كم هم؟ فقالا: لا ندري. قال كم ينحرون كل يوم. قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. قال: القوم ما بين التسعمائة والألف، ثم سألهما عمن في النفير من أشراف قريش فذكرا له عددا عظيما «١» فقال ﵊ لاصحابه: هذه مكّة قد ألقت اليكم أفلاذ كبدها «٢» ، ثم ساروا حتى نزلوا بعدوة الوادي الدنيا من المدينة بعيدا عن الماء في أرض سبخة «٣» ، فأصبح المسلمون عطاشا بعضهم جنب وبعضهم محدث، فحدّثهم الشيطان بوسوسته، ولولا فضل الله عليهم ورحمته لثنيت عزائمهم، فإنه قال لهم:
ما ينتظر المشركون منكم إلّا أن يقطع العطش رقابكم، ويذهب قواكم فيتحكموا فيكم كيف شاؤوا.
فأرسل الله لهم الغيث حتى سال الوادي، فشربوا واتّخذوا الحياض على عدوة الوادي، واغتسلوا وتوضؤوا وملؤوا الأسقية، ولبدت الأرض، حتى ثبتت عليها الأقدام، على حين أنّ كان هذا المطر مصيبة على المشركين، فإنه وحّل الأرض حتى لم يعودوا يقدرون على الارتحال. ومصداق هذا قوله تعالى في سورة الأنفال وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ «٤» وقد أرى الله رسوله في منامه الأعداء كما أراهموه وقت اللقاء قليلي العدة كيلا يفشل المسلمون، وليقضي الله أمرا كان مفعولا. قال تعالى في سورة الأنفال إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ «٥» ثم سار جيش المسلمين حتى نزل أدنى ماء من بدر، فقال له الحباب بن المنذر «٦» الأنصاري وكان مشهورا بجودة الرأي:
стр. 100
يا رسول الله هذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّم عنه أو نتأخّر أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله:
ليس لك هذا بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فإني أعرف غزارة مائه وكثرته فننزله ونغور «١» ما عداه من الابار، ثم نبني عليه حوضا، فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون، فقال الرسول ﵊: لقد أشرت بالرأي.
ونهض حتى أتى أدنى ماء من القوم، ثم أمر بالابار التي خلفهم فغوّرت لينقطع أمل المشركين في الشرب من وراء المسلمين، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه. ثم قال له سعد بن معاذ سيد الأوس: يا نبي الله ألا نبني لك عريشا «٢» تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزّنا الله تعالى وأظهرنا على عدّونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الاخرى، جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلّف عنك أقوام، يا نبيّ الله، ما نحن بأشدّ حبّا منهم، ولا أطوع لك منهم لهم رغبة في الجهاد ونيّة، ولو ظنّوا أنك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، إنما ظنّوا أنها العير، يمنعك الله بهم، ويناصحونك ويجاهدون معك، فقال ﵊: أو يقضي الله خيرا من ذلك. ثم بني للرسول عريش فوق تل مشرف على ميدان الحرب، ولما اجتمعوا عدل ﵊ صفوفهم مناكبهم متلاصقة، فصاروا كأنهم بنيان مرصوص ثم نظر لقريش فقال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها «٣» وفخرها تحادّك «٤» وتكذب رسولك اللهمّ فنصرك الذي وعدتني به» . وفي هذا الوقت وقع خلف بين رؤساء عسكر المشركين، فإن عتبة بن ربيعة أراد أن يمنع الناس من الحرب ويحمل دم حليفه عمرو بن الحضرمي الذي قتل في سرية عبد الله بن جحش، ويحمل ما أصيب من عيره ودعا الناس إلى ذلك، فلمّا بلغ أبا جهل الخبر وسمه بالجبن وقال: والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وقبل أن تقوم الحرب على ساقها، خرج من صفوف المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي وقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم، أو لأهدمنّه، أو لأموتنّ دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب
стр. 101
وضربه ضربة قطع بها قدمه بنصف ساقه فوقع على ظهره، فزحف على الحوض حتى اقتحم فيه ليبرّ قسمه فأتبعه حمزه فقتله، ثم وقف ﵊ يحرض الناس على الثبات والصبر وكان فيما قال: «وأن الصبر في مواطن البأس ما يفرّج الله به الهمّ وينجّي به من الغم» . ثم ابتدأ القتال بالمبارزة فخرج من صفوف المشركين ثلاثة نفر: عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فطلبوا أكفاءهم فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار «١» . فقالوا لا حاجة، لنا بكم، إنما نريد أكفاءنا من بني عمنا، فأخرج لهم ﵊ عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب للأول، وحمزة بن عبد المطلب للثاني. وعلي بن أبي طالب للثالث.
فأما حمزة وعلي فقتلا صاحبيهما، وأما عبيدة وعتبة فأختلفا بضربتين كلاهما جرح صاحبه؛ فحمل رفيقا عبيدة على عتبة فأجهزا عليه. وحمل عبيدة بين الصفوف جريحا يسيل مخ ساقه، وأضجعوه إلى جانب موقفه ﷺ فأفرشه رسول الله قدمه الشريفة. فوضع خده عليها وبشّره ﵊ بالشهادة. فقال: وددت والله أن أبا طالب كان حيّا ليعلم أننا أحقّ منه بقوله:
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وبعد انقضاء هذه المبارزة وقف ﵊ بين الصفوف يعدلها بقضيب في يده. فمرّ بسوّاد بن غزيّة، حليف بني النجار وهو خارج من الصف، فضربه بالقضيب في بطنه وقال: «استقم يا سوّاد» ، فقال: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثت بالحقّ والعدل، فأقدني من نفسك. فكشف الرسول ﵊ عن بطنه، وقال: استقد يا سواد، فاعتنقه سواد وقبّل بطنه. فقال ﵊: ما حملك على ذلك؟ فقال: يا رسول الله: قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون اخر العهد أن يمسّ جلدي جلدك «٢» فدعا له بخير، ثم ابتدأ ﵊ يوصي الجيش فقال: ( «لا تحملوا حتى امركم وأن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل «٣» ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» ثم حضّهم على الصبر
стр. 102
والثبات، ثم رجع إلى عريشه ومعه رفيقه أبو بكر وحارسه سعد بن معاذ واقف على باب العريش متوشّح سيفه، وكان من دعاء الرسول ﵊ ذاك الوقت كما جاء في صحيح البخاري «اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم ان شئت لم تعبد» ) فقال أبو بكر: حسبك فإن الله سينجز لك وعدك «١» . فخرج ﵊ من العريش وهو يقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢» . ثم قال ﵊ يحرض الجيش: «والذي نفس محمّد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنّة، ومن قتل قتيلا فله سلبه» فقال عمير بن الحمام «٣» وبيده تمرات يأكلها: بخ بخ «٤» ، ما بيني وبين أن أدخل الجنّة ألا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، وقاتل حتى قتل «٥» ، واشتدّ القتال، وحمي الوطيس. وأيّد الله المسلمين بالملائكة بشرى لهم ولتطمئن به قلوبهم، فلم تكن إلّا ساعة حتى هزم الجمع، وولوا الدّبر، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتل من المشركين نحو السبعين منهم من قريش عتبة «٦» وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة قتلوا مبارزة أول القتال»
، وأبو البختري بن هشام «٨» ، والجرّاح والد أبي عبيدة قتله ابنه بعد أن ابتعد عنه فلم يزدجر، وقتل أمية بن خلف وابنه علي، اشترك في قتلهما جماعة من الأنصار مع بلال بن رباح وعمّار بن ياسر، وقد سعيا في ذلك لما كان يفعله بهما أمية في مكّة. ومن القتلى حنظلة بن أبي سفيان، وأبو جهل بن هشام أثخنه فتيان صغيران «٩» من الأنصار،
стр. 103
لما كانا يسمعانه من أنه كان شديد الإيذاء لرسول الله ﷺ وأجهز عليه عبد الله بن مسعود، وقتل نوفل بن خويلد قتله علي بن أبي طالب، وقتل عبيدة والعاص «١» والد أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية، وقتل كثيرون غيرهم، أما الأسرى فكانوا سبعين أيضا، قتل منهم ﵊ وهو راجع بن أبي معيط «٢» ، والنضر بن الحارث «٣» اللذين كانا بمكّة من أشدّ المستهزئين. وكانت هذه الواقعة في ١٧ رمضان، وهو اليوم الذي ابتدأ فيه نزول القران وبين التاريخين ١٤ سنة قمرية كاملة.
وقد أمر ﵊ بالقتلى فنقلوا من مصارعهم التي كان الرسول ﵊ أخبر بها قبل حصول الموقعة إلى قليب بدر، لأنه ﵊ كان من سننه في مغازيه إذا مرّ بجيفة إنسان أمر بها فدفنت لا يسأل عنه مؤمنا، أو كافرا «٤» . ولما ألقي عتبة والد أبي حذيفة «٥» أحد السابقين إلى الإسلام تغير وجه ابنه، ففطن الرسول ﵊ لذلك، فقال:
لعلّك دخلك من شأن أبيك شيء! فقال لا والله ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما مات عليه أحزنني ذلك، فدعا له الرسول ﵊ بخير، ثم أمر ﵊ براحلته، فشدّ عليها حتى قام على شفة القليب الذي رمى فيه المشركون، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء ابائهم: يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان، أيسرّكم أنكم كنتم أطعتم الله ورسوله، فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا. فقال عمر: يا رسول الله ما تكلّم من أجساد لا أرواح فيها! فقال: والذي نفس محمّد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، وتقول عائشة ﵂: إنما قال إنهم الان ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حقّ، ثم
стр. 104
قرأت: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى «١» وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ «٢» ، تقول يعلمون ذلك حينما تبوؤوا مقاعدهم من النار- رواه البخاري- ثم أرسل ﵊ المبشرين، فأرسل عبد الله بن أبي رواحة لأهل العالية «٣» ، وأرسل زيد بن حارثة لأهل السافلة راكبا على ناقة رسول الله، وكان المنافقون والكفّار من اليهود قد أرجفوا بالرسول ﷺ والمسلمين، عادة الأعداء في إذاعة الضرّاء يقصدون بذلك فتنة المسلمين، فجاء أولئك المبشّرون بما سرّ أهل المدينة، وكان ذلك وقت انصرافهم من دفن رقية بنت رسول الله زوج عثمان. ثم قفل رسول الله راجعا، وهنا وقع خلف بين بعض المسلمين في قسمة الغنائم، فالشبان يقولون: باشرنا القتال، فهي لنا خالصة، والشيوخ يقولون: كنّا ردا لكم فنشارككم. ولمّا كان هذا الاختلاف مما يدعو إلى الضعف، ويزرع في القلوب العداوة والبغضاء المؤديين إلى تشتت الشمل، أنزل الله حسما لهذا الخلاف أول سورة الأنفال يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٤» فسطع على أفئدتهم نور القران، فتألفت بعد أن كادت تفترق، وتركوا أمر الغنائم لرسول الله يضعها كيف شاء كما حكم القران، فقسّمها ﵊ على السواء الراجل مع الراجل، والفارس مع الفارس، وأدخل في الإسهام بعض من لم يحضر لأمر كلّف به وهم: أبو لبابة الأنصاري «٥» لأنه كان مخلّفا على أهل المدينة والحارث بن حاطب «٦» لأن الرسول ﵊ خلّفه على بني عمرو بن عوف ليحقّق أمرا بلغه، والحارث بن الصمّة «٧» وخوّات بن جبير لأنهما كسرا بالروحاء، فلم يتمكّنا من السير، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد لأنهما أرسلا يتجسّسان الأخبار، فلم
стр. 105
يرجعا إلّا بعد انتهاء الحرب، وعثمان بن عفّان لأن الرسول ﵊ خلّفه على ابنته رقيّة يمرضها، وعاصم بن عدي «١» لأنه خلفه على أهل قباء والعالية، وكذلك أسهم لمن قتل ببدر وهم أربعة عشر منهم عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الذي جرح في المبارزة الأولى، فإنه ﵁ مات عند رجوع المسلمين من بدر ودفن بالصّفراء «٢» . ولما قارب ﵊ المدينة تلقته الولائد بالدفوف يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
أيّها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
أسرى بدر
ولما دخلوا المدينة استشار عليه الصلاة السلام أصحابه فيما يفعل بالأسرى، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله قد كذّبوك وقاتلوك وأخرجوك فأرى أن تمكّنني من فلان لقريب له فأضرب عنقه، وتمكّن حمزة من أخيه العباس، وعليّا من أخيه عقيل «٣» . وهكذا حتى يعلم الناس أنه ليس في قلوبنا مودّة للمشركين، ما أرى أن تكون لك أسرى، فاضرب أعناقهم، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
ووافقه على ذلك سعد بن معاذ وعبد الله بن رواحة، وقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء أهلك وقومك قد أعطاك الله الظفر والنصر عليهم، أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفّار، وعسى أن الله يهداهم بك فيكونوا لك عضدا. فقال ﵊: إنّ الله ليلين قلوب أقوام حتى تكون ألين من اللبن، وإنّ الله ليشدد قلوب أقوام حتى تكون أشدّ من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ
стр. 106
رَحِيمٌ «١» وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «٢» ورأى ﵊ رأي أبي بكر بعد أن مدح كلا من الصاحبين لأن الوجهة واحدة وهي إعزاز الدين، وخذلان المشركين ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة «٣» فلا يفلتن أحد من أسراكم إلّا بفداء، وقد بلغ قريشا ما عزم عليه الرسول في أمر الأسرى، فناحت على القتلى شهرا ثم أشير عليهم من كبارهم ألّا يفعلوا كيلا يبلغ محمّدا وأصحابه جزعهم فيشمتوا بهم، فسكتوا وصمموا على ألّا يبكوا قتلاهم حتى يأخذوا بثأرهم، وتواصوا فيما بينهم ألّا يعجلوا في طلب الفداء لئلا يتغالى المسلمون فيه.
الفداء
فلم يلتفت إلى ذلك المطلب ابن أبي وداعة السهمي. وكان أبوه من الأسرى، فخرج خفية حتى أتى المدينة وفدى أباه بأربعة الاف درهم، وعند ذلك بعثت قريش في فداء أسراها، وكان أربعة الاف درهم، ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المدينة يعلّمهم، وكان ذلك فداءه.
ومن الأسرى: عمرو بن أبي سفيان، ولما طلب من أبيه فداؤه أبى وقال:
والله لا يجمع محمّد بين ابني ومالي دعوه يمسكوه في أيديهم ما بدا لهم. فبينما أبو سفيان بمكّة إذ وجد سعد بن النعمان الأنصاري معتمرا، فعدا عليه فحبسه بابنه عمرو، فمضى قوم سعد إلى رسول الله وأخبروه فأعطاهم عمرا ففكّوا به سعدا ومن الأسرى: أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت الرسول، وكان ﵊ قد أثنى عليه خيرا في مصاهرته، فإنه لما استحكمت العداوة بين قريش ورسول الله بمكّة، طلبوا من أبي العاص أن يطلّق زينب، كما فعل ابنا أبي لهب بابنتي الرسول، فامتنع وقال: والله لا أفارق صاحبتي، وأحب أنّ لي بها امرأة من قريش، ولما أسر أرسلت زينب في فدائه قلادة لها كانت حلّتها بها أمها خديجة
стр. 107
ليلة عرسها. فلمّا رأى ﵊ تلك القلادة رقّ لها رقة شديدة، وقال لأصحابه: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا لها قلادتها فافعلوا، فرضي الأصحاب بذلك، فأطلقه ﵊ بشرط أن يترك زينت تهاجر إلى المدينة. فلمّا وصل إلى مكّة أمرها باللحاق بأبيها، وكان الرسول أرسل لها من يأتي بها فاحتملوها. هذا ولما أسلم أبو العاص بن الربيع قبيل الفتح ردّ عليه امرأته بالنكاح الأول «١» .
ومن الأسرى: سهيل بن عمرو «٢» وكان من خطباء قريش وفصحائها وطالما اذى المسلمين بلسانه، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أنزع ثنيتي سهيل، يدلع «٣» لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا. فقال ﵊ «لا أمثّل فيمثّل الله بي وإن كنت نبيّا، وعسى أن يقوم مقاما لا تذمّه» وقدم بفدائه مكرز بن حفص، ولما ارتضى معهم على مقدار حبس نفسه بدله حتى جاء بالفداء. هذا وقد حقق الله خبر الرسول في سهيل، فإنه لمّا مات ﵊ أراد أهل مكّة الارتداد كما فعل غيرهم من الأعراب، فقام سهيل هذا خطيبا وقال: بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله: أيها الناس من كان يعبد محمّدا فإن محمّدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت ألم تعلموا أن الله قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٤» وقال وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ «٥» ثم قال: والله وأني أعلم أنّ هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها فلا يغرّنكم هذا- يريد أبا سفيان من أنفسكم، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم لكنه قد ختم على صدره حسد
стр. 108
بني هاشم، وتوكّلوا على ربكم، فإنّ دين الله قائم، وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره ومقوّ دينه، وقد جمعكم الله على خيركم يريد أبا بكر وإن ذلك لم يزد الإسلام إلّا قوة فمن رأيناه ارتدّ ضربنا عنقه، فتراجع الناس عمّا كانوا عزموا عليه، وكان هذا الخبر من معجزات نبينا ﷺ .
ومن الأسرى: الوليد بن الوليد «١» أفتكّه أخواه خالد وهشام، فلمّا افتدى ورجع إلى مكّة أسلم، فقيل له: هلّا أسلمت قبل الفداء؟ فقال: خفت أن يعدّوا إسلامي خوفا. ولما أراد الهجرة منعه أخواه ففرّ إلى النبي في عمرة القضاء.
ومن الأسرى: السائب بن يزيد «٢» وكان صاحب الراية في تلك الحرب فدى نفسه وهو الجد الخامس للإمام محمّد بن إدريس الشافعي.
ومنهم: وهب بن عمير الجمحي «٣» كان أبوه عمير شيطانا من شياطين قريش كثير الإيذاء لرسول الله، جلس يوما بعد انتهاء هذه الحرب مع صفوان بن أمية «٤» يتذكران مصاب بدر، فقال عمير: والله لولا دين عليّ ليس عندي قضاؤه وعيال أخشى عليهم الفقر بعدي، كنت اتي محمدا فأقتله، فإن ابني أسير في أيديهم، فقال صفوان: دينك عليّ وعيالك مع عيالي، فأخذ عمير سيفه وشحذه وسمّه، وانطلق حتى قدم المدينة، فبينا عمر مع نفر من المسلمين إذ نظر إلى عمير متوشحا سيفه، فقال: هذا الكلب عدو الله ما جاء إلّا بشرّ، ثم قال للنبي ﵊ هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحا سيفه فقال: أدخله عليّ. فأخذ عمر
стр. 109
بحمائل «١» سيفه وأدخله، فلمّا راه ﵊ قال: أطلقه يا عمر، أدن يا عمير فدنا وقال: أنعموا صباحا، فقال ﵊: قد أبدلنا الله تحية خيرا من تحيتك وهي: السلام، ثم قال ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف؟ قال قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا؟ قال ﵊: أصدقني ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلّا لذلك. قال ﵊: كلا بل قعدت أنت وصفوان في الحجر وقلتما كيت وكيت فأسلم عمير وقال: كنّا نكذبك بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلّا أنا وصفوان!! فقال ﵊: فقّهوا أخاكم في دينه وأقرؤوه القران، وأطلقوا أسيره، فعاد عمير إلى مكة وأظهر أسلامه.
ومن الأسرى: أبو عزيز بن عمير «٢» أخو مصعب بن عمير مرّ به أخوه فقال للذي أسره: شدّ يدك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. فقال له: يا أخي هذه وصايتك بي! ثم بعثت أمه بفدائه أربعة الاف درهم.
ومن الأسرى: العباس بن عبد المطلب»
عم رسول الله ﷺ ، كان قد خرج لهذه الحرب مكرها، ولما وقع في الأسر طلب منه فداء نفسه وابن أخيه عقيل بن أبي طالب، فقال: علام ندفع وقد استكرهنا على الخروج؟ فقال ﵊: لقد كنت في الظاهر علينا، فأخذت منه فدية نفسه وابن أخيه، ثم قال للرسول: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، قال كيف وقد تركت لأم الفضل أموالا؟ وقلت لها إن متّ فقد تركتك غنية! فقال العباس: والله ما اطّلع على ذلك أحد. وهذا العمل غاية ما يفعل من العدل والمساواة فإنه ﵊ لم يعف عمّه مع علمه بأنه إنما خرج مكرها، وقد أعفى غيره جماعة تحقق له فقرهم فهكذا العدل، ولا غرابة فذلك أدب قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
стр. 110
بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ «١» ومن الأسرى: أبو عزة الجمحي الشاعر، كان شديد الإيذاء لرسول الله ﷺ بمكّة فلمّا أسر قال: يا محمد إني فقير، وذو عيال، وذو حاجة قد عرفتها فامنن، فمن عليه فضلا منه.
العتاب في الفداء
ولما تمّ الفداء أنزل الله في شأنه ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «٢» نهى سبحانه عن اتّخاذ الأسرى قبل الإثخان في قتل الذين يصدّون عن سبيل الله ويمنعون دين الله من الإنتشار، وعاب بعض المسلمين على إرادة عرض الدّنيا وهو الفدية، ولولا حكم سابق من الله أن لا يعاقب مجتهدا على اجتهاده ما دام المقصد خيرا لكان العذاب، ثم أباح لهم الأكل من تلك الفدية المبني أخذها على النظر الصحيح. وهذا من أقوى الأدلة على صدق نبيّنا ﵊ فيما جاء به، لأنه لو كان من عنده ما كان يعاتب نفسه على عمل عمله بناء على رأي كثير من الصحابة. وقد وعد الله الأسرى الذين يعلم في قلوبهم خيرا بأن يؤتيهم خيرا ممّا أخذ منهم ويغفر لهم فقال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٣» وهذه الغزوة هي التي أعزّ الله بها الإسلام وقوّى أهله، ودمغ فيه الشرك، وخرّب محلّه مع قلّة المسلمين وكثرة عدوهم، فهي اية ظاهرة على عناية الله تعالى بالإسلام وأهله مع ما كان عليه العدو من القوة بسوابغ الحديد، والعدة الكاملة، والخيل المسومة، والخيلاء الزائدة، ولذلك قال الله ممتنا على عباده بهذا النصر وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ «٤» أي قليل عددكم لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله فهي أعظم غزوات الإسلام إذ بها كان ظهوره، وبعد وقوعها أشرق على الافاق نوره، فقد قتل فيها