أرسل لعامله في اليمن ينهاه عمّا أمره به أبوه.
كتاب المنذر بن ساوى «١»
ووجّه ﵊ العلاء بن الحضرمي «٢» بكتاب إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين يدعوه إلى الإسلام وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم أسلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو. أما بعد: فإن من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ذمة الله وذمة الرسول، من أحب ذلك من المجوس فإنه امن، ومن أبى فإن عليه الجزية» فأسلم وكتب في ردّ الجواب: «أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحبّ الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود فأحدث إليّ في ذلك أمرك فكتب إليه ﵊ «بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلّا هو وأشهد ألاإله إلّا الله وأن محمّدا عبده ورسوله، أمّا بعد فإني أذكرك الله فإنه من ينصح ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتّبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني شفّعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نغيرك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية» .
كتاب ملكي عمان
ووجّه ﵊ عمرو بن العاص بكتاب إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ملكي عمان وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، سلام على من اتّبع الهدى، أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام ولّيتكما، وإن أبيتما فإن
стр. 177
ملككما زائل، وخيلي تحلّ بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما) .
فلمّا دخل بناديهما عمرو سأله عبد بن الجلندي عمّا يأمر به الرسول وينهى عنه، فقال: يأمر بطاعة الله ، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان والزنا وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب، فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه ولو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمّد ونصدّق به، ولكن أخي أضن «١» بملكه من أن يدعه ويصير تابعا. قال عمرو: إن أسلم أخوك ملّكه رسول الله على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردّها على فقيرهم، فقال عبد: إن هذا لخلق حسن وما الصدقة؟ فأخبره بما فرض الله من الصدقات في الأموال. ولما ذكر المواشي قال: يا عمرو يؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وتردّ المياه؟ قال نعم، فقال عبد: والله ما أرى قومي على بعد دارهم وكثرة عددهم يرضون بهذا.
ثم إن عبدا أوصل عمرا لأخيه جيفر فتكلّم معه عمرو بما ألان قلبه حتى أسلم هو وأخوه ومكّناه من الصدقات.
كتاب هوذة بن علي
ووجّه عليه: الصلاة والسلام سليط بن عمرو العامري «٢» بكتاب إلى هوذة بن علي ملك اليمامة وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى هوذة ابن علي. سلام على من اتّبع الهدى وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر «٣» ، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك» فلمّا جاء الكتاب كتب في رده: «ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر اتبعك» ولما بلغ ذلك رسول الله قال لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت، باد وباد ما في يديه «٤» ، فلم يلبث أن مات منصرف الرسول ﷺ من فتح مكّة، وكان ﵊ يولي على كل قوم قبلوا الإسلام كبيرهم.
стр. 178
السنة السابعة
غزوة خيبر «١»
وفي محرم السنة السابعة أمر ﵊ بالتجهز لغزو يهود خيبر، الذين كانوا أعظم مهيّج للأحزاب ضدّ رسول الله في غزوة الخندق، والذين لا يزالون مجتهدين في محالفة الأعراب ضدّ رسول الله كما قدّمنا ذلك في قصة كعب بن الأشرف، وقد استنفر رسول الله لذلك من حوله من الأعراب الذين كانوا معه بالحديبية. وجاء المخلّفون عنها ليؤذن لهم فقال ﵊: لا تخرجوا معي إلّا رغبة في الجهاد، أما الغنيمة فلا أعطيكم منها شيئا، وأمر مناديا ينادي بذلك، ثم خرج ﵊ بعد أن ولّى على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري «٢» . وكان معه من أزواجه أم سلمة، ولما وصل جيش المسلمين إلى خيبر التي تبعد عن المدينة نحو مائة ميل من الشمال الغربي، رفعوا أصواتهم بالتكبير والدعاء. فقال: ﵊ «ارفقوا بأنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم» «٣» وكانت حصون خيبر ثلاثة منفصلا بعضها عن بعض وهي: حصون النطاة وحصون الكتيبة وحصون الشق والأولى ثلاثة: حصن ناعم، وحصن الصعب، وحصن قلّة، والثانية حصنان: حصن أبي، وحصن البريء. والثالثة ثلاثة حصون: حصن القموص، وحصن الوطيح، وحصن السّلالم، فبدأ ﵊ بحصون النطاة، وعسكر المسلمون شرقيها بعيدا عن مدى النبل، وأمر ﵊ أن يقطع نخلهم ليرهبهم، حتى يسلموا، فقطع المسلمون نحو أربعمائة نخلة. ولمّا رأى ﵊
стр. 179
تصميم اليهود على الحرب نهى عن القطع، ثم ابتدأ القتال مع حصن ناعم بالمراماة، وكان لواء المسلمين بيد أحد المهاجرين فلم يصنع في ذلك اليوم شيئا، وفيه مات محمود بن مسلمة «١» أخو محمّد بن مسلمة، وصار ﵊ يغدو كل يوم مع بعض الجيش للمناوشة، ويخلّف على العسكر أحد المسلمين حتى إذا كانوا في الليلة السابعة، ظفر حارس الجيش وهو عمر بن الخطاب بيهودي خارج في جوف الليل، فأتى به رسول الله ﵊، ولما أدرك الرجل الرعب قال: إن أمّنّتموني أدّلكم على أمر فيه نجاحكم. فقالوا دلنا فقد أمّنّاك، فقال إن أهل هذا الحصن أدركهم الملال والتعب، وقد تركتهم يبعثون بأولادهم إلى حصن الشقّ، وسيخرجون لقتالكم غدا، فإذا فتح عليكم هذا الحصن غدا فإني أدّلكم على بيت فيه منجنيق ودبابات «٢» ودروع وسيوف، يسهل عليكم بها فتح بقية الحصون، فإنكم تنصبون المنجنيق، ويدخل الرجال تحت الدبابات، فينقبون الحصون فتفتحه من يومك، فقال ﵊ لمحمّد بن مسلمة:
سأعطي الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبّانه، فبات المهاجرون والأنصار كلهم يتمنّونها، حتى قال عمر بن الخطاب: ما تمنيت الإمارة إلّا ليلتئذ، فلمّا كان الغد سأل ﵊ عن علي بن أبي طالب فقيل له إنه أرمد، فأرسل من يأتيه به، ولما جاء تفل في عينيه فشفاهما الله كأن لم يكن بهما شيء «٣» ثم أعطاه الراية، فتوجّه مع المسلمين للقتال، وهناك وجدوا اليهود متجهزين، فخرج يهودي يطلب البراز فقتله علي، ثم خرج مرحب وهو أشجع القوم فألحقه برفيقه، فخرج أخوه ياسر فقتله الزبير بن العوّام، ثم حمل المسلمون على اليهود حتى كشفوهم عن مواقفهم، وتبعوهم حتى دخلوا الحصن بالقوة، وانهزم الأعداء إلى الحصن الذي يليه وهو حصن الصعب وغنم المسلمون من حصن ناعم كثيرا من الخبز والتمر، ثم تتبعوا اليهود إلى حصن الصعب، فقاتل عنه اليهود قتالا شديدا حتى ردّ عنه المسلمون، ولكن ثبت الحباب بن المنذر ومن معه، وقاتلوا قتالا
стр. 180
شديدا حتى هزموا اليهود فتبعوهم حتى افتتحوا عليهم الحصن، فوجدوا فيه غنائم كثيرة من الطعام، فأمر ﵊ مناديا يقول: «كلوا واعلفوا دوابكم ولا تأخذوا شيئا» .
ثم إن الذين انهزموا من هذا الحصن ساروا إلى حصن قلة فتبعهم المسلمون، وحاصروهم ثلاثة أيام حتى استصعب عليهم فتحه، وفي اليوم الرابع دلّهم يهودي على جداول الماء التي يستقي منها اليهود، فمنعوها عنهم، فخرجوا، وقاتلوا قتالا شديدا انتهى بهزيمتهم إلى حصون الشقّ، فتبعهم المسلمون وبدؤوا بحصن أبيّ فخرج أهله، وقاتلوا قتالا شديدا أبلى فيه أبو دجانة بلاء حسنا حتى تمكّن من دخول الحصن عنوة، ووجد المسلمون فيه أثاثا كثيرا ومتاعا وغنما وطعاما، وهرب المنهزمون منه إلى حصن البريء فتمنعوا به أشدّ التمنّع، وكان أهله أشدّ اليهود رميا بالنبل والحجارة حتى أصاب رسول الله بعض منه، فنصب المسلمون عليه المنجنيق، فوقع في قلب أهله الرعب، وهربوا منه من غير عناء شديد. فوجد فيه المسلمون أواني لليهود من نحاس وفخار، فقال ﵊:
اغسلوها واطبخوا فيها، ثم تتبّع المسلمون بقايا العدو إلى حصون الكثيبة، وبدؤوا بحصون القموص، فحاصروه عشرين ليلة، ثم فتحه الله على يد علي بن أبي طالب، ومنه سبيت صفية بنت حيي بن أخطب، ثم سار المسلمون لحصار حصني الوطيح والسلالم، فلم يقاوم أهلهما بل سلّموا طالبين حقن دمائهم، وأن يخرجوا من أرض خيبر بذراريهم، لا يصطحب الواحد منهم إلّا ثوبا واحدا على ظهره، فأجابهم رسول الله إلى ذلك، وغنم المسلمون من هذين الحصنين مائة درع، وأربعمائة سيف، وألف رمح، وخمسمائة قوس عربية، ووجدوا صحفا من التوراة فسلّموها لطالبيها. وقد أمر ﵊ بقتل كنانة بن أبي الحقيق لأنه أنكر حلي حيي بن أخطب وقد عثر عليها المسلمون، فوجدوا فيها أساور ودمالج وخلاخيل وقرطة وخواتيم الذهب وعقود الجواهر والزمرد وغير ذلك.
هذا والذين استشهدوا من المسلمين بخيبر خمسة عشر رجلا «١» ، وقتل من
стр. 181
اليهود ثلاثة وتسعون رجلا، وفي هذه الغزوة أهدت احدى نساء اليهود «١» كراع شاة مسمومة لرسول الله فأخذ منها مضغة ثم لفظها حيث أعلم أنها مسمومة، وأكل منها بشر بن البراء «٢» فمات لوقته، واحتجم رسول الله ﷺ ، وجيء له بالمرأة التي فعلت هذه الفعلة فسألها عن سبب ذلك فأجابت: قلت إن كان نبيّا لن يضرّه، وإن كان كاذبا أراحنا الله منه، فعفا عنها ﵊ «٣» .
زواج صفية «٣»
وبعد تمام الظفر والنصر تزوّج ﵇ صفية بنت حيي سيد بني النضير وأصدقها عتقها، وقد أسلمت ﵂، فشرّفت بأمومة المؤمنين.
النهي عن نكاح المتعة «٤»
ونهى ﵊ وهو بخيبر عن نكاح المتعة، (وهي النكاح لاجل) وقد كان حلالا في الجاهلية، واستعمل في بدء الإسلام حتى حرمه الشرع في هذه السنة ونهى كذلك عن أكل لحوم الحمر الاهلية فأكفأ المسلمون قدرها بعد أن نضجت ولم يطعموها.
стр. 182
رجوع مهاجري الحبشة
وحين رجوع المسلمين من خيبر قدم من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومعه الاشعريون أبو موسى وقومه بعد أن أقاموا فيها نحوا من عشر سنين امنين مطمئنين، وفرح ﵊ بمقدمهم فرحا عظيما، وأعطى للاشعريين من مغانم الحصون المفتوحة صلحا، وكان مع جعفر أمّ حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين، وقدم في هذا الوقت على النبي ﵊ الدوسيون إخوان أبي هريرة ﵁ وهو معهم، فأعطاهم أيضا رسول الله ﷺ .
فتح فدك
وبعد تمام الفتح أرسل ﵊ من يطلب من يهود فدك «١» الانقياد والطاعة، فصالحوا رسول الله على أن يحقن دماءهم، ويتركوا الأموال، وكانت أرض فدك هذه لرسول الله خاصّة ينفق منها على نفسه، ويعول منها صغير بني هاشم ويزوج منها أيّمهم.
صلح تيماء
ولمّا بلغ يهود تيماء «٢» ما فعله المسلمون بيهود خيبر، صالحوا على دفع الجزية ومكثوا في بلادهم امنين مطمئنين.
فتح وادي القرى «٣»
ثم دعا ﵊ يهود وادي القرى إلى الاستسلام فأبوا وقاتلوا، فقاتلهم المسلمون، وأصابوا منهم أحد عشر رجلا، وغنموا منهم مغانم كثيرة، خمّسها ﵊، وترك الأرض في أيدي أهلها يزرعونها بشطر ما يخرجون منها، وكذلك صنع بأرض خيبر، وكان يرسل إليهم عبد الله بن رواحة
стр. 183
لتقدير الثمر، وكان تقديره شديدا عليهم، فأرادوا أن يرشوه، فقال لهم: يا أعداء الله تعطوني السحت «١» ! والله لقد جئتكم من عند أحبّ الناس إليّ، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن ألّا أعدل.
هذا وبانقياد جميع اليهود المجاورين للمدينة ارتاح المسلمون من شرّ عدو، كان يتربص بهم الدوائر مهما كان بين الفريقين من العهود والمواثيق. ورجع المسلمون مؤيدين ظافرين.
إسلام خالد ورفيقيه
وأعقب هذه الغزوة وهذا الفتح المبين إسلام ثلاثة طالما كانت لهم اليد الطولى في قيادة الجيوش لحرب المسلمين وهم خالد بن الوليد المخزومي، وعمرو بن العاص السهمي، وعثمان بن «٢» طلحة العبدري فسرّ بهم ﵊ سرورا عظيما، وقال لخالد: «الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألايسلمك إلّا إلى خير» : فقال يا رسول الله ادع الله أن يغفر تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك، فقال ﵊: «الإسلام يقطع ما قبله» «٣» .
سرية «٤»
وفي شعبان بلغه ﵊ أن جمعا من هوزان بتربة «٥» يظهرون العداوة للمسلمين فأرسل لهم عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلا. فسار إليهم.
ولمّا بلغهم الخبر تفرّقوا فلم يجد بها عمر أحدا فرجع.
стр. 184
سرية «١»
ثم أرسل بشير بن سعد الأنصاري «٢» لقتال بني مرّة بناحية فدك فلمّا ورد بلادهم لم ير منهم أحدا فأخذ نعمهم وانحدر إلى المدينة، أما القوم فكانوا في الوادي فجاءهم الصريخ فأدركوا بشيرا ليلا وهو راجع فتراموا بالنبل، ولما أصبح الصبح اقتتل الفريقان قتالا شديدا حتى قتل غالب المسلمين، وجرح بشير جرحا شديدا حتى ظنّ أنه مات، ولمّا انصرف عنه العدو تحامل حتى جاء إلى رسول الله وأخبره الخبر.
سرية «٣»
وفي رمضان أرسل ﵊ غالب بن عبد الله الليثي «٤» إلى أهل الميفعة «٥» في مائة وثلاثين رجلا فساروا حتى هجموا على القوم فقتلوا بعضا وأسروا اخرين، وفي أثناء الحرب طارد أسامة بن زيد رجلا من المشركين. ولمّا رأى المشرك الموت في يد أسامة تشهّد فظن أسامة أنّ عدوه إنما قال ذلك تخلصا فقتله، ولما رجع المسلمون إلى المدينة، وأخبر ﵇ بفعلة أسامة قال:
أقتلته بعد أن قال: لا إله إلّا الله فكيف تصنع بلا إله إلّا الله؟! قال: يا رسول الله إنما قالها متعوذا من القتل، قال ﵊: فهلا شققت عن قلبه، فتعلم أصادق أم كاذب؟! فقال يا رسول الله: استغفر لي. قال ﵊: فكيف بلا إله إلّا الله!! فما زال يكرّرها حتى تمنّى أسامة أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم «٦» ، وأنزل الله في ذلك سورة النساء وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ «٧»
стр. 185
ثم أمر ﵊ أسامة أن يعتق رقبة كفارة لأنه قتل خطأ.
سرية «١»
وفي شوال بلغه ﵊ أن عيينة بن حصن واعد جماعة من غطفان كانوا مقيمين قريبا من خيبر بأرض اسمها يمن وجبار على المدينة، فأرسل لهم بشير بن سعد في ثلاثمائة رجل، فساروا إليهم يكمنون النهار، ويسيرون الليل حتى أتوا محلتهم، فأصابوا نعما كثيرة، وتفرّق الرّعاء، فأخبروا قومهم، ففزعوا، ولحقوا بعليا بلادهم ولم يظفر المسلمون إلّا برجلين أسلما، ثم رجعوا إلى المدينة.
(عمرة القضاء) «٢»
لما حال الحول على عمرة الحديبية، خرج ﵊ بمن صدّ معه فيها، ليقضي عمرته، واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري، وساق معه الهدي ستين بدنة، وأخرج معه السلاح حذرا من غدر قريش، وكان معه مائة فرس عليها بشير بن سعد، وأحرم ﵊ من باب المسجد المدني، ولما انتهى إلى ذي الحليفة «٣» قدّم الخيل أمامه، فقيل: يا رسول الله، حملت السلاح، وقد شرطوا ألا تحمله؟ فقال ﵊ لا: ندخل الحرم به ولكن يكون قريبا منا، فإن هاجنا هائج فزعنا له. فلمّا كان بمرّ الظّهران «٤» قابله نفر من قريش، ففزعوا من هذه العدّة، وأسرعوا إلى قومهم فأخبروهم، فجاءه فتيان منهم، وقالوا: والله يا محمّد ما عرفت بالغدر صغيرا ولا كبيرا، وأنا لم نحدث حدثا!! فقال: إنا لا ندخل الحرم بالسلاح. ولمّا حان وقت دخوله مكّة، خرج أهلوها كارهين رؤية المسلمين يطوفون بالبيت، فدخل ﵊ وأصحابه متوشحين سيوفهم من ثنيّة كداء «٥» وأمامه عبد الله بن رواحة يقول: «لا
стр. 186
إله إلّا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب واحده» وطاف ﵊ بالبيت وهو على راحلته، واستلم الحجر بمحجنه «١» وأمر أصحابه أن يسرعوا ثلاثة أشواط اظهارا للقوة لأن المشركين قالوا: سيطوف اليوم بالكعبة قوم نهكتهم حمّى يثرب، فقال ﵊: «رحم الله امرأ أراهم من نفسه قوة» ، واضطبع «٢» ﵊ بردائه، وكشف عضده اليمنى شأن الفتوة وفعل مثله المسلمون، وقد أتمّ المسلمون طوافهم بالبيت امنين محلقين رؤوسهم ومقصرين كما رأى ﵊ في منامه.
زواج ميمونة «٣»
وتزوج ﷺ وهو بمكّة ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج عمه حمزة بن عبد المطلب شهيد أحد، وخالة عبد الله بن العباس وهي اخر نسائه زواجا ولم يدخل بها إلّا بعد الخروج من مكّة حيث كان بسرف «٤» ، ولمّا خرج ﵊ أمر الذين كان تركهم لحراسة الخيل بالذهاب ليطوفوا ففعلوا، ثم رجع ﵊ إلى المدينة فرحا مسرورا بما حباه الله من تصديق رؤياه.
стр. 187
السنة الثامنة
سرية «١»
وفي صفر أرسل ﵊ غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوّح وهم قوم من العرب يسكنون بالكديد «٢» فسار القوم حتى إذا كانوا بقديد «٣» التقوا بالحارث بن مالك الليثي «٤» المعروف بابن البرصاء، وكان خصما لدودا فأسروه، فقال لهم: ما جئت إلّا للإسلام، فقالوا له إن تكن مسلما لن يضرك رباط ليلة وإلّا استوثقنا منك، ثم ساروا حتى وصلوا محلة بني الملوّح فاستاقوا النعم والشاء، وخرج الصريخ إلى القوم فجاءهم ما لا قبل لهم به ولكن منّ الله على المسلمين، فأرسل سيلا شديدا حال بينهم وبين عدوهم حتى صار المشركون يرون نعمهم تساق وهم لا يقدرون على ردّها.
سرية «٥»
ولمّا رجع غالب إلى المدينة ظافرا أرسله ﵊ في مائتي رجل ليقتصّ من بني مرّة بفدك وهم الذين أصابوا سرية بشير بن سعد، فساروا حتى إذا كانوا قريبا من القوم خطب غالب فيمن معه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله واحده لا شريك له وأن تطيعوني ولا تخالفوا لي أمرا فإنه لا رأي لمن لا يطاع» ثم اخى بين الجند فقال: يا فلان أنت
стр. 188
وفلان، ويا فلان أنت وفلان لا يفارق أحد منكم زميله، وإياكم أن يرجع الرجل منكم فأقول له: أين صاحبك؟ فيقول لا أدري، فإذا كبّرت فكبّروا، فلمّا أحاطوا بالعدو، وكبّر كبّروا، وجرّدوا السيوف، فلم يفلت من عدوهم أحد واستاقوا نعمهم، فكان لكل واحد من الغزاة عشرة أبعرة.
سرية «١»
وفي ربيع الأول أرسل ﵊ كعب بن عمير الغفاري «٢» إلى ذات أطلاح «٣» من أرض الشام في خمسة عشر رجلا، فوجدوا جمعا كثيرا فدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا وقاتلوا، وكانوا أكثر عددا، فاستشهد المسلمون عن اخرهم إلّا رئيسهم كعب بن عمير فإنه نجا، وأتى بالخبر إلى رسول الله فشقّ عليه، وأراد أن يبعث إليهم من يقتصّ منهم، فبلغه أنهم تحولوا من منزلهم فعدل عن ذلك.
غزوة مؤتة
جهّز ﵊ في جمادى الأولى جيشا للقصاص ممّن قتلوا الحارث بن عمير الأزدي رسوله إلى أمير بصرى، وأمّر عليهم زيد بن حارثة، وقال لهم: إن أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة.
وكان عدة الجيش ثلاثة الاف، فساروا وشيعهم «٤» ﵊، وكان فيما وصاهم به: «اغزوا باسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالا في الصوامع معتزلين فلا تتعرضوا لهم، ولا تقتلوا امرأة ولا صغيرا ولا بصيرا فانيا، ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء» ولم يزالوا سائرين حتى
стр. 189
وصلوا مؤتة «١» مقتل الحارث بن عمير، وهناك وجدوا الروم قد جمعوا لهم جمعا عظيما «٢» منهم ومن العرب المتنصرة. فتفاوض رجال الجيش فيما يفعلونه:
أيرسلون لرسول الله يطلبون منه مددا أم يقدمون على الحرب؟؟ فقال عبد الله بن رواحة: يا قوم والله إن الذي تكرهون هو ما خرجتم له، خرجتم تطلبون الشهادة، ونحن ما نقاتل بعدد ولا بقوة ولا بكثرة ما نقاتل إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإنما هي إحدى الحسنيين إما الظهور وإما الشهادة، فقال الناس: صدق والله ابن رواحة. ومضوا للقتال، فلقوا هذه الجموع المتكاثرة، فقاتل زيد بن حارثة ﵁ حتى استشهد، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب وهو يقول:
يا حبّذا الجنّة واقترابها ... طيّبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها
ولم يزل يقاتل حتى استشهد ﵁ «٣» ، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتقدم ثم تردد بعض التردّد، فقال يخاطب نفسه:
أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... طائعة أو لتكرهنّه
إن أجلب الناس وشدّوا الرّنّة ... مالي أراك تكرهين الجنّة
قد طالما قد كنت مطمئنّة ... هل أنت إلّا نطفة في شنّه؟ «٤»
ثم اقتحم بفرسه المعمعة، ولم يزل يقاتل ﵁ حتى استشهد، فهم بعض المسلمين بالرجوع إلى الوراء، فقال لهم عقبة بن عامر «٥» : يا قوم يقتل
стр. 190
الإنسان مقبلا خير من أن يقتل مدبرا، فتراجعوا واتفقوا على تأمير الشهم الباسل خالد بن الوليد، وبهمّته ومهارته الحربية حمى هذا الجيش من الضياع إذ ما تفعل ثلاثة الاف بمائة وخمسين ألفا، فإنه لما أخذ الراية قاتل يومه قتالا شديدا. وفي غده خالف ترتيب العسكر. فجعل الساقة مقدمة، والمقدمة ساقة، والميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، فظن الروم أن المدد جاء للمسلمين فرعبوا. ثم أخذ خالد الجيش وصار يرجع إلى الوراء حتى انحاز إلى مؤتة، ثم مكث يناوش الأعداء سبعة أيام، ثم تحاجز الفريقان لأن الكفّار ظنوا أن الأمداد تتوالى للمسلمين، وخافوا أن يجروهم إلى وسط الصحارى حيث لا يمكنهم التخلّص، وبذلك انقطع القتال. «وقد نعى النبي ﷺ زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وكانت عينا رسول الله تذرفان «١» ، ثم قال: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» ، وجاءه رجل فقال: يا رسول الله إن نساء جعفر يبكين، فأمره أن ينهاهنّ، فذهب الرجل ثم أتى فقال: قد نهيتهن فلم يطعن! فأمره فذهب ثانيا ثم جاء فقال: والله لقد غلبننا، فقال له ﵊: «أحث في أفواههنّ التراب» ، ولما أقبل الجيش إلى المدينة، قابلهم المسلمون يقولون لهم: يا فرّار «٢» ، فقال ﵊ بل هم الكرّار! ظن المقيمون بالمدينة أن انحياز خالد بالجيش هزيمة، ولكن رسول الله ﷺ أراهم أن ذلك من مكايد الحرب وأثنى على خالد مهارته.
سرية «٣»
وفي جمادى الاخرة بلغه ﵊ أن جمعا من قضاعة يتجمعون في ديارهم وراء وادي القرى ليغيروا على المدينة، فأرسل لهم عمرو بن العاص
стр. 191
في ثلاثمائة رجل من سراة «١» المهاجرين، ثم أمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتي من المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر، فلحقوا عمرا قبل أن يصل إلى القوم، وقد أراد رجال من الجيش إيقاد نار فمنعهم عمرو، فأنكر عليه عمر بن الخطاب، فقال أبو بكر: إنما بعثه رسول الله علينا رئيسا لمعرفته بالحرب أكثر منا فلا تعصه، فامتثل، ولما حلوا بساحة القوم حملوا عليهم فلم يكن أكثر من ساعة حتى تفرّق الأعداء منهزمين، فجمعوا غنائمهم وأرادوا اتباع أثرهم فمنعهم قائدهم، ثم رجعوا إلى المدينة ظافرين، وبينما هم في الطريق أدركت عمرو بن العاص جنابة في ليلة باردة فلمّا أصبح قال: إن أنا اغتسلت هلكت والله يقول وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ «٢» ثم تيمم وصلّى، ثم أمر بالسير حتى إذا وصلوا إلى المدينة قام رسول الله ﵊ يسأل عن أنباء سفرهم كما هي عادته، فأخبروه بما نقموه من عمرو بن العاص من نهيهم عن إيقاد النار ونهيهم عن اتّباع العدو وصلاته جنبا، فسأله ﵊ عن ذلك فقال: منعتهم من إيقاد النار لئلا يرى العدو قلتهم فيطمع فيهم، ونهيتهم عن اتّباع العدو لئلا يكون له كمين، وصليت جنبا لأن الله يقول: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وإن أنا اغتسلت هلكت، فتبسم ﵊ وأثنى على عمرو خيرا.
سرية «٣»
وفي رجب أرسل ﵊ أبا عبيدة عامر بن الجرّاح في ثلاثمائة فارس لغزو قبيلة جهينه التي تسكن ساحل البحر «٤» ، وزوّد ﵊ هذا الجيش جرابا من التمر، فساروا حتى إذا وصلوا الساحل أقاموا فيه نحو نصف شهر ينتظرون العدو، وقد فني زادهم حتى أكلوا الخبط- وهو ورق السّمر يبلونه بالماء ويأكلونه إلى أن تقرّحت أشداقهم «٥» ، وكان في القوم الكريم ابن
стр. 192
الكريم قيس بن سعد بن عبادة «١» فنحر لهم ثلاث جزر في كل يوم جزور. وفي اليوم الرابع أراد أن ينحر فنهاه رئيسه أبو عبيدة لأن قيسا كان أخذ تلك الجزر بدين على أبيه، فخاف أبو عبيدة ألّا يفي له أبوه بما استدان، فقال قيس: أترى سعدا يقضي ديون الناس، ويطعم في المجاعة، ولا يقضي دينا استدنته لقوم مجاهدين في سبيل الله؟! ولما يئسوا من لقاء عدوهم رجعوا إلى المدينة، فقال قيس بن سعد لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا، قال انحر، قال نحرت، قال: ثم:
جاعو قال: انحر، قال: نحرت، قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نحرت قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نهيت.
غزوة الفتح الأعظم
إذا أراد الله أمرا هيّأ أسبابه، وأزال موانعه، فقد كان ﵊ يعلم أنه لا تذلّ العرب حتى تذل قريش، ولا تنقاد البلاد حتى تنقاد مكّة، فكان يتشوف لفتحها، ولكن كان يمنعه من ذلك العهود التي أعطاها قريشا في الحديبية، وهو سيد من وفّى. ولكن إذا أراد الله أمرا هيّأ أسبابه، فقد علمت أن قبيلة خزاعة دخلت في عهد رسول الله، وقبيلة بني بكر دخلت في عهد قريش، وكان بين خزاعة وبني بكر دماء في الجاهلية كمنت «٢» نارها بظهور الإسلام، فلمّا حصلت الهدنة، وقف رجل من بني بكر «٣» يتغنّى بهجاء الرسول ﷺ على مسمع من رجل خزاعي، فقام هذا وضربه فحرّك ذلك كامن الأحقاد، وتذكّر بنو بكر ثأرهم فشدّوا العزيمة لحرب خصومهم، واستعانوا بأوليائهم من قريش، فأعانوهم سرا بالعدّة والرجال، ثم توجّهوا إلى خزاعة وهم امنون، فقتلوا منهم ما يربو على العشرين، ولما رأى ذلك حلفاء السيد الأمين أرسلوا منهم وفدا برياسة عمرو بن سالم الخزاعي «٤» ليخبر
стр. 193
رسول الله بما فعل بهم بنو بكر وقريش، فلمّا حلّوا بين يديه، وأخبروه قال: والله لأمنعنكم مما أمنع نفسي منه، أما قريش فإنهم لما رأوا أن ما عملوه نقض للعهود التي أخذت عليهم ندموا على ما فعلوا، وأرادوا مداواة هذا الجرح، فأرسلوا قائدهم أبا سفيان بن حرب إلى المدينة ليشدّ العقد «١» ويزيد في المدة، فركب راحلته- وهو يظن أنه لم يسبقه أحد، حتى إذا جاء المدينة، نزل على أمّ المؤمنين أم حبيبة بنته، وقد أراد أن يجلس على فراش رسول الله فطوته عنه، فقال يا بنيّة:
أرغبت به عني أم رغبت بي عنه؟ فقالت: ما كان لك أن تجلس على فراش رسول الله وأنت مشرك نجس، فقال: لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج من عندها، وأتى النبي في المسجد، وعرض عليه ما جاء له فقال له ﵊: هل كان من حدث؟ قال: لا، فقال ﵊: فنحن على مدتنا وصلحنا، ولم يزد عن ذلك. فقام أبو سفيان ومشى إلى أكابر المهاجرين من قريش لعلّهم يساعدونه على مقصده، فلم يجد منهم معينا وكلهم قالوا: جوارنا في جوار رسول الله فرجع إلى قومه ولم يصنع شيئا، فاتهموه بأنه خانهم واتّبع الإسلام، فتنسّك عند الأوثان لينفي عن نفسه هذه التهمة.
أما رسول الله ﷺ فتجهّز للسفر، وأمر أصحابه بذلك، وأخبر الصدّيق بالوجهة فقال له: يا رسول الله أوليس بينك وبين قريش عهد؟ قال: نعم ولكن غدروا ونقضوا. ثم استنفر ﵊ الأعراب الذين حول المدينة، وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليحضر رمضان بالمدينة» ، فقدم جمع من قبائل أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهنية، وطوى ﵊ الأخبار عن الجيش كيلا يشيع الأمر، فتعلّم قريش فتستعد للحرب، والرسول ﵊ لا يريد أن يقيم حربا بمكّة بل يريد انقياد أهلها مع عدم المساس بحرمتها، فدعا مولاه جلّ ذكره وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها «٢» في بلادها» فقام حاطب بن أبي بلتعة أحد الذين شهدوا بدرا، وكتب كتابا لقريش يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، وأرسله مع جارية لتوصله إلى قريش على جعل، فأعلم الله رسوله ذلك، فأرسل في أثرها عليا والزبير والمقداد وقال:
стр. 194
انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ «١» ، فإن بها ظعينة «٢» معها كتاب فخذوه منها، فانطلقوا حتى أتوا الروضة، فوجدوا بها المرأة، فقالوا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب! فقالوا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عقاصها «٣» ، فأتوا به رسول الله فقال ﵊: يا حاطب ما هذا؟
قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، إني كنت حليفا لقريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتّخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضاء بالكفر بعد الإسلام، فقال ﵊: أما أنه قد صدقكم، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدرا وما يدر بك لعلّ الله اطّلع على من شهد بدرا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم «٤» ، وفي ذلك أنزل الله سورة الممتحنة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ «٥» ثم سار ﵊ بهذا الجيش العظيم في منتصف رمضان بعد أن ولّى على المدينة ابن أم مكتوم «٦» وكانت عدّة الجيش عدّة الجيش عشرة الاف مجاهد، ولما وصل الأبواء لقيه اثنان كانا من أشدّ أعدائه: وهما ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شقيق عبيدة بن الحارث شهيد بدر، وصهره عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة «٧» شقيق زوجه أم سلمة وكانا يريدان الإسلام فقبلهما ﵊ وفرح بهما شديد الفرح
стр. 195
وقال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ «١» ولمّا وصل ﵊ الكديد «٢» رأى أن الصوم شق على المسلمين، فأمرهم بالفطر، وأفطر هو أيضا، وقد قابل ﵊ في الطريق عمه العباس ابن عبد المطلب مهاجرا بأهله وعياله، فأمره أن يعود معه إلى مكّة ويرسل عياله إلى المدينة.
ولمّا وصل ﵊ مرّ الظهران أمر بإيقاد عشرة الاف نار، وكانت قريش قد بلغهم أن محمّدا زاحف بجيش عظيم لا تدري وجهته، فأرسلوا أبا سفيان بن حرب «٣» وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرّ الظهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه لكأنها نيران عرفة! فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو «٤» ، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك، فراهم ناس من حرس رسول الله فأدركوهم، فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله، فأسلم أبو سفيان، فلمّا سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند خطم الخيل «٥» ، حتى ينظر إلى المسلمين، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، وهو يسأل، ويقول مالي ولها، حتى إذا مرّت به قبيلة الأنصار وحامل رايتها سعد بن عبادة فقال سعد: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة «٦» ، اليوم تستحلّ الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس حبّذا يوم الذّمار «٧» ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب «٨» فيها رسول الله وأصحابه، وحامل الراية الزبير بن العوّام، فأخبر أبو سفيان رسول الله بمقالة سعد، فقال ﵊ كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه
стр. 196
الكعبة «١» ثم أمر ﵊ أن تركز رايته بالحجون «٢» وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكّة من كديّ «٣» ودخل هو من أعلاها من كداء، ونادى مناديه: من دخل داره وأغلق بابه فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو امن «٤» ، وهذه أعظم منّة له، واستثنى من ذلك جماعة عظمت ذنوبهم، واذوا الإسلام وأهله عظيم الأذى، فأهدر دمهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة منهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي أسلم وكتب لرسول الله الوحي ثم ارتدّ، وافترى الكذب على الأمين المأمون، فكان يقول: إن محمّدا كان يأمرني أن أكتب عليم حكيم فأكتب غفور رحيم، فيقول: كل جيد،! ومنهم عكرمة ابن أبي جهل وصفوان بن أمية، وهبار بن الأسود، والحارث بن هشام، وزهير بن أمية وكعب بن زهير «٥» ووحشي قاتل حمزة، وهند بنت عتبة زوج أبي سفيان وقليل غيرهم، ونهى عن قتل واحد سوى هؤلاء إلّا من قاتل، فأما جيش خالد بن الوليد فقابله الذعر من قريش يريدون صدّه، فقاتلهم وقتل منهم أربعة وعشرين، وقتل من جيشه اثنان، ودخلها عنوة من هذه الجهة، وأما جيش رسول الله ﷺ فلم يصادف مانعا، وهو ﵊ راكب راحلته منحن على الرحل، تواضعا لله، وشكرا له على هذه النعمة حتى تكاد جبهته تمسّ الرحل، وأسامة بن زيد رديفه، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان حتى وصل إلى الحجون موضع رايته، وقد نصبت له هناك قبة فيها أمّ سلمة وميمونة، فاستراح قليلا، ثم سار وبجانبه أبو بكر يحادثه، وهو يقرأ سورة الفتح حتى بلغ البيت، وطاف سبعا على راحلته، واستلم الحجر بمحجنه، وكان حول الكعبة إذ ذاك ثلاثمائه وستون صنما، فجعل ﵊ يطعنها بعود في يده، ويقول:
стр. 197
جاء الحق وزهق الباطل وما يبدىء الباطل وما يعيد «١» ، ثم أمر بالالهة فأخرجت من البيت وفيها صورة اسماعيل وإبراهيم في أيديهما الأزلام، فقال ﵊: قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قطّ!! وهذا أول يوم طهّرت فيه الكعبة من هذه المعبودات الباطلة، وبطهارة الكعبة المقدسة عند جميع العرب، باديها وحاضرها من هذه الأدناس سقطت عبادة الأوثان من جميع بلاد العرب إلّا قليلا. ويوشك أن نذكر للقارىء اختفاء اثارها ومحو عبادتها بالكلية.
العفو عند المقدرة
ثم إن النبي ﷺ دخل الكعبة وكبّر في نواحيها، ثم خرج إلى مقام إبراهيم، وصلّى فيه، ثم شرب من زمزم، وجلس في المسجد والناس حوله والعيون شاخصة إليه ينتظرون ما هو فاعل بمشركي قريش الذين اذوه، وأخرجوه من بلاده وقاتلوه، ولكن هنا تظهر مكارم الأخلاق التي يلزم أن يتعلّم منها المسلم، أن يكون رضاه وغضبه لله لا لهوى النفس، فقال ﵊: «يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم» ؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال ﵊: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، ويرحم الله الإمام البوصيري حيث قال:
وإذا كان القطع والوصل لله ... تساوى التّقريب والإقصاء
وسواء عليه فيما أتاه ... من سواه الملام والإطراء
ولو أن انتقامه لهوى النف ... س لدامت قطيعة وجفاء
قام لله في الأمور فأرضى الله ... منه تباين ووفاء
فعله كله جميل وهل ينض ... ح إلّا بما حواه الإناء
ثم خطب ﵊ خطبة أبان فيها كثيرا من الأحكام الإسلامية منها ألّا يقتل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل ملّتين مختلفتين، ولا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، والبيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر، ولا تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلّا مع ذي محرم، ولا صلاة بعد الصبح والعصر، ولا يصام يوم الأضحى ويوم الفطر، ثم قال: «يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالاباء، والناس من ادم وادم من تراب، ثم تلا هذه الاية
стр. 198
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «١» ثم شرع الناس يبايعون رسول الله ﷺ على الإسلام، وممن أسلم في هذا اليوم معاوية بن أبي سفيان وأبو قحافة «٢» والد الصديق، وقد فرح الرسول كثيرا بإسلامه. وجاء رجل يرتعد خوفا فقال له ﵊:
«هوّن عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امراة من قريش كانت تأكل القديد» «٣» .
أما الذين أهدر رسول الله دمهم فقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فمنهم من حقّت عليه كلمة العذاب فقتل، ومنهم من أدركته عناية الله فأسلم: فعبد الله بن سعد بن أبي سرح لجأ إلى أخيه من الرضاع عثمان بن عفّان، وطلب منه أن يستأمن له رسول الله، فغيّبه عثمان حتى هدأ الناس، ثم أتى به النبي وقال: يا رسول الله قد أمنّته فبايعه، فأعرض عنه ﵊ مرارا ثم بايعه، فلمّا خرج عثمان وعبد الله قال ﵊، أعرضت عنه ليقوم إليه أحدكم فيضرب عنقه، فقالوا: هلّا أشرت إلينا؟ فقال: لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين «٤» .
وأما عكرمة بن أبي جهل فهرب فخرجت وراءه زوجته وبنت عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت قد أسلمت قبل الفتح «٥» ، وقد أخذت له أمانا من رسول الله فلحقته، وقد أراد أن يركب البحر «٦» فقالت: جئتك من عند أبرّ الناس وخيرهم، لا تهلك نفسك، وإني قد استأمنته لك فرجع، ولما راه ﵊ وثب قائما فرحا به، وقال: مرحبا بمن جاءنا مهاجرا مسلما، ثم أسلم ﵁، وطلب من رسول الله أن يستغفر له كل عداوة عاداه إياها فاستغفر
стр. 199
له، وكان رضى الله عنه بعد ذلك من خيرة المسلمين وأغيرهم على الإسلام «١» .
وأما هبار بن الأسود فهرب واختفى حتى إذا كان رسول الله بالجعرانة «٢» جاءه مسلما، وقال: يا رسول الله هربت منك وأردت اللحاق بالأعاجم ثم ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمّن جهل عليك، وكنا يا رسول الله أهل شرك فهدانا الله بك، وأنقذنا من الهلكة فاصفح الصفح الجميل، فقال ﵊:
قد عفوت عنك.
وأما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزومي، فأجارتهما أم هانىء بنت أبي طالب، فأجاز ﵊ جوارها، ولما قابل رسول الله الحارث بن هشام مسلما قال له الحمد الله الذي هداك ما كان مثلك يجهل الإسلام، وقد كان بعد ذلك من فضلاء الصحابة.
وأما صفوان بن أمية فاختفى وأراد أن يذهب ويلقي نفسه في البحر، فجاء ابن عمه عمير بن وهب الجمحي وقال: يا نبيّ الله إن صفوان سيد قومه، هرب ليقذف نفسه في البحر، فأمّنه فإنك قد أمّنت الأحمر والأسود، فقال ﵊: أدرك ابن عمك فهو امن، فقال: أعطني علامة فأعطاه عمامته، فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان قال له: فداك أبي وأمي، جئتك من عند أفضل الناس، وأبرّ الناس وأحلم الناس وخير الناس، وهو ابن عمك، وعزّه عزّك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال صفوان: إني أخاف على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، وأراه العمامة علامة الأمان، فرجع إلى رسول الله وقال له: إن هذا يزعم أنك أمّنتني؟ قال: صدق، قال: أمهلني بالخيار فيه شهرين، قال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر، ثم أسلم ﵁ وحسن إسلامه.
وأما هند بنت عتبة فاختفت ثم أسلمت، وجاءت إلى رسول الله فرحب بها، وقالت له: والله يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك ثم ما أصبح اليوم أهل خباء أحبّ إلي أن يعزوا من أهل خبائك «٣» .
стр. 200
وفود كعب بن زهير
وأما كعب بن زهير فلمّا ضاقت به الأرض، ولم يجد له مجيرا جاء المدينة بعد أن قدّمها رسول الله من مكّة «١» ، فأسلم وأنشد قصيدته التي يقول فيها:
وقال كلّ صديق كنت امله ... لا ألهينّك «٢» إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلي لا أبالكم «٣» ... فكلّ ما قدّر الرّحمن مفعول
كلّ ابن انثى وإن طالت سلامته ... يوما على الة «٤» حدباء محمول
نبّئت أنّ رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة «٥» ال ... قران فيها مواعيظ وتفصيل
وقال فيها مادحا:
إنّ الرسول لسيف يستضاء به ... مهنّد من سيوف الله مسلول
ولمّا قال هذا البيت خلع عليه الرسول بردته.
وأما وحشي قاتل حمزة، فكذلك أسلم وحسن إسلامه، وقبله ﵊، وقد جاءه ابنا أبي لهب عتبة ومعتب فأسلما وفرح بهما ﵊.
وكان من الذين اختفوا سهيل بن عمرو، فاستأمن له ابنه عبد الله فأمّنه ﵊، وقال: إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل يجهل الإسلام، فلمّا بلغت هذه المقالة سهيلا قال: كان والله برّا صغيرا برّا كبيرا ثم أسلم بعد ذلك.
стр. 201
بيعة النساء
هذا، ولما تمّت بيعة الرجال بايعه النساء، وكن يبايعن على ألّا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصين الرسول في معروف «١» .
ثم أمر ﵇ بلالا أن يؤذّن على ظهر الكعبة، وهذا بدء ظهور الإسلام على ظهر البيت الكريم، فلا عجب أن اتّخذ المسلمون هذا اليوم عيدا يحمدون فيه الله حقّ حمده على هذه النعمة الكبرى والنصر العظيم، وأقام ﵊ بمكّة بعد فتحها تسعة عشر يوما كل يوم يقصر فيها الصلاة، وولّى عليها عتّاب بن أسيد «٢» وجعل رزقه كل يوم درهما فكان عتاب ﵁ يقول: لا أشبع الله بطنا جاع على درهم كلّ يوم.
هدم العزّى
وفي الخامس من مقامه ﵊ بمكّة أرسل خالد بن الوليد في ثلاثين فارسا لهدم هيكل العزى وهي أكبر صنم لقريش وكان هيكلها ببطن نخلة، فتوجّه إليها خالد وهدمها.
هدم سواع
وأرسل ﵇ عمرو بن العاص لهدم سواع وهو أعظم صنم لهذيل وهيكله على ثلاثة أميال من مكّة فذهب إليه وهدمه.
هدم مناة
وبعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا لهدم مناة وهي صنم لكلب وخزاعة وهيكلها بالمشلّل وهو جبل على ساحل البحر يهبط منه إلى قديد فتوجّهوا إليها وهدموها.
стр. 202
غزوة حنين «١»
بهذا الفتح العظيم وسقوط دولة الأوثان دانت للإسلام جموع العرب ودخلوا فيه أفواجا. أما قبيلتا هوازن وثقيف فأدركتهما حميّة الجاهلية، واجتمع الأشراف منهما للشورى، وقالوا: قد فرغ محمّد من قتال قومه ولا ناهية له عنا، فلنغزه قبل أن يغزونا. فأجمعوا أمرهم على ذلك، وولّوا رياستهم مالك بن عوف النّصري، فاجتمع له من القبائل جموع كثيرة فيهم بنو سعد بن بكر الذين كان رسول الله مسترضعا فيهم، وكان في القوم دريد بن الصّمّة المشهور بأصالة الرأي، وشدّة البأس في الحرب، ولتقدم سنّه لم يكن له في هذه الحرب إلّا الرأي، ثم إن مالك ابن عوف أمر الناس أن يأخذوا معهم نساءهم وذراريهم وأموالهم، فلمّا علم بذلك دريد سأل مالكا عن السبب، فقال: سقت مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم لأجعل خلف كل رجل أهله وماله يقاتل عنهم. فقال دريد: وهل يردّ المنهزم شيء؟ إن كانت لك لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فلم يقبل مالك مشورته، وجعل النساء صفوفا وراء المقاتلة، ووراءهم الإبل، ثم البقر، ثم الغنم كيلا يفر أحد المقاتلين.
أما رسول الله ﷺ فإنه لما بلغه أن هوازن وثقيف يستعدون لحربه، أجمع رأيه على المسير إليهم، وخرج معه اثنا عشر ألف غاز، ومنهم ألفان من أهل مكة، والباقون هم الذين أتوا معه من المدينة، وخرج أهل مكة ركبانا ومشاة حتى النساء يمشين من غير ضعف يرجون الغنائم، وخرج في الجيش ثمانون من المشركين، منهم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، ولما قرب الجيش من معسكر العدو صفّ ﵊ الغزاة، وعقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لعليّ بن أبي طالب، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن حضير، وكذلك أعطى ألوية القبائل العرب الاخرى، ثم ركب ﵊ بغلته، ولبس درعين والبيضة «٢» والمغفر «٣» . هذا، وقد أعجب
стр. 203
المسلمون بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئا فإن مقدمة المسلمين توجّهت جهة العدو، فخرج لهم كمين كان مستترا في شعاب الوادي ومضايقه، وقابلهم بنبل كأنه الجراد المنتشر، فلووا أعنّة خيلهم متقهقرين، ولما وصلوا إلى من قبلهم تبعوهم في الهزيمة لما لحقهم من الدهشة، أما رسول الله ﷺ فثبت على بغلته في ميدان القتال، وثبت معه قليل من المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحارث «١» وأخوه ربيعة بن الحارث ومعتّب بن أبي لهب، وكان العباس اخذا بلجام البغلة «٢» ، وأبو سفيان اخذ بالركاب، وكان ﵊ ينادي: إليّ أيها الناس، ولا يلوي عليه أحد، وضاقت بالمنهزمين الأرض بما رحبت. أما رجال مكّة الذين هم حديثو عهد بالإسلام والذين لم ينزعوا عنهم ربقة الشرك فمنهم من فرح، ومنهم من ساءه هذا الإدبار، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وقال أخ لصفوان بن أمية: الان بطل السحر، فقال له صفوان وهو على شركه أسكت فضّ الله فاك «٣» ! والله لأن يربّني «٤» رجل من قريش خير من أن يربّني رجل من هوازن. ومرّ عليه رجل من قريش وهو يقول: أبشر بهزيمة محمّد وأصحابه، فو الله لا يجبرونها أبدا، فغضب صفوان وقال: ويلك أتبشرني بظهور الأعراب؟ وقال عكرمة بن أبي جهل لذاك الرجل: كونهم لا يجبرونها أبدا ليس بيدك، الأمر بيد الله ليس إلى محمّد منه شيء أن أديل عليه «٥» اليوم، فإن العاقبة له غدا. فقال سهيل بن عمرو: والله إن عهدك بخلافه لحديث، فقال له: يا أبا يزيد إنّا كنا على غير شيء وعقولنا ذاهبة نعبد حجرا لا يضر ولا ينفع. وبلغت هزيمة بعض الفارّين مكّة. كلّ هذا ورسول الله واقف مكانه يقول:
стр. 204
أنا النبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
«١» ثم قال للعباس وكان جهوريّ الصوت: ناد بالأنصار يا عباس، فنادى يا معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الرضوان، فأسمع من في الوادي، وصار الأنصار يقولون: لبّيك لبّيك، ويريد كل واحد منهم أن يلوي عنان بعيره، فيمنعه من ذلك كثرة الأعراب المنهزمين، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، وينزل عن بعيره، ويخلي سبيله ويؤمّ الصوت حتى اجتمع حول رسول الله جمع عظيم منهم. وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا لم يروها «٢» فكرّ المسلمون على عدوهم يدا واحدة، فانتكث فتل المشركين، وتفرّقوا في كل وجه لا يلوون على شيء من الأموال والنساء والذراري، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فأخذوا النساء والذراري، وأسروا كثيرا من المحاربين، وهرب من هرب، وجرح في هذا اليوم خالد بن الوليد جراحات بالغة، وأسلم ناس كثيرون من مشركي مكّى لما رأوه من عناية الله بالمسلمين.
هذا، والذي حصل في هذه الغزوة درس مهمّ في دروس الحرب، فإن هذا الجيش دخله أخلاط كثيرون من مشركين وأعراب وحديثي عهد بالإسلام، هؤلاء سيّان عندهم نصر الإسلام وخذلانه، ولذلك بادروا لأول صدمة إلى الهزيمة، وكادت تتم الكلمة على المسلمين لولا فضل الله، فلا ينبغي أن يكون في الجيش إلّا من يقاتل خالصا مخلصا من قلبه، ليكون مدافعا حقّا عن دينه، فلا تميل نفسه إلى الفرار خشية ما أعده الله للفارين من أليم العقاب.
ثم أمر ﵊ بجمع السبي والغنائم، وكانت نحو أربعة وعشرين ألف بعير، وأكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة الاف أوقية من الفضة، فجمع ذلك كله بالجعرانة «٣» . أما المشركون فتفرّقوا ثلاث فرق: فرقة لحقت
стр. 205
بالطائف، وفرقة لحقت بنخلة، وفرقة عسكرت بأوطاس» .
سرية
«٢» فأرسل ﵊ لهذه الفرقة أبا عامر الأشعري في جماعة منهم أبو موسى الأشعري «٣» فسار إليهم وبددّهم، وظفر بما بقي معهم من الغنائم، وقد استشهد أبو عامر «٤» في هذه الغزوة، وخلّف على الغزاة ابن أخيه أبا موسى فرجع ظافرا منصورا.
غزوة الطائف «٥»
وسار ﵊ بمن معه إلى الطائف، ليجهز على بقية حياة ثقيف، ومن تجمّع معهم من هوازن، وجعل على مقدمته خالد بن الوليد، ومرّ ﵊ بحصن لعوف بن مالك النّصري «٦» فأمر بهدمه، ومرّ ببستان لرجل من ثقيف قد تمنّع فيه، فأرسل إليه أن أخرج، وإلّا حرّقنا عليك بستانك، فامتنع الرجل فأمر ﵊ بحرقه. ولما وصل المسلمون إلى الطائف وجدوا الأعداء قد تحصّنوا به، وأدخلوا معهم قوت سنتهم. فعسكر المسلمون قريب الحصن، فرماهم المشركون بالنّبل رميا شديدا حتى أصيب منهم كثيرون بجراحات منهم عبد الله بن أبي بكر. وقد طاوله جرحه حتى أماته في خلافة أبيه، ومنهم أبو سفيان بن حرب فقئت عينه، وقد مات بالجراحات اثنا عشر رجلا من
стр. 206
المسلمين «١» . ولمّا رأى رسول الله أنّ العدو متمكّن من رميهم، ارتفع إلى محل مسجد الطائف الان، وضرب لأم سلمة وزينب قبتين هناك، واستمرّ الحصار ثمانية عشر يوما، كان فيها ينادي خالد بن الوليد بالبراز فلم يجبه أحد، وناداه عبد ياليل عظيم ثقيف لا ينزل إليك منّا أحد. ولكن نقيم في حصننا، فإنّ فيه من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى يفنى هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن اخرنا، فأمر ﵊ بأن ينصب عليهم المنجنيق «٢» فنصب. ودخل جمع من الأصحاب تحت دبابتين «٣» لينقبوا الحصن، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار حتى أرجعوهم. فأمر ﵊ أن تقطع أعنابهم ونخيلهم، فقطع المسلمون فيها قطعا ذريعا، فناداه أهل الحصن أن دعها لله وللرحم، فقال: أدعها لله وللرحم. ثم أمر من ينادي بأن كل من ترك الحصن ونزل فهو امن، فخرج إليه بضعة عشر رجلا. ولما رأى ﵊ أن تمنّع ثقيف شديد، وأن الفتح لم يؤذن فيه استشار نوفل بن معاوية الديلي «٤» في الذهاب أو المقام، فقال: يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت أخذته وأن تركته لم يضرّك، فأمر ﵊ بالرحيل «٥» وطلب منه بعض الصحابة أن يدعو على ثقيف فقال: «اللهم أهد ثقيفا وائت بهم مسلمين» «٦» .
стр. 207
تقسيم السبي
ثم رجع ﵊ إلى الجعرانة حيث ترك السبي فأحصاه، وخمّسه وأعطى منه شيئا كثيرا لأناس ضعف إسلامهم يتألّفهم بذلك، وأعطى أناسا لم يسلموا ليحبّب إليهم الإسلام، ومن الأوّلين: أبو سفيان أعطاه أربعين أوقية من الذهب ومائة من الإبل، وكذلك ابناه معاوية ويزيد، فقال له: بأبي أنت وأمي لأنت كريم في السلم والحرب. ومنهم حكيم بن حزام أعطاه كأبي سفيان فاستزاده فأعطاه. ثم استزاده فأعطاه مثلها. وقال: «يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السّفلى «١» فأخذ حكيم المائة الأولى وترك ما عداها، ثم قال: والذي بعثك بالحقّ لا أرزأ أحدا «٢» بعدك شيئا حتى أفارق الدّنيا، فكان الخلفاء بعد رسول الله يعرضون عليه العطاء. الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه. وأعطى ﵊ عيينة بن حصن مائة من الإبل، وكذلك الأقرع بن حابس «٣» والعباس بن مرداس «٤» وأعطى صفوان ابن أمية شعبا مملوا نعما وشاء، كان راه يرمقه «٥» فقال له: هل يعجبك هذا؟ قال نعم، قال: هو لك. فقال صفوان: ما طابت بمثل هذا نفس أحد، وكان سبب إسلامه «٦» . وكان ﵊ يقصد من هذه العطايا تأليف القلوب وجمعها على الدين القويم، وهذا ضرب من ضروب السياسة الدينية حتى جعل من الصدقات قسما للمؤلفة قلوبهم، وقد عاد ذلك بفائدة عظمى، فإن كثيرين ممّن
стр. 208
أعطوا في هذا اليوم ولم يكونوا أشربوا في قلوبهم حبّ الإسلام صاروا بعد من أجّلاء المسلمين، وأعظمهم نفعا كصفوان بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، والحارث بن هشام وغيرهم.
ثم أمر ﵊ زيد بن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم، وقسّمه على الغزاة بعد أن اجتمع إليه الأعراب، وصاروا يقولون له: اقسم علينا حتى ألجؤوه إلى شجرة فتعلق رداؤه فقال «ردّوا ردائي أيها الناس، فو الله إن كان لي شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا» ثم قام إلى بعيره، وأخذ وبرة من سنامه، وقال: «أيها الناس، والله مالي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلّا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدّوا الخياط والمخيط، فإن الغلول «١» يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة» فصار كل من أخذ شيئا من الغنائم خلسة يرده ولو كان زهيدا، ثم شرع يقسم فأصاب الرجل أربعة من الإبل وأربعون شاة، والفارس ثلاثة أمثال ذلك، فقال رجل من المنافقين «٢» : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب ﵊ حتى أحمر وجهه، وقال: «ويحك من يعدل إذا لم أعدل؟!» «٣» فلم يؤده غضبه أن ينتقم لنفسه حاشاه ﵊ من ذلك بل لم يزد على أن نصح وحذّر، وقال له عمر وخالد بن الوليد: دعنا يا رسول الله نضرب عنقه، فقال: لا! لعلّه أن يكون يصلّي، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال ﷺ :
إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس «٤» ولا أشق عن بطونهم.
ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب، وترك الأنصار غضب بعضهم حتى قالوا: إن هذا لهو العجب يعطي قريشا. ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم!!! فبلغه ذلك فأمر بجمعهم وليس معهم غيرهم. فلمّا اجتمعوا قال: «يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم أجدكم ضلّالا فهداكم
стр. 209
الله بي؟ وعالة «١» فأغناكم الله بي؟ وأعداء فألّف الله بين قلوبكم بي؟ إن قريشا حديثو عهد بكفر ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأ تألّفهم، أغضبتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا ألّفت به قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يزلزل؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمّد بيده، لولا الهجرة لكنت امرا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار «٢» ، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار» «٣» . فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، ثم انصرف ﵊ وتفرّقوا.
وفود هوازن
وبعد بضعة عشرة ليلة جاءه ﷺ وفد هوازن يرأسهم زهير بن صرد وقالوا: يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والعمّات والخالات، وهنّ مخازي الأقوام، ونرغب إلى الله وإليك يا رسول الله، وقال زهير أن في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ثم قال أبياتا يستعطفه بها:
امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك مملوءة من مخضها الدّرر
انّا لنشكر للنعماء إن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر
انّا نؤمّل عفوا منك نلبسه ... هذي البريّة أن تعفو وتنتصر
فالبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إنّ العفو مشتهر
فقال ﷺ : إن أحبّ الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين أما السبي وإما المال. وقد كنت انتظرتكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، أردد علينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال ﷺ : «أما مالي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا أنا
стр. 210
صليت الظهر فقوموا وقولوا: نحن نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله بعد أن تظهروا إسلامكم وتقولوا: نحن إخوانكم في الدّين» ، ففعلوا. فقال ﷺ لاصحابه: «أما بعد فإنّ إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أردّ عليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل» «١» ، فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله. وامتنع من ذلك جماعة من الأعراب كالأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والعباس بن مرداس، فأخذه الرسول منهم قرضا، وأمر ﷺ بأن تحبس عائلة مالك بن عوف النصري رئيس تلك الحرب بمكّة عند عمتهم أمّ عبد الله بن أمية. فقال له الوفد: أولئك سادتنا، فقال ﷺ :
إنما أريد بهم الخير، ثم سأل عن مالك فقالوا: هرب مع ثقيف، فقال: أخبروه أنه إن جاءني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل، فلمّا بلغ ذلك مالكا نزل من الحصن خفية حتى أتى رسول الله بالجعرانة فأسلم وأحرز ماله، واستعمله ﵊ على من أسلم من هوازن.
عمرة الجعرانة
ثم إنّ الرسول ﷺ اعتمر فأحرم من الجعرانة ودخل مكّة بليل، فطاف واستلم الحجر ثم رجع من ليلته، وكانت إقامته بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، ثم أمر ﵊ بالرّحيل، فسار الجيش امنا مطمئنا حتى دخل المدينة لثلاث بقين من ذي القعدة.
وغزوة حنين هي التي فرّق الله بها جموع الشرك، وأدال دولته، وأفقد سراة أهله، فإن هوازن لم تترك وراءها رجلا تمكّنه الحرب إلّا ساقته، ولم تترك لها بعيرا ولا شاة إلّا جاءت به معها، فأراد الله إعزاز الإسلام بخذلان أعدائه، وأخذ أموالهم، فانكسرت حدّة المشركين، ولم يبق فيهم من يمانع أو يدافع، ولذلك يمكننا أن نقول: إن انكسار هوازن كان خاتمة لحروب العرب، فلم يبق فيهم إلّا فئات قليلة يسوقهم الطيش إلى شهر السلاح، ثم لا يلبثون أن يغمدوا السيوف حينما تظهر لهم قوة الحقّ الساطعة.
стр. 211
سرية «١»
ولما رجع ﵊ إلى المدينة أرسل قيس بن سعد في أربعمائة ليدعو صداء- قبيلة تسكن اليمن- إلى الإسلام، فجاء إلى رسول الله رجل منهم، فقال يا رسول الله: إني جئتك وافدا عمن ورائي، فاردد الجيش وأنا لك بقومي، فأمر ﵊ بردّ الجيش.
وفود صداء
وخرج الرجل إلى قومه فقدم بخمسة عشر رجلا منهم، فنزلوا ضيوفا على سعد بن عبادة. ثم بايعوا رسول الله على الإسلام، وقالوا: نحن لك على من وراءنا من قومنا، ولما رجعوا فشا فيهم الإسلام، وقدم على رسول الله منهم مائة في حجة الوداع.
سرية «٢»
ثم أرسل ﵊ بشر بن سفيان العدوي إلى بني كعب من خزاعة لأخذ صدقات أموالهم، فمنعهم بنو تميم المجاورة لهم من أداء ما فرض عليهم، فلمّا علم بذلك رسول الله أرسل إليهم عيينة بن حصن «٣» في خمسين فارسا من الأعراب فجاءهم وحاربهم، وأخذ منهم أحد عشر رجلا وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيا، وتوجّه بالكل إلى المدينة، فأمر عليه الصلاة السلام بجعلهم في دار رملة بنت الحارث «٤» .
وفود تميم
فجاء في أثرهم وفد تميم وفيه عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر «٥» وعمرو
стр. 212
ابن الأهتم، فجلسوا ينتظرون الرسول، فلمّا أبطأ عليهم نادوا من وراء الحجرات بصوت جاف: يا محمد اخرج إلينا نفاخرك، فإنّ مدحنا زين، وأن ذمّنا شين، فخرج إليهم ﵊، وقد تأذّى من صياحهم، وفيهم نزل في أوائل سورة الحجرات إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» وكان الوقت وقت الظهر، فأذن بلال، ودخل النّبي للصلاة، فتعلّقوا به يقولون: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال لهم ﵊: «ما بالشعر بعثنا ولا بالفخار أمرنا» ثم صلّى واجتمع حوله رجال الوفد يتفاخرون بمجدهم ومجد ابائهم، وقد مدح عمرو بن الأهتم الزبرقان بن بدر، فقال: إنه لمطاع في أنديته سيد في عشيرته، فقال: الزبرقان: حسدني يا رسول الله لشرفي، وقد علم أفضل مما قال. فقال عمرو: إنه لزمر المروءة، ضيّق العطن»
، أحمق الأب، لئيم الخال، فرئي الغضب في وجه رسول الله ﷺ ، لاختلاف قولي عمرو، فقال يا رسول الله: لقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الثانية، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أسوأ ما علمت. فقال ﵊ «إن من البيان لسحرا «٣» » ثم أسلم القوم فردّ النّبيّ ﵊ عليهم أسراهم، وأحسن جائزتهم، وأقاموا مدّة يتعلمون فيها القران، ويتفقهون في الدّين.
سرية «٤»
ثم بعث ﵊ الوليد بن عقبة بن أبي معيط «٥» لأخذ صدقات بني المصطلق، فلمّا علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلا متقلدين سلاحهم
стр. 213
احتفالا بقدومه، ومعهم إبل الصدقة، فلمّا نظرهم ظنّهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم من العداوة في الجاهلية، فرجع مسرعا إلى المدينة، وأخبر الرسول ﷺ أنّ القوم ارتدوا ومنعوا الزكاة، فأرسل لهم خالد بن الوليد لاستكشاف الخبر، فسار إليهم في عسكر خفية حتى إذا كان بناديهم سمع مؤذنهم يؤذن بالصبح، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلّا طاعة، فرجع وأخبر الرسول ﷺ ، فأرسل ﵊ لهم غير الوليد لأخذ الصدقات، وفي الوليد نزل في أوائل الحجرات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ «١» .
سرية «٢»
ثم بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من الحبشة راهم أهل جدّة في مراكبهم يريدون الإغارة عليها، فأرسل لهم علقمة بن مجزّر «٣» في ثلاثمائة. فذهب حتى وصل جدة، ونزل في المراكب ليدركهم، وكان الأحباش متحصّنين في جزيرة هناك، فلمّا رأوا المسلمين يريدونهم هربوا، ولم يلق المسلمون كيدا، فرجع علقمة بمن معه. ولما كان بالطريق أذن لسرعان القوم أن يتعجلوا، وأمّر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي، وكان فيه دعابة «٤» ، فأوقد لهم في الطريق نارا، وقال لهم: ألستم مأمورين بطاعتي؟ قالوا: نعم، قال: عزمت عليكم إلّا ما تواثبتم في هذه النار، فقال بعضهم: ما أسلمنا إلّا فرارا من النار، وهمّ بذلك بعضهم فمنعهم عبد الله. وقال: كنت مازحا! فلمّا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٥» .
стр. 214
السنة التاسعة
سرية «١»
في ربيع الأول أرسل ﵊ علي بن أبي طالب في مائة راكب وخمسين فارسا لهدم الفلس «٢» - صنم لطيىء- فسار إليه وهدمه وأحرقه، ولما حارب عبّاده هزمهم واستاق نعمهم وشاءهم وسبيهم، وكان فيه سفّانة بنت حاتم طيىء «٣» . ولما رجع علي إلى المدينة طلبت سفّانة من رسول الله أن يمنّ عليها، فأجابها لأنه كان من سننه أن يكرم الكرام، فدعت له، وكان من دعائها «شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا مكانتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة ولا سلب نعمة كريم إلّا وجعلك سببا لردّها عليه» . وكانت هذه المعاملة من رسول الله سببا في إسلام أخيها عدي بن حاتم الطائي «٤» الذي كان فرّ إلى الشام عندما رأى الرايات الإسلامية قاصدة بلاده، وكان من حديث مجيئه أنّ أخته توجّهت إليه بالشام، وأخبرته بما عوملت به من الكرم، فقال لها: ما ترين في أمر هذا الرجل؟ فقالت: أرى أن تلحق به سريعا فإن يكن نبيّا فللسابق إليه فضل، وإن يكن ملكا فأنت أنت. قال: والله هذا هو الرأي.
стр. 215
وفود عدي بن حاتم
فخرج حتى جاء المدينة، ولقي رسول الله فقال ﵊: من الرجل؟ قال عدي بن حاتم، فأخذه إلى بيته وبينما يمشيان إذ لقيت رسول الله امرأة عجوز، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقال عدي: والله ما هو بملك. ثم مضى رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من جلد محشوّة ليفا فقدمها إلى عدي، وقال: اجلس على هذه، فقال: بل أنت تجلس عليها، فامتنع ﵊، وأعطاها له، وجلس هو على الأرض، ثم قال: يا عدي أسلم تسلم قالها ثلاثا، فقال عدي: إني على دين وكان نصرانيا فقال ﵊: أنا أعلم بدينك منك، فقال عدي: أأنت أعلم بديني منّي؟ قال:
نعم. ثم عدّد له أشياء كان يفعلها اتباعا لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء كأخذه المرباع وهو ربع الغنائم. ثم قال: يا عدي إنما يمنعك من الدخول في الدّين ما ترى، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قدرة لهم، وقد رمتهم العرب مع حاجتهم، فو الله ليوشكنّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلّة عددهم، أتعرف الحيرة؟ قال: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فو الله ليتمنّ هذا الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم «١» فأسلم عدي ﵁ وعاش حتى رأى كل ذلك.
غزوة تبوك «٢»
بلغ رسول الله ﷺ أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في بلاده، وكان ذلك