← Сира

Сира · id 23692

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

محمد الخضري

Полный текст (278 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

سرية «١» ولما رجع ﵊ إلى المدينة أرسل قيس بن سعد في أربعمائة ليدعو صداء- قبيلة تسكن اليمن- إلى الإسلام، فجاء إلى رسول الله رجل منهم، فقال يا رسول الله: إني جئتك وافدا عمن ورائي، فاردد الجيش وأنا لك بقومي، فأمر ﵊ بردّ الجيش. وفود صداء وخرج الرجل إلى قومه فقدم بخمسة عشر رجلا منهم، فنزلوا ضيوفا على سعد بن عبادة. ثم بايعوا رسول الله على الإسلام، وقالوا: نحن لك على من وراءنا من قومنا، ولما رجعوا فشا فيهم الإسلام، وقدم على رسول الله منهم مائة في حجة الوداع. سرية «٢» ثم أرسل ﵊ بشر بن سفيان العدوي إلى بني كعب من خزاعة لأخذ صدقات أموالهم، فمنعهم بنو تميم المجاورة لهم من أداء ما فرض عليهم، فلمّا علم بذلك رسول الله أرسل إليهم عيينة بن حصن «٣» في خمسين فارسا من الأعراب فجاءهم وحاربهم، وأخذ منهم أحد عشر رجلا وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيا، وتوجّه بالكل إلى المدينة، فأمر عليه الصلاة السلام بجعلهم في دار رملة بنت الحارث «٤» . وفود تميم فجاء في أثرهم وفد تميم وفيه عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر «٥» وعمرو

стр. 212

ابن الأهتم، فجلسوا ينتظرون الرسول، فلمّا أبطأ عليهم نادوا من وراء الحجرات بصوت جاف: يا محمد اخرج إلينا نفاخرك، فإنّ مدحنا زين، وأن ذمّنا شين، فخرج إليهم ﵊، وقد تأذّى من صياحهم، وفيهم نزل في أوائل سورة الحجرات إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» وكان الوقت وقت الظهر، فأذن بلال، ودخل النّبي للصلاة، فتعلّقوا به يقولون: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال لهم ﵊: «ما بالشعر بعثنا ولا بالفخار أمرنا» ثم صلّى واجتمع حوله رجال الوفد يتفاخرون بمجدهم ومجد ابائهم، وقد مدح عمرو بن الأهتم الزبرقان بن بدر، فقال: إنه لمطاع في أنديته سيد في عشيرته، فقال: الزبرقان: حسدني يا رسول الله لشرفي، وقد علم أفضل مما قال. فقال عمرو: إنه لزمر المروءة، ضيّق العطن» ، أحمق الأب، لئيم الخال، فرئي الغضب في وجه رسول الله ﷺ ، لاختلاف قولي عمرو، فقال يا رسول الله: لقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الثانية، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أسوأ ما علمت. فقال ﵊ «إن من البيان لسحرا «٣» » ثم أسلم القوم فردّ النّبيّ ﵊ عليهم أسراهم، وأحسن جائزتهم، وأقاموا مدّة يتعلمون فيها القران، ويتفقهون في الدّين. سرية «٤» ثم بعث ﵊ الوليد بن عقبة بن أبي معيط «٥» لأخذ صدقات بني المصطلق، فلمّا علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلا متقلدين سلاحهم

стр. 213

احتفالا بقدومه، ومعهم إبل الصدقة، فلمّا نظرهم ظنّهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم من العداوة في الجاهلية، فرجع مسرعا إلى المدينة، وأخبر الرسول ﷺ أنّ القوم ارتدوا ومنعوا الزكاة، فأرسل لهم خالد بن الوليد لاستكشاف الخبر، فسار إليهم في عسكر خفية حتى إذا كان بناديهم سمع مؤذنهم يؤذن بالصبح، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلّا طاعة، فرجع وأخبر الرسول ﷺ ، فأرسل ﵊ لهم غير الوليد لأخذ الصدقات، وفي الوليد نزل في أوائل الحجرات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ «١» . سرية «٢» ثم بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من الحبشة راهم أهل جدّة في مراكبهم يريدون الإغارة عليها، فأرسل لهم علقمة بن مجزّر «٣» في ثلاثمائة. فذهب حتى وصل جدة، ونزل في المراكب ليدركهم، وكان الأحباش متحصّنين في جزيرة هناك، فلمّا رأوا المسلمين يريدونهم هربوا، ولم يلق المسلمون كيدا، فرجع علقمة بمن معه. ولما كان بالطريق أذن لسرعان القوم أن يتعجلوا، وأمّر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي، وكان فيه دعابة «٤» ، فأوقد لهم في الطريق نارا، وقال لهم: ألستم مأمورين بطاعتي؟ قالوا: نعم، قال: عزمت عليكم إلّا ما تواثبتم في هذه النار، فقال بعضهم: ما أسلمنا إلّا فرارا من النار، وهمّ بذلك بعضهم فمنعهم عبد الله. وقال: كنت مازحا! فلمّا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٥» .

стр. 214

السنة التاسعة سرية «١» في ربيع الأول أرسل ﵊ علي بن أبي طالب في مائة راكب وخمسين فارسا لهدم الفلس «٢» - صنم لطيىء- فسار إليه وهدمه وأحرقه، ولما حارب عبّاده هزمهم واستاق نعمهم وشاءهم وسبيهم، وكان فيه سفّانة بنت حاتم طيىء «٣» . ولما رجع علي إلى المدينة طلبت سفّانة من رسول الله أن يمنّ عليها، فأجابها لأنه كان من سننه أن يكرم الكرام، فدعت له، وكان من دعائها «شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا مكانتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة ولا سلب نعمة كريم إلّا وجعلك سببا لردّها عليه» . وكانت هذه المعاملة من رسول الله سببا في إسلام أخيها عدي بن حاتم الطائي «٤» الذي كان فرّ إلى الشام عندما رأى الرايات الإسلامية قاصدة بلاده، وكان من حديث مجيئه أنّ أخته توجّهت إليه بالشام، وأخبرته بما عوملت به من الكرم، فقال لها: ما ترين في أمر هذا الرجل؟ فقالت: أرى أن تلحق به سريعا فإن يكن نبيّا فللسابق إليه فضل، وإن يكن ملكا فأنت أنت. قال: والله هذا هو الرأي.

стр. 215

وفود عدي بن حاتم فخرج حتى جاء المدينة، ولقي رسول الله فقال ﵊: من الرجل؟ قال عدي بن حاتم، فأخذه إلى بيته وبينما يمشيان إذ لقيت رسول الله امرأة عجوز، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقال عدي: والله ما هو بملك. ثم مضى رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من جلد محشوّة ليفا فقدمها إلى عدي، وقال: اجلس على هذه، فقال: بل أنت تجلس عليها، فامتنع ﵊، وأعطاها له، وجلس هو على الأرض، ثم قال: يا عدي أسلم تسلم قالها ثلاثا، فقال عدي: إني على دين وكان نصرانيا فقال ﵊: أنا أعلم بدينك منك، فقال عدي: أأنت أعلم بديني منّي؟ قال: نعم. ثم عدّد له أشياء كان يفعلها اتباعا لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء كأخذه المرباع وهو ربع الغنائم. ثم قال: يا عدي إنما يمنعك من الدخول في الدّين ما ترى، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قدرة لهم، وقد رمتهم العرب مع حاجتهم، فو الله ليوشكنّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلّة عددهم، أتعرف الحيرة؟ قال: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فو الله ليتمنّ هذا الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم «١» فأسلم عدي ﵁ وعاش حتى رأى كل ذلك. غزوة تبوك «٢» بلغ رسول الله ﷺ أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في بلاده، وكان ذلك

стр. 216

في زمن عسرة الناس، وجدب البلاد، وشدّة الحرّ، حين طابت الثمار، والناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، فأمر ﵊ بالتجهّز، وكان قلّما يخرج في غزوة إلّا ورّى بغيرها «١» ليعمّي الأخبار على العدو إلّا في هذه الغزوة، فإنه أخبر بمقصده لبعد الشقة «٢» ، ولشدّة العدو، ليأخذ الناس عدّتهم لذلك، وبعث إلى مكّة وقبائل الأعراب يستنفرهم لذلك، وحثّ الموسرين على تجهيز المعسرين، فأنفق عثمان بن عفّان عشرة الاف دينار، وأعطى ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها «٣» ، وخمسين فرسا، فقال ﷺ : «اللهم ارض عن عثمان فإني راض عنه» «٤» . وجاء أبو بكر بكل ماله: وهو أربعة الاف درهم، فقال ﷺ : هل أبقيت لأهلك شيئا؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس وطلحة بمال كثير. وتصدق عاصم بن عدي «٥» بسبعين وسقا من تمر، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليهنّ، وجاءه ﷺ سبعة أنفس من فقهاء الصحابة يطلبون إليه أن يحملهم. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون. فجهز عثمان ثلاثة منهم، وجهز العباس إثنين، وجهز يامين ابن عمرو اثنين، ولمّا اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله وهم ثلاثون ألفا، وولّى على المدينة محمّد بن مسلمة، وعلى أهله علي بن أبي طالب، وتخلّف كثير من المنافقين يرأسهم عبد الله بن أبيّ، وقال: يغزو محمّد بني الأصفر مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد!! أيحسب محمّد أن قتال بني الأصفر معه اللعب؟ والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرّنين في الحبال، واجتمع جماعة منهم، فقالوا في حق رسول الله وأصحابه ما يريدون من الإرجاف، فبلغه ذلك، فأرسل إليهم عمار بن ياسر يسألهم عما قالوا، فقالوا: إنما كنّا نخوض ونلعب. وجاء إليه جماعة، منهم الجد ابن قيس، يعتذرون عن الخروج، فقالوا: يا رسول الله ائذن لنا ولا تفتنا، لأنّا لا

стр. 217

نأمن من نساء بني الأصفر، وجاء إليه المعذّرون من الأعراب- وهم أصحاب الأعذار من ضعف أو قلة- ليؤذن لهم، فأذن لهم، وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم، وقد عتب الله عليه في ذلك الإذن بقوله في سورة براءة: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ «١» ثم قال في حقهم: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ «٢» ثم كذبهم الله في عذرهم فقال: * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ «٣» ثم لكيلا ياسى المسلمون على قعود المنافقين عنهم قال جلّ ذكره: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ «٤» . وتخلّف جماعة من المسلمين لا يتّهمون في إسلامهم منهم كعب ابن مالك «٥» ، وهلال بن أمية «٦» ، ومرارة بن الربيع «٧» وأبو خيثمة «٨» . ولما خلّف ﷺ عليا، قال المنافقون: قد استثقله فتركه، فأسرع إلى رسول الله وشكا له ما سمع، فقال ﷺ : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟» «٩» . ثم سار ﷺ بالجيش، وأعطى لواءه الأعظم أبا بكر الصّدّيق، وفي إعطاء اللواء لأبي بكر اخر غزوة للرسول وتخليف عليّ على أهل البيت حكمة لطيفة يفهمها القارىء. وفرّق ﵊ الرايات، فأعطى الزبير راية المهاجرين، وأسيد بن حضير راية الأوس، والحباب بن المنذر راية الخزرج، ولمّا مرّ الجيش بالحجر وهي ديار ثمود قال ﷺ لأصحابه: «لا تدخلوا ديار الذين ظلموا إلّا وأنتم

стр. 218

باكون» «١» ليشعر قلوبهم رهبة الله، وكان مستعملا على حرس الجيش عبّاد بن بشر، وكان أبو بكر يصلي بالجيش، ولما وصلوا إلى تبوك، وكانت أرضا لا عمارية فيها، قال الرسول لمعاذ بن جبل: يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هنا مليء بساتين «٢» ، وقد كان. ولمّا استراح الجيش لحقه أبو خيثمة، وكان من خبر مجيئه أن دخل على أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشتين لهما في بستان قد رشت كلّ منهما عريشتها، وبرّدت فيها ماء، وهيأت طعاما، وكان يوما شديد الحر، فلما نظر ذلك قال: يكون رسول الله في الحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وماء مهيأ وامرأة حسناء! ما هذا بالنّصف «٣» . ثم قال: والله لا أدخل عريشة واحدة منكما حتى ألحق برسول الله فهيئا لي زادا ففعلتا، ثم ركب بعيره، وأخذ سيفه ورمحه، وخرج يريد رسول الله فصادفه حين نزل بتبوك. وفود صاحب أيلة هذا ولم ير ﷺ بتبوك جيشا كما كان قد سمع، فأقام هناك أياما جاءه في أثنائها يوحنا» صاحب أيلة، وصحبته أهل جرباء «٥» وأهل أذرح «٦» وأهل ميناء، فصالح يوحنا رسول الله على اعطاء الجزية ولم يسلم. وكتب له الرسول كتابا هذه صورته: كتاب صاحب أيلة بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمّد النبي رسول الله ليوحنا وأهل أيلة: سفنهم وسيارتهم في البرّ والبحر لهم ذمة الله ومحمّد النبي، ومن كان

стр. 219

معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحوز ماله دون نفسه، وإنه لطيبة لمن أخذه من الناس وإنه لا يحلّ أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر. كتاب أهل أذرح وجرباء وكتب لأهل أذرح وجرباء كتابا صورته: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمّد النبي لأهل أذرح وجرباء، إنهم امنون بأمان الله وأمان محمّد، وإن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل بالنصح والإحسان للمسلمين» وصالح أهل ميناء على ربع ثمارهم. ثم إنّ الرسول استشار أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد منها من ديار الشام، فقال له عمر: إن كنت أمرت بالسير فسرّ. فقال ﵊: لو كنت أمرت بالسير لم أستشر، فقال: يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة، وليس بالشام أحد من أهل الإسلام، وقد دنونا وقد أفزعهم دنوّك، فلو رجعنا في هذه السنة حتى نرى أو يحدث الله أمرا، فتبع ﵊ مشورته، وأمر بالقفول فرجع الجيش إلى المدينة. مسجد الضّرار ولمّا كان على مقربة منها «١» بلغه خبر مسجد الضّرار وهو مسجد أسسه جماعة من المنافقين «٢» معارضة لمسجد قباء، ليفرقوا جماعة المسلمين. وجاء جماعة منهم إلى الرسول طالبين منه أن يصلّي لهم فيه، فسألهم عن سبب بنائه، فحلفوا بالله إن أردنا إلّا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون، فأمر ﵊ جماعة من أصحابه «٣» لينطلقوا إليه ويهدموه ففعلوا. هذا ولمّا استقر ﵊ بالمدينة جاءه جماعات من الذين تخلّفوا يعتذرون كذبا. فقبل منهم ﵊ علانيتهم، ووكل ضمائرهم إلى الله واستغفر لهم.

стр. 220

حديث الثلاثة الذين خلّفوا وجاءه كعب بن مالك الخزرجي، ومرارة بن الرّبيع، وهلال بن أميّة الأوسيان مقرّين بذنوبهم، فلمّا دخل عليه كعب تبسّم تبسّم الغضب، وقال: ما خلّفك؟ فقال: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أوتيت جدلا «١» ، ولكني والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكنّ الله أن يسخط عليّ فيه، ولئن حدّثتك حديث صدق تغضب عليّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي من عذر. فقال ﵊: أمّا هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك. وقال صاحباه مثل قوله، فقال لهما ﵊ كما قال لكعب، ونهى المسلمين عن كلامهم، فاجتنبهم الناس، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، واستأذنت زوج هلال بن أمية في خدمة زوجها لأنه شيخ ضائع ليس له خادم فأذن لها، ولم يزالوا كذلك حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا ألا ملجأ من الله إلّا إليه، ثم تاب عليهم، فأرسل لهم ﵊ من يبشّرهم بهذه النّعمة الكبرى، فتلقاهم الناس أفواجا أفواجا يهنئونهم بتوبة الله. فلمّا دخل كعب المسجد تلقاه رسول الله مسرورا، فقال: أبشر يا كعب بخير يوم يمرّ عليك منذ ولدتك أمك، فقال: من عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله. فقال كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال ﵊: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. ثم قرأ ﵊ الايات التي فيها توبته هو وصاحباه في سورة براءة وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٢» . وفود ثقيف وعقب مقدمه ﵊ من تبوك وفد عليه وفد ثقيف، وكان من خبرهم أنه لمّا انصرف رسول الله من محاصرتهم تبع أثره عروة بن مسعود الثقفي

стр. 221

حتى أدركه قبل أن يصل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه ويدعوهم إلى الإسلام، فقال له: إنهم قاتلوك، فقال: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم، فخرج إلى قومه يرجو منهم طاعته لمرتبته فيهم، لأنه كان فيهم محببا مطاعا، فلمّا جاء الطائف وأظهر لهم ما جاء به رموه بالنبل فقتلوه، وبعد شهر من مقتله ائتمروا فيما بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، فأجمعوا أمرهم على أن يرسلوا لرسول الله رجلا منهم يكلّمه، وطلبوا من عبد ياليل بن عمرو أن يكون ذلك الرجل فأبى، وقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا، فبعثوا معه خمسة من أشرافهم «١» فخرجوا متوجهين إلى المدينة، ولما قابلوا رسول الله ضرب لهم قبة في ناحية المسجد ليسمعوا القران ويروا الناس إذا صلّوا. وكانوا يغدون إلى رسول الله كل يوم ويخلّفون في رحالهم أصغرهم سنّا عثمان بن أبي العاص «٢» فكان إذا رجعوا ذهب للنّبيّ واستقرأه القران، وإذا راه نائما استقرأ أبا بكر حتى حفظ شيئا من القران، وهو يكتم ذلك عن أصحابه، ثم أسلم القوم، وطلبوا أن يعيّن لهم من يؤمّهم، فأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص لما راه من حرصه على الإسلام وقراءة القران وتعلّم الدين. كتاب أهل الطائف ثم كتب لهم كتابا من جملته: «بسم الله الرّحمن الرّحيم من محمّد النبي رسول الله إلى المؤمنين إن عضاه وجّ «٣» وصيده حرام، لا يعضد شجره ومن وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه» ثم سألوا رسول الله ﷺ أن يؤجّل هدم صنمهم شهرا حتى يدخل الإسلام في قلوب القوم ولا يرتاع السفهاء من النساء من هدمه، فرضى ﵊، ولمّا خرجوا من عنده قال لهم رئيسهم: أنا أعلمكم بثقيف اكتموا عنهم إسلامكم خوّفوهم الحرب والقتال، وأخبروهم أن محمّدا طلب أمورا عظيمة أبيناها عليه، سألنا أن نهدم الطاغية، وأن نترك الزنا،

стр. 222

وشرب الخمر والرّبا، فلمّا حلّوا بلادهم جاءتهم ثقيف، فقال الوفد: جئنا رجلا فظا غليظا قد ظهر بالسيف، ودان النّاس له فعرض علينا أمورا شديدة، وذكروا ما تقدم. فقالوا: والله لا نطيعه أبدا، فقالوا لهم: أصلحوا سلاحكم، ورمّوا حصونكم، واستعدوا للقتال، فأجابوا، واستمروا على ذلك يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله الرعب في قلوبهم، فقالوا: والله مالنا بحربه من طاقة ارجعوا إليه وأعطوه ما سأل، فقال الوفد: قد قاضيناه وأسلمنا، فقالوا: لم كتمتم علينا ذلك؟ قالوا: حتى تذهب عنكم نخوة الشيطان فأسلموا. هدم اللّات ولما بلغ رسول الله ﷺ اسلام ثقيف أرسل أبا سفيان والمغيرة بن شعبة الثقفي لهدم اللات صنم ثقيف بالطائف، فتوجّهوا وهدموه حتى سوّوه بالأرض. حج أبي بكر وفي أخريات ذي القعدة أرسل ﵊ أبا بكر ليحجّ بالناس فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة ومعه الهدي عشرون بدنة أهداها رسول الله ﷺ ، وساق أبو بكر خمس بدنات، ولمّا سافر نزل على رسول الله ﷺ أوائل سورة براءة، فأرسل بها عليا ليبلغها الناس في يوم الحج الأكبر، وقال: لا يبلغ عني إلّا رجل منّي، فلحق أبا بكر في الطريق، فقال الصّدّيق: هل استعملك رسول الله ﷺ على الحج؟ قال: لا ولكن بعثني أقرأ أو أتلو براءة على الناس. فلمّا اجتمعوا بمنى يوم النحر قرأ عليهم عليّ ثلاث عشرة اية من أول سورة براءة «١» تتضمن نبذ العهود لجميع المشركين الذين لم يوّفوا عهودهم، وإمهالها أربعة أشهر يسيحون فيها في الأرض كيف شاؤوا، وإتمام عهد المشركين الذين لم يظاهروا على المسلمين، ولم يغدروا بهم إلى مدتهم، ثم نادى: لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان «٢» ، وكان عليّ يصلي في هذا السفر وراء أبي بكر ﵄.

стр. 223

وفاة ابن أبي وفي ذي القعدة مات عبد الله بن أبي، وقد صلّى عليه رسول الله ﷺ صلاة لم يطل مثلها، وشيّع جنازته حتى وقف على قبره، وإنما فعل ذلك تطييبا لقلب ولده عبد الله بن عبد الله، وتأليفا لقلوب الخزرج، لمكانة عبد الله بن أبي فيهم، وقد نزع ربقة النفاق كثير من المنافقين «١» بعد هذا اليوم، لما رأوه من أعمال السيد الكريم ﷺ ، وقد نهى الله رسوله عن الصلاة على المنافقين، فقال جلّ شأنه في سورة براءة: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ «٢» . وفاة أم كلثوم وفي هذه السنة توفيت أمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ وزوج عثمان ﵄.

стр. 224

السنة العاشرة سرية «١» في ربيع الاخر أرسل ﵊ خالد بن الوليد في جمع لبني عبد المدان بنجران من أرض اليمن، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاث مرّات فإن أبوا قاتلهم، فلمّا قدم إليهم بعث الركبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام ويقولون: أسلموا تسلموا، فأسلموا ودخلوا في دين الله أفواجا، فأقام خالد بينهم يعلمهم الإسلام والقران، وكتب إلى رسول الله ﷺ بذلك، فأرسل إليه أن يقدم بوفدهم ففعل. وحين اجتمعوا به ﷺ قال لهم: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم، قال: صدقتم، وأمّر عليهم زيد بن الحصين «٢» . سرية «٣» وفي رمضان أرسل ﵊ عليا في جمع إلى بني مذحج قبيلة يمانية وعمّمه بيده وقال: سر حتى تنزل بساحتهم، فادعهم إلى قول: لا إله إلّا الله، فإن قالوا: نعم فمرهم بالصلاة، ولا تبغ منهم غير ذلك، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس «٤» ، ولا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فلمّا انتهى إليهم لقي جموعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ورموا المسلمين بالنبل فصفّ علي، أصحابه، وأمرهم بالقتال، فقاتلوا حتى هزموا عدوهم فكفّ عن طلبهم، ثم لحقهم ودعاهم إلى الإسلام فأجابوا، وبايعه رؤساؤهم وقالوا: نحن

стр. 225

على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله، ففعل. ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فوافاه بمكّة في حجة الوداع . بعث العمال إلى اليمن ثم بعث ﵊ إلى اليمن عمالا من قبله، فبعث معاذ بن جبل على الكورة العليا من جهة عدن «١» ، وبعث أبا موسى الأشعري على الكورة السفلى، ووصّاهما ﷺ بقوله: «يسّرا ولا تعسّرا وبشّرا ولا تنفرا» «٢» وقال لمعاذ: إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا ألاإله إلّا الله وأن محمّدا رسول الله، فإن أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أنّ الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أنّ الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإيّاك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» «٣» وقد مكث معاذ باليمن حتى توفّي رسول الله ﷺ ، أما أبو موسى فقدم على الرسول ﷺ في حجة الوداع. حجة الوداع وفي السنة العاشرة حجّ ﷺ بالناس حجة ودّع فيها المسلمين، ولم يحجّ غيرها. وخرج يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة. وولّى على المدينة أبا دجانة الأنصاري، وكان مع الرسول ﷺ جمع عظيم يبلغ تسعين ألفا، وأحرم للحجّ حيث انبعثت به راحلته ثم لبّى، فقال: «لبّيك اللهمّ لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» «٤» . ولم يزل ﷺ سائرا حتى دخل مكّة ضحى من الثنية العليا وهي ثنية كداء. ولما رأى البيت قال: اللهمّ زده تشريفا وتعظيما ومهابة وبرّا، ثم طاف بالبيت سبعا واستلم الحجر الأسود، وصلّى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم شرب من ماء زمزم، ثم سعى بين الصفا والمروة

стр. 226

سبعا راكبا على راحلته، وكان إذا صعد الصفا: يقول: «لا إله إلّا الله، الله أكبر، لا إله إلّا الله واحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده» «١» وفي الثامن من ذي الحجة توجّه إلى منى فبات بها. خطبة الوداع وفي التاسع منه توجّه إلى عرفة، وهناك خطب خطبته الشريفة التي بيّن فيها الدّين كله أسه وفرعه وهاك نصّها: الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستعفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد ألاإله إلّا الله واحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله: أوصيكم عبّاد الله بتقوى الله وأحثّكم على طاعته واستفتح بالذي هو خير، أما بعد: أيها الناس اسمعوا منّي أبيّن لكم فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا، أيها الناس إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها. إنّ ربا الجاهلية موضوع «٢» ، وإنّ أول ربا أبدأ ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإنّ دماء الجاهلية موضوعة وأوّل دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث «٣» ، وإنّ ماثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس: إن النسيء «٤» زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما،

стр. 227

ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. وإن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق الله السموات والأرض منها أربعة حرم ثلاث متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان. ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد. أيها الناس: إنّ لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهنّ حق ألايوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلّا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإنّ الله أذن لكم أن تعضلوهنّ «١» وتهجروهنّ في المضاجع، وتضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان «٢» ، لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهنّ خيرا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد «٣» . أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة ولا يحلّ لامرىء مال أخيه إلّا عن طيب نفس منه، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعنّ بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض «٤» فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده كتاب الله. ألا هل بلّغت؟ اللهم أشهد. أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لادم وادم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلّا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب. أيها الناس: إنّ الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز لوارث وصيته في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر «٥» ، من ادّعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، والسلام عليكم

стр. 228

ورحمة الله» » وفي هذا اليوم أمتنّ الله على المؤمنين بقوله في سورة المائدة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «٢» فلا غرابة أن اتخذه المسلمون عيدا ويوما سعيدا يظهرون فيه شكر الله على هذه النعمة الكبرى. ثم إنه ﵊ أدّى مناسك الحجّ من رمي الجمار والنحر والحلق والطواف، وبعد أن أقام بمكّة عشرة أيام قفل إلى المدينة، ولما راها كبّر ثلاثا وقال: لا إله إلّا الله واحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ايبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب واحده «٣» . الوفود في هذه السنة والتي قبلها كان وفود العرب إلى رسول الله ليبايعوه على الإسلام وكانوا يقدمون أفواجا، ولما في أخبار هذه الوفود من التعاليم الحميدة التي يحتاج ذو الأدب أن يعرفها رأينا أن نذكر لك منها ما يزيدك يقينا وينير بصيرتك فنقول: وفود نجران «٤» ومن الوفود وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكبا، دخلوا المسجد وعليهم ثياب الحبرة، وأردية الحرير، مختمين بالذهب، ومعهم بسط فيها تماثيل ومسوح «٥» جاؤوا بها هدية للنبي ﷺ فلم يقبل البسط، وقبل المسوح. ولما جاء وقت صلاتهم صلوا في المسجد مستقبلين بيت المقدس، ولمّا أتموا صلاتهم دعاهم ﵊ للإسلام، فأبوا وقالوا: كنا مسلمين قبلكم، فقال ﵊: يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أنّ لله ولدا، قالو: فمن مثل عيسى خلق من غير أب؟ فأنزل الله في ذلك سورة ال عمران: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَ

стр. 229

قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «١» وليظهر الله لهم أنهم في شك من أمرهم أنزل فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ «٢» . فدعاهم ﷺ لذلك فامتنعوا ورضوا بإعطاء الجزية وهي ألف حلّة في صفر وألف حلّة في رجب مع كل حلة أوقية من ذهب ثم قالوا: أرسل معنا أمينا فأرسل لهم أبا عبيدة عامر بن الجراح وكان لذلك يسمى أمين هذه الأمة «٣» . وفود ضمام بن ثعلبة ومن الوفود ضمام بن ثعلبة «٤» ، بينا رسول الله بين أصحابه متكئا جاء رجل من أهل البادية ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، فأناخ جمله في المسجد ثم قال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فدلّوه عليه فدنا منه وقال: إني سائلك فمشدّد عليك المسألة فلا تجد «٥» عليّ في نفسك. فقال: سل ما بدا لك، فقال: أنشدك بالله: الله أرسلك إلى الناس كلّهم؟ فقال: نعم، فقال أنشدك بالله: الله أمرك أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، فقال أنشدك بالله: الله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فتردّه على فقرائنا؟ قال: اللهم نعم، قال أنشدك بالله: الله أمرك أن نصوم هذا الشهر من اثني عشر شهرا؟ قال: اللهم نعم، قال أنشدك بالله: الله أمرك أن نحجّ هذا البيت من استطاع إليه سبيلا؟ قال: اللهم نعم، قال: فإني قد امنت وصدقت وأنا ضمام بن ثعلبة «٦» . ولمّا ولّى قال ﵊: فقه الرجل: ثم ذهب ضمام إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام وترك عبادة الأوثان فأسلموا كلهم. وفود عبد القيس ومن الوفود عبد القيس، وكان من خبرهم أن الرسول كان جالسا بين

стр. 230

أصحابه يوما، فقال لهم: سيطلع عليكم من هنا ركب هم خير أهل المشرق، لم يكرهوا على الإسلام، قد أنضوا «١» الركائب وأفنوا الزاد، اللهم اغفر لعبد القيس «٢» فلمّا أتوا ورأوا النبي ﷺ رموا بأنفسهم عن الركائب بباب المسجد، وتبادروا إلى رسول الله يسلمون عليه، وكان فيهم عبد الله بن عوف الأشج، وكان أصغرهم سنّا فتخلّف عند الركائب حتى أناخها وجمع المتاع، وأخرج ثوبين أبيضين فلبسهما، ثم جاء يمشي هونا حتى سلّم على رسول الله، وكان رجلا دميما ففطن لنظر الرسول إلى دمامته، فقال يا رسول الله: إنه لا يستقى في مسوك جلود الرجال «٣» ، وإنما الرجل بأصغريه قلبه ولسانه، فقال ﷺ : إنّ فيك خلتين يحبّهما الله ورسوله: الحلم والأناة «٤» . وقد قال ﷺ لهذا الوفد: مرحبا بالقوم غير خزايا ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله إنّا نأتيك من شقّة بعيدة «٥» وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مضر، وإنّا لا نصل إليك إلّا في شهر حرام فمرنا بأمر فصل، فقال: امركم بالإيمان بالله. أتدرون ما الإيمان بالله. شهادة ألاإله إلّا الله وأن محمّدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن الدّباء «٦» والحنتم «٧» والنقير «٨» والمزفت «٩» والمراد بذلك ما ينبذ في هذه الأواني. فقال الأشج: يا رسول الله إن أرضنا ثقيلة وخمة «١٠» وإنّا إذا لم نشرب هذه الأشربة عظمت بطوننا، فرخص لنا في مثل هذه وأشار إلى يده، فأومأ ﵊ بكفيه وقال: يا أشج إن رخصت لك في مثل هذه شربته في مثل هذه- وفرج بين يديه وبسطها- حتى إذا ثمل أحدكم

стр. 231

من شرابه قام إلى ابن عمه فضرب ساقه بالسيف «١» . وإنما خصّ ﵊ نهيهم بما ذكر لكثرة الأشربة بينهم. وفود بني حنيفة ومن الوفود بنو حنيفة، وكان معهم مسيلمة الكذاب، وكان مسيلمة يقول: إن جعل لي الأمر من بعده اتّبعته، فأقبل ﵊ ومعه ثابت بن قيس بن شمّاس وفي يد رسول الله ﷺ قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، وإني لأراك الذي منه رأيت. وكان ﵊ قد رأى في منامه أن في يده سوارين من ذهب، فأهمّه شأنهما، فأوحى الله إليه أن أنفخهما فنفخهما فطارا، فأوّلهما ﷺ كذابين يخرجان من بعده «٢» ، فكان مسيلمة أحدهما، والثاني الأسود العنسي صاحب صنعاء. وقد أسلم بنو حنيفة. وفود طيء ومن الوفود وفد طيء وفيهم زيد الخيل «٣» رئيسهم، وقد قال ﷺ في حقه: ما ذكر لي رجل من العرب إلّا رأيته دون ما قيل فيه إلّا زيد الخيل، وسمّاه ﷺ زيد الخير. وفود كندة ومنهم وفد كندة وفيهم الأشعث بن قيس «٤» وكان وجيها مطاعا في قومه. ولما دخلوا على رسول الله خبؤوا له شيئا، وقالوا: أخبرنا عما خبأناه لك؟ فقال: سبحان الله إنما يفعل ذلك بالكاهن، وإنّ الكاهن والمتكهن في النار. ثم قال: إن

стр. 232

الله بعثني بالحق وأنزل عليّ كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقالوا: أسمعنا منه، فتلا ﵊ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ «١» ثم سكت وسكن ودموعه تجري على لحيته، فقالوا: إنّا نراك تبكي؟ أفمن مخافة من أرسلك تبكي؟ قال: إن خشيتي منه أبكتني. بعثني على صراط مستقيم في مثل حدّ السيف إن زغت عنه هلكت. ثم تلا وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا «٢» ثم قال لهم ﵊: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى، قال: ما بال هذا الحرير في أعناقكم؟ فعند ذلك شقوه وألقوه. وفود أزدشنوءة «٣» ومنهم وفد أزدشنوءة ورئيسهم صرد بن عبد الله الأزدي، فأسلموا وأمّره عليهم، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك. وفود رسول ملوك حمير ومنهم وفد رسول ملوك حمير وهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين «٤» ومعافر وهمدان وكانوا قد أسلموا، وأرسلوا رسولهم بذلك فكتب إليهم النبي ﷺ . كتاب ملوك حمير «بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله، إلى الحارث بن عبد كلال وإلى النعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان. أما بعد: فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلّا هو، أما بعد: فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم «٥» فلقيناه بالمدينة فبلّغ ما أرسلتم به، وخبّر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين،

стр. 233

وأنّ الله قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، واتيتم الزكاة، وأعطيتم من الغنائم خمس الله، وسهم النبي وصفيّه «١» وما كتب على المؤمنين من الصدقة. أما بعد: فإن محمّدا النبي أرسل إلى زرعة بن ذي يزن «٢» إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرّة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم، وأبلغوها رسلي، وأن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبنّ إلّا راضيا، أما بعد: فإن محمّدا يشهد ألاإله إلّا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرّة الرّهاوي قد حدّثني أنك أسلمت من أوّل حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير وامرك بحمير خيرا، ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإنّ رسول الله هو مولى غنيّكم وفقيركم، وإنّ الصدقة لا تحلّ لمحمّد ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة يزكّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وأن مالكا قد بلّغ الخبر، وحفظ الغيب، وامركم به خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» . وفود همدان ومنها وفد همدان وفيهم مالك بن نمط، وكان شاعرا مجيدا، فلقوا رسول الله مرجعه من تبوك عليهم مقطّعات من الحبرات» اليمنية، والعمائم العدنية، وقد أنشد مالك لرسول الله ﷺ . حلفت بربّ الرّاقصات إلى منى ... صوادر بالرّكبان من هضب قردد «٤» بأنّ رسول الله فينا مصدّق ... رسول أتى من عند ذي العرش مهتد فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشدّ على أعدائه من محمّد وقد أمّره ﷺ على من أسلم من قومه، وقد قال الرسول في حق همدان: نعم الحيّ همدان ما أسرعها إلى النصر وأصبرها على الجهد وفيهم أبدال وفيهم أوتاد.

стр. 234

وفود تجيب «١» ومنها وفد تجيب قبيلة من كندة وفد على رسول الله ثلاثة عشر رجلا منهم، ومعهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسرّ بهم ﵊ وأكرم مثواهم، وقالوا: يا رسول الله إنا سقنا إليك حق الله في أموالنا، فقال ﵊: «ردوها فاقسموها على فقرائكم» فقالوا يا رسول الله: ما قدمنا عليك إلّا بما فضل عن فقرائنا، قال أبو بكر: يا رسول الله ما قدم علينا وفد من العرب مثل هذا. فقال ﵊: «إنّ الهدى بيد الله، فمن أراد به خيرا شرح صدره للإيمان، وجعلوا يسألونه عن القران، فازداد ﷺ رغبة فيهم، ثم أرادوا الرجوع إلى أهليهم فقيل لهم: ما يعجلكم؟ قالوا: نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤية رسول الله ولقائنا إيّاه وما ردّ علينا، ثم جاؤوا إلى رسول الله فودّعوه، فأجازهم بأفضل ما كان يجيز به الوفود، ثم قال لهم: هل بقي منكم أحد؟ قالوا: غلام خلّفناه في رحالنا وهو أحدثنا سنا، قال: فأرسلوه إلينا فأرسلوه، فأقبل الغلام، وقال: يا رسول الله أنا من الرهط الذين أتوك انفا فقضيت حاجتهم فاقض حاجتي: قال: وما حاجتك؟ قال: تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني ويجعل غناي في قلبي. فقال ﵊: اللهمّ اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه «٢» ، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه. وفود ثعلبة ومنها وفد ثعلبة وفد على رسول الله أربعة منهم مقرّين بالإسلام فسلّموا عليه وقالوا: يا رسول الله إنا رسل من خلفنا من قومنا ونحن مقرّون بالإسلام، وقد قيل لنا: إنك تقول لا إسلام لمن لا هجرة له، فقال ﵊: «حيثما كنتم واتقيتم الله فلا يضرّكم» ، ثم قال لهم: كيف بلادهم؟ فقالوا مخصبون، فقال: الحمد لله. ثم أقاموا في ضيافته أياما. وحين إرادتهم الإنصراف أجاز كل واحد منهم بخمس أواق من فضة «٣» .

стр. 235

وفود بني سعد بن هذيم «١» ومنها وفد بني سعد بن هذيم من قضاعة، قال النعمان منهم: قدمت على رسول الله وافدا في نفر من قومي: وقد أوطأ رسول الله البلاد، وأزاح العرب «٢» . والناس صنفان إما داخل في الإسلام راغب فيه، وإما خائف السيف. فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤمّ «٣» المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فوجدنا رسول الله يصلي على جنازة في المسجد، فقمنا خلفه ناحية، ولم ندخل مع الناس في صلاتهم، وقلنا حتى يصلي رسول الله ونبايعه. ثم انصرف رسول الله فنظر إلينا فدعا بنا، فقال: ممّن أنتم؟ فقلنا: من بني سعد بن هذيم، فقال: أمسلمون أنتم؟ قلنا هلّا نعم، فقال: هلا صلّيتم على أخيكم؟ قلنا: يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز حتى نبايعك، فقال ﵊: أينما أسلمتم، فأنتم مسلمون. قال: فأسلمنا وبايعنا رسول الله بأيدينا، ثم انصرفنا إلى رحالنا، وقد كنا خلّفنا أصغرنا، فبعث ﵊ في طلبنا، فأتى بنا إليه، فتقدم صاحبنا، فبايعه ﷺ على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله إنه أصغرنا وأنه خادمنا فقال: سيد القوم خادمهم «٤» بارك الله عليه. قال النعمان: فكان خيرنا وأقرأنا للقران لدعاء النبي ﷺ له. ثم أجازهم وانصرفوا «٥» . وفود بني فزارة ومنها وفد بني فزارة وفد على رسول الله جماعة منهم مقرّين بالإسلام وهم مسنتون «٦» فسألهم ﵊ عن بلادهم، فقال رجل منهم: يا رسول الله أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا «٧» ، وجاعت عيالنا، فادع لنا ربك يغثنا، وأشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك، فقال عليه الصلاة

стр. 236

والسلام: سبحان الله، ويلك هذا، أنا أشفع إلى ربي فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه! لا إله إلّا هو العلي العظيم وسع كرسيّه السموات والأرض فهي تئط «١» من عظمته وجلاله كما يئط الرّحل الحديث «٢» ، أي ثقل الحمل. ثم صعد ﵊ المنبر، ودعا الله حتى أغاث بلاد هذا الوفد بالمطر الغزير والرحمة التامة. وفود بني أسد ومنها وفد بني أسد، وفيهم: ضرار بن الأزور وطليحة بن عبد الله «٣» الذي ادّعى النبوّة بعد ذلك، فأسلموا، وقالوا: يا رسول الله أتيناك نتدرّع الليل البهيم في سنة شهباء «٤» ولم تبعث إلينا بعثا، فأنزل الله في ذلك يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٥» وسألوا رسول الله ﷺ عما كانوا يفعلون في الجاهلية من العيافة «٦» والكهانة «٧» وضرب الحصباء، فنهاهم عن ذلك، ثم سألوه عن ضرب الرمل، فقال: علّمه نبي، فمن صادف مثل علمه فذاك وإلّا فلا. ثم أقاموا أياما يتعلمون الفرائض، وبعد ذلك ودّعوا وانصرفوا بعد أن أجيزوا. وفود بني عذرة ومنها وفد بني عذرة ووفد بني بليّ، ووفد بني مرّة، ووفد خولان- وهي قبائل باليمن- وقد أمرهم ﵊ بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار لمن جاوروا، وألايظلموا أحدا فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

стр. 237

وفود بني محارب ومنها وفد بني محارب، وكانوا من الذين ردّوا الردّ القبيح حينما كان رسول الله بعكاظ يدعو القبائل إلى الله، فما أعظم منّة الله الذي أتى بهؤلاء وكانوا ألد الأعداء مسلمين منقادين. وفود غسّان ومنها وفد غسان، ووفد بني عبس، ووفد النّخع. وكان ﵊ يقابل هذه الوفود بما جبله الله عليه من البشاشة وكرم الأخلاق، ويجيزهم بما يرضيهم، ويعلّمهم الإيمان والشرائع، ليعلّموا من وراءهم، وكانت هذه الوفود أعظم وصلة لإظهار الدّين بين الأعراب في البوادي. وفاة إبراهيم بن النّبي ﵇ «١» وفي هذه السنة توفّى إبراهيم بن رسول الله ﷺ .

стр. 238

السنة الحادية عشرة سرية «١» لأربع بقين من صفر جهّز ﵊ جيشا برياسة أسامة بن زيد إلى أبني «٢» حيث قتل زيد بن حارثة والد أسامة وقال له: «سر إلى موضع قتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل أبنى، وحرّق عليهم، وأسرع السير لتسبق الأخبار، فإن أظفرك الله فأقل اللبث فيهم، وخذ الأدلّاء، وقدم العيون والطلائع معك» . وكان مع أسامة في هذا الجيش كبار المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر «٣» وأبو عبيدة وسعد. ثم عقد ﵊ لأسامة اللواء، وقال له: أغز باسم الله في سبيل الله، وقاتل من كفر بالله. وقد انتقد جماعة على تأمير أسامة وهو شاب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره على جيش فيه كبار المهاجرين، فأبلغ الرسول هذه المقالة فغضب غضبا شديدا، وخرج فقال: أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله؟! وايم الله إن كان لخليقا بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق بها «٤» ، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ «٥» ، وإنهما لمظنة لكل خير، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم. ولم يتم لهذا الجيش الخروج في عهد المصطفى ﷺ لأنّ المرض بدأه فاختاره الله

стр. 239

للرفيق الأعلى. وسيرى القارىء إن شاء الله خروج هذا الجيش متمما في كتابنا إتمام الوفاء بسيرة الخلفاء. مرض الرسول ﷺ لما تمم ﵊ ما كلّف به، وأدى ما اؤتمن عليه، وهدى الله به أمته اختاره الله للرفيق الأعلى، فجلس على المنبر مرّة، وكان فيما قال: «إن عبدا من عباد الله قد خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» «١» فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله فديناك بابائنا وأمهاتنا، فقال ﵊: «إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذا خليلا لا تّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام. لا يبقى في المسجد خوخة إلّا سدّت إلّا خوخة أبي بكر» «٢» . وقد بدأه ﵊ مرضه في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة من الهجرة في بيت ميمونة، واستمرّ مريضا ثلاثة عشر يوما كان في خلالها ينتقل إلى بيوت أزواجه، ولما اشتدّ عليه المرض استأذن منهن أن يمرض في بيت عائشة الصديقية فأذن له، ولما دخل بيتها واشتدّ عليه وجعه قال: هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن لعلي أعهد إلى الناس، فأجلس في مخضب «٣» وصب عليه الماء حتى أشار بيده أن قد فعلتن «٤» ، وكان هذا الماء لتخفيف حرارة الحمى التي كانت تصيب من يضع يده فوق ثوبه. صلاة أبي بكر بالناس ولمّا تعذر عليه الخروج إلى الصلاة قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس «٥» فرضيه ﵊ خليفة له في حياته. ولما رأت الأنصار اشتداد وجع الرسول طافوا بالمسجد، فدخل العباس، وأعلمه بمكانهم واشفاقهم، فخرج ﷺ

стр. 240

متوكئا على عليّ والفضل «١» ، وتقدّم العباس أمامهم والنّبيّ معصوب الرأس يخطّ برجليه، حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر، وثار الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلّد نبي قبلي فيمن بعث الله فأخلّد فيكم؟، ألا إني لاحق بربي وأنكم لاحقون بي فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا، وأوصى المهاجرين فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ «٢» وإن الأمور تجري بإذن الله، ولا يحملنّكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله لا يعجّل بعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ» وأوصيكم بالأنصار خيرا، فإنهم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم من الثمار؟ ألم يوسّعوا لكم في الدّيار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولّي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وإني فرط «٤» لكم، وأنتم لا حقون بي، ألا فإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده عليّ غدا فليكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي» . وبينما المسلمون في صلاة الفجر من يوم الإثنين ثالث عشر ربيع الأول وأبو بكر يصلي بهم إذا برسول ﷺ قد كشف سجف «٥» حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسّم يضحك، فنكص أبو بكر ﵁ على عقبه ليصل الصّف، وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله، فأشار إليهم بيده أن أتمّوا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر «٦» .

стр. 241

وفاة رسول الله ﷺ ولم تأت ضحوة هذا اليوم حتى فارق رسول الله ﷺ دنياه ولحق بمولاه، وكان ذلك في يوم الإثنين ١٣ ربيع أول سنة ١١، (٨ يونيو سنة ٦٣٣) فيكون عمره ﵊ ٦٣ سنة قمرية كاملة، وثلاثة أيام، وإحدى وستين شمسية، وأربعة وثمانين يوما، وكان أبو بكر غائبا بالسّنح وهي منازل بني الحارث بن الخزرج عند زوجه حبيبة بنت خارجة بن زيد-، فسلّ عمر سيفه، وتوعد من يقول مات رسول الله، وقال: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يقطّع أيدي رجال وأرجلهم، فلمّا أقبل أبو بكر، وأخبر الخبر دخل بيت عائشة، وكشف عن وجه رسول الله، فجثا يقبّله، ويبكي، ويقول: توفي والذي نفسي بيده، صلوات الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حيّا وميتا: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين «١» ، ثم خرج فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ألا من كان يعبد محمّدا، فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت» وتلا قوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٢» وقوله وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ «٣» قال عمر: فكأني لم أتل هذه الاية قطّ «٤» ، ثم مكث ﵊ في بيته بقية يوم الاثنين، وليلة الثلاثاء ويومه، وليلة الأربعاء حتى انتهى المسلمون من إقامة خليفة عليهم، فغسّل ودفن، وكان الذي يغسله عليّ بن أبي طالب، ويساعده العباس وابناه الفضل وقثم «٥» وأسامة بن زيد وشقران «٦» مولى رسول الله، وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، ولا عمامة. ولمّا فرغوا من تجهيزه وضع على سريره في بيته، ودخل الناس عليه أرسالا- أي جماعات- متتابعين يصلّون عليه، ولم يؤمّهم أحد. ثم حفر له لحد في حجرة عائشة حيث توفّي، وأنزله القبر عليّ والعباس

стр. 242

وولداه الفضل وقثم، ورشّ قبره بلال بالماء، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر. توفّي رسول الله ﷺ ، وترك للمسلمين ما أن اتبعوه لم يضرّهم شيء: كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وترك أصحابه البررة الكرام يوضّحون الدين، ويتمّمون فتح البلاد، ويظهرون في الدنيا شمس الدين الإسلامي القويم حتى يتمّ الله كلمته، ويحقّ وعده، وقد فعل، فنسأل الله أن يقدّرنا على أداء شكره على هذه المنة العظمى والنعمة الكبرى. شمائله ﵇ منح الله سبحانه نبينا ﷺ من كمالات الدنيا والاخرة ما لم يمنحه غيره ممن قبله أو بعده، ولا بدّ أن نأتي لك في هذا الباب «١» بنبذة يسيرة من محاسن صفاته وأحاسن ادابه، لتكون لك نموذجا تسير عليه، حتى تكون على قدم نبيّك ﷺ ، فتستحق الحمد في الدنيا والذخر في الاخرى. فاعلم أرشدني الله وإيّاك وهدانا للصراط السوي أنّ خصال الجلال والكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوي اقتضته الجبلّة وضرورة الحياة، ومكتسب ديني، وهو ما يحمد فاعله ويقرّب إلى الله زلفى. فأما الضروري فما ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب مثل ما كان في جبلّته ﵊ من كمال الخلقة، وجمال الصورة، وقوة العقل، وصحّة الفهم، وفصاحة اللسان، وقوة الحواس والأعضاء، واعتدال الحركات وشرف النسب، وعزّة القوم، وكرم الأرض، ويلحق به ما تدعو ضرورة الحياة إليه من الغذاء والنوم والملبس والمسكن والمال والجاه. أما المكتسبة الاخروية: فسائر الأخلاق العليّة والاداب الشرعية من: الدين، والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفّة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب، والمعاشرة وأخواتها، وهي التي يجمعها حسن الخلق. فإذا نظرت- رعاك الله- إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة وفي جبلّة الخلقة، وجدته ﵊ حائزا لجميعها، محيطا بشتات محاسنها. فأما الصورة وجمالها، وتناسب أعضائه في حسنها، فقد جاءت الاثار الصحيحة

стр. 243

والمشهورة الكثيرة بذلك. من أنه ﷺ كان أزهر اللون «١» ، أدعج «٢» ، أنجل «٣» ، أشكل «٤» ، أهدب الأشفار «٥» ، أبلج «٦» ، أزجّ «٧» ، أقنى «٨» ، أفلج «٩» ، مدوّر الوجه، واسع الجبين، كثّ اللحية تملأ صدره، سواء البطن والصدر، عظيم المنكبين «١٠» ، ضخم العظام، عبل «١١» العضدين والذراعين، والأسافل، رحب الكفّين والقدمين، سائل الأطراف «١٢» ، أنور المتجرّد «١٣» ، دقيق المسربة «١٤» ، ربعة القدّ «١٥» ، ليس بالطويل البائن «١٦» ، ولا بالقصير المتردّد «١٧» ، ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله ﷺ ، رجل الشعر «١٨» ، إذا افترّ ضاحكا افترّ عن مثل سنا البرق، وعن مثل حبّ الغمام، إذا تكلم رئي كالنّور يخرج من بين ثناياه، أحسن الناس عنقا، ليس بمطهّم «١٩» ولا مكلثم «٢٠» متماسك البدن، ضرب اللّحم «٢١» . قال البراء بن عازب: ما رأيت من ذي لمّة٢» في حلّة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ ، وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله، كأن

стр. 244

الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجدر «١» . وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر. وقال علي ﵁ في اخر وصفه له: من راه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله، ولا بعده مثله ﷺ «٢» . [نظافة جسمه وطيب ريحه ص] وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرقه، ونزاهته عن الأقذار، وعورات الجسد «٣» ، فكان قد خصّه الله تعالى في ذلك بخصائص لم توجد في غيره، ثم تمّمها بنظافة الشرع. قال ﵊: «بني الدّين على النظافة «٤» » . وقال أنس: ما شممت عنبرا قطّ، ولا مسكا، ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ﷺ . وعن جابر بن سمرة أنه ﵊ مسح خدّه؛ قال: فوجدت ليده بردا وريحا؛ كأنما أخرجها من جؤنة «٥» عطار. قال غيره: مسّها بطيب أولم يمسّها، يصافح المصافح، فيظل يومه يجد ريحها؛ يضع يده على رأس الصبي، فيعرف من بين الصّبيان بريحها، وروى البخاري في تاريخه الكبير عن جابر: لم يكن النبي ﷺ يمرّ في طريق فيتبعه أحد إلّا عرف أنه سلكه من طيبه «٦» . [وفور عقله ص] وأما وفور عقله ﷺ ، وذكاء لبه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه، واعتدال حركاته، وحسن شمائله، فلا مرية «٧» أنه كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمّل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسته للعامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلا عمّا أفاد من العلم، وقرّره من الشرع، دون تعلّم سبق، ولا ممارسة تقدّمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب فهمه «٨» لأول بديهة؛ وكان ﵊ إذا قام في الصلاة يرى

стр. 245

من خلفه كما يرى من بين يديه. وبذلك فسّر قوله تعالى وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «١» وقالت عائشة: كان ﵊ يرى في الظلمة كما يرى في الضوء «٢» ، وكان يعدّ في الثّريا أحد عشر نجما «٣» . وجاءت الأخبار أنه صرع ركانة «٤» أشدّ أهل وقته، وكان دعاه إلى الإسلام. وقال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أسرع من رسول الله ﷺ في مشيه كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث «٥» وفي صفته ﵊ أن ضحكه كان تبسما، إذا التفت التفت معا، وإذا مشى مشى تقلّعا «٦» كأنما ينحطّ من صبب «٧» . [فصاحة لسانه ص] وأما فصاحة اللسان، وبلاغة القول، فقد كان ﷺ من ذلك بالمحلّ الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، وفصاحة لفظ، وجزالة قول، وصحّة معان، وقلّة تكلّف، أوتي جوامع الكلم، وخصّ ببدائع الحكم، وعلّم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن، عن شرح كلامه، وتفسير قوله. من تأمل حديثه وسيره علم ذلك وتحقّقه؛ وليس كلامه مع قريش ككلامه مع أقيال «٨» حضرموت، وملوك اليمن، وعظماء نجد، بل يستعمل لكل قبيلة ما استحسنته من الألفاظ، وما انتهجته من طرق البلاغة، ليبيّن للناس ما نزّل إليهم، وليحدّث الناس بما يعلمون. [كلامه وفصاحته ص] وأما كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، وحكمه المأثورة، فقد ألف الناس فيها الدواوين، وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب، ومنها ما لا يوازى فصاحة ولا يبارى بلاغة. كقوله: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم

стр. 246

أدناهم، وهم يد على من سواهم» «١» . وقوله: «الناس كأسنان المشط» «٢» ، و «المرء مع من أحبّ» «٣» ، و «لا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له» «٤» و «الناس معادن» «٥» و «ما هلك امرؤ عرف قدره» «٦» و «المستشار مؤتمن» «٧» ، ورحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم» «٨» وقوله: «أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين» «٩» . «وإن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون» «١٠» . وقوله: «لعلّه كان يتكلّم بما لا يعنيه، ويبخل بما لا يغنيه» «١١» ، وقوله: «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها» «١٢» . ونهيه عن «قيل وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال، ومنع وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات «١٣» . وقوله: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» «١٤» و «خير الأمور أوساطها» «١٥» وقوله: «أحبب حبيبك هونا

стр. 247

مّا، عسى أن يكون بغيضك يوما مّا» » وقوله: «الظلم ظلمات يوم القيامة» «٢» . وقوله في بعض دعائه: «اللهم إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلمّ بها شعثي، وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهم! إني أسألك الفوز في القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السّعداء، والنّصر على الأعداء» «٣» . إلى غير ذلك مما روته الكافّة عن الكافّة من مقاماته، ومحاضراته، وخطبه، وأدعيته، ومخاطباته، وعهوده، مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره، وحاز سبقا لا يقدر قدره. وقد قال أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك، فقال: «وما يمنعني؟ وإنما نزل القران بلساني، لسان عربي مبين» «٤» . وقال مرة أخرى: «أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد» «٥» . جمع بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها «٦» ، ونصاعة ألفاظ الحاضرة، ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشر. [شرف نسبه، وكرم بلده ص] وأما شرف نسبه، وكرم بلده ومنشئه، فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مشكل، ولا خفي منه. فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها «٧» ، وأشرف العرب، وأعزّهم نفرا من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكّة، من أكرم بلاد الله على الله، وعلى عباده. وقد قدّمنا لك في أول الكتاب ما فيه الكفاية في هذا المقام. وأما ما تدعو إليه ضرورة الحياة فمنه ما الفضل في قلته، ومنه ما الفضل في كثرته، ومنه ما تختلف الأحوال فيه، فالأول كالغذاء والنوم، ولم تزل العرب

стр. 248

والحكماء قديما تتمادح بقلّتهما، وتذمّ بكثرتهما، لأنّ كثرة الأكل والشرب دليل على النّهم «١» والحرص، والشّره، وغلبة الشهوة، مسبّب لمضار الدنيا والاخرة، جالب لأدواء الجسد، وخثارة النفس «٢» ، وامتلاء الدماغ. وقلته دليل على القناعة، وملك النفس، وقمع الشهوة، مسبّب للصحة، وصفاء الخاطر، وحدّة الذّهن، كما أن كثرة النوم دليل على الفسولة «٣» والضعف، وعدم الذكاء، والفطنة، مسبّب للكسل، وعادة العجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب، وغفلته، وموته. وكان ﵊ قد أخذ من الأكل والنوم بالأقل، وحضّ عليه قال ﷺ : «ما ملأ ابن ادم وعاء شرا من بطنه! حسب ابن ادم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة. فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» «٤» . ولأنّ كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب. وقالت عائشة ﵂: لم يمتلىء جوف النبي ﷺ شبعا قطّ. وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب «٥» . وفي صحيح الحديث: «أما أنا فلا اكل متكئا» «٦» والإتّكاء: هو التّمكن للأكل، والتقعدد في الجلوس له كالمتربّع، وشبهه من تمكّن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته، والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه. والنبي ﵊ إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيا «٧» . ويقول: «إنما أنا عبد اكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» «٨» وكذلك نومه كان قليلا ومع ذلك فقد قال: «إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي» «٩» . وأما ما الفضل في كثرته فكالجاه وهو محمود عند العقلاء عادة، وبقدر جاهه

стр. 249

عظمه في القلوب. وقد قال تعالى في صفة عيسى ﵇ «وجيها في الدّنيا والاخرة» وكان النبي ﷺ قد رزق الحشمة، والمكانة في القلوب، والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه، ويقصدون أذاه في نفسه خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره، وقضوا حاجته. كما ذكرنا ذلك مرارا، وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته «١» من لم يره، كما روي عن قيلة: إنها لما رأته أرعدت من الفرق فقال: «يا مسكينة عليك السكينة» «٢» . وفي حديث أبي مسعود: أنّ رجلا قام بين يديه، فأرعد، فقال له ﵊: «هون عليك فإني لست بملك» «٣» . [قدره ومنزلته ص] وأما عظيم قدره بالنبوة، وشريف منزلته بالرسالة، وأنافة رتبته «٤» بالاصطفاء والكرامة في الدنيا فأمر هو مبلغ النهاية، ثم هو في الاخرة سيد ولد ادم «٥» . وأما ما تختلف فيه الحالات في التمدح به، والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجله، ككثرة المال. فصاحبه على الجملة معظّم عند العامة، لاعتقادها توصّله به إلى حاجاته، وتمكّنه في أغراضه، وإلّا فليس فضيلة في نفسه، فمتى كان بهذه الصورة، وصاحبه منفقا له في مهماته، ومهمات من قصده وأمّله، تصريفه في مواضعه، مشتريا به المعالي والثناء الحسن، والمنزلة من القلوب. كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا. وإذا صرفه في وجوه البّر، وأنفقه في سبيل الخير، وقصد بذلك الله تعالى والدار الاخرة، كان فضيلة عند الكل بكل حال، ومتى كان صاحبه ممسكا له، غير موجّهه وجوهه، حريصا على جمعه، عاد كثره كالعدم، وكان منقصة في صاحبه، ولم يقف به على جدد السلامة؛ بل أوقعه في هوّة «٦» رذيلة البخل، ومذمّة النذلة «٧» ، فالتمدح بالمال ليس لذاته، بل للتوصّل به إلى غيره، وتصريفه في متصرفاته، ونبينا ﷺ أوتي خزائن الأرض، ومفاتيح البلاد،

стр. 250

وأحلّت له الغنائم، ولم تحلّ النبي قبله، وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز واليمن، وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجلب إليه كثير من أخماسها وجزيتها وصدقاتها، وهاداه «١» جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهما بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوّى به المسلمين، وقال: «ما يسرني أنّ لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار إلّا دينارا أرصده لديني» «٢» وأتته دنانير مرة فقسّمها، وبقيت منها بقية فدفعها لبعض نسائه فلم يأخذه نوم حتى قام وقسمها، وقال: «الان استرحت» ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله «٣» . واقتصر في نفقته وملبسه ومسكنه على ما تدعو ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشّملة «٤» ، والكساء الخشن، والبرد «٥» الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوّصة بالذهب «٦» ، ويرفع لمن لم يحضره، فأنت ترى أن رسول الله ﷺ حاز فضيلة المال بالزهد فيه، وإنفاقه على مستحقيه. [الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة] وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة، والاداب الشريفة، وهي المسماة بحسن الخلق، فجميعها قد كانت خلق نبيّنا ﷺ على الإنتهاء في كمالها، والإعتدال إلى غايتها، حتى أثنى الله تعالى عليه بذلك فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٧» قالت عائشة: كان خلقه القران، يرضى برضاه ويسخط بسخطه «٨» . وقال ﵊: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» «٩» وقال أنس: كان ﵊ أحسن الناس خلقا. وكانت له هذه الاداب الكريمة كما كانت لإخوانه من الأنبياء جبلّة خلقوا عليها. ثم يتمكن الأمر لهم، وتترادف نفحات الله عليهم، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم، حتى يصلوا الغاية، ويبلغوا
следующие страницы →