← Сира

Сира · id 23692

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

محمد الخضري

Полный текст (278 стр.). Показаны 246–278 · переход к 251.

стр. 246

أدناهم، وهم يد على من سواهم» «١» . وقوله: «الناس كأسنان المشط» «٢» ، و «المرء مع من أحبّ» «٣» ، و «لا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له» «٤» و «الناس معادن» «٥» و «ما هلك امرؤ عرف قدره» «٦» و «المستشار مؤتمن» «٧» ، ورحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم» «٨» وقوله: «أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين» «٩» . «وإن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون» «١٠» . وقوله: «لعلّه كان يتكلّم بما لا يعنيه، ويبخل بما لا يغنيه» «١١» ، وقوله: «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها» «١٢» . ونهيه عن «قيل وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال، ومنع وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات «١٣» . وقوله: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» «١٤» و «خير الأمور أوساطها» «١٥» وقوله: «أحبب حبيبك هونا

стр. 247

مّا، عسى أن يكون بغيضك يوما مّا» » وقوله: «الظلم ظلمات يوم القيامة» «٢» . وقوله في بعض دعائه: «اللهم إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلمّ بها شعثي، وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهم! إني أسألك الفوز في القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السّعداء، والنّصر على الأعداء» «٣» . إلى غير ذلك مما روته الكافّة عن الكافّة من مقاماته، ومحاضراته، وخطبه، وأدعيته، ومخاطباته، وعهوده، مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره، وحاز سبقا لا يقدر قدره. وقد قال أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك، فقال: «وما يمنعني؟ وإنما نزل القران بلساني، لسان عربي مبين» «٤» . وقال مرة أخرى: «أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد» «٥» . جمع بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها «٦» ، ونصاعة ألفاظ الحاضرة، ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشر. [شرف نسبه، وكرم بلده ص] وأما شرف نسبه، وكرم بلده ومنشئه، فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مشكل، ولا خفي منه. فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها «٧» ، وأشرف العرب، وأعزّهم نفرا من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكّة، من أكرم بلاد الله على الله، وعلى عباده. وقد قدّمنا لك في أول الكتاب ما فيه الكفاية في هذا المقام. وأما ما تدعو إليه ضرورة الحياة فمنه ما الفضل في قلته، ومنه ما الفضل في كثرته، ومنه ما تختلف الأحوال فيه، فالأول كالغذاء والنوم، ولم تزل العرب

стр. 248

والحكماء قديما تتمادح بقلّتهما، وتذمّ بكثرتهما، لأنّ كثرة الأكل والشرب دليل على النّهم «١» والحرص، والشّره، وغلبة الشهوة، مسبّب لمضار الدنيا والاخرة، جالب لأدواء الجسد، وخثارة النفس «٢» ، وامتلاء الدماغ. وقلته دليل على القناعة، وملك النفس، وقمع الشهوة، مسبّب للصحة، وصفاء الخاطر، وحدّة الذّهن، كما أن كثرة النوم دليل على الفسولة «٣» والضعف، وعدم الذكاء، والفطنة، مسبّب للكسل، وعادة العجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب، وغفلته، وموته. وكان ﵊ قد أخذ من الأكل والنوم بالأقل، وحضّ عليه قال ﷺ : «ما ملأ ابن ادم وعاء شرا من بطنه! حسب ابن ادم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة. فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» «٤» . ولأنّ كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب. وقالت عائشة ﵂: لم يمتلىء جوف النبي ﷺ شبعا قطّ. وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب «٥» . وفي صحيح الحديث: «أما أنا فلا اكل متكئا» «٦» والإتّكاء: هو التّمكن للأكل، والتقعدد في الجلوس له كالمتربّع، وشبهه من تمكّن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته، والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه. والنبي ﵊ إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيا «٧» . ويقول: «إنما أنا عبد اكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» «٨» وكذلك نومه كان قليلا ومع ذلك فقد قال: «إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي» «٩» . وأما ما الفضل في كثرته فكالجاه وهو محمود عند العقلاء عادة، وبقدر جاهه

стр. 249

عظمه في القلوب. وقد قال تعالى في صفة عيسى ﵇ «وجيها في الدّنيا والاخرة» وكان النبي ﷺ قد رزق الحشمة، والمكانة في القلوب، والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه، ويقصدون أذاه في نفسه خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره، وقضوا حاجته. كما ذكرنا ذلك مرارا، وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته «١» من لم يره، كما روي عن قيلة: إنها لما رأته أرعدت من الفرق فقال: «يا مسكينة عليك السكينة» «٢» . وفي حديث أبي مسعود: أنّ رجلا قام بين يديه، فأرعد، فقال له ﵊: «هون عليك فإني لست بملك» «٣» . [قدره ومنزلته ص] وأما عظيم قدره بالنبوة، وشريف منزلته بالرسالة، وأنافة رتبته «٤» بالاصطفاء والكرامة في الدنيا فأمر هو مبلغ النهاية، ثم هو في الاخرة سيد ولد ادم «٥» . وأما ما تختلف فيه الحالات في التمدح به، والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجله، ككثرة المال. فصاحبه على الجملة معظّم عند العامة، لاعتقادها توصّله به إلى حاجاته، وتمكّنه في أغراضه، وإلّا فليس فضيلة في نفسه، فمتى كان بهذه الصورة، وصاحبه منفقا له في مهماته، ومهمات من قصده وأمّله، تصريفه في مواضعه، مشتريا به المعالي والثناء الحسن، والمنزلة من القلوب. كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا. وإذا صرفه في وجوه البّر، وأنفقه في سبيل الخير، وقصد بذلك الله تعالى والدار الاخرة، كان فضيلة عند الكل بكل حال، ومتى كان صاحبه ممسكا له، غير موجّهه وجوهه، حريصا على جمعه، عاد كثره كالعدم، وكان منقصة في صاحبه، ولم يقف به على جدد السلامة؛ بل أوقعه في هوّة «٦» رذيلة البخل، ومذمّة النذلة «٧» ، فالتمدح بالمال ليس لذاته، بل للتوصّل به إلى غيره، وتصريفه في متصرفاته، ونبينا ﷺ أوتي خزائن الأرض، ومفاتيح البلاد،

стр. 250

وأحلّت له الغنائم، ولم تحلّ النبي قبله، وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز واليمن، وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجلب إليه كثير من أخماسها وجزيتها وصدقاتها، وهاداه «١» جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهما بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوّى به المسلمين، وقال: «ما يسرني أنّ لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار إلّا دينارا أرصده لديني» «٢» وأتته دنانير مرة فقسّمها، وبقيت منها بقية فدفعها لبعض نسائه فلم يأخذه نوم حتى قام وقسمها، وقال: «الان استرحت» ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله «٣» . واقتصر في نفقته وملبسه ومسكنه على ما تدعو ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشّملة «٤» ، والكساء الخشن، والبرد «٥» الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوّصة بالذهب «٦» ، ويرفع لمن لم يحضره، فأنت ترى أن رسول الله ﷺ حاز فضيلة المال بالزهد فيه، وإنفاقه على مستحقيه. [الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة] وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة، والاداب الشريفة، وهي المسماة بحسن الخلق، فجميعها قد كانت خلق نبيّنا ﷺ على الإنتهاء في كمالها، والإعتدال إلى غايتها، حتى أثنى الله تعالى عليه بذلك فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٧» قالت عائشة: كان خلقه القران، يرضى برضاه ويسخط بسخطه «٨» . وقال ﵊: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» «٩» وقال أنس: كان ﵊ أحسن الناس خلقا. وكانت له هذه الاداب الكريمة كما كانت لإخوانه من الأنبياء جبلّة خلقوا عليها. ثم يتمكن الأمر لهم، وتترادف نفحات الله عليهم، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم، حتى يصلوا الغاية، ويبلغوا

стр. 251

باصطفاء الله لهم بالنبوة في تحصيل هذه الخصال الشريفة النهاية دون ممارسة، وهذه الأخلاق المحمودة، والخصال الجميلة كثيرة، ولكنا نذكر أصولها. ونشير إلى جميعها، ونحقّق وصفه ﵊ بها إن شاء الله. فأصل فروعها، وعنصر ينابيعها، ونقطة دائرتها: فالعقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة، ويتفرّع عن هذا ثقوب الرأي، وجودة الفطنة، والإصابة، وصدق الظن، والنظر للعواقب ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة والتدبير، واقتناء الفضائل، وتجنّب الرذائل. وقد بلغ ﵊ منه ومن العلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه. ويعلم ذلك من تتبّع مجاري أحواله، واطّراد سيره، وطالع جوامع كلمه، وحسن شمائله، وبدائع سيره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوارة والإنجيل والكتب المنزلة، وحكم الحكماء، وسير الأمم الخالية، وأيامها، وضرب الأمثال، وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع وتأصيل الاداب النفسية، والشيم الحميدة، إلى فنون العلوم التي اتّخذ أهلها كلامه فيها قدوة، وإشارته حجة: كالطب والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك دون تعليم، ولا مدارسة، ولا مطالعة كتب من تقدّم، ولا الجلوس إلى علمائهم، بل نبي أميّ لم يعرف شيء من ذلك، حتى شرح الله صدره، وأبان أمره، وعلّمه. وبحسب عقله كانت معارفه ﵊ إلى سائر ما علّمه الله، وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان، وعجائب قدرته، وعظيم ملكوته قال تعالى: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً » . [الحلم والاحتمال والعفو والقدرة، والصبر على ما يكره ص] وأما الحلم والاحتمال والعفو والقدرة، والصبر على ما يكره، فمما أدب الله به نبيه، فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ «٢» ، وقد سأل ﵊ جبريل عن تأويلها. فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك «٣» ، وقال له: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «٤» وقال: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ

стр. 252

لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» وقال: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «٢» . وقد تضافرت الأخبار على اتّصافه ﵊ بنهاية هذه الأوصاف، فما من حليم إلّا عرفت منه زلّة، وحفظت عنه هفوة «٣» ، ونبيّنا لا يزيد مع كثرة الإيذاء إلّا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلّا حلما. قالت عائشة ﵂: ما خيّر ﵊ في أمرين قطّ إلّا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلّا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها «٤» ، ولما فعل به المشركون ما فعلوا في أحد، وطلب منه أن يدعو عليهم قال: «اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون» «٥» . وحسبك في هذا الباب ما فعله مع مشركي قريش الذين اذوه واستهزؤوا به، وأخرجوه من دياره، هو وأصحابه، ثم قاتلوه، وحرّضوا عليه غيرهم من مشركي العرب، حتى تمالأ عليه جمعهم، ثم لمّا فتح الله عليه مكّة ما زاد على أن عفا وصفح، وقال: «ما تقولون: إني فاعل بكم؟» قالوا: خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» «٦» وعن أنس: كنت مع النبي ﵊ وعليه برد غليظ الحاشية فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه ثم قال: يا محمّد احمل لي على بعيريّ هذين من مال الله عندك «٧» ، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النّبيّ ثم قال: المال مال الله، وأنا عبده، ثم قال: ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي، قال: لا، قال: لم؟ قال: لأنك لا تكافىء بالسيئة السيئة «٨» فضحك ﵊، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الاخر تمر. قالت عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرا من مظلمة ظلمها قطّ، ما لم تكن حرمة من محارم الله تعالى، وما ضرب

стр. 253

بيده شيئا قطّ إلّا أن يجاهد في سبيل الله، وما ضرب خادما ولا امرأة «١» ، فصلى الله تعالى عليه، وأقر عينه باتّباع المسلمين سنّته. وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة، فكان ﵊ لا يوازى في هذه الأخلاق الكريمة، ولا يبارى بهذا وصفه كل من عرفه. قال جابر ﵁: ما سئل ﵊ عن شيء فقال: لا «٢» وقال ابن عباس: كان ﵊ أجود الناس بالخير، وأجود ما كان في شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة «٣» . وقالت خديجة في صفته ﵊ مخاطبة له: إنك تحمل الكلّ، وتكسب المعدوم «٤» . وحسبك شاهدا في هذا الباب ما فعله مع هوازن من ردّ السبي إليها، وما فعله يوم تقسيم السبي من إعطاء المؤلفة قلوبهم عظيم الأعطية. وقد استوفينا ذلك في موضعه. وحمل إليه ﵊ تسعون ألفا فوضعها على حصير، وأخذ يقسمها، فما قام حتى فرغ منها. وجاءه رجل فسأله فقال: «ما عندي شيء، ولكن ابتع عليّ، فإذا جاءنا شيء قضيناه» . فقال له عمر: ما كلّفك الله ما لا تقدر عليه، فكره ذلك ﵊، فقال له رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسّم ﵊ وعرف البشر في وجهه وقال: بهذا أمرت «٥» والأخبار بجوده وكرمه ﵊ كثيرة يكفي منها لتعليمك ما ذكرناه. [شجاعته ص] ومنها الشجاعة والنجدة، فكان ﵊ منهما بالمكان الذي لا يجهل، قد حضر المواقف الصعبة، وفرّ الكماة «٦» والأبطال عنه غير مرّة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح. وما من شجاع إلّا أحصيت له فرّة،

стр. 254

وحفظت عنه جولة، سواه. وحسبك ما فعله في حنين وأحد مما ذكرناه مستوفى. وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع، ولا أنجد، ولا أجود ولا أرضى من رسول الله ﷺ «١» ، وقال عليّ: إنا كنّا إذا اشتدّ البأس واحمرّت الحدق اتّقينا برسول الله، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر، ونحن نلوذ بالنبي ﷺ ، وهو أقربنا إلى العدو، وكان أشدّ الناس يومئذ بأسا «٢» ، وقال أنس: كان ﵇ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم ﵊ راجعا. قد سبقهم إلى الصوت، واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري، والسيف في عنقه، وهو يقول: «لن تراعوا» «٣» . [حياؤه ص] وأما الحياء والإغضاء، فكان ﵊ أشدّ الناس حياء، وأكثرهم عن العورات إغضاء، قال أبو سعيد الخدري: كان ﵊ أشدّ حياء من العذراء في خدرها. وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه «٤» ، وكان ﵊ لطيف البشرة، رقيق الظاهر، لا يشافه أحدا بما يكرهه حياء وكرم نفس، قالت عائشة: كان ﵊ إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل: ما بال فلان يقول كذا، ولكن يقول: ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا «٥» ؟ ينهى عنه، ولا يسمّى فاعله، وقالت رضى الله عنها: لم يكن ﵊ فاحشا، ولا متفحّشا، ولا صخابا بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح «٦» . [حسن عشرته وأدبه ص] وأما حسن عشرته وأدبه، وبسط خلقه مع أصناف الخلق، فمما انتشرت به الأخبار الصحيحة، قال علي ﵁: كان ﵊ أوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة «٧» ، وأكرمهم عشرة، وكان

стр. 255

عليه الصلاة والسلام يؤلّفهم، ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذّر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره، ولا خلقه، يتفقّد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه. من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلّا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحقّ سواء، بهذا وصفه ابن أبي هالة «١» ، وكان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه. قال تعالى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ «٢» وقال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «٣» وكان ﵊ يجيب من دعاه، ويقبل الهدية، ولو كانت كراعا «٤» ويكافئ عليها، وكان يمازح أصحابه، ويخالطهم ويحادثهم، ويداعب صبيانهم، ويجلسهم في حجره، ويجيب دعوة الحر والعبد، والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر. وقال أنس: ما التقم أحد أذن النبي فينحّي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحّي رأسه، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الاخر. وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم ير قطّ مادّا رجليه بين أصحابه حتى يضيّق بهما على أحد «٥» ، يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، ويكنّي أصحابه، ويدعوهم بأحبّ أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوز، فيقطعه بنهي أو قيام، وكان أكثر الناس تبسما، وأطيبهم نفسا، ما لم ينزل عليه قران، أو يعظ، أو يخطب.

стр. 256

[شفقته ورأفته ص] وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق فقد وصفه الله بها في قوله عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «١» وقال وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٢» روي أنّ أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا فأعطاه، ثم قال: ل «أحسنت إليك» ؟ قال الأعرابي: لا، ولا أجملت، فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار إليهم: «أن كفّوا» ثم قام ودخل منزله، وأرسل إليه، وزاده شيئا، ثم قال: «أأحسنت إليك؟» قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال ﵊: إنك قلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ، حتى يذهب ما في صدورهم عليك» ، قال: نعم، فلما كان الغد- أو العشي- جاء فقال ﵊: «إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي، أكذلك؟» : قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال ﵊: «مثلي ومثل هذا، مثل رجل له ناقة شردت عليه، فاتّبعها الناس فلم يزيدوها إلّا نفورا، فناداهم صاحبها: خلّو بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجّه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردّها حتى جاءت واستناخت، وشدّ عليها رحلها، واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال، فقتلتموه دخل النار» «وقال ﵊» : لا يبلّغني أحد منكم عن أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر «٤» . وكان يسمع بكاء الصبي فيتجوّز في صلاته. وعن ابن مسعود كان ﵊ يتخوّلنا بالموعظة مخافة السامة علينا «٥» . [وفاؤه وصلته الرحم ص] وأما خلقه ﵊ في الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم، فروي عن عبد الله بن أبي الحمساء «٦» قال: بايعت النبي ﵊ ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن اتيه بها مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث،

стр. 257

فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: «يا فتى لقد شققت عليّ، أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك «١» ! وكان إذا أتي بهدية، قال: اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحبّ خديجة «٢» . وكان ﵊ يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم. ووفد عليه وفد، فقام يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نكفيك؟ فقال: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحبّ أن أكافئهم» «٣» . وفي حديث خديجة: أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل «٤» ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق «٥» . [تواضعه ص] وأما تواضعه ﵊، على علو منصبه ورفعة رتبته، فكان أشدّ الناس تواضعا، وأقلّهم كبرا، وحسبك أنه خيّر بين أن يكون نبيّا ملكا أو نبيّا عبدا فاختار أن يكون نبيّا عبدا «٦» ، وخرج ﵊ مرة على أصحابه متوكئا على عصا، فقاموا له فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضهم بعضا «٧» ، وقال: «إنما أنا عبد اكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» «٨» . وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم حيثما انتهى به المجلس جلس. وقال ﵊: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» «٩» وحجّ ﵊ على رحل رثّ، وعليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم؛ فقال: «اللهم اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة «١٠» . هذا وقد

стр. 258

فتحت عليه الأرض، وأهدى في حجّه ذلك مائة بدنة «١» ، ولما فتحت عليه مكّة، ودخلها بجيوش المسلمين، طأطأ على رحله رأسه حتى كاد يمسّ قادمته تواضعا لله تعالى «٢» . وعن أبي هريرة رضى الله عنه: دخلت السوق مع النّبيّ ﷺ ، فاشترى سراويل، وقال للوزّان: زن وأرجح، ثم قال: فوثب إلى يد رسول الله ﷺ يقبّلها، فجذب يده، وقال: هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا رجل منكم، ثم أخذ السراويل، فذهبت لأحمله قال: صاحب الشيء أحقّ بشيئه أن يحمله «٣» . [عدله ص وأمانته، وعفّته، وصدق لهجته] وأما عدله ﵇، وأمانته، وعفّته، وصدق لهجته، فكان امن الناس وأعدل الناس، وأعفّ الناس، وأصدقهم لهجة منذ كان، اعترف له بذلك محادّوه وعداه «٤» ، وكان يسمّى قبل نبوّته الأمين. وقد قدّمنا في سيرته ﵊ قبل النبوّة. وفي الحديث عنه ﵊: ما لمست يده يد امرأة قطّ لا يملك رقّها «٥» . قال أبو العباس المبرّد: قسّم كسرى أيامه؛ فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج، ولكن نبيّنا ﵊ جزّأ نهاره ثلاثة أجزاء، جزا لله، وجزا لأهله، وجزا لنفسه، ثم جزّأ جزأه بين الناس، فكان يستعين بالخاصة على العامة، ويقول: «أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي، فإن من أبلغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها امنه الله يوم الفزع الأكبر» «٦» . وكان ﵊ لا يأخذ أحدا بذنب أحد، ولا يصدق أحدا على أحده. «٧»

стр. 259

[وقاره ﵊ وصمته، وتؤدته، ومروءته] وأما وقاره ﵊ وصمته، وتؤدته، ومروءته، وحسن هديه، فكان ﵊ أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه «١» ، وكان إذا جلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبيا «٢» . وكان كثير السكوت، لا يتكلّم في غير حاجة، يعرض عمن تكلّم بغير جميل، وكان ضحكه تبسّما، وكلامه فصلا، لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم؛ توقيرا له، واقتداء به، مجلسه مجلس حلم وحياء، وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن «٣» فيه الحرم، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطّير. وقال ابن أبي هالة: كان سكوته ﷺ على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكّر. وقالت عائشة ﵂: كان ﷺ يحدّث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه «٤» ، وكان يحبّ الطيّب والرائحة الحسنة، ويستعملها كثيرا، ويحضّ عليهما. ومن مروءته ﷺ نهيه عن النفخ في الطعام والشراب «٥» . والأمر بالأكل مما يلي «٦» . والأمر بالسواك «٧» وانقاء البراجم «٨» والرواجب «٩» . [زهده ص في الدنيا] وأما زهده ﵇ في الدنيا فقد قدمنا لك فيه ما فيه الكفاية، وحسبك شاهدا على تقلّله منها، وإعراضه عن زهرتها، وقد سيقت إليه بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحها إلى أن توفّي ﵊ ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله «١٠» . وهو يدعو ويقول: «اللهم اجعل رزق ال محمد قوتا» «١١» .

стр. 260

وقالت عائشة ﵂: «ما شبع ﵊ ثلاثة أيام تباعا من خبز حتى مضى لسبيله» » . وقالت: ما ترك ﵊ دينارا. ولا درهما، ولا شاة، ولا بعيرا «٢» ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلّا شطر شعير في رف لي «٣» . وقال لي: «إني عرض عليّ أن تجعل لي بطحاء مكّة ذهبا فقلت: لا يا رب أجوع يوما، وأشبع يوما. فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك» «٤» . وقالت عائشة: إن كنّا ال محمد لنمكث شهرا ما نستوقد نارا إن هو إلّا التمر والماء» «٥» . وعن أنس: ما أكل ﵊ على خوان ولا في سكرّجة ولا خبز له مرقّق، ولا رأى شاة سميطا قطّ «٦» . وفي حديث حفصة: كان فراش رسول الله ﷺ في بيته مسحا نثنيه ثنيتين. فينام عليه، فثنيناه ليلة بأربع، فلمّا أصبح قال: «ما فرشتم لي» ؟ فذكرنا له ذلك، فقال: ردّوه بحاله فإن وطأته منعتني الليلة صلاتي» «٧» وقالت عائشة: لم يمتلىء جوف النبي ﵊ شبعا، ولم يبثّ شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحبّ إليه من الغنى. وإن كان ليظلّ جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه، ولو شاء سأل ربه جميع كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها، ولقد كنت أبكي رحمة له مما أرى به، وأمسح بيدي على بطنه مما أرى به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلّغت من الدنيا بما يقوتك؟ فيقول: يا عائشة مالي وللدنيا، إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشدّ من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم، فأكرم مابهم، وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحي إن ترفّهت في معيشتي أن يقصّر بي غدا دونهم، وما من شيء أحبّ إليّ من اللحوق بإخواني وأخلّائي. قالت: فما أقام بعد إلّا

стр. 261

أشهر حتى توفّى صلوات الله عليه وسلامه «١» . [خوفه ص من ربه، وطاعته له، وشدّة عبادته] وأما خوفه من ربه، وطاعته له، وشدّة عبادته، فعلى قدر علمه بربه، ولذلك قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» «٢» إني أرى مالا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطّت «صوتت» السماء وحقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلّا وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى، لوددت أني شجرة تعضد «٣» . وكان ﵊ يصلي حتى ترم قدماه؛ فقيل له أتكلّف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟ قال. «أفلا أكون عبدا شكورا!» «٤» . وقالت عائشة ﵂: كان عمل رسول الله ﷺ ديمة، وأيّكم يطيق ما كان يطيق «٥» ؟ وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم «٦» . وقال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة، فاستاك، ثم توضأ، ثم قام يصلي، فقمت معه فاستفتح البقرة، فلا يمر باية رحمة إلّا وقف فسأل، ولا يمر باية عذاب إلّا وقف فتعوّذ، ثم ركع، فمكث بقدر قيامه، يقول: سبحان ذي الجبروت والملكوت والعظمة، ثم سجد، وقال مثل ذلك. ثم قرأ ال عمران، ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك «٧» ، وقال بعضهم: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل «٨» ، وفي وصف ابن أبي هالة: كان متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة «٩» . وعن علي ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن سنته فقال:

стр. 262

«المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحبّ أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي. والحزن رفيقي. والعلم سلاحي. والصّبر ردائي. والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوّتي، والصّدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرّة عيني في الصلاة، وثمرة فؤادي في ذكره. وغمّي لأجل أمتي. وشوقي إلى ربي» «١» فجزاه الله من نبي عن أمته خيرا، ورحم الله عبدا تأمل في هذه الشمائل الكريمة والخصال الجميلة فتمسك بها، واتّبع رسول الله ﷺ ليحوز شفاعته يوم الفزع الأكبر ويرضى الله عنه، فنسألك اللهمّ التوفيق لما فيه الخير بمنّك وكرمك يا أرحم الراحمين. معجزاته «٢» ﵇ إذا تأمل المتأمل ما قدّمناه من جميل أثر هذا السيد الكريم. وحميد سيره، وبراعة علمه، ورجاحة عقله وحلمه، وجملة كماله، وجميع خصاله، وشاهد حاله، وصواب مقاله لم يمتر «٣» في صحة نبوّته، وصدق دعوته، وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه، والإيمان به، كعبد الله بن سلام. فإنه قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة جئته لا نظر إليه؛ فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. وروى مسلم أن ضمادا لما وفد عليه، قال له ﷺ «إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله واحده لا شريك له، وأن محمّدا عبده ورسوله» فقال له ضماد: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فلقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك. ولما بلغ ملك عمان أن رسول الله ﵊ يدعوه إلى الإسلام قال: والله لقد دلّني على هذا النبيّ الأمي أنه لا يأمر بخير إلّا كان أول اخذ به، ولا ينهى عن شيء إلّا كان أول تارك له، وإنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الموعود، وأشهد أنه نبي. قال ابن رواحة: لو لم تكن فيه ايات مبيّنة ... لكان منظره ينبيك بالخبر

стр. 263

كيف وقد أظهر الله على يده تصديقا لدعوته من المعجزات ما لا يفي به العدّ فهو أكثر الأنبياء اية، وأظهرهم برهانا، وسنذكر لك في هذا الفصل من الايات ما تقرّبه عينك، ويزداد به يقينك مما رواه الجمّ الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم، وأثبته المحدّثون في صحاحهم، ونبدأ منها بأظهرها شأنا، وأوضحها بيانا، وهو القران الشريف وإعجازه. [إعجاز القرآن الكريم] اعلم أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة: أولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته ، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن، وفرسان الكلام، قد خصّوا من البلاغة والحكم بما لم يخصّ به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة «١» اللسان ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيّد الألباب، جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة، وفيهم غريزة وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، يخطبون بديها في المقامات، وشديد الخطب، ويرتجزون «٢» به بين الطعن والضرب، ويمدحون ويقدحون، ويتوسّلون، ويتوصّلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال «٣» ، ويطوّقون من أوصافهم أجمل من سمط اللال «٤» ، فيخدعون الألباب، ويذلّلون الصعاب، ويذهبون الإحن «٥» ، ويهيجون الدّمن «٦» ويجرّئون الجبان، ويبسطون يد الجعد البنان «٧» ويصيرون الناقص كاملا، ويتركون النبيه خاملا. منهم البدوي ذو اللفظ الجزل «٨» ، والقول الفصل، والكلام الفخم، والطّبع الجوهري، والمنزع القوي «٩» ، ومنهم الحضري، ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطّبع السّهل،

стр. 264

والتصرّف في القول القليل الكلفة، الكثير الرّونق، الرقيق الحاشية. وكلاهما له في الحجة البلاغة البالغة، والقوة الدامغة، والقدح الفالج «١» ، والمهيع الناهج «٢» ، لا يشكّون أنّ الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين، وتفنّنوا في الغث والسمين، وتقاولوا في القّل والكثر، وتساجلوا في النظم والنثر، فما راعهم إلّا رسول كريم بكتاب عزيز، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «٣» أحكمت آياته، وفصّلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وتضافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كلّ البيان جوامعه وبدائعه، واعتدل مع إيجازه حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه، وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا، وأشهر في الخطابة رجالا، وأكثر في السّجع والشعر ارتجالا «٤» ، وأوسع في الغريب واللغة مقالا؛ بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون، صارخا بها في كل حين، ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رؤوس الملأ أجمعين أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «٦» قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٧» ، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ «٨» ، فلم يزل يقرّعهم أشدّ التقريع. ويوبّخهم غاية التوبيخ، ويسفّه أحلامهم، ويحط أعلامهم، ويشتّت نظامهم. ويذمّ الهتم واباءهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون «٩» عن معارضته.

стр. 265

محجمون عن مماثلته. يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب، والاعتراء بالافتراء، وقولهم فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ «١» وسِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «٢» إِفْكٌ افْتَراهُ «٣» أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «٤» والمباهتة، والرضا بالدنية. كقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ «٥» وفِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ «٦» ولا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ «٧» والادعاء مع العجز كقولهم لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا «٨» وقد قال لهم وَلَنْ تَفْعَلُوا «٩» فما فعلوا ولا قدروا. ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة، كشف عواره لجميعهم، وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم، وإلّا فلم يخف على أهل الميز «١٠» منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم، ولا جنس بلاغتهم؛ بل ولّوا عنه مدبرين، وأتوا إليه مذعنين من بيد مهتد وبين مفتون. وأنت إذا تأملت قوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ «١١» وقوله وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ «١٢» وقوله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «١٣» وقوله وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ «١٤» وقوله فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «١٥» وأشباهها من الاي، بل أكثر ايات القران حقّقت ما بيّنته

стр. 266

من إيجاز ألفاظها، وكثرة معانيها، وديباجة عبارتها، وحسن تأليف حروفها، وتلاؤم كلمها، وأنّ تحت كلّ لفظة منها جملا كثيرة، وفصولا جمّة، وعلوما زواخر، ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها، وكثرة المقالات في المستنبطات عنها. ثم هو في سرد القصص الطوال، وأخبار القرون السوالف، التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام، ويذهب ماء البيان، اية لمتأمّله، من ربط الكلام بعضه ببعض، والتئام سرده، وتناصف وجوهه، كقصة يوسف على طولها. ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة تردّدها، حتى تكاد كلّ واحدة ينسي في البيان صاحبتها. وتناصف في الحسن وجه مقابلتها، ولا نفور للنفوس من ترديدها، ولا معاداة لمعادها. الوجه الثاني من إعجاز القران: صورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، ووقفت عليه مقاطع ايه، وانتهت فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدلّهت «١» دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر، أو نظم، أو سجع، أو رجز، أو شعر. والإعجاز بكل واحد من النوعين، والإيجاز والبلاغة بذاتها، أو الأسلوب الغريب بذاته، كلّ واحد منهما نوع إعجاز على التحقيق، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما، إذ كل واحد منهما خارج عن قدرتها، مباين لفصاحتها وكلامها. الوجه الثالث من الإعجاز: ما أنطوى عليه من الأخبار بالمغيّبات ، وما لم يكن ولم يقع، فوجد كما ورد، وعلى الوجه الذي أخبر به كقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «٢» وقوله عن الروم: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ «٣» وقوله لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ «٤» وقوله: وَعَدَ اللَّهُ

стр. 267

الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً «١» وقوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً «٢» فكان جميع هذا، كما أخبر فغلبت الروم فارس في بضع سنين، ودخلت الناس في الإسلام أفواجا، واتّسع ملك المسلمين حتى كان لهم في وقت من أقصى بلاد الأندلس غربا إلى أقاصي الهند شرقا، ومن بلاد الأناضول شمالا إلى أقاصي السودان جنوبا وقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٣» فكان كذلك إلى الان والحمد لله، وقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٤» فكان كذلك في بدر والاية نزلت بمكة، وقوله: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ «٥» فكان كذلك مما اطّلع عليه قارىء هذه السيرة، وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود، ومقالهم وكذبهم في حلفهم، كقوله: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ «٦» وقوله: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ «٧» وقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ «٨» إلى غير ذلك من الايات البيّنات. الوجه الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة ، والأمم البائدة، والشرائع الدّاثرة» مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلّا الفذّ من أحبار أهل الكتاب «١٠» ، الذي قطع عمره في تعلّم ذلك، فيورده ﵊ على وجهه، ويأتي به على نصّه، فيقرّ العالم بذلك بصحّته وصدقه، وأنّ مثله لم ينله بتعليم. وقد علموا أنه ﷺ أميّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة ولا مجالسة، لم يغب عنهم، ولا جهل حاله أحد منهم.

стр. 268

وقد كان أهل الكتاب كثيرا ما يسألونه ﷺ عن هذا، فينزل عليه من القران ما يتلو عليهم منه ذكرا: كقصص الأنبياء، وبدء الخلق، وما في الكتب السابقة، مما صدّقه فيها العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، ولم يؤثر أن واحدا منهم أظهر خلاف قوله من كتبه، ولا أبدى صحيحا ولا سقيما من صحفه بعد أن قرّعهم، ووبّخهم بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» . ومما يدل على أنّ أهل الكتاب يعلمون صدقه ما تحداهم فيه الله بقوله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢» ثم حتّم عدم إجابتهم بقوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ «٣» فما سمع عن أحد منهم أنه تمنّى ذلك، ولو بلسانه، مع أنهم كانوا أحرص الناس على تكذيبه. ومثل ذلك ما فعله أهل نجران حينما دعاهم للمباهلة «٤» فأبوا، وقد قدّمنا ذلك في فصل وفودهم. ومما يدل على أن هذا القران ليس من كلام البشر: الرّوعة التي تلحق قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوّة حاله، وإنافة «٥» خطره؛ وهي على المكاذبين به أعظم، حتى كانوا يستثقلون سماعه، ويزيدهم نفورا. ولهذا قال ﷺ : «إن القران صعب مستصعب على من كرهه، وهو الحكم» «٦» . وأما المؤمن فلا تزال روعته به، وهيبته إياه مع تلاوته، توليه انجذابا، وتكسبه هشاشة «٧» لميل قلبه إليه وتصديقه به. قال تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ «٨» وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ «٩» .

стр. 269

ومن وجوه إعجاز القران كونه اية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفّل الله بحفظه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١» وقال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٢» وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، فلم يبق إلّا خبرها «٣» ، والقران إلى وقتنا هذا حجّته قاهرة، ومعارضته ممتنعة، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان، وحملة علم اللسان، وأئمة البلاغة، وفرسان الكلام، وجهابذة البراعة، والملحد فيهم كثير، والمعادي للشرع عتيد «٤» ، فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته، ولا ألّف كلمتين في مناقضته، ولا قدر فيه على مطعن صحيح، ولا قدح المتكلّف من ذهنه في ذلك إلّا بزند شحيح «٥» ، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه، والنكوص على عقبيه «٦» . ولنختم لك هذا الباب بحديثه ﵊ في القران قال: إنّ الله أنزل هذا القران امرا وزاجرا، وسنّة خالية، ومثلا مضروبا، فيه نبؤكم، وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الردّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الحقّ ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن حكم به أقسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسّك به هدي إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضلّه الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذّكر الحكيم، والنّور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، والشّفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب «٧» . ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرّد. ومن معجزاته ﷺ : انشقاق القمر «٨» وقد قدّمنا حديثه مستوفى.

стр. 270

ومن معجزاته ﷺ : نبع الماء من بين أصابعه، وتكثيره ببركته ، وقد روى هذا الجمّ الغفير من الصحابة منهم: أنس وجابر، وابن مسعود، قال أنس: رأيت رسول الله ﷺ وقد حانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى النبي ﷺ بوضوء، فوضع في الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضّأ الناس حتى توضؤوا عن اخرهم، فقيل: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثمائة «١» . وقال ابن مسعود: بينما نحن مع النبي ﷺ . وليس معنا ماء، فقال لنا: «اطلبوا من معه فضل ماء» ، فأتي بماء فصبّه في إناء، ثم وضع كفّه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه «٢» . وقال جابر: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله بين يديه ركوة، فتوضأ منها، وأقبل الناس نحوه، وقالوا ليس عندنا ماء إلّا ما في ركوتك، فوضع النبي يده في الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون: قيل: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة «٣» ، وروى هذه القصة جمع عظيم من الصحابة، ومثل هذا في هذه المواطن الحفلة «٤» ، والجموع الكثيرة، لا تتطرّق التهمة إلى المحدّث به، لأنهم كانوا أسرع شيء إلى تكذيبه، لما جبلت عليه النفوس من ذلك، ولأنهم كانوا ممن لا يسكت على باطل، فهؤلاء قد رووا هذا، وأشاعوه، ونسبوا حضور الجمّاء الغفير «٥» له، ولم ينكر عليهم من الناس ما حدّثوا به عنهم أنهم فعلوا، وشاهدوا، فصار كتصديق جميعهم له. ومما يشبه هذا تفجير الماء ببركته، وانبعاثه بمسّه ودعوته، كما ورد عن معاذ ابن جبل في قصة غزوة تبوك، وأنهم وردوا العين وهي تبضّ بشيء من ماء مثل الشّراك، فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء، ثم غسل ﵊ فيه وجهه ويديه، وأعاده فيها، فجرت بماء كثير، فاستقى الناس، وفي رواية ابن اسحاق: فانخرق من الماء ما له حسّ كحسّ الصّواعق، ثم قال: يوشك

стр. 271

يا معاذ إن طالت بك حياة، أن ترى ما هنا قد ملىء جنانا «١» . وقد قدّمنا ذلك في غزوة تبوك. وروي عن البراء، وسلمة بن الأكوع تكثير عين الحديبية بدعوته ﵊. وروى أبو قتادة، أنّ النّاس شكوا إلى رسول الله العطش في بعض أسفاره فدعا بالميضأة، فجعلها في ضبنه- ما بين الكشح إلى الإبط- ثم التقم فمها، فالله أعلم- أنفث فيها أم لا- فشرب النّاس حتى رووا، وملؤوا كلّ إناء معهم، فخيّل إليّ أنها كما أخذها مني. وكانوا اثنين وسبعين رجلا «٢» . ورويت قصص مشابهة لهذه عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم في محال مختلفة بحيث لا يشك أحد في صدقها بعد تضافر الثقات على روايتها. ومن ذلك تكثير الطعام ببركته ودعائه ﷺ : روى أبو طلحة أنه ﵊ أطعم ثمانين- أو سبعين- رجلا من أقراص من شعير، جاء بها أنس تحت يده- أي إبطه- فأمر بها ﵊ ففتّت وقال فيها ما شاء الله أن يقول «٣» . وروى جابر أنه ﵊ أطعم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق، وقال جابر: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا. وإنّ برمتنا لتغطّ كما هي. وإنّ عجيننا ليخبز. وكان ﵊ قد بصق في العجين والبرمة، وبارك «٤» . وروى أبو أيوب أنه صنع لرسول الله وأبي بكر طعاما يكفيهما، فأطعم منه ﵊ مائة وثمانين رجلا «٥» . وروى مثل ذلك في كثير من الصحابة، كعبد الرحمن بن أبي بكر. وسلمة بن الأكوع. وأبي هريرة. وعمر بن الخطاب. وأنس بن مالك، رضوان الله عليهم أجمعين. ومن معجزاته ﵇ قصة حنين الجذع . قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان ﵊ إذا خطب يقوم إلى

стр. 272

جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار. وفي رواية أنس: حتى ارتجّ المسجد بخواره. وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوه به «١» . وفي رواية المطلب: حتى تصدّع وانشق، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت. زاد غيره: فقال ﵊ «إنّ هذا بكى لما فقد من الذكر» «٢» ، وزاد غيره: «والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزّنا على رسول الله، فأمر به فدفن تحت المنبر» . وهذا الحديث خرّجه أهل الصحة. ورواه من الصحابة كثيرون ورواه عنهم من التابعين ضعفهم. وبمن دون عدتهم يقع العلم لمن عني بهذا الباب. والله المثبّت على الصواب. ومن معجزاته ﵇: إبراء المرضى، وذوي العاهات . فقد أصيبت يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته. فردّها علي الصلاة والسلام، فكانت أحسن عينيه «٣» وأحدّهما، وبصق على أثر سهم في وجه أبي قتادة في يوم ذي قرد. فما ضرب عليه ولا قاح «٤» . وأصاب ابن ملاعب الأسنّة استسقاء، فبعث إلى النبي ﵊. فأخذ بيده حثوة من الأرض، فتفل عليها، ثم أعطاها رسوله، فأخذها متعجّبا يرى أنه قد هزىء به، فأتاه بها، وهو على شفا فشربها، فشفاه الله «٥» . وتقدّم حديث علي ورمده في غزوة خيبر وغير ذلك كثير مما يعجز قلمنا عن عدّه، ورواه ثقات المسلمين الأعلام. أما ما منحه الله إياه من إجابة دعواته، فروي عن أنس بن مالك قال: قالت أمي سليم: يا رسول الله خادمك أنس، أدع الله له، فقال: «اللهم أكثر ماله

стр. 273

وولده، وبارك فيه فيما اتيته» ، قال أنس: فو الله إنّ مالي لكثير، وإنّ ولدي وولد ولدي ليعادّون اليوم نحو المائة «١» ، ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة فكان نصيب كل زوجة من زوجاته الأربع من تركته ثمانون ألفا. وتصدّق مرّة بعير «٢» فيها سبعمائة بعير. وردت عليه تحمل من كل شيء، فتصدّق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها «٣» . ودعا لمعاوية بالتمكين في الأرض فنال الخلافة «٤» . ودعا لسعد بإجابة الدعوة. فما دعا على أحد إلّا استجيب له «٥» . وتقدم دعاؤه لعمر بن الخطاب أن يعزّ الإسلام به «٦» . وقال لأبي قتادة: أفلح وجهك، اللهم! بارك في شعره وبشره، فمات وهو ابن سبعين سنة، كأنه ابن خمس عشرة «٧» . ودعواته ﵊ المستجابة أكثر من أن تحصى يطّلع عليها قارىء سيرتنا هذه. أما ما أطلعه الله عليه من علم ما لم يكن فمما سارت به الركبان فعن حذيفة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما. فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا راه عرفه «٨» . وما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه، والله ما ترك ﵊ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدّنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سمّاه لنا باسمه، واسم أبيه وقبيلته «٩» . وقد خرّج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه ممّا وعدهم به من الظّهور على أعدائه «١٠» ،

стр. 274

وفتح مكّة «١» ، وبيت المقدس «٢» ، واليمن، والشام، والعراق، وظهور الأمن، حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة، لا تخاف إلّا الله «٣» . وإنّ المدينة ستغزى «٤» . وتفتح خيبر على يد علي في غد يومه «٥» . وما يفتح الله على أمّته من الدّنيا. ويؤتون من زهرتها «٦» . وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر «٧» . وقد قدّمنا كثيرا من ذلك في هذه السيرة. وقدمنا ما في القران من ذلك. وهذا يغنينا عن الإطالة في هذا المقام فحسبك ما سمعت. ومما ينير بصيرتك أيها القارىء ما منّ الله به على رسولنا من عصمته له من النّاس. وكفايته من اذاه قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٨» وقال وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا «٩» وقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ «١٠» وقال: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ «١١» ، ولمّا نزل: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ صرف حجابه. وقال: انصرفوا فقد عصمني ربي «١٢» . وقدّمنا حديث دعثور وإرادته قتل النبي ﷺ . وعصمة الله لنبيّنا. وذكرنا كثيرا مما حصل من أبي جهل لما أراد بالرسول المكايد. فكفاه الله شرّه. وما منّ به عليه ليلة الهجرة. وحديث سراقة في الطريق، وعلى الجملة فيكفينا من هذا الباب أنه ﵊ مكث بين أعداء الدّاء بمكّة ثلاث عشرة سنة، وبين مشابهيهم من المنافقين واليهود عشر سنين. فما تمكّن أحد من إيصال أذى إليه ﷺ بل كفاه مولاه شرّ أعدائه حتى أظهر الدّين وتمّمه. والحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده. ونسأله أن يوفق قارئي هذه السيرة إلى اتّباع رسول الله ﷺ وعلى أصحابه وأنصاره.

стр. 275

المحتوى مقدّمة الطبعة الثالثة ٣ النسب الشريف ٦ زواج عبد الله بامنة وحملها ٩ الرضاع ١٠ حادثة شق الصدر ١١ وفاة امنة وكفالة عبد المطلب ووفاته وكفالة أبي طالب ١١ السفر إلى الشام (المرة الأولى) ١٣ حرب الفجار ١٣ حلف الفضول ١٤ رحلته إلى الشام (المرّة الثانية) ١٥ زواجه خديجة ١٥ بناء البيت ١٦ معيشته ﵊ قبل البعثة ١٨ سيرته في قومه قبل البعثة ١٩ ما أكرمه الله به قبل النبوّة ٢٠ تبشير التوراة به ٢١ تبشير الإنجيل ٢٣ حركة الأفكار قبل البعثة ٢٤ بدء الوحي ٢٥ فترة الوحي ٢٨ عود الوحي ٢٨ الدعوة سرا ٢٩ الجهر بالتبليغ ٣٥ الإيذاء ٣٨ إسلام حمزة ٤٣ هجرة الحبشة الأولى ٥١ إسلام عمر ٥١ رجوع مهاجري الحبشة ٥٢ كتابة الصحيفة ٥٥ هجرة الحبشة الثانية ٥٥ نقض الصحيفة ٥٦ وفود نجران ٥٧ وفاة خديجة ﵂ ٥٨ زواج سودة ٥٨ زواج عائشة ﵂ ٥٩ هجرة الطائف ٦٠ الاحتماء بالمطعم بن عديّ ٦٢ وفد دوس ٦٢ الاسراء والمعراج ٦٣ العرض على القبائل ٦٦ بدء إسلام الأنصار ٦٧ العقبة الأولى ٦٧ العقبة الثانية ٦٩ هجرة المسلمين إلى المدينة ٧٠ دار الندوة ٧١ هجرة المصطفى ﷺ ٧٢

стр. 276

النزول بقباء ٧٥ هجرة الأنبياء ٧٦ أعمال مكّة ٧٦ مسجد قباء ٧٧ الوصول إلى المدينة ٧٨ أول جمعة ٧٨ النزول على أبي أيوب ٧٩ نزول المهاجرين ٨٠ إخوة الإسلام ٨٠ هجرة أهل البيت ٨١ حمّى المدينة ٨١ منع المستضعفين من الهجرة ٨١ بدء الأذان ٨٤ يهود المدينة ٨٦ المنافقون ٨٧ معاهدة اليهود ٨٨ مشروعية القتال ٨٨ بدء القتال ٩٠ سرية عبيدة بن الحارث ٩٠ سرية ٩١ وفيات ٩١ السنة الثانية غزوة ودان ٩٣ غزوة بواط ٩٣ غزوة العشيرة ٩٤ غزوة بدر الأولى ٩٤ سرية عبد الله بن جحش ٩٥ تحويل القبلة ٩٦ صوم رمضان ٩٦ صدقة الفطر ٩٧ زكاة المال ٩٧ غزوة بدر الكبرى ٩٧ أسرى بدر ١٠٧ الفداء ١٠٨ العتاب في الفداء ١١٢ غزوة قينقاع ١١٣ جلاء قينقاع ١١٤ غزوة السّويق ١١٤ صلاة العيد ١١٥ زواج علي بفاطمة ﵉ ١١٥ السنة الثالثة ١١٦ قتل كعب بن الأشرف ١١٦ غزوة غطفان ١١٨ غزوة بحران ١١٨ سرية زيد بن حارثة إلى القردة ١١٩ غزوة أحد ١١٩ غزوة حمراء الأسد ١٢٧ حوادث ١٢٨ سرية أبي سلمة إلى قطن ١٣٠ سرية بئر معونة ١٣٢ غزوة بني النضير ١٣٣ غزوة ذات الرقاع ١٣٤ غزوة بدر الاخرة ١٣٥ حوادث ١٣٦ غزوة بني المصطلق ١٣٧ حديث الإفك ١٤٠ غزوة الخندق ١٤٤ الخدعة في الحرب ١٤٧ هزيمة الأحزاب ١٤٨ غزوة بني قريظة ١٤٩ زواج زينب بنت جحش ١٥١ الحجاب ١٥٣ فرض الحج ١٥٦

стр. 277

غزوة بني لحيان ١٥٨ غزوة الغابة ١٥٨ سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر ١٥٩ سرية محمد بن سلمة إلى دي القصة ١٦٠ سرية زيد بن حارثة إلى الجموم ١٦٠ سرية زيد بن حارثة إلى العيص ١٦١ سرية زيد بن حارثة إلى الطرف ١٦١ سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى ١٦١ سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل ١٦٢ سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد ١٦٢ قتل أبي رافع ١٦٣ سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن رزام ١٦٤ قصة عكل وعرينة ١٦٤ سرية عمر بن أميه الضمري إلى أبي سفيان ١٦٥ غزوة الحديبية ١٦٦ بيعة الرضوان ١٦٩ صلح الحديبية ١٦٩ مكاتبة الملوك ١٧٢ كتاب قيصر ١٧٣ حديث أبي سفيان ١٧٣ كتاب أمير بصرى ١٧٥ كتاب الحارث بن أبي شمر ١٧٥ كتاب المقوقس ١٧٥ كتاب النّجاشي ١٧٦ كتاب كسرى ١٧٧ كتاب المنذر بن ساوى ١٧٨ كتاب ملكي عمان ١٧٨ كتاب هوذة بن علي ١٧٩ زواج صفية ١٨٣ النهي عن نكاح المتعة ١٨٣ رجوع مهاجري الحبشة ١٨٤ فتح فدك ١٨٤ صلح تيماء ١٨٤ فتح وادي القرى ١٨٤ إسلام خالد ورفيقيه ١٨٥ سرية عمر بن الخطاب إلى تربة ١٨٥ سرية بشير بن سعد ١٨٦ سرية بشير إلى بني مرة ١٨٦ سرية بن سعد إلى يمن وجبار ١٨٧ (عمرة القضاء) ١٨٧ زواج ميمونة ١٨٨ السنة الثامنة ١٨٩ سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح ١٨٩ سرية غالب بن عبد الله بشير بن سعد بفدك ١٩٠ غزوة مؤتة ١٩٠ سرية كعب بن عمير الغفاري ١٩٢ إلى ذات اطلاح سرية الخبط ١٩٣ غزوة الفتح الأعظم ١٩٤ العفو عند المقدرة ١٩٩ وفود كعب بن زهير ٢٠٢ بيعة النساء ٢٠٣ هدم العزّى ٢٠٣ هدم سواع ٢٠٣ هدم مناة ٢٠٣ غزوة حنين ٢٠٤

стр. 278

سرية أبي عامر الأشعري ٢٠٧ غزوة الطائف ٢٠٧ تقسيم السبي ٢٠٩ وفود هوازن ٢١١ عمرة الجعرانة ٢١٢ سرية قيس بن سعد إلى صداء ٢١٣ وفود صداء ٢١٣ سرية عيينة بن حصن إلى بني تميم ٢١٣ وفود تميم ٢١٣ سرية الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ٢١٤ سرية علقمة بن مجزر إلى ٢١٥ طائفة بن الحبشة وفود عدي بن حاتم ٢١٧ غزوة تبوك ٢١٧ وفود صاحب أيلة ٢٢٠ كتاب أهل أذرح وجرباء ٢٢١ مسجد الضّرار ٢٢١ حديث الثلاثة الذين خلّفوا ٢٢٢ وفود ثقيف ٢٢٢ كتاب أهل الطائف ٢٢٣ هدم اللّات ٢٢٤ حج أبي بكر ٢٢٤ وفاة ابن أبي ٢٢٥ وفاة أم كلثوم ٢٢٥ سرية علي بن أبي طالب ٢٢٦ إلى بن مذحج بعث العمال إلى اليمن ٢٢٧ حجة الوداع ٢٢٧ خطبة الوداع ٢٢٨ الوفود ٢٣٠ وفود نجران ٢٣٠ وفود ضمام بن ثعلبة ٢٣١ وفود عبد القيس ٢٣٢ وفود بني حنيفة ٢٣٣ وفود طيء ٢٣٣ وفود كندة ٢٣٣ وفود أزدشنوءة ٢٣٤ وفود رسول ملوك حمير ٢٣٤ كتاب ملوك حمير ٢٣٤ وفود همدان ٢٣٥ وفود تجيب ٢٣٦ وفود ثعلبة ٢٣٦ وفود بني سعد بن هذيم ٢٣٧ وفود بني فزارة ٢٣٧ وفود بني أسد ٢٣٨ وفود بني عذرة ٢٣٩ وفود بني محارب ٢٣٩ وفود غسّان ٢٣٩ وفاة إبراهيم بن النّبي ﵇ ٢٣٩ السنة الحادية عشر ٢٤٠ سرية أسامة بن زيد إلى ٢٤٠ أهل أبني مرض الرسول ﷺ ٢٤١ صلاة أبي بكر بالناس ٢٤١ وفاة رسول الله ﷺ ٢٤٣ شمائله ﵇ ٢٤٤ معجزاته ﵇ ٢٦٤ المحتوى ٢٧٦