← Сира

Сира · id 23692

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

محمد الخضري

Полный текст (278 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الإيذاء ورأى رسول الله من المشركين كثير الأذى وعظيم الشدّة، خصوصا إذا ذهب إلى الصلاة عند البيت، وكان من أعظمهم أذى لرسول الله جماعة سمّوا لكثرة أذاهم بالمستهزئين. فأولهم وأشدهم: أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي قال يوما: يا معشر قريش إن محمّدا قد أتى ما ترون من عيب دينكم وشتم الهتكم، وتسفيه أحلامكم، وسبّ ابائكم، إني أعاهد الله لأجلسنّ له غدا بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلمّا أصبح أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا ﵊ كما كان يغدو إلى صلاته، وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلمّا سجد ﵊ احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا «١» لونه من الفزع، ورمى حجره من يده، فقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم فلمّا دنوت منه عرض لي فحل من الإبل، والله ما رأيت مثله قطّ همّ بي أن يأكلني! فلمّا ذكر ذلك لرسول الله قال: ذاك جبريل ولو دنا لأخذه «٢» . وكان أبو جهل كثيرا ما ينهى الرسول عن صلاته في البيت فقال له مرّة بعد أن راه يصلي: ألم أنهك عن هذا، فأغلظ له رسول الله القول وهدّده، فقال: أتهدّدني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا «٣» ، فأنزل الله تهديدا له في اخر سورة اقرأ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ «٤» ومن أذيته للرسول ما حكاه عبد الله بن مسعود من رواية البخاري قال: كنا مع رسول الله في المسجد وهو يصلي، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى فرث «٥» جزور بني فلان فيلقيه على محمّد وهو

стр. 37

ساجد؟ فقام عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وجاء بذلك الفرث، فألقاه على النبي ﷺ وهو ساجد، فلم يقدر أحد من المسلمين الذين كانوا بالمسجد على القائه عنه لضعفهم عن مقاومة عدوهم، ولم يزل ﵊ ساجدا حتى جاءت فاطمة بنته فأخذت القذر ورمته. فلمّا قام دعا على من صنع هذا الصنع القبيح فقال: اللهمّ عليك الملأ من قريش وسمّى أقواما «١» ، قال ابن مسعود: فرأيتهم قتلوا يوم بدر «٢» . ومما حصل لرسول الله مع أبي جهل أنّ هذا ابتاع «٣» أجمالا من رجل يقال له: الإراشي فمطله بأثمانها فجاء الرجل مجمع قريش يريد منهم مساعدة على أخذ ماله فدلوه على رسول الله لينصفه من أبي جهل استهزاء لما يعلمونه من أفعال ذلك الشقي بالرسول، فتوجّه الرجل إليه وطلب منه المساعدة على أبي جهل فخرج معه حتى ضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال محمّد: فخرج منتقعا لونه فقال له الرسول: أعط هذا حقه، فقال أبو جهل: لا تبرح حتى تأخذه، فلم يبرح الرجل حتى أخذ دينه، فقالت قريش: ويلك يا أبا الحكم ما رأينا مثل ما صنعت! قال: ويحكم والله ما هو إلّا ضرب على بابي حتى سمعت صوتا فملئت منه رعبا، وأن فوق رأسي فحلا من الإبل ما رأيت مثله «٤» . ومن جماعة المستهزئين: أبو لهب بن عبد المطلب عم رسول الله كان أشدّ عليه من الأباعد، فكان يرمي القذر على بابه لأنه كان جارا له، فكان الرسول يطرحه ويقول: يا بني عبد مناف أيّ جوار هذا، وكانت تشاركه في قبيح عمله زوجه أمّ جميل بنت حرب بن أمية، فكانت كثيرا ما تسبّ رسول الله، وتتكلّم فيه بالنمائم، وخصوصا بعد أن نزل فيها وفي زوجها سورة أبي لهب. ومن المستهزئين: عقبة بن أبي معيط كان الجار الثاني لرسول الله وكان يعمل معه كأبي لهب، صنع مرة وليمة ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول الله فقال عليه

стр. 38

الصلاة والسلام: والله لا اكل طعامك حتى تؤمن بالله، فتشهّد، فبلغ ذلك أبي بن خلف الجمحي القرشي، وكان صديقا له فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال لا شيء، دخل منزلي رجل شريف فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له. قال أبيّ: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمّدا فلم تطأ عنقه، وتبزق في وجهه، وتلطم عينه، فلمّا رأى عقبة رسول الله فعل به ذلك فأنزل الله فيه سورة الفرقان وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا «١» ومن أشد ما صنعه ذلك الشقي برسول الله ما رواه البخاري في صحيحه قال: بينما النبي يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول الله فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ «٢» . ومن جماعة المستهزئين العاص بن وائل السهمي القرشي والد عمرو بن العاص، كان شديد العداوة لرسول الله، وكان يقول: غرّ محمّد أصحابه أن يحيوا بعد الموت والله ما يهلكنا إلّا الدهر، فقال الله ردا عليه في دعواه في سورة الجاثية: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ «٣» . وكان عليه دين لخبّاب بن الأرتّ أحد رجال المسلمين «٤» فتقاضاه إياه فقال العاص: أليس يزعم محمّد هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما يبتغي أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى هذا اليوم فسأوتى مالا وولدا وأقضيك دينك، فأنزل الله فيه في سورة مريم: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ

стр. 39

الرَّحْمنِ عَهْداً كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً «١» . ومن جماعة المستهزئين: الأسود بن عبد يغوث الزهري القرشي من بني زهرة أخوال رسول الله كان إذا رأى أصحاب النبي مقبلين يقول قد جاءكم ملوك الأرض استهزاء بهم لأنهم متقشفين: ثيابهم رثة، وعيشهم خشن، وكان يقول لرسول الله سخرية: أما كلمات اليوم من السماء؟ ومنهم: الأسود بن عبد المطلب الأسدي ابن عم خديجة كان هو وشيعته إذا مرّ عليهم المسلمون يتغامزون وفيهم نزل في سورة التطفيف إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ «٢» . ومنهم: الوليد بن المغيرة عم أبي جهل، كان من عظماء قريش وفي سعة من العيش سمع القران مرة من رسول الله ﷺ ، فقال لقومه بني مخزوم: والله لقد سمعت من محمّد انفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن وإنّ له لحلاوة، وأن عليه لطلاوة، وأن أعلاه لمثمر، وأن أسفله لمغدق، وأنه يعلو وما يعلى، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، لتصبأنّ قريش كلها، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فتوجه وقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه، فقام فأتاهم فقال: تزعمون أن محمّدا مجنون فهل رأيتموه يهوّس؟ وتقولون أنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قطّ؟ وتزعمون أنه كذّاب فهل جرّبتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك اللهمّ لا، ثم قالوا فما هو؟ ففكر قليلا ثم قال: ما هو إلّا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فارتج النادي فرحا «٣» فأنزل الله في شأن الوليد في سورة المدثر مخاطبا لرسوله

стр. 40

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ «١» وأنزل فيه أيضا في سورة ن وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ كثير الحلف وكفى بهذا زاجرا لمن اعتاد الحلف مَهِينٍ حقير، وأراد به الكذاب لأنه حقير في نفسه هَمَّازٍ عيّاب طعان مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ينقل الأحاديث للإفساد بين الناس مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ غليظ جاف (بعد ذلك زنيم) دخيل أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ «٢» كناية عن الإذلال والتحقير لأن الوجه أكرم عضو والأنف أشرف ما فيه ولذلك اشتقّوا منه كل ما يدلّ على العظمة كالأنفة وهي الحمية فالوسم على أشرف عضو دليل الإذلال والإهانة. ومن المستهزئين: النضر بن الحارث العبدري من بني عبد الدار بن قصي كان إذا جلس رسول الله مجلسا يحدّثهم ويذكّرهم ما أصاب من قبلهم، قال النضر: هلمّوا يا معشر قريش فإني أحسن منه حديثا ثم يحدّث عن ملوك فارس، كان يعلم أحاديثهم، ويقول ما أحاديث محمّد إلّا أساطير الأولين وفيه نزل في سورة لقمان وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٣» وكل هؤلاء انتقم الله منهم كما قال الله تعالى في سورة الحجر إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ «٤» وقد وضع الله جلّ ذكره الوعد في صورة الماضي للتحقّق من وقوعه، لأن الاية مكية وهلاك هذه الفئة كان بعد الهجرة، فمنهم من قتل كأبي جهل

стр. 41

والنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، ومنهم من ابتلاه الله بأمراض شديدة فهلك منها كأبي لهب والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة. إسلام حمزة وكان بعض إيذائهم هذا سببا لإسلام عمّه حمزة بن عبد المطلب، فقد أدركته الحميّة عندما عيّرته بعض الجواري بايذاء أبي جهل لابن أخيه، فتوجه إلى ذلك الشقي وغاضبه وسبّه، وقال: كيف تسبّ محمدّا وأنا على دينه، ثم أنار الله بصيرته بنور اليقين حتى صار من أحسن الناس إسلاما، وأشدّهم غيرة على المسلمين، وأقواهم شكيمة على أعداء الدين حتى سمي أسد الله «٢» . وكما أوذي الرسول ﵊ أوذي أصحابه لاتباعهم له، خصوصا من ليس له عشيرة تحميه وتردّ كيد عدوه عنه، وكل هذا الأذى كان حلوا في أعينهم ما دام فيه رضاء الله، فلم يفتنوا عن دينهم بل ثبّتهم الله حتى أتم أمره على أيديهم، وصاروا ملوك الأرض بعد أن كانوا مستضعفين فيها، كما قال جلّ ذكره في سورة القصص وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ «٣» وقد حقق ما أراد. ومن الذين أوذوا في الله: بلال بن رباح «٤» كان مملوكا لأمية بن خلف الجمحي القرشي، فكان يجعل في عنقه حبلا ويدفعه إلى الصبيان يلعبون به وهو

стр. 42

يقول: أحد أحد، لم يشغله ما هو فيه عن توحيد الله. وكان أمية يخرج به في وقت الظهيرة في الرمضاء- وهي الرمل الشديد الحرارة لو وضعت عليه قطعة لحم لنضجت- ثم يؤمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره. ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمّد وتعبد اللات والعزى، فيقول: أحد أحد. مرّ به أبو بكر يوما فقال: يا أمية أما تتقي الله في هذا المسكين حتى متى تعذبه؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى. فاشتراه منه وأعتقه فأنزل الله فيه وفي أمية في سورة الليل. فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى أمية بن خلف الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الصدّيق الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى «١» بما يعطيه الله في الاخرى جزاء أعماله. وقد نبه الله جلّ ذكره على أن بذل الصديق ماله في شراء بلال وعتقه لم يكن الا ابتغاء وجه ربه، وكفى بهذا شرفا وفضلا للصديق ﵁ وأرضاه «٢» ، وقد أعتق غير بلال جماعة من الأرقاء أسلموا فعابهم مواليهم. ومنهم حمامة أم بلال وعامر بن فهيرة «٣» كان يعذب حتى لا يدري ما يقول، وأبو فكيهة «٤» كان عبدا لصفوان بن أمية بن خلف. ومنهم امرأة تسمى زنيّرة «٥» عذبت في الله حتى عميت فلم يزدها ذلك إلّا إيمانا، وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون لهؤلاء وأتباعهم لو كان ما أتى به محمّد خيرا ما سبقونا إليه أفتسبقنا زنيرة إلى رشد فأنزل الله في سورة الأحقاف

стр. 43

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ «١» . وممن أعتق أبو بكر بعد شرائه: أم عنيس «٢» كانت أمة لبني زهرة وكان يعذبها الأسود بن عبد يغوث. وممن عذب في الله: عمار بن ياسر وأخوه وأبوه وأمه كانوا يعذبون بالنار فمرّ بهم رسول الله ﷺ فقال: صبرا ال ياسر فموعدكم الجنة اللهم اغفر لال ياسر وقد فعلت. أما أبو عمار وأمه فماتا تحت العذاب رحمهما الله، وأما هو فثقل عليه العذاب فقال بلسانه كلمة الكفر، فإن أبا جهل كان يجعل له دروعا من الحديد في اليوم الصائف ويلبسه إيّاها، فقال المسلمون: كفر عمار، فقال ﵊: عمار مليء إيمانا من فرقه «٣» إلى قدمه، وأنزل الله في شأنه استثناء في حكم المرتد، فقال جل ذكره في سورة النحل مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «٤» . وممن أوذي في الله خبّاب بن الأرت سبي في الجاهلية فاشترته أم أنمار، وكان حدادا وكان النبي يألفه قبل النبوة، فلما شرّفه الله بها أسلم خباب، فكانت مولاته تعذبه بالنار فتأتي بالحديدة المحمّاة فتجعلها على ظهره ليكفر، فلا يزيده إلا إيمانا. وجاء خباب مرّة إلى رسول الله وهو متوسد بردة «٥» في ظل الكعبة فقال: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد ﵊ محمّرا وجهه فقال: إنه كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ويوضع المنشار على فرق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرنّ الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت «٦» لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه «٧» . قال ذلك ﵊ وهو في هذه

стр. 44

الحال الشديدة التي لا يتصوّر فيها أعقل العقلاء وأنبل النبلاء قوة منتظرة أو سعادة مستقبلة اللهم الا أن ذلك وحي يوحى إليه. ثم أنزل الله تعالى تثبيتا للمؤمنين أول سورة العنكبوت الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ. وممن أوذي في الله: أبو بكر الصديق، ولما اشتدّ عليه الأذى أجمع أمره على الهجرة من مكة إلى جهة الحبشة، فخرج حتى أتى برك الغماد «١» فلقيه ابن الدّغنّة (وهو سيد قبيلة عظيمة اسمها القارة) فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: مثلك يا أبا بكر لا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ، فأنا لك جار، فارجع وأعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل ابن الدغنة معه، وطاف في أشراف قريش، فقال لهم: أبو بكر لا يخرج مثله. أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق! فلم تكذّب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا له مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصلّ فيها ما شاء، وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لابي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القران فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه. وكان رجلا بكّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القران، فأفزع ذلك أشراف قريش، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا قد أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وأنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه بفناء داره فعل، وأن أبى ألا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك «٢» ولسنا مقرين لابي بكر الإستعلان. فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فأما أن تقصر على ذلك، وأما أن ترجع إليّ

стр. 45

ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفزت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله (رواه البخاري) وكان ذلك سببا لإيصال أذى عظيم إلى أبي بكر ﵁. وبالجملة فلم يخل أحد من المسلمين من أذيّة لحقته ولكن كل ذلك ضاع سدى تلقاء ثباتهم وعظيم إيمانهم، فإنهم لم يسلموا لغرض دنيوي يرجون حصوله فيسهل ارجاعهم، ولكن وفّقهم الله لإدراك حقيقة الإيمان فرأوا كل شيء دونه سهلا. ولما رأى كفار قريش أن ذلك الأذى لم يجدهم نفعا، بل كلّما زادوا المسلمين أذى أزداد يقينهم، اجتمعوا للشورى فيما بينهم فقال لهم عتبة بن ربيعة العبشمي من بني عبد شمس بن عبد مناف وكان سيّدا مطاعا في قومه: يا معشر قريش ألا أقوم لمحمد فأكلّمه وأعرض عليه أمورا عله يقبل بعضها فنعطيه إياها، ويكف عنا، فقالوا يا أبا الوليد: فقم إليه فكلّمه. فذهب إلى رسول الله وهو يصلي في المسجد، وقال: يا ابن أخي إنك منّا حيث قد علمت من خيارنا حسبا ونسبا وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم، وسفّهت أحلامهم. وعبت الهتهم ودينهم، وكفّرت من مضى من ابائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها: فقال ﵊: قل يا أبا الوليد أسمع، فقال يا ابن أخي إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا من الجن «١» لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، وإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى، فقال ﵊: لقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم، قال: فاسمع مني فقرأ رسول الله ﷺ أول سورة فصلت: حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ

стр. 46

يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ «١» . فأمسك عتبة بفيه، وناشده الرحم أن يكفّ عن ذلك، فلمّا رجع عتبة سألوه فقال: والله لقد سمعت قولا ما سمعت مثله قطّ، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة ولا بالسحر، يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها بي، خلّوا بين الرجل، وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فو الله ليكونن لكلامه الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فعزّه عزّكم، فقالوا: لقد سحرك محمّد، فقال: هذه رأيي «٢» . ثم عرضوا عليه بعد ذلك أن يشاركهم في عبادتهم ويشاركوه في عبادته فأنزل الله في ذلك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ «٣» فلا تتوهموا أني أجيبكم لطلبكم من الإشراك بالله، فأيسوا منه، وطلبوا بعد ذلك أن ينزع من القران ما يغيظهم من ذم الأوثان والوعيد الشديد، فيأتي بقران غيره أو يبدّله الله جوابا لهم في سورة يونس قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ «٤» وقد حصل له مع كفار قريش نادرة تكون لمن استهان بالضعيف كمصباح يستضيء به، وهو أنه بينما الرسول ﵊ مع كبراء قريش وأشرافهم يتألفهم ويعرض عليهم القران وما جاء به من الدين إذ أقبل عليه عبد الله

стр. 47

بن أم مكتوم الأعمى «١» - وهو ممن أسلموا قديما- والنبي مشتغل بالقوم، وقد لقي منهم مؤانسة حتى طمع في إسلامهم، فقال له عبد الله: يا رسول الله علّمني مما علّمك الله وأكثر عليه القول، فشق ذلك على الرسول، وكره قطعه لكلامه، وخاف ﵊ أن يكون التفاته لذلك المسكين ينفر عنه قلب أولئك الأشراف فأعرض عنه فعاتبه الله على ذلك بقوله أول سورة عبس عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى «٢» فما عبس رسول الله ﷺ بعدها في وجه فقير، وكان إذا أقبل عليه عبد الله بن أم مكتوم يقول له: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. ولمّا رأى المشركون أن هذه المطالب التي يعرضونها لا تقبل منهم أرادوا أن يدخلوا في باب اخر، وهو تعجيز الرسول بطلب الايات، فاجتمعوا وقالوا: يا محمد إن كنت صادقا فأرنا اية نطلبها منك وهي أن تشق لنا القمر فرقتين، فأعطاه الله هذه المعجزة، وانشقّ القمر فرقتين، فقال رسول الله: اشهدوا، وهذه القصة رواها عبد الله بن مسعود وهو من السابقين الأولين رويت عنه من طرق كثيرة، ورواها عبد الله بن عباس وغيره، ورواها عنهم جمع غزير حتى صار الحديث كالمتواتر «٣» وقد ذكرها القران الكريم في قوله تعالى أول سورة القمر اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ فحينما رأى المعاندون هذه الاية الكبرى قال بعضهم: لقد سحركم ابن أبي كبشة فأنزل الله فيهم وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «٤»

стр. 48

ثم سألوا الرسول بعد ذلك ايات لا يقصدون بذلك إلّا التعنّت والعناد، فمنها أن قالوا كما في سورة الاسراء لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ولم يجبهم الله إلّا بقوله قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا «١» لأن الله علم ما تكنّه جوانحهم من التعصب والعناد، فلا يؤمنون مهما جاءهم من البينات كما قال جل ذكره في سورة الأنعام وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ «٢» وكيف يرجى الخير ممّن قالوا كما في سورة الانفال اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٣» ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فأهدنا إليه، وهذه سنة من سنن الأنبياء إذا رأوا من طلاب الايات عنادا، وإنهم يطلبونها تعجيزا لا يسألون الله إنفاذ هذه الايات كيلا يحلّ بقومهم الهلاك كما حصل لعاد وثمود وغيرهم، وهذا هو المراد من قوله تعالى في سورة الإسراء وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ «٤» وقد حصل للمسيح ﵇ أنه لما وقف أمام هيردوس طلب منه اية فلم يجبه إلى طلبه، فلما رأى ذلك سخر منه وردّه بيلاطس بعد أن كان يأسف عليه ويتمنى لقاءه، وذلك مذكور في الإصحاح الثالث والعشرون من إنجيل لوقا. (هذا) ولمّا رأى المشركون ضعفهم عن مقاومة المسلمين بالبرهان تحوّلوا إلى سياسة القوة التي اختارها قوم إبراهيم عندما عجزوا عنه حيث قالوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ كما في سورة الأنبياء «٥» أما هؤلاء فازدادوا بالأذى على كل من أسلم رجاء صدّهم عن اتباع الرسول ﵇، ولم يتركوا بابا إلّا ولجوه، فقال عليه الصلاة السلام لأصحابه: تفرّقوا في الأرض، فإن الله سيجمعكم، فسألوه عن الوجه فأشار إلى الحبشة.

стр. 49

هجرة الحبشة الأولى فعند ذلك تجهز ناس للخروج من ديارهم وأموالهم فرارا بدينهم كما أشار ﵊، وهذه هي أول- هجرة من مكة، وعدة أصحابها عشرة رجال وخمس نسوة وهم» : عثمان بن عفّان، وزوجه رقيّة بنت رسول الله. وأبو سلمة وزوجه أم سلمة، وأخوه لأمه أبو سبرة ابن أبي رهم. وزوجه أم كلثوم، وعامر بن ربيعة وزوجه ليلى، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وزوجه سهلة بنت سهيل. وعبد الرحمن بن عوف. وعثمان بن مظعون. ومصعب بن عمير، وسهيل ابن البيضاء، والزّبير بن العوام. وجلّهم من قريش «٢» ، وكان عليهم فيما روى ابن هشام عثمان بن مظعون. فساروا على بركة الله، ولمّا انتهوا إلى البحر، استأجروا سفينة أوصلتهم إلى مقصدهم، فأقاموا امنين من أذى يلحق بهم من المشركين، ولم يبق مع النبي ﵇ إلا القليل. إسلام عمر «٣» وفي ذلك الوقت أسلم الشهم الهمام عمر بن الخطاب العدوي القرشي «٤» بعد ما كان عليه من كراهية المسلمين وشدّة أذاهم، قالت ليلى «٥» : - إحدى المهاجرات لأرض الحبشة مع زوجها- كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلمّا ركبت بعيري أريد أن أتوجّه إلى أرض الحبشة إذا أنابه، فقال لي: إلى أين يا أم عبد الله؟ فقلت قد اذيتمونا في ديننا، نذهب في أرض الله

стр. 50

حيث لا نؤذى، فقال: صحبكم الله، فلما جاء زوجي عامر أخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال ترجين أن يسلم والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب! وذلك لما كان يراه من قسوته وشدّته على المسلمين، ولكن حصلت له بركة دعوة المصطفى ﷺ فإنه قال قبيل إسلامه: «اللهم أعز الإسلام بعمر «١» وكان إسلامه في دار الأرقم بن أبي الأرقم التي كان المسلمون يجتمعون فيها وقد حقّق الله بإسلامه ما رجاه ﵊، فقد قال عبد الله بن مسعود من رواية البخاري (ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر) فإنه طلب من رسول الله أن يعلن صلاته في المسجد ففعل، وقد أدرك الكفار كابة شديدة حينما رأوا عمر أسلم، وكانوا قد أرادوا قتله حتى اجتمع جمع حول داره ينتظرونه، فجاء العاص بن وائل السّهمي (وهو من بني سهم حلفاء بني عدي قوم عمر) وعليه حلّة حبرة «٢» وقميص مكفوف بحرير، فقال لعمر: ما بالك؟ فقال: زعم قومك أنهم سيقتلونني ان أسلمت. قال: لا سبيل إليك فأنا لك جار، فأمن عمر. وخرج العاص فوجد الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ. قال: لا سبيل إليه. فرجع الناس من حيث أتوا «٣» . رجوع مهاجري الحبشة وبعد ثلاثة أشهر من خروج مهاجري الحبشة رجعوا إلى مكة حيث لا تتيسر لهم الإقامة فيها لأنهم قليلوا العدد- وفي الكثرة بعض الأنس- وأضف إلى ذلك أنهم أشراف قريش ومعهم نساؤهم، وهؤلاء لا يطيب لهم عيش في دار غربة بهذه الحالة.

стр. 51

وقد أولع بعض المؤرّخين بحكاية يجعلونها سببا في رجوع مهاجري الحبشة، وهي أنه بلغهم إسلام قومهم حينما قرأ عليهم الرسول سورة النجم، وتكلّم فيها كلاما حسنا عن الهتهم حيث قال بعد أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «١» تلك الغرانيق «جمع غرنوق وهي الطيور ويراد بها الملائكة» «٢» العلى وإن شفاعتهنّ لترتجى، فسجدوا إعظاما لذلك وفرحا. وهذا ممّا لا تجوز روايته إلّا من قليلي الإدراك الذين ينقلون كل ما وجدوه غير متثبتين من صحته. وها نحن أولاء نسوق لك أدلّة النقل والعقل على بطلان ما ذكر. أما الحديث فسنده ومتنه قلقان، فالسند قال فيه القاضي عياض في الشفاء: لم يخرجه أحد من أهل الصحّة ولا رواه ثقة بسند سليم «٣» ، وأمّا المتن فليس أصحاب رسول الله ولا المشركون مجانين حتى يسمعوا مدحا أثناء ذم ويجوز ذلك عليهم، فبعد ذكر الأصنام قال: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فالكلام غير منتظم. ولو كان ذلك قد حصل لاتّخذه الكفار عليه حجّة يحاجّونه بها وقت الخصام، وهم من نعرفهم من العناد فيما ليس فيه أدنى حجة، فكيف بهذه؟ وليس ذلك القيل أقل من تحويل القبلة إلى الكعبة وهذا قالوا فيه ما قالوا حتى سمّاهم الله سفهاء وأنزل فيهم

стр. 52

في سورة البقرة سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها «١» : ولكن لم يسمع عن أي واحد من رجالاتهم والمتصدرين للعناد منهم أن قال: مالك ذممت الهتنا بعد أن مدحتها. وكان ذلك أولى لهم من تجريد السيوف وبذل مهج الرجال. على أن المؤرّخين الذين ينقلون هذه العبارة ويجعلونها سببا لرجوع مهاجري الحبشة يقولون أثناء كلامهم إن الهجرة كانت في رجب، والرجوع كان في شوال. ونزول سورة النجم كان في رمضان، فالمدة بين نزول السورة ورجوع المهاجرين شهر واحد، والمتأمّل أدنى تأمل يرى أن الشهر كان لا يكفي في ذاك الزمن للذهاب من مكة إلى الحبشة والإياب منها، لأنه لم يكن إذ ذاك مراكب بخارية تسهّل السير في البحر، ولا تلغراف يوصل خبر إسلام قريش لمن بالحبشة، فلا غرابة بعد ذلك إن قلنا: أن هذه الخرافة من موضوعات أهل الأهواء الذين ابتلى الله بهم هذا الدين، ولكن الحمد لله فقد منّ علينا بحفظ كتابنا المجيد، الذي يحكم بيننا وبين كل مفتر كذّاب ففي السورة نفسها وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى «٢» والذي يلقيه الشيطان من أقبح ما يروى، فكيف يقوله ﵊ أو يجري على لسانه مما يثبت الشكوك في الوحي؟ الأمر الذي يريده السفهاء ردّ الله كيدهم في نحرهم. والذي ورد في الصحيح في موضوع هذا السجود ما رواه عبد الله بن مسعود «أن النبي ﵊ قرأ والنجم، فسجد، وسجد من كان معه إلّا رجلا «٣» أخذ كفا من حصى وضعه على جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته قتل بعد كافرا» «٤» ، وليس في هذا الحديث أدنى دلالة على أن الذين سجدوا معه هم مشركون، بل الذي يفيده قوله: «فرأيته قتل بعد كافرا» أنه كان مسلما ثم رأيته ارتدّ، وهذا ما حصل من بعض ضعاف القلوب الذين لم يتحمّلوا الأذى، فكفروا منهم: علي بن أمية بن خلف. هذا ولما رجع مهاجرو الحبشة إلى مكة لم يتمكن

стр. 53

من الدخول إليها إلّا من وجد له مجيرا، فدخل أبو سلمة في جوار خاله أبي طالب، ودخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، وقد ردّ عليه جواره حينما رأى ما صنعه بالمسلمين، فلم ير أن يكون مرتاحا وإخوانه يعذبون «١» . كتابة الصحيفة ولمّا ضاقت الحيل بكفار قريش عرضوا على بني عبد مناف الذين منهم الرسول ﵊ دية مضاعفة ويسلمونه فأبوا عليهم ذلك، ثم عرضوا على أبي طالب أن يعطوه سيدا «٢» من شبابهم يتبناه، ويسلّم إليهم ابن أخيه، فقال: عجبا لكم تعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ فلما رأوا ذلك أجمعوا أمرهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب ولدي عبد مناف وإخراجهم من مكة، والتضييق عليهم، فلا يبيعونهم شيئا، ولا يبتاعون منهم حتى يسلّموا محمدا للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة وضعوها في جوف الكعبة «٣» ، فانحاز بنو هاشم- بسبب ذلك في شعب أبي طالب، ودخل معهم بنو المطلب سواء في ذلك مسلمهم وكافرهم ما عدا أبا لهب، فإنه كان مع قريش، وانخزل عنهم بنو عمّيهم عبد شمس ونوفل ابني عبد مناف، فجهد القوم حتى كانوا يأكلون ورق الشجر «٤» ، وكان أعداؤهم يمنعون التجار من مبايعتهم وفي مقدّمة المانعين أبو لهب. هجرة الحبشة الثانية وبعد دخول الرسول وقومه الشّعب أمر جميع المسلمين أن يهاجروا للحبشة حتى يساعد بعضهم بعضا على الاغتراب، فهاجر معظمهم وكانوا نحو ثلاثة وثمانين رجلا وثماني عشر امرأة، وكان من الرجال جعفر بن أبي طالب وزوجه

стр. 54

أسماء بنت عميس، والمقداد بن الأسود، وعبد الله بن مسعود، وعبيد الله بن جحش، وامرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وتوجّه لهم الذين أسلموا من جهة اليمن وهم الأشعريون: أبو موسى وبنو عمه «١» . ولما رأت قريش ذلك أرسلت في أثرهم عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدايا إلى النجاشي ليسلّم المسلمين، فرجعا شرّ رجعة، ولم ينالا من النجاشي إلّا إهانة لما خاطبوه به من اخفار ذمته في قوم لاذوا به، أما بنو هاشم فمكثوا في الشعب قريبا من ثلاث سنوات في شدّة الجهد والبلاء لا يصلهم شيء من الطعام إلّا خفية. نقض الصحيفة وقد قام خمسة من أشراف قريش يطالبون بنقض هذه الصحيفة الظالمة، وهم: هشام بن عمرو بن الحارث العامري، وهو أعظمهم في ذلك بلاء، وزهير ابن أبي أميّة المخزومي ابن عمة الرسول عاتكة، والمطعم بن عديّ النوفلي، وأبو البختريّ ابن هشام الأسدي، وزمعة بن الأسود الأسدي، واتفقوا على ذلك ليلا، فلمّا أصبحوا غدا زهير وعليه حلّة، فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى لا يبيعون ولا يبتاعون! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة. فقال أبو جهل: كذبت، فقال زمعة لأبي جهل: أنت والله أكذب! ما رضينا كتابتها حين كتبت، فقال أبو البختري: صدق زمعة، وقال المطعم بن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، وصدّق على ما قيل هشام بن عمرو، فقام إليها المطعم بن عدي فشقها، وكانت الأرضة قد أكلتها فلم يبق فيها إلّا ما فيه اسم الله «٢» ، وقد أخبر النبي ﵊ عمه أبا طالب بذلك قبل أن يفعل ما ذكر، فخرج القوم إلى مساكنهم بعد هذه الشدة «٣» .

стр. 55

وفود نجران وقد وفد على الرسول بعد الخروج من الشّعب وفد من نصارى نجران «١» بلغهم خبره من مهاجري الحبشة، فسارعوا بالقدوم عليه حتى يروا صفاته مع ما ذكر منها في كتبهم، وكانوا عشرين رجلا أو قريبا من ذلك، فقرأ عليهم القران فامنوا كلّهم، فقال لهم أبو جهل «٢» : ما رأينا ركبا أحمق منكم أرسلكم قومكم تعلمون خبر هذا الرجل فصبأتم! فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم، لكم ما أنتم عليه ولنا ما أخترناه، فأنزل الله في ذلك في سورة القصص «٣» الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ «٤» . وقد كان أهل مكة حينما عجزوا عن أمر رسول الله ولم يتمكّنوا من مقارعة الحجة بالحجة رموه بالسحر مرّة وبالكذب أخرى، وبالجنون طورا وبالكهانة تارة، كل ذلك شأن العاجز المعاند الذي لا يستحي لمزيد عناده أن يقول: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٥» .

стр. 56

وفاة خديجة ﵂ «١» وبعد خروجه ﵇ من الشعب بقليل وقبل الهجرة بثلاث سنين توفيت خديجة بنت خويلد زوجه ﵂، كان ﵊ كثيرا ما يذكرها ويترحّم عليها، ولا غرابة فهي أوّل نفس زكية صدّقت رسول الله فيما جاء به عن ربّه، وقد جاء منها بأولاده كلّهم ما عدا إبراهيم «٢» ، فمنها زينب وهي أكبر بناته تزوّجها في الجاهلية أبو العاص بن الربيع «٣» ، وأعقب منها أمامة التي تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة «٤» ، ومنها رقية «٥» وأم كلثوم تزوجهما عثمان، الأولى بمكة قبل الهجرة، وهاجر بها إلى الحبشة، والثانية بالمدينة بعد أن ماتت أختها، ومنها فاطمة وهي أصغر بناته تزوجها علي بن أبي طالب، وقد جاءت خديجة بأولاد توفّوا صغارا، ولم يعش بعد رسول الله من أولاده إلّا فاطمة عاشت بعده قليلا. ولما توفيت خديجة حزن عليها رسول الله حزنا شديدا لما كانت عليه من الرّقة لرسول الله ومحاجزة الكفار عنه لما لها من الجاه في عشيرتها بني أسد، ومنها القاسم وكان به يكنى رسول الله ﷺ ، وعبد الله الملقب بالطّيب والطّاهر. زواج سودة وعقد ﵊ في الشهر الذي ماتت فيه خديجة على سودة بنت

стр. 57

زمعة العامرية القرشية «١» بعد أن توفي عنها زوجها وابن عمّها السكران بن عمرو، وقد كانت امنت بالله وبرسوله وخالفت أقاربها وبني عمها، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة في المرّة الثانية خوف الفتنة، وعقب رجوعه من هجرته توفي عنها، فلم يكن ثم أجمل مما صنعه الرسول ﷺ بزوج رجل امن به، ولو تركت لقومها مع ما هم عليه من الغلظة وكراهة الإسلام لفتنوها، وكرم نسبها في قومها يمنعها من التزوّج برجل أقلّ منها نسبا وشرفا. زواج عائشة ﵂ وبعد ذلك بشهر عقد على عائشة بنت صديقه أبي بكر وهي لا تتجاوز السابعة من عمرها، ولم يتزوج ﵇ بكرا غيرها، ودخل عليها بالمدينة أما سودة فدخل عليها بمكة. وبعد وفاة خديجة بنحو شهر توفي عمه أبو طالب الذي كان يمنعه من أذى أعدائه، ومع أنه كان لا يكذّب رسول الله ﷺ فيما جاء به بل يعتقد صدقه لم ينطق بالشهادتين حتى اخر لحظة من حياته، وفيه نزل في سورة القصص إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ «٢» . ولكن لأعماله العظيمة التي عملها مع رسول الله نرجو أن يخفف عنه «٣» . وعدم إسلامه هو وغالب أقارب الرسول ﷺ فيه من الحكمة ما لا يخفى. فإنهم لو بادروا باتّباعه لقيل: قوم يطلبون سيادة وفخرا ليسا لهم فجاؤوا بهذا الأمر المفترى، ولكن لما رأى المعاندون أن متّبعيه هم الغرباء عنه الذين ليسوا من عشيرته بل من أعدائها أحيانا كعثمان بن عفان من بني أمية، لم يكن عندهم أدنى حجة يقيمونها، اللهم إلّا

стр. 58

دعاويهم الكاذبة التي كانوا يتمسّكون بها حينما تصدعهم الحجة من قولهم: ساحر يفرّق بين المرء وزوجه وكاهن يتكهن بالغيب. وقد سمى رسول الله هذا العام الذي فقد فيه زوجه وعمه. «عام الحزن» . ولما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ ما لم يمكنها نيله في حياة أبي طالب. واشتد الأمر عليه حتى كانوا ينثرون التّراب على رأسه وهو سائر، ويضعون أوساخ الشاة عليه في صلاته، وتعلّقت به كفار قريش مرّة يتجاذبونه ويقولون له: أنت الذي تريد أن تجعل الالهة إلها واحدا؟ فما تقدم أحد من المسلمين حتى يخلّصه منهم لما هم عليه من الضعف إلّا أبو بكر فإنه تقدم وقال: أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله؟!. هجرة الطائف فلمّا رأى ﵊ استهانة قريش به أراد أن يتوجّه إلى ثقيف بالطائف «١» يرجو منهم نصرته على قومه ومساعدته حتى يتمّم أمر ربه لأنهم أقرب الناس إلى مكة وله فيهم خؤوله «٢» فإنّ أم هاشم بن عبد مناف عاتكة السلمية من بني سليم بن منصور وهم حلفاء ثقيف. فلما توجّه إليهم ومعه مولاه زيد بن حارثة قابل رؤساءهم وكانوا ثلاثة: عبد يا ليل ومسعود وحبيب أولاد عمرو بن عمير الثقفي. فعرض عليهم نصرته حتى يؤدي دعوته فردّوا عليه ردا قبيحا ولم ير منهم خيرا. وحينذاك طلب منهم ألايشيعوا ذلك عنه كيلا تعلم قريش فيشتد أذاهم لأنه استعان عليهم بأعدائهم، فلم تفعل ثقيف ما رجاه منهم ﵊ بل أرسلوا سفهاءهم وغلمانهم يقفون في وجهه في الطريق ويرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبه. وكان زيد بن حارثة يدرأ عنه إلى أن انتهى إلى شجرة كرم واستظل بها، وكانت بجوار بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما من أعدائه وكانا في البستان، فكره رسول الله مكانهما فدعا الله قائلا (اللهم اني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس، يا أرحم الرّاحمين، إلى من تكلني؟ إلى

стр. 59

عدو يتجهّمني «١» أم إلى قريب ملّكته أمري؟ إن لم تكن ساخطا عليّ فلا أبالي غير أنّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض، وأشرقت له الظّلمات وصلح عليه أمر الدّنيا والاخرة، ان تحلّ عليّ غضبك أو تنزل عليّ سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلّا بك) «٢» . فلما راه ابنا ربيعة رقّا له وأرسلا إليه بقطف من العنب مع مولى لهما نصراني اسمه عدّاس، فلما ابتدأ رسول الله ﷺ يأكل قال: (بسم الله الرّحمن الرّحيم) فقال عداس: هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال ﵊: من أي البلاد أنت وما دينك؟ فقال: نصراني من نينوى «٣» ، فقال له ﵊: من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ قال: وما علمك بيونس؟ «٤» فقرأ له من القران ما فيه قصة يونس، فلمّا سمع ذلك عداس أسلم، وأتى جبريل برسالة من الله جلّ ذكره، وقال: إن الله أمرني أن أطيعك في قومك لما صنعوه معك فقال ﵊ (اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون) فقال جبريل: صدق من سمّاك الرؤوف الرحيم «٥» . ولما كان بنخلة «٦» وفد عليه نفر من الجن يستمعون القران وهم ممّن ينتمون إلى موسى صلوات الله عليه، فلمّا سمعوه أنصتوا له ورجعوا إلى قومهم منذرين وأبلغوهم خبر رسول الله وفيهم نزل في سورة الأحقاف وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا

стр. 60

بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «١» وقد قصّ الله قصة الجن بعبارة أطول في سورة سميت باسمهم أولها قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً «٢» . الاحتماء بالمطعم بن عديّ ولما رجع ﵇ من الطائف هكذا لم يتمكّن من دخوله مكة لما علمه كفار قريش من أنه توجّه إلى الطائف يستنصر بأهليها عليهم، فأرسل ﵊ إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف يخبره أنه سيدخل مكة في جواره فأجاب إلى ذلك «٣» ، وتسلّح هو وبنوه وتوجّهوا مع رسول الله إلى المطاف، فقال له بعض المشركين: أمجير أنت أم تابع؟ فقال: بل مجير، قالوا: إذا لا تخفر ذمتك. وفد دوس وقدّم على رسول الله وهو بمكة الطّفيل بن عمرو الدّوسي «٤» من قبيلة دوس عشيرة أبي هريرة الصحابي الشهير، وكان الطفيل شريفا في قومه شاعرا نبيلا، فلما قرأ عليه القران أسلم «٥» ، فقال له رسول الله اذهب إلى قومك فادعهم إلى

стр. 61

الإسلام، ودعا لهم رسول الله فقال: اللهمّ اهد دوسا «١» ، فتوجّه إليهم الطفيل ودعاهم فامن بدعوته كثير منهم. وستأتي وفادته على الرسول مرّة ثانية بقومه في المدينة. الاسراء والمعراج «٢» وقبل الهجرة أكرمه الله بالإسراء والمعراج، أمّا الإسراء فهو توجّهه ليلا إلى بيت المقدس بإيلياء ورجوعه من ليلته، وأما المعراج فهو صعوده إلى العالم العلوي، وقد قال جمهور أهل السنة: أن ذلك كان بجسمه الشريف «٣» ، وكانت عائشة ﵂ تمنع رؤية رسول الله ربّه، وتقول: من قال: إنّ محمدا رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله، «٤» والإسراء مذكور في القران الكريم قال تعالى في

стр. 62

أول سورة الاسراء سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. وأمّا المعراج فقد ورد في صحيح السنة وأصح أحاديثه ما رواه الشيخان ونقله القاضي عياض في شفائه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أتيت بالبراق (وهو دابّة فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه) قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدّس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة «١» ، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا بادم فرحّب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى بن مريم فرحبا بي ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الأول، ففتح لنا وإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحّب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فذكر مثله، فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير. قال تعالى في سورة مريم وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا «٢» ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله، فإذا أنا بهارون فرحّب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فذكر مثله، فإذا أنا بموسى فرحّب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فذكر مثله، فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه «٣» ، ثم

стр. 63

ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كاذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال «١» فلما غشيها من أمر ربي ما غشيها تغيّرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إليّ ما أوحي، ففرض عليّ وعلى أمتي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فسله التّخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل قبلك وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي وقلت له: يا ربي خفّف عن أمتي فحطّ عني خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حطّ عني خمسا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي تعالى وبين موسى حتى قال سبحانه: يا محمد إنهنّ خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب له شيئا، ومن همّ بسيئة فعملها كتبت له سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه» . ثم رجع ﵊ من ليلته، فلما أصبح إلى نادي قريش فجاء إليه أبو جهل بن هشام فحدّثه رسول الله ﷺ بما جرى له فقال أبو جهل: يا بني كعب بن لؤي هلمّوا، فأقبل عليه كفار قريش، فأخبرهم الرسول الخبر، فصاروا بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا، وارتدّ ناس ممّن كان امن به من ضعاف القلوب، وسعى رجال إلى أبي بكر فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمّي من ذلك اليوم صدّيقا، ثم قام الكفار يمتحنون رسول الله فسألوه نعت بيت المقدّس وفيهم رجال رأوه، أما رسول الله فلم يكن راه قبل ذلك فجلّاه الله له فصار يصفه لهم بابا بابا وموضعا موضعا «٢» ، فقالوا: أما النعت فقد أصاب، فأخبرنا عن عيرنا، وكانت لهم عبر قادمة من الشام، فأخبرهم بعدد جمالها

стр. 64

وأحوالها، وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق «١» فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت، فقال اخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد، فلم يزدهم ذلك إلّا كبرا وعنادا، حتى قالوا: هذا سحر مبين، وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل وعلّم رسول الله كيفية الصلاة وأوقاتها: فيصلي ركعتين إذا ظهر الفجر، وأربع ركعات إذا زالت الشمس، ومثلها إذا ضوعف ظلّ الشيء، وثلاثا إذا غربت، وأربعا إذا غاب الشفق الأحمر. وكان ﵊ قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحا ومثلهما مساء كما كان يفعل إبراهيم ﵇. العرض على القبائل ولما رأى رسول الله ﷺ أنه يجد من قريش منعه من تأدية الرسالة وتسلّط الكبر والعظمة على قلوبهم، أراد الله أن يظهر أمر الدين على أيدي غيرهم من العرب، فكان ﵊ يخرج في المواسم العربية (وهي أسواق كانت العرب تعقدها للتجارة والمفاخرة) «٢» ويعرض نفسه على القبائل ليحموه حتى يؤدي رسالة ربه، فكان بعضهم يردّ ردّا جميلا. واخرون ردا قبيحا. وكان من أقبح القبائل ردا بنو حنيفة «٣» (رهط مسيلمة الكذاب) ، وطلب منه بنو عامر إن هم آمنوا به أن يجعل لهم أمر الرياسة من بعده، فقال لهم: الأمر لله يضعه حيث يشاء، وكان من الذين يحجّون البيت عرب يثرب (وهي مدينة بين مكة والشام) يقطنها قبيلتان: إحداهما من ولد الأوس. والثانية من ولد الخزرج (وهما أخوان) وكان بين أولادهما من العداوة ما يجعل الحرب لا تضع أوزارها بين الفريقين، فكانوا دائما في شقاق ونزاع، وكان يجاورهم في المدينة أقوام من اليهود وهم بنو قينقاع، وبنو قريظة وبنو النّضير وكان لهم الغلبة على يثرب أولا، فحاربهم العرب حتى صاروا ذوي النفوذ فيها والقوّة، وكان اليهود إذا خذلوا يستفتحون على أعدائهم باسم نبي يبعث قد قرب زمانه. ولما اختلفت كلمة العرب فيما بينهم

стр. 65

وشقت عصا الألفة حالفوا اليهود على أنفسهم، فحالف الأوس بني قريظة، وحالف الخزرج بني النضير وبني قينقاع واخر الأيام بينهم يوم بعاث قتل فيه أكثر رؤسائهم ولم يبق إلّا عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج، وأبو عامر الراهب من الأوس، ولذلك كانت عائشة تقول: كان يوم بعاث يوما قدّمه الله لرسول الله ﷺ ، وقد خطر ببال رؤساء الأوس أن يحالفوا قريشا على الخزرج، فأرسلوا إياس بن معاذ وأبا الحيسر أنس بن رافع مع جماعة يلتمسون ذلك الحلف في قريش، فلما جاؤوا مكة جاءهم رسول الله وقال: هل لكم في خير مما جئتم له أن تؤمنوا بالله واحده ولا تشركوا به شيئا، وقد أرسلني الله إلى الناس كافة، ثم تلا عليهم القران، فقال إياس بن معاذ: يا قوم هذا والله خير مما جئنا له، فحصبه أبو الحيسر وقال له: دعنا منك لقد جئنا لغير هذا فسكت. بدء إسلام الأنصار ولما جاء الموسم تعرّض رسول الله لنفر منهم يبلغون الستة، وكلّهم من الخزرج وهم أسعد بن زرارة «١» ، وعوف بن الحارث من بني النجار، ورافع بن مالك من بني زريق، وقطبة بن عامر من بني سلمة، وعقبة بن عامر من بني حرام، وجابر بن عبد الله من بني عبيد بن عدي، ودعاهم إلى الإسلام وإلى معاونته في تبليغ رسالة ربه، فقال بعضهم لبعض: إنه للنّبيّ الذي كانت تعدكم به يهود فلا يسبقنّكم إليه، فامنوا به وصدّقوه، وقالوا: إنّا تركنا قومنا بينهم من العداوة ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل، وهذا هو بدء الإسلام لعرب يثرب. العقبة الأولى «٢» فلمّا كان العام المقبل قدم اثنا عشر رجلا، منهم عشرة من الخزرج، واثنان من الأوس وهم: أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ ابنا الحارث، ورافع بن مالك،

стр. 66

وذكوان بن قيس، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، والعباس بن عبادة، وعقبة ابن عامر، وقطبة بن عامر، وهؤلاء من الخزرج وأبو الهيثم بن التّيهان، وعويم بن ساعدة وهما من الأوس، فاجتمعوا به عند العقبة، وأسلموا وبايعوا رسول الله على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب على ألّا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصونه في معروف، فإن وفّوا فلهم الجنة، وإن غشوا من ذلك شيئا فأمرهم إلى الله إن شاء غفر وإن شاء عذب «١» ، وهذه هي العقبة الأولى. فأرسل لهم ﵊ مصعب بن عمير العبدري «٢» وعبد الله ابن أم مكتوم- وهو ابن خالة خديجة- يقرانهم القران، ويفقهانهم في الدين، ونزل مصعب على أحد المبايعين أبي أمامة أسعد بن زرارة وصار يدعو بقية الأوس والخزرج للإسلام. وبينما هو في بستان مع أسعد بن زرارة إذ قال سعد بن معاذ «٣» رئيس قبيلة الأوس، لأسيد بن حضير «٤» ابن عم سعد: ألا تقوم إلى هذين الرجلين اللذين أتيا يسفّهان ضعفاءنا لتزجرهما، فقام لهما أسيد بحربته، فلمّا راه أسعد قال لمصعب: هذا سيّد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه، فلما وقف عليهما قال: ما جاء بكما تسفّهان- ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كان لكما بأنفسكما حاجة، فقال مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وان كرهته كففنا عنك ما تكره، فقرأ عليه مصعب القران فاستحسن دين الإسلام، وهداه الله له فتشهد ورجع إلى سعد، فسأله عمّا فعل فقال: والله ما رأيت بالرجلين بأسا، فغضب سعد وقام لهما متغيظا، ففعل معه مصعب كسابقه فهداه الله للإسلام، ورجع لرجال بني عبد الأشهل (وهم بطن من الأوس) فقال لهم: ما تعدّونني فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا. قال:

стр. 67

كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا، فلم يبق بيت من بيوت بني عبد الأشهل إلّا أجابه، وقد انتشر الإسلام في دور يثرب حتى لم يكن بينهم حديث إلّا أمر الاسلام. العقبة الثانية ولما كان وقت الحجّ في العام الذي يلي البيعة الأولى، قدم مكّة كثيرون منهم يريدون الحجّ وبينهم كثير من مشركيهم، ولما قابل وفدهم رسول الله، واعدوه المقابلة ليلا عند العقبة، فأمرهم ألاينبّهوا في ذلك الوقت نائما، ولا ينتظروا غائبا، لأن كل هذه الأعمال كانت خفية من قريش كيلا يطّلعوا على الأمر، فيسعوا في نقض ما أبرم، شأنهم مع رسول الله في أول أمره. ولما فرغ الأنصار من حجّهم توجّهوا إلى موعدهم كاتمين أمرهم عمّن معهم من المشركين، وكان ذلك بعد مضي ثلث الليل الأول، فكانوا يتسلّلون الرجل والرجلين حتى تمّ عددهم ثلاثا وسبعين رجلا، منهم اثنان وستون من الخزرج، وأحد عشر من الأوس، ومعهم امرأتان وهما نسيبة بنت كعب من بني النجار، وأسماء بنت عمرو من بني سلمة ووافقهم رسول الله هناك وليس معه إلّا عمه العباس بن عبد المطلب وهو على دين قومه، ولكن أراد أن يحضر أمر ابن أخيه ليكون متوثقا له، فلمّا اجتمعوا عرّفهم العباس بأن ابن أخيه لم يزل في منعة من قومه حيث لم يمكّنوا منه أحدا ممن أظهر له العداوة والبغضاء وتحمّلوا من ذلك أعظم الشدّة، ثم قال لهم: إن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك وإلّا فدعوه بين عشيرته فإنه لبمكان عظيم. فقال كبيرهم المتكلّم عنهم البراء ابن معرور «١» : والله لو كان لنا في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهجنا دون رسول الله، وعند ذلك قالوا لرسول الله ﷺ : خذ لنفسك ولربك ما أحببت. فقال: اشترط لربي أن تعبدوه واحده ولا تشركوا به شيئا، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم متى قدمت عليكم.

стр. 68

فقال له أبو الهيثم ابن التيهان «١» : يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال عهودا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم ﵊، وقال: بل الدّم الدّم والهدم الهدم، أي: ان طالبتم بدم طالبت به وأن أهدرتموه أهدرته. وحينذاك ابتدأت المبايعة وهي العقبة الثانية، فبايعه الرجال على ما طلب، وأول من بايع أسعد بن زرارة وقيل البراء بن معرور، ثم تخير منهم اثني عشر نقيبا لكل عشيرة منهم واحد تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس وهم أبو الهيثم بن التّيّهان، وأسعد بن زرارة، وأسيد بن حضير، والبراء بن معرور، ورافع بن مالك وسعد بن أبي خيثمة «٢» ، وسعد بن الربيع، وسعد بن عبادة «٣» ، وعبد الله بن رواحة «٤» ، وعبد الله بن عمرو وعبادة بن الصامت «٥» ، والمنذر بن عمرو، ثم قال لهم: أنتم كفلاء على قومكم، ككفالة الحواريّين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي، ولأمر ما أراده الله بلغ خبر هذه البيعة مشركي قريش، فجاؤا ودخلوا شعب الأنصار وقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم لصاحبنا تخرجونه من أرضنا، وتبايعونه على حربنا «٦» ؟ فأنكروا ذلك، وصار بعض المشركين الذين لم يحضروا المبايعة يحلفون لهم أنهم لم يحصل منهم شيء في ليلتهم وعبد الله بن أبيّ كبير الخزرج يقول: ما كان قومي ليفتاتوا «٧» عليّ بشيء من ذلك. هجرة المسلمين إلى المدينة ولما رجع الأنصار إلى المدينة ظهر بينهم الإسلام أكثر من المرة الأولى. أما رسول الله ﷺ وأصحابه فازداد عليهم أذى المشركين لما سمعوا أنه حالف قوما

стр. 69

عليهم، فأمر ﵊ جميع المسلمين بالهجرة إلى المدينة، فصاروا يتسلّلون خيفة قريش أن تمنعهم. وأول من خرج أبو سلمة المخزومي زوج أم سلمة «١» ومعه زوجه، وكان قومها منعوها منه، ولكنهم أطلقوها بعد فلحقت به «٢» ، وتتابع المهاجرون فرارا «٣» بدينهم ليتمكّنوا من عبادة الله الذي امتزج حبّه بلحمهم ودمهم، حتى صاروا لا يعبؤون بمفارقة أوطانهم والابتعاد عن ابائهم وأبنائهم ما دام في ذلك رضى الله ورسوله ﷺ . ولم يبق منهم إلّا أبو بكر وعلي وصهيب وزيد بن حارثة، وقليلون من المستضعفين الذين لم تمكّنهم حالهم من الهجرة، وقد أراد أبو بكر الهجرة فقال له ﵊: على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر «٤» استعدادا لذلك. دار الندوة أما قريش فكانوا كأنهم أصيبوا بمسّ الشيطان حينما طرق مسامعهم مبايعة الأنصار له على الذّود عنه حتى الموت، فاجتمع رؤساؤهم «٥» وقادتهم في دار الندوة (وهي دار قصيّ بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلّا فيها) يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه، فقال قائل منهم: نخرجه من أرضنا كي نستريح منه، فرفض هذا الرأي لأنهم قالوا: إذا خرج اجتمعت حوله الجموع لما يرونه من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه. وقال اخر: نوثقه ونحبسه حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من الموت. فرفض هذا الرأي كسابقه لأنهم قالوا: إن الخبر لا يلبث أن يبلغ أنصاره، ونحن أدرى الناس بمن دخل دينه حيث يفضّلونه على الاباء

стр. 70

والأبناء، فإذا سمعوا ذلك جاؤوا لتخليصه وربما جرّ هذا من الحرب علينا ما نحن في غنى عنه. وقال لهم طاغيتهم «١» : بل نقتله. ولنمنع بني أبيه من الأخذ بثأره، نأخذ من كل قبيلة شابا جلدا يجتمعون أمام داره، فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد، فيفترق دمه في القبائل، فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قريش كلهم بل يرضون بالدية، فأقرّوا هذا الرأي. هذا مكرهم، ولكن ارادة الله فوق كل إرادة وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «٢» فأعلم نبيّه بما دبّره الأعداء في سرّهم، وأمره باللحاق بدار هجرته، بدار فيها ينشر الإسلام، ويكون فيها لرسول الله ﷺ العزّة والمنعة. وهذا من الحكمة بمكان عظيم فإنه لو انتشر الإسلام بمكّة لقال المبغضون: إن قريشا أرادوا ملك العرب، فعمدوا إلى شخص منهم، وأوعزوا إليه أن يدّعي هذه الدعوى حتى تكون وسيلة لنيل ماربهم، ولكنهم كانوا له أعداء ألدّاء اذوه شديد الأذى حتى اختار الله له مفارقة بلادهم والبعد عنهم. هجرة المصطفى ﷺ «٣» فتوجّه من ساعته إلى صديقه أبي بكر، وأعلمه أنّ الله قد أذن له في الهجرة فسأله أبو بكر: الصحبة، فقال: نعم، ثم عرض عليه إحدى راحلتيه اللتين كانتا معدّتين لذلك، فجهزهما أحثّ «٤» الجهاز، وصنعت لهما سفرة «٥» في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر «٦» نطاقها «٧» وربطت به على فم الجراب، واستأجرا

стр. 71

عبد الله بن أريقط من بني الدّيل بن بكر، وكان هاديا ماهرا، وهو على دين كفار قريش فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال. ثم فارق الرسول ﵊ أبا بكر وواعده المقابلة ليلا خارج مكّة، وكانت هذه الليلة هي ليلة استعداد قريش لتنفيذ ما أقرّوا عليه، فاجتمعوا حول باب الدار، ورسول الله داخله، فلمّا جاء ميعاد الخروج، أمر ابن عمه عليا بالمبيت مكانه كي لا يقع الشكّ في وجوده أثناء الليل، فإنهم كانوا يردّدون النظر من شقوق الباب ليعلموا وجوده، ثم سجّى «١» عليّا ببرده وخرج على القوم وهو يقرأ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ «٢» فألقى الله النوم عليهم حتى لم يره أحد، ولم يزل ﵊ سائرا حتى تقابل مع الصدّيق، وسارا حتى بلغا غار ثور «٣» فاختفيا فيه. أما المشركون فلمّا علموا بفساد مكرهم وأنهم إنما باتوا يحرسون علي بن أبي طالب لا محمّد بن عبد الله، هاجت عواطفهم فأرسلوا الطلب من كل جهة، وجعلوا الجوائز لمن يأتي بمحمّد أو يدلّ عليه، وقد وصلوا في طلبهم إلى ذلك الغار الذي فيه طلبتهم بحيث لو نظر أحدهم تحت قدميه لنظرهما حتى أبكى ذلك أبا بكر فقال له ﵊: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا «٤» فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم يحن لأحد منهم التفاتة إلى ذلك الغار «٥» بل صار أعدى الأعداء أمية بن خلف يبعد لهم اختفاء المطلوبين في مثل هذا الغار «٦» فأقاما فيه ثلاث ليال حتى ينقطع الطلب، وكان يبيت عندهم عبد الله بن أبي بكر «٧» (وهو

стр. 72

شاب ثقف «١» ولقن) «٢» فيدلج «٣» من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت «٤» بها، فلا يسمع أمرا يكتادان «٥» به إلّا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان عامر بن فهيرة يروح عليهما بقطعة من غنم، يرعاها حين تذهب ساعة من العشاء، ويغدو بها عليهما، فإذا خرج من عندهما عبد الله تبع أثره عامر بالغنم كيلا يظهر لقدميه أثر. ولما انقطع الطلب خرجا بعد أن جاءهما الدليل «٦» بالراحلتين صبح ثلاث، وسارا متّبعين طريق الساحل، وفي الطريق لحقهم طالبا، سراقة بن مالك المدلجي «٧» وكان قد رأى رسل مشركي قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره. فبينما هو في مجلس من مجالس قومه بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام عليهم وهم جلوس فقال: يا سراقة إني رأيت انفا أسودة «٨» بالساحل أراها محمدا وأصحابه، فعرف سراقة أنهم هم، ولكنه أراد أن يثني عزم مخبره عن طلبهم، فقال: إنّك رأيت فلانا فلانا انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم، ثم لبث في المجلس ساعة، وقام وركب فرسه ثم سار حتى دنا من الرسول ﷺ ومن معه، فعثرت به فرسه فخرّ عنها ثم ركبها ثانيا وسار حتى صار يسمع قراءة المصطفى وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت «٩» قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخرّ عنها، ثم زجرها حتى نهضت، فلم تكد تخرج يديها حتى سطح لأثرهما غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فعلم سراقة أنّ عمله ضائع سدى، وداخله رعب عظيم، فناداهما بالأمان فوقف ﵊ ومن معه حتى جاءهم،

стр. 73

ويقول سراقة: وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرهم بما يريد بهم الناس، وعرض عليهم الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئا بل قالا له: اخف عنا. فسأله سراقة أن يكتب له كتاب أمن، فأمر أبا بكر فكتب «١» . وبذلك انقضت هذه المشكلة التي أظهر الله فيها مزيد عنايته برسوله ﷺ . وكان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله وقدومه عليهم يخرجون إلى الحرة «٢» حتى يردهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد أن أطالوا انتظارهم، فلمّا أووا إلى بيوتهم أو فى رجل من يهود أطم «٣» من اطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله وأصحابه يزول بهم السراب يظهرهم تارة ويخفيهم أخرى، فقال اليهوديّ بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدّكم أي حظكم الذي تنتظرون، فثاروا إلى السلاح فتلقّوا رسول الله بظهر الحرة «٤» . النزول بقباء «٥» فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء، والذي حققه المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان في اليوم الثاني من ربيع الأول الذي يوافق ٢٠ سبتمبر سنة ٦٢٢، وهذا أول تاريخ جديد «٦» لظهور الإسلام بعد أن مضى عليه ثلاث عشرة سنة، وهو مضيق عليه من مشركي قريش، ورسول الله ممنوع من الجهر بعبادة ربه، أما الان فقد اواه الله هو وصحابته رضوان الله عليهم بعد أن كانوا قليلا يتخطفهم الناس.

стр. 74

هجرة الأنبياء وبهذه الهجرة تمّت لرسولنا ﷺ سنّة إخوانه من الأنبياء من قبله، فما من نبي منهم إلّا نبت به بلاد نشأته «١» ، فهاجر عنها، من إبراهيم أبي الأنبياء خليل الله إلى عيسى كلمة الله وروحه كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم أهينوا من عشائرهم، فصبروا ليكونوا مثالا لمن يأتي بعدهم من متّبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام في طاعة الله. فسل مصر وتاريخها تنبئك عن اسرائيل وبنيه أنهم هاجروا إليها حينما رأوا من بنيها ترحيبا بهم، وتركهم وما يعبدون إكراما ليوسف وحكمته. ولما مضت سنون، نسي فيها المصريون تدبير يوسف وفضله عليهم، فاضطهدوا بني اسرائيل واذوهم، خرج بهم موسى وهارون ليتمكّنوا من إعطاء الله حقه في عبادته، وهرب المسيح ﵇ من اليهود حينما كذّبوه، فأرادوا الفتك به حتى كان من ضمن تعاليمه لتلاميذه (طوبى للمطرودين من أجل البرّ لأنّ لهم ملكوت السموات) ثم قال بعد (افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم طردوا الأنبياء الذين قبلكم) وسل القرى التي حلّت بها نقمة الله بكفر أهلها كديار لوط وعاد وثمود تنبئك عن مهاجرة الأنبياء منها قبل حلول النقمة، فلا غرابة أن هاجر ﵊ من بلاد منعه أهلها من تتميم ما أراده الله سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا «٢» . أعمال مكّة هذا ولنبين لك مجمل ما دعا إليه الرسول ﵊ بمكّة من أصول الدين وذلك أمران: الأول: الاعتقاد بواحدانية الله وألايشرك معه في العبادة غيره، سواء كان ذلك الغير صنما كما يفعل مشركو مكّة، أو أبا أو زوجة أو بنتا كما عليه بعض الطوائف الاخرى كالنصارى، ولولا الاعتقاد بواحدانية الله ما كلّف أحد نفسه تكاليف الحياة من اداب الأخلاق بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من شهواتها وملذّاتها ما دام ذلك خافيا عن الناس.

стр. 75

الثاني: الاعتقاد بالبعث والنشور وأنّ هناك يوما ثانيا للإنسان يجازى فيه على ما صنعه في الدنيا إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وعلى هذين الأمرين جاء غالب الاي المكية، فقلّما نرى سورة من سور مكّة إلّا مشحونة بالاستدلال عليهما وتوبيخ من تركهما، وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل، وبراهين لا تحتاج لفلسفة الذين يشغلون أنفسهم بما لا طائل تحته مما يضيع الوقت سدى. ونزل على رسول الله ﷺ بمكة من القران معظمه، وهو ما عدا ثلاثا وعشرين سورة منه، وهي: البقرة، ال عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحجّ، النور، الأحزاب، القتال «١» ، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق، التحريم، النصر، هذه كلها مدنية وباقي القران مكي. ولما نزل ﵊ بقباء، نزل على شيخ بني عمرو كلثوم بن الهدم «٢» وكان يجلس للناس ويتحدّث لهم في بيت سعد بن خيثمة «٣» لأنه كان عزبا ونزل أبو بكر بالسّنح- محلة بالمدينة- على خارجة بن زيد «٤» من بني الحارث من الخزرج. مسجد قباء وأقام رسول الله بقباء ليالي «٥» أسس فيها مسجد قباء الذي وصفه الله بأنه مسجد أسس على التقوى من أول يوم «٦» ، وصلّى فيه ﵊ بمن
следующие страницы →