تمهيد
بقلم الدكتور محمّد عبد الرحمن شميلة الأهدل (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين، وبعد:
لقد حظي تاريخ العظماء بالاهتمام البالغ على امتداد تاريخ الأمم الإنسانيّة، فدوّنت سيرهم وأخبارهم، ورصدت في جبين التّاريخ حياتهم وشمائلهم، وأضاءت في سماء المعالي أخلاقهم، وارتوى التّابعون من مناهلهم الرّويّة، ورأوا أنّ ذلك هو المنهج الأقوم، والسّبيل الّذي لا اعوجاج فيه.
ولا مراء أنّ أعظم عظماء الإنسانيّة على الإطلاق، وأفضل المصطفين.. هو منقذ البشريّة من الضّلالة والعمى؛ من جعله الله تعالى الرّحمة المهداة، وختم به الرّسالات السّماويّة: أبو القاسم محمّد بن عبد الله، النّبيّ الأوّاه ﷺ .
فهو أولى أن تدوّن شمائله، وأن تقرع الأسماع صفاته الخلقيّة والخلقيّة، وسمته وهديه، وأمره ونهيه.
стр. 2
(٢)
لذلك دأب أولو العلم على تقييد ذلك كلّه، وعنوا منذ فجر تاريخ الدّعوة الإسلاميّة بكلّ ما يتّصل به ﷺ من الأمور الشّرعيّة، أو الشّؤون العاديّة، وكان ذلك بطريقة استيعابيّة، وأسلوب استقصائيّ، بحيث إنّ هذه المعارف الوفيرة جلّت لنا تلك الشّخصية الفريدة، بكلّ خصائصها وسماتها، فكانت هذه العلوم منارا تتراءى في ضيائه الشّخصية المحمّديّة تزهو في حلل الكمال والجمال، وينبعث من تلك الذّات أريج الجلال والهيبة والعظمة، وكيف لا تكون كذلك، وقد حلّى التّنزيل الحكيم جيده بعقود المدح والتّكريم، فقال له: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
(٣)
ولأنّ الرّعيل الأول من الصّحب الكرام هم الجيل المثاليّ؛ لأنّهم خرّيجو مدرسة النّبوّة، الّذين تلقّفوا الفرقان غضّا طريّا من في رسول الله ﷺ ، وإنّهم كانوا أشدّ الخلق هيبة له، وأكثرهم أدبا معه، وأعظمهم إجلالا له وتوقيرا.. من أجل ذلك لم يكونوا يرفعون أبصارهم إلى محيّاه هيبة وإجلالا، وإعظاما وإكبارا.
وإذا تأمّلنا معظم أحاديث الشّمائل التي تحكي صفات رسول الله ﷺ الخلقيّة.. نجد أن رواتها من الصّحابة أحد اثنين:
стр. 3
إمّا من الصّحابة صغار الأسنان ممّن لم يكونوا يدركون تماما العظمة النبويّة، وما يجب له من الحقوق، فيدفعهم ذلك إلى الحملقة في الذّات المحمّديّة على وجه يمكّنهم من وصفها الوصف الدّقيق.
وإمّا أن يكون من أولئك الّذين هم قريبو عهد بالإسلام، أو من الأعراب الّذين لم يفقهوا بعد اداب الإسلام، وما يجب عليهم تجاه الشخصيّة النّبويّة.
(٤)
ولا مراء أنّ الصّحابة الكرام ما تركوا شيئا من أخبار المصطفى ﷺ .. إلا وقيدوه، ولا شيئا عن هيئته وسمته ولبسه وطعامه وشرابه وغير ذلك.. إلا ورووه، ولا صفة تكسب المحبة والاتّباع.. إلا وأذاعوها، ذلك لأنّ محبّته ﵊.. عبادة، والتّأسّي به.. علامة على تلك المحبّة. وقديما قيل:
تعصي الحبيب وأنت تزعم حبّه ... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
ولقد حملت المحبة الأكيدة الصّادقة أنس بن مالك اتّباع المحبوب فيما كان شرعا أو عادة، بل وفيما أملته الطبيعة البشريّة.
ففي «الصّحيح» وغيره قال أنس: رأيت رسول الله ﷺ يتتبع الدّبّاء في القصعة فما زلت أحبّ الدّبّاء من يومئذ.
وإذا كان هذا حالهم في شؤون العادات، فكيف يكون حالهم في أمور الشّرع والعبادات؟
стр. 4
لا شكّ أنّهم كانوا أشدّ تمسّكا بالهدي النّبويّ، وتطبيقه بحذافيره وكذلك كان الأمر.
وهذا أبو أيّوب الأنصاريّ لما رأى رد رسول الله ﷺ الطّعام الّذي فيه الثّوم، كره هذه الشّجرة وعاداها حتّى الممات، وما هذا إلّا لما أشرب قلبه من حبّ الصّادق المصدوق ﷺ ، فتولّد عن ذلك التّأسّي به في كلّ صغيرة وكبيرة.
(٥)
وبناء على ذلك: فإنّ من لازم المحبّة.. الاتّباع الكامل، والاقتفاء الشّامل لمن جاءنا بالشّرع المطهّر، والتأسّي بشخصيّته في شؤون الحياة جميعها، هذا هو الاتّباع.
أمّا من يزعم محبّته ويدّعي ذلك، وهو مخالف لسيرته، متراخ عن أمره، واقع في نهيه.. فهذا الصّنيع علامة على زيف دعواه، ودليل صريح على تخبّطه في ظلام العصيان، فالسفينة لا تجري على أرض يابسة.
ترجو النّجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السّفينة لا تجري على اليبس
(٦)
وإذا كنّا في عصرنا الحاضر المتموّج بالغرائب والعجائب نشاهد كثيرا من المعنيّين بالتّراث يعرضون شمائل شخصيّات لا خلاق لها، وليس لها في ميزان الفضائل مثقال حبّة من خير، ويعظّمون اثارهم الّتي تركوها،
стр. 5
ويذيعون ذلك في الرّائي وغيره، ويثيرون الضّجيج الإعلاميّ حول هذه الشّخصيات؛ مع أنها ليس لها وزن، ولا قيمة أخلاقيّة، وقد تكون شخصيّة ملحدة، لا تؤمن بخالقها، وليس عندها ذرّة من إيمان.. ألا يجدر بنا معشر الأمّة الإسلاميّة أن نستعرض شمائل المصطفى ﷺ ، ونكرّر ذكرها كلّما عنّت فرصة أو سنح وقت؟! فإنّ ذلك أدعى إلى حسن الاقتداء، وباعث على جميل الاقتفاء.
وإذا كان المولى تقدست أسماؤه قد قال لرسوله ﷺ على إثر ذكر سير المصطفين الأخيار: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، فما أحرانا ونحن الخطّاؤون أن نستعرض شمائل رسول الله ﷺ ، وسمته، وهديه؛ فإنّ في ذلك تثبيتا لأفئدتنا، وازديادا لإيماننا، وتقوية لمحبّتنا، وإنارة لأفكارنا.
لذلك كلّه.. فإنّ فنّ (الشّمائل المحمّديّة) الّذي يرسل الضّوء على صفاته البهيّة، ومحاسنه العليّة، وأخلاقه الزّكية.. من الفنون المباركة العظيمة، والعلوم الشريفة الثّمينة؛ لأنّه وسيلة من وسائل ازدياد الإيمان، وطريق مؤدّ إلى امتلاء القلب بتعظيمه ومحبّته، واقتفاء هديه وسنّته، وتعظيم شعائر ملّته، وفي ذلك السّعادة في الدّارين.
هذا وإنّ من أجمع ما ألّف في الشّمائل، وأوسع ما وصلنا في هذا الباب كتاب: (وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول ﷺ .. إذ هو سفر عظيم المقدار، كثير النّفع، متّسم بالاستيعاب، مشتمل على ما يصبو إليه الأحباب.
стр. 6
أشرقت من سطوره أنوار التّحقيق، وسالت من صفحاته أعذب الصّفات لسيّد السّادات ﷺ .
كيف لا، ومؤلّفه صاحب القلم السّيّال، والسّحر الحلال:
أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل النّبهانيّ، الّذي طارت بمؤلّفاته الرّكبان، ووقف نشاطه على خدمة السّيرة المحمّديّة والسنّة الغرّاء، وفاز بالشّرف المؤبّد، والأجر الّذي لا ينفد.
وبعد: فإليكم أحبّاءنا الأكارم الشّمائل المحمّديّة، تتبختر في حللها القشيبة، وتشعّ منها الأنوار المحمّديّة، وتجلّي لنا أحاديثه الشّخصيّة الّتي اختارها الله تعالى لتكون أعظم هديّة إلى الإنسانيّة جمعاء، إنّها تكشف لنا عن سمات وهيئة صاحب اللّواء المحمود، والحوض المورود، والشّفاعة والجود، صلّى الله وسلّم عليه وعلى اله وصحبه ما ارتفع إلى السّماء أذان، وما لهج بكلمة التّوحيد مسلم.
وقد دأبت دار المنهاج على إخراج التّراث الإسلاميّ سليما محقّقا، وحملت على عاتقها أمانة نشر العلم النّافع، ورفع لوائه؛ تبصيرا للنّاس، ومساهمة في نشر الدّعوة، وتقريبا للعلوم الشّرعية. والله تعالى من وراء القصد.
د. محمّد عبد الرحمن شميلة الأهدل
стр. 7
ترجمة الشيخ يوسف بن إسماعيل بن النبهاني رحمه الله تعالى
هو الأديب الشّاعر المفلق، العلّامة المتقن الورع، الحجّة التّقي العابد، المحبّ الصّادق، المتفاني في حبّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، المكثر من مدائحه؛ تأليفا ونقلا ورواية وإنشاء وتدوينا.
ناصر الدّين، أبو الفتوح وأبو المحاسن يوسف بن إسماعيل بن يوسف إسماعيل بن محمّد بن ناصر الدّين النّبهاني؛ نسبة لبني نبهان «١» .
وكانت ولادته في قرية (اجزم) يوم الخميس سنة (١٢٦٥ هـ) .
حفظ القران على والده، وكان شيخا معمّرا بلغ الثمانين، وكان والده مراة للقدوة الصالحة، فقد كان يختم كل ثلاثة أيام ختمة، مع محافظة على ضروب الطاعات، واستغراق الأوقات في القربات، مما كان له أبلغ الأثر في تكوين هذا الناشئ الذي تغذى بلبان الهدى والتقى بين يدي والده الصالح، في تلك البيئة النقية الطاهرة.
стр. 8
ولمّا أتمّ حفظ القران الكريم وحفظ بعض المتون.. أرسله والده إلى مصر- وكان عمره إذ ذاك سبع عشرة سنة- فالتحق بالأزهر الشريف في غرّة محرم الحرام سنة (١٢٨٣ هـ) ، وجاور في رواق الشوام، ودأب على الدرس والتحصيل، وتلقّى العلم من كبار الأئمة وجهابذة علماء الأمة، وكان موفقا حسن الاختيار والاهتداء إلى الراسخين في العلم المحققين في المعقول والمنقول، الذين لا يشق لهم غبار أمثال:
الشيخ إبراهيم السقا الشافعي (ت ١٢٩٨ هـ) .
والشيخ محمد الدمنهوري الشافعي (ت ١٢٨٦ هـ) .
والشيخ إبراهيم الزرو الخليلي الشافعي (ت ١٢٨٧ هـ) .
والشيخ أحمد الأجهوري الضرير الشافعي (ت ١٢٩٣ هـ) .
والشيخ عبد الهادي نجا الأبياري الشافعي (ت ١٣٠٥ هـ) .
والشيخ أحمد راضي الشرقاوي الشافعي.
والشيخ مصطفى الإشراقي الشافعي.
والشيخ صالح أجباوي الشافعي.
والشيخ محمد العشماوي الشافعي.
والشيخ محمد شمس الدين الأنبابي الشافعي (شيخ الجامع الأزهر) .
والشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي.
والشيخ أحمد البابي الحلبي الشافعي.
стр. 9
- والشيخ شريف الحلبي الحنفي.
والشيخ فخر الدين اليانيه وي الحنفي.
والشيخ عبد القادر الرافعي الطرابلسي الحنفي (شيخ رواق الشوام) .
والشيخ حسن العدوي المالكي (ت ١٢٩٨ هـ) .
والشيخ محمد روبه المالكي.
والشيخ حسن الطويل المالكي.
والشيخ محمد البسيوني المالكي.
والشيخ يوسف البرقاوي الحنبلي (شيخ رواق الحنابلة) .
رحمهم الله تعالى وجزاهم عن الأمة المحمدية أحسن الجزاء.
ثم بدا لصاحب الترجمة أن يسافر من مصر ليساهم في خدمة الإسلام، وقد علا كعبه، وبزغ نجمه ورسخ في علمي المعقول والمنقول في أسلوب عال، هو السحر الحلال.. يخاله الناظر فيه سهلا وهو بعيد المنال.. فرجع في رجب سنة (١٢٨٩ هـ) ، وأقام في مدينة عكا ينشر العلم، فأفاد المسلمين، وأعلى منار الدين.
ثم في سنة (١٢٩٢ هـ) رحل إلى الشام واجتمع على جماعة من العلماء؛ من أجلهم الإمام الفقيه المحدث البارع مفتي الشام السيد محمود أفندي الحمزاوي، فأجازه بإجازة مطولة بجميع مروياته بعد أن قرأ عليه في منزله بحضور جملة من طلبة العلم الشريف.
стр. 10
وجال في بلاد الشرق العربي ثم دخل الأستانة والموصل وحلب وديار بكر وشهرزور وبغداد وسامرّا وبيت المقدس والحجاز.
وتقلد القضاء في ولايات الشام، حتى صار رئيسا في محكمة الحقوق العليا ببيروت وذلك سنة (١٣٠٥ هـ) .
وحج عام ألف وثلاثمئة وعشرة، ثم دخل الحجاز بعد ذلك وأقام بالمدينة المنورة مدة.
وألف المؤلفات النافعة التي سارت بها الركبان وانتشرت في سائر البلدان، وقد فاقت على الستين كتابا في مختلف الفنون والعلوم.. وقد عظم ذكره بما صنف وابتكر، ونظم ونثر، وطبع ونشر، خصوصا في الجانب المحمدي الأعظم؛ فقد خدم السيرة المحمدية والجناب النبوي أرفع الخدمات ووقف حياته على ذلك، فنشر وكتب ما لم يتيسر لغيره في عصرنا هذا ولا عشر معشاره.. وذلك لإخلاصه رحمه الله تعالى..
ولما أحيل إلى المعاش.. شدّ أزره وشمر عن ساعد الجد، وأقبل على العبادة بهمة عالية وعزيمة صادقة، وقلب دائب على الذكر وتلاوة القران وكثرة الصلاة على رسول الله ﷺ ، فأحيا ليله ونهاره بإقامة الفرائض ونوافل الطاعات، لا يفتر ولا يسأم، حتى عدّ ما يقوم به من خوارق العادات.
وكانت أنوار العبادة وتعظيم السنة والعمل بها ظاهرة على وجهه المبارك.. ولم يزل على الحال المرضي حتى دعاه مولاه.. فأجابه ولباه..
стр. 11
وكانت وفاته في بيروت في أوائل شهر رمضان الكريم سنة (١٣٥٠ هـ) عن عمر يناهز الخمس والثمانين، وهو قوي البدن، تام الصحة، مستوف لقراءة أوراده، وما اعتاده من الطاعات وأعمال الخير.
أجزل الله ثوابه، وألحقنا به على الإيمان الكامل في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، بفضله ورحمته.. امين.
стр. 12
توطئة
لقد توافرت الدواعي لخدمة هذا الكتاب المبارك، لكونه من أجلّ ما ألف في شمائل سيد الأنام محمد صلى الله عليه واله وسلم، إلا أنه ينبغي لنا أن ننبه على ما يلي:
١- لقد أضربنا عن تخريج الأحاديث النبوية والأخبار والاثار المروية في هذا الكتاب.. وذلك لأمرين:
أولهما: أن ذلك سيقطع متعة القراءة المركزة المتواصلة على القارئ، فالتخريج موضوع متخصص له رجاله وأهله.
الأمر الثاني: إحالة القارئ الكريم إلى كتاب «منتهى السول» للشيخ عبد الله اللّحجي الذي شرح فيه هذا الكتاب «وسائل الوصول» أيما شرح، وفي أربعة مجلّدات ضخام؛ ويكفي أن نعلم أن اللحجي رحمه الله تعالى قد استغرق في تأليفه (٢٥ سنة) ، فضبط عباراته، وشرح كلماته، وخرج أحاديثه، بتفصيل وبسط، مع إضافة فوائد، وتقييد شوارد، وكذلك بإتمام مباحثه، وتوسيع دائرته.
٢- ولأننا نريد أن يستفيد الجميع من هذا الكتاب بحول الله وقوته..
ضبطنا الكتاب بالشكل الكامل، مع وضع علامات الترقيم المناسبة، وكذلك شرحنا العبارات الغريبة أو الغامضة حتى يستوعب المعنى، ويتضح المبنى.
стр. 13
هذا كله.. بالإضافة إلى أناقة الطبع، وحسن الإخراج.
وعليه: فإن البداية لمن أراد التحليق عاليا في شمائل الرسول صلى الله عليه واله وسلم.. في كتابنا هذا «وسائل الوصول» ، والنهاية في «منتهى السول» للشيخ عبد الله بن سعيد اللحجي، وهو أيضا من منشورات دار المنهاج.
وفي الختام: الله تعالى نسأل وهو صاحب الإحسان أن يتمم لنا الإحسان، وأن يشملنا بالغفران، وأن يصلح لنا كل شأن.
وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
الناشر في ربيع الأنور (١٤٢٣ هـ)
стр. 14
صورة عن المخطوط المستعان به في إخراج الكتاب
стр. 15
راموز الورقة الأولى لمخطوطة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة
стр. 16
راموز الورقة الأخيرة لمخطوطة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة
стр. 17
وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول ﷺ تأليف الشّيخ العالم العلّامة المحدّث يوسف بن إسماعيل النّبهانيّ رحمه الله تعالى ١٢٦٥ هـ- ١٣٥٠ هـ
стр. 18
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين، حمدا يوافي نعمه، ويكافىء مزيده، ويضاهي كرمه.
وأشهد ألاإله إلّا الله الملك الحقّ المبين، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله سيّد الخلق أجمعين.
اللهمّ؛ صلّ أفضل صلاة وأكملها، وأدومها، وأشملها، على سيّدنا محمّد عبدك الّذي خصّصته بالسّيادة العامّة، فهو سيّد العالمين على الإطلاق، ورسولك الّذي بعثته بأحسن الشّمائل وأوضح الدّلائل؛ ليتمّم مكارم الأخلاق.
صلاة تناسب ما بينك وبينه من القرب الّذي ما فاز به أحد، وتشاكل ما لديكما من الحبّ الّذي انفرد به في الأزل والأبد.
صلاة لا يعدّها ولا يحدّها قلم ولا لسان، ولا يصفها ولا يعرفها ملك ولا إنسان.
صلاة تسود كافّة الصّلوات كسيادته على كافّة المخلوقات. صلاة يشملني نورها من جميع جهاتي في جميع أوقاتي، ويلازم ذرّاتي في حياتي وبعد مماتي.
وعلى اله الأطهار، وأصحابه الأخيار، وسلّم تسليما كثيرا.
стр. 19
أمّا بعد:
فقد خطر لي أن أجمع كتابا أجعله وسيلة لبلوغي من رضا الله تعالى ورسوله المرام، وذريعة للانتظام في سلك «١» خدّامه ﵊.
ثمّ نظرت إلى قلّة علمي، وضعف فهمي، وكثرة ذنوبي، ووفرة عيوبي.. فأحجمت «٢» إحجام من عرف حدّه فوقف عنده، ثمّ تخطّرت «٣» سعة الكرم، وكوني من أمّة هذا النّبيّ الكريم.. فأقدمت إقدام الطّفل على الأب الشّفيق الحليم، بعد أن سمعت قول الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] .
فكم من أعرابيّ فدم «٤» ، لا أدب له ولا فهم، ولا عقل له ولا علم، ولا كرم ولا حلم.. قابل جنابه الشّريف بما غضب له المكان والزّمان، وخاطبه بما عبس له وجه السّيف واحتدّ له لسان السّنان «٥» فكان جوابه الإغضاء «٦» ، والعفو عمّن أساء، بل أدناه وقرّبه، وما لامه وما أنّبه، بل
стр. 20
أفرغته أخلاقه المحمّديّة في قالب كيمياء بأيادي الإحسان «١» ، حتّى اضمحلّت حدّة ذلك الوحش وانقلبت حديدته جوهرة إنسان، فتبدّل بغضه بالحبّ، وبعده بالقرب، وحربه بالسّلم، وجهله بالعلم.
واستحال إنسانا بعد أن كان ثعبانا، وصار حبيبا بعد أن كان ذيبا.
فهذا وأمثاله من شواهد مكارم أخلاقه ﷺ ..
أطمعني بإمكان قبولي في جملة خدمه، ودخولي في عداد حشمه، ولا يبعد عن سعة كرم الله تعالى أن يهب لي إكراما لرسوله فوق ما أمّلته من الرّضا والقبول.
وها أنا قد توكّلت عليه سبحانه، وقبضت قبضة من أثر الرّسول، فجمعت هذا الكتاب من اثاره في شمائله الشّريفة ﷺ ، وأدخلت فيه جميع الشّمائل الّتي رواها الإمام الحافظ أبو عيسى محمّد بن عيسى التّرمذيّ رضي الله تعالى عنه بعد حذف مكرّرها وأسانيدها، ولم أتقيّد بترتيبه وتبويبه، بل سلكت أسلوبا غير أسلوبه، وأضفت إليها من كتب الأئمّة الاتي ذكرهم أكثر منها بكثير، وألحقت بغريب الألفاظ ما تدعو إليه الحاجة من ضبط أو تفسير. فجاء كتابا حافلا ليس له في بابه نظير.
وسمّيته:
«وسائل الوصول إلى شمائل الرسول»
١٣- «حاشية الشّمائل» «١» لشيخ مشايخي، أستاذ الأستاذين، خاتمة العلماء العاملين: الشّيخ إبراهيم الباجوريّ رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
فهذه أصوله، لم يخرج عنها شيء منه. اللهمّ إلّا أن يكون ذلك في تفسير الغريب، فإنّي راجعت فيما لم أجده فيها كتب اللّغة، وذلك نزر يسير.
وقد ذكرت في بعض «الشّمائل» اسم الصّحابيّ راوي الحديث والإمام المخرّج له، وفي بعضها اسم الصّحابيّ فقط، ولم أذكر في بعضها غير متن الحديث تابعا في جميع ذلك الأصول المذكورة.
وقد رتّبته على مقدّمة «٢» ، وثمانية أبواب، وخاتمة.
المقدّمة تشتمل على تنبيهين:
التّنبيه الأوّل: في معنى لفظ الشّمائل.
والتّنبيه الثّاني: في الفوائد المقصودة من جمع شمائله ﷺ .
стр. 23
الباب الأوّل: في نسب رسول الله ﷺ ، وأسمائه الشّريفة، وفيه فصلان:
الفصل الأوّل: في نسبه الشّريف ﷺ .
الفصل الثّاني: في أسمائه الشّريفة ﷺ .
الباب الثّاني: في صفة خلقة رسول الله ﷺ ، وما يناسبها من أوصافه الشّريفة، وفيه عشرة فصول:
الفصل الأوّل: في جمال صورته ﷺ ، وما شاكلها.
الفصل الثّاني: في صفة بصره ﷺ واكتحاله.
الفصل الثّالث: في صفة شعره ﷺ وشيبه وخضابه، وما يتعلّق بذلك.
الفصل الرّابع: في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطّبيعيّة «١» .
الفصل الخامس: في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه.
الفصل السادس: في صفة صوته ﷺ .
الفصل السّابع: في صفة غضبه ﷺ وسروره.
стр. 24
- الفصل الثّامن: في صفة ضحكه ﷺ وبكائه وعطاسه.
الفصل التّاسع: في صفة كلامه ﷺ وسكوته.
الفصل العاشر: في صفة قوّته ﷺ .
الباب الثّالث: في صفة لباس رسول الله ﷺ وفراشه وسلاحه، وفيه ستّة فصول:
الفصل الأوّل: في صفة لباسه ﷺ ؛ من قميص وإزار ورداء وقلنسوة «١» وعمامة ونحوها.
الفصل الثّاني: في صفة فراشه ﷺ وما يناسبه.
الفصل الثّالث: في صفة خاتمه ﷺ .
الفصل الرّابع: في صفة نعله ﷺ وخفّه.
الفصل الخامس: في صفة سلاحه ﷺ .
الفصل السّادس: كان من خلقه ﷺ أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه.
الباب الرّابع: في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه ونومه، وفيه ستّة فصول:
стр. 25
- الفصل الأوّل: في صفة عيشه ﷺ وخبزه.
الفصل الثّاني: في صفة أكله ﷺ وإدامه «١» .
الفصل الثّالث: فيما كان يقوله ﷺ قبل الطّعام وبعده.
الفصل الرّابع: في صفة فاكهته ﷺ .
الفصل الخامس: في صفة شرابه ﷺ وقدحه.
الفصل السّادس: في صفة نومه ﷺ .
الباب الخامس: في صفة خلق رسول الله ﷺ وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته وصدقه، وحيائه ومزاحه، وتواضعه وجلوسه، وكرمه وشجاعته، وفيه ستّة فصول:
الفصل الأوّل: في صفة خلقه ﷺ وحلمه.
الفصل الثّاني: في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ.
الفصل الثّالث: في صفة أمانته ﷺ وصدقه.
الفصل الرّابع: في صفة حيائه ﷺ ومزاحه.
الفصل الخامس: في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه.
стр. 26
- الفصل السّادس: في صفة كرمه ﷺ وشجاعته.
الباب السّادس: في صفة عبادة رسول الله ﷺ وصلاته. وصومه، وقراءته، وفيه ثلاثة فصول.
الفصل الأوّل: في صفة عبادته ﷺ وصلاته.
الفصل الثّاني: في صفة صومه ﷺ .
الفصل الثّالث: في صفة قراءته ﷺ .
الباب السّابع: في أخبار شتّى من أحوال رسول الله ﷺ ، وبعض أذكار وأدعية كان يقولها في أوقات مخصوصة، وثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ ، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: في أخبار شتّى من أحواله ﷺ .
الفصل الثّاني: في بعض أذكار وأدعية كان يقولها ﷺ في أوقات مخصوصة.
الفصل الثّالث: في ثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ .
стр. 27
الباب الثّامن: في طبّه ﷺ ، وسنّه ووفاته، ورؤيته في المنام، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: في طبّه ﷺ .
الفصل الثّاني: في سنّه ﷺ ووفاته.
الفصل الثّالث: في رؤيته ﷺ في المنام.
الخاتمة: تشتمل على خمسين حديثا، أكثرها صحاح وحسان من أدعيته ﷺ «١» .
وأسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يجعل هذا الكتاب من أفضل الحسنات الجاري نفعها في الحياة وبعد الممات، بجاه نبيّه سيّد الرّسل الكرام، عليه وعليهم الصّلاة والسّلام.
стр. 28
مقدّمة الكتاب
وهي تشتمل على تنبيهين
стр. 29
التنبيه الأوّل في معنى لفظ الشمائل
هي في الأصل: الأخلاق والطّبائع.
قال في «القاموس» : (الشّمال: الطّبع، والجمع: شمائل) اهـ وقال في «لسان العرب» : (مفردها: شمال؛ بكسر الشّين.
قال جرير:
............... ... وما لومي أخي من شماليا «١»
وقال صخر أخو الخنساء:
أبا الشّتم إنّي قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا «٢»
وقال اخر «٣» :
هم قومي وقد أنكرت منهم ... شمائل بدّلوها من شمالي
أي: أنكرت أخلاقهم) .
стр. 30
ثمّ قال في مادّتها أيضا: (والشّمال: خليقة الرّجل «١» ، وجمعها:
شمائل. وإنّها لحسنة الشّمائل، ورجل كريم الشّمائل؛ أي: في أخلاقه ومخالطته) اهـ
وقد استعمل علماء الحديث الشّمائل في أخلاقه الشّريفة ﷺ على أصلها، وفي أوصاف صورته الظّاهرة أيضا على سبيل المجاز فاعلم ذلك.
стр. 31
التنبيه الثاني في الفوائد المقصودة من جمع شمائله ﷺ
ليس المقصود من جمع شمائله ﷺ مجرّد معرفة علم تاريخيّ تميل إليه النّفوس، وتجنح إليه القلوب، ويتحدّث به في المجالس، ويستشهد به على المقاصد، ونحو ذلك من الفوائد.
وإنّما المقصود من جمع شمائله ﷺ فوائد أخرى مهمّة في الدّين.
منها: التّلذّذ بصفاته العليّة وشمائله الرّضيّة ﷺ .
ومنها: التّقرّب إليه ﷺ ، واستجلاب محبّته ورضاه بذكر أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة، كما يتقرّب الشّاعر إلى الكريم بذكر أوصافه الجميلة، وخصاله النّبيلة.
ولا شكّ أنّ جمع شمائله ﷺ ونشرها.. هو أفضل وأكمل من مدحه بالقصائد، وقد رضي عمّن مدحه بها ك: حسّان، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير رضي الله تعالى عنهم، وكافأهم على ذلك.
стр. 32
فلا شكّ أنّه يرضى عمّن يعتني بجمع شمائله ونشرها ﷺ .
ومنها: تعرّضنا لمكافأته ﷺ على إحسانه إلينا، وإنقاذه إيّانا من ظلمات الضّلال إلى أنوار الهدى، ومن الشّقاوة الأبديّة إلى السّعادة السّرمديّة، وهذه نعمة كبرى لا تمكن مقابلتها بشيء، ولا يقدر على مكافأته عليها إلّا الله تعالى.
فجزاه الله تعالى عنّا أفضل ما جزى به مرسلا عمّن أرسل إليه، فإنّه أنقذنا به من الهلكة «١» ، وجعلنا من خير أمّة أخرجت للنّاس، دائنين بدينه الّذي ارتضى واصطفى به ملائكته، ومن أنعم عليه من خلقه، فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظّا في دين ودنيا، أو رفع بها عنّا مكروه فيهما، أو في أحد منهما.. إلّا ومحمّد ﷺ سببها القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها.
وهذه العبارة من قوله: (.. فجزاه الله ... إلى اخرها) عبارة إمامنا الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه نقلتها من «رسالته» «٢» الّتي رواها عنه صاحبه الرّبيع بن سليمان رحمه الله تعالى.
ومنها: أنّ معرفة شمائله الشّريفة تستدعي محبّته ﷺ ؛ لأنّ الإنسان مجبول على حبّ الصّفات الجميلة ومن اتّصف بها، ولا أجمل ولا أكمل من صفاته ﷺ .
стр. 33
فلا شكّ أنّ من يطّلع عليها ولم يكن مطبوعا على قلبه بطابع الضّلال.. يحبّ صاحبها ﷺ بيقين، وبمقدار زيادة محبّته ونقصها تكون زيادة الإيمان ونقصه، بل رضا الله تعالى والسّعادة الأبديّة، ونعيم أهل الجنّة ودرجاتهم فيها، جميع ذلك يكون بمقدار محبّة العبد له ﷺ زيادة ونقصا، كما أنّ سخط الله تعالى، والشّقاوة الأبديّة وعذاب أهل النّار ودركاتهم فيها.. يكون بمقدار بغضه ﷺ ، زيادة ونقصا.
ومنها: اتّباعه والاقتداء به لمن وفّقه الله تعالى فيما يمكن به الاقتداء؛ كسخائه وحلمه، وتواضعه، وزهده، وعبادته، وغيرها من مكارم أخلاقه، وشرائف أحواله ﷺ ، وذلك مستوجب لمحبّة الله تعالى الّتي فيها سعادة الدّارين.
قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ال عمران: ٣١] .
جعلنا الله تعالى من المتّبعين له ﷺ في شرعه القويم، وصراطه المستقيم، وحشرنا تحت لوائه، في زمرة أهل محبّته، عليه وعليهم الصّلاة والتّسليم.
стр. 34
الباب الأوّل
في نسب رسول الله ﷺ وأسمائه الشّريفة وفيه فصلان
стр. 35
الفصل الأوّل في نسبه الشريف ﷺ
هو سيّدنا محمّد رسول الله ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطّلب «١» بن هاشم «٢» بن عبد مناف «٣» بن قصيّ «٤» بن كلاب «٥» بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر «٦» بن مالك بن النّضر «٧» بن كنانة بن
стр. 36
خزيمة بن مدركة «١» بن إلياس بن مضر بن نزار «٢» بن معدّ بن عدنان.
إلى هنا إجماع الأمّة، وما بعده إلى ادم لا يصحّ فيه شيء يعتمد «٣» .
وقد كان رسول الله ﷺ إذا انتسب.. لم يجاوز في نسبته معدّ بن عدنان بن أدد، ثمّ يمسك ويقول: «كذب النّسّابون» ؛ قال الله تعالى وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الفرقان: ٣٨] .
وهذا النّسب أشرف الأنساب على الإطلاق.
فعن العبّاس رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«إنّ الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، ثمّ تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثمّ تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا» .
وعن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل،
стр. 37
واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله اختار خلقه؛ فاختار منهم بني ادم، ثمّ اختار بني ادم فاختار منهم العرب، ثمّ اختار العرب فاختار منهم قريشا، ثمّ اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم، ثمّ اختار بني هاشم فاختارني، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحبّ العرب فبحبّي أحبّهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» .
стр. 38
الفصل الثّاني في أسمائه الشريفة ﷺ
اعلم.. أنّ لرسول الله ﷺ أسماء كثيرة.
قال الإمام النّووي في «التّهذيب» : (قال الإمام الحافظ القاضي أبو بكر ابن العربّي المالكيّ في كتابه «عارضة الأحوذيّ في شرح التّرمذيّ» : قال بعض الصّوفيّة: لله ألف اسم، وللنّبيّ ﷺ ألف اسم) اهـ
وعن جبير بن مطعم بن عديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لي أسماء، أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الّذي يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدميّ «١» ، وأنا العاقب الّذي ليس بعده نبيّ» .
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: لقيت النّبيّ ﷺ في بعض طرق المدينة؛ فقال: «أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا نبيّ
стр. 39
الرّحمة، ونبيّ التّوبة، وأنا المقفّي «١» ، وأنا الحاشر، ونبيّ الملاحم» .
ومعنى (المقفّي) : المتّبع من قبله من الرّسل، وكان اخرهم وخاتمهم.
و (الملاحم) هي: الحروب.
ففي تسميته ﷺ نبيّ الملاحم إشارة إلى ما بعث به من القتال بالسّيف.
ولم يجاهد نبيّ وأمّته قطّ ما جاهد ﷺ وأمّته.
والملاحم الّتي وقعت وتقع بين أمّته وبين الكفّار.. لم يعهد مثلها قبله؛ فإنّ أمّته يقاتلون الكفّار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار إلى أن يقاتلوا الأعور الدّجّال.
وفي «التّهذيب» : (سمّاه الله في القران رسولا، نبيّا، أمّيّا، شاهدا، مبشّرا، نذيرا، داعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، ورؤوفا رحيما، ومذكّرا، وجعله رحمة ونعمة وهاديا ﷺ .
قال: وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «اسمي في القران: محمّد، وفي الإنجيل:
стр. 40
أحمد، وفي التّوراة: أحيد «١» ، وإنّما سمّيت أحيد لأنّي أحيد أمّتي عن نار جهنّم» .
وزاد نقلا عن ابن عساكر: الفاتح، وطه، وياسين، وعبد الله، وخاتم الأنبياء.
وقال القسطلّانيّ في «المواهب» ، والباجوريّ في «حاشية الشّمائل» : ذكر صاحب كتاب «شوق العروس وأنس النّفوس» ، وهو حسين بن محمّد الدّامغانيّ نقلا عن كعب الأحبار أنّه قال: اسم النّبيّ ﷺ عند أهل الجنّة: عبد الكريم، وعند أهل النّار:
عبد الجبّار، وعند أهل العرش: عبد الحميد، وعند سائر الملائكة:
عبد المجيد، وعند الأنبياء: عبد الوهّاب، وعند الشّياطين:
عبد القهّار، وعند الجنّ: عبد الرّحيم، وفي الجبال: عبد الخالق، وفي البراري: عبد القادر، وفي البحار: عبد المهيمن، وعند الحيتان: عبد القدّوس، وعند الهوامّ: عبد الغياث، وعند الوحوش:
عبد الرّزّاق، وعند السّباع: عبد السّلام، وعند البهائم: عبد المؤمن، وعند الطّيور: عبد الغفّار، وفي التّوراة: مؤذ مؤذ، وفي الإنجيل: