خزيمة بن مدركة «١» بن إلياس بن مضر بن نزار «٢» بن معدّ بن عدنان.
إلى هنا إجماع الأمّة، وما بعده إلى ادم لا يصحّ فيه شيء يعتمد «٣» .
وقد كان رسول الله ﷺ إذا انتسب.. لم يجاوز في نسبته معدّ بن عدنان بن أدد، ثمّ يمسك ويقول: «كذب النّسّابون» ؛ قال الله تعالى وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الفرقان: ٣٨] .
وهذا النّسب أشرف الأنساب على الإطلاق.
فعن العبّاس رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«إنّ الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، ثمّ تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثمّ تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا» .
وعن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل،
стр. 37
واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله اختار خلقه؛ فاختار منهم بني ادم، ثمّ اختار بني ادم فاختار منهم العرب، ثمّ اختار العرب فاختار منهم قريشا، ثمّ اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم، ثمّ اختار بني هاشم فاختارني، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحبّ العرب فبحبّي أحبّهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» .
стр. 38
الفصل الثّاني في أسمائه الشريفة ﷺ
اعلم.. أنّ لرسول الله ﷺ أسماء كثيرة.
قال الإمام النّووي في «التّهذيب» : (قال الإمام الحافظ القاضي أبو بكر ابن العربّي المالكيّ في كتابه «عارضة الأحوذيّ في شرح التّرمذيّ» : قال بعض الصّوفيّة: لله ألف اسم، وللنّبيّ ﷺ ألف اسم) اهـ
وعن جبير بن مطعم بن عديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لي أسماء، أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الّذي يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدميّ «١» ، وأنا العاقب الّذي ليس بعده نبيّ» .
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: لقيت النّبيّ ﷺ في بعض طرق المدينة؛ فقال: «أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا نبيّ
стр. 39
الرّحمة، ونبيّ التّوبة، وأنا المقفّي «١» ، وأنا الحاشر، ونبيّ الملاحم» .
ومعنى (المقفّي) : المتّبع من قبله من الرّسل، وكان اخرهم وخاتمهم.
و (الملاحم) هي: الحروب.
ففي تسميته ﷺ نبيّ الملاحم إشارة إلى ما بعث به من القتال بالسّيف.
ولم يجاهد نبيّ وأمّته قطّ ما جاهد ﷺ وأمّته.
والملاحم الّتي وقعت وتقع بين أمّته وبين الكفّار.. لم يعهد مثلها قبله؛ فإنّ أمّته يقاتلون الكفّار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار إلى أن يقاتلوا الأعور الدّجّال.
وفي «التّهذيب» : (سمّاه الله في القران رسولا، نبيّا، أمّيّا، شاهدا، مبشّرا، نذيرا، داعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، ورؤوفا رحيما، ومذكّرا، وجعله رحمة ونعمة وهاديا ﷺ .
قال: وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «اسمي في القران: محمّد، وفي الإنجيل:
стр. 40
أحمد، وفي التّوراة: أحيد «١» ، وإنّما سمّيت أحيد لأنّي أحيد أمّتي عن نار جهنّم» .
وزاد نقلا عن ابن عساكر: الفاتح، وطه، وياسين، وعبد الله، وخاتم الأنبياء.
وقال القسطلّانيّ في «المواهب» ، والباجوريّ في «حاشية الشّمائل» : ذكر صاحب كتاب «شوق العروس وأنس النّفوس» ، وهو حسين بن محمّد الدّامغانيّ نقلا عن كعب الأحبار أنّه قال: اسم النّبيّ ﷺ عند أهل الجنّة: عبد الكريم، وعند أهل النّار:
عبد الجبّار، وعند أهل العرش: عبد الحميد، وعند سائر الملائكة:
عبد المجيد، وعند الأنبياء: عبد الوهّاب، وعند الشّياطين:
عبد القهّار، وعند الجنّ: عبد الرّحيم، وفي الجبال: عبد الخالق، وفي البراري: عبد القادر، وفي البحار: عبد المهيمن، وعند الحيتان: عبد القدّوس، وعند الهوامّ: عبد الغياث، وعند الوحوش:
عبد الرّزّاق، وعند السّباع: عبد السّلام، وعند البهائم: عبد المؤمن، وعند الطّيور: عبد الغفّار، وفي التّوراة: مؤذ مؤذ، وفي الإنجيل:
стр. 41
طاب طاب، وفي الصّحف: عاقب، وفي الزّبور: فاروق، وعند الله:
طه، وياسين، وعند المؤمنين: محمّد ﷺ .
وكنيته: أبو القاسم؛ لأنّه يقسم الجنّة بين أهلها.
قوله: (مؤذ مؤذ) : نقل في «المواهب» عن السّهيليّ: أنّه بضمّ الميم، وإشمام الهمزة ضمّا بين الواو والألف، ممدودا. وقال: نقلته عن رجل أسلم من علماء بني إسرائيل، وقال معناه: طيّب طيّب) اهـ فيكون بمعنى الاسم الاخر وهو: (طاب.. طاب) .
وأمّا الفاروق: فهو الّذي يفرّق بين الحقّ والباطل، وهو معنى اسم (البار قليط) «١» المذكور في «إنجيل يوحنّا» .
وقد ألّف خاتمة الحفّاظ جلال الدّين السّيوطيّ رسالة سمّاها:
«البهجة السّنيّة في الأسماء النّبويّة» جمع فيها نحو الخمس مئة.
ونقل في «المواهب» عن كتاب «أحكام القران» لأبي بكر ابن العربيّ: أنّ لله تعالى ألف اسم، وللنّبيّ ﷺ ألف اسم.
قال القسطلّانيّ: (والمراد: الأوصاف، فكلّ الأسماء الّتي وردت أوصاف مدح، وإذا كان كذلك.. فله ﷺ من كلّ وصف اسم.
стр. 42
ثمّ إنّ منها ما هو مختصّ به، أو الغالب عليه، ومنها ما هو مشترك.
وكلّ ذلك بيّن بالمشاهدة لا يخفى.
وإذا جعلنا له من كلّ وصف من أوصافه اسما.. بلغت أسماؤه ما ذكر، بل أكثر.
قال: والّذي رأيته في كلام شيخنا- يعني الحافظ السّخاويّ- في «القول البديع» ، والقاضي عياض في «الشّفا» ، وابن العربيّ في «القبس» و «الأحكام» ، وابن سيّد النّاس وغيرهم.. يزيد على الأربع مئة، ثمّ سردها مرتّبة على حروف المعجم) .
وذكر منها الإمام الجزوليّ في «دلائل الخيرات» مئتين وواحدا.
وقال في «التّهذيب» : (وكنيته ﷺ المشهورة: أبو القاسم، وكنّاه جبريل ﷺ : أبا إبراهيم) .
وأفضل أسمائه ﷺ : محمّد.
قال القسطلّانيّ: (وقد سمّاه الله تعالى بهذا الاسم قبل الخلق بألفي عام، كما ورد في حديث أنس ﵁.
وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار: أنّ ادم أوصى ابنه شيثا فقال:
أي بنيّ؛ أنت خليفتي من بعدي، فخذها بعمارة التّقوى والعروة الوثقى، وكلّما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمّد، فإنّي رأيت اسمه مكتوبا على ساق العرش، ثمّ طفت السّماوات فلم أر فيها موضعا إلّا
стр. 43
ورأيت اسم محمّد مكتوبا عليه، وإنّ ربّي أسكنني الجنّة، فلم أر فيها قصرا ولا غرفة إلّا وجدت اسم محمّد مكتوبا عليه، ولقد رأيت اسم محمّد مكتوبا على نحور الحور العين، وعلى ورق قصب اجام الجنّة «١» ، وعلى ورق شجرة طوبى «٢» ، وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب «٣» ، وبين أعين الملائكة، فأكثر ذكره؛ فإنّ الملائكة تذكره في كلّ ساعاتها.
قال حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
أغرّ عليه للنّبوّة خاتم ... من الله من نور يلوح ويشهد
وضمّ الإله اسم النّبيّ إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذّن: أشهد
وشقّ له من إسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمّد
وأمّا اسم أحمد: فقد قال الباجوريّ في «حاشيته» :
هو في الأصل أفعل تفضيل، وسمّي بذلك لأنّه أحمد الحامدين لربّه؛ ففي «الصّحيح» : أنّه يفتح عليه يوم القيامة بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، وكذلك يعقد له لواء الحمد، ويخصّ بالمقام المحمود.
وبالجملة: فهو أكثر النّاس حامديّة ومحموديّة، فلذلك سمّي أحمد ومحمّدا. ولهذين الاسمين الشّريفين مزيّة على سائر الأسماء، فينبغي
стр. 44
تحرّي التّسمية بهما، فقد ورد في الحديث القدسيّ: «إنّي اليت على نفسي ألاأدخل النّار من اسمه أحمد، ولا محمّد» .
ورواه الدّيلميّ عن عليّ رضي الله تعالى عنه: ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه محمّد أو أحمد.. إلّا قدّس الله ذلك المنزل في كلّ يوم مرّتين) اهـ
стр. 45
الباب الثّاني في صفة خلقة رسول الله ﷺ وما يناسبها من أوصافه الشّريفة
وفيه عشرة فصول
стр. 46
الفصل الأوّل في جمال صورته ﷺ ، وما شاكلها
قال في «المواهب» : (اعلم أنّ من تمام الإيمان به ﷺ .. الإيمان بأنّ الله تعالى جعل خلق بدنه الشّريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق ادميّ مثله.
ولله درّ الأبو صيريّ «١» حيث قال:
فهو الّذي تمّ معناه وصورته ... ثمّ اصطفاه حبيبا بارئ النّسم
منزّه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
وقد حكى القرطبيّ رحمه الله تعالى في (كتاب الصّلاة) ، أنّه قال:
لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ ؛ لأنّه لو ظهر لنا تمام حسنه.. لما طاقت أعيننا رؤيته ﷺ اهـ
كان رسول الله ﷺ حسن الجسم. رواه غير واحد.
وروى التّرمذيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله
стр. 47
صلّى الله عليه وسلّم ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالادم، ولا بالجعد القطط ولا بالسّبط.
ومعنى (البائن) : الظّاهر طوله.
و (الأمهق) : الشّديد البياض، الخالي عن الحمرة.
و (الادم) : الأسمر.
و (الجعد) : من في شعره التواء.
و (القطط) : شديد الجعودة.
و (السّبط) : مسترسل الشّعر.
وكان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا «١» ، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمّة إلى شحمة أذنيه.
ومعنى (الرّجل) «٢» : من في شعره تكسّر قليل.
و (الجمّة) : مجتمع شعر الرّأس؛ وهي أكثر من الوفرة واللّمّة «٣» .
وكان رسول الله ﷺ شثن الكفّين والقدمين، ضخم الرّأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفّأ تكفّؤا؛ كأنّما ينحطّ من صبب.
ومعنى (شثن) : غليظ.
стр. 48
و (الكراديس) - جمع كردوس- وهو: مجمع العظام كالرّكبة والمنكب.
و (المسربة) : الشّعر الدّقيق الّذي كأنّه قضيب من الصّدر إلى السّرّة.
و (التّكفّؤ) : الميل إلى سنن «١» المشي، وهو: ما بين يديه كالسّفينة في جريها.
و (الصّبب) : المكان المنحدر من الأرض.
وكان رسول الله ﷺ جعدا رجلا «٢» ، ولم يكن بالمطهّم؛ ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير، أبيض مشرّب «٣» ، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد، ذا مسربة، شثن الكفّين والقدمين، إذا مشى.. تقلّع كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت.. التفت معا، بين كتفيه خاتم النّبوّة.
وهو خاتم النّبيّين، أجود النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من راه بديهة.. هابه، ومن خالطه معرفة.. أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله.
стр. 49
ومعنى (المطهّم) : البادن الكثير اللّحم «١» .
و (المكلثم) : المدوّر الوجه.
و (أدعج العينين) : شديد سوادهما.
و (أهدب الأشفار) : طويل شعر الأجفان.
و (المشاش) : رؤوس العظام.
و (الكتد) : مجتمع الكتفين.
و (أجرد) : غير أشعر.
و (تقلّع) : مشى بقوّة.
و (اللهجة) : الكلام.
و (العريكة) : الطّبيعة.
و (البديهة) : المفاجأة.
وكان رسول الله ﷺ سهل الخدّين «٢» ، ضليع الفم، سواء البطن والصّدر، أشعر المنكبين والذّراعين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين، رحب الرّاحة، أشكل العينين، أحمر الماقي، منهوس العقبين.
ومعنى (ضليع الفم) : واسعه، وهو ممدوح لدلالته على الفصاحة.
و (أشكل العينين) : في بياضهما حمرة.
стр. 50
و (منهوس العقبين) : قليل لحمهما.
وكان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرّب العين بحمرة.
وكان ﷺ أبلج الحاجبين «١» ، كأنّ ما بينهما الفضّة المخلّصة. وكانت عيناه نجلاوين «٢» ، أدعجهما «٣» ، وكان في عينيه تمزّج من حمرة، وكان أهدب الأشفار حتّى تكاد تلتبس من كثرتها.
وكان ﷺ ضخم الرّأس واليدين والقدمين.
وكان ﷺ سهل الخدّين صلتهما «٤» ، ليس بالطّويل الوجه، ولا المكلثم.
وكان ﷺ أحسن النّاس صفة وأجملها، كان ربعة إلى الطّول ما هو «٥» ، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدّين، شديد سواد الشّعر، أكحل العينين، أهدب الأشفار، إذا وطىء بقدمه.. وطىء بكلّها، ليس له أخمص «٦» ، إذا وضع رداءه عن منكبيه.. فكأنّه سبيكة فضّة، وإذا ضحك.. يتلألأ.
стр. 51
ومعنى (أسيل الخدّين) : ليس فيهما ارتفاع.
و (الأكحل) : أسود أجفان العين خلقة.
وكان ﷺ شبح الذّراعين، بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين.
ومعنى (شبح الذّراعين) : عريضهما ممتدّهما.
وكان رسول الله ﷺ عبل العضدين والذّراعين «١» ، وما تحت الإزار من الفخذين والسّاق، طويل الزّندين، رحب الرّاحتين، سائل الأطراف، كأنّ أصابعه قضبان الفضّة.
وكان ﷺ معتدل الخلق في السّمن، فبدن في اخر عمره، وكان مع ذلك لحمه متماسكا، يكاد يكون على الخلق الأوّل، لم يضرّه السّنّ.
وكان ﷺ أحسن النّاس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، بل كان ينسب إلى الرّبعة «٢» إذا مشى واحده، ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد من النّاس وهو ينسب إلى الطّول.. إلّا طاله رسول الله ﷺ ، ولربّما اكتنفه الرّجلان الطّويلان فيطولهما، فإذا فارقاه.. نسبا إلى الطّول؛ ونسب هو ﷺ إلى الرّبعة.
стр. 52
ويقول ﷺ : «جعل الخير كلّه في الرّبعة» .
وزاد ابن سبع في «الخصائص» : أنّه كان ﷺ إذا جلس.. يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين.
وكان ﷺ فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذّب، عظيم الهامة «١» ، رجل الشّعر، إن انفرقت عقيقته.. فرقها، وإلّا.. فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره.
أزهر اللّون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب؛ سوابغ في غير قرن «٢» ، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمّله أشمّ، كثّ اللّحية، سهل الخدّين، ضليع الفم، أشنب، مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة، معتدل الخلق.
بادن متماسك، سواء البطن والصّدر «٣» ، عريض الصّدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد «٤» ، موصول ما بين اللّبّة والسّرّة بشعر يجري كالخطّ، عاري الثّديين والبطن ما سوى ذلك «٥» ،
стр. 53
أشعر الذّراعين والمنكبين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين.
رحب الرّاحة، شثن الكفّين والقدمين، سائل الأطراف، خمصان «١» الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء؛ إذا زال.. زال قلعا «٢» ، يخطو تكفّيا ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى.. كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت.. التفت جميعا، خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء، جلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقيه بالسّلام.
ومعنى (الفخم) : العظيم في نفسه.
و (المفخّم) : المعظّم عند غيره.
و (المشذّب) : الظّاهر الطّول مع نحافة.
و (رجل الشّعر) : مسترسله.
و (العقيقة) : شعر الرّأس.
و (وفره) : جعله وفرة، وهي الشّعر النّازل عن شحمة الأذن إذا لم يصل إلى المنكبين.
و (أزهر) : مشرق اللّون، نيّره.
و (أزجّ الحواجب) : مقوّسها مع طول.
стр. 54
و (السّوابغ) : الكاملات.
و (أقنى العرنين) : طويل الأنف مع دقّة أرنبته «١» ، في وسطه بعض ارتفاع.
و (الأشمّ) : مرتفع قصبة الأنف.
و (الأشنب) : أبيض الأسنان مع بريق وتحديد فيها.
و (المفلّج) : منفرج الثّنايا.
و (الدّمية) : صورة من رخام ونحوه.
و (البادن) : السّمين سمنا معتدلا.
و (المتجرّد) : العضو العاري عن الشّعر.
و (اللّبّة) : النّقرة الّتي فوق الصّدر.
و (الرّحب) : الواسع.
و (سائل الأطراف) : طويلها طولا معتدلا.
و (خمصان الأخمصين) : متجافيهما عن الأرض.
و (الأخمص) : الموضع الّذي لا يمسّ الأرض عند الوطء من وسط القدم.
و (المسيح) : الأملس.
و (ينبو) : يتباعد.
стр. 55
و (إذا زال.. زال قلعا) : إذا مشى.. رفع رجليه بقوّة.
و (ذريع المشية) : واسع الخطو خلقة لا تكلّفا.
و (الملاحظة) : النّظر باللّحاظ؛ وهو: شقّ العين ممّا يلي الصّدغ.
و (يسوق أصحابه) : يقدّمهم بين يديه.
و (يبدر) : يبتدئ.
وكان رسول الله ﷺ أفلج الثّنيّتين، إذا تكلّم ريء «١» كالنّور يخرج من بين ثناياه. وكان ﷺ أحسن البشر قدما.
وعن ميمونة بنت كردم؛ قالت: رأيت رسول الله ﷺ فما نسيت طول إصبع قدمه السّبّابة على سائر أصابعه. رواه الإمام أحمد وغيره.
وكان ﷺ في ساقيه حموشة.
ومعنى (الحموشة) : الدّقّة، وهي محمودة في السّاقين.
وكان رسول الله ﷺ يمشي كأنّما يتقلّع من صخر، وينحدر من صبب، يخطو تكفّيا، ويمشي الهوينا بغير تبختر.
ومعنى (الهوينا) : تقارب الخطا.
стр. 56
وكان ﷺ إذا مشى.. مشى مجتمعا؛ أي: قويّ الأعضاء، غير مسترخ في المشي.
وكان رسول الله ﷺ إذا مشى.. مشى أصحابه أمامه، وتركوا ظهره للملائكة.
وكان ﷺ إذا مشى.. لم يلتفت.
وكان ﷺ لا يلتفت وراءه إذا مشى، وكان ربّما تعلّق رداؤه بالشّجر فلا يلتفت حتّى يرفعوه عليه.
وكان ﷺ إذا مشى.. كأنّما يتوكّأ «١» .
وكان ﷺ يمشي مشيا يعرف فيه أنّه ليس بعاجز ولا كسلان.
وكان ﷺ لا يطأ عقبه رجلان قطّ، إن كانوا ثلاثة..
مشى بينهم، وإن كانوا جماعة.. قدّم بعضهم.
وكان ﷺ إذا لبس نعليه.. بدأ باليمنى، وإذا خلع..
خلع اليسرى.
وكان إذا دخل المسجد.. أدخل رجله اليمنى.
وكان يحبّ التّيمّن في كلّ شيء أخذا وعطاء.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ ، كأنّ الشّمس تجري في وجهه،
стр. 57
ولا رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ ، كأنّما الأرض تطوى له، إنّا لنجهد أنفسنا، وإنّه لغير مكترث.
وكان رسول الله ﷺ نورا، فكان إذا مشى في الشّمس والقمر.. لا يظهر له ظلّ.
وكان وجهه ﷺ مثل الشّمس «١» والقمر، وكان مستديرا.
وعن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: ما رأيت من ذي لمّة في حلّة حمراء.. أحسن من رسول الله ﷺ .
وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ ، كأنّ الشّمس تجري في وجهه، وإذا ضحك.. يتلألأ في الجدر.
وقالت أمّ معبد في بعض ما وصفته به رضي الله تعالى عنها: أجمل النّاس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب.
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان؛ وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر.
ومعنى (إضحيان) : مقمرة.
стр. 58
وسأل رجل البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.
وكان لونه ﷺ أزهر، ولم يكن بالأسمر، ولا بالشّديد البياض.
ونعته عمّه أبو طالب فقال:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وكان ﷺ أزهر اللّون، كأنّ عرقه اللّؤلؤ، إذا مشى.. تكفّأ.
وكان رسول الله ﷺ أحسن النّاس وجها وأنورهم، لم يصفه واصف إلّا شبّهه بالقمر ليلة البدر.
وكانوا يقولون: هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه حيث يقول:
أمين مصطفى للخير يدعو ... كضوء البدر زايله الغمام
وكان ﷺ أبيض كأنّما صيغ من فضّة، رجل الشّعر.
وكان ﷺ أبيض مليحا مقصّدا.
ومعنى (المقصّد) : المتوسّط بين الطّول والقصر.
وكان رسول الله ﷺ أبيض مشربا بياضه بحمرة، وكان أسود الحدقة، أهدب الأشفار.
стр. 59
وكان ﷺ أبيض مشربا بحمرة، ضخم الهامة، أغرّ أبلج، أهدب الأشفار.
ومعنى (الأغرّ) : الصّبيح.
و (الأبلج) : الحسن المشرق المضيء.
وكان رسول الله ﷺ أحسن عباد الله عنقا، لا ينسب إلى الطّول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشّمس والرّياح فكأنّه إبريق فضّة مشرّب ذهبا، يتلألأ في بياض الفضّة وفي حمرة الذّهب.
وكان ﷺ من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم.
وكان ﷺ عريض الصّدر لا يعدو لحم بعض بدنه بعضا؛ كالمراة في استوائها، وكالقمر في بياضه.
وكان له ﷺ ثلاث عكن يغطّي الإزار منها واحدة.
وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلّا ذكرت القراطيس المثنيّة بعضها على بعض.
وعن محرّش الكعبيّ رضي الله تعالى عنه قال: اعتمر النّبيّ ﷺ من الجعرانة ليلا فنظرت إلى ظهره كأنّه سبيكة فضّة.
وفي «المواهب» : عن مقاتل بن حيّان: قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: «اسمع وأطع، يا ابن الطّاهرة البكر البتول، إنّي خلقتك من غير فحل فجعلتك اية للعالمين، فإيّاي فاعبد، وعليّ
стр. 60
فتوكّل، فسّر لأهل سوران «١» إنّي أنا الله الحيّ القيّوم الّذي لا أزول، صدّقوا النّبيّ الأمّيّ صاحب الجمل والمدرعة، والعمامة والنّعلين والهراوة، الجعد الرأس، الصّلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدّين، الكثّ اللّحية، عرقه في وجهه كاللّؤلؤ، وريح المسك ينفح منه، كأنّ عنقه إبريق فضّة» .
قوله: (صلت الجبين) : واضحه.
و (أدعج العينين) : شديد سواد العين.
و (أقنى الأنف) : طويله مع دقّة أرنبته، في وسطه بعض ارتفاع.
قال ابن الأثير: والصّحيح في صفة حواجبه ﷺ أنّها سوابغ من غير قرن.
وكان رسول الله ﷺ إذا نظر وجهه في المراة.. قال:
«الحمد لله الّذي سوّى خلقي فعدّله، وكرّم صورة وجهي فحسّنها، وجعلني من المسلمين» .
وكان ﷺ إذا نظر في المراة.. قال: «الحمد لله الّذي حسّن خلقي وخلقي، وزان منّي ما شان من غيري» .
وكان ﷺ يقول: «أنا أشبه النّاس بادم صلّى الله عليه
стр. 61
وسلّم، وكان أبي إبراهيم ﷺ أشبه النّاس بي خلقا وخلقا» .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ قال: «عرض عليّ الأنبياء، فإذا موسى ﵇ ضرب من الرّجال كأنّه من رجال شنوءة.
ورأيت عيسى ابن مريم [﵇] ، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود.
ورأيت إبراهيم ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم؛ يعني نفسه.
ورأيت جبريل ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية» .
ومعنى (ضرب) : نوع.
و (شنوءة) : قبيلة من اليمن رجالها متوسّطون.
وكان رسول الله ﷺ واسع الظّهر، ما بين كتفيه خاتم النّبوّة، وهو ممّا يلي منكبه الأيمن، فيه شامة سوداء تضرب إلى الصّفرة، حولها شعرات متواليات كأنّها من عرف فرس.
وكان خاتمه ﷺ غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة.
وعن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه قال: جاء سلمان الفارسيّ رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعت بين يدي رسول الله صلّى الله عليه
стр. 62
وسلّم؛ فقال: «يا سلمان.. ما هذا؟» . فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: «ارفعها؛ فإنّا لا نأكل الصّدقة» . قال: فرفعها.
فجاء الغد بمثله فوضعه بين يدي رسول الله ﷺ . فقال:
«ما هذا يا سلمان؟» . فقال: هديّة لك. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أبسطوا» «١» . ثمّ نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله ﷺ ؛ فامن به.
وكان لليهود «٢» ، فاشتراه رسول الله ﷺ بكذا وكذا درهما على أن يغرس لهم نخلا فيعمل سلمان فيه حتّى يطعم، فغرس رسول الله ﷺ النّخيل إلّا نخلة واحدة غرسها عمر، فحملت النّخل من عامها، ولم تحمل النّخلة، فقال رسول الله ﷺ : «ما شأن هذه النّخلة؟» . فقال عمر: يا رسول الله؛ أنا غرستها، فنزعها رسول الله ﷺ ، فغرسها، فحملت من عامها.
стр. 63
الفصل الثّاني في صفة بصره ﷺ واكتحاله
كان رسول الله ﷺ يرى باللّيل في الظّلمة كما يرى بالنّهار في الضّوء.
وكان ﷺ يرى من خلفه من الصّفوف كما يرى من بين يديه.
وكان ﷺ يرى في الثّريّا «١» أحد عشر نجما.
وكان ﷺ لا يقعد في بيت مظلم حتّى يضاء له بالسّراج.
وكان ﷺ يعجبه النّظر إلى الخضرة والماء الجاري.
وكان ﷺ يعجبه النّظر إلى الأترجّ.
وكان يعجبه النّظر إلى الحمام الأحمر «٢» .
стр. 64
وأمّا اكتحال رسول الله ﷺ : فقد كان ﷺ إذا اكتحل.. جعل في عين اثنتين وواحدة بينهما؛ أي: جعل في كلّ عين مرودين، وواحد يقسم بينهما، فالمجموع وتر، وهو خمسة مراود.
وكان ﷺ إذا اكتحل.. اكتحل وترا، وإذا استجمر «١» .. استجمر وترا.
وكان له ﷺ مكحلة يكتحل منها كلّ ليلة، ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه.
وكان ﷺ لا يفارقه في الحضر، ولا في السفر خمس: المراة، والمكحلة، والمشط، والسّواك، والمدرى.
و (المدرى) : شيء يعمل من حديد أو خشب، على شكل سنّ من أسنان المشط وأطول منه، يسرّح به الشّعر المتلبّد، ويستعمله من لا مشط له.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّ النبيّ ﷺ قال: «اكتحلوا بالإثمد، فإنّه يجلو البصر، وينبت الشّعر» .
قال الباجوريّ: المخاطب بذلك الأصحّاء، أمّا العين المريضة فقد
стр. 65
يضرّها الإثمد؛ وهو: حجر الكحل المعدنيّ المعروف، ومعدنه بالمشرق، وهو أسود يضرب إلى حمرة.
وقال بعد قوله (يجلو البصر) : وهذا إذا اكتحل به من اعتاده، فإن اكتحل به من لم يعتده.. رمدت عينه.
стр. 66
الفصل الثّالث في صفة شعره ﷺ وشيبه، وخضابه، وما يتعلق بذلك
كان رسول الله ﷺ رجل الشّعر حسنه، ليس بالسّبط ولا الجعد القطط «١» ، وكان إذا مشطه بالمشط.. يأتي كأنّه حبك الرّمل، وربّما جعله غدائر أربعا؛ يخرج كلّ أذن من بين غديرتين، وربّما جعل شعره على أذنيه؛ فتبدو سوالفه تتلألأ «٢» .
ومعنى (الغدائر) : الذّوائب، واحدتها غديرة.
و (الحبك) - جمع حباك- ككتاب، وهي: الطريقة في الرّمل ونحوه.
وكان شعر رسول الله ﷺ دون الجمّة، وفوق الوفرة.
وكان شعره ﷺ يضرب إلى منكبيه، وكثيرا ما يكون إلى شحمة أذنيه.
стр. 67
وكان رسول الله ﷺ حسن الجسم، بعيد ما بين المنكبين، له شعر إلى منكبيه، وفي وقت إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى نصف أذنيه.
وكان ﷺ يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثمّ فرق رسول الله ﷺ رأسه.
ومعنى (سدل الشّعر) : إرساله.
وكان رسول الله ﷺ حسن السّبلة.
ومعنى (السّبلة) : مقدّم اللّحية، وما انحدر منها على الصّدر.
وكان رسول الله ﷺ كثّ اللّحية، وكان يعفي لحيته ويأخذ من شاربه.
وكان ﷺ يأخذ من لحيته الشّريفة، من عرضها وطولها.
وكان ﷺ يكثر تسريح لحيته.
وكان ﷺ لا يفارقه سواكه ولا مشطه، وكان ينظر في المراة إذا سرّح لحيته.
وكان ﷺ إذا اهتمّ.. أكثر من مسّ لحيته.
وكان ﷺ إذا اغتمّ.. أخذ لحيته بيده ينظر فيها.
وكان ﷺ إذا توضّأ.. خلّل لحيته بالماء.
стр. 68
وكان ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته، ويكثر اتّخاذ القناع.
و (القناع) : خرقة توضع على الرّأس حين استعمال الدّهن لتقي العمامة والثّياب.
وكان رسول الله ﷺ إذا ادّهن.. صبّ في راحته اليسرى، فبدأ بحاجبيه، ثمّ عينيه، ثمّ رأسه.
وكان ﷺ يحبّ التّيامن في طهوره إذا تطهّر، وفي ترجّله إذا ترجّل، وفي انتعاله إذا انتعل، وفي شأنه كلّه.
وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى.
وإذا نام واضطجع.. اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة.
وكان ﷺ يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه، وشماله لما سوى ذلك.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أرجّل «١» رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض.
وكان رسول الله ﷺ يترجّل غبّا؛ أي: حينا بعد حين.
وكان شيبه ﷺ في الرّأس واللّحية شيئا قليلا، نحو سبع عشرة شعرة.
وقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله؛ قد شبت؟! قال:
стр. 69
«شيّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتسائلون، وإذا الشّمس كوّرت» ؛ لاشتمال هذه السّور على بيان أحوال القيامة ممّا يوجب خوفه على أمّته ﷺ .
وسئل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
وعن عبد الله بن محمّد بن عقيل قال: رأيت شعر رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك مخضوبا.
وفي «الصّحيحين» من طرق كثيرة: أنّ النّبيّ ﷺ لم يخضب، ولم يبلغ شيبه أوان الخضاب، وإنّما خضب من كان عنده شيء من شعره بعد وفاته ﷺ ليكون أبقى له.
وفي «الصّحيحين» أيضا و «سنن أبي داود» : عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ كان يصفّر لحيته بالورس والزّعفران.
وعن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: لم يبلغ ذلك، إنّما كان شيئا في صدغيه، ولكن أبو بكر رضي الله تعالى عنه خضب بالحنّاء والكتم.
و (الكتم) : نبت فيه حمرة.
وقال النّوويّ: المختار أنّه صبغه في وقت، وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كلّ بما رأى، وهو صادق.
وكان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشّعر مخالفة للأعاجم.
стр. 70
وكان ﷺ يتنوّر «١» في كلّ شهر، ويقلّم أظفاره في كلّ خمسة عشر يوما.
وكان ﷺ إذا اطّلى بالنّورة.. ولي عانته وفرجه بيده.
وكان ﷺ إذا اطّلى.. بدأ بعورته فطلاها بالنّورة، وسائر جسده أهله.
وكان ﷺ يقلّم أظفاره ويقصّ شاربه يوم الجمعة، قبل أن يروح إلى الصّلاة.
وكان ﷺ يأمر بدفن الشّعر والأظفار.
وكان ﷺ يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان:
الشّعر، والظّفر، والدّم، والحيضة «٢» ، والسّنّ، والعلقة، والمشيمة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلّاق يحلقه، وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل.
стр. 71
الفصل الرّابع في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطبيعية
روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّه قال: كان رسول الله ﷺ كثير العرق.
وكان عرقه ﷺ في وجهه كاللّؤلؤ، وأطيب من المسك الأذفر «١» .
وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي.. ثقل لذلك، وتحدّر جبينه عرقا كأنّه جمان «٢» ، وإن كان في البرد.
وكان ﷺ يأتي أمّ سليم فيقيل عندها، فتبسط له نطعا «٣» فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطّيب، فقال النّبيّ ﷺ : «يا أمّ سليم؛ ما هذا؟» .
قالت: عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطّيب.
стр. 72
وفي رواية قالت: يا رسول الله؛ نرجو بركته لصبياننا. قال:
«أصبت» .
وكان كفّه ﷺ ألين من الحرير، وكانت رائحته كرائحة كفّ العطّار، مسّها ﷺ بطيب أم لم يمسّها، وكان يصافح الرّجل فيظلّ يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصّبيّ فيعرف من بين الصّبيان بريحها على رأسه.
وقال أنس: ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ .
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ مسح خدّه، قال: فوجدت ليده بردا وريحا؛ كأنّما أخرجها من جؤنة «١» عطّار.
وكان ﷺ يعرف منه ريح الطّيب إذا أقبل.
وكان ﷺ لا يسلك طريقا فيتبعه أحد.. إلّا عرف أنّه قد سلكه من طيب عرفه «٢» .
وذكر إسحاق بن راهواه: أنّ تلك كانت رائحته بلا طيب ﷺ .
وعن أمّ عاصم امرأة عتبة بن فرقد السّلميّ قالت: كنّا عند عتبة أربع
стр. 73
نسوة، فما منّا امرأة إلّا وهي تجتهد في الطّيب؛ لتكون أطيب من صاحبتها، وما يمسّ عتبة الطّيب إلّا أن يمسّ دهنا يمسح به لحيته، ولهو أطيب ريحا منّا، وكان إذا خرج إلى النّاس.. قالوا: ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يوما: إنّا لنجتهد في الطّيب، ولأنت أطيب ريحا منّا! فممّ ذلك؟! فقال: أخذني الشّرى «١» على عهد رسول الله ﷺ ، فأتيته، فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرّد، فتجرّدت عن ثوبي، وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث في يده، ثمّ مسح ظهري وبطني بيده، فعبق بي هذا الطّيب من يومئذ. رواه الطّبرانيّ في «معجمه الصّغير» .
وروى أبو يعلى والطّبرانيّ قصّة الّذي استعان بالنّبيّ ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة فسلت «٢» له فيها من عرقه، وقال: «مرها فلتطّيّب به» ، فكانت إذا تطيّبات به شمّ أهل المدينة ذلك الطّيب، فسمّوا «بيت المطيّبين» .
стр. 74
الفصل الخامس في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان لرسول الله ﷺ سكّة يتطيّب منها.
ومعنى (السّكّة) : طيب مجموع من أخلاط، ويحتمل أن يكون وعاء.
وكان رسول الله ﷺ يأخذ المسك فيمسح به رأسه ولحيته.
وكان ﷺ يضمّخ رأسه بالمسك.
وكان أنس لا يردّ الطّيب؛ وقال: إنّ النّبيّ ﷺ كان لا يردّ الطّيب.
وعن أبي عثمان النّهديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطي أحدكم الرّيحان.. فلا يردّه؛ فإنّه خرج من الجنّة» .
وعن أنس ﵁: كان أحبّ الرّياحين إليه ﷺ الفاغية.
стр. 75
و (الفاغية) : زهر الحنّاء.
وكان رسول الله ﷺ يعجبه الرّيح الطّيّبة.
وكان ﷺ يحبّ الطّيب والرّائحة الحسنة، ويستعملهما كثيرا، ويحضّ عليهما، ويقول: «حبّب إليّ من دنياكم:
النّساء، والطّيب، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» .
ورواية: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» .. لا أصل لها، ففي «المواهب» : قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر:
إنّ لفظ «ثلاث» لم يقع في شيء من طرقه، وزيادته تفسد المعنى، وكذلك قاله الوليّ العراقيّ في «أماليه» ، وعبارته: (ليست هذه اللّفظة: وهي (ثلاث) في شيء من كتب الحديث وهي مفسدة للمعنى؛ فإنّ الصّلاة ليست من أمور الدّنيا، وكذا صرّح به الزّركشيّ وغيره، كما حكاه شيخنا- يعني الحافظ السّخاويّ في «المقاصد الحسنة» - وأقرّه) اهـ وأنكره أيضا ابن القيّم.
وكان رسول الله ﷺ يحبّ الطّيب ويكره الرّائحة الرّديئة.