و (القطيفة) : دثار له خمل «١» .
وسئلت حفصة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلمّا كان ذات ليلة.. قلت: لو ثنيته أربع ثنيات لكان أوطأ له، فثنيناه له بأربع ثنيات، فلمّا أصبح.. قال: «ما فرشتموا لي اللّيلة؟» .
قالت: قلنا: هو فراشك، إلّا أنّا ثنيناه بأربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك، قال: «ردّوه لحالته الأولى؛ فإنّه منعتني وطأته صلاتي اللّيلة» .
و (المسح) : كساء خشن من صوف يعدّ للفراش.
ومعنى (أوطأ) : ألين؛ من وطؤ الفراش فهو وطيء، كقرب فهو قريب.
وكان له ﷺ عباءة تفرش له حيثما انتقل، تثنى طاقين تحته.
وكان ﷺ كثيرا ما ينام على الحصير واحده، ليس تحته شيء غيره.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ وهو في غرفة كأنّها بيت حمّام، وهو نائم على حصير قد أثّر بجنبه، فبكيت، فقال: «ما يبكيك يا عبد الله؟» ، قلت: يا رسول الله؛ كسرى وقيصر يطؤون على الخزّ والدّيباج والحرير؛ وأنت
стр. 107
نائم على هذا الحصير، قد أثّر بجنبك. فقال: «فلا تبك يا عبد الله، فإنّ لهم الدّنيا ولنا الآخرة» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: حدّثني عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال:
دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير، قال:
فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصّاع، وإذا إهاب معلّق، فابتدرت عيناي، فقال: «ما يبكيك يا ابن الخطّاب؟» . فقلت: يا نبيّ الله؛ وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثّر في جنبيك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلّا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثّمار والأنهار، وأنت نبيّ الله وصفوته وهذه خزائنك؟! قال: «يا ابن الخطّاب؛ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدّنيا؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الدّنيا، وهي وشيكة الانقطاع، وإنّا قوم أخّرت لنا طيّباتنا في اخرتنا» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ سرير مرمّل بالبرديّ، وعليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبرديّ، فدخل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عليه، فإذا النّبيّ ﷺ نائم عليه، فلمّا راهما.. استوى جالسا، فنظرا، فإذا أثر السّرير في جنب رسول الله ﷺ ، فقالا:
يا رسول الله؛ ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك؛ وهذا كسرى وقيصر على فرش الدّيباج والحرير؟! فقال ﵊:
стр. 108
«لا تقولا هذا؛ فإنّ فراش كسرى وقيصر في النّار، وإنّ فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنّة» .
وما عاب رسول الله ﷺ مضجعا قطّ، إن فرش له..
اضطجع، وإلّا.. اضطجع على الأرض.
ومعنى (مرمّل) : منسوج.
و (البرديّ) : نبات.
وتغطّى ﷺ باللّحاف، قال ﵊:
«ما أتاني جبريل وأنا في لحاف امرأة منكنّ.. غير عائشة» .
وكان وساده الّذي يتّكىء عليه من أدم، حشوه ليف.
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ متّكئا على وسادة على يساره.
وكان ﷺ يصلّي على الحصير.
وكان ﷺ يصلّي على بساط.
وكان ﷺ يستحبّ أن تكون له فروة مدبوغة يصلّي عليها.
стр. 109
الفصل الثّالث في صفة خاتمه ﷺ
كان خاتم رسول الله ﷺ من ورق، وكان فصّه حبشيّا.
و (الورق) : الفضّة.
و (الفصّ) : ما يكتب عليه اسم صاحبه.
و (الحبشيّ) : منسوب إلى الحبش، فإنّه كان من جزع؛ وهو:
خرز فيه بياض وسواد، أو من عقيق، ومعدنهما بالحبشة.
ولم يرد عنه ﷺ أنّه لبس خاتما كلّه عقيقا.
وكان خاتمه ﷺ من فضّة فصّه منه.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ اتّخذ خاتما من فضّة، فكان يختم به ولا يلبسه.
وكان النّبيّ ﷺ يلبس خاتمه في يمينه.
والتّختّم في اليسار ليس مكروها، ولا خلاف الأولى، بل هو سنّة لوروده في أحاديث صحيحة، لكن التّختّم في اليمين أفضل؛ لأنّ أحاديثه أصحّ. قاله الباجوريّ.
стр. 110
وكان ﷺ يتختّم في يساره.
وكان ﷺ يجعل فصّ خاتمه ممّا يلي كفّه.
وكان نقش خاتم رسول الله ﷺ : (محمّد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لمّا أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى العجم.. قيل له: إنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم. فاصطنع خاتما، فكأنّي أنظر إلى بياضه في كفّه.
وعن أنس أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ كتب إلى كسرى، وقيصر، والنّجاشيّ، فقيل له: إنّهم لا يقبلون كتابا إلّا بخاتم، فصاغ رسول الله ﷺ خاتما حلقته فضّة، ونقش فيه: (محمّد رسول الله) .
وكان ﷺ يختم الكتب ويقول: «الخاتم على الكتاب خير من التّهمة» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتّخذ رسول الله ﷺ خاتما من ذهب، فكان يلبسه في يمينه، فاتّخذ النّاس خواتيم من ذهب، فطرحه، وقال: «لا ألبسه أبدا» ، فطرح النّاس خواتيمهم.
وعن ابن عمر أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ اتّخذ خاتما من فضّة، وجعل فصّه ممّا يلي كفّه، ونقش فيه محمّد رسول الله، ونهى أن ينقش أحد عليه.
стр. 111
وهو الّذي سقط من معيقيب في بئر أريس.
و (معيقيب) : هو من أهل بدر، وكان يلي خاتم المصطفى ﷺ ، والخلفاء من بعده.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتّخذ رسول الله ﷺ خاتما من ورق، فكان في يده، ثمّ كان في يد أبي بكر، وفي يد عمر، ثمّ كان في يد عثمان حتّى وقع في بئر أريس، نقشه: محمّد رسول الله.
قال الباجوريّ: (وفي وقوعه إشارة إلى أنّ أمر الخلافة كان منوطا به، فقد تواصلت الفتن، وتفرّقت الكلمة، وحصل الهرج «١» ، ولذلك قال بعضهم: كان في خاتمه ﷺ ما في خاتم سليمان من الأسرار؛ لأنّ خاتم سليمان لمّا فقد.. ذهب ملكه، وخاتمه ﷺ لمّا فقد من عثمان.. انتقض عليه الأمر، وحصلت الفتن الّتي أفضت إلى قتله، واتّصلت إلى اخر الزّمان) اهـ.
وكان رسول الله ﷺ إذا أشفق من الحاجة ينساها..
ربط في خنصره، أو في خاتمه الخيط.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا دخل الخلاء.. نزع خاتمه.
стр. 112
وجاء رجل وعليه خاتم من شبه «١» .
وفي رواية: من صفر؛ وهو: نوع من النّحاس كانت الأصنام تتّخذ منه، فقال: «ما لي أجد منك ريح الأصنام؟!» ، فطرحه، ثمّ جاء وعليه خاتم من حديد؛ فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل النّار؟!» ، فطرحه، وقال: يا رسول الله؛ من أيّ شيء أتّخذه؟ قال: «من ورق ولا تتمّه مثقالا» «٢» .
стр. 113
الفصل الرّابع في صفة نعله ﷺ وخفّه
كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان مثنّى شراكهما.
و (القبال) : هو زمام يوضع بين الأصبع الوسطى والّتي تليها، ويسمّى شسعا.
وكان ﷺ يضع أحد القبالين بين الإبهام والّتي تليها، والاخر بين الوسطى والّتي تليها.
و (الشّراك) : السّير.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّه كان يلبس النّعال السّبتيّة؛ وهي الّتي لا شعر عليها، وقال: إنّي رأيت رسول الله ﷺ يلبس النّعال الّتي ليس فيها شعر، ويتوضّأ فيها، فأنا أحبّ أن ألبسها.
وعن عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أنّه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلّي في نعلين مخصوفتين- أي: مخروزتين- ضمّ فيهما طاق إلى طاق.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه
стр. 114
وسلّم نهى أن يأكل- يعني الرّجل- بشماله، أو يمشي في نعل واحدة.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم.. فليبدأ باليمين، وإذا نزع.. فليبدأ بالشّمال، فلتكن اليمين أوّلهما تنعل واخرهما تنزع.
وكان ﷺ إذا جلس يتحدّث.. يخلع نعليه.
قال الباجوريّ: (كانت نعله ﷺ مخصّرة، معقّبة، ملسّنة، كما رواه ابن سعد في «الطّبقات» ) .
و (المخصّرة) : هي الّتي لها خصر دقيق.
و (المعقّبة) : هي الّتي لها عقب، أي: سير من جلد في مؤخّر النّعل يمسك به عقب القدم.
و (الملسّنة) : هي التي في مقدّمها طول على هيئة اللّسان.
قال الحافظ الكبير زين الدّين العراقيّ رحمه الله تعالى في «ألفيّة السّيرة النّبويّة» على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام:
ونعله الكريمة المصونه ... طوبى لمن مسّ بها جبينه
لها قبالان بسير وهما ... سبتيّتان سبتوا شعرهما
وطولها شبر وإصبعان ... وعرضها ممّا يلي الكعبان
سبع أصابع وبطن القدم ... خمس، وفوق ذا فستّ فاعلم
ورأسها محدّد وعرض ما ... بين القبالين اصبعان اضبطهما
وهذه مثال تلك النّعل ... ودورها أكرم بها من نعل
стр. 115
فائدة:
قال في «المواهب» : ذكر ابن عساكر تمثال نعله ﷺ في جزء مفرد، وأفرده بالتّأليف أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن خلف السّلميّ الأندلسيّ، وكذا غيرهما.
قال: ولم أثبتها اتّكالا على شهرتها، ولصعوبة ضبط تسطيرها إلّا على حاذق.
ومن بعض ما ذكر من فضلها، وجرّب من نفعها وبركتها أنّ أبا جعفر أحمد بن عبد المجيد- وكان شيخا صالحا- أعطى مثالها لبعض الطّلبة، فجاءه وقال له: رأيت البارحة من بركة هذا النّعل عجبا؛ أصاب زوجتي وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النّعل على موضع الوجع، وقلت: اللهمّ أرني بركة صاحب هذا النّعل.. فشفاها الله تعالى للحين.
وقال أبو إسحاق: قال أبو القاسم بن محمّد: وممّا جرّب من بركته:
أنّ من أمسكه عنده متبرّكا به.. كان له أمانا من بغي البغاة، وغلبة العداة، وحرزا من كلّ شيطان مارد، وعين كلّ حاسد، وإن أمسكته الحامل بيمينها وقد اشتدّ عليها الطّلق.. تيسّر أمرها بحول الله تعالى وقوّته.
وما أحسن قول أبي بكر القرطبيّ رحمه الله تعالى:
ونعل خضعنا هيبة لبهائها ... وإنّا متى نخضع لها أبدا نعلو
فضعها على أعلى المفارق إنّها ... حقيقتها تاج وصورتها نعل
стр. 116
بأخمص خير الخلق حازت مزيّة ... على التّاج حتّى باهت المفرق الرّجل
شفاء لذي سقم، رجاء لبائس ... أمان لذي خوف، كذا يحسب الفضل
وعن بريدة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّجاشيّ أهدى للنّبيّ ﷺ خفّين أسودين ساذجين، فلبسهما، ثمّ توضّأ ومسح عليهما.
ومعنى (ساذجين) : لم يخالط سوادهما شيء اخر «١» .
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: أهدى دحية للنّبيّ ﷺ خفّين، فلبسهما.
وروى الطّبرانيّ في «الأوسط» عن الحبر «٢» : قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته، ثمّ توضّأ ولبس خفّه، فجاء طائر أخضر فأخذ الخفّ الاخر فارتفع به، ثمّ ألقاه، فخرج منه أسود سالخ- أي: حيّة- فقال النّبيّ ﷺ : «هذه كرامة أكرمني الله بها. اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ من يمشي على بطنه، ومن شرّ من يمشي على رجليه، ومن شرّ من يمشي على أربع» .
стр. 117
الفصل الخامس في صفة سلاحه ﷺ
عن ابن سيرين قال: صنعت سيفي على سيف سمرة بن جندب، وزعم سمرة أنّه صنع سيفه على سيف رسول الله ﷺ ، وكان حنفيّا؛ نسبة لبني حنيفة؛ لأنّهم معروفون بحسن صنعة السّيوف.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كانت قبيعة سيف «١» رسول الله ﷺ من فضّة.
و (القبيعة) - بوزن الطّبيعة-: ما على طرف مقبض السّيف، يعتمد الكفّ عليها لئلّا يزلق.
وعن جعفر بن محمّد عن أبيه: كان نعل سيف رسول الله ﷺ أي: أسفله- وحلقته وقبيعته.. من فضّة.
وقد كان له ﷺ سيوف متعدّدة؛ فقد كان له:
سيف يقال له: (المأثور) ؛ وهو أوّل سيف ملكه عن أبيه.
وله سيف يقال له: (القضيب) .
стр. 118
وله سيف يقال له: (القلعي) - نسبة إلى قلع- موضع بالبادية.
وله سيف يقال له: (البتّار) .
وسيف يدعى: (الحتف) .
وسيف يدعى: (المخذم) «١» ، بكسر الميم.
وسيف يدعى: (الرّسوب) «٢» .
وسيف يقال له: (الصّمصامة) «٣» .
وسيف يقال له: (اللّحيف) .
وسيف يقال له: (ذو الفقار) «٤» .
و (الفقر) : الحفر.
стр. 119
وقد ذكروا في معجزاته: أنّه ﷺ دفع لعكّاشة «١» جذل «٢» حطب؛ حين انكسر سيفه يوم بدر، وقال: «اضرب به» ، فعاد في يده سيفا صارما طويلا أبيض شديد المتن، فقاتل به، ثمّ لم يزل عنده يشهد به المشاهد إلى أن استشهد.
ودفع ﷺ لعبد الله بن جحش يوم أحد- وقد ذهب سيفه- عسيب نخل «٣» ، فرجع في يده سيفا.
وكان لرسول الله ﷺ حربة يمشى بها بين يديه؛ فإذا صلّى.. ركزها بين يديه.
وكان ﷺ رايته سوداء، ولواؤه أبيض «٤» .
وعن الزّبير بن العوّام رضي الله تعالى عنه قال: كان على النّبيّ ﷺ يوم أحد درعان، فنهض إلى الصّخرة؛ فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، وصعد النّبيّ ﷺ حتّى استوى على الصّخرة، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول:
«أوجب طلحة» - أي: فعل فعلا أوجب لنفسه بسببه الجنّة.
وكان له ﷺ سبعة أدرع؛ فقد كان له:
стр. 120
درع تسمى: (ذات الفضول) ؛ سمّيت بذلك لطولها.
ودرع تسمى: (ذات الوشاح) .
ودرع تسمى: (ذات الحواشي) .
ودرع تسمى: (فضّة) .
ودرع تسمى: (السّغديّة) «١» ؛ قيل: هي درع سيّدنا داود الّتي لبسها لقتال جالوت.
ودرع تسمى: (البتراء) «٢» .
ودرع تسمى: (الخرنق) .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ دخل مكّة وعليه مغفر.
و (المغفر) - بوزن منبر- زرد من حديد ينسج بقدر الرّأس يلبس تحت القلنسوة.
стр. 121
الفصل السّادس كان من خلقه ﷺ أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه
كان اسم رايته: (العقاب) ، وكانت سوداء، ومرّة كان يجعلها صفراء، ومرّة بيضاء فيها خطوط سود.
وكان اسم خيمته: (الكنّ) . وقضيبه «١» : (الممشوق) .
واسم قدحه: (الرّيّان) .
وركوته: (الصّادر) .
وسرجه: (الرّاجّ) .
ومقراضه: (الجامع) .
وسيفه الّذي كان يشهد به الحروب: (ذو الفقار) .
وكانت له أسياف أخر.
وكانت له منطقة «٢» من أدم «٣» ، فيها ثلاث حلق من فضّة.
стр. 122
وكان اسم جعبته «١» : (الكافور) .
واسم ناقته: (القصواء) ؛ وهي الّتي يقال لها: (العضباء) «٢» .
وكان اسم بغلته: (دلدل) .
واسم حماره: (يعفورا) «٣» .
واسم شاته الّتي كان يشرب لبنها: (غيثة) «٤» .
وفي حديث اخر: كان لرسول الله ﷺ سيف محلّى، قائمته من فضّة، ونعله من فضّة، وفيه حلق من فضّة، وكان يسمى:
(ذا الفقار) .
وكان له قوس تسمى: (ذا السّداد) .
وكانت له كنانة تسمى: (ذا الجمع) .
وكان له درع موشّحة بنحاس تسمى: (ذات الفضول) .
وكان له حربة تسمى: (النّبعاء) .
وكان له مجنّ «٥» يسمى: (الذّفن) «٦» .
وكان له فرس أشقر يسمى: (المرتجز) .
стр. 123
وكان له فرس أدهم يسمى: (السّكب) .
وكان له سرج يسمى: (الرّاجّ) .
وكان له بغلة شهباء تسمى: (الدّلدل) .
وكان له ناقة تسمى: (القصواء) .
وكان له حمار يسمى: (يعفورا) .
وكان له بساط يسمى: (الكزّ) .
وكان له عنزة تسمى: (النّمر) .
وكان له ركوة تسمى: (الصّادر) .
وكان له مراة تسمى: (المدلّة) .
وكان له مقراض يسمى: (الجامع) .
وكان له قضيب شوحط «١» يسمى: (الممشوق) .
وكان له ﷺ ربعة «٢» يجعل فيها المراة والمشط والمقراضين والسّواك.
وكان له ﷺ فرس يقال له: (اللّحيف) «٣» .
стр. 124
وفرس يقال له: (الظّرب) «١» .
وفرس يقال له: (اللّزاز) «٢» .
وكان له قصعة يقال لها: (الغرّاء) ؛ يحملها أربعة رجال.
وكان له جارية تسمى: (خضرة) «٣» .
стр. 125
الباب الرّابع في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه، ونومه
وفيه ستّة فصول
стр. 126
الفصل الأوّل في صفة عيشه ﷺ وخبزه
عن سماك بن حرب [رحمه الله تعالى] قال: سمعت النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيّكم ﷺ وما يجد من الدّقل ما يملأ بطنه.
و (الدّقل) : رديء التّمر.
وكان أكثر طعام رسول الله ﷺ : التّمر والماء.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنّا ال محمّد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلّا التّمر والماء.
وفي رواية البخاريّ ومسلم: كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول لعروة: والله يا ابن أختي؛ إن كنّا لننظر إلى الهلال ثمّ الهلال ثمّ الهلال؛ ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار.
قال: قلت يا خالة؛ فما كان يعيّشكم؟
قالت: الأسودان؛ التّمر والماء، إلّا أنّه كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح «١» ، فكانوا يرسلون إلى
стр. 127
رسول الله ﷺ من ألبانها، فيسقيناه.
وعن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين.
وقال الإمام التّرمذيّ: ومعنى قوله (ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر) : وكان أحدهم يشدّ في بطنه الحجر من الجهد والضّعف الّذي به من الجوع.
وفي كتاب «المواهب» : عن ابن بجير [رضي الله تعالى عنه] قال:
أصاب النّبيّ ﷺ جوع يوما، فعمد إلى حجر، فوضعه على بطنه، ثمّ قال: «ألا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدّنيا.. جائعة عارية يوم القيامة، ألا ربّ مكرم لنفسه.. وهو لها مهين، ألا ربّ مهين لنفسه.. وهو لها مكرم» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟» ، قال: خرجت ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه، والتّسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر فقال: «ما جاء بك يا عمر؟» ، قال: الجوع يا رسول الله، قال ﷺ : «وأنا قد وجدت بعض ذلك» .
فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التّيّهان الأنصاريّ [رضي الله تعالى عنه]- وكان رجلا كثير النّخل والشّاء، ولم يكن له خدم- فلم يجدوه،
стр. 128
فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟» ، فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء.
فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها- أي: يملؤها- فوضعها، ثمّ جاء يلتزم النّبيّ ﷺ ويفدّيه بأبيه وأمّه.
ثمّ انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطا، ثمّ انطلق إلى نخلة فجاء بقنو «١» فوضعه، فقال النّبيّ ﷺ : «أفلا تنقّيت لنا من رطبه؟!» ، فقال: يا رسول الله؛ إنّي أردت أن تختاروا من رطبه وبسره.
فأكلوا وشربوا من ذلك الماء.
فقال النّبيّ ﷺ : «هذا- والّذي نفسي بيده- من النّعيم الّذي تسألون عنه يوم القيامة؛ ظلّ بارد، ورطب طيّب، وماء بارد» .
فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما، فقال النّبيّ ﷺ : «لا تذبحنّ لنا ذات درّ» ، فذبح لهم عناقا «٢» ؛ أو جديا «٣» ، فأتاهم بها فأكلوا.
فقال ﷺ : «هل لك خادم؟» .
قال: لا.
قال: «فإذا أتانا سبي.. فأتنا» .
стр. 129
فأتي ﷺ برأسين «١» ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النّبيّ ﷺ : «اختر منهما» .
قال: يا رسول الله؛ اختر لي.
فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ المستشار مؤتمن، خذ هذا فإنّي رأيته يصلّي، واستوص به معروفا» .
فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله ﷺ ؛ فقالت امرأته: ما أنت ببالغ حقّ ما قال فيه النّبيّ ﷺ .. إلّا أن تعتقه.
قال: فهو عتيق.
فقال ﷺ : «إنّ الله لم يبعث نبيّا ولا خليفة.. إلّا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا «٢» ، ومن يوق بطانة السّوء فقد وقي، والمعصوم من عصمه الله تعالى» .
وعن عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتني وإنّي لسابع سبعة مع رسول الله ﷺ ، ما لنا طعام إلّا ورق الشّجر، حتّى تقرّحت أشداقنا «٣» ، فألتقطت بردة فقسمتها بيني وبين سعد بن
стр. 130
مالك؛ فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها، فما منّا من أولئك السّبعة أحد.. إلّا وهو أمير مصر من الأمصار، وستجرّبون الأمراء بعدنا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين ليلة ويوم ما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلّا شيء يواريه إبط بلال» .
قال المصنّف في «جامعه» «١» : معنى هذا الحديث: أنّه إنّما كان مع بلال حين خرج النّبيّ ﷺ من مكّة هاربا؛ ومع بلال من الطّعام ما يواريه تحت إبطه.
وعن أنس أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلّا على ضفف.
و (الضّفف) : كثرة أيدي الأضياف.
فكان ﷺ لا يجتمع عنده الخبز واللّحم في الغداء والعشاء؛ إلّا إذا كان عنده الأضياف فيجمعهما لأجلهم.
وعن نوفل بن إياس الهذليّ [رحمه الله تعالى] قال: كان عبد الرّحمن ابن عوف رضي الله تعالى عنه لنا جليسا، وكان نعم الجليس، وإنّه انقلب بنا ذات يوم حتّى إذا دخلنا بيته.. دخل فاغتسل، ثمّ خرج وأتينا بصحفة «٢» فيها خبز ولحم، فلمّا وضعت.. بكى عبد الرّحمن.
стр. 131
فقلت: يا أبا محمّد؛ ما يبكيك؟.
فقال: توفّي رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشّعير، فلا أرانا أخّرنا لما هو خير لنا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّه أتي رسول الله ﷺ بتمر؛ فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع.
ومعنى (الإقعاء) : التّساند إلى وراء.
وكان رسول الله ﷺ لا يأخذ ممّا اتاه الله تعالى إلّا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله .
وروى البخاريّ ومسلم: أنّ رسول الله ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء.
وروى التّرمذيّ عن أنس [رضي الله تعالى عنه] : أنّ رسول الله ﷺ كان لا يدّخر شيئا لغد.
وكان رسول الله ﷺ إذا تغدّى.. لم يتعشّ، وإذا تعشّى.. لم يتغدّ.
قال القسطلّانيّ في «المواهب اللّدنّيّة» : (قد استشكل كونه ﵊ وأصحابه كانوا يطوون الأيّام جوعا؛ مع ما ثبت:
стр. 132
أنّه كان يرفع لأهله قوت سنة.
وأنّه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير ممّا أفاء الله عليه.
وأنّه ساق في عمرته مئة بدنة؛ فنحرها وأطعمها المساكين.
وأنّه أمر لأعرابيّ بقطيع من الغنم.. وغير ذلك.
مع من كان معه من أصحاب الأموال؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه.
وقد أمر بالصّدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه.
وحثّ على تجهيز جيش العسرة؛ فجهّزهم عثمان بألف بعير ... إلى غير ذلك؟.
وأجاب عنه الطّبريّ- كما حكاه في «فتح الباري» -: بأنّ ذلك كان منهم في حالة دون حالة؛ لا لعوز وضيق، بل تارة للإيثار، وتارة لكراهة الشّبع وكثرة الأكل.
قال الحافظ ابن حجر: والحقّ أنّ الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكّة، ثمّ لمّا هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح، فلمّا فتحت لهم النّضير وما بعدها.. ردّوا عليهم منائحهم.
نعم.. كان ﷺ يختار ذلك مع إمكان حصول التّوسّع والتّبسّط في الدّنيا له؛ كما أخرج التّرمذيّ من حديث أبي أمامة: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة
стр. 133
ذهبا، فقلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت..
تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت.. شكرتك وحمدتك» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصّفا، فقال رسول الله ﷺ : «يا جبريل؛ والّذي بعثك بالحقّ ما أمسى لال محمّد سفّة «١» من دقيق، ولا كفّ من سويق «٢» » .
فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدّة من السّماء أفزعته، فقال رسول الله ﷺ : «أمر الله القيامة أن تقوم؟» .
قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك.
فأتاه إسرافيل، فقال: إنّ الله تعالى قد سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك: إن أردت أن أسيّر معك جبال تهامة زمرّذا وياقوتا، وذهبا وفضة.. فعلت، فإن شئت: نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا؟
فأومأ إليه جبريل أن تواضع.
فقال: «بل نبيّا عبدا» (ثلاثا) . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن.
ولله درّ الأبو صيريّ حيث قال:
وراودته الجبال الشّمّ من ذهب ... عن نفسه فأراها أيّما شمم)
стр. 134
وأمّا خبز رسول الله ﷺ :
فعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يبيت اللّيالي المتتابعة طاويا «١» هو وأهله؛ لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشّعير.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع ال محمّد ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين حتّى قبض رسول الله ﷺ .
وعن سليم بن عامر [رحمه الله تعالى] قال: سمعت أبا أمامة [الباهليّ] رضي الله تعالى عنه يقول: ما كان يفضل «٢» عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشّعير.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رفع عن مائدته ﷺ كسرة خبز حتّى قبض.
وقد ورد عنها أيضا [رضي الله تعالى عنها] أنّها قالت: توفّي رسول الله ﷺ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلّا شطر شعير في رفّ لي- أي: نصف وسق- فأكلت منه حتّى طال عليّ فكلته ففني «٣» .
стр. 135
وكان رسول الله ﷺ يأكل خبز الشّعير غير منخول، وربّما وقف في حلقه فلا يسيغه إلّا بجرعة من ماء.
وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما أنّه قيل له: أكل رسول الله ﷺ النّقيّ «١» يعني: الحوّارى؟ «٢»
فقال سهل: ما رأى رسول الله ﷺ النّقيّ حتّى لقي الله .
فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله ﷺ ؟
قال: ما كانت لنا مناخل.
قيل: كيف كنتم تصنعون بالشّعير؟
قال: كنّا ننفخه فيطير منه ما طار، ثمّ نعجنه.
وفي رواية له: هل كانت لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟
فقال: ما رأى النّبيّ ﷺ منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتّى قبضه الله تعالى.
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: ما أعلم أنّ رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرقّقا حتّى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه حتّى لحق بالله. رواه البخاريّ.
стр. 136
و (الشّاة السّميط) : هي الّتي أزيل شعرها بالماء المسخّن، وشويت بجلدها، وهو من فعل المترفّهين.
وعن قتادة [رحمه الله تعالى] ، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما أكل نبيّ الله ﷺ على خوان، ولا في سكرّجة، ولا خبز له مرقّق.
قال قتادة [رحمه الله تعالى] : كانوا يأكلون على هذه السّفر.
و (الخوان) : هو مرتفع يهيّأ ليؤكل الطّعام عليه.
و (السّكرّجة) : إناء صغير يوضع فيه الشيء القليل المشهّي للطّعام؛ كالسّلطة.
و (السّفر) - جمع سفرة- وهي: ما يتّخذ من جلد مستدير ليؤكل عليه الطّعام.
وعن مسروق [رحمه الله تعالى] قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها، فدعت لي بطعام، وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلّا بكيت.
قال: قلت: لم؟
قالت: أذكر الحال الّتي فارق عليها رسول الله ﷺ الدّنيا، والله ما شبع من خبز ولا لحم مرّتين في يوم.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما شبع ال محمّد ﷺ من طعام ثلاثة أيّام تباعا حتّى قبض. رواه البخاريّ ومسلم.
стр. 137
وروى مسلم: ما شبع ال محمّد يومين من خبز البرّ إلّا وأحدهما تمر.
وروى مسلم أيضا: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرّتين.
وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين حتّى قبض.
وفي رواية عنها [رضي الله تعالى عنها] أيضا: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متواليين، ولو شاء..
لأعطاه الله ما لا يخطر ببال.
قال القسطلّانيّ في «المواهب» : (وقد تتبّعت هل كانت أقراص خبزه ﷺ صغارا أم كبارا؟ فلم أجد في ذلك شيئا بعد التّفتيش.
نعم.. روي أمره بتصغيرها في حديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها، رفعته بلفظ: «صغّروا الخبز، وأكثروا عدده.. يبارك لكم فيه» .
وكان شيخي العارف الرّبّانيّ إبراهيم المتبوليّ يصغّر أرغفة سماطه، كالشّيخ أبي العبّاس أحمد البدويّ والسّادات بني الوفاء. أعاد الله تعالى علينا من بركاتهم) .
стр. 138
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج- تعني النّبيّ ﷺ من الدّنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين، كان إذا شبع من التّمر.. لم يشبع من الشّعير، وإذا شبع من الشّعير.. لم يشبع من التّمر.
قال القسطلّانيّ: (واعلم أنّ الشّبع بدعة ظهرت بعد القرن الأوّل.
وقد روى النّسائيّ وابن ماجه وصحّحه الحاكم من حديث المقدام بن معدي كرب: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما ملأ ابن ادم وعاء شرّا من بطنه، حسب ابن ادم لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الادميّ نفسه.. فثلث للطّعام، وثلث للشّراب، وثلث للنّفس» .
قال القرطبيّ: لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة) .
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: خطب رسول الله ﷺ ، فقال: «والله ما أمسى في ال محمّد صاع من طعام، وإنّها لتسعة أبيات» .
والله ما قالها استقلالا لرزق الله ، ولكن أراد أن تتأسّى به أمّته.
وفي «الشّفا» للقاضي عياض رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يمتلئ جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ، ولم يبثّ شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحبّ إليه من الغنى، وإن كان ليظلّ جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه، ولو شاء..
سأل ربّه جميع كنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها، ولقد كنت
стр. 139
أبكي رحمة له ممّا أرى به وأمسح بيدي على بطنه ممّا به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء؛ لو تبلّغت من الدّنيا بما يقوتك؟ فيقول: «يا عائشة؛ ما لي وللدّنيا؟! إخواني من أولي العزم من الرّسل صبروا على ما هو أشدّ من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربّهم، فأكرم مابهم، وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفّهت في معيشتي أن يقصّر بي غدا دونهم، وما من شيء هو أحبّ إليّ من اللّحوق بإخواني وأخلّائي» .
قالت: فما أقام بعد شهرا حتى توفّي صلوات الله وسلامه عليه.
ثمّ قال رحمه الله تعالى بعد ثلاث ورقات: كان داود ﵊ يلبس الصّوف، ويفترش الشّعر، ويأكل خبز الشّعير بالملح والرّماد، ويمزج شرابه بالدّموع.
وقيل لعيسى ﵊: لو اتّخذت حمارا؟
فقال: أنا أكرم على الله من أن يشغلني بحمار.
وكان يلبس الشّعر ويأكل الشّجر؛ ولم يكن له بيت، أينما أدركه النّوم.. نام. وكان أحبّ الأسامي إليه أن يقال له: (يا مسكين) .
وقيل: إنّ موسى [﵊] لمّا ورد ماء مدين كانت ترى خضرة البقل في بطنه من الهزال.
وقال ﷺ : «لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر والقمل، وكان ذلك أحبّ إليهم من العطاء إليكم» .
стр. 140
وقال مجاهد: كان طعام يحيى: العشب، وكان يبكي من خشية الله تعالى ، حتّى اتّخذ الدّمع مجرى في خدّه.
وحكى الطّبريّ عن وهب: أنّ موسى ﵊ كان يستظلّ بعريش، ويأكل في نقرة «١» من حجر، ويكرع فيها إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدّابّة؛ تواضعا لله تعالى بما أكرمه من كلامه) اهـ
стр. 141
الفصل الثّاني في صفة أكله ﷺ وإدامه
عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث؛ بالإبهام، والّتي تليها، والوسطى. ثمّ رأيته يلعق أصابعه الثّلاث قبل أن يمسحها؛ الوسطى، ثمّ الّتي تليها، ثمّ الإبهام.
وكان رسول الله ﷺ يكره أن يأكل الطّعام الحارّ حتّى تذهب فورة دخانه «١» .
وكان ﷺ لا يأكل الطّعام الحارّ، ويقول: «إنّه غير ذي بركة، فأبردوه؛ فإنّ الله لم يطعمنا نارا» .
وكان ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث، وربّما استعان بالرّابعة، ولم يكن يأكل قطّ بأصبعين، ويخبر أنّ ذلك من فعل الشّيطان.
وكان ﷺ يلعق الصّحفة بأصابعه، ويقول: «اخر الطّعام أكثر بركة» .
стр. 142
وكان [ ﷺ ] يلعق أصابعه من الطّعام حتّى تحمرّ.
وكان [ ﷺ ] لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه واحدة واحدة، ويقول: «إنّه لا يدري في أيّ الطّعام البركة» .
وكان ﷺ إذا أكل الخبز واللّحم خاصّة.. غسل يديه غسلا جيّدا، ثمّ يمسح بفضل الماء على وجهه.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكل من هذه اللّحوم شيئا.. فليغسل يده من ريح وضره «١» ، ولا يؤذي من حذاءه» .
وكان أكثر جلوسه ﷺ للأكل أن يجمع بين ركبتيه وبين قدميه؛ كما يجلس المصلّي، إلّا أنّ الرّكبة تكون فوق الرّكبة، والقدم فوق القدم.
وكان ﷺ يقول: «إنّما أنا عبد اكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .
وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أمّا أنا فلا اكل متّكئا» .
وروى ابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرّجل وهو منبطح على وجهه.
стр. 143
وأخرج ابن عديّ: أنّ رسول الله ﷺ زجر أن يعتمد الرّجل على يده اليسرى عند الأكل.
وأمّا إدام رسول الله ﷺ :
فقد كان ﷺ لا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرا دون خبز.. أكله، وإن وجد لحما مشويّا.. أكله، وإن وجد خبز برّ..
أكله، أو شعيرا.. أكله، وإن وجد حلوى، أو عسلا.. أكله، وإن وجد لبنا دون خبز.. أكله واكتفى به، وإن وجد بطّيخا، أو رطبا..
أكله.
وكان ﷺ يأكل ما حضر، ولا يردّ ما وجد.
وعن زهدم الجرميّ [رحمه الله تعالى] قال: كنّا عند أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، فأتي بلحم دجاج، فتنحّى رجل من القوم، فقال: ما لك؟ فقال: إنّي رأيتها تأكل شيئا، فحلفت أن لا اكلها. قال: ادن، فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج.
وعن إبراهيم بن عمر بن سفينة، عن أبيه [رحمهما الله تعالى] ، عن جدّه سفينة [رضي الله تعالى عنه] مولى رسول الله ﷺ ، قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى.
و (الحبارى) : طائر طويل العنق، في منقاره طول، رماديّ اللّون، شديد الطيران.
стр. 144
وكان ﷺ يأكل لحم الدّجاج والطّير الّذي يصاد، وكان لا يشتريه ولا يصيده، ويحبّ أن يصاد له، فيؤتى به فيأكله.
وكان رسول الله ﷺ يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها: «إذا طبختم قدرا.. فأكثروا فيها من الدّبّاء؛ فإنّها تشدّ قلب الحزين» .
وكان رسول الله ﷺ يأكل الثّريد باللّحم والقرع.
وكان [ ﷺ ] يحبّ القرع، ويقول: «إنّها شجرة أخي يونس» .
وعن جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ فرأيت عنده دبّاء يقطّع، فقلت: ما هذا؟ فقال:
«نكثّر به طعامنا» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إنّ خيّاطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه.
قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء، وقديد «١» .
قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع الدّبّاء حوالي القصعة، فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ.
стр. 145
قال النّوويّ: (فيه أنّه يستحبّ أن يحبّ المرء الدّبّاء، وكذلك كلّ شيء كان يحبّه ﷺ .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يحبّ الحلواء والعسل.
وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ .. العسل.
وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ .. اللّبن.
وكان ﷺ إذا شرب اللّبن.. قال: «إنّ له دسما» .
وكان ﷺ يشرب اللّبن خالصا تارة، وتارة مشوبا بالماء البارد.
وكان ﷺ إذا أتي بلبن.. قال: «بركة» .
وكان ﷺ يتمجّع التّمر باللّبن «١» ، ويسمّيهما:
«الأطيبين» .
وأكل ﷺ التّمر بالزّبد «٢» ، وكان يحبّه.
وفي «الإحياء» : أنّه جاء عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه بفالوذج، فأكل منه، وقال: «ما هذا يا أبا عبد الله؟» .