← Сира

Сира · id 23694

وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

يوسف النبهاني

Полный текст (378 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الرّابع في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطبيعية روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّه قال: كان رسول الله ﷺ كثير العرق. وكان عرقه ﷺ في وجهه كاللّؤلؤ، وأطيب من المسك الأذفر «١» . وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي.. ثقل لذلك، وتحدّر جبينه عرقا كأنّه جمان «٢» ، وإن كان في البرد. وكان ﷺ يأتي أمّ سليم فيقيل عندها، فتبسط له نطعا «٣» فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطّيب، فقال النّبيّ ﷺ : «يا أمّ سليم؛ ما هذا؟» . قالت: عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطّيب.

стр. 72

وفي رواية قالت: يا رسول الله؛ نرجو بركته لصبياننا. قال: «أصبت» . وكان كفّه ﷺ ألين من الحرير، وكانت رائحته كرائحة كفّ العطّار، مسّها ﷺ بطيب أم لم يمسّها، وكان يصافح الرّجل فيظلّ يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصّبيّ فيعرف من بين الصّبيان بريحها على رأسه. وقال أنس: ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ . وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ مسح خدّه، قال: فوجدت ليده بردا وريحا؛ كأنّما أخرجها من جؤنة «١» عطّار. وكان ﷺ يعرف منه ريح الطّيب إذا أقبل. وكان ﷺ لا يسلك طريقا فيتبعه أحد.. إلّا عرف أنّه قد سلكه من طيب عرفه «٢» . وذكر إسحاق بن راهواه: أنّ تلك كانت رائحته بلا طيب ﷺ . وعن أمّ عاصم امرأة عتبة بن فرقد السّلميّ قالت: كنّا عند عتبة أربع

стр. 73

نسوة، فما منّا امرأة إلّا وهي تجتهد في الطّيب؛ لتكون أطيب من صاحبتها، وما يمسّ عتبة الطّيب إلّا أن يمسّ دهنا يمسح به لحيته، ولهو أطيب ريحا منّا، وكان إذا خرج إلى النّاس.. قالوا: ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يوما: إنّا لنجتهد في الطّيب، ولأنت أطيب ريحا منّا! فممّ ذلك؟! فقال: أخذني الشّرى «١» على عهد رسول الله ﷺ ، فأتيته، فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرّد، فتجرّدت عن ثوبي، وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث في يده، ثمّ مسح ظهري وبطني بيده، فعبق بي هذا الطّيب من يومئذ. رواه الطّبرانيّ في «معجمه الصّغير» . وروى أبو يعلى والطّبرانيّ قصّة الّذي استعان بالنّبيّ ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة فسلت «٢» له فيها من عرقه، وقال: «مرها فلتطّيّب به» ، فكانت إذا تطيّبات به شمّ أهل المدينة ذلك الطّيب، فسمّوا «بيت المطيّبين» .

стр. 74

الفصل الخامس في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان لرسول الله ﷺ سكّة يتطيّب منها. ومعنى (السّكّة) : طيب مجموع من أخلاط، ويحتمل أن يكون وعاء. وكان رسول الله ﷺ يأخذ المسك فيمسح به رأسه ولحيته. وكان ﷺ يضمّخ رأسه بالمسك. وكان أنس لا يردّ الطّيب؛ وقال: إنّ النّبيّ ﷺ كان لا يردّ الطّيب. وعن أبي عثمان النّهديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطي أحدكم الرّيحان.. فلا يردّه؛ فإنّه خرج من الجنّة» . وعن أنس ﵁: كان أحبّ الرّياحين إليه ﷺ الفاغية.

стр. 75

و (الفاغية) : زهر الحنّاء. وكان رسول الله ﷺ يعجبه الرّيح الطّيّبة. وكان ﷺ يحبّ الطّيب والرّائحة الحسنة، ويستعملهما كثيرا، ويحضّ عليهما، ويقول: «حبّب إليّ من دنياكم: النّساء، والطّيب، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» . ورواية: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» .. لا أصل لها، ففي «المواهب» : قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: إنّ لفظ «ثلاث» لم يقع في شيء من طرقه، وزيادته تفسد المعنى، وكذلك قاله الوليّ العراقيّ في «أماليه» ، وعبارته: (ليست هذه اللّفظة: وهي (ثلاث) في شيء من كتب الحديث وهي مفسدة للمعنى؛ فإنّ الصّلاة ليست من أمور الدّنيا، وكذا صرّح به الزّركشيّ وغيره، كما حكاه شيخنا- يعني الحافظ السّخاويّ في «المقاصد الحسنة» - وأقرّه) اهـ وأنكره أيضا ابن القيّم. وكان رسول الله ﷺ يحبّ الطّيب ويكره الرّائحة الرّديئة.

стр. 76

الفصل السادس في صفة صوته ﷺ عن أنس رضي الله تعالى عنه: ما بعث الله نبيّا إلّا حسن الوجه، حسن الصّوت، وكان نبيّكم أحسنهم وجها، وأحسنهم صوتا. وكان صوت رسول الله ﷺ يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتّى أسمع العواتق «١» في خدورهنّ. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر، فقال للنّاس: «اجلسوا» ، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم، فجلس في مكانه. وقال عبد الرّحمن بن معاذ التّيميّ رضي الله تعالى عنه: خطبنا

стр. 77

رسول الله ﷺ بمنى، ففتح الله أسماعنا، حتّى إن كنّا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا. وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: كنّا نسمع قراءة النّبيّ ﷺ في جوف اللّيل عند الكعبة، وأنا على عريشي. وكان رسول الله ﷺ إذا خطب.. اشتدّ غضبه وعلا صوته، كأنّه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم.

стр. 78

الفصل السّابع في صفة غضبه ﷺ وسروره كان رسول الله ﷺ إذا غضب.. يرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته. وكان ﷺ إذا غضب.. احمرّت وجنتاه. وكان ﷺ إذا غضب وهو قائم.. جلس، وإذا غضب وهو جالس.. اضطجع، فيذهب غضبه. وكان ﷺ إذا غضب.. لم يجترئ عليه أحد إلّا عليّ. وكان ﷺ أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضا. وكان ﷺ يغضب لربّه ، ولا يغضب لنفسه. وكان ينفّذ الحقّ وإن عاد ذلك بالضّرر عليه وعلى أصحابه. وكان ﷺ إذا كره شيئا.. عرف ذلك في وجهه. وأمّا سرور رسول الله ﷺ :

стр. 79

فقد كان ﷺ إذا سرّ.. استنار وجهه كأنّه القمر. وكان ﷺ إذا سرّ.. فكأنّ وجهه المراة، وكأنّ الجدر يرى شخصها فيه.

стр. 80

الفصل الثّامن في صفة ضحكه ﷺ وبكائه وعطاسه [ضحك رسول الله ص] كان رسول الله ﷺ إذا افترّ «١» ضاحكا.. افترّ عن مثل سنا البرق إذا تلألأ، وعن مثل حبّ الغمام. وكان ﷺ جلّ ضحكه التّبسّم. وعن عبد الله بن الحارث رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ . وعن عائشة رضي الله [تعالى] عنها أنّها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ قطّ مستجمعا ضاحكا حتّى أرى منه لهواته «٢» . وعن عبد الله بن الحارث أيضا قال: ما ضحك رسول الله ﷺ إلّا تبسّما.

стр. 81

وكان رسول الله ﷺ لا يحدّث حديثا إلّا تبسّم. وكان ضحك أصحابه ﷺ عنده التبسّم من غير صوت، اقتداء به، وتوقيرا له، وكانوا إذا جلسوا عنده.. كأنّما على رؤوسهم الطّير. وكان ﷺ إذا جرى به الضّحك.. وضع يده على فيه «١» . وكان ﷺ من أضحك النّاس، وأطيبهم نفسا. وورد في أحاديث أنّ النّبيّ ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه- أي: أضراسه- وإن كان الغالب من أحواله ﷺ التبسّم فعن أبي ذرّ رضي الله [تعالى] عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعلم أوّل رجل يدخل الجنّة، واخر رجل يخرج من النّار، يؤتى بالرّجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال له: عملت يوم كذا.. كذا وكذا، وهو مقرّ لا ينكر، وهو مشفق من كبارها، فيقال: أعطوه مكان كلّ سيّئة عملها حسنة، فيقول: إنّ لي ذنوبا لا أراها ههنا» . قال أبو ذرّ: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه.

стр. 82

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعرف اخر أهل النّار خروجا، رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنّة. قال: فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: ربّ؛ قد أخذ النّاس المنازل، فيقال له: أتذكر الزّمان الّذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمنّ. قال: فيتمنّى، فيقال له: فإنّ لك الّذي تمنّيته وعشرة أضعاف الدّنيا. قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك» . قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه. وعن عامر بن سعد بن أبي وقّاص قال: قال سعد رضي الله تعالى عنه: لقد رأيت النّبيّ ﷺ ضحك يوم الخندق حتّى بدت نواجذه. قال: قلت: كيف كان ضحكه؟ قال: كان رجل معه ترس، وكان سعد راميا، وكان الرّجل يقول كذا وكذا بالتّرس يغطّي جبهته «١» ، فنزع له سعد بسهم، فلمّا رفع رأسه..

стр. 83

رماه فلم يخطئ هذه منه- يعني: جبهته- وانقلب الرّجل وشال برجله «١» ، فضحك النّبيّ ﷺ حتّى بدت نواجذه. قال: قلت: من أيّ شيء ضحك «٢» ؟ قال: من فعله بالرّجل «٣» . وعن عليّ بن ربيعة قال: شهدت عليّا رضي الله تعالى عنه أتي بدابّة ليركبها، فلمّا وضع رجله في الرّكاب.. قال: باسم الله. فلمّا استوى على ظهرها.. قال: الحمد لله، ثمّ قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف: ١٣- ١٤] . ثمّ قال: الحمد لله (ثلاثا) ، والله أكبر (ثلاثا) ، سبحانك إنّي ظلمات نفسي فاغفرلي؛ فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت. ثمّ ضحك. فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثمّ ضحك. فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا رسول الله؟

стр. 84

قال: «إنّ ربّك ليعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لي ذنوبي، يعلم أنّه لا يغفر الذّنوب أحد غيره» . [بكاء رسول الله ص] وأمّا بكاء رسول الله ﷺ : فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتّى تهملان «١» ، ويسمع لصدره أزيز، يبكي: رحمة لميّت، و: خوفا على أمّته وشفقة، و: من خشية الله تعالى، و: عند سماع القران، و: أحيانا في صلاة اللّيل. فعن عبد الله بن الشّخّير رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل «٢» من البكاء. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ عليّ» ، فقلت: يا رسول الله؛ أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» . فقرأت سورة النّساء حتّى بلغت: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] . قال: فرأيت عيني رسول الله ﷺ تهملان. وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: أخذ رسول الله صلّى الله

стр. 85

عليه وسلّم ابنة له صغيرة «١» تقضي «٢» ، فاحتضنها فوضعها بين يديه، فماتت وهي بين يديه «٣» وصاحت أمّ أيمن، فقال: - يعني: النّبيّ ﷺ : «أتبكين عند رسول الله؟!» . أي: بكاء محظورا مقترنا بالصّياح دالّا على الجزع. فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: «إنّي لست أبكي، إنّما هي رحمة، إنّ المؤمن بكلّ خير على كلّ حال، إنّ نفسه تنزع من بين جنبيه؛ وهو يحمد الله » . وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: شهدنا ابنة «٤» لرسول الله ﷺ ورسول الله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان. وعن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ﷺ قبّل عثمان بن مظعون، وهو ميّت، وهو يبكي. هو أخوه من الرّضاعة «٥» . وكانت عيناه ﷺ كثيرة الدّموع والهملان. وكسفت الشّمس مرّة، فجعل ﷺ يبكي في الصّلاة

стр. 86

وينفخ، ويقول: «يا ربّ؛ ألم تعدني ألاتعذّبهم وأنا فيهم، وهم يستغفرونك؟ ونحن نستغفرك يا ربّ» . [عطاس رسول الله ص] وأمّا عطاس رسول الله ﷺ : فقد كان ﷺ إذا عطس.. وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض بها صوته. وكان ﷺ إذا عطس.. حمد الله، فيقال له: يرحمك الله، فيقول: «يهداكم الله ويصلح بالكم» . وكان ﷺ يكره العطسة الشّديدة في المسجد. وكان ﷺ يكره رفع الصّوت بالعطاس. أمّا التّثاؤب: فقد كان رسول الله ﷺ يكرهه من غيره، وقد حفظه الله تعالى منه، وما تثاءب نبيّ قطّ.

стр. 87

الفصل التّاسع في صفة كلامه ﷺ وسكوته عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلّم بكلام بيّن فصل، يحفظه من جلس إليه. وكان في كلامه ﷺ ترتيل. وكان كلامه ﷺ يحفظه كلّ من سمعه. وكان ﷺ إذا تكلّم بكلمة.. أعادها ثلاثا حتّى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلّم عليهم.. سلّم عليهم ثلاثا. وكان ﷺ إذا جلس يتحدّث.. يكثر أن يرفع طرفه إلى السّماء. وكان ﷺ يحدّث حديثا، لو عدّه العادّ.. لأحصاه. وكان ﷺ طويل الصّمت. وكان ﷺ كثير السّكوت، لا يتكلّم في غير حاجة، ويعرض عمّن تكلّم بغير جميل. وكان ﷺ يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه.

стр. 88

وكان ﷺ نزر الكلام، سمح المقالة، يعيد الكلام مرّتين ليفهم. وكان ﷺ كلامه كخرزات النّظم. وكان يعرض عن كلّ كلام قبيح، ويكني عن الأمور المستقبحة في العرف إذا اضطرّه الكلام إلى ذكرها. وكان ﷺ يذكر الله تعالى بين كلّ خطوتين.

стр. 89

الفصل العاشر في صفة قوّته ﷺ كان رسول الله ﷺ شديد البطش. وعن ابن إسحاق وغيره: أنّه كان بمكّة رجل شديد القوّة يحسن الصّراع، وكان النّاس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم، فبينما هو ذات يوم في شعب من شعاب مكّة إذ لقيه رسول الله ﷺ ، فقال له: «يا ركانة؛ ألا تتّقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟» . فقال له: يا محمّد؛ هل من شاهد يدلّ على صدقك؟ فقال: «أرأيتك إن صرعتك، أتؤمن بالله ورسوله؟» . قال: نعم يا محمّد. فقال له: «تهيّأ للمصارعة» . فقال: تهيّأت. فدنا رسول الله ﷺ فأخذه، ثمّ صرعه. قال: فتعجّب ركانة من ذلك، ثمّ سأله الإقالة والعود، ففعل به ثانيا وثالثا، فوقف ركانة متعجّبا، وقال: إنّ شأنك لعجيب. وقد صارع النّبيّ ﷺ جماعة غير ركانة، منهم أبو

стр. 90

الأسود الجمحيّ، وكان شديدا، بلغ من شدّته أنّه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرّى الجلد «١» ، ولم يتزحزح عنه، فدعا رسول الله ﷺ إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني.. امنت بك، فصرعه رسول الله ﷺ فلم يؤمن. وأمّا قوّة رسول الله ﷺ على الجماع: فقد قال أنس رضي الله تعالى عنه: إنّه كان ﷺ يدور على نسائه في السّاعة الواحدة من اللّيل والنّهار؛ وهنّ إحدى عشرة. وأخرج ابن منيع: أنّ رسول الله ﷺ كان يطوف على تسع نسوة في ضحوة. وعن صفوان بن سليم مرفوعا: «أتاني جبريل بقدر فأكلت منها، فأعطيت قوّة أربعين رجلا في الجماع» . وعن طاووس ومجاهد: أعطي ﷺ قوّة أربعين رجلا في الجماع. وفي رواية عن مجاهد: قوّة بضع وأربعين رجلا من أهل الجنّة. وعن زيد بن أرقم رفعه: «إنّ الرّجل من أهل الجنّة ليعطى قوّة مئة في الأكل والشّرب والجماع والشّهوة» .

стр. 91

الباب الثّالث في صفة لباس رسول الله ﷺ وفراشه وسلاحه وفيه ستّة فصول

стр. 92

الفصل الأوّل في صفة لباسه ﷺ من قميص وإزار ورداء وقلنسوة وعمامة ونحوها قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في «الشّفا» : (انظر سيرة نبيّنا محمّد ﷺ وخلقه في المال.. تجده قد أوتي خزائن الأرض ومفاتيح البلاد، وأحلّت له الغنائم؛ ولم تحلّ لنبيّ قبله، وفتح عليه في حياته ﷺ بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب وما دانى ذلك من الشّام والعراق، وجلب إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلّا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهما، بل صرفه في مصارفه، وأغنى به غيره، وقوّى به المسلمين، وقال: «ما يسرّني أنّ لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار، إلّا دينارا أرصده لدين» . وأتته دنانير مرّة، فقسمها، وبقيت منها بقيّة، فدفعها لبعض نسائه، فلم يأخذه نوم حتّى قام وقسمها، وقال: «الان استرحت» . ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله، واقتصر من نفقته وملبسه

стр. 93

ومسكنه على ما تدعوه إليه ضرورته، وزهد فيما سواه. فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشّملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية «١» الدّيباج المخوّصة «٢» بالذّهب، ويرفع لمن لم يحضر؛ إذ المباهاة في الملابس والتّزيّن بها.. ليست من خصال الشّرف والجلالة، وهي من سمات النّساء. والمحمود منها نقاوة الثّوب، والتّوسّط في جنسه، وكونه لبس مثله.. غير مسقط لمروءة جنسه. وفي «المواهب» : إنّ الجمال في الصّورة واللّباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذمّ، ومنه ما لا يتعلّق به مدح ولا ذمّ: فالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله تعالى، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له؛ كما كان ﷺ يتجمّل للوفود، وهذا نظير لباس الة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب، والخيلاء فيه؛ فإنّ ذلك محمود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله تعالى، ونصر دينه، وغيظ عدوّه. والمذموم منه: ما كان للدّنيا، والرّئاسة، والفخر والخيلاء، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه. وأمّا ما لا يحمد ولا يذمّ: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرّد عن الوصفين، وقد كان النّبيّ ﷺ لا يضيّق بالاقتصار

стр. 94

على صنف من اللّباس بعينه، ولا يطلب النّفيس الغالي، بل يستعمل ما تيسّر. ثمّ قال «١» : روى أبو نعيم في «الحلية» عن ابن عمر مرفوعا: «إنّ من كرامة المؤمن على الله .. نقاء ثوبه، ورضاه باليسير» . وله من حديث جابر: أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلا وسخة ثيابه فقال: «أما وجد هذا شيئا ينقّي به ثيابه؟» . قال «٢» : وكانت سيرته ﷺ في ملبسه أتمّ وأنفع للبدن وأخفّ عليه؛ فإنّه لم تكن عمامته بالكبيرة الّتي يؤذي حملها ويضعفه ويجعله عرضة للافات، ولا بالصّغيرة الّتي تقصر عن وقاية الرّأس من الحرّ والبرد، وكذلك الأردية والأزر أخفّ على البدن من غيرها، ولم يكن ﷺ يطوّل أكمامه ويوسّعها) اهـ وكان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ يلبسه.. القميص. و (القميص) : اسم لما يلبس من المخيط الّذي له كمّان وجيب، يلبس تحت الثّياب، ولا يكون من صوف. كذا في «القاموس» . ولم يكن له ﷺ سوى قميص واحد؛ فقد ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء، ولا اتّخذ من شيء زوجين، ولا

стр. 95

قميصين ولا رداءين ولا إزارين، ولا زوجين من النّعال. وكان كمّ قميص رسول الله ﷺ إلى الرّسغ. و (الرّسغ) : مفصل ما بين الكفّ والسّاعد من الإنسان. وكان رسول الله ﷺ كمّه مع الأصابع. وكان قميصه ﷺ فوق الكعبين، وكان كمّه مع الأصابع. وكان ﷺ إذا لبس قميصا.. بدأ بميامنه. وعن قرّة بن إياس رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من مزينة لنبايعه، وإنّ زرّ قميصه مطلق، قال: فأدخلت يدي في جيب قميصه، فمسست الخاتم «١» . وكان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ الحبرة- بوزن عنبة- برد يمانيّ محبّر؛ أي: مزيّن محسّن. وكان لرسول الله ﷺ بردان أخضران، فيهما خطوط خضر لا بحتا «٢» . وكان ﷺ يعجبه الثّياب الخضر. وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه حلّة حمراء كأنّي أنظر إلى بريق ساقيه. و (الحلّة) بالضّمّ: إزار ورداء، ولا تكون حلّة إلّا من ثوبين، أو

стр. 96

ثوب له بطانة. وكان رسول الله ﷺ يكسو بناته خمر القزّ والإبريسم «١» . و (الخمر) - ك «كتب» ، جمع خمار- وهو: ما تغطّي به المرأة رأسها. وكان يتّبع الحرير من الثّياب.. فينزعه. وكان قيمة ثوبه ﷺ عشرة دراهم. وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه أسمال «٢» مليّتين. وقوله (مليّتين) - تصغير ملاءة- وهي: كلّ ثوب لم يضمّ بعضه إلى بعض بخيط، بل كلّه نسج واحد. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ خرج وهو يتوكّأ على أسامة رضي الله تعالى عنه، وعليه ثوب قطريّ قد توشّح به.. فصلّى بهم. و (قطريّ) : نسبة إلى القطر؛ وهو: نوع من البرود اليمانيّة تتّخذ من قطن، وفيه حمرة وأعلام مع خشونة.

стр. 97

و (توشّح به) أي: وضعه فوق عاتقيه، أو خالف بين طرفيه وربطهما بعنقه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود. و (المرط) : كساء طويل واسع. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ لبس جبّة روميّة ضيّقة الكمّين. و (الجبّة) : ثوبان بينهما حشو، وقد تقال لما لا حشو له إذا كانت ظهارته «١» من صوف. وكان كمّه ﷺ إلى الرّسغ، ولبس القباء «٢» والفرجيّة، ولبس جبّة ضيّقة الكمّين في سفره. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما: أنّها أخرجت جبّة طيالسة «٣» كسروانيّة، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان «٤» بالدّيباج، قالت: هذه جبّة رسول الله ﷺ ، كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها، فلمّا قبضت.. قبضتها، وكان النّبيّ صلّى الله عليه

стр. 98

وسلّم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها. ومعنى (اللّبنة) : رقعة في جيب القميص. وكان رسول الله ﷺ يلبس ما وجد؛ فمرّة شملة، ومرّة برد حبرة يمانيّة، ومرّة جبّة صوف، ما وجد من المباح لبس. و (الشّملة) : كساء صغير يؤتزر به. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ملبّدا وإزارا غليظا؛ فقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين. و (الكساء) : ما يستر أعلى البدن. و (الملبّد) : المرقّع. و (الإزار) : ما يستر أسفل البدن. و (غلظه) : خشونته. وكان له ﷺ كساء ملبّد يلبسه ويقول: «إنّما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد» . وكان له ﷺ كساء أسود، فوهبه، فقالت له أمّ سلمة: بأبي أنت وأمّي ما فعل ذلك الكساء الأسود؟ فقال: «كسوته» ، فقالت: ما رأيت شيئا قطّ أحسن من بياضك على سواده. وكان ﷺ يتقنّع بردائه تارة ويتركه أخرى، وهو «١»

стр. 99

الّذي يسمّى في العرف: الطّيلسان. وكان ﷺ غالب ما يلبس هو وأصحابه ما نسج من القطن، وربّما لبسوا ما نسج من الصّوف والكتّان. ولبس ﷺ الشّعر الأسود. ولبس مرّة بردة من الصّوف.. فوجد ريح الضّأن فطرحها. وكان لرسول الله ﷺ سراويل، ولبس النّعل الّتي تسمّى: التّاسومة «١» . وكان له ﷺ ملاءة مصبوغة بالزّعفران، تنقل معه إلى بيوت أزواجه، فترسلها من كان نائما عندها إلى صاحبة النّوبة، فترشّها بالماء، فتظهر رائحة الزّعفران، فينام معها فيها. وكانت له ﷺ ملحفة مصبوغة بالزّعفران، وربّما صلّى بالنّاس فيها واحدها، وربّما لبس الكساء واحده وما عليه غيره. وكان ﷺ ربّما صلّى باللّيل في الإزار، وارتدى ببعضه ممّا يلي هدبه، وألقى البقيّة على بعض نسائه، فيصلّي كذلك. وكانت ثيابه ﷺ كلّها مشمّرة فوق الكعبين، وكان إزاره فوق ذلك إلى نصف السّاق، وكان قميصه مشدود الأزرار، وربّما حلّ الأزرار في الصّلاة وغيرها.

стр. 100

وعن عبيد بن خالد رضي الله تعالى عنه قال: بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: «ارفع إزارك فإنّه أتقى وأبقى» ، فإذا هو رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إنّما هي بردة ملحاء، قال: «أما لك فيّ أسوة؟!» ، فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه. ومعنى (ملحاء) : سوداء فيها خطوط بيض يلبسها الأعراب، ليست من الثّياب الفاخرة. و (الأسوة) : القدوة. وعن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: كان عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: هكذا كانت إزرة «١» صاحبي؛ يعني النّبيّ ﷺ . وعن حذيفة بن اليمان رضي الله [تعالى] عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بعضلة ساقي فقال: «هذا موضع الإزار، فإن أبيت.. فأسفل، فإن أبيت.. فلا حقّ للإزار في الكعبين» . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: راني النّبيّ ﷺ أسبلت إزاري فقال: «يا ابن عمر؛ كلّ شيء لمس الأرض من الثّياب في النّار» . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ : «ما أسفل من الكعبين من الإزار.. في النّار» ، وهو محمول

стр. 101

على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الّذي ورد فيه الوعيد. وكان رسول الله ﷺ يرخي إزاره من بين يديه، ويرفعه من ورائه. وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا.. سمّاه باسمه؛ قميصا، أو عمامة، أو رداء، ثمّ يقول: «اللهمّ؛ لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما صنع له» . وكان ﷺ إذا لبس ثوبا جديدا.. حمد الله تعالى، وصلّى ركعتين، وكسا الخلق «١» . وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا.. لبسه يوم الجمعة. وكان له ﷺ برد يلبسه في العيدين والجمعة. وكان ﷺ يلبس بردة حمراء في كلّ عيد. وكان له ﷺ برد حبرة يلبسه في كلّ عيد. ومرّ عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه مع النّبيّ ﷺ بالسّوق فرأى حلّة من سندس.. فقال: يا رسول الله؛ لو اتّخذت هذه للعيد، فقال: «إنّما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» . وكانت الصّحابة رضي الله تعالى عنهم يلبسون ذكورهم الصّغار يوم العيد أحسن ما يقدرون عليه من الحليّ، والمصبّغات من الثّياب. وكان له ﷺ ثوبان لجمعته خاصّة سوى ثيابه في غير

стр. 102

الجمعة، وربّما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره؛ يعقد طرفيه بين كتفيه، وربّما أمّ به النّاس على الجنائز، وربّما صلّى في بيته في الإزار الواحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه، ويكون ذلك الإزار هو الّذي جامع فيه يومئذ. وكان إذا قدم عليه الوفد.. لبس أحسن ثيابه، وأمر علية أصحابه بذلك. وكان رداؤه ﷺ طوله ستّة أذرع، في ثلاثة وشبر. وكان إزاره أربعة وشبرا، في عرض ذراعين وشبر. ولبس ﷺ الأبراد الّتي فيها خطوط حمر. وكان ينهى أصحابه عن لبس الأحمر الخالص. وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالبياض من الثّياب؛ ليلبسها أحياؤكم، وكفّنوا فيها موتاكم؛ فإنّها من خير ثيابكم» . وفي «المواهب» : عن عروة: أنّ طول رداء النّبيّ ﷺ أربعة أذرع، وعرضة ذراعان وشبر. وفيها: لطيفة: قيل: لمّا كان رسول الله ﷺ لا يبدو منه إلّا طيب.. كان اية ذلك في بدنه الشّريف أنّه لا يتّسخ له ثوب. قيل: ولم يقمل ثوبه.

стр. 103

وقال ابن سبع في «الشّفا» ، والسّبتيّ في «أعذب الموارد وأطيب الموالد» : لم يكن القمل يؤذيه تعظيما له وتكريما ﷺ . ثمّ قال: ونقل الفخر الرّازيّ: إنّ الذّباب لا يقع على ثيابه قطّ، وإنّه لا يمتصّ دمه البعوض. وكان رسول الله ﷺ يلبس قلنسوة بيضاء. و (القلنسوة) : غشاء مبطّن يستر الرّأس. وكان ﷺ يلبس القلانس تحت العمائم وبغير العمائم، ويلبس العمائم بغير القلانس، وكان يلبس القلانس اليمانيّة؛ وهنّ البيض المضرّبة «١» ، ويلبس القلانس ذوات الاذان في الحرب. وكان ربّما نزع قلنسوته، فجعلها سترة بين يديه وهو يصلّي، وربّما لم تكن العمامة، فيشدّ العصابة على رأسه وعلى جبهته. وكان رسول الله ﷺ إذا اعتمّ.. سدل عمامته بين كتفيه. وكان ﷺ يدير العمامة على رأسه ويغرزها من ورائه، ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه. وكان ﷺ إذا اعتمّ.. سدل عمامته بين كتفيه، وفي أوقات كان يضمّها ويرشقها، وأوقات لا يرخيها جملة.

стр. 104

وكان ﷺ كثيرا ما يلتحي بالعمامة من تحت الحنك كطريق المغاربة. وكانت له ﷺ عمامة تسمّى (السّحاب) ، فوهبها لعليّ رضي الله تعالى عنه، فربّما طلع عليّ فيها فيقول ﷺ : «أتاكم عليّ في السّحاب» . وعن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: عمّمني رسول الله ﷺ بعمامة سدل طرفها على منكبي، وقال: «إنّ الله أمدّني يوم بدر ويوم حنين بملائكة معمّمين هذه العمّة» . وقال: «إنّ العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين» . وكان ﷺ لا يولّي واليا حتّى يعمّمه، ويرخي لها عذبة من جانب الأيمن نحو الأذن. وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ مكّة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء. وقال ابن حجر المكّيّ: اعلم أنّه لم يتحرّر- كما قاله بعض الحفّاظ- في طول عمامته ﷺ وعرضها شيء. وكان لرسول الله ﷺ خرقة، إذا توضّأ.. تمسّح بها. وكان منديله ﷺ باطن قدميه.

стр. 105

الفصل الثّاني في صفة فراشه ﷺ وما يناسبه كان لرسول الله ﷺ فراش من أدم، حشوه ليف، طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه. وكان متقلّلا من أمتعة الدّنيا كلّها، وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلّها.. فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها. وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: من أدم، حشوه ليف. و (الادم) - جمع أديم على غير القياس- وهو: الجلد المدبوغ، ويجمع على: أدم. وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: دخلت عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله ﷺ قطيفة مثنيّة، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصّوف، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا يا عائشة؟!» ، قلت: يا رسول الله؛ فلانة الأنصاريّة دخلت فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا، فقال: «ردّيه يا عائشة، فو الله لو شئت لأجرى الله تعالى معي جبال الذّهب والفضّة» .

стр. 106

و (القطيفة) : دثار له خمل «١» . وسئلت حفصة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلمّا كان ذات ليلة.. قلت: لو ثنيته أربع ثنيات لكان أوطأ له، فثنيناه له بأربع ثنيات، فلمّا أصبح.. قال: «ما فرشتموا لي اللّيلة؟» . قالت: قلنا: هو فراشك، إلّا أنّا ثنيناه بأربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك، قال: «ردّوه لحالته الأولى؛ فإنّه منعتني وطأته صلاتي اللّيلة» . و (المسح) : كساء خشن من صوف يعدّ للفراش. ومعنى (أوطأ) : ألين؛ من وطؤ الفراش فهو وطيء، كقرب فهو قريب. وكان له ﷺ عباءة تفرش له حيثما انتقل، تثنى طاقين تحته. وكان ﷺ كثيرا ما ينام على الحصير واحده، ليس تحته شيء غيره. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ وهو في غرفة كأنّها بيت حمّام، وهو نائم على حصير قد أثّر بجنبه، فبكيت، فقال: «ما يبكيك يا عبد الله؟» ، قلت: يا رسول الله؛ كسرى وقيصر يطؤون على الخزّ والدّيباج والحرير؛ وأنت

стр. 107

نائم على هذا الحصير، قد أثّر بجنبك. فقال: «فلا تبك يا عبد الله، فإنّ لهم الدّنيا ولنا الآخرة» . وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: حدّثني عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير، قال: فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصّاع، وإذا إهاب معلّق، فابتدرت عيناي، فقال: «ما يبكيك يا ابن الخطّاب؟» . فقلت: يا نبيّ الله؛ وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثّر في جنبيك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلّا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثّمار والأنهار، وأنت نبيّ الله وصفوته وهذه خزائنك؟! قال: «يا ابن الخطّاب؛ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدّنيا؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الدّنيا، وهي وشيكة الانقطاع، وإنّا قوم أخّرت لنا طيّباتنا في اخرتنا» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ سرير مرمّل بالبرديّ، وعليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبرديّ، فدخل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عليه، فإذا النّبيّ ﷺ نائم عليه، فلمّا راهما.. استوى جالسا، فنظرا، فإذا أثر السّرير في جنب رسول الله ﷺ ، فقالا: يا رسول الله؛ ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك؛ وهذا كسرى وقيصر على فرش الدّيباج والحرير؟! فقال ﵊:

стр. 108

«لا تقولا هذا؛ فإنّ فراش كسرى وقيصر في النّار، وإنّ فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنّة» . وما عاب رسول الله ﷺ مضجعا قطّ، إن فرش له.. اضطجع، وإلّا.. اضطجع على الأرض. ومعنى (مرمّل) : منسوج. و (البرديّ) : نبات. وتغطّى ﷺ باللّحاف، قال ﵊: «ما أتاني جبريل وأنا في لحاف امرأة منكنّ.. غير عائشة» . وكان وساده الّذي يتّكىء عليه من أدم، حشوه ليف. وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ متّكئا على وسادة على يساره. وكان ﷺ يصلّي على الحصير. وكان ﷺ يصلّي على بساط. وكان ﷺ يستحبّ أن تكون له فروة مدبوغة يصلّي عليها.

стр. 109

الفصل الثّالث في صفة خاتمه ﷺ كان خاتم رسول الله ﷺ من ورق، وكان فصّه حبشيّا. و (الورق) : الفضّة. و (الفصّ) : ما يكتب عليه اسم صاحبه. و (الحبشيّ) : منسوب إلى الحبش، فإنّه كان من جزع؛ وهو: خرز فيه بياض وسواد، أو من عقيق، ومعدنهما بالحبشة. ولم يرد عنه ﷺ أنّه لبس خاتما كلّه عقيقا. وكان خاتمه ﷺ من فضّة فصّه منه. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ اتّخذ خاتما من فضّة، فكان يختم به ولا يلبسه. وكان النّبيّ ﷺ يلبس خاتمه في يمينه. والتّختّم في اليسار ليس مكروها، ولا خلاف الأولى، بل هو سنّة لوروده في أحاديث صحيحة، لكن التّختّم في اليمين أفضل؛ لأنّ أحاديثه أصحّ. قاله الباجوريّ.

стр. 110

وكان ﷺ يتختّم في يساره. وكان ﷺ يجعل فصّ خاتمه ممّا يلي كفّه. وكان نقش خاتم رسول الله ﷺ : (محمّد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لمّا أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى العجم.. قيل له: إنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم. فاصطنع خاتما، فكأنّي أنظر إلى بياضه في كفّه. وعن أنس أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ كتب إلى كسرى، وقيصر، والنّجاشيّ، فقيل له: إنّهم لا يقبلون كتابا إلّا بخاتم، فصاغ رسول الله ﷺ خاتما حلقته فضّة، ونقش فيه: (محمّد رسول الله) . وكان ﷺ يختم الكتب ويقول: «الخاتم على الكتاب خير من التّهمة» . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتّخذ رسول الله ﷺ خاتما من ذهب، فكان يلبسه في يمينه، فاتّخذ النّاس خواتيم من ذهب، فطرحه، وقال: «لا ألبسه أبدا» ، فطرح النّاس خواتيمهم. وعن ابن عمر أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ اتّخذ خاتما من فضّة، وجعل فصّه ممّا يلي كفّه، ونقش فيه محمّد رسول الله، ونهى أن ينقش أحد عليه.
следующие страницы →