الباب الخامس في صفة خلق رسول الله ﷺ
وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته، وصدقه، وحيائه، ومزاحه، وتواضعه، وجلوسه، وكرمه، وشجاعته وفيه ستّة فصول
стр. 177
الفصل الأوّل في صفة خلقه ﷺ وحلمه
[صفة خلق رسول الله ص]
قال القاضي عياض في «الشّفا» : (قال وهب بن منبّه: قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت في جميعها: أنّ النّبيّ ﷺ أرجح النّاس عقلا، وأفضلهم رأيا.
وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها: أنّ الله تعالى لم يعط جميع النّاس من بدء الدّنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلّا كحبّة رمل من بين رمال الدّنيا) .
وذكر القسطلّانيّ في «المواهب» ، عن «عوارف المعارف» :
(اللّبّ والعقل مئة جزء؛ تسعة وتسعون في النّبيّ ﷺ ، وجزء في سائر المؤمنين.
قال: ومن تأمّل حسن تدبيره للعرب الّذين هم كالوحش الشّارد، مع الطّبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم، وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم واباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحبّاءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلّم منها سير
стр. 178
الماضين.. تحقّق له أنّه أعقل العالمين.
ولمّا كان عقله ﵊ أوسع العقول.. لا جرم اتّسعت أخلاق نفسه الكريمة اتّساعا، لا يضيق عن شيء) .
كان رسول الله ﷺ خلقه القران.
قال الإمام الغزاليّ في «الإحياء» : (قال سعد بن هشام: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، فسألتها عن أخلاق رسول الله ﷺ ؟
فقالت: أما تقرأ القران؟!
قلت: بلى.
قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القران.
وإنّما أدّبه القران بمثل قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] .
وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠] .
وقوله: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧] .
وقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣] .
وقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣] .
وقوله: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [الحجرات: ١٢] ) .
стр. 179
وأمثال هذه التّأديبات في القران لا تنحصر.
وهو ﷺ المقصود الأوّل بالتّأديب والتّهذيب، ثمّ منه يشرق النّور على كافّة الخلق؛ فإنّه أدّب بالقران فتأدّب به، وأدّب الخلق به؛ ولذلك قال ﷺ : «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» .
ثمّ لمّا أكمل الله تعالى خلقه.. أثنى عليه فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] .
ثمّ قال الغزاليّ: (وعن معاذ بن جبل، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله حفّ الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال» .
ومن ذلك: حسن المعاشرة، وكرم الصّنيعة، ولين الجانب، وبذل المعروف، وإطعام الطّعام، وإفشاء السّلام، وعيادة المريض المسلم؛ برّا كان أو فاجرا، وتشييع جنازة المسلم، وحسن الجوار لمن جاورت؛ مسلما كان أو كافرا، وتوقير ذي الشّيبة المسلم، وإجابة دعوة الطّعام، والدّعاء عليه، والعفو، والإصلاح بين النّاس، والجود، والكرم، والسّماحة، والابتداء بالسّلام، وكظم الغيظ، والعفو عن النّاس، واجتناب ما حرّمه الإسلام من اللهو، والباطل، والغناء، والمعازف كلّها، وكلّ ذي وتر، وكلّ ذي ذحل، والغيبة، والكذب، والبخل، والشّحّ، والجفاء، والمكر، والخديعة، والنّميمة، وسوء ذات البين، وقطيعة الأرحام، وسوء الخلق والتّكبّر، والفخر، والاختيال، والاستطالة، والبذخ، والفحش، والتّفحّش، والحقد، والحسد، والطّيرة، والبغي، والعدوان، والظّلم.
стр. 180
قوله وتر: (الوتر) : الثّأر.
و (الذّحل) : الحقد والعداوة، والثأر أيضا.
قال أنس ﵁: فلم يدع نصيحة جميلة إلّا وقد دعانا إليها وأمرنا بها، ولم يدع غشّا- أو قال: عيبا، أو قال: شيئا- إلّا حذّرناه ونهانا عنه، ويكفي من ذلك كلّه هذه الاية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠] .
وقال معاذ: أوصاني رسول الله ﷺ فقال: «يا معاذ؛ أوصيك باتّقاء الله، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، ولين الكلام، وبذل السّلام، وحسن العمل، وقصر الأمل، ولزوم الإيمان، والتّفقّه في القران، وحبّ الآخرة، والجزع من الحساب، وخفض الجناح، وأنهاك أن تسبّ حكيما، أو تكذّب صادقا، أو تطيع اثما، أو تعصي إماما عادلا، أو تفسد أرضا..
وأوصيك باتّقاء الله تعالى عند كلّ حجر وشجر ومدر، وأن تحدث لكلّ ذنب توبة؛ السّرّ بالسّرّ، والعلانية بالعلانية» ) .
فهكذا أدّب [ ﷺ ] عباد الله، ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الاداب.
وعن الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: سألت خالي هند بن
стр. 181
أبي هالة «١» - وكان وصّافا- عن حلية رسول الله ﷺ وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا- فقال:
كان رسول الله ﷺ فخما، مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ... فذكر الحديث بطوله.
قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا، ثمّ حدّثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عمّا سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ .
فقال: كان إذا أوى إلى منزله.. جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء؛ جزأ لله، وجزأ لأهله، وجزأ لنفسه.
ثمّ جزّأ جزأه بينه وبين النّاس، فيردّ بالخاصّة على العامّة، ولا يدّخر عنهم شيئا.
وكان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدّين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج؛ فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما يصلحهم والأمّة، من مسألتهم عنه، وإخبارهم بالّذي ينبغي لهم، ويقول: «ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنّه من أبلغ
стр. 182
سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها.. ثبّت الله قدميه يوم القيامة» ؛ لا يذكر عنده إلّا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره.
يدخلون روّادا- أي: طلّابا- ولا يفترقون إلّا عن ذواق «١» ، ويخرجون أدلّة؛ يعني: على الخير.
قال: فسألته عن مخرجه: كيف كان يصنع فيه؟
قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر النّاس ويحترس منهم؛ من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل النّاس عمّا في النّاس، ويحسّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهّيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يميلوا، لكلّ حال عنده عتاد- أي: شيء معدّ ومهيّأ- لا يقصّر عن الحقّ ولا يجاوزه، الّذين يلونه من النّاس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه.
فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلّا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم.. جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه.
من جالسه أو فاوضه في حاجة.. صابره حتّى يكون هو المنصرف
стр. 183
عنه، ومن سأله حاجة.. لم يردّه إلّا بها أو بميسور من القول.
قد وسع النّاس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحقّ سواء.
مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثى فلتاته «١» . متعادلين، بل كانوا يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين، يوقّرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصّغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
وكان رسول الله ﷺ لا يمضي له وقت في غير عمل لله ، أو فيما لا بدّ له من صلاح نفسه.
وكان ﷺ أحسن النّاس خلقا.
وكان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق.
وعرّفوا (حسن الخلق) بأنّه: مخالطة النّاس بالجميل، والبشر، واللّطافة، وتحمّل الأذى، والإشفاق عليهم، والحلم، والصّبر، وترك التّرفّع والاستطالة عليهم، وتجنّب الغلظة والغضب والمؤاخذة.
وعن عليّ كرّم الله وجهه: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس كفّا، وأوسع النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من راه بديهة.. هابه، ومن خالطه معرفة..
أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله [ ﷺ ] .
стр. 184
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أعلم النّاس، وأورع النّاس، وأزهد النّاس، وأكرم النّاس، وأعدل النّاس، وأحلم النّاس، وأعفّ النّاس، لم تمسّ يده يد امرأة لا يملك رقّها، أو عصمة نكاحها، أو تكون ذات محرم منه ﷺ .
وعن أنس أيضا: كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس، وأجود النّاس، وأشجع النّاس.
وكان ﷺ أرأف النّاس بالنّاس، وأنفع النّاس للنّاس، وخير النّاس للنّاس.
وكان ﷺ أصبر النّاس على أقذار النّاس.
وعن خارجة بن زيد بن ثابت قال: دخل نفر على زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه فقالوا له: حدّثنا أحاديث رسول الله ﷺ .
قال: ماذا أحدّثكم؟ كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي.. بعث إليّ فكتبته له، فكنّا إذا ذكرنا الدّنيا.. ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة..
ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطّعام.. ذكره معنا، فكلّ هذا أحدّثكم عن رسول الله ﷺ ؟!.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتناشدون الشّعر بين يديه أحيانا، ويذكرون أشياء من أمر الجاهليّة، ويضحكون، فيتبسّم هو إذا ضحكوا، ولا يزجرهم إلّا عن حرام.
стр. 185
وكان رسول الله ﷺ أكثر النّاس تبسّما وضحكا في وجوه أصحابه، وتعجّبا ممّا تحدّثوا به، وخلطا لنفسه بهم. ولربّما ضحك حتّى تبدو نواجذه.
وكان ضحك أصحابه عنده التّبسّم؛ اقتداء به، وتوقيرا له.
قالوا: وقد جاءه أعرابيّ يوما؛ وهو ﷺ متغيّر اللّون ينكره أصحابه، فأراد أن يسأله، فقالوا: لا تفعل يا أعرابيّ، فإنّا ننكر لونه.
فقال: دعوني، فو الّذي بعثه بالحقّ نبيّا؛ لا أدعه حتّى يتبسّم.
فقال: يا رسول الله؛ بلغنا أنّ المسيح- يعني: الدّجّال- يأتي النّاس بالثّريد وقد هلكوا جوعا.. أفترى لي- بأبي أنت وأمّي- أن أكفّ عن ثريده تعفّفا وتنزّها حتّى أهلك هزالا، أم أضرب في ثريده حتّى إذا تضلّعت شبعا.. امنت بالله وكفرت به؟!
قالوا: فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه.
ثمّ قال: «لا، بل يغنيك الله بما أغنى به المؤمنين» .
وكان ﷺ يتلطّف بخواطر أصحابه، ويتفقّد من انقطع منهم عن مجلسه، وكثيرا ما يقول لأحدهم: «لعلّك يا أخي وجدت منّي، أو من إخواننا شيئا» .
وكان ﷺ إذا فقد الرّجل من إخوانه ثلاثة أيّام.. سأل عنه، فإن كان غائبا.. دعا له، وإن كان شاهدا.. زاره، وإن كان مريضا.. عاده.
стр. 186
وكان ﷺ يقبل على أصحابه بالمباسطة؛ حتّى يظنّ كلّ منهم أنّه أعزّ عليه من جميع أصحابه.
وكان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من البشاشة؛ حتّى يظنّ أنّه أكرم النّاس عليه.
وعن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه وحديثه على أشرّ القوم يتألّفهم بذلك، فكان يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتّى ظننت أنّي خير القوم. فقلت:
يا رسول الله؛ أنا خير، أو أبو بكر؟
فقال: «أبو بكر» .
فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عمر؟!
فقال: «عمر» .
فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عثمان؟
فقال: «عثمان» .
فلمّا سألت رسول الله ﷺ فصدقني.. فلوددت أنّي لم أكن سألته.
وكان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من وجهه، حتّى كأنّ مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف محاسنه وتوجّهه للجالس إليه.
ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة.
стр. 187
قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ال عمران: ١٥٩] .
وكان ﷺ لا يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ :
أنّه كان عنده رجل به أثر صفرة. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه، فلمّا قام.. قال للقوم: «لو قلتم له يدع هذه الصّفرة» .
قال الباجوريّ: (والمراد أنّه لا يكاد يواجه أحدا بمكروه غالبا، فلا ينافي ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنّه قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين فقال: «إنّ هذين من ثياب الكفّار، فلا تلبسهما» .
وفي رواية: قلت: أغسلهما؟ قال: «بل أحرقهما» .
ولعلّ الأمر بالإحراق محمول على الزّجر.
وهذا يدلّ على ما عليه بعض العلماء من تحريم المعصفر، والجمهور على كراهته) اهـ
وكان رسول الله ﷺ لا يواجه أحدا بمكروه، ولا يتعرّض في وعظه لأحد معيّن، بل يتكلّم خطابا عامّا.
وكان ﷺ إذا بلغه عن الرّجل الشّيء.. لم يقل: «ما
стр. 188
بال فلان يقول؟!. ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون.. كذا وكذا؟!» .
وكانت معاتبته ﷺ تعريضا: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى..؟!» ونحو ذلك.
وكان ﷺ إذا رأى إنسانا يفعل ما لا يليق.. لم يدع أحدا يبادر إلى الإنكار عليه حتّى يتثبّت في أمره، ويعلّمه الأدب برفق.
وكان ﷺ لا يأخذ بالقرف، ولا يقبل قول أحد على أحد.
و (القرف) : التّهمة.
وكان ﷺ كثيرا ما يقول: «لا تبلّغوني عن أصحابي إلّا خيرا، فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر» .
وكان ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره..
قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا» .
وكان ﷺ إذا لقي أصحابه.. لم يصافحهم حتّى يسلّم عليهم.
وكان ﷺ إذا لقي أحدا من أصحابه.. صافحه، ثمّ أخذ بيده فشابكه، ثمّ شدّ قبضته عليها.
وكان ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه.. صافحه، ثمّ أخذ بيده فشابكه، ثمّ شدّ قبضته عليها.
وكان ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه.. قام معه، ولم ينصرف حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده.. ناوله إيّاها، فلم ينزع يده منه حتّى يكون
стр. 189
الرّجل هو الّذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحدا من أصحابه فتناول أذنه- أي: ليكلّمه سرّا-.. ناوله إيّاها؛ ثمّ لم ينزعها عنه حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينزعها عنه؛ أي: لا ينحّي أذنه عن فمه حتّى يفرغ الرّجل من حديثه.
وكان ﷺ إذا لقيه الرّجل من أصحابه.. مسحه ودعا له.
وكان ﷺ لا يدعوه أحد من أصحابه، أو غيرهم..
إلّا قال ﷺ : «لبّيك» .
وكان ﷺ يكنّي أصحابه ويدعوهم بالكنى، وبأحبّ أسمائهم؛ إكراما لهم، واستمالة لقلوبهم، ويكنّي من لم تكن له كنية، ويكنّي النّساء اللّاتي لهنّ الأولاد، واللّاتي لم يلدن؛ يبتدئ لهنّ الكنى، ويكنّي الصّبيان، فيستلين به قلوبهم.
وكان ﷺ إذا مرّ على الصّبيان.. سلّم عليهم، ثمّ باسطهم.
وكان ﷺ إذا قدم من سفر.. تلقّي بصبيان أهل بيته.
وكان ﷺ أرحم النّاس بالصّبيان والعيال.
وكان ﷺ يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم، ويحنّكهم، ويدعو لهم.
وكان ﷺ يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم.
стр. 190
وعن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنهما قال: سمّاني رسول الله ﷺ «يوسف» ، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي.
وكان ﷺ يلاعب زينب بنت أمّ سلمة، ويقول: «يا زوينب؛ يا زوينب» (مرارا) .
وكان ﷺ يركب الحسن والحسين على ظهره، ويمشي على يديه ورجليه، ويقول: «نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما» ، وربّما فعل ذلك بينهما، وهما على الأرض.
ودخل الحسن- وهو ﷺ قد سجد- فركب على ظهره، فأبطأ في سجوده حتّى نزل الحسن، فلمّا فرغ.. قال له بعض أصحابه: يا رسول الله؛ قد أطلت سجودك؟
قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله» ؛ أي: جعلني كالرّاحلة، فركب على ظهري.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يصلّي والحسن والحسين يلعبان ويقعدان على ظهره.
وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت رسول الله ﷺ وقد أخذ بيد الحسن بن عليّ، ووضع رجليه على ركبتيه وهو يقول: «ترقّ.. ترقّ، عين بقّه ... حزقّة حزقّه» .
قال في «لسان العرب» : (وفي الحديث أنّ النّبيّ صلّى الله عليه
стр. 191
وسلّم كان يرقّص الحسن أو الحسين؛ ويقول: «حزقّة.. حزقّة، ترقّ عين بقّه» .
(الحزقّة) : الضّعيف الّذي يقارب خطوه من ضعف، فكان يرقى حتّى يضع قدميه على صدر النّبيّ ﷺ .
قال ابن الأثير: ذكرها له على سبيل المداعبة والتّأنيس له.
و (ترقّ) بمعنى: اصعد.
و (عين بقّة) : كناية عن صغر العين) اهـ
وكان رسول الله ﷺ يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألّف أهل الشّرف بالإحسان إليهم، وكان يكرم ذوي رحمه، ويصلهم من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم.
وكان ﷺ يكرم بني هاشم.
وكان ﷺ من أشدّ النّاس لطفا بالعبّاس.
وكان ﷺ يجلّ العبّاس إجلال الولد للوالد.
وكان ﷺ يبدأ من لقيه بالسّلام، وإذا أخذ بيده..
سايره حتّى يكون ذلك هو المنصرف.
وكان ﷺ إذا ودّع رجلا.. أخذ بيده، فلا ينزعها حتّى يكون الرّجل هو الّذي يدع يده، ويقول: «أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك» .
وكان ﷺ لا يجلس إليه أحد وهو يصلّي.. إلّا خفّف
стр. 192
صلاته وأقبل عليه فقال: «ألك حاجة؟» ، فإذا فرغ.. عاد إلى صلاته.
وكان ﷺ يكرم كلّ داخل عليه، حتّى ربّما بسط ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ولا رضاع، يجلسه عليه.
وكان ﷺ يؤثر الدّاخل عليه بالوسادة التي تكون تحته فإن أبي أن يقبلها.. عزم عليه حتّى يقبل.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: «أفّ» قطّ، وما قال لشيء صنعته: «لم صنعته؟» ، ولا لشيء تركته: «لم تركته؟» .
وعنه أيضا [رضي الله تعالى عنه] قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين- خدمته عشر سنين- فما لامني على شيء قطّ، فإن لامني لائم من أهله.. قال: «دعوه، فإنّه لو قضي شيء..
كان» .
وفي «المصابيح» : عن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا: كان رسول الله ﷺ من أحسن النّاس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة؛ فقلت: والله لا أذهب- وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ فخرجت حتّى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السّوق؛ فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي. قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أنيس؛ أذهبت حيث أمرتك؟» ، قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله.
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: كنت أمشي مع النّبيّ
стр. 193
صلّى الله عليه وسلّم وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ فجبذه بردائه جبذة شديدة رجع نبيّ الله في نحر الأعرابيّ، حتّى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثّرت فيه حاشية البرد من شدّة جبذته.
ثمّ قال: يا محمّد؛ مر لي من مال الله الّذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ثمّ ضحك، ثمّ أمر له بعطاء.
وكان ﷺ هينا لينا، ليس بفظّ ولا غليظ.
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا، ولا متفحّشا، ولا صخّابا في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح.
و (الصّخب) : شدّة الصّوت.
وفي «الإحياء» : قد وصفه الله تعالى في «التّوراة» قبل أن يبعثه فقال: (محمّد رسول الله عبدي المختار؛ لا فظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح، مولده بمكّة، وهجرته بطابة، وملكه بالشّام، يأتزر على وسطه، هو ومن معه دعاة للقران والعلم، يتوضّأ على أطرافه) .
وكذلك نعته في «الإنجيل» .
وكان ﷺ لا يجفو على أحد، ولو فعل معه ما يوجب الجفاء.
стр. 194
وكان ﷺ يقبل معذرة المعتذر إليه، ولو فعل ما فعل.
وكان ﷺ إذا اذاه أحد.. يعرض عنه، ويقول:
«رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
وكان ﷺ يرى اللّعب المباح فلا ينكره، وترفع عليه الأصوات بالكلام الجافي، فيحتمله ولا يؤاخذ.
وكان ﷺ إذا سئل أن يدعو على أحد.. عدل عن الدّعاء عليه ودعا له.
وما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة ولا خادما قطّ ولا غيرهما؛ إلّا أن يكون في الجهاد.
قال أنس رضي الله تعالى عنه: كان الخادم إذا أغضبه.. يقول ﷺ : «لولا خشية القصاص يوم القيامة.. لأوجعتك بهذا السّواك» .
ولمّا كسرت رباعيته «١» ﷺ وشجّ وجهه يوم أحد..
شقّ ذلك على أصحابه شديدا، وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: «إنّي لم أبعث لعّانا؛ ولكن بعثت داعيا ورحمة، اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلّى الله
стр. 195
عليه وسلّم منتصرا من مظلمة ظلمها قطّ ما لم ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء.. كان من أشدّهم في ذلك غضبا. وما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما؛ ما لم يكن إثما، فإن كان إثما.. كان أبعد النّاس منه. وكان ﷺ لا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وإنّما يغضب إذا انتهكت حرمات الله ؛ فحينئذ يغضب، ولا يقوم لغضبه شيء حتّى ينتصر للحقّ، وإذا غضب..
أعرض وأشاح.
والقريب والبعيد والقويّ والضّعيف.. عنده في الحقّ سواء.
قوله (أشاح) أي: أعرض بوجهه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ وأنا عنده، فقال: «بئس ابن العشيرة» ، أو «أخو العشيرة» .
ثمّ أذن له، فلمّا دخل.. ألان له القول.
فلمّا خرج.. قلت: يا رسول الله؛ قلت ما قلت، ثمّ ألنت له القول؟
فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس، أو ودعه النّاس اتّقاء فحشه» .
قال في «المواهب» : (هذا الرّجل هو عيينة بن حصن الفزاريّ، وكان يقال له: (الأحمق المطاع) .
وقد كانت منه في حياة النّبيّ ﷺ وبعده أمور تدلّ على
стр. 196
ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النّبوّة.
وأمّا إلانة القول بعد أن دخل.. فعلى سبيل الائتلاف والمداراة.
وهي مباحة، وربّما استحسنت بخلاف المداهنة.
والفرق بينهما أنّ المداراة: بذل الدّنيا لصلاح الدّنيا أو الدّين، أو هما معا.
والمداهنة: بذل الدّين لصلاح الدّنيا.
والنّبيّ ﷺ إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته والرّفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه حقّ، وفعله معه حسن عشرة، وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب، ثمّ رجع وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر رضي الله تعالى عنه) اهـ
وقال ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة» ، في اخر ترجمة مخرمة بن نوفل رضي الله تعالى عنه: (روى النّضر بن شميل قال: حدّثنا أبو عامر الخزّاز، عن أبي يزيد المدنيّ، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل، فلمّا سمع النّبيّ ﷺ صوته.. قال: «بئس أخو العشيرة» . فلمّا جاء.. أدناه، فقلت: يا رسول الله؛ قلت له ما قلت «١» ، ثمّ ألنت له القول؟
стр. 197
فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس اتّقاء فحشه» .
أخرجه الثّلاثة.
قال: وكان مخرمة هذا من المؤلّفة قلوبهم، وكان في لسانه فظاظة، وكان النّبيّ ﷺ يتّقي لسانه) اهـ
والظّاهر أنّ ما ذكره ابن الأثير من أنّ صاحب هذه القصّة هو مخرمة بن نوفل هو الصّحيح، أو: تكّررت.
وعن الحسن بن عليّ [رضي الله تعالى عنه] قال: قال الحسين:
سألت أبي عن سيرة النّبيّ ﷺ في جلسائه.. فقال:
كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مشاحّ، يتغافل عمّا لا يشتهي؛ ولا يؤيس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك النّاس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا، ولا يعيبه؛ ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلّم.. أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطّير، فإذا سكت.. تكلّموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلّم عنده..
أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتّى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: «إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها.. فارفدوه» «١» .
стр. 198
ولا يقبل الثّناء إلّا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتّى يجوز «١» فيقطعه بنهي، أو قيام.
[حلم رسول الله ص]
وأمّا حلم رسول الله ﷺ :
فقد كان ﷺ أحلم النّاس، وأرغبهم في العفو مع القدرة، حتّى أتي بقلائد من ذهب أو فضّة، فقسمها بين أصحابه، فقال أعرابيّ: ما أراك تعدل، قال: «ويحك فمن يعدل عليك بعدي؟!» ، فلمّا ولّى.. قال: «ردّوه عليّ رويدا» .
وكان رسول الله ﷺ يقبض للنّاس يوم [حنين] «٢» ، من فضّة في ثوب بلال، فقال له رجل: يا رسول الله؛ اعدل.
فقال رسول الله ﷺ : «ويحك؛ فمن يعدل إذا لم أعدل؟! فقد خبت إذا وخسرت إن كنت لا أعدل» .
فقام عمر فقال: ألا أضرب عنقه؟ فإنّه منافق.
فقال: «معاذ الله أن يتحدّث النّاس أنّي أقتل أصحابي» .
وقسم رسول الله ﷺ قسمة، فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى.
فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ .. فاحمرّ وجهه وقال:
«رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
стр. 199
وبال أعرابيّ في المسجد بحضرته، فهمّ به أصحابه، فقال ﷺ : «لا تزرموه» ؛ أي: لا تقطعوا عليه البول.
ثمّ قال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء» .
وفي رواية: «قرّبوا ولا تنفّروا» .
وجاء أعرابيّ يطلب منه شيئا، فأعطاه ﷺ ، ثمّ قال له: «احسنت إليك؟» .
قال الأعرابيّ: لا، ولا أجملت.
فغضب المسلمون، وقاموا إليه. فأشار إليهم أن كفّوا.
ثمّ قام ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابيّ وزاده شيئا، ثمّ قال له:
«احسنت إليك؟» .
قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال له النّبيّ ﷺ : «إنّك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ حتّى يذهب من صدورهم ما فيها عليك» .
قال: نعم.
فلمّا كان الغد أو العشيّ.. جاء فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ هذا الأعرابيّ قال ما قال، فزدناه فزعم أنّه رضي ذلك، أكذلك؟» .
قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
стр. 200
فقال ﷺ : «إنّ مثلي ومثل هذا الأعرابيّ كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه فاتّبعها النّاس؛ فلم يزيدوها إلّا نفورا فناداهم صاحب النّاقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإنّي أرفق بها وأعلم، فتوجّه لها صاحب النّاقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض فردّها هونا هونا حتّى جاءت واستناخت وشدّ عليها رحلها واستوى عليها، وإنّي لو تركتكم حيث قال الرّجل ما قال فقتلتموه دخل النّار» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع النّبيّ ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فجذبه أعرابيّ بردائه جبذة شديدة حتّى أثّرت حاشية البرد على صفحة عاتقه، ثمّ قال: يا محمّد؛ أحمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الّذي عندك، فإنّك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك.
فسكت النّبيّ ﷺ ثمّ قال: «المال مال الله، وأنا عبده» ، ثمّ قال: «ويقاد منك يا أعرابيّ «١» ما فعلت بي» . قال:
لا. قال: «لم؟» ، قال: لأنّك لا تكافئ بالسّيّئة السّيّئة.
فضحك النّبيّ ﷺ ، ثمّ أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الاخر تمر.
وروى الطّبرانيّ وابن حبّان والحاكم والبيهقيّ عن زيد بن سعنة- وهو كما قال النّوويّ رحمه الله تعالى: أجلّ أحبار اليهود الّذين أسلموا- أنّه
стр. 201
قال: لم يبق من علامات النّبوّة شيء إلّا وقد عرفته في وجه محمّد ﷺ حين نظرت إليه، إلّا اثنتين لم أخبرهما «١» منه:
١- يسبق حلمه جهله، ٢- ولا تزيده شدّة الجهل عليه إلّا حلما.
فكنت أتلطّف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل، فأعطيته الثّمن، فلمّا كان قبل محلّ «٢» الأجل بيومين أو ثلاثة.. أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه [على عنقه] ، ونظرت إليه بوجه غليظ، ثمّ قلت: ألا تقضيني يا محمّد حقّي؟! [فو الله] إنّكم يا بني عبد المطّلب مطل.
فقال عمر: أي عدوّ الله؛ أتقول لرسول الله ما أسمع، فو الله لولا ما أحاذر [فوته] «٣» .. لضربت بسيفي رأسك.
ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر بسكون وتؤدة، وتبسّم.
ثمّ قال: «أنا وهو كنّا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر؛ أن تأمرني بحسن [الأداء] ، وأن تأمره بحسن [التّباعة] ، اذهب به يا عمر؛ فاقضه حقّه وزده عشرين صاعا مكان ما روّعته» . ففعل.
فقلت: يا عمر؛ كلّ علامات النّبوّة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حينما نظرت إليه، إلّا اثنتين لم أختبرهما: يسبق
стр. 202
حلمه جهله، ولا يزيده شدّة الجهل [عليه] إلّا حلما، فقد اختبرتهما، فأشهدك أنّي قد رضيت بالله ربّا؛ وبالإسلام دينا، وبمحمّد ﷺ نبيّا.
قال القاضي عياض في «الشّفا» : (وحسبك ما ذكرناه ممّا في «الصّحيح» والمصنّفات الثّابتة، ممّا بلغ متواترا مبلغ اليقين: من صبره على مقاساة قريش، وأذى الجاهليّة، ومصابرة الشّدائد الصّعبة معهم، إلى أن أظفره الله تعالى عليهم- يعني: بفتح مكّة- وحكّمه فيهم وهم لا يشكّون في استئصال شأفتهم «١» ، وإبادة خضرائهم- أي: إهلاك جماعتهم- فما زاد على أن عفا وصفح، وقال: «ما تقولون أنّي فاعل بكم؟» ، قالوا: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا؛ فأنتم الطّلقاء» .
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: هبط ثمانون رجلا من التّنعيم صلاة الصّبح ليقتلوا رسول الله ﷺ ، فأخذوا، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [الفتح: ٢٤] .
وقال [ ﷺ ] لأبي سفيان- وقد سبق إليه بعد أن جلب عليه الأحزاب، وقتل عمّه وأصحابه ومثّل بهم، فعفا عنه، ولاطفه في القول- وقال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم ألاإله
стр. 203
إلّا الله؟!» ، فقال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك، وأوصلك، وأكرمك) .
وقال الإمام النّوويّ في «التهذيب» : (قد جمع الله له ﷺ كمال الأخلاق، ومحاسن الشّيم، واتاه علم الأوّلين والاخرين، وما فيه النّجاة والفوز؛ وهو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلّم له من البشر، واتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره على جميع الأوّلين والاخرين، وأعطاه مفاتيح خزائن الأرض كلّها؛ فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها، وكان كما وصفه الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] اهـ
стр. 204
الفصل الثّاني في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهن
كان رسول الله ﷺ إذا خلا بنسائه.. ألين النّاس، وأكرم النّاس، ضحّاكا بسّاما.
وكان ﷺ من أفكه النّاس.
قال المناويّ: (أي: من أمزحهم إذا خلا بنحو أهله) .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا، فقالت امرأة منهنّ: كأنّ الحديث حديث خرافة.
فقال: «أتدرون ما خرافة؟ إنّ خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجنّ في الجاهليّة، فمكث فيهم دهرا، ثمّ ردّوه إلى الإنس، فكان يحدّث النّاس بما رأى من الأعاجيب، فقال النّاس: (حديث خرافة) » .
وكان ﷺ كثيرا ما يقبّل عرف ابنته فاطمة الزّهراء،
стр. 205
وكان ﷺ كثيرا ما يقبّلها في فمها أيضا.
و (العرف) : أعلى الرأس، ويطلق على الرّقبة.
وكان ﷺ مع أصحابه وأزواجه كواحد منهم، وكان حسن المعاشرة.
وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: كنت إذا هويت شيئا..
تابعني ﷺ عليه. وكنت إذا شربت من الإناء.. أخذه فوضع فمه على موضع فمي وشرب، وكان ينهش فضلتي من اللّحم الّذي على العظم، وكان يتّكئ في حجري ويقرأ القران.
وحدّثت عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله ﷺ بحديث أمّ زرع؛ وهو: أنّ إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا، فوصفت كلّ واحدة زوجها، فكانت أحسنهنّ وصفا لزوجها وأكثرهنّ تعدادا لنعمه عليها: زوجة أبي زرع.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقال لي رسول الله ﷺ : «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» .
وكان ﷺ يسرّب «١» إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بنات الأنصار يلعبن معها.
وكان ﷺ يريها الحبشة؛ وهم يلعبون في المسجد، وهي متّكئة على منكبه.
стр. 206
وروي: أنّه ﷺ سابقها، فسبقته، ثمّ سابقها بعد ذلك، فسبقها وقال: «هذه بتلك» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّهم كانوا يوما عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، إذ أتي بصحفة خبز ولحم من بيت أمّ سلمة، فوضعت بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: «ضعوا أيديكم» ، فوضع نبيّ الله ﷺ [يده] ، ووضعنا أيدينا، فأكلنا وعائشة تصنع طعاما عجّلته، وقد رأت الصّحفة الّتي أتي بها، فلمّا فرغت من طعامها.. جاءت به فوضعته، ورفعت صحفة أمّ سلمة فكسرتها، فقال رسول الله ﷺ :
«كلوا باسم الله؛ غارت أمّكم» . ثمّ أعطى صحفتها أمّ سلمة؛ فقال:
«طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء» . رواه الطّبرانيّ في «الصّغير» .
وهو عند البخاريّ بلفظ: كان ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت الّتي [النّبيّ] في بيتها يد الخادم، فسقطت الصّحفة فانفلقت، فجمع ﷺ فلق الصّحفة، ثمّ جعل يجمع فيها الطّعام الّذي كان في الصّحفة ويقول: «غارت أمّكم» ، ثمّ حبس الخادم، حتّى أتي بصحفة من عند الّتي هو في بيتها، فدفع الصّحفة إلى الّتي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت الّتي كسرت.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أتيت النّبيّ ﷺ بخزيرة طبختها له، وقلت لسودة والنّبيّ ﷺ بيني
стр. 207
وبينها؛ فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين، أو لألطّخنّ بها وجهك، فأبت، فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها، فضحك رسول الله ﷺ .
و (الخزيرة) : لحم يقطع قطعا صغارا، ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدّقيق.
وكان ﷺ إذا غضبت عائشة.. عرك بأنفها وقال:
«يا عويش؛ قولي: اللهمّ ربّ محمّد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلّات الفتن» .
وكان ﷺ إذا أتي بهديّة قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنّها كانت صديقة لخديجة- رضي الله تعالى عنها- إنّها كانت تحبّ خديجة» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة رضي الله تعالى عنها لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشّاة فيهديها إلى خلائلها، واستأذنت عليه أختها فارتاح لها، ودخلت عليه امرأة فهشّ لها وأحسن السّؤال عنها، فلمّا خرجت قال:
«إنّها كانت تأتينا أيّام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان» .
قال القسطلّانيّ: (وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه، لا يأخذ عليهنّ ويعذرهنّ، وإن أقام عليهنّ قسطاس عدل أقامه من غير قلق، ولا غضب.
وبالجملة: فمن تأمّل سيرته ﵊ مع أهله وأصحابه
стр. 208
وغيرهم من الفقراء، والأيتام، والأرامل، والأضياف، والمساكين..
علم أنّه قد بلغ من رقّة القلب ولينه الغاية الّتي لا مرمى وراءها لمخلوق، وإنّه كان يشدّد في حدود الله وحقوقه ودينه؛ حتّى قطع يد السّارق ...
إلى غير ذلك) .
стр. 209
الفصل الثّالث في صفة أمانته ﷺ وصدقه
كان رسول الله ﷺ امن النّاس، وأصدقهم لهجة منذ كان.
قال تعالى: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢١] .
أكثر المفسّرين على أنّه محمّد ﷺ .
وكانت تسمّيه قريش قبل نبوّته: (الأمين) .
ولمّا اختلفوا عند بناء الكعبة فيمن يضع الحجر.. حكّموا أوّل داخل عليهم، فإذا بالنّبيّ ﷺ داخل، وذلك قبل نبوّته، فقالوا: (هذا محمّد الأمين.. قد رضينا به) .
وقال ﷺ : «والله إنّي لأمين في السّماء، أمين في الأرض» .
وورد أنّ أبا جهل قال للنّبيّ ﷺ : إنّا لا نكذّبك، وما أنت فينا بمكذّب، ولكن نكذّب بما جئت به. فأنزل الله فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
стр. 210
وقيل: إنّ الأخنس بن شريق لقي أبا جهل يوم بدر فقال له: يا أبا الحكم؛ ليس هنا غيري وغيرك يسمع كلامنا، تخبرني عن محمّد:
صادق، أم كاذب؟ فقال أبو جهل: والله إنّ محمّدا لصادق، وما كذب محمّد قطّ.
وسأل هرقل عنه ﷺ أبا سفيان فقال: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا.
وقال النّضر بن الحارث لقريش: قد كان محمّد فيكم غلاما حدثا؛ أرضاكم فيكم «١» ، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتّى إذا رأيتم في صدغيه الشّيب وجاءكم بما جاءكم به.. قلتم ساحر؟! لا والله ما هو بساحر.
وفي حديث عليّ ﵁ في وصفه ﵊:
أصدق النّاس لهجة.
стр. 211
الفصل الرّابع في صفة حيائه ﷺ ومزاحه
[حياء رسول الله ص]
عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
وكان إذا كره شيئا.. عرف في وجهه.
وكان ﷺ أشدّ النّاس حياء، لا يثبّت بصره في وجه أحد.
وكان ﷺ يكنّي عمّا اضطرّه الكلام إليه ممّا يكره.
وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد.
وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. لم يرفع ثوبه حتّى يدنو من الأرض.
وكان ﷺ إذا دخل المرفق.. لبس حذاءه وغطّى رأسه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قطّ.
стр. 212
[مزاح رسول الله ص]
وأمّا مزاح رسول الله ﷺ :
فقد كان ﷺ يمزح مع النّساء والصّبيان وغيرهم، ولا يقول إلّا حقّا.
وكان ﷺ من أفكه النّاس مع صبيّ.
وكان ﷺ إذا مزح.. غضّ بصره.
وكان ﷺ فيه دعابة قليلة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال له: «يا ذا الأذنين» ؛ يعني: يمازحه «١» .
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: إن كان رسول الله ﷺ ليخالطنا حتّى يقول لأخ لي: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟» .
قال أبو عيسى التّرمذيّ: وفقه هذا الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ كان يمازح.
وفيه: أنّه كنّى غلاما صغيرا فقال له: «يا أبا عمير» .
وفيه: أنّه لا بأس أن يعطى الصّبيّ الطّير ليلعب به- أي: لعبا لا عذاب فيه- وإلّا.. حرم تمكينه منه؛ للنّهي عن تعذيب الحيوان.
وإنّما قال له النّبيّ ﷺ : «يا أبا عمير؛ ما فعل
стр. 213
النّغير» .. لأنّه كان له نغير يلعب به، فمات، فحزن الغلام عليه، فمازحه النّبيّ ﷺ فقال: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» .
و (النّغير) : طائر كالعصفور، أحمر المنقار.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا: يا رسول الله؛ إنّك تداعبنا، فقال: «نعم، غير أنّي لا أقول إلّا حقّا» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا استحمل رسول الله ﷺ ، فقال: «إنّي حاملك على ولد ناقة» ، فقال: يا رسول الله؛ ما أصنع بولد النّاقة؟! فقال: «وهل تلد الإبل إلّا النّوق؟!» «١» .
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا من أهل البادية- وكان اسمه زاهرا «٢» - وكان يهدي إلى النّبيّ ﷺ هديّة من البادية، فيجهّزه النّبيّ ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ زاهرا باديتنا؛ ونحن حاضرته» ، وكان ﷺ يحبّه، وكان رجلا دميما، فأتاه النّبيّ ﷺ يوما، وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال من هذا؟ أرسلني، فالتفت فعرف النّبيّ ﷺ ، فجعل لا يألو
стр. 214
ما ألصق ظهره بصدر النّبيّ ﷺ حين عرفه، فجعل النّبيّ ﷺ يقول: «من يشتري هذا العبد؟» ، فقال: يا رسول الله؛ إذن والله تجدني كاسدا، فقال النّبيّ ﷺ :
«لكن عند الله لست بكاسد» ، أو قال: «أنت عند الله غال» .
و (الدّميم) : قبيح الوجه.
وعن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا «١» كان يهدي للنّبيّ ﷺ العكّة «٢» من السّمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه.. جاء به إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: أعط هذا حقّ متاعه، فما يزيد النّبيّ ﷺ على أن يتبسّم، ويأمر به فيعطى.
وفي رواية: كان لا يدخل المدينة طرفة «٣» إلّا اشترى منها، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله؛ هذا هديّة لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه..
جاء به، فيقول: أعط هذا الثّمن، فيقول: «ألم تهده لي؟!» ، فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: أتت عجوز «٤» النّبيّ صلّى الله
стр. 215
عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنّة، فقال:
«يا أمّ فلان؛ إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز» . قال: فولّت تبكي، فقال:
«أخبروها أنّها لا تدخلها وهي عجوز؛ إنّ الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً. عُرُباً أَتْراباً» [الواقعة: ٣٥- ٣٧] .