الفصل الرّابع في صفة حيائه ﷺ ومزاحه
[حياء رسول الله ص]
عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
وكان إذا كره شيئا.. عرف في وجهه.
وكان ﷺ أشدّ النّاس حياء، لا يثبّت بصره في وجه أحد.
وكان ﷺ يكنّي عمّا اضطرّه الكلام إليه ممّا يكره.
وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد.
وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. لم يرفع ثوبه حتّى يدنو من الأرض.
وكان ﷺ إذا دخل المرفق.. لبس حذاءه وغطّى رأسه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قطّ.
стр. 212
[مزاح رسول الله ص]
وأمّا مزاح رسول الله ﷺ :
فقد كان ﷺ يمزح مع النّساء والصّبيان وغيرهم، ولا يقول إلّا حقّا.
وكان ﷺ من أفكه النّاس مع صبيّ.
وكان ﷺ إذا مزح.. غضّ بصره.
وكان ﷺ فيه دعابة قليلة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال له: «يا ذا الأذنين» ؛ يعني: يمازحه «١» .
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: إن كان رسول الله ﷺ ليخالطنا حتّى يقول لأخ لي: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟» .
قال أبو عيسى التّرمذيّ: وفقه هذا الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ كان يمازح.
وفيه: أنّه كنّى غلاما صغيرا فقال له: «يا أبا عمير» .
وفيه: أنّه لا بأس أن يعطى الصّبيّ الطّير ليلعب به- أي: لعبا لا عذاب فيه- وإلّا.. حرم تمكينه منه؛ للنّهي عن تعذيب الحيوان.
وإنّما قال له النّبيّ ﷺ : «يا أبا عمير؛ ما فعل
стр. 213
النّغير» .. لأنّه كان له نغير يلعب به، فمات، فحزن الغلام عليه، فمازحه النّبيّ ﷺ فقال: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» .
و (النّغير) : طائر كالعصفور، أحمر المنقار.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا: يا رسول الله؛ إنّك تداعبنا، فقال: «نعم، غير أنّي لا أقول إلّا حقّا» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا استحمل رسول الله ﷺ ، فقال: «إنّي حاملك على ولد ناقة» ، فقال: يا رسول الله؛ ما أصنع بولد النّاقة؟! فقال: «وهل تلد الإبل إلّا النّوق؟!» «١» .
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا من أهل البادية- وكان اسمه زاهرا «٢» - وكان يهدي إلى النّبيّ ﷺ هديّة من البادية، فيجهّزه النّبيّ ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ زاهرا باديتنا؛ ونحن حاضرته» ، وكان ﷺ يحبّه، وكان رجلا دميما، فأتاه النّبيّ ﷺ يوما، وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال من هذا؟ أرسلني، فالتفت فعرف النّبيّ ﷺ ، فجعل لا يألو
стр. 214
ما ألصق ظهره بصدر النّبيّ ﷺ حين عرفه، فجعل النّبيّ ﷺ يقول: «من يشتري هذا العبد؟» ، فقال: يا رسول الله؛ إذن والله تجدني كاسدا، فقال النّبيّ ﷺ :
«لكن عند الله لست بكاسد» ، أو قال: «أنت عند الله غال» .
و (الدّميم) : قبيح الوجه.
وعن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا «١» كان يهدي للنّبيّ ﷺ العكّة «٢» من السّمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه.. جاء به إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: أعط هذا حقّ متاعه، فما يزيد النّبيّ ﷺ على أن يتبسّم، ويأمر به فيعطى.
وفي رواية: كان لا يدخل المدينة طرفة «٣» إلّا اشترى منها، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله؛ هذا هديّة لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه..
جاء به، فيقول: أعط هذا الثّمن، فيقول: «ألم تهده لي؟!» ، فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: أتت عجوز «٤» النّبيّ صلّى الله
стр. 215
عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنّة، فقال:
«يا أمّ فلان؛ إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز» . قال: فولّت تبكي، فقال:
«أخبروها أنّها لا تدخلها وهي عجوز؛ إنّ الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً. عُرُباً أَتْراباً» [الواقعة: ٣٥- ٣٧] .
стр. 216
الفصل الخامس في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه واتكائه
[تواضع رسول الله ص]
كان رسول الله ﷺ أشدّ النّاس تواضعا، وأسكنهم من غير كبر، وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بشرا، لا يهوله شيء من أمر الدّنيا.
وكان ﷺ متواضعا في غير مذلّة.
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم، إنّما أنا عبد فقولوا: (عبد الله ورسوله) » .
و (الإطراء) : هو مجاوزة الحدّ في المدح.
وكان ﷺ لا يدفع عنه النّاس، ولا يضربوا عنه.
وكان ﷺ لا يأتيه أحد من حرّ ولا عبد، ولا أمة ولا مسكين.. إلّا قام معه في حاجته.
وكان ﷺ لا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين.
وكان ﷺ يكثر الذّكر ويقلّ اللّغو، ويطيل الصّلاة
стр. 217
ويقصر الخطبة، وكان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتّى يقضي له حاجته.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ امرأة جاءت إلى النّبيّ ﷺ فقالت له: إنّ لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أيّ طرق المدينة شئت أجلس إليك» .
وكان ﷺ إذا صلّى بالنّاس الغداة أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟» ، فإن قالوا: لا.. قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟» ، فإن قالوا: لا.. قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا» .
وكان ﷺ يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشّاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشّعير.
وكان ﷺ يعود مرضى المساكين الّذين لا يؤبه لهم، ويخدمهم بنفسه ﷺ ، وكان ﷺ يجيب من دعاه؛ من غنيّ أو فقير أو شريف، ولا يحتقر أحدا.
وكان ﷺ يجيب إلى الوليمة، ويشهد الجنائز.
وكان ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه
стр. 218
وسلّم يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد.
وكان يوم نبي قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف وعليه إكاف.
و (الخطام) : الزّمام.
و (الإكاف) : البرذعة «١» .
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: كان النّبيّ ﷺ يدعى إلى خبز الشّعير والإهالة السّنخة، فيجيب، ولقد كان له درع عند يهوديّ فما وجد ما يفكّها حتّى مات.
و (الإهالة السّنخة) وفي رواية: الزّنخة؛ هي: الدّهن المتغيّر الرّيح من طول المكث.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أهدي إليّ كراع.. لقبلت، ولو دعيت عليه..
لأجبت» .
وعنه أيضا [رضي الله تعالى عنه] قال: حجّ رسول الله ﷺ على رحل رثّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال:
«اللهمّ؛ اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» .
و (القطيفة) : كساء له خمل.
هذا.. وقد فتحت عليه الأرض، وأهدى في حجّه ذلك مئة بدنة.
стр. 219
ولمّا فتحت عليه مكّة ودخلها بجيوش المسلمين.. طأطأ على رحله رأسه حتّى كاد يمسّ قادمته «١» ؛ تواضعا لله تعالى.
وكان ﷺ يركب ما يمكنه، فمرّة فرسا، ومرّة بعيرا، ومرّة بغلة، ومرّة حمارا، ومرّة يمشي راجلا حافيا، بلا رداء ولا قلنسوة، ليعود المرضى في أقصى المدينة.
وكان ﷺ يركب الحمار عريا، ليس عليه شيء.
وركب ﷺ الفرس مسرجة تارة، وعريانة أخرى، وكان يجري بها في بعض الأحيان.
وكان ﷺ يخرج إلى العيد ماشيا، ويرجع ماشيا.
وكان ﷺ يتوكّأ إذا مشى.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاءني رسول الله ﷺ ليس براكب بغل ولا برذون «٢» .
وكان ﷺ يردف خلفه عبده أو غيره، وتارة يردف خلفه وقدّامه، وهو في الوسط.
ولمّا قدم ﷺ مكّة استقبله أغيلمة بني عبد المطّلب، فحمل واحدا بين يديه، واخر خلفه.
وعن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما قال: زارنا
стр. 220
رسول الله ﷺ ، فلمّا أراد الانصراف.. قرّب له سعد حمارا وطّأ عليه بقطيفة، فركب ﷺ ، ثمّ قال سعد: يا قيس؛ اصحب رسول الله ﷺ ، قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ : «اركب» ، فأبيت، فقال: «إمّا أن تركب، وإمّا أن تنصرف» ، فانصرفت. وفي رواية أخرى: «اركب أمامي؛ فصاحب الدّابّة أولى بمقدّمها» .
وفي «المواهب» : (عن المحبّ الطّبريّ: أنّه ﷺ ركب حمارا عريا إلى قباء «١» ، وأبو هريرة معه، قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟» ، قال: ما شئت يا رسول الله، قال: «اركب» ، فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر، فاستمسك برسول الله ﷺ ، فوقعا [جميعا] ، ثمّ ركب ﷺ ، ثمّ قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟» ، قال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب» ، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلّق برسول الله ﷺ ، فوقعا جميعا، فقال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟» ، فقال: لا، والّذي بعثك بالحقّ لا رميتك ثالثا.
وذكر الطّبريّ أيضا: أنّه ﵊ كان في سفر وأمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله؛ عليّ ذبحها، وقال اخر: يا رسول الله؛ عليّ سلخها، وقال اخر: يا رسول الله؛ عليّ
стр. 221
طبخها، فقال رسول الله ﷺ : «عليّ جمع الحطب» ، فقالوا: يا رسول الله؛ نكفيك العمل، فقال: «قد علمت أنّكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميّز عليكم، فإنّ الله يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه» ) .
وقال في «الشّفا» : (عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه [قال] : وفد وفد النّجاشيّ، فقام النّبيّ ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، قال: «إنّهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحبّ أن أكافئهم» .
ولمّا جيء بأخته من الرّضاعة الشّيماء في سبايا هوازن، وتعرّفت له.. بسط لها رداءه، وقال لها: «إن أحببت أقمت عندي مكرمة محبّة، أو متّعتك ورجعت إلى قومك» ، فاختارت قومها، فمتّعها «١» .
وقال أبو الطّفيل رضي الله تعالى عنه «٢» : رأيت النّبيّ ﷺ وأنا غلام، إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه، فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا: أمّه الّتي أرضعته.
وعن عمرو بن السّائب: أنّ رسول الله ﷺ كان جالسا يوما، فأقبل أبوه من الرّضاعة «٣» ، فوضع له بعض ثوبه، فقعد
стр. 222
عليه. ثمّ أقبلت أمّه «١» ، فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الاخر، فجلست عليه. ثمّ أقبل أخوه من الرّضاعة «٢» ، فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه.
وكان ﷺ يبعث إلى ثوبية- مولاة أبي لهب- مرضعته بصلة وكسوة، فلمّا ماتت.. سأل: «من بقي من قرابتها؟» ، فقيل: لا أحد) .
وكان ﷺ يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين «٣» .
وكان له ﷺ عبيد وإماء، وكان لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس.
وكان ﷺ يأكل مع خدمه.
وكان ﷺ يجلس مع الفقراء.
وكان ﷺ يواكل الفقراء والمساكين، ويفلي ثيابهم «٤» .
وكان ﷺ يخيط ثوبه، ويخصف نعله «٥» ، ويعمل ما يعمل الرّجال في بيوتهم «٦» .
стр. 223
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه قيل لها: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أوسع النّاس خلقا، وكان إذا دخل بيته يكون أكثر عمله فيه الخياطة، وكان يصنع كما يصنع احاد النّاس، يشيل هذا، ويحطّ هذا، ويقمّ البيت، ويقطّع اللّحم، ويعين الخادم.
وكان ﷺ يركب الحمار، ويخصف النّعل، ويرقع القميص، ويلبس الصّوف، ويقول: «من رغب عن سنّتي.. فليس منّي» .
وكان ﷺ يعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السّوق.
و (النّاضح) : البعير يستقى عليه، ثمّ استعمل في كلّ بعير.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: دخلت السّوق مع رسول الله ﷺ ، فاشترى سراويل وأخذه، فذهبت لأحمله، فقال: «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ ، قال: وكانوا إذا رأوه.. لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهته لذلك.
стр. 224
[جلوس رسول الله ص]
وأمّا جلوس رسول الله ﷺ :
فعن خارجة بن زيد رضي الله [تعالى] عنه قال: كان النّبيّ ﷺ أوقر النّاس في مجلسه؛ لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه «١» .
وكان مجلسه ﷺ مجلس حلم وحياء، وأمانة وصيانة، وصبر وسكينة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، يتعاطفون فيه بالتّقوى، ويتواضعون، ويوقّر الكبار، ويرحم الصّغار، ويؤثرون المحتاج، ويحفظون الغريب، ويخرجون أدلّة على الخير.
قوله: (لا تؤبن فيه الحرم) أي: لا تذكر فيه النّساء بقبيح، ويصان مجلسه عن الرّفث، وما يقبح ذكره.
وكان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه كأنّه أحدهم، فيأتي الغريب فلا يدري أيّهم هو حتّى يسأل عنه. فطلب أصحابه منه أن يجلس مجلسا رفيعا ليعرفه الغريب فقال: «افعلوا ما بدا لكم» ، فبنوا له دكّانا من طين، فكان يجلس عليها.
و (الدّكّان) - كالدّكّة-: المكان المرتفع يجلس عليه، وهو المسطبة.
وكان ﷺ إذا جلس.. جلس إليه أصحابه حلقا حلقا.
وكان ﷺ لا يتنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل من
стр. 225
أصحابه، فيدلك بها وجهه وجلده. وكان ﷺ إذا توضّأ.. كادوا يقتتلون على وضوئه؛ أي: الماء الّذي يتوضّأ به.
وكان ﷺ إذا تكلّموا عنده.. يخفضون أصواتهم، وإذا نظروا إليه.. لا يحدّون النّظر؛ تعظيما له ﷺ .
وكان ﷺ يتخوّل «١» أصحابه بالموعظة.
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد.. احتبى بيديه.
قوله: (احتبى) الاحتباء: أن يجلس على ألييه ويضمّ رجليه إلى بطنه بنحو عمامة يشدّها عليهما وعلى ظهره.
و (اليدان) بدل عمّا يحتبي به؛ من نحو عمامة.
وكان أكثر جلوسه: أن ينصب ساقيه جميعا، ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة.
وكان لا يعرف مجلسه ﷺ من مجالس أصحابه؛ لأنّه كان حيث انتهى به المجلس جلس.
وما رئي ﷺ قطّ مادّا رجليه يضيّق بهما على أصحابه؛ إلّا أن يكون المكان واسعا.
وكان أكثر جلوسه ﷺ إلى القبلة.
وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها: أنّها رأت رسول الله
стр. 226
صلّى الله عليه وسلّم في المسجد، وهو قاعد القرفصاء، قالت: فلمّا رأيت رسول الله ﷺ المتخشّع في الجلسة.. أرعدت من الفرق.
قوله: (القرفصاء) هي: أن يجلس على ألييه، ويلصق فخذيه ببطنه، ويضع يديه على ساقيه، وهي: جلسة المحتبي. وقيل: أن يجلس على ركبتيه منكبّا، ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبّط كفّيه.
و (الفرق) : الخوف.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أتي ﷺ برجل فأرعد من هيبته ﷺ ، فقال له ﷺ : «هوّن عليك، فلست بملك، إنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» ، فنطق الرّجل بحاجته، فقام ﷺ فقال: «يا أيّها النّاس؛ إنّي أوحي إليّ أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتّى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد الله إخوانا» .
وعن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنهما: أنّه رأى النّبيّ ﷺ مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الاخرى.
وروى أبو داود بسند صحيح: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا صلّى الفجر.. تربّع في مجلسه حتّى تطلع الشّمس حسناء؛ أي:
بيضاء نقيّة.
وكان ﷺ لا يقوم من مجلس إلّا قال: «سبحانك اللهمّ وبحمدك، لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ، وقال:
стр. 227
«لا يقولهنّ أحد حيث يقوم من مجلسه.. إلّا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس» .
وكان ﷺ إذا جلس مجلسا، فأراد أن يقوم.. استغفر عشرا إلى خمس عشرة، وروى ابن السّنّيّ: عشرين مرّة.
وكان ﷺ إذا انصرف.. انحرف بجانبه.
وكان ﷺ إذا قام.. اتّكأ على إحدى يديه.
[اتّكاء رسول الله ص]
وأمّا اتّكاء رسول الله ﷺ :
فعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ متّكئا على وسادة على يساره.
وعن أبي بكره رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أحدّثكم بأكبر الكبائر؟» ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» ، قال: وجلس رسول الله ﷺ وكان متّكئا- قال: «وشهادة الزّور» ؛ أو: «قول الزّور» . قال: فما زال رسول الله ﷺ يقولها حتّى قلنا: ليته سكت.
стр. 228
الفصل السّادس في صفة كرمه ﷺ وشجاعته
[كرم رسول الله ص]
عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنّه قال: ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قطّ فقال: (لا) .
وكان ﷺ لا يسأل شيئا إلّا أعطاه، ثمّ يعود على قوت عامه فيؤثر منه، حتّى لربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء.
وكان ﷺ لا يكاد يسأل شيئا إلّا فعله.
وكان ﷺ لا يكاد يقول لشيء: (لا) ، فإذا هو سئل فأراد أن يفعل.. قال: (نعم) . وإن لّم يرد أن يفعل.. سكت.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حتّى ينسلخ فيأتيه جبريل فيعرض عليه القران، فإذا لقيه جبريل.. كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الرّيح المرسلة.
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ ﷺ فسأله أن يعطيه، فقال النّبيّ ﷺ :
«ما عندي شيء، ولكن ابتع عليّ؛ فإذا جاءني شيء.. قضيته» . فقال
стр. 229
عمر: يا رسول الله؛ [قد أعطيته] ، فما كلّفك الله ما لا تقدر عليه. فكره ﷺ قول عمر.
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله؛ أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا.
فتبسّم رسول الله ﷺ ، وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاريّ، ثمّ قال: «بهذا أمرت» .
وكان ﷺ إذا جاءه مال.. لم يبيّته، ولم يقيّله؛ أي: إذا جاءه اخر النّهار.. لم يمسكه إلى اللّيل، أو أوّل النّهار.. لم يمسكه إلى وقت القيلولة، بل يعجّل قسمته.
وكان ﷺ أسخى النّاس، لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه له، وفجأه اللّيل.. لم يأو إلى منزله حتّى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه.
وأتاه ﷺ رجل فسأله، فأعطاه غنما سدّت ما بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: أسلموا، فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
وأعطى [ ﷺ ] غير واحد مئة من الإبل.
وأعطى [ ﷺ ] صفوان مئة ثمّ مئة ثمّ مئة.
وهذه كانت حاله ﷺ قبل أن يبعث، وقد قال له ورقة بن نوفل: إنّك تحمل الكلّ وتكسب المعدوم، وقالت له خديجة
стр. 230
رضي الله تعالى عنها: أبشر؛ فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ.
و (الكلّ) هنا: الثّقل من كلّ ما يتكلّف؛ كما في «لسان العرب» .
وأعطى [ ﷺ ] العبّاس رضي الله تعالى عنه ما لم يطق حمله.
وحمل إليه [ ﷺ ] تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثمّ قام إليها يقسمها، فما ردّ سائلا حتّى فرغ منها.
ولمّا قفل [ ﷺ ] من حنين وجاءت الأعراب يسألونه حتّى اضطرّوه إلى شجرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ وقال: «أعطوني ردائي؛ لو كان لي عدد هذه العضاه نعما..
لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا، ولا كذّابا، ولا جبانا» .
و (العضاه) : شجر له شوك، واحدها: عضاهة.
وردّ [ ﷺ ] على هوازن سباياها، وكانوا ستّة الاف.
وفي «المواهب» : (ذكر ابن فارس في كتابه في «أسماء النّبيّ ﷺ » «١» : أنّه في يوم حنين جاءته امرأة؛ فأنشدت شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذ وأعطاهم عطاء كثيرا حتّى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم، فكان خمس مئة ألف ألف.
стр. 231
قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الّذي لم يسمع بمثله في الوجود) .
وعن عائشة رضي الله [تعالى] عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل الهديّة ويثيب عليها.
وأتته ﷺ امرأة ببردة، فقالت: يا رسول الله؛ أكسوك هذه؟ فأخذها ﷺ محتاجا إليها، فلبسها، فراها عليه رجل من الصّحابة فقال: يا رسول الله؛ ما أحسن هذه! فاكسنيها، فقال: «نعم» ، فلمّا قام ﵊.. لامه أصحابه، وقالوا: ما أحسنت حين رأيت النّبيّ ﷺ أخذها محتاجا إليها، ثمّ سألته إيّاها، وقد عرفت أنّه لا يسأل شيئا فيمنعه. رواه البخاريّ.
وكان ﷺ رحيما، وكان لا يأتيه أحد إلّا وعده وأنجز له؛ إن كان عنده.
[شجاعة رسول الله ص]
وأمّا شجاعة رسول الله ﷺ :
فقد كان ﷺ أنجد النّاس وأشجعهم.
قال عليّ رضي الله تعالى عنه: لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنّبيّ ﷺ ، وهو [أقرب] إلى العدوّ. وكان من أشدّ النّاس يومئذ بأسا.
وقال أيضا [رضي الله تعالى عنه] : كنّا إذا حمي «١» البأس ولقي القوم
стр. 232
القوم.. اتّقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه.
وقيل: كان رسول الله ﷺ قليل الكلام، قليل الحديث، فإذا أمر النّاس بالقتال.. تشمّر.
وكان [ ﷺ ] من أشدّ النّاس بأسا، وكان الشّجاع هو الّذي يقرب منه في الحرب؛ لقربه من العدوّ.
وقال عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: ما لقي النّبيّ ﷺ كتيبة إلّا كان أوّل من يضرب.
وقالوا: وكان قويّ البطش. ولمّا غشيه المشركون.. نزل عن بغلته، فجعل يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب» ، فما رئي يومئذ أحد أشدّ منه.
وسأل رجل البراء رضي الله تعالى عنه: أفررتم يوم حنين عن رسول الله ﷺ ؟! قال: نعم، لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ، كان هوازن رماة، وإنّا لمّا حملنا عليهم انكشفوا؛ فأكببنا على الغنائم، فاستقبلتنا بالسّهام.
ثمّ قال: ولقد رأيته على بغلته البيضاء- وأبو سفيان بن الحارث اخذ بلجامها- وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب» ، فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه.
وعن العبّاس رضي الله تعالى عنه قال: لمّا التقى المسلمون والكفّار.. ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلّى الله عليه
стр. 233
وسلّم يركّض بغلته نحو الكفّار، وأنا اخذ بلجامها أكفّها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان اخذ بركابه.
وقد كان أبيّ بن خلف يقول للنّبيّ ﷺ حين افتدى يوم بدر: عندي فرس أعلفها كلّ يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها، فقال له النّبيّ ﷺ : «أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» . فلمّا راه يوم أحد شدّ أبيّ على فرسه على رسول الله ﷺ ، فاعترضه رجال من المسلمين، فقال النّبيّ ﷺ هكذا؛ أي: خلّوا طريقه، وتناول الحربة من الحارث بن الصّمّة [رضي الله تعالى عنه] ؛ فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض.
ثمّ استقبله النّبيّ ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا- وقيل: بل كسر ضلعا من أضلاعه- فرجع إلى قريش يقول:
قتلني محمّد. وهم يقولون: لا بأس بك.
فقال: لو كان ما بي بجميع النّاس لقتلهم، أليس قد قال: «أنا أقتلك» ؟! والله لو بصق عليّ.. لقتلني. فمات بسرف في قفولهم إلى مكّة.
و (الفرق) : مكيال يسع [ستّة عشر] رطلا؛ كلّ رطل مئة وثلاثون درهما «١» .
و (الشّعراء) : ذباب أحمر- وقيل: أزرق- يقع على الإبل فيؤذيها أذى شديدا.
стр. 234
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ أحسن النّاس، وأجود النّاس، وأشجع النّاس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق النّاس قبل الصّوت، فاستقبلهم النّبيّ ﷺ قد سبق النّاس إلى الصّوت، وهو يقول: «لن تراعوا.. لن تراعوا» ، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، والسّيف في عنقه، فقال: «لقد وجدته بحرا» .
وهذا الفرس اسمه: (المندوب) .
وفي رواية للبخاريّ: إنّ أهل المدينة فزعوا مرّة، فركب النّبيّ ﷺ فرسا لأبي طلحة كان يقطف، فلمّا رجع.. قال:
«وجدنا فرسكم هذا بحرا» ، فكان بعد لا يجارى.
قوله (بحرا) البحر: الفرس الجواد الواسع الجري.
و (يقطف) : يقال قطف الفرس في مشيه: إذا تضايق خطوه.
و (القطوف من الدّوابّ وغيرها) : البطيء.
стр. 235
الباب السّادس في صفة عبادة رسول الله ﷺ وصلاته، وصومه، وقراءته
وفيه ثلاثة فصول
стр. 236
الفصل الأوّل في صفة عبادته ﷺ وصلاته
قال رسول الله ﷺ : «أنا أتقاكم لله تعالى، وأشدّكم له خشية» .
وفي «صحيح البخاريّ» : «إنّي لأعلمكم بالله، وأشدّكم له خشية» .
وفيه: عن أبي هريرة رضي الله [تعالى] عنه: «لو تعلمون ما أعلم..
لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» .
وفي «صحيح مسلم» : عن أنس رضي الله [تعالى] عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «والّذي نفس محمّد بيده، لو رأيتم ما رأيت.. لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» . قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: «رأيت الجنّة والنّار» .
وعن المغيرة بن شعبة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا: صلّى رسول الله ﷺ حتّى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكلّف هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟!» .
стр. 237
قال الباجوريّ: (واستشكل هذا قديما وحديثا.. بأنّه ﷺ لا ذنب عليه؛ لكونه معصوما.
وأحسن ما قيل فيه: أنّه من باب (حسنات الأبرار.. سيّئات المقرّبين) ، إذ الإنسان لا يخلو عن تقصير، من حيث ضعف العبوديّة مع عظمة الرّبوبيّة، وإن كان ﷺ في أعلى المقامات وأرفع الدّرجات في عباداته وطاعاته.
وقد قال ﷺ : «سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .
ولذلك قيل: المغفرة قسمان:
مغفرة للعوامّ، وهي: مسامحتهم من الذّنوب.
ومغفرة للخواصّ، وهي: مسامحتهم من التّقصير) اهـ
وعن الأسود بن يزيد [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ باللّيل فقالت: كان ينام أوّل اللّيل، ثمّ يقوم، فإذا كان من السّحر.. أوتر، ثمّ أتى فراشه، فإذا كان له حاجة.. ألمّ بأهله، فإذا سمع الأذان.. وثب، فإن كان جنبا.. أفاض عليه من الماء، وإلّا.. توضّأ وخرج إلى الصّلاة.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه بات عند ميمونة أمّ المؤمنين وهي خالته رضي الله تعالى عنها قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ في طولها، فنام رسول الله ﷺ ، حتّى إذا انتصف اللّيل، أو قبله بقليل،
стр. 238
أو بعده بقليل.. فاستيقظ رسول الله ﷺ ، فجعل يمسح النّوم عن وجهه، ثمّ قرأ العشر الايات الخواتيم من سورة (ال عمران) ؛ أي: الّتي أوّلها: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى اخر السّورة ثمّ قام إلى شنّ معلّق فتوضّأ منها، فأحسن الوضوء، ثمّ قام يصلّي.
قال عبد الله بن عبّاس: فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، ثمّ أخذ بأذني اليمنى ففتلها- وفي رواية: فأخذ بأذني؛ فأدارني عن يمينه- فصلّى ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين (ستّ مرّات) ، ثمّ أوتر، ثمّ اضطجع حتّى جاءه المؤذّن، فقام فصلّى ركعتين خفيفتين، ثمّ خرج فصلّى الصّبح.
وفي «الصحيح» : عن أنس [رضي الله تعالى عنه] : أنّ رسول الله ﷺ كان يتوضّأ عند كلّ صلاة.
وعن ابن عبّاس أيضا «١» [رضي الله تعالى عنه] ؛ قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي من اللّيل ثلاث عشرة ركعة.
وعن عائشة ﵂: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا لم يصلّ باللّيل؛ منعه من ذلك النّوم، أو غلبته عيناه.. صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة.
стр. 239
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من اللّيل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» .
وعن زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله تعالى عنه أنّه قال: لأرمقنّ صلاة رسول الله ﷺ ، فتوسّدت عتبته، أو فسطاطه، فصلّى رسول الله ﷺ ركعتين خفيفتين، ثمّ صلّى ركعتين طويلتين.. طويلتين.. طويلتين.
ذكر لفظ «طويلتين» ثلاث مرّات؛ للتّأكيد مبالغة في طولهما.
ثمّ صلّى ركعتين وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللتين قبلهما، ثمّ أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة.
وعن أبي سلمة بن عبد الرّحمن- رحمه الله تعالى- أنّه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟
فقالت: ما كان رسول الله ﷺ ليزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلّي أربعا لا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّي أربعا لا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّي ثلاثا.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قلت: يا رسول الله؛ أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة؛ إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي» .
стр. 240
وعن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي من اللّيل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها.. اضطجع على شقّه الأيمن.
وعن عائشة أيضا [رضي الله تعالى عنها] قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي من اللّيل تسع ركعات. أي: في بعض الأوقات.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما: أنّه صلّى مع النّبيّ ﷺ من اللّيل، قال: فلمّا دخل في الصّلاة.. قال:
«الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» .
قال: ثمّ قرأ (البقرة) ، ثمّ ركع؛ فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربّي العظيم، سبحان ربّي العظيم» ، ثمّ رفع رأسه؛ فكان قيامه نحوا من ركوعه، وكان يقول: «لربّي الحمد، لربّي الحمد» ، ثمّ سجد؛ فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول:
«سبحان ربّي الأعلى، سبحان ربّي الأعلى» ، ثمّ رفع رأسه فكان ما بين السّجدتين نحوا من السّجود، وكان يقول: «ربّ اغفر لي، ربّ اغفر لي» حتّى قرأ (البقرة) ، و (ال عمران) ، و (النّساء) ، و (المائدة) ، أو (الأنعام) ؛ أي: أنّه صلّى أربع ركعات قرأ في الأولى: (البقرة) ، وفي الثّانية: (ال عمران) ، وفي الثّالثة: (النّساء) ، وفي الرّابعة:
(المائدة) أو (الأنعام) . والشّكّ فيهما من شعبة راوي هذا الحديث.
стр. 241
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قام رسول الله ﷺ باية من القران ليلة.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: صلّيت ليلة مع رسول الله ﷺ ، فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء. قيل له: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النّبيّ ﷺ .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي جالسا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين- أو أربعين- اية.. قام فقرأ وهو قائم، ثمّ ركع وسجد، ثمّ صنع في الرّكعة الثّانية مثل ذلك.
وعن عبد الله بن شقيق [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ في تطوّعه؟ فقالت:
كان يصلّي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم.. ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس.. ركع وسجد وهو جالس.
وعن حفصة [رضي الله تعالى عنها] زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي في سبحته- أي: نافلته قاعدا، ويقرأ بالسّورة ويرتّلها حتّى تكون أطول من أطول منها «١» .
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: والّذي نفسي بيده،
стр. 242
ما مات رسول الله ﷺ حتّى كان أكثر صلاته قاعدا، إلّا المكتوبة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع قيام اللّيل، وكان إذا مرض أو كسل.. صلّى قاعدا.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته.
وعن حفصة رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع ركعتي الفجر في السّفر ولا في الحضر، ولا في الصّحّة ولا في السّقم.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حفظت من رسول الله ﷺ ثماني ركعات: ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء.
قال ابن عمر: وحدّثتني حفصة بركعتي الغداة، ولم أكن أراهما من النّبيّ ﷺ .
وعن معاذة [رحمها الله تعالى] قالت: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى؟ قالت: نعم..
أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله .
стр. 243
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي الضّحى ستّ ركعات.
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى حتّى نقول لا يدعها، ويدعها حتّى نقول لا يصلّيها.
وعن أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشّمس، فقلت: يا رسول الله؛ إنّك تدمن هذه الأربع ركعات عند زوال الشّمس؟ فقال:
«إنّ أبواب السّماء تفتح عند زوال الشّمس، فلا ترتج حتّى يصلّى الظّهر، فأحبّ أن يصعد لي في تلك السّاعة خير» ؛ قلت: أفي كلّهنّ قراءة؟
قال: «نعم» ، قلت: هل فيهنّ تسليم فاصل؟ قال: «لا» .
ومعنى (لا ترتج) : لا تغلق.
وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكّة فاغتسل، فسبّح- أي: صلّى ثمان ركعات ما رأيته ﷺ صلّى صلاة قطّ أخفّ منها، غير أنّه كان يتمّ الرّكوع والسّجود.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس صلاة في تمام.
وعن أبي واقد اللّيثيّ رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلّى الله
стр. 244
عليه وسلّم أخفّ النّاس صلاة على النّاس، وأطول النّاس صلاة لنفسه.
وعن عبد الله بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصّلاة في بيتي، والصّلاة في المسجد؟ قال:
«قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أصلّي في المسجد؛ إلّا أن تكون صلاة مكتوبة» ؛ أي: لتحصل البركة للبيت وأهله، وتنزل الملائكة، وليذهب عنه الشّيطان.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اشتدّ البرد.. بكّر بالصّلاة، وإذا اشتدّ الحرّ.. أبرد بالصّلاة.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ لا يكون في المصلّين إلّا كان أكثرهم صلاة، ولا يكون في الذّاكرين إلّا كان أكثرهم ذكرا.
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه- وفي رواية: حزنه- أمر.. صلّى؛ أي: إذا نزل به همّ، وأصابه غمّ.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا.. لم يرتحل منه حتّى يصلّي فيه ركعتين.
وكان ﷺ يحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار في الصّلاة؛ ليحافظوا عنه.
وكان ﷺ لا يفارق مصلّاه سواكه ومشطه.
стр. 245
وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته.. استغفر (ثلاثا) ، ثمّ قال: «اللهمّ؛ أنت السّلام، ومنك السّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» .
стр. 246
الفصل الثّاني في صفة صومه ﷺ
عن عبد الله بن شقيق [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صيام رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان يصوم حتّى نقول قد صام- أي: داوم الصّوم- فلا يفطر، ويفطر حتّى نقول قد أفطر- أي: داوم الإفطار- فلا يصوم.
قالت: وما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا منذ قدم المدينة.. إلّا رمضان.
وسئل أنس رضي الله تعالى عنه عن صوم النّبيّ ﷺ فقال: كان يصوم من الشّهر حتّى نرى ألايريد أن يفطر منه، ويفطر حتّى نرى ألايريد أن يصوم منه شيئا، وكنت لا تشاء أن تراه من اللّيل مصلّيا إلّا رأيته مصلّيا، ولا نائما إلّا رأيته نائما.
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلّا شعبان ورمضان.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم أر رسول الله ﷺ يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان، كان يصوم شعبان إلّا قليلا، بل كان يصومه كلّه.
стр. 247
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرّة كلّ شهر ثلاثة أيّام، وقلّما كان يفطر يوم الجمعة «١» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يتحرّى صوم الإثنين والخميس.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس، فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم» .
وعن أبي هريرة [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصوم الإثنين والخميس، فقيل له.. فقال:
«الأعمال تعرض كلّ إثنين وخميس؛ فيغفر لكلّ مسلم.. إلّا المتهاجرين «٢» ، فيقول: أخّروهما [حتّى يصطلحا] » .
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ أكثر صومه السّبت والأحد «٣» ، ويقول: «هما يوما عيد المشركين فأحبّ أن أخالفهم» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ صلّى الله عليه
стр. 248
وسلّم يصوم من الشّهر السّبت والأحد والإثنين، ومن الشّهر الاخر الثّلاثاء والأربعاء والخميس.
وعن معاذة [رحمها الله تعالى] قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر؟ قالت: نعم، قلت:
من أيّها كان يصوم؛ أي: من أيّ أيّامه؟ قالت: كان لا يبالي من أيّها صام؛ أي: من أوّله، ومن وسطه، ومن اخره.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ لا يدع صوم أيّام البيض في سفر ولا حضر.
و (أيّام البيض) : اليوم الثّالث عشر من الشّهر، والرّابع عشر، والخامس عشر. وسمّيت بيضا؛ لأنّ القمر يطلع فيها من أوّلها إلى اخرها.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان عاشوراء «١» يوما تصومه قريش في الجاهليّة، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلمّا قدم المدينة.. صامه وأمر بصيامه، فلمّا افترض رمضان.. كان رمضان هو الفريضة، وترك عاشوراء، فمن شاء.. صامه، ومن شاء.. تركه.
وعن عليّ رضي الله [تعالى] عنه: كان رسول الله ﷺ يصوم يوم عاشوراء، ويأمر به.
وعن حفصة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله صلّى الله عليه
стр. 249
وسلّم يصوم تسع ذي الحجّة ويوم عاشوراء، وثلاثة أيّام من كلّ شهر:
أوّل إثنين من الشّهر، والخميس، والإثنين من الجمعة الاخرى.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يفطر على الرّطب ما دام الرّطب، وعلى التّمر إذا لم يكن رطب، ويختم بهنّ، ويجعلهنّ وترا؛ ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يحبّ أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النّار.
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا: كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلّي، فإن لم يكن رطبات.. فتمرات، فإن لم يكن تمرات.. حسا حسوات من ماء.
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر عند قوم.. قال: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وتنزّلت عليكم الملائكة» .
وعن ابن الزّبير رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر عند قوم.. قال: «أفطر عندكم الصّائمون، وصلّت عليكم الملائكة» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «ذهب الظّمأ، وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى» .
стр. 250
وعن معاذ بن زهرة [رحمه الله تعالى] : كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «اللهمّ؛ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» .
وعن معاذ رضي الله تعالى عنه «١» قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «الحمد لله الّذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «اللهمّ؛ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، فتقبّل منّي إنّك أنت السّميع العليم» .
وعن علقمة [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: أكان رسول الله ﷺ يخصّ من الأيّام شيئا؟
قالت: كان عمله ديمة «٢» ، وأيّكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟
وعن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة، فقال: «من هذه؟» ، قلت:
فلانة؛ لا تنام اللّيل. فقال رسول الله ﷺ : «عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فو الله لا يملّ [الله] حتّى تملّوا» ، وكان أحبّ ذلك إلى رسول الله ﷺ الّذي يدوم عليه صاحبه.