← Сира

Сира · id 23694

وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

يوسف النبهاني

Полный текст (378 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وروى التّرمذيّ في «جامعه» : من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا أصاب أحدكم الحمّى؛ فإنّ الحمّى قطعة من النّار، فليطفئها عنه بالماء، فليستقبل «١» نهرا جاريا ليستقبل جرية الماء، فيقول: (باسم الله، اللهمّ؛ اشف عبدك، وصدّق رسولك) بعد صلاة الصّبح قبل طلوع الشّمس، فليغتمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيّام، فإن لم يبرأ في ثلاث.. فخمس، فإن لم يبرأ في خمس.. فسبع، فإن لم يبرأ في سبع.. فتسع؛ فإنّها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله تعالى» . وفي «الصحيحين» : عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ أخي يشتكي بطنه- وفي رواية: استطلق بطنه- فقال: «اسقه عسلا» ، فذهب، ثمّ رجع، فقال: قد سقيته عسلا؛ فلم يغن عنه شيئا؟ وفي لفظ: فلم يزده إلّا استطلاقا (مرّتين أو ثلاثا) - كلّ ذلك يقول له: «اسقه عسلا» ، فقال له في الثّالثة أو الرّابعة: «صدق الله، وكذب بطن أخيك» ، ثمّ سقاه، فبرأ بإذن الله تعالى. وفي «سنن ابن ماجه» : عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «من لعق العسل ثلاث غدوات كلّ شهر.. لم يصبه عظيم من البلاء» . وفي أثر اخر: «عليكم بالشّفاءين: العسل، والقران» .

стр. 317

وعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «الطّاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض.. فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها.. فلا تخرجوا منها فرارا منه» . وروي هذا الحديث عن عبد الرّحمن بن عوف أيضا رضي الله تعالى عنه. وفي «سنن أبي داود» مرفوعا: «إنّ من القرف التّلف» . قال ابن قتيبة: (القرف) مداناة الوباء، ومداناة المرضى. وفي «صحيح البخاريّ» : عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: عن النّبيّ ﷺ قال: «الشّفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة نار. وأنهى أمّتي عن الكيّ» . وفي «سنن ابن ماجه» : عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما مررت ليلة أسري بي بملأ.. إلّا قالوا: يا محمّد؛ مر أمّتك بالحجامة» . ورواه التّرمذيّ: عن ابن عبّاس بلفظ: «عليك بالحجامة يا محمّد» . وقد روي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «خير ما تداويتم به.. الحجامة والفصد» . وفي حديث: «خير الدّواء.. الحجامة والفصد» . وروى التّرمذيّ في «جامعه» : عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما

стр. 318

يرفعه: «إنّ خير ما تحتجمون فيه يوم سابع عشرة، أو تاسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين» . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السّبت؛ فأصابه بياض، أو برص.. فلا يلومنّ إلّا نفسه» . وروى الدّارقطنيّ من حديث نافع [رحمه الله تعالى] قال: قال لي عبد الله بن عمر: تبيّغ بي الدّم «١» ، فأبغني حجّاما، ولا يكن صبيّا، ولا شيخا كبيرا، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحجامة.. تزيد الحافظ حفظا، والعاقل عقلا، فاحتجموا على اسم الله، ولا تحتجموا يوم الخميس، والجمعة، والسّبت، والأحد. واحتجموا يوم الإثنين، وما كان من جذام ولا برص إلّا نزل يوم الأربعاء» . وقد روى أبو داود في «سننه» : من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أنّه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء. وقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «يوم الثّلاثاء.. يوم الدّم، وفيه ساعة لا يرقأ» . وروى التّرمذيّ في «جامعه» وابن ماجه في «سننه» : عن أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «بماذا كنت تستمشين؟» ، قالت: بالشّبرم، قال: «حارّ..

стр. 319

حارّ» ، ثمّ قالت: استمشيت بالسّنى. فقال: «لو كان شيء يشفي من الموت.. كان السّنى» . و (الشّبرم) : قشر عرق شجرة. وفي «سنن ابن ماجه» : عن عبد الله بن أمّ حرام [رضي الله تعالى عنه]- وكان ممّن صلّى مع رسول الله ﷺ القبلتين- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عليكم بالسّنى والسّنّوت، فإنّ فيهما شفاء من كلّ داء، إلّا السّامّ» ، قيل: يا رسول الله؛ وما السّامّ؟ قال: «الموت» . و (السّنى) : نبت حجازيّ، أفضله المكّيّ. واختلف في معنى (السّنّوت) على أقوال «١» ، وأقربها إلى الصّواب: أنّه العسل الّذي يكون في زقاق السّمن. وروى التّرمذيّ: عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحريّ والزّيت» . و (ذات الجنب) : ورم حارّ يحدث في الغشاء المستبطن للأضلاع، وأ لم يشبهه يعرض في نواحي الجنب.

стр. 320

و (القسط البحريّ) هو: العود الهنديّ «١» . وفي «الصّحيحين» : أنّ النّبيّ ﷺ قال: «خير ما تداويتم به: الحجامة، والقسط البحريّ، ولا تعذّبوا صبيانكم بالغمز من العذرة» «٢» . وفي «السّنن والمسند» عن جابر بن عبد الله [رضي الله تعالى عنهما] قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها- وعندها صبيّ يسيل منخراه دما- فقال: «ما هذا؟» ، قالوا: به العذرة، أو: وجع في رأسه، فقال: «ويلكنّ؛ لا تقتلن أولادكنّ، أيّما امرأة أصاب ولدها عذرة، أو وجع في رأسه.. فلتأخذ قسطا هنديّا، فتحكّه بماء، ثمّ تسعطه إيّاه» ، فأمرت عائشة رضي الله تعالى عنها فصنع ذلك للصّبيّ فبرأ. و (العذرة) : تهيّج في الحلق من الدّم. وقيل: قرحة تخرج فيما بين الأذن والحلق، وتعرض للصّبيان غالبا. و (القسط البحريّ) : هو العود الهنديّ، وهو الأبيض منه، وفيه منافع عديدة، وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة «٣» ، وبالعلاق؛ وهو

стр. 321

شيء يعلّقونه على الصّبيان، فنهاهم ﷺ عن ذلك، وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم. و (السّعوط) : ما يصبّ في أنف الإنسان وهو مستلق على ظهره، وبين كتفيه ما يرفعهما؛ لينخفض رأسه فيتمكّن السّعوط من الوصول إلى دماغه، ويستخرج ما فيه من الدّاء بالعطاس. وقد مدح النّبيّ ﷺ التّداوي بالسّعوط فيما يحتاج إليه فيه. وكان رسول الله ﷺ يأمر أن يسترقى من العين. وروى مسلم في «صحيحه» : عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر.. لسبقته العين» . وفي «سنن أبي داود» : عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يؤمر العائن فيتوضّأ، ثمّ يغتسل منه المعين. قال الزّهريّ: يؤمر الرّجل العائن بقدح، فيدخل كفّه فيه، فيتمضمض، ثمّ يمجّه في القدح، ثمّ يغسل وجهه في القدح، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على كفّه اليمنى في القدح، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على كفّه اليسرى، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على مرفقه الأيمن، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على مرفقه الأيسر، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على قدمه اليمنى، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على قدمه اليسرى ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على ركبته اليمنى، ثمّ

стр. 322

يدخل يده اليمنى، فيصبّ على ركبته اليسرى، ثمّ يغسل داخلة إزاره «١» ، ولا يوضع القدح في الأرض، ثمّ يصبّ على رأس الرّجل الّذي تصيبه العين من خلفه صبّة واحدة. وممّا يدفع إصابة العين: قول: (اللهمّ بارك عليه) . وقول: (ما شاء الله لا قوّة إلّا بالله) .

стр. 323

الفصل الثّاني في سنّه ﷺ ووفاته [سن رسول الله ص] عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: مكث النّبيّ ﷺ بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وبالمدينة عشرا، وتوفّي وهو ابن ثلاث وستّين. وفي رواية عنه [رضي الله تعالى عنه] : أنّ رسول الله ﷺ توفّي وهو ابن خمس وستّين. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ توفّاه الله تعالى على رأس ستّين سنة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ مات وهو ابن ثلاث وستّين سنة. وعن جرير بن حازم الأسديّ [رحمه الله تعالى] عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أنّه سمعه يخطب، قال: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستّين، وأبو بكر وعمر، وأنا ابن ثلاث وستّين سنة. قوله: (أنا ابن ثلاث وستّين) المراد: أنّه كان كذلك وقت تحديثه بهذا الحديث، ولم يمت فيه، بل عاش حتّى بلغ نحو ثمانين سنة.

стр. 324

[وفاة رسول الله ص] وأمّا وفاة رسول الله ﷺ : فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: اخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف السّتارة يوم الإثنين، فنظرت إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف «١» ، والنّاس خلف أبي بكر، فكاد النّاس أن يضطربوا، فأشار إلى النّاس: أن اثبتوا وأبو بكر يؤمّهم، وألقى السّجف، وتوفّي رسول الله ﷺ من اخر ذلك اليوم. و (السّجف) : السّتارة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت مسندة النّبيّ ﷺ إلى صدري- أو قالت: إلى حجري- فدعا بطست؛ ليبول فيه «٢» ، ثمّ بال، فمات ﷺ . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا أنّها قالت: رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء، ثمّ يقول: «اللهمّ؛ أعنّي على سكرات الموت» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لا أغبط أحدا بهون موت بعد الّذي رأيت من شدّة موت رسول الله ﷺ . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لمّا قبض رسول الله ﷺ .. اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من

стр. 325

رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته؛ قال: «ما قبض الله نبيّا إلّا في الموضع الّذي يحبّ أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه» . وعن عائشة أيضا وابن عبّاس [رضي الله تعالى عنهم] : أنّ أبا بكر قبّل النّبيّ ﷺ بعد ما مات. وعن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها: أنّ أبا بكر دخل على النّبيّ ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على ساعديه، وقال: وا نبيّاه، وا صفيّاه، وا خليلاه. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة.. أضاء منها كلّ شيء، فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه.. أظلم منها كلّ شيء، وما نفضنا أيدينا من التّراب، وإنّا لفي دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: توفّي رسول الله ﷺ يوم الإثنين. وعن محمّد الباقر رضي الله تعالى عنه- وهو من التّابعين- قال: قبض رسول الله ﷺ يوم الإثنين، فمكث ذلك اليوم، وليلة الثّلاثاء، ودفن من اللّيل. وعن سالم بن عبيد رضي الله تعالى عنه- وكانت له صحبة- قال: أغمي على رسول الله ﷺ في مرضه، فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟» ، فقالوا: نعم، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .

стр. 326

قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟» ، فقالوا: نعم، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» . فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إنّ أبي رجل أسيف- أي: حزين- إذا قام ذلك المقام.. بكى، فلا يستطيع، فلو أمرت غيره. قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكنّ صواحب- أو صواحبات- يوسف» ؛ أي: مثلهنّ في إظهار خلاف ما يبطنّ. قال: فأمر بلال فأذّن، وأمر أبو بكر فصلّى بالنّاس، ثمّ إنّ رسول الله ﷺ وجد خفّة فقال: «انظروا لي من أتّكىء عليه» ، فجاءت بريرة ورجل اخر؛ فاتّكأ عليهما، فلمّا راه أبو بكر ذهب لينكص؛ فأومأ إليه أن يثبت مكانه حتّى قضى أبو بكر صلاته. ثمّ إنّ رسول الله ﷺ قبض، فقال عمر: والله؛ لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول الله ﷺ قبض إلّا ضربته بسيفي هذا. قال: وكان النّاس أمّييّن؛ لم يكن فيهم نبيّ قبله، فأمسك النّاس. فقالوا: يا سالم؛ انطلق إلى صاحب رسول الله ﷺ فادعه، فأتيت أبا بكر رضي الله تعالى عنه- وهو في المسجد- فأتيته أبكي دهشا؟ فلمّا راني.. قال لي: أقبض رسول الله ﷺ ، قلت: إنّ عمر يقول: لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول الله صلّى الله عليه

стр. 327

وسلّم قبض.. إلّا ضربته بسيفي هذا، فقال لي: انطلق، فانطلقت معه، فجاء هو والنّاس قد دخلوا على رسول الله ﷺ ، فقال: يا أيّها النّاس؛ أفرجوا لي، فأفرجوا له، فجاء حتّى أكبّ عليه ومسّه فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] . ثمّ قالوا: يا صاحب رسول الله؛ أقبض رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، فعلموا أن قد صدق. قالوا: يا صاحب رسول الله؛ أيصلّى على رسول الله؟ قال: نعم، قالوا: وكيف؟ قال: يدخل قوم، فيكبّرون ويصلّون، ويدعون، ثمّ يخرجون، ثمّ يدخل قوم، فيكبّرون ويصلّون، ويدعون، ثمّ يخرجون، حتّى يدخل النّاس. قالوا: يا صاحب رسول الله؛ أيدفن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قالوا: أين؟ قال: في المكان الّذي قبض الله فيه روحه، فإنّ الله لم يقبض روحه إلّا في مكان طيّب، فعلموا أن قد صدق. ثمّ أمرهم أن يغسّله بنو أبيه. واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر، فقالت الأنصار: منّا أمير، ومنكم أمير، فقال عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: من له مثل هذه الثّلاثة؟ ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] من هما؟.

стр. 328

قال: ثمّ بسط يده فبايعه، وبايعه النّاس، بيعة حسنة جميلة. قال الباجوريّ: (الفضيلة الأولى: كونه أحد الاثنين في قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ [التوبة: ٤٠] . الفضيلة الثّانية: إثبات الصّحبة في قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التوبة: ٤٠] . فسمّاه الله (صاحبه) ، فمن أنكر صحبته.. كفر؛ لمعارضته القران. الفضيلة الثّالثة: إثبات المعيّة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] . فثبوت هذه الفضائل له.. يؤذن بأحقّيّته بالخلافة) . وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لمّا وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد.. قالت فاطمة رضي الله [تعالى] عنها: وا كرباه، فقال النّبيّ ﷺ : «لا كرب على أبيك بعد اليوم؛ إنّه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا، الموافاة يوم القيامة» . قال الإمام الغزاليّ في «الإحياء» : (قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: دخلنا على رسول الله ﷺ في بيت أمّنا عائشة رضي الله تعالى عنها حين دنا الفراق، فنظر إلينا، فدمعت عيناه صلّى الله

стр. 329

عليه وسلّم، ثمّ قال: «مرحبا بكم، حيّاكم الله، اواكم الله، نصركم الله، وأوصيكم بتقوى الله، وأوصي بكم الله، إنّي لكم منه نذير مبين؛ ألاتعلوا على الله في بلاده وعباده، وقد دنا الأجل، والمنقلب إلى الله، وإلى سدرة المنتهى، وإلى جنّة المأوى، وإلى الكأس الأوفى، فاقرؤوا على أنفسكم وعلى من دخل في دينكم بعدي منّي السّلام ورحمة الله» . وروي: أنّه ﷺ قال لجبريل ﵇ عند موته: «من لأمّتي من بعدي؟» ، فأوحى الله تعالى إلى جبريل: أن بشّر حبيبي أنّي لا أخذله في أمّته، وبشّره أنّه أسرع النّاس خروجا من الأرض إذا بعثوا، وسيّدهم إذا جمعوا، وأنّ الجنّة محرّمة على الأمم، حتّى تدخلها أمّته، فقال [ ﷺ ] : «الان قرّت عيني» . وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أمرنا رسول الله ﷺ أن نغسّله بسبع قرب من سبعة ابار، ففعلنا ذلك، فوجد راحة، فخرج، فصلّى بالنّاس، واستغفر لأهل أحد، ودعا لهم، وأوصى بالأنصار، فقال: «أمّا بعد: يا معشر المهاجرين؛ فإنّكم تزيدون، وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها الّتي هي عليها اليوم، وإنّ الأنصار عيبتي الّتي أويت إليها «١» ، فأكرموا كريمهم- يعني: محسنهم- وتجاوزوا عن مسيئهم» . ثمّ قال [ ﷺ ] : «إنّ عبدا خيّر بين الدّنيا وبين ما

стр. 330

عند الله.. فاختار ما عند الله» ، فبكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وظنّ أنّه يريد نفسه. فقال النّبيّ ﷺ : «على رسلك يا أبا بكر، سدّوا هذه الأبواب الشّوارع في المسجد، إلّا باب أبي بكر؛ فإنّي لا أعلم امرأ أفضل عندي في الصحبة من أبي بكر» . قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقبض ﷺ في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري «١» ، وجمع الله بين ريقي وريقه عند الموت، فدخل عليّ أخي عبد الرّحمن وبيده سواك، فجعل ينظر إليه، فعرفت أنّه يعجبه ذلك، فقلت له: اخذه لك؟ فأومأ برأسه- أي: نعم- فناولته إيّاه، فأدخله في فيه، فاشتدّ عليه، فقلت: أليّنه لك؟ فأومأ برأسه- أي: نعم- فليّنته، وكان بين يديه ركوة ماء، فجعل يدخل فيها يده ويقول: «لا إله إلّا الله، إنّ للموت لسكرات» ، ثمّ نصب يده يقول: «الرّفيق الأعلى.. الرّفيق الأعلى» . فقلت: إذا- والله- لا يختارنا. وروى سعيد بن عبد الله، عن أبيه [رحمهما الله تعالى] قال: لمّا رأت الأنصار أنّ رسول الله ﷺ يزداد ثقلا.. أطافوا بالمسجد، فدخل العبّاس رضي الله تعالى عنه على النّبيّ ﷺ فأعلمه بمكانهم وإشفاقهم.

стр. 331

ثمّ دخل عليه الفضل [رضي الله تعالى عنه] فأعلمه بمثل ذلك. ثمّ دخل عليه عليّ رضي الله تعالى عنه فأعلمه بمثله، فمدّ يده، وقال: «ها» فتناولوه، فقال: «ما يقولون؟» ، قالوا: يقولون: نخشى أن تموت. وتصايح نساؤهم لاجتماع رجالهم إلى النّبيّ ﷺ ، فثار رسول الله ﷺ ؛ فخرج متوكّئا على عليّ والفضل، والعبّاس أمامه، ورسول الله ﷺ معصوب الرّأس يخطّ برجليه، حتّى جلس على أسفل مرقاة من المنبر، وثاب النّاس إليه، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «أيّها النّاس؛ إنّه بلغني أنّكم تخافون عليّ الموت، كأنّه استنكار منكم للموت؟! وما تنكرون من موت نبيّكم؟ ألم أنع إليكم، وتنعى إليكم أنفسكم؟! هل خلّد نبيّ قبلي فيمن بعث.. فأخلّد فيكم؟ ألا وإنّي لاحق بربّي، ألا وإنّكم لاحقون به. وإنّي أوصيكم بالمهاجرين الأوّلين خيرا، وأوصي المهاجرين فيما بينهم؛ فإنّ الله قال: وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر: ١- ٣] ... إلى اخرها. وإنّ الأمور تجري بإذن الله، فلا يحملنّكم استبطاء أمر على استعجاله، فإنّ الله لا يعجل لعجلة أحد، ومن غالب الله.. غلبه، ومن خادع الله.. خدعه

стр. 332

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [محمد: ٢٢] . وأوصيكم بالأنصار خيرا، فإنّهم الّذين تبوّؤوا الدّار والإيمان من قبلكم؛ أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم في الثّمار؟! ألم يوسّعوا عليكم «١» في الدّيار؟! ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟!. ألا.. فمن ولّي أن يحكم بين رجلين.. فليقبل من محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم. ألا.. ولا تستأثروا عليهم. ألا.. وإنّي فرط «٢» لكم، وأنتم لاحقون بي. ألا.. وإنّ موعدكم الحوض، حوضي أعرض ممّا بين بصرى الشّام وصنعاء اليمن، يصبّ فيه ميزاب الكوثر ماء، أشدّ بياضا من اللّبن، وألين من الزّبد، وأحلى من الشّهد «٣» ، من شرب منه.. لم يظمأ أبدا، حصباؤه اللّؤلؤ، وبطحاؤه المسك، من حرمه في الموقف غدا.. حرم الخير كلّه. ألا.. فمن أحبّ أن يرده عليّ غدا.. فليكفف لسانه ويده إلّا مما «٤» ينبغي. فقال العبّاس: يا نبيّ الله؛ أوص بقريش.

стр. 333

فقال: «إنّما أوصي بهذا الأمر قريشا؛ والنّاس تبع لقريش، برّهم لبرّهم، وفاجرهم لفاجرهم «١» ، فاستوصوا- ال قريش- بالنّاس خيرا. يا أيّها النّاس؛ إنّ الذّنوب تغيّر النّعم وتبدّل القسم، فإذا برّ النّاس.. برّهم أئمّتهم، وإذا فجر النّاس «٢» .. عقّوهم. قال الله تعالى: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» [الأنعام: ١٢٩] . وروى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: «سل يا أبا بكر» . فقال: يا رسول الله؛ دنا الأجل؟ فقال: «قد دنا الأجل، وتدلّى» . فقال: ليهنك يا نبيّ الله ما عند الله، فليت شعري عن منقلبنا؟ فقال: «إلى الله، وإلى سدرة المنتهى، ثمّ إلى جنّة المأوى، والفردوس الأعلى، والكأس الأوفى، والرّفيق الأعلى، والحظّ والعيش المهنّا» . فقال: يا نبيّ الله؛ من يلي غسلك؟ قال: «رجال من أهل بيتي؛ الأدنى فالأدنى» . قال «٣» : يا رسول الله؛ فيم نكفّنك؟ قال: «في ثيابي هذه، وفي حلّة يمانية، وفي بياض مصر» .

стр. 334

فقال: كيف الصّلاة عليك منّا؟ وبكينا، وبكى ... ثمّ قال: «مهلا غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيّكم خيرا. إذا غسّلتموني وكفّنتموني.. فضعوني على سريري هذا، في بيتي هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عنّي ساعة- فإنّ أوّل من يصلّي عليّ الله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الأحزاب: ٤٣] . ثمّ يأذن للملائكة في الصّلاة عليّ، فأوّل من يدخل عليّ من خلق الله ويصلّي عليّ.. جبريل، ثمّ ميكائيل، ثمّ إسرافيل، ثمّ ملك الموت مع جنود كثيرة، ثمّ الملائكة بأجمعها صلّى الله عليهم أجمعين، ثمّ أنتم؛ فادخلوا عليّ أفواجا، فصلّوا عليّ أفواجا؛ زمرة زمرة، وسلّموا تسليما، ولا تؤذوني» بتزكية ولا صيحة ولا رنّة، وليبدأ منكم الإمام، وأهل بيتي الأدنى.. فالأدنى، ثمّ زمرة النّساء، ثمّ زمرة الصّبيان. قال: فمن يدخلك القبر؟ قال: «زمر من أهل بيتي ... الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثيرة لا ترونهم؛ وهم يرونكم، قوموا فأدّوا عنّي إلى من بعدي» . وقال عبد الله بن زمعة [رضي الله تعالى عنه] : جاء بلال [رضي الله تعالى عنه] في أوّل شهر ربيع الأوّل، فأذّن بالصّلاة، فقال رسول الله ﷺ : «مروا أبا بكر يصلّي بالنّاس» . فخرجت فلم أر بحضرة الباب إلّا عمر في رجال ليس فيهم أبو بكر،

стр. 335

فقلت: قم يا عمر فصلّ بالنّاس، فقام عمر، فلمّا كبّر- وكان رجلا صيّتا سمع رسول الله ﷺ صوته بالتّكبير.. فقال: «أين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك، والمسلمون» قالها ثلاث مرّات: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» ، فقالت عائشة رضي الله [تعالى] عنها: يا رسول الله؛ إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قام في مقامك غلبه البكاء. فقال: «إنّكنّ صويحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» . قال: فصلّى أبو بكر بعد الصّلاة الّتي صلّى عمر. فكان عمر يقول لعبد الله بن زمعة بعد ذلك: ويحك، ماذا صنعت بي؟ والله لولا أنّي ظننت أنّ رسول الله ﷺ أمرك.. ما فعلت، فيقول عبد الله: إنّي لم أر أحدا أولى بذلك منك. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: وما قلت ذلك ولا صرفته عن أبي بكر إلّا رغبة به عن الدّنيا، ولما في الولاية من المخاطرة والهلكة إلّا من سلّم الله، وخشيت أيضا ألايكون النّاس يحبّون رجلا صلّى في مقام النّبيّ ﷺ وهو حيّ أبدا- إلّا أن يشاء الله- فيحسدونه، ويبغون عليه، ويتشاءمون به، فإذا الأمر أمر الله، والقضاء قضاء الله تعالى، وعصمه الله تعالى من كلّ ما تخوّفت عليه من أمر الدّنيا والدّين. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه رسول الله ﷺ .. رأوا منه خفّة في أوّل النّهار؛ فتفرّق عنه الرّجال إلى منازلهم وحوائجهم مستبشرين، وأخلوا رسول الله ﷺ بالنّساء، فبينا نحن على ذلك- لم نكن على مثل

стр. 336

حالنا في الرّجاء والفرح قبل ذلك- قال رسول الله ﷺ : «اخرجن عنّي؛ هذا الملك يستأذن عليّ» . فخرج من في البيت غيري، ورأسه في حجري، فجلس، وتنحّيت في جانب البيت، فناجى الملك طويلا، ثمّ إنّه دعاني؛ فأعاد رأسه في حجري، وقال للنّسوة: «ادخلن» ، فقلت: ما هذا بحسّ جبريل ﵇؟ فقال رسول الله ﷺ : «أجل يا عائشة؛ هذا ملك الموت، جاءني فقال: إنّ الله أرسلني، وأمرني أن لا أدخل عليك إلّا بإذن، فإن لم تأذن لي.. أرجع، وإن أذنت لي.. دخلت، وأمرني ألاأقبضك حتّى تأمرني، فماذا أمرك؟ فقلت: «اكفف عنّي، حتّى يأتيني جبريل ﵇، فهذه ساعة جبريل» . قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فاستقبلنا بأمر لم يكن له عندنا جواب؛ ولا رأي، فوجمنا وكأنّما ضربنا بصاخّة- أي: بصيحة- ما نحير إليه شيئا، وما يتكلّم أحد من أهل البيت؛ إعظاما لذلك الأمر، وهيبة ملأت أجوافنا. قالت: وجاء جبريل في ساعته فسلّم، فعرفت حسّه، وخرج أهل البيت، فدخل فقال: إنّ الله يقرأ عليك السّلام، ويقول: كيف تجدك؟ وهو أعلم بالّذي تجد منك، ولكن أراد أن يزيدك كرامة وشرفا، وأن يتمّ كرامتك وشرفك على الخلق، وأن تكون سنّة في أمّتك، فقال: «أجدني وجعا» . فقال: أبشر، فإنّ الله تعالى أراد أن يبلّغك ما أعدّ لك، فقال:

стр. 337

«يا جبريل؛ إنّ ملك الموت استأذن عليّ..» وأخبره الخبر. فقال جبريل: يا محمّد؛ إنّ ربّك إليك مشتاق، ألم يعلمك الّذي يريد بك؟! لا والله ما استأذن ملك الموت على أحد قطّ ولا يستأذن عليه أبدا، ألا إنّ ربّك متمّ شرفك، وهو إليك مشتاق. قال: «فلا تبرح إذا حتّى يجيء» . وأذن للنّساء، فقال: «يا فاطمة؛ أدني» ، فأكبّت عليه، فناجاها، فرفعت رأسها وعيناها تدمع «١» ؛ وما تطيق الكلام، ثمّ قال: «أدني منّي رأسك» ، فأكبّت عليه، فناجاها، فرفعت رأسها؛ وهي تضحك وما تطيق الكلام، وكان الّذي رأينا منها عجبا، فسألتها بعد ذلك.. فقالت: أخبرني، وقال: «إنّي ميّت اليوم» ، فبكيت، ثمّ قال: «إنّي دعوت الله أن يلحقك بي في أوّل أهلي، وأن يجعلك معي» فضحكت. وأدنت ابنيها منه فشمّهما «٢» . قالت: وجاء ملك الموت، واستأذن؛ فأذن له، فقال الملك: ما تأمرنا يا محمّد؟ قال: «ألحقني بربّي الان» ، فقال: بلى؛ من يومك هذا، أما إنّ ربّك إليك مشتاق، ولم يتردّد عن أحد تردّده عنك، ولم ينهني عن الدّخول على أحد إلّا بإذن غيرك، ولكنّ ساعتك أمامك. وخرج. قالت: وجاء جبريل فقال: السّلام عليك يا رسول الله؛ هذا اخر ما

стр. 338

أنزل فيه إلى الأرض أبدا، طوي الوحي وطويت الدّنيا، وما كان لي في الأرض حاجة غيرك، وما لي فيها حاجة إلّا حضورك، ثمّ لزوم موقفي. لا والّذي بعث محمّدا بالحقّ؛ ما في البيت أحد يستطيع أن يحير إليه في ذلك كلمة «١» ، ولا يبعث إلى أحد من رجاله لعظم ما يسمع من حديثه، ووجدنا وإشفاقنا. قالت: فقمت إلى النّبيّ ﷺ حتّى أضع رأسه بين ثدييّ، وأمسكت بصدره، وجعل يغمى عليه حتّى يغلب، وجبهته ترشح رشحا ما رأيته من إنسان قطّ، فجعلت أسلت ذلك العرق «٢» ، وما وجدت رائحة شيء أطيب منه، فكنت أقول له إذا أفاق: بأبي أنت وأمّي، ونفسي وأهلي؛ ما تلقى جبهتك من الرّشح؟ فقال: «يا عائشة؛ إنّ نفس المؤمن تخرج بالرّشح، ونفس الكافر تخرج من شدقيه «٣» كنفس الحمار» . فعند ذلك ارتعنا، وبعثنا إلى أهلنا، فكان أوّل رجل جاءنا- ولم يشهده- أخي، بعثه إليّ أبي، فمات رسول الله ﷺ قبل أن يجيء أحد، وإنّما صدّهم الله عنه؛ لأنّه ولّاه جبريل وميكائيل، وجعل إذا أغمي عليه.. قال: «بل الرّفيق الأعلى» ، كأنّ الخيرة تعاد عليه، فإذا أطاق الكلام.. قال: «الصّلاة.. الصّلاة؛ إنّكم لا تزالون

стр. 339

متماسكين ما صلّيتم جميعا، الصّلاة.. الصّلاة» ، كان يوصي بها حتّى مات؛ وهو يقول: «الصّلاة.. الصّلاة» . قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: مات رسول الله ﷺ بين ارتفاع الضّحى، وانتصاف النّهار يوم الإثنين. قالت فاطمة رضي الله تعالى عنها: ما لقيت من يوم الإثنين، والله لا تزال الأمّة تصاب فيه بعظيمة. وقالت أمّ كلثوم [رضي الله تعالى عنها]- يوم أصيب عليّ كرّم الله وجهه بالكوفة- مثلها: ما لقيت من يوم الإثنين، مات فيه جدّي رسول الله ﷺ ، وفيه قتل عمر، وفيه قتل أبي، فما لقيت من يوم الإثنين. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لمّا مات رسول الله ﷺ .. اقتحم النّاس حين ارتفعت الرّنّة «١» وسجّي «٢» رسول الله ﷺ بثوبي؛ فاختلفوا، فكذّب بعضهم بموته، وأخرس بعضهم، فما تكلّم إلّا بعد البعد، وخلّط اخرون؛ فلاثوا الكلام بغير بيان، وبقي اخرون معهم عقولهم، وأقعد اخرون؛ فكان عمر بن الخطّاب فيمن كذّب بموته، وعليّ فيمن أقعد، وعثمان فيمن أخرس، فخرج عمر على النّاس؛ وقال: إنّ رسول الله ﷺ لم يمت، وليرجعنّه الله ، وليقطّعنّ أيدي وأرجل رجال من

стр. 340

المنافقين يتمنّون لرسول الله ﷺ الموت، إنّما واعده الله كما واعد موسى؛ وهو اتيكم. وفي رواية أنّه قال: يا أيّها النّاس؛ كفّوا ألسنتكم عن رسول الله ﷺ ؛ فإنّه لم يمت، والله لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول الله ﷺ قد مات.. إلّا علوته بسيفي هذا. وأمّا عليّ: فإنّه أقعد فلم يبرح في البيت. وأمّا عثمان: فجعل لا يكلّم أحدا؛ يؤخذ بيده فيجاء به، ويذهب به. ولم يكن أحد من المسلمين في مثل حال أبي بكر والعبّاس، فإنّ الله أيّدهما بالتّوفيق والسّداد، وإن كان النّاس لم يرعووا إلّا بقول أبي بكر، حتّى جاء العبّاس فقال: والله الّذي لا إله إلّا هو؛ لقد ذاق رسول الله ﷺ الموت، ولقد قال الله له وهو بين أظهركم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر: ٣٠- ٣١] . وبلغ أبا بكر الخبر- وهو في بني الحارث بن الخزرج- فجاء، ودخل على رسول الله ﷺ فنظر إليه، ثمّ أكبّ عليه، فقبّله، ثمّ قال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ ما كان الله ليذيقك الموت مرّتين، فقد- والله- توفّي رسول الله ﷺ . ثمّ خرج إلى النّاس فقال: أيّها النّاس؛ من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد ربّ محمّد فإنّه حيّ لا يموت. قال الله

стр. 341

تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ال عمران: ١٤٤] . فكأنّ النّاس لم يسمعوا هذه الاية إلّا يومئذ. وفي رواية: أنّ أبا بكر رضي الله تعالى عنه لمّا بلغه الخبر.. دخل بيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي على النّبيّ ﷺ وعيناه تهملان، وغصصه ترتفع كقصع الجرّة. و (الجرّة- بالكسر-) : ما تخرجه الإبل من كروشها، فتجترّه. و (قصعها) : إخراجها مستقيمة من غير تقطيع وشدّة مضغ. وهو في ذلك «١» جلد الفعل والمقال، فأكبّ عليه، فكشف عن وجهه، وقبّل جبينه وخدّيه، ومسح وجهه وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمّي ونفسي وأهلي، طبت حيّا وميتا، انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصّفة، وجللت عن البكاء، وخصّصت حتّى صرت مسلاة «٢» ، وعمّمت حتّى صرنا فيك سواء، ولولا أنّ موتك كان اختيارا منك؛ لجدنا لحزنك بالنّفوس، ولولا أنّك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا عليك ماء العيون «٣» . فأمّا ما لا نستطيع نفيه عنّا.. فكمد وادّكار محالفان لا يبرحان، اللهمّ

стр. 342

فأبلغه عنّا، اذكرنا يا محمّد- ﷺ عند ربّك، ولنكن من بالك، فلولا ما خلّفت من السّكينة.. لم يقم أحد لما خلّفت من الوحشة، اللهمّ أبلغ نبيّك عنّا، واحفظه فينا. وعن ابن عمر [رضي الله تعالى عنهما] أنّه لمّا دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه البيت وصلّى وأثنى.. عجّ أهل البيت عجيجا سمعه أهل المصلّى؛ كلّما ذكر شيئا.. ازدادوا، فما سكّن عجيجهم إلّا تسليم رجل على الباب صيّت جلد؛ قال: السّلام عليكم يا أهل البيت كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [ال عمران: ١٨٥] . إنّ في الله خلفا من كلّ أحد، ودركا لكلّ رغبة، ونجدة من كلّ مخافة، فالله فارجوا، وبه فثقوا، فاستمعوا له وأنكروه، وقطعوا البكاء، فلمّا انقطع البكاء.. فقد صوته؛ فاطّلع أحدهم فلم ير أحدا، ثمّ عادوا فبكوا، فناداهم مناد اخر، لا يعرفون صوته: يا أهل البيت؛ اذكروا الله، واحمدوه على كلّ حال.. تكونوا من المخلصين، إنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة، وعوضا من كلّ رغيبة، فالله فأطيعوا، وبأمره فاعملوا. فقال أبو بكر: هذا الخضر واليسع ﵉؛ قد حضرا النّبيّ ﷺ . واستوفى القعقاع بن عمرو [رضي الله تعالى عنه] حكاية خطبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: قام أبو بكر في النّاس خطيبا حيث قضى النّاس

стр. 343

عبراتهم بخطبة جلّها الصّلاة على النّبيّ ﷺ ، فحمد الله، وأثنى عليه على كلّ حال، وقال: أشهد ألاإله إلّا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب واحده، فلله الحمد واحده. وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، وخاتم أنبيائه، وأشهد أنّ الكتاب كما نزل، وأنّ الدّين كما شرع، وأنّ الحديث كما حدّث، وأنّ القول كما قال، وأنّ الله هو الحقّ المبين. اللهمّ؛ فصلّ على محمّد عبدك، ورسولك، ونبيّك، وحبيبك، وأمينك وخيرتك، وصفوتك.. بأفضل ما صلّيت به على أحد من خلقك. اللهمّ؛ واجعل صلاتك، ومعافاتك، ورحمتك، وبركاتك.. على سيّد المرسلين، وخاتم النّبيّين وإمام المتّقين، محمّد قائد الخير، وإمام الخير، ورسول الرّحمة. اللهمّ؛ قرّب زلفته، وعظّم برهانه، وكرّم مقامه، وابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأوّلون والاخرون، وانفعنا بمقامه المحمود يوم القيامة، واخلفه فينا في الدّنيا والآخرة، وبلّغه الدّرجة والوسيلة في الجنّة. اللهمّ؛ صلّ على محمّد، وعلى ال محمّد، وبارك على محمّد، وعلى ال محمّد، كما صلّيت وباركت على إبراهيم؛ إنّك حميد مجيد. يا أيّها النّاس؛ إنّه من كان يعبد محمّدا.. فإنّ محمّدا قد مات، ومن

стр. 344

كان يعبد الله.. فإنّ الله حيّ لم يمت، وإنّ الله قد تقدّم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا؛ فإنّ الله قد اختار لنبيّه ﷺ ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلّف فيكم كتابه وسنّة نبيّه ﷺ ، فمن أخذ بهما.. عرف، ومن فرّق بينهما.. أنكر. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: ١٣٥] . ولا يشغلنّكم الشّيطان بموت نبيّكم، ولا يفتننّكم عن دينكم، وعاجلوا الشّيطان بالخير تعجزوه، ولا تستنظروه فيلحق بكم ويفتنكم. وقال ابن عبّاس: لمّا فرغ أبو بكر من خطبته.. قال: يا عمر؛ أنت الّذي بلغني أنّك تقول: (ما مات نبيّ الله ﷺ ؟!) أما ترى أنّ نبيّ الله ﷺ قال يوم كذا: كذا وكذا، ويوم كذا: كذا وكذا، وقال الله تعالى في كتابه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] . فقال: والله؛ لكأنّي لم أسمع بها في كتاب الله قبل الان لما نزل بنا، أشهد أنّ الكتاب كما نزل، وأنّ الحديث كما حدّث، وأنّ الله حيّ لا يموت، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وصلوات الله على رسوله، وعند الله نحتسب رسوله ﷺ . ثمّ جلس إلى أبي بكر. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لمّا اجتمعوا لغسله.. قالوا: والله ما ندري كيف نغسّل رسول الله ﷺ ؛ أنجرّده عن ثيابه كما نصنع بموتانا، أم نغسّله في ثيابه؟

стр. 345

قالت: فأرسل الله عليهم النّوم حتّى ما بقي منهم رجل إلّا واضع لحيته على صدره نائما، ثمّ قال قائل لا يدرى من هو: غسّلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه؛ فانتبهوا، ففعلوا ذلك، فغسّل رسول الله ﷺ في قميصه؛ حتّى إذا فرغوا من غسله.. كفّن. وقال عليّ كرّم الله وجهه: أردنا خلع قميصه فنودينا: لا تخلعوا عن رسول الله ﷺ ثيابه، فأقررناه، فغسّلناه في قميصه كما نغسّل موتانا مستلقيا، ما نشاء أن يقلب لنا منه عضو لم يبالغ فيه.. إلّا قلب لنا حتّى نفرغ منه، وإنّ معنا لحفيفا في البيت كالرّيح الرّخاء، ويصوّت بنا: ارفقوا برسول الله ﷺ ؛ فإنّكم ستكفون. فهكذا كانت وفاة رسول الله ﷺ ، ولم يترك سبدا ولا لبدا «١» إلّا دفن معه. قال أبو جعفر: فرش لحده بمفرشه وقطيفته، وفرشت ثيابه الّتي كان يلبس يقظان على القطيفة والمفرش، ثمّ وضع عليها في أكفانه. فلم يترك بعد وفاته مالا، ولا بنى في حياته لبنة على لبنة، ولا وضع قصبة على قصبة؛ ففي وفاته عبرة تامّة، وللمسلمين أسوة حسنة) اهـ وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه سمع رسول الله صلّى الله

стр. 346

عليه وسلّم يقول: «من كان له فرطان من أمّتي.. أدخله الله تعالى بهما الجنّة» ، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فمن كان له فرط من أمّتك؟ قال: «ومن كان له فرط يا موفّقة» ، قالت: فمن لم يكن له فرط من أمّتك؟ قال: «فأنا فرط لأمّتي، لن يصابوا بمثلي» . و (الفرط- في الأصل-) : السّابق من القوم المسافرين ليهيّئ لهم الماء والكلأ وما يحتاجونه، والمراد به هنا: الصّغير الّذي يموت قبل أحد أبويه؛ فإنّه يشبهه في تهيئة ما يحتاج إليه يوم القيامة من المصالح. وعن عمرو بن الحارث- أخي جويرية أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنهما- قال: ما ترك رسول الله ﷺ إلّا سلاحه وبغلته وأرضا جعلها صدقة. وروى كثير من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم قول النّبيّ ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركناه صدقة» .

стр. 347

الفصل الثّالث في رؤيته ﷺ في المنام عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: عن النّبيّ ﷺ قال: «من راني في المنام.. فقد راني، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من راني في المنام.. فقد راني، فإنّ الشّيطان لا يتصوّر- أو قال لا يتشبّه- بي» . وعن يزيد الفارسيّ [رحمه الله تعالى]- وكان يكتب المصاحف- قال: رأيت النّبيّ ﷺ في المنام زمن ابن عبّاس، فقلت لابن عبّاس: إنّي رأيت رسول الله ﷺ في النّوم، فقال ابن عبّاس: إنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «إنّ الشّيطان لا يستطيع أن يتشبّه بي، فمن راني في النّوم.. فقد راني» ، هل تستطيع أن تنعت هذا الرّجل الّذي رأيته في النّوم؟ قال: نعم، أنعت لك رجلا بين الرّجلين؛ جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضّحك، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه؛ قد ملأت نحره. فقال ابن عبّاس: لو رأيته في اليقظة.. ما استطعت أن تنعته فوق هذا.

стр. 348

وعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من راني- يعني في النّوم- فقد رأى الحقّ» . وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من راني في المنام.. فقد راني، فإنّ الشّيطان لا يتخيّل بي» . قال: «ورؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزا من النّبوّة» . وقوله [ ﷺ ] : (من راني في المنام فقد راني) قال الباجوريّ: أي: من راني في حال النّوم.. فقد راني حقّا، أو.. فكأنّما راني في اليقظة. فهو على التّشبيه والتّمثيل؛ وليس المراد رؤية جسمه الشّريف وشخصه المنيف، بل مثاله على التّحقيق. وقوله [ ﷺ ] : (فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي) أي: لا يستطيع ذلك؛ لأنّه جعله ﷺ محفوظا من الشّيطان في الخارج، فكذلك في المنام، سواء راه على صفته المعروفة أو غيرها على المنقول المقبول عند ذوي العقول، وإنّما ذلك يختلف باختلاف حال الرّائي، كالمراة الصّقيلة ينطبع فيها ما يقابلها؛ فقد راه «١» جمع بأوصاف مختلفة، ومثله في ذلك جميع الأنبياء والملائكة. كما جزم به البغويّ في «شرح السّنّة» . وكذلك حكم القمرين والنّجوم والسّحاب الّذي ينزل فيه الغيث، فلا يتمثّل الشّيطان بشيء منها.

стр. 349

ونقل ابن علّان: إنّ الشّيطان لا يتمثّل بالله تعالى كما لا يتمثّل بالأنبياء، وهذا هو قول الجمهور. وقال بعضهم: يتمثّل بالله، فإن قيل: كيف لا يتمثّل بالنّبيّ ويتمثّل بالله على هذا القول؟ أجيب: بأنّ النّبيّ بشر، فلو تمثّل به لالتبس الأمر، والباري جلّ وعلا منزّه عن الجسميّة والعرضيّة؛ فلا يلتبس الأمر بتمثّله به؛ كما في «درّة الفنون في رؤية قرّة العيون» «١» . ولا تختصّ رؤية النّبيّ ﷺ بالصّالحين، بل تكون لهم ولغيرهم. وحكي عن بعض العارفين- كالشّيخ الشّاذليّ وسيّدي عليّ وفا-: أنّهم رأوه ﷺ يقظة، ولا مانع من ذلك، فيكشف لهم عنه ﷺ في قبره، فيروه بعين البصيرة، ولا أثر للقرب؛ ولا للبعد في ذلك، فمن كرامات الأولياء: خرق الحجب لهم، فلا مانع عقلا ولا شرعا أنّ الله تعالى يكرم وليّه؛ بأن لا يجعل بينه وبين الذّات الشّريفة ساترا ولا حاجبا) اهـ وقد بسطت الكلام على رؤية النّبيّ ﷺ في كتابي «أفضل الصّلوات على سيّد السّادات» فمن شاء الزّيادة فليرجع إليه.

стр. 350

الخاتمة

стр. 351

الخاتمة تشتمل على سبعين حديثا، أكثرها صحاح وحسان من أدعيته ﷺ . وقد ذكرت في الخطبة أنّها خمسون، وظهرت لي الزّيادة بعد فزدتها، وذكرت أسماء مخرّجيها برمز «الجامع الصّغير» ؛ لأنّ أكثرها موجودة فيه، وفي «كتاب المصابيح» . وقد قسمتها قسمين: الأوّل: استعاذات. والثّاني: دعوات. معتبرا أوّل الحديث: إن كان استعاذة.. جعلته في القسم الأوّل، وإن كان دعاء.. جعلته في القسم الثّاني، وافتتحتها بالدّعوات القرانيّة؛ لأنّها كلام الله تعالى. وتقدّم أنّه ﷺ كان خلقه القران، وهي خارجة عن العدد المذكور. رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧] . رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١] . رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٥٠] .

стр. 352

سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥] . رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] . رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ال عمران: ٨] . رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ [ال عمران: ١٦] . رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [ال عمران: ٥٣] . رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [ال عمران: ١٤٧] . رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ال عمران: ١٩١] . رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ [ال عمران: ١٩٣] . رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ [ال عمران: ١٩٤] . رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] . رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ [الأعراف: ٨٩] .

стр. 353

رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ [الأعراف: ١٢٦] . رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [يونس: ٨٥- ٨٦] . رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ [هود: ٤٧] . فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١] . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [إبراهيم: ٤٠- ٤١] . رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ [نوح: ٢٨] . ورَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [الإسراء: ٢٤] . رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء: ٨٠] . رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً [الكهف: ١٠] . قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه: ٢٥- ٢٦] . رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ١١٤] . أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: ٨٣] . لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] . رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ [الأنبياء: ٨٩] .

стр. 354

رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [الأنبياء: ١١٢] . رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون: ٢٩] . رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: ٩٤] . وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٧- ٩٨] . رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: ١٠٩] . رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: ١١٨] . رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً. إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً [الفرقان: ٦٥- ٦٦] . رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: ٧٤] . رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: ٨٣- ٨٥] . وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٧- ٨٩] . رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ [الشعراء: ١٦٩] . رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٩] . رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص: ١٦] .

стр. 355

رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] . رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ [العنكبوت: ٣٠] . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] . رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: ١٥] . رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠] . رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة: ٤- ٥] . رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم: ٨] . رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [نوح: ٢٨] . ١- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بوجهك الكريم واسمك العظيم؛ من الكفر والفقر» (طب؛ عن عبد الرّحمن ابن أبي بكر [رضي الله تعالى عنهما] ) . ٢- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، والقسوة والغافلة والعيلة، والذّلّة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر، والفسوق والشّقاق، والنّفاق والسّمعة والرّياء، وأعوذ بك من الصّمم والبكم والجنون والجذام، والبرص وسيّء الأسقام» . (ك، هق؛ عن أنس [رضي الله تعالى عنه] ) .
следующие страницы →