Полный текст (1 046 стр.). Показаны 1016–1046 · переход к 1021.
стр. 1016
وأنتم عز من ينمي إليكم ... ومن أبوابكم حاز احترامه
وفي حرم بساحتسكم مقيم ... فلا يبغي العراق ولا شامه
وحبكم تحكم في حشاه ... وحبكم لذا أضحى غرامه
وليس له ملاذ أو نصير ... يجرد دون نصرته حسامه
سواكم آل غالب الموالي ... حماة الجار إن لحقته ضامه
ليوث الحرب إن مدت حراب ... غيوث المحل إن يخلب غمامه
بحقكم وذاك أجل حقّ ... له انتصروا فأنتم من تهامه
كرام مكرمون بخير رسل ... عظيم الجار موفيه ذمامه
وهي طويلة تزيد على ستين بيتا، ومنها:
له حرم به كرم مفاض ... لساكنه فقد حاز الكرامه
به قد صار عندكم نزيلا ... ويرجو نصركم فيما أضامه
جواركم عدت فيه الأعادي ... عليه إذ رأوا منه الإقامة
بحضرتكم فلا يبغي انتقالا ... ولكن قد أطال لها التزامه
وكادوه بما لم يخف عنكم ... ليقصوا عن عراصكم خيامه
فأنجز لي رسول الله نصري ... لتهنأ لي بذا الحرم الإقامه
ويكبت من عداتي شامتوهم ... وتعظم في قلوبهم الندامة
فقد أملت جاهك يا ملاذي ... لذا ولكل هول في القيامة
وحاشا أن تخيب لي رجاء ... وأنت الغوث من عرب برامه
كريم إن أضيم له نزيل ... فنصر الله يقدمه أمامه
ومن عاداته نصري وجبري ... وعادة مثله أبدا مدامه
فرأيت عقب ذلك مناما يؤذن بالنصر العظيم، ثم رأيته في اليقظة، ولله الحمد والمنة.
وقال الفقيه أبو محمد الإشبيلي في مؤلفه في فضل الحج: إنه نزل برجل من أهل غرناطة علة عجز عنها الأطباء وأيسوا من برتها، فكتب عنه الوزير أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال كتابا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسأله فيه الشفاء لدائه والبرء مما نزل به، وضمنه شعرا، وهو:
كتاب وقيذ من زمانة مستشف ... بقبر رسول الله أحمد يستشفي
لقد قدم قد قيّد الدهر خطوها ... فلم يستطع إلا الإشارة بالكف
ولما رأى الزوار يبتدرونه ... وقد عاقه عن ظعنه عائق الضعف
стр. 1017
بكى أسفا واستودع الركب إذ غدا ... تحية صدق تفعم الركب بالعرف
فيا خاتم الرسل الشفيع لربه ... دعاء مهيض خاشع القلب والطرف
عتيقك عبد الله ناداك ضارعا ... وقد أخلص النجوى وأيقن بالعطف
رجاك لضر أعجز الناس كشفه ... ليصدر داعيه بما جاء من كشف
لرجل رمى فيها الزمان فقصرت ... خطاه عن الصف المقدم في الزحف
وإني لأرجو أن تعود سوّية ... بقدرة من يحيي العظام ومن يشفي
فأنت الذي نرجو حيا وميتا ... لصرف خطوب لا تريم إلى صرف
عليك سلام الله عدة خلقه ... وما يقتضيه من مزيد ومن ضعف
قال: فما هو إلا أن وصل الركب إلى المدينة، وقرئ على قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هذا الشعر، وبرأ الرجل في مكانه، فلما قدم الذي استودعه إياه وجده كأنه لم يصبه ضر قط.
الفصل الرابع في آداب الزيارة والمجاورة، وهي كثيرة
منها الآداب المتعلقة بسفرها، وهي كما في سائر الأسفار: من الاستخارة، وتجديد التوبة، والخروج من المظالم، واستحلال المعاملين، والتوصية، وإرضاء من يتوجه إرضاؤه، وإطابة النفقة، والتوسعة في الزاد على نفسه ورفيقه وجماله، وعدم المشاركة فيه، وتوديع الأهل والإخوان والتماس أدعيتهم، وتوديع المنزل بركعتين، ويقرأ بعد السلام آية الكرسي ولإيلاف قريش، ثم يدعو ويسأل الإعانة والتوفيق في سائر أموره، ويقول:
اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكابة المنظر وسوء المنقلب، اللهم اقبض لنا الأرض وهون علينا السفر، فإذا نهض من جلوسه قال: اللهم بك انتشرت، وإليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي، اللهم اكفني ما أهمني، وما أهتم له، وما أنت أعلم به مني، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير حيثما توجهت.
ويستحب أن يتصدق عند الخروج من منزله بشيء وإن قل، وأن يحرص على رفيق موافق، راغب في الخير، كاره للشر، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، إلى غير ذلك من آداب السفر.
ومنها: إخلاص النية، وخلوص الطوية، فإنما الأعمال بالنيات، فينوي التقرب إلى الله تعالى بزيارة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 1018
ويستحب أن ينوي مع ذلك التقرب بالمسافرة إلى مسجده صلى الله تعالى عليه وسلم، وشد الرحل إليه، والصلاة فيه، كما قاله أصحابنا منهم ابن الصلاح والنووي، قال ابن الصلاح: ولا يلزم من هذا خلل في زيارته على ما لا يخفى.
ونقل شيخ الحنفية الكمال بن الهمام من مشايخهم أنه ينوي مع زيارة القبر زيارة المسجد، ثم قال: إن الأولى عنده تجريد النية لزيارة قبره ﷺ ، ثم إن حصل له إذا قدم زيارة المسجد أو يستفتح فضل الله في مرة أخرى ينويهما فيها؛ لأن ذلك زيادة تعظيمه وإجلاله صلى الله تعالى عليه وسلم، وليوافق ظاهر قوله صلى الله تعالى عليه وسلم «لا تحمله حاجة إلا زيارتي» انتهى.
وفيه نظر؛ لأنه ﷺ حث أيضا على قصد مسجده، ففي امتثاله تعظيمه أيضا.
وقوله «لا تحمله حاجة» أي لم يحث الشرع عليها، وقد لا يسمح له الزمان بزيارة المسجد، فليغتنم قصد ذلك مع الزيارة، بل ينوي أيضا الاعتكاف فيه ولو ساعة، وأن يعلّم فيه خيرا أو يتعلمه، وأن يذكر الله فيه ويذكر به.
ويستحب إكثار الصلاة والتسليم على النبي ﷺ ، وختم القرآن إن تيسر، والصدقة على جيرانه ﷺ ، وغير ذلك مما يستحب للزائر فعله؛ فينوي به التقرب أولا ليثاب على القصد، فنية المؤمن خير من عمله، وينوي اجتناب المعاصي والمكروهات حياء من الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومنها: أن يكون دائم الأشواق إلى زيارة الحبيب الشفيع كل عام بالوصول إلى ذلك الجناب الرفيع؛ فالشوق إلى لقائه وطلب الوصول إلى فنائه من أظهر علامات الإيمان.
وأكثر وسائل الفوز يوم الفزع الأكبر بالأمن والأمان، وليزدد شوقا وصبابة وتوقا، وكلما ازداد دنوا ازداد غراما وحنوا.
ومنها: أن يقول إذا خرج من بيته: بسم الله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إليك خرجت وأنت أخرجتني، اللهم سلمني وسلم مني، وردّني سالما في ديني كما أخرجتني، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضلّ، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ، عزّ جارك وجل ثناؤك وتبارك اسمك ولا إله غيرك، وكذا يقول الدعاء المستحب لقاصد المسجد.
ومنها: الإكثار في المسير من الصلاة والتسليم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بل يستغرق أوقات فراغه في ذلك وغيره من القربات.
ومنها: أن يتتبع ما في طريقه من المساجد والآثار المنسوبة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فيحيّيها بالزيارة، ويتبرك بالصلاة فيها، وقد استقصيناها فيما سبق.
стр. 1019
ومنها: إذا دنا من حرم المدينة وشاهد أعلامها ورباها وآكامها فليستحضر وظائف الخضوع والخشوع مستبشرا بالهنا وبلوغ المنى، وإن كان على دابة حرّكها أو بعير أوضعه تباشرا بالمدينة، ولله در القائل:
قرب الديار يزيد شوق الواله ... لا سيما إن لاح نور جماله
أو بشّر الحادي بأن لاح النّقا ... وبدت على بعد رؤوس جباله
فهناك عيل الصّبر من ذي صبوة ... وبدا الذي يخفيه من أحواله
وليجتهد حينئذ في مزيد الصلاة والسلام، وترديد ذلك كلما دنا من الربا والأعلام.
ولا بأس بالترجّل والمشي عند رؤية ذلك المحلّ الشريف والقرب منه، كما يفعله بعضهم؛ لأن وفد عبد القيس لما رأوا النبي ﷺ نزلوا عن الرواحل، ولم ينكر عليهم، وتعظيمه بعد الوفاة كتعظيمه في الحياة.
وقال أبو سليمان داود المالكي في الانتصار: إن ذلك يتأكد فعله لمن أمكنه من الرجال، وإنه يستحب تواضعا لله تعالى وإجلالا لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم.
وحكى عياض في الشفا أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرا وقرب من بيوتها ترجّل باكيا منشدا:
ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبّا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
ومنها: إذا بلغ حرم المدينة الشريفة فليقل بعد الصلاة والتسليم: اللهم هذا حرم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذي حرمته على لسانه، ودعاك أن تجعل فيه من الخير والبركة مثلي ما هو في حرم البيت الحرام، فحرمني على النار، وآمنّي من عذابك يوم تبعث عبادك، وارزقني من بركاته ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك، ووفقني لحسن الأدب وفعل الخيرات وترك المنكرات. ثم تشتغل بالصلاة والتسليم. وإن كان طريقه على ذي الحليفة فلا يجاوز المعرس حتى ينيخ به، وهو مستحب، كما قاله أبو بكر الخفاف في كتاب الأقسام والخصال والنووي وغيرهما.
وقال صاحب الطراز من المالكية: من آداب الزائر الغسل، ولباس أنظف الثياب.
وقال أبو عبد الله السامري الحنبلي في باب الزيارة من المستوعب: وإذا قدم مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم استحبّ له أن يغتسل لدخولها.
وقال في الإحياء: وليغتسل قبل الدخول من بئر الحرة، وليتطيب، وليلبس أحسن ثيابه.
стр. 1020
وقال الكرماني من الحنفية: فإن لم يغتسل خارج المدينة فليغتسل بعد دخولها.
وفي حديث قيس بن عاصم أنه لما قدم مع وفده أسرعوا هم بالدخول، وثبت هو حتى أزال مهنته وآثار سفره ولبس ثيابه، وجاء على تؤدة ووقار، ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فرضي له ذلك وأثنى عليه بقوله «إن فيك لخصلتين يحبهما الله:
الحلم، والأناة» .
وفي حديث المنذر بن ساوي التميمي أنه وفد من البحرين مع أناس، فذهبوا مع سلاحهم فسلموا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ووضع المنذر سلاحه ولبس ثيابا كانت معه ومسح لحيته بدهن، فأتى نبي الله ﷺ الحديث.
ويتجنب ما يفعله بعض الجهلة، من التجرد عن المخيط تشبها بحال الإحرام.
ومنها: إذا شاهد القبة المنيفة، وشارف المدينة الشريفة، فيلزم الخشوع والخضوع مستحضرا عظمتها، وأنها البقعة التي اختارها الله تعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم وحبيبه وصفيه، ويمثل في نفسه مواقع أقدام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند ترداده فيها، وأنه ما من موضع يطؤه إلا وهو موضع قدمه العزيزة، فلا يضع قدمه عليه إلا مع الهيبة والسكينة، متصوّرا خشوعه صلى الله تعالى عليه وسلم وسكينته في المشي وتعظيم الله له حتى قرن ذكره بذكره وأحبط عمل من انتهك شيئا من حرمته، ولو برفع صوته فوق صوته، ويتأسف على فوت رؤيته في الدنيا، وأنه من رؤيته في الآخرة على خطر لسوء صنعه وقبح فعله، ثم يستغفر لذنوبه، ويلتزم سلوك سبيله، ليفوز بالإقبال عند اللقاء ويحظى بتحية المقبول من ذوي البقاء.
ومنها: أن لا يخل بشيء مما أمكنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والغضب عند انتهاك حرمة من حرمه أو تضييع شيء من حقوقه صلى الله تعالى عليه وسلم، فإن من علامات المحبة غيرة المحبّ لمحبوبه، وأقوى الناس ديانة أعظمهم غيرة، وإذا خلا القلب من الغيرة فهو من المحبة أخلى، وإن زعم المحبة فهو كاذب.
ومنها: أن يقول عند دخوله من باب البلد: بسم الله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، حسبي الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا إليك، فإني لم أخرج بطرا ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
стр. 1021
وليحرص على ذلك كلما قصد المسجد؛ ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه مرفوعا أن من قال ذلك في مسيره إلى المسجد وكّل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، ويقبل الله عليه بوجهه. ثم ليقو في قلبه شرف المدينة وأنها حوت أفضل بقاع الأرض بالإجماع، وأن بعض العلماء قال: إن المدينة أفضل أمكنة الدنيا.
أرض مشى جبريل في عرصاتها ... والله شرّف أرضها وسماءها
ومنها: أن يقدم صدقة بين يدي نجواه، ويبدأ بالمسجد الشريف قبل أن يقدم على أمر من الأمور، أو شيء هو إلى مباشرته في ذلك الوقت غير مضطر أو مضرور؛ فإذا شاهد المسجد النبوي والحرم الشريف المحمدي فليستحضر أنه آت مهبط أبي الفتوح جبريل، ومنزل أبي الغنائم ميكائيل، والموضع الذي خصه الله بالوحي والتنزيل، فليزدد خضوعا وخشوعا يليق بهذا المقام، ويقتضيه هذا المحلّ الذي ترتعد دونه الأقدام، ويجتهد في أن يوفى للمقام حقه من التعظيم والقيام.
ومنها: ما قاله القاضي فضل الدين بن النصير الغوري من أن دخول الزائر من باب جبريل أفضل أيضا، أي لما سبق فيه عند ذكر الأبواب، وجرت عادة القادمين من ناحية باب السلام بالدخول منه، فإذا أراد الدخول فليفرغ قلبه، وليصف ضميره، ويقدم رجله اليمنى، ويقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبنوره القديم، من الشيطان الرجيم، بسم الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، رب وفّقني وسددني وأصلحني وأعنّي على ما يرضيك عني، ومنّ عليّ بحسن الأدب في هذه الحضرة الشريفة، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ولا يترك ذلك كلما دخل المسجد أو خرج منه، إلا أنه يقول عند خروجه: وافتح لي أبواب فضلك، بدل قوله «أبواب رحمتك» .
ومنها: إذا صار في المسجد فلينو الاعتكاف مدة لبثه به وإن قلّ على مذهب الشافعي؛ ليحوز ما فيه من الفضل، ثم ليتوجه إلى الروضة المقدسة، وإن دخل من باب جبريل فليقصدها من خلف الحجرة الشريفة مع ملازمة الهيبة والوقار، وملابسة الخشية والانكسار، والخضوع والافتقار، ثم ليقف في مصلّى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إن كان خاليا، وإلا ففيما يلي المنبر من الروضة وإلا ففي غيرهما، فيصلي تحية المسجد ركعتين خفيفتين، قال الكرماني: يقرأ في الأولى بعد الفاتحة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وفي
стр. 1022
الثانية الإخلاص، فإن أقيمت مكتوبة أو خاف فوتها بدأ بها، وحصلت التحية بها، فإذا فرغ حمد الله، وأثنى عليه على ما منحه من هذه النعمة العظيمة، والمنة الجسيمة.
قال الكرماني وصاحب الاختيار من الحنفية: إنه يسجد بعد الركعتين شكرا لله تعالى، ويبتهل إليه في أن يتمم له ما قصد من الزيارة مع القبول، وأن يهب له من مهمات الدارين نهاية السّول.
ونقل الزين المراغي عن بعض مشايخه أن محل تقديم التحية على الزيارة إذا لم يكن مروره قبالة الوجه الشريف، فإن كان ذلك استحبت الزيارة أولا، مع أن بعض المالكية رخّص في تقديم الزيارة على الصلاة، وقال: كل ذلك واسع.
والحجة في استحباب تقديم التحية ما نقله البرهان ابن فرحون عن ابن حبيب أنه قال في كتاب الصلاة: حدثني مطرف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قدمت من سفر، فجئت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسلم عليه وهو بفناء المسجد، فقال: أدخلت المسجد فصليت فيه؟ قلت: لا، قال: فاذهب فادخل المسجد وصل فيه ثم ائت فسلم علي.
وقال اللخمي في التبصرة في باب من جاء مكة ليلا: ويبتدئ في مسجد النبي ﷺ بتحية المسجد قبل أن يأتي القبر ويسلم، هذا قول مالك. وقال ابن حبيب: يقول إذا دخل: بسم الله، والسلام على رسول الله، يريد أن يبتدئ بالسلام من موضعه، ثم يركع، ولو كان دخوله من الباب الذي بناحية القبر ومروره عليه فوقف فسلم ثم عاد إلى موضع يصلي فيه لم يكن ضيقا، انتهى.
قلت: وليس في كلام ابن حبيب مخالفة لما ذكره مالك؛ إذ مراده أن الداخل من باب المسجد يستحب له الصلاة عليه؛ لما روى ابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وليصل، وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم» ولأن ابن حبيب ذكر بعد ذلك صلاة التحية، ثم الوقوف بالقبر، والسلام، والله تعالى أعلم.
ومنها: أن يتوجه بعد ذلك إلى القبر الكريم، مستعينا بالله تعالى في رعاية الأدب في هذا الموقف العظيم، فيقف بخشوع وخضوع تامين تجاه مسمار الفضة الذي بجدار الحجرة المتقدم بيانه في محله لجعله في موضع محاذاة الوجه الشريف، وربما منع باب المقصورة التي حول الحجرة الشريفة الواقف للزيارة خارجها من مشاهدة ذلك المسمار إلا بتأمل يشغل القلب ويذهب الخشوع فليقصد المصرعة الثانية من باب المقصورة القبلي
стр. 1023
الذي على يمين مستقبل القبر الشريف، فإذا استقبلها كان محاذيا له، والزيارة من داخل المقصورة أولى؛ لأنه موقف السلف.
والمنقول أن الزائر يقف على نحو أربعة أذرع من رأس القبر، وقال ابن عبد السلام:
على نحو ثلاثة أذرع، وعلى كل حال فذلك من داخل المقصورة بلا شك. وقال ابن حبيب في الواضحة: واقصد القبر الشريف من وجاه القبلة وادن منه. وقال في الإحياء بعد بيان موقف الزائر بنحو ما قدمناه: فينبغي أن تقف بين يديه كما وصفنا، وتزوره ميتا كما كنت تزوره حيا، ولا تقرب من قبره إلا ما كنت تقرب من شخصه الكريم لو كان حيا، اه.
ولينظر الزائر في حال وقوفه إلى أسفل ما يتقبل من جدار الحجرة الشريفة، ملتزما للحياء والأدب التام في ظاهره وباطنه، قال الكرماني من الحنفية: ويضع يمينه على شماله كما في الصلاة.
وقال في الإحياء: واعلم أنه ﷺ عالم بحضورك وقيامك وزيارتك، وأنه يبلغه سلامك وصلاتك، فمثل صورته الكريمة في خيالك، وأخطر عظيم رتبته في قلبك؛ فقد روى عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أن الله تعالى وكّل بقبره ملكا يبلغه السلام ممن يسلم عليه من أمته، هذا في حق من لم يحضر قبره، فكيف بمن فارق الوطن وقطع البوادي شوقا إليه واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاته مشاهدة غرته الكريمة؟ انتهى.
ثم يسلم الزائر، ولا يرفع صوته ولا يخفيه، بل يقتصد فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك وعلى آلك وأهل بيتك وأزواجك وأصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وجميع عباد الله الصالحين، جزالك الله عنا يا رسول الله أفضل ما جزى به نبيا ورسولا عن أمته، وصلّى عليك كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون أفضل وأكمل ما صلي على أحد من الخلق أجمعين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمّة، وجاهدت في الله حق جهاده، اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون، اللهم صلّ على سيدنا محمد نبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آل سيدنا محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم
стр. 1024
وعلى آل إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
ومن عجز عن حفظ هذا أو ضاق الوقت عنه اقتصر على بعضه كما قاله النووي، قال: وأقله السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وغيره من السلف الاقتصار جدا، وعن مالك «يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» .
ونقل البرهان ابن فرحون عن أبي سعيد الهندي من المالكية قال فيمن وقف بالقبر:
ولا يقف عنده طويلا، ثم ذكر سلام ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ثم قال: وهذه طريقة ابن عمر، وتبعه مالك في ترك تطويل القيام، واختار بعضهم التطويل في السلام، وعليه الأكثرون.
وقال ابن حبيب فيما نقل عياض: ثم تقف بالقبر متواضعا متوافرا، فتصلي عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وتثني بما يحضرك، قال ابن فرحون: وقال ابن حبيب: يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك وسلم يا رسول الله أفضل وأزكى وأعلى وأنمى صلاة صلاها على أحد من أنبيائه وأصفيائه أشهد يا رسول الله أنك قد بلغت ما أرسلت به، ونصحت الأمة، وعبدت ربك حتى أتاك اليقين، وكنت كما نعتك الله في كتابه حيث قال لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] فصلوات الله وملائكته وجميع خلقه في سمواته وأرضه عليك يا رسول الله، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يا أبا بكر ويا عمر، جزاكما الله عن الإسلام وأهله أفضل ما جزى وزيري نبي على وزارته في حياته وعلى حسن خلافته إياه في أمته بعد وفاته؛ فقد كنتما لرسول الله ﷺ وزيري صدق في حياته، وخلفتماه بالعدل والإحسان في أمته بعد وفاته، فجزاكما الله على ذلك مرافقته في جنته وإيانا معكم برحمته، انتهى.
وذكر المطري والمجد تسليما يشتمل على أوصاف كثيرة، وأوصافه صلى الله تعالى عليه وسلم غير منحصرة، وهي شهيرة، والحال يضيق عن الاستقصاء؛ فلذلك اقتصرنا على ما قدمناه.
وقال النووي عقب ما تقدم عنه: ثم إن كان قد أوصاه أحد بالسلام على رسول الله ﷺ فليقل: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان، أو فلان بن فلان يسلم عليك يا رسول الله، ونحوه من العبارات، ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع فيصير تجاه أبي بكر
стр. 1025
رضي الله تعالى عنه فيقول: السلام عليك يا أبا بكر صفيّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وثانيه في الغار، ورفيقه في الأسفار، جزالك الله عن أمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خير الجزاء، ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع فيقول: السلام عليك يا عمر الفاروق، الذي أعز الله به الإسلام، جزاك الله عن أمة محمد ﷺ خير الجزاء.
هذا ما ذكره النووي وغيره من أصحابنا وغيرهم. ولعل ابن حبيب- حيث ذكر التسليم على النبي ﷺ ، وعلى ضجيعيه جملة يرى اصطفاف القبور سواء كما هو إحدى الروايات المتقدمة.
قال النووي وغيره: ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فيتوسل به في حق نفسه، ويستشفع إلى ربه . قال: ومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له، وسبق له ذكر في الفصل الثاني.
قلت: وليجدد التوبة في ذلك الموقف، ويسأل الله تعالى أن يجعلها توبة نصوحا، ويستشفع به صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ربه في قبولها، ويكثر الاستغفار والتضرع بعد تلاوة قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إلى قوله رَحِيماً [النساء: ٦٤] مع ما سبق في حكاية العتبي، ويقول: نحن وفدك يا رسول الله وزوّارك، جئناك لقضاء حقك، والتبرك بزيارتك، والاستشفاع بك إلى ربك تعالى، فإن الخطايا قد أثقلت ظهورنا، وأنت الشافع المشفع الموعود بالشفاعة العظمى والمقام المحمود، وقد جئناك ظالمين لأنفسنا، مستغفرين لذنوبنا، سائلين منك أن تستغفر لنا إلى ربك، فأنت نبينا وشفيعنا فاشفع لنا إلى ربك، واسأله أن يميتنا على سنتك ومحبتك، ويحشرنا في زمرتك، وأن يوردنا حوضك غير خزايا ولا نادمين.
وروى يحيى الحسيني وغيره عن ابن أبي فديك قال: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: ٥٦] صلى الله تعالى على محمد وسلم، وفي رواية: صلى الله عليك يا محمد، يقولها سبعين مرة، ناداه ملك، صلى الله عليك يا فلان، لم تسقط لك اليوم حاجة.
قلت: فينبغي تقديم ذلك على الدعاء والتوسل، قال بعضهم: لكن الأولى أن يقول:
صلى الله وسلم عليك يا رسول الله، وإن كانت الرواية «يا محمد» تأدبا؛ أي لأن من خصائصه صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا ينادى باسمه، بل يقال: يا رسول الله، يا نبي الله، ونحوه، والذي يظهر أن هذا في نداء لا يقترن به الصلاة والسلام.
стр. 1026
قال المجد: وروينا عن الأصمعي قال: وقف أعرابي مقابل قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: اللهم إن هذا حبيبك وأنا عبدك والشيطان عدوك، فإن غفرت لي سرّ حبيبك وفاز عبدك وغضب عدوك، وإن لم تغفر لي غضب حبيبك ورضي عدوك وهلك عبدك، وأنت أكرم من أن تغضب حبيبك وترضي عدوك وتهلك عبدك، اللهم إن العرب الكرام إذا مات فيهم سيد أعتقوا على قبره، وإن هذا سيد العالمين فأعتقني على قبره، قال الصمعي فقلت: يا أخا العرب إن الله قد غفر لك وأعتقك بحسن هذا السؤال.
قال المجد: ويجلس إن طال القيام به، فيكثر من الصلاة والتسليم.
ونقل في شرح المهذب عن كتاب آداب زيارة القبور لأبي موسى الأصفهاني أن الزائر بالخيار، إن شاء زار قائما، وإن شاء قعد كما يزور الرجل أخاه في الحياة، فربما جلس عنده وربما زار قائما ومارا، انتهى.
قال المجد: ويأتي بأتم أنواع الصلاة وأكمل كيفياتها، والاختلاف في ذلك مشهور، قال: والذي اختاره لنفسي: اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وأزواجه، الصلاة المأثورة، أي التي أخبر بها السائل عن كيفية الصلاة عليه: عدد ما خلقت وعدد ما أنت خالق، وزنة ما خلقت وزنة ما أنت خالق، وملء ما خلقت وملء ما أنت خالق، وملء سمواتك وملء أرضك، ومثل ذلك، وأضعاف ذلك، وعدد خلقك، وزنة عرشك، ومنتهى رحمتك، ومداد كلماتك، ومبلغ رضاك، وحتى ترضى، وعدد ما ذكرك به خلقك في جميع ما مضى، وعدد ما هم ذاكروك فيما بقي في كل سنة وشهر وجمعة ويوم وليلة وساعة من الساعات ونسم ونفس ولمحة وطرفة من الأبد إلى الأبد أبد الدنيا والآخرة وأكثر من ذلك، لا ينقطع أوله ولا ينفد آخره، ثم يقول ذلك مرة أو ثلاث مرات، ثم يقول: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كذلك، ثم يتلو بين يدي سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما تيسر من القرآن المجيد، ويقصد الآي والسور الجامعة لصفات الإيمان ولمعاني التوحيد، انتهى.
وقال النووي عقب ما تقدم عنه: ثم يتقدم يعني بعد فراغ الدعاء والتوسل قبالة الوجه الشريف إلى رأس القبر، فيقف بين القبر والأسطوانة التي هناك، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويمجده، ويدعو لنفسه بما أهمه وما أحبه، ولوالديه، ولمن شاء من أقاربه وأشياخه وإخوانه وسائر المسلمين. وفي كتب الحنفية وغيرهم نحو هذا.
وقال العز بن جماعة: وما ذكروه من العود إلى قبالة الوجه الشريف ومن التقدم إلى رأس القبر المقدس للدعاء عقب الزيارة لم ينقل عن فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعين رحمهم الله تعالى.
стр. 1027
قلت: أما الدعاء والتوسل هناك فله أصل عنهم، والذي لم ينقل إنما هو هذا الترتيب المخصوص والظاهر أن المراد بذلك تأخير الدعاء عن السلام على الشيخين والجمع بين موقفي السلف: الأول الذي كان قبل إدخال الحجر، والثاني الذي كان بعده، وهو حسن، بل سبق أوائل سادس فصول الباب الخامس من رواية ابن شبة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حين فرغ من دفن ابنه إبراهيم قال عند رأسه: السلام عليكم، وهو ظاهر في السلام من جهة الرأس.
ومنها: أن يأتي المنبر الشريف، ويقف عنده، ويدعو الله تعالى، ويحمده على ما يسّر له، ويصلي على رسوله ﷺ ، ويسأل الله من الخير أجمع، ويستعيذ به، كما قاله ابن عساكر، زاد الأقشهري عقبه: كما كانت الصحابة تفعل. يشير إلى ما رواه عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ إذا خلا المسجد يأخذون برمانة المنبر الصلعاء التي كان رسول الله ﷺ يمسكها بيده، ثم يستقبلون القبلة ويدعون.
وفي الشفاء لعياض عن أبي قسيط والعتبي رحمهما الله: كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم إذا خلا المسجد حبسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون.
وقال النووي عقب ما تقدم عنه: ثم يأتي الروضة فيكثر فيها من الدعاء والصلاة، ويقف عند القبر ويدعو.
قلت: ويقف أيضا ويدعو عند أسطوان المهاجرين، ويتبرك بالصلاة عندها وكذا أسطوان أبي لبابة، وأسطوان المحرس، وأسطوان الوفود، وأسطوان التهجد بعد أن يسلم على فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها عند المحراب الذي في بيتها داخل المقصورة؛ للقول بدفنها هناك كما سبق.
ومنها: أن يجتنب لمس الجدار، وتقبيله، والطواف به، والصلاة إليه، قال النووي:
لا يجوز أن يطاف بقبره صلى الله تعالى عليه وسلم، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر، قاله الحليمي وغيره، قال: ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته، هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء، انتهى.
وفي الإحياء: مسّ المشاهد وتقبيلها عادة النصارى واليهود، وقال الأقشهري: قال الزعفراني في كتابه: وضع اليد على القبر ومسّه وتقبيله من البدع التي تنكر شرعا.
стр. 1028
وروي أن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه رأى رجلا وضع يده على قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فنهاه، وقال: ما كنا نعرف هذا على عهد رسول الله ﷺ ، وقد أنكره مالك والشافعي وأحمد أشدّ الإنكار.
وقال بعض العلماء: إنه إن قصد بوضع اليد مصافحة الميت يرجى أن لا يكون به حرج، ومتابعة الجمهور أحق، انتهى.
وفي تحفة ابن عساكر: ليس من السنة أن يمس جدار القبر المقدس، ولا أن يقبّله، ولا يطوف به كما يفعله الجهال، بل يكره ذلك، ولا يجوز، والوقوف من بعد أقرب إلى الاحترام، ثم روى من طريق أبي نعيم قال: أنبأنا عبد الله بن جعفر بن فارس حدثنا أبو جعفر محمد بن عاصم حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله بن نافع أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يكره أن يكثر مس قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال البرهان بن فرحون بعد ذكره: وهذا تقييد لما تقدم، وهو عن ابن عمر في القبر نفسه، فالجدر الظاهرة أخف، إذا لم يكثر منه، قال: وهو دال على قرب موقف الزائر، ويفسر معنى الدنو الذي عبر به مالك، انتهى.
وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل- قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يلمس ويتمسح به؟ قال: لا أعرف هذا، قلت: فالمنبر، قال: أما المنبر فنعم، قد جاء فيه شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه مسح المنبر، ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة، أي رمانة المنبر قبل احتراقه.
ويروى عن يحيى بن سعيد شيخ مالك أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا، فرأيته استحسن ذلك، قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر، وقلت له: ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقومون ناحيته، ويسلمون، فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يفعل ذلك، نقله ابن عبد الهادي عن تأليف ابن تيمية.
وقال العز بن جماعة بعد ذكر ما سبق عن النووي: وقال السروجي الحنفي: لا يلصق بطنه بالجدار، ولا يمسه بيده، وقال عياض في الشفاء: ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر: لا يلصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلا، وقال ابن قدامة من الحنابلة في المغني: ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يقبله، قال أحمد: ما أعرف هذا، قال الأثرم: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا
стр. 1029
يمسون قبر النبي ﷺ ، بل يقومون من ناحيته فيسلمون، قال أبو عبد الله: وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يفعل ذلك، انتهى. قال العز: في كتاب العلل والسؤالات لعبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه رواية أبي علي بن الصوف عنه، قال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول الله ﷺ ، ويتبرك بمسه، ويقبله، ويفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب الله تعالى، قال: لا بأس به، قال العز بن جماعة: وهذا يبطل ما نقل عن النووي من الإجماع.
قلت: النووي لم يصرح بنقل الإجماع، لكن قوة كلامه تفهمه.
وقال السبكي في الرد على ابن تيمية في مسألة الزيارة: إن عدم التمسّح بالقبر ليس مما قام الإجماع عليه؛ فقد روى أبو الحسين يحيى بن الحسين بن جعفر بن عبيد الله الحسيني في أخبار المدينة قال: حدثني عمر بن خالد حدثنا أبو نباتة عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: أقبل مروان بن الحكم. فإذا رجل ملتزم القبر، فأخذ مروان برقبته ثم قال: هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فقال: نعم، إني لم آت الحجر، ولم آت اللّبن، إنما جئت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله، قال المطلب: وذلك الرجل أبو أيوب الأنصاري. قال السبكي: وأبو نباتة يونس بن يحية، ومن فوقه ثقات، وعمر بن خالد لم أعرفه، فإن صح هذا الإسناد لم يكره مس جدار القبر، وإنما أردنا بذكره القدح في القطع بكراهة ذلك، انتهى.
قلت: سبق في الفصل قبله أن أحمد رواه بأتم من ذلك عن عبد الملك بن عمرو وهو ثقة عن كثير بن زيد، وقد حكم السبكي بتوثيقه، فإنه الذي فوق أبى نباتة في إسناد يحيى، وقد وثقه جماعة، لكن ضعفه النسائي كما سبق.
وتقدم أيضا أن بلالا رضي الله تعالى عنه لما قدم من الشام لزيارة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أتى القبر، فجعل يبكي عنده، ويمرغ وجهه عليه، وإسناده جيد كما سبق.
وفي تحفة ابن عساكر من طريق طاهر بن يحيى الحسيني قال: حدثني أبي عن جدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لما رمس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها، فوقفت على قبره صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعت على عينيها وبكت، وأنشأت تقول:
стр. 1030
ماذا على من شمّ تربة أحمد ... أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنها ... صبّت على الأيام عدن لياليا
ذكر الخطيب بن حملة أنّ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يضع يده اليمنى على القبر الشريف، وأن بلالا رضي الله تعالى عنه وضع خديه عليه أيضا، ثم قال: ورأيت في كتاب السؤالات لعبد الله بن الإمام أحمد، وذكر ما تقدم عن ابن جماعة نقله عنه، ثم قال: ولا شك أن الاستغراق في المحبة يحمل على الإذن في ذلك، والمقصود من ذلك كله الاحترام والتعظيم، والناس تختلف مراتبهم في ذلك كما كانت تختلف في حياته، فأناس حين يرونه لا يملكون أنفسهم بل يبادرون إليه، وأناس فيهم أنة يتأخرون، والكل محل خير، انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر الأسود جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره، فأما تقبيل يد الآدمي فسبق في الأدب، وأما غيره فنقل عن أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقبره، فلم ير به بأسا، واستبعد بعض أتباعه صحته عنه. ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين.
ونقل الطيب الناشري عن المحب الطبري أنه يجوز تقبيل القبر ومسه؟ قال: وعليه عمل العلماء الصالحين، وأنشد:
لو رأينا لسليمى أثرا ... لسجدنا ألف ألف للأثر
وقال آخر:
أمرّ على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
ونقل بعضهم عن أبي خيثمة قال: حدثنا مصعب بن عبد الله حدثنا إسماعيل بن يعقوب التيمي قال: كان ابن المنكدر يجلس مع أصحابه، قال: وكان يصيبه الصمات، فكان يقوم كما هو يضع خده على قبر النبي ﷺ ثم يرجع، فعوتب في ذلك، فقال: إنه يصيا بني خطرة، فإذا وجدت ذلك استشفيت بقبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان يأتي موضعا من المسجد في الصحن فيتمرغ فيه ويضطجع، فقبل له في ذلك، فقال: إني رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في هذا الموضع، أراه قال «في النوم» انتهى.
ومنها: اجتناب الانحناء للقبر عند التسليم، قال ابن جماعة: قال بعض العلماء: إنه من البدع، ويظن من لا علم له أنه من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل الأرض للقبر، لم
стр. 1031
يفعله السلف الصالح، والخير كله في اتباعه، ومن خطر بباله أن تقبيل الأرض أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال السلف وعملهم، قال: وليس عجبي ممن جهل ذلك فارتكبه، بل عجبي ممن أفتى بتحسينه مع علمه بقبحه ومخالفته لعمل السلف، واستشهد لذلك بالشعر، انتهى.
قلت: وقد شاهدت بعض جهال القضاة فعل ذلك بحضرة الملأ، وزاد عليه وضع الجبهة كهيئة الساجد، فتبعه العوام، ولا قوة إلا بالله.
ومنها: أن لا يمر بقبر النبي ﷺ حتى يقف ويسلم عليه، سواء مر من داخل المسجد أو من خارجه، ويكثر من قصده وزيارته.
روى الأقشهري بسنده لابن أبي الدنيا قال: حدثني الحسين بن عبد العزيز قال:
حدثنا الحارث بن سليمان قال: أنبأنا ابن وهب قال: أنبأنا عبد الرحمن بن زيد أن أبا حازم حدثه أن رجلا أتاه فحدثه أنه رأى النبي ﷺ يقول لأبي حازم: أنت المارّ بي معرضا لا تقف تسلم عليّ؟ فلم يدع ذلك أبو حازم منذ بلغته هذه الرؤيا.
وفي كتاب الجامع من البيان لابن رشد شرح العتبية، ما لفظه: وسئل- يعني مالكا عن المار بقبر النبي ﷺ أترى أن يسلم كلما مر؟ قال: نعم، أرى ذلك، عليه أن يسلم كلما مر به، وقد أكثر الناس من ذلك، فإذا لم يمر به فلا أرى ذلك، وذكر حديث «اللهم لا تجعل قبري وثنا» الحديث.
قال: فقد أكثر الناس من هذا، فإذا لم يمر عليه فهو في سعة من ذلك، قال: وسئل عن الغريب يأتي قبر النبي ﷺ كل يوم، فقال: ما هذا من الأمر، ولكن إذا أراد الخروج، قال ابن رشد: المعنى في ذلك أنه يلزمه أن يسلم عليه كلما مر به متى ما مر، وليس عليه أن يأتي ليسلم عليه إلا للوداع عند الخروج، ويكره أن يكثر المرور به، والسلام عليه، والإتيان كل يوم إليه؛ لئلا يجعل القبر بفعله ذلك كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه، وقد نهى صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك بقوله «اللهم لا تجعل قبري وثنا» الحديث.
وقال عياض في الشفاء: قال مالك في كتاب محمد: ويسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دخل وخرج، يعني في المدينة، وفيما بين ذلك، وقال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء، وقال فيه أيضا: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فيصلي عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي الله
стр. 1032
تعالى عنهما، فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه ويفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
قال الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم.
قال السبكي: والمتلخّص من مذهب مالك أن الزيارة قربة، ولكنه على عادته في سد الذرائع يكره منها الإكثار الذي قد يفضي إلى محذور، والمذاهب الثلاثة يقولون باستحبابها واستحباب الإكثار منها؛ لأن الإكثار من الخير خير.
وقال النووي في زيارة القبور من الأذكار: ويستحب الإكثار من الزيارة، وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل. وسبق في الفصل العشرين من الباب الرابع قول عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في خبر هدم جدار الحجرة: كنت أخرج كل ليلة من آخر الليل حتى آتي المسجد فأبدأ بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأسلم عليه، ثم آتي مصلاي فأجلس به حتى أصلي الصبح.
وروى ابن زبالة عن عبد العزيز ببن محمد قال: رأيت رجلا من أهل المدينة يقال له محمد بن كيسان يأتي إذا صلّى العصر من يوم الجمعة- ونحن جلوس مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن فيقوم عند القبر فيسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ويدعو حتى يمسي، فيقول جلساء ربيعة: انظروا إلى ما يصنع هذا؟ فيقول: دعوه فإنما للمرء ما نوى.
وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال ابن عجلان لبعض الأمراء: إنك تطيل ثيابك، وتطيل الخطبة، وتكثر المجئ إلى قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلو كان فيه العجلان ما أتيته.
ومنها: إكثار الصلاة والتسليم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وإيثار ذلك على سائر الأذكار، ما دام هناك.
ومنها: اغتنام ما أمكن من الصيام ولو يسيرا من الأيام.
ومنها: الحرص على فعل الصلوات الخمس بالمسجد النبوي في الجماعة، والإكثار من النافلة فيه، مع تحري المسجد الذي كان في زمنه صلى الله تعالى عليه وسلم، إلا أن يكون الصفّ الأول خارجه فهو أولى، وإن أمكنه ملازمة المسجد، وأن لا يفارقه إلا
стр. 1033
لضرورة، أو مصلحة راجحة، فليغتنم ذلك، وكلما دخله فليجدد نية الاعتكاف، ولله در القائل:
تمتع إن ظفرت بنيل قرب ... وحصّل ما استطعت من ادخار
قال ابن عساكر: وليحرص على المبيت في المسجد ولو ليلة يحييها بالذكر والدعاء وتلاوة القرآن والتضرّع إلى الله تعالى والحمد والشكر على ما أعطاه، وعلى أن يختم القرآن العزيز في المسجد لأثر فيه، اه.
وقال أبو مخلد: كانوا يحبون لمن أتى المساجد الثلاثة أن يختم فيها القرآن قبل أن يخرج: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد بيت المقدس، وأخرجه سعيد بن منصور.
ومنها: أن لا يستدبر القبر المقدس في صلاة ولا في غيرها من الأحوال، ويلتزم الآداب شريعة وحقيقة في الأقوال والأفعال.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: وإذا أردت صلاة فلا تجعل حجرته صلى الله تعالى عليه وسلم وراء ظهرك، ولا بين يديك، قال: والأدب معه صلى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته مثله في حياته، فما كنت صانعه في حياته فاصنعه بعد وفاته: من احترامه، والإطراق بين يديه، وترك الخصام، وترك الخوض فيما لا ينبغي أن يخوض فيه في مجلسه، فإن أبيت فانصرافك خير من بقائك.
ومنها: أن يجتنب ما يفعله جهلة العوام من التقرب بأكل التمر الصيحاني في المسجد وإلقاء النوى به.
قال النووي وغيره: من جهالات العمة وبدعتهم تقر بهم بأكل التمر الصيحاني في الروضة الكريمة، وقطعهم شعورهم، ورميها في القنديل الكبير، وهذا من المنكرات المستشنعة.
ومنها: إدامة النظر إلى الحجرة الشريفة؛ فإنه عبادة قياسا على الكعبة المعظمة كما قاله المجد، قال: فينبغي لمن كان بالمدينة إدامة ذلك إذا كان في المسجد: وإدامة النظر إلى القبة الشريفة إذا كان خارجا مع المهابة والحضور.
ومنها: ما قاله النووي أنه يستحب الخروج كل يوم إلى البقيع، ويكون ذلك بعد السلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإذا انتهى إلى البقيع قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، هذا محصل ما
стр. 1034
ورد، زاد القاضي حسين: اللهم رب هذه الأجساد البالية والعظام النّخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك وسلاما مني، اللهم برد مضاجعهم عليهم واغفر لهم. ثم يزور قبور السّلف الظاهرة بالبقيع، كقبر إبراهيم ابن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعثمان والعباس والحسن بن علي وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وغيرهم، رضي تعالى عنهم، ويختم بصفية عمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، انتهى.
وقال العلامة فضل الدين بن القاضي نصير الدين الغوري: وإذا أراد زيارة البقيع يخرج من باب البلد، ويأتي قبة العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم، وذكر بعده إتيان بقية القبور، ثم قال: ثم يختم زيارة البقيع بالسلام على صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
فاقتضى سياقه البداءة بسيدنا العباس ومن عنده من الحسن وغيره رضي الله تعالى عنهم، ولعله لكون مشهدهم أول المشاهد التي يلقاها الخارج من البلد، فإنه يكون على يمينه، فمجاوزتهم من غير سلام عليهم جفوة، فإذا سلك تلك الطريق سلم على من يمر به بعدهم، فيكون مروره على صفية رضي الله تعالى عنها في رجوعه فيختم بها.
وقال البرهان بن فرحون: أول المشاهد وأولاها بالتقديم مشهد سيدنا أمير المؤمنين عثمان بن عفان؛ لأنه أفضل الناس بعد أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم، قال:
واختار بعضهم البداءة بقبر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، انتهى.
فتلخّص فيمن يبدأ به ثلاثة آراء، وسبق أن مشهد سيدنا إسماعيل بن جعفر الصادق غربي مشهد العباس، إلا أنه صار داخل سور المدينة، ومشاهد البقيع كلها خارج السور، فليختم الزائر به إذا رجع، ويذهب إلى زيارة مشهد سيدنا مالك بن سنان ومشهد النفس الزكية فإنهما ليسا بالبقيع كما سبق.
ومنها: أنه يستحب أن يأتي قبور الشهداء بأحد، قال النووي وغيره: وأفضلها يوم الخميس.
قلت: ولم يظهر لي وجه تخصيصه، ثم رأيت الغزالي في الإحياء في زيارة القبور قال: كان محمد بن واسع يزور يوم الجمعة، فقيل له: لو أخرت إلى يوم الإثنين، فقال:
بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده، انتهى. فلما كان المطلوب في يوم الجمعة التبكير للجمعة وقبور الشهداء بعيدة، والمطلوب في يوم السبت الذهاب لمسجد قباء كما سيأتي، فاختص الخميس بذلك، ويبدأ بحمزة عم رسول الله
стр. 1035
صلى الله تعالى عليه وسلم، ويبكر بعد صلاة الصبح في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى يعود ويدرك جماعة الظهر فيه، قال الكمال بن الهمام محقق الحنفية: ويزور جبل أحد نفسه؛ ففي الصحيح «أحد جبل يحبنا ونحبه» .
ومنها: أنه يستحب استحبابا متأكدا كما قال النووي- أن يأتي مسجد قباء، وفي يوم السبت أولى، ناويا التقرب بزيارته والصلاة فيه، وإذا قصد إتيانه توضأ وذهب، ولا يؤخر الوضوء حتى يصل إليه.
ومنها: أن يأتي بقية المساجد والآثار المنسوبة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة مما علمت عينه أو جهته، وكذا الآبار التي شرب منها صلى الله تعالى عليه وسلم أو توضأ أو اغتسل، فيتبرك بمائها، صرح جماعة من الشافعية وغيرهم باستحباب ذلك كله، وقد كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يتحرّى الصلاة والنزول والمرور حيث حل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونزل وغير ذلك.
ومأخذ ما نقل عن مالك مما يخالف هذا سدّا للذريعة، تبعا لعمر رضي الله تعالى عنهما، ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن المعرور بن سويد أنه خرج مع عمر رضي الله تعالى عنه في حجة حجها، فلما رجع من حجّته رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلّى فيه رسول الله ﷺ ، فقال: هكذا أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار الأنبياء بيعا، من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصل، ومن لم تعرض له فليمض.
وقال عياض في الشفاء: ومن إعظامه صلى الله تعالى عليه وسلم وإكباره إعظام جميع أشيائه، وإكرام جميع مشاهده وأمكنته ومعاهده، وما لمسه صلى الله تعالى عليه وسلم بيده أو عرف به، انتهى.
قلت: ذلك بزيارة تلك المشاهد والتبرك بها، ولله در القائل:
خليليّ هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما، ثم انزلا حيث حلّت
ومسّا ترابا طال ما مسّ جلدها ... وظلّا وبيتا حيث باتت وظلّت
ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ... ذنوبا إذا صلّيتما حيث صلّت
وذكر خليل المالكي في منسكه استحباب زيارة البقيع، ومسجد قباء، وغير ذلك، ثم قال: وهذا إنما يكون فيمن كثرت إقامته بالمدينة، وإلا فالمقام عنده ﵊ أحسن؛ ليغتنم مشاهداته صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد قال ابن أبي جمرة: لما دخلت مسجد المدينة ما جلست إلا الجلوس في الصلاة، وما زلت واقفا هناك حتى رحل
стр. 1036
الركب، ولم أخرج إلى بقيع ولا غيره، ولم أر غيره صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد كان خطر لي أن أخرج إلى البقيع، فقلت: إلى أين أذهب؟ هذا باب الله تعالى مفتوح للسائلين والمتضرعين، وليس ثمّ من يقصد مثله.
قلت: والحق أن من منح دوام الحضور والشهود وعدم الملل فاستمراره هناك أولى وأعلى، وإلا فتنقّله في تلك البقاع أولى، وبه يستجلب النشاط ودفع الملل، ولذلك نوّع الله لعباده الطاعات، والله أعلم.
ومنها: أن يلاحظ بعقله مدة إقامته بالمدينة جلالتها، وأنها البلدة التي اختارها الله لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم في الحياة وبعد الوفاة، ويستحضر تردّده صلى الله تعالى عليه وسلم فيها، ومشيه في بقاعها، ومحبته لها، وتردد جبرائيل ﵇ فيها بالوحي، فيحبها وسائر منازلها وأوديتها وجبالها، سيما ما أثبت له صلى الله تعالى عليه وسلم المحبة من ذلك.
ومنها: أن لا يركب بها دابة مهما قدر على المشي، بل يؤثره على الركوب، كما رأى ذلك مالك رحمه الله تعالى؛ فإنه كان لا يركب بها دابة، ويقول: أخشى أن يقع حافرها في محل مشي فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وفي رواية عن الشافعي رحمه الله تعالى قال: رأيت على باب مالك كراعا من أفراس خراسان وبغال مصر، ما رأيت أحسن منها، فقلت له: ما أحسنها فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله، فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أستحيي من الله أن أطأ تربة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بحافر دابة.
ومنها: محبة أهل المدينة وسكانها، ومحبة مجاوريها وقطّانها، وتعظيمهم، سيما العلماء والصلحاء والأشراف والفقراء وسدنة الحجرة وخدّامها، قال المجد: وهلم جرا إلى عوامها وخواصها، وكبارها وصغارها، وزراعها وجرافها، وباديتها وحاضرتها، كل منهم على حسب حاله ورتبته وقرابته ودنوه من قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتربته، وتعظيمه لشعار دينه وشريعته، وقيامه بمصالح أمته ومناجح ملته، إلى من لا يبقى له مزية سوى كونه في هذا المحل العظيم، وجارا لهذا النبي الكريم، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخلق بها مزية أن يجلّ صاحبها، قال: وهؤلاء يثبت لهم حق الجوار، وإن عظمت إساءتهم فلا يسلب عنهم اسم الجار، وقد عمّم ﷺ في قوله «مازال يوصيني جبرائيل بالجار» ولم يخصص جارا دون جار، قال: وكل ما احتج به محتج من رمي عوامهم بالابتداع وترك الاتباع فإنه إذا ثبت في شخص مثلا لا يترك إكرامه، فإنه لا يخرج
стр. 1037
إكرامه عن حكم الجار ولو جار، ولا يزول عنه شرف مساكنته في الدار كيف دار، بل يرجى له أن يختم له بالحسنى، ويمنح ببركة هذا القرب الصوريّ قرب المعنى.
فيا ساكني أكناف طيبة كلّكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
ومنها: أن يتصدق عليهم بما أمكنه، فإنه مستحب كما ذكره النووي وابن عساكر وغيرهما، وسبق ما يقتضي مضاعفة الصدقة بالمدينة، قال النووي في شرح المهذب:
ويخص أقاربه ﷺ بمزيد؛ لحديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أذكّركم الله في أهل بيتي» رواه مسلم، وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه موقوفا عليه قال: ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته، رواه البخاري.
ومنها: المجاورة بها فإنها مستحبة لمن قدر مع رعاية الأدب كما تقدم في ثاني فصول الباب الثاني عن النووي.
ومنها: انشراح الصدر ودوام السرور واستمرار الفرح بمجاورة هذا النبي الكريم والحلول بحضرته الشريفة، والإكثار من الدعاء بالتوفيق بشكر هذه النعمة، مع قرنها بحسن الأدب اللائق بتلك الحضرة، والرغبة إلى الله تعالى في جبر التقصير عن القيام بواجب حقها، والاعتراف بالقصور عن حال السلف الماضين، وكثرة التفكر في حالهم ومناقبهم وآدابهم.
ومنها: أن يزمّ نفسه مدة مقامه في ذلك المحل الشريف بزمام الخشية والتعزيز والتعظيم، ويخفض جناحه ويغض من صوته في ذلك الموطن الشريف العظيم، ويلحظ قول الله عز وعلا إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: ٣] وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إلى قوله: وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢] قال ثابت بن قيس: أنا والله كنت أرفع صوتي عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وإني أخشى أن يكون الله ﵎ قد غضب عليّ، قال: فحزن واصفر، قال: ففقده رسول الله ﷺ ، فسأل عنه، فقيل: يا نبي الله إنه يقول: أخشى أن أكون من أهل النار، قال: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجلا من أهل الجنة.
وفي حديث أبي بكر الصديق ﵁: لما نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ قال أبو بكر: آليت أن لا أكلّم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا كأخي السرار.
стр. 1038
وقد تقدم قول مالك رضي الله تعالى عنه في مناظرة المنصور، وأن حرمته صلى الله تعالى عليه وسلم ميتا كحرمته حيا.
ومنها: الحرص على فعل أنواع الخيرات بحسب الإمكان في ذلك المكان، من عيادة مريض، وتشييع جنازة، ومعونة ضعيف، وإغاثة ملهوف، والإحسان إلى المقيمين والواردين، وإكرام الزائرين، ومواسة فقرائهم ولو بلقمة أو تمرة أو سقي الماء إن أمكنه، إلى غير ذلك من أنواع الخير والمعروف.
ومنها: أن لا يضيق على من بها من الفقراء والمحتاجين، بسكنى الأربطة والأخذ من الصدقات، إلا أن يحتاج لذلك فيقتصر على قدر الحاجة، قاله الأقشهري، وهو حسن، قال: ولا ينتحل نحلة صورتها صورة عبادة ومحصولها فائدة دنيوية كإمامة وأذان وتدريس وقراءة ختمة أو خدمة في الحرم، إلا أن يخلص النية في ذلك، أو يكون عاجزا عن قوته، فيأخذ من الصدقات قوته، وما لا بد منه، من غير تعرض لها ولا إشراف نفس.
ومنها: أنه متى اختار الرجوع، وعزم على النهوض إلى وطنه أو غيره، فالمستحب كما قاله النووي وغيره- أن يودع المسجد الشريف بركعتين، ويكون ذلك في المصلى الشريف النبوي، أو ما قرب منه من الروضة الشريفة، ثم يحمد الله تعالى، ويصلى على نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، ويدعو بما أحب، ويقول: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتقوى، ومن العمل ما تحب وترضى. اللهم كن لنا صاحبا في سفرنا، وخليفة على أهلنا. اللهم ذلّل لنا صعوبة سفرنا، وأطو عنا بعده. اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكابة المنظر، وسوء المنقلب في الأهل والمال. اللهم اصحبنا بنصح، واقبلنا بذمة. اللهم اكفنا ما أهمّنا وما لا نهتم له، وارجعنا سالمين مع القبول والمغفرة والرضوان، ولا تجعله آخر العهد بهذا المحل الشريف، ويعيد السلام والدعاء المتقدم في الزيارة، ويقول بعده اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك صلى الله تعالى عليه وسلم وحضرته الشريفة، ويسّر لي للعود إلى الحرمين سبيلا سهلة، وارزقني العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
وقال الكرماني من الحنفية: إذا اختار الرجوع يستحب له أن يأتي القبر الشريف ويقول بعد السلام والدعاء: ودّعناك يا رسول الله غير مودّع ولا سامحين بفرقتك، نسألك أن تسأل الله تعالى أن لا يقطع آثارنا من زيارة حرمك، وأن يعيدنا سالمين غانمين إلى أوطاننا، وأن يبارك لنا فيما وهب لنا، وأن يرزقنا الشكر على ذلك. اللهم لا تجعل هذا
стр. 1039
آخر العهد من زيارة قبر نبيك صلى الله تعالى عليه وسلم. قال: ثم يتوجه إلى الروضة، ويصلي ركعتين عند الخروج، ويسأل الله العود مع السلامة والعافية.
قلت: وهو صريح في تقديم وداع النبي ﷺ على توديع المسجد بالركعتين، ومقتضى كلام النووي وغيره ما قدمناه، وممن صرح بمقتضاه في تقديم الصلاة على توديعه صلى الله تعالى عليه وسلم أبو سليمان داود الشاذلي من المالكية في كتابه النيات والانتصار، والأصل في ذلك كما أشار إليه ابن عساكر حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم «كان لا ينزل منزلا إلا ودّعه بركعتين» .
ومنها: أن ينصرف عقب ذلك تلقاء وجهه، ولا يمشي القهقرى إلى خلفه، ويكون متألما متحزنا على فراق الحضرة النبوية، متأسفا على ما يفوته من تركه ملازمتها، وهناك تظهر من المحبين سوابق العبرات، ويتصعد من بواطنهم لقوة الوجد لواحق الزفرات.
وأنشد أبو الفضل الجوهري في توديعه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم:
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... وشهدت كيف نكرر التوديعا
لعلمت أن من الدموع محدّثا ... وعلمت أن من الحديث دموعا
وقال العز بن جماعة: أنشدني والدي يعني البدر بن جماعة- لنفسه وهو يبكي عند وداعه لسفره من المدينة الشريفة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام:
أحنّ إلى زيارة حيّ ليلى ... وعهدي من زيارتها قريب
وكنت أظن قرب الدار يطفي ... لهيب الشوق فازداد اللهيب
ولله در القائل:
أرسلت أعيني دموعا غزارا ... وحوت أضلعي لهيبا ونارا
وتناآى صبري وهل بعد بعد ... يجد الصب سلوة واصطبارا
يا ديار الأحباب كان اختياري ... أن أراك المساء والأبكارا
ذاك لو يسمح الزمان، ولكن ... ليس لي أن أعارض الأقدارا
ليس نأيي رضى وعن طيب نفس ... إنما كان بالقضاء اضطرارا
واختياري أن لا أفارقك الده ... ر ولكن لا أملك الاختيارا
فعسى الله أن يمن بعود ... فعساه يطفي لهيبا ونارا
ومنها: أن يستصحب منه هدية ليدخل بها السرور على أهله ومعارفه، من غير أن يتكلفها، سيما ثمار المدينة ومياه آبارها النبوية، ولا يستصحب شيئا من تراب حرم المدينة ولا من الأكر المعمولة منه، قال النووي: وكذا الأباريق والكيزان وغير ذلك من التراب والأحجار فإنه لا يجوز.
стр. 1040
قلت: وقد سبق واضحا في الحرم، واستدلوا لاستحباب استصحاب الهدية بحديث ضعيف رواه الدارقطني عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال «إذا سافر أحدكم فليهد لأهله، وليطرفهم ولو كانت حجارة» وذكر الغزالي في الإحياء سببا لذلك، وهو تشوف النفوس إلى ذلك، خصوصا الأولاد ونحوهم.
ومنها: أن يتصدق بشيء مع خروجه من المدينة الشريفة، وينوي حينئذ ملازمة التقوى، والاستعداد للقاء الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم في يوم الميعاد، وليحذر كل الحذر بعد ذلك من مقارفة الذنوب، فإن النّكسة أشد من المرض، وليحافظ على الوفاء بما عاهد الله ﵎ عليه، ولا يكون خوّانا أثيما فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما.
ومنها: أن يكون مع ذلك دائم الأشواق لذلك المزار، ومشاهدة عظيم تلك الآثار، متعلق القلب بالعود إلى تلك الديار، ينمي شوقه بتأمل ما نقل في ذلك من الأخبار والآثار، وما نظم فيه من نفائس الأشعار.
ومن أعذبها وأعجبها قصيدة الإمام الولي العارف بالله أبي محمد البكري، وقد أخبرني بها جماعة من المشايخ الأجلّاء المسندين منهم شيخنا الشيخ الإمام العلامة شيخ المحدثين بالمسجد النبوي ناصر الدين أبو الفرج محمد ابن الإمام العلامة قاضي طيبة زين الدين أبي بكر بن الحسين العثماني المراغي سماعا عليه بالروضة الشريفة النبوية، قال:
أخبرني والدي إذنا إن لم يكن سماعا قال: أخبرني شيخنا الحافظ أبو السيادة عبد الله عفيف الدين بن محمد بن أحمد المطري قراءة عليه، قال: أخبرني الشيخ الإمام العارف أبو محمد عبد الله بن عمر بن موسى البكري سماعا غير مرة، قال:
دار الحبيب أحقّ أن تهواها ... وتحنّ من طرب إلى ذكراها
وعلى الجفون متى هممت بزورة ... يا ابن الكرام عليك أن تغشاها
فلأنت أنت إذا حللت بطيبة ... وظللت ترتع في ظلال رباها
مغنى الجمال مني الخواطر والتي ... سلبت عقول العاشقين حلاها
لا تحسب المسك الذكي كتربها ... هيهات أين المسك من ريّاها
طابت فإن تبغي التطيب يا فتى ... فأدم على الساعات لثم ثراها
وابشر ففي الخبر الصحيح مقررا ... أن الإله بطابة سماها
واختصها بالطيبين لطيبها ... واختارها ودعا إلى سكناها
لا كالمدينة منزل، وكفى لها ... شرفا حلول محمد بفناها
стр. 1041
حظيت بهجرة خير من وطئ الثرى ... وأجلهم قدرا، فكيف ثراها؟
كل البلاد إذا ذكرت كأحرف ... في اسم المدينة لا خلت معناها
حاشى مسمى القدس فهي قريبة ... منها، ومكة إنها إياها
لا غرو إلا أن تم لطيفة ... مهما بدت يجلو الظلام سناها
جزم الجميع بأن خير الأرض ما ... قد حاط ذات المصطفى وحواها
ونعم، لقد صدقوا، بساكنها علت ... كالنفس حين زكت زكى مأواها
وبهذه ظهرت مزية طيبة ... فغدت وكل الفضل في معناها
حتى لقد خصت بروضة جنة ... الله شرفها بها وحباها
ما بين قبر للنبي ومنبر ... حيا الإله رسوله وسقاها
هذي محاسنها فهل من عاشق ... كلف شحيح باخل بنواها
إني لأرهب من توقّع بينها ... فيظل قلبي موجعّا أوّاها
ولقلما أبصرت حال مودّع ... إلا رثت نفسي له وشجاها
فلكم أراكم غافلين جماعة ... في إثر أخرى طالبين هواها
قسما لقد أذكى فؤادي بينكم ... نارا، وفجر مقلتيّ مياها
إن كان مزعجكم طلاب معيشة ... فالخير كل الخير في مثواها
أو خفتم ضرا بها فتأملوا ... بركات بلغتها فما أزكاها
إلا إذا يبغى الكثير لشهوة ... ورفاهة لم يدر ما عقباها
والعيش ما يكفي، وليس هو الذي ... يطغى النفوس ولا خسيس مناها
يا رب أسأل منك فضل قناعة ... بيسيرها وتحببا لحماها
ورضاك عني دائما، ولزومها ... حتى توافى مهجتي أخراها
فأنا الذي أعطيت نفسي سؤلها ... وقبلت دعوتها، فيا بشراها
بجوار أوفى العالمين بذمة ... وأعز من بالقرب منه يباهى
من جاء بالآيات والنور الذي ... داوى القلوب من العمى فشفاها
أولى الأنام بخطة الشرف التي ... تدعى الوسيلة خير من يعطاها
إنسان عين الكون، سر وجوده ... يس إكسير المحامد طه
حسبي، فلست أفي بذكر صفاته ... ولو أن لي عدد الحصا أفواها
كثرت محاسنه فأعجز حصرها ... وغدت وما نلفي لها أشباها
إني اهتديت من الكتاب باية ... فعلمت أن علاه ليس يضاهى
ورأيت فضل العالمين محددا ... وفضائل المختار لا تتناهى
стр. 1042
كيف التقصي والوصول لمدح من ... قال الإله له وحسبك جاها
(إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما) ... فيما يقول (يُبايِعُونَ اللَّهَ)
هذا الفخار فهل سمعت بمثله ... واها لنشأته الكريمة واها
صلوا عليه وسلموا؛ فبذلكم ... تهدى النفوس لرشدها وغناها
صلى عليه الله غير مقيد ... وعليه من بركاته أنماها
وعلى الأكابر آله سرج الهدى ... أحبب بعترته ومن والاها
وكذا السلام عليه، ثم عليهم ... وعلى عصابته التي زكاها
أعني الكرام أولي النهي أصحابه ... فئة التقي ومن اهتدى بهداها
والحمد لله الكريم، وهذه ... نجزت وظني أنه يرضاها
قال البدر بن فرحون أحد أصحاب ناظمها سيدي أبي محمد البكري: إن بعض الصالحين رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المنام، قال البدر: وأشك هل كان هو الشيخ أو غيره، وأنشد هذه القصيدة، فلما بلغ آخرها قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم «رضيناها رضيناها» .
قلت: فلذلك ختمت بها كتابي هذا عسى أن يكون مرضيا عند سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فيلحظه بعين القبول، لأنال منه من الرضوان غاية المأمول، ولله در القائل:
إذا رضيت عنّي كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها
اللهم جد علينا برضوانك، واجعلنا في حرزك وأمانك، وتفضل علينا بجودك وإحسانك، بمجاورة حبيبك المصطفى في الدارين، والفوز من اتباع سنته بما تقربه العين، وثبت قلوبنا على الهدى، وسلمها من الزيغ والرّدى، ونجنا من الفتن والبلوى، وخلصنا من كدورات هذه الحياة الدنيا، ووفقنا للقيام بما أمرتنا قولا وفعلا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وسامحنا بجودك وكرمك إنك أنت الجواد الكريم، وافعل ذلك بوالدينا ومشايخنا وأحبابنا وجميع المسلمين، سيما من اشتغل بهذا الكتاب، ورغب فيه من الطلاب، جعله الله خالصا لوجهه الكريم، موصّلا للفوز بجنات النعيم، وحفظه من الحاسدين، بالكرام الكاتبين، وحماه من السراق، كما من بسلامته من الاحتراق.
وقد سلكت فيه إيضاح العبارات، مع سلامتها من الركّة والغرابات، ليسهل تناوله، وتورد على العموم مناهله، وحذفت الأسانيد من أحاديثه اكتفاء بتخريجها، والكلام على ما يحتاج إلى الكلام عليه منها.
стр. 1043
وكأني بمن لا يميل طبعه المنحرف إلى الفقيهات، قد عاب علينا بما أوردناه فيه، من أحكام الحرم وغيره، وكذا ما ذكرناه من منازل المهاجرين والأنصار والدور المباركات، وأسماء البقاع والجهات البعيدات، وإن كانت من التوابع والمضافات، وما درى موقع ذلك عند ذوي العنايات، والهمم العاليات، ومن جهل شيئا عاداه، والحمد لله على ما أولاه.
قال مؤلفه رحمه الله تعالى: فرغت من تأليفه في اليوم المبارك الرابع والعشرين من جمادى الآخرة عام ست وثمانين وثمانمائة بالمدينة الشريفة، ثم بلغني بعد الرحلة إلى مكة المشرفة في شهر رمضان منها ما أصيب به المسلمون من حريق المسجد فألحقته في محله، وسأتبعه بما يتعلق به من العمارة المتوقعة إن شاء الله تعالى.
قال مؤلفه: وكان الفراغ من تبييضه على يد مؤلفه بالمسجد الحرام المكي تجاه الكعبة المعظمة في سلخ شوال المبارك، عام ست وثمانين وثمانمائة، ثم ألحقت فيه ما سبق ذكره من العمارة المتجددة، وما ترتب عليها في محالها بعد رجوعي إلى المدينة الشريفة سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، والحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الأكرمين، رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد تم بحمد ذي القدرة والجبروت، الذي بيده ملكوت السموات والأرض- تحقيق هذا الكتاب المبارك إن شاء الله في شهر رمضان المعظم من سنة ١٣٧٤ هـ، والله سبحانه ولي التوفيق والسداد، وكان من عجائب المصادفات أن شرعت حكومة المملكة العربية السعودية بأمر كريم صدر من جلالة الملك المعظم سعود بن عبد العزيز آل سعود، في ترميم بعض مواطن من حرم النبي ﷺ وعظم وبارك وكرم وتوسعته، فأحببنا أن نضيف تفصيل ذلك إلى هذا الكتاب كما أضاف المؤلف تفاصيل العمارة التي حدثت في زمانه، وجعلنا إضافتنا في أخريات الكتاب؛ لأننا لا نرى من حقنا أن نضيف في أثناء الكتاب ما ليس من عمل صاحبه، والله يتقبل منا ويجزينا بما هو أهله من الكرم والجود والإحسان، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
стр. 1044
فهرس الجزء الرابع
الفصل الثامن ٣
حرف الألف ٣
حرف الباء ١٦
حرف التاء ٣٤
حرف الثاء ٣٩
حرف الجيم ٤٤
حرف الحاء ٥١
حرف الخاء ٦٣
حرف الدال ٧٣
حرف الذال ٧٥
حرف الراء ٧٦
حرف الزاي ٨٥
حرف السين ٨٧
حرف الشين ٩٥
حرف الصاد ١٠١
حرف الضاد ١٠٦
حرف الطاء ١٠٧
حرف الظاء ١٠٨
حرف العين ١٠٩
حرف الغين ١٢٠
حرف الفاء ١٢٣
стр. 1045
حرف القاف ١٢٧
حرف الكاف ١٣٤
حرف اللام ١٣٦
حرف الميم ١٣٧
حرف النون ١٥١
حرف الهاء ١٥٧
حرف الواو ١٥٨
حرف الياء ١٦٢
الباب الثامن: في زيارة النبي ﷺ وفيه أربعة فصول ١٦٦
الفصل الأول: في الأحاديث الواردة في الزيارة نصا ١٦٦
الحديث الأول ١٦٦
الحديث الثاني ١٦٨
الحديث الثالث ١٦٨
الحديث الرابع ١٦٩
الحديث الخامس ١٧٠
الحديث السادس ١٧٠
الحديث السابع ١٧٠
الحديث الثامن ١٧١
الحديث التاسع ١٧١
الحديث العاشر ١٧١
الحديث الحادي عشر ١٧٢
الحديث الثاني عشر ١٧٢
الحديث الثالث عشر ١٧٢
الحديث الرابع عشر ١٧٣
الحديث الخامس عشر ١٧٣
стр. 1046
الحديث السادس عشر ١٧٤
الحديث السابع عشر ١٧٤
الفصل الثاني: في بقية أدلة الزيارة، وإن لم تتضمن لفظ الزيارة نصا ١٧٥
الفصل الثالث: في توسل الزائر ١٩١
الفصل الرابع: في آداب الزيارة والمجاورة، وهي كثيرة ٢٠٣