Полный текст (1 046 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
أحمد: صالح، وقال أبو حاتم: رأيت أحمد بن حنبل يحسن الثناء عليه، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، يكتب حديثه، وقال: إنه في نافع صالح، وقال ابن عدي: لا بأس به، صدوق. وقال ابن حبان ما حاصله: إن الكلام عليه لكثرة غلطه لغلبة الصلاح عليه، حتى غلب عن ضبط الأخبار.
قال السبكي: وهذا الحديث ليس في مظنة الالتباس عليه، لا سندا ولا متنا؛ لأنه في نافع، وهو خصيص به، ومتنه في غاية القصر والوضوح، والرواة إلى موسى بن هلال ثقات، وموسى قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقد روى عنه ستة منهم الإمام أحمد، ولم يكن يروي إلا عن ثقة، فلا يضره قول أبي حاتم الرازي: إنه مجهول، وقول العقيلي: لا يتابع عليه، وقول البيهقي: سواء قال عبيد الله أم عبد الله فهو منكر عن نافع، لم يأت به غيره، فهذا وشبهه يدلك على أنه لا علة لهذا الحديث إلا تفرد موسى به، وأنهم لم يحتملوه له لخفاء حاله، وإلا فكم من ثقة ينفرد بأشياء وتقبل منه.
قلت: ولهذا قال بعض الحفاظ ممن هو في طبقة ابن منده: هذا الخبر رواه عن موسى بن هلال محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، ومحمد بن جابر المحاربي، ويوسف بن موسى القطان، وهرون بن سفيان، والفضل بن سهل، والعباس بن الفضل، وعبيد بن محمد الوراق، وبعض هؤلاء قال في حديثه: عن عبيد الله بن عمر، ذكرناه بأسانيده في الكتاب الكبير، ولا نعلم رواه عن نافع إلا العمري، ولا عنه إلا موسى بن هلال العبدي، تفرد به، انتهى.
قال السبكي عقب ما تقدم: وأما بعد قول ابن عدي في موسى ما قال ووجود متابع فإنه يتعين قبوله، ولذلك ذكره عبد الحق في الأحكام الوسطى والصغرى، وسكت عليه مع قوله في الصغرى «إنه تخيرها صحيحة الإسناد، معروفة عند النقاد» وقد نقلها الأثبات، وتداولها الثقات، وذكر نحوه في الوسطى المعروفة اليوم بالكبرى، وسبقه ابن السكن إلى تصحيح الحديث الثالث كما سيأتي، وهو متضمن لمعنى هذا، وأقل درجات هذا الحديث الحسن إن نوزع في صحته لما سيأتي من شواهده، وتضافر الأحاديث يزيدها قوة، حتى إن الحسن قد يترقى بذلك إلى درجة الصحيح.
وقال الذهبي: طرق هذا الحديث كلها لينة يقوى بعضها بعضا؛ لأنه ما في رواتها متهم بالكذب، قال: ومن أجودها إسنادا حديث حاطب «من رآني بعد موتي فكأنما رآني في حياتي» أخرجه ابن عساكر وغيره، انتهى.
ومعنى قوله «وجبت» أنها ثابتة لا بد منها بالوعد الصادق.
стр. 982
وقوله «له» إما أن يراد بخصوصه فيخص الزائر بشفاعة لا تحصل لغيره، وإما أن يراد أنه تفرد بشفاعة مما يحصل لغيره، والإفراد للتشريف والتنويه بسبب الزيارة، وإما أن يراد أنه بعدم تركه الزيارة يجب دخوله فيمن تناله الشفاعة؛ فهو بشرى بموته مسلما، فيجري على عمومه، ولا يضم فيه شرط الوفاة على الإسلام، بخلافه على الأولين.
وقوله «شفاعتي» في هذه الإضافة تشريف، فإن الملائكة والأنبياء والمؤمنين يشفعون، والزائر له نسبة خاصة فيشفع هو فيه بنفسه، والشفاعة تعظم بعظم الشافع.
الحديث الثاني
روى البزار من طريق عبد الله بن إبراهيم الغفاري: حدثنا عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال «من زار قبري حلّت له شفاعتي» .
قال البزار: عبد الله بن إبراهيم حدث بأحاديث لم يتابع عليها، وإنما يكتب من حديثه ما لا يحفظ إلا عنه، وقال أبو داود: إنه منكر الحديث.
قال السبكي: وهذا الحديث هو الأول، ولذلك عزاه عبد الحق للدار قطني والبزار، إلا أن في الأول «وجبت» وفي هذا «حلت» فلذلك أفردته، والقصد تقوية الأول به، فلا يضره ما قيل في الغفاري، وكذا ما قيل في عبد الرحمن بن زيد، إذ ليس راجعا إلى تهمة كذب ولا فسق، ومثله يحتمل في المتابعات والشواهد، وقد روى الترمذي وابن ماجه لعبد الرحمن بن زيد، وقال ابن عدي: إن له أحاديث حسانا، وإنه ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم، وإنه ممن يكتب حديثه، وصحح الحاكم حديثا من جهته في التوسل بالنبي ﷺ .
الحديث الثالث
روى الطبراني في الكبير والأوسط، والدارقطني في أماليه، وأبو بكر بن المقرئ في معجمه، من رواية مسلمة بن سالم الجهني قال: حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «من جاءني زائرا لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقّا عليّ أن أكون له شفيعا يوم القيامة» وفي معجم ابن المقرئ عن مسلمة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «من جاءني زائرا كان له حقا على الله أن أكون له شفيعا يوم القيامة» فقد تابع مسلمة الجهني موسى بن هلال في شيخه عبيد الله العمري، والطرق كلها في روايته متفقة على عبيد الله المصغر الثقة، إلا أن مسلمة بن حاتم
стр. 983
الأنصاري رواه عن مسلمة عن عبد الله مكبرا، وأورد الحافظ ابن السكن هذا الحديث في باب «ثواب من زار قبر النبي ﷺ » من كتابه المسمى بالسنن الصحاح المأثورة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو إمام حافظ ثقة مات بمصر سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وكتابه هذا محذوف الأسانيد، ومقتضى ما شرطه في خطبته أن يكون هذا الحديث مما أجمع على صحته.
قلت: ولهذا نقل عنه جماعة منهم الحافظ زين الدين العراقي أنه صححه، فإما أن يكون ثبت عنده من غير طريق مسلمة أو أنه ارتقى إلى ذلك بكثرة الطرق، وتبويبه دال على أنه فهم من هذا الحديث الزيارة بعد الموت، أو أن ما بعد الموت داخل في العموم، قال السبكي: وهو صحيح.
الحديث الرابع
روى الدارقطني، والطبراني في الكبير والأوسط، وغيرهما من طريق حفص بن داود القارئ عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي» .
ورواه ابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» من طريق الحسن بن الطيب: حدثنا علي بن حجر حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وصحبه» قال أبو اليمن بن عساكر: تفرد بقوله «وصحبتي» الحسن بن الطيب عن علي بن حجر، وفيه نظر، وهي زيادة منكرة، قال السبكي: ولم ينفرد بها ابن الطيب؛ فقد رواه كذلك ابن عدي في كامله من طريق الحسن بن سفيان عن علي بن حجر بالسند المتقدم، ورواه أبو يعلى من طريق حفص بن سليمان عن كثير بن شنطير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر بدون قوله «وصحبني» .
قلت: والتشبيه بمن صحبني لا يقتضي التشبيه به من كل وجه حتى يناقضه قوله «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا الحديث» كما زعمه بعضهم.
وروى بعض الحفاظ المعاصرين لابن منده هذا الحديث من طريق حفص بن سليمان عن ليث بلفظ «من حج فزارني في حياتي» قال السبكي: وحفص بن أبي داود وثّقه أحمد، ثم روى ذلك عنه من طريقين، قال: وذلك مقدم على من روى عنه تضعيفه، وضعفه جماعة، وهم حفص بن سليمان القارئ الغاضري على ما قاله البخاري وابن أبي حاتم وابن عدي وابن حبان وغيرهم، وهو لم ينفرد بهذا الحديث، ودعوى البيهقي انفراده به
стр. 984
بحسب اطلاعه؛ فقد جاء في الكبير والأوسط للطبراني متابعته؛ فإنه رواه من طريق عائشة بنت يونس امرأة الليث عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» قال الهيتمي: فيه عائشة بنت يونس، ولم أجد من ترجمها.
الحديث الخامس
روى ابن عدي في الكامل من طريق محمد بن محمد بن النعمان حدثني جدي قال:
حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني» قاله ابن عدي: ولا أعلم رواه عن مالك غير النعمان بن شبل، ولم أر في أحاديثه حديثا غريبا قد جاوز الحد فأذكره، وروى في صدر ترجمته عن عمران بن موسى أنه وثقه وعن موسى بن هارون أنه متهم، قال السبكي: هذه التهمة غير مفسدة، فالحكم بالتوثيق مقدم عليها، والحديث ذكره الدارقطني في غرائب مالك بالسند المتقدم وقال: تفرد به هذا الشيخ وهو منكر، والظاهر أن ذلك بحسب تفرده، وعدم احتماله له بالنسبة إلى الإسناد المذكور، ولا يلزم أن يكون المتن في نفسه منكرا ولا موضوعا، وذكر ابن الجوزي له في الموضوعات سرف منه.
الحديث السادس
روى الدارقطني في السنن في الكلام على حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «من استطاع أن يموت في المدينة فليفعل» من طريق موسى بن هارون عن محمد بن الحسن الجيلي عن عبد الرحمن بن المبارك عن عون بن موسى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ «من زارني إلى المدينة كنت له شهيدا وشفيعا» قيل للجيلي: إنما هو سفيان بن موسى، قال: اجعلوه علي بن موسى. قال موسى بن هارون: ورواه إبراهيم بن الحجاج عن وهيب عن أيوب عن نافع مرسلا عن النبي ﷺ ، فلا أدري أسمعه إبراهيم بن الحجاج أولا؟
قلت: والصواب أنه من رواية سفيان بن موسى، وقد ذكره ابن حبان في الثقات.
قيل: وأخطأ راويه في متنه، والمعروف من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة- الحديث» وفيه نظر.
الحديث السابع
روى أبو داود الطيالسي قال: حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي قال: حدثني رجل من آل عمر، عن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من
стр. 985
زار قبري أو قال من زارني- كنت له شفيعا، أو شهيدا، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة» .
قال السبكي: سوّار بن ميمون روى عنه شعبة، فدل على ثقته عنده، فلم يبق من ينظر فيه إلا الرجل الذي من آل عمر، والأمر فيه قريب، لا سيما في هذه الطبقة التي هي طبقة التابعين.
الحديث الثامن
روى أبو جعفر العقيلي من رواية سوّار بن ميمون المتقدم عن رجل من آل الخطاب عن النبي ﷺ قال «من زارني متعمدا كان في جواري يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة» وفي رواية أخرى عن هارون بن قزعة عن رجل من آل الخطاب مرفوعا نحوه، وزاد عقب قوله في جواري يوم القيامة «ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شهيدا، أو شفيعا، يوم القيامة» وقال في آخره «من الآمنين يوم القيامة» بدل «في الآمنين» . وهارون بن قزعة ذكره ابن حبان في الثقات، والعقيلي لم يذكر فيه أكثر من قول البخاري: إنه لا يتابع عليه، فلم يبق فيه إلا الرجل المبهم وإرساله.
وقوله فيه «من آل الخطاب» يوافق قوله في رواية الطيالسي «من آل عمر» وقد أسنده الطيالسي عن عمر رضي الله تعالى عنه، لكن البخاري لما ذكره في التاريخ قال: هارون بن قزعة عن رجل من ولد حاطب عن النبي ﷺ «من مات في أحد الحرمين» روى عنه ميمون بن سوار لا يتابع عليه، وقال ابن حبان: إن هارون بن قزعة روى عن رجل من ولد حاطب المراسيل، وعلى كلا التقديرين فهو مرسل جيد، وسيأتي عن هارون بن قزعة أيضا مسندا بلفظ خر في الحديث التاسع ، قاله السبكي.
الحديث التاسع
روى الدارقطني وغيره من طريق هارون بن قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة» وفي رواية أحمد بن مروان صاحب المجالسة عن هارون بن أبي قزعة مولى حاطب عن حاطب، والرواية «عن رجل عن حاطب» كما سبق أولى الصواب.
الحديث العاشر
روى أبو الفتح الأزدي في الثاني من فوائده من طريق عمار بن محمد: حدثني خالي سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله
стр. 986
صلى الله عليه وسلم «من حج حجة الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلى في بيت المقدس، لم يسأله الله فيما افترض عليه» .
قال السبكي: وعمار هو ابن أخت سفيان، روى له مسلم والحسن بن عثمان الزيادي، ووثقه الخطيب، والراوي عنه ما علمت من حاله شيئا. وصاحب الخبر أبو الفتح من أهل العلم والفضل، وكان حافظا، ذكره الخطيب وابن السمعاني. وأثنى عليه محمد بن جعفر بن علان، وقال أبو النجيب الأرموي: رأيت أهل الموصل يوهّنونه جدا، وسئل البرقاني عنه، فأشار إلى أنه كان ضعيفا، وذكر غيره كلاما أشد من هذا الحديث.
الحديث الحادي عشر
روى أبو الفتوح سعيد بن محمد اليعقوبي في جزئه رواية إسماعيل المشهور بابن الأنباطي عنه قال فيه من طريق خالد بن يزيد: حدثنا عبد الله بن عمر العمري قال:
سمعت سعيدا المقبري يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله ﷺ «من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حيّ، ومن زارني كنت له شهيدا، أو شفيعا، يوم القيامة» .
وخالد بن يزيد إن كان العمري فقد قال ابن حبان: إنه منكر الحديث.
الحديث الثاني عشر
روى ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن أبي فديك عن سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال «من زارني بالمدينة كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة» وفي رواية «كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» ورواه البيهقي بهذا الطريق، ولفظه «من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة، ومن زارني محتسبا إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة» .
وإسماعيل مجمع عليه، وسليمان ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: إنه منكر الحديث ليس بقوى.
قلت: وزعم ابن عبد الهادي أن روايته عن أنس منقطعة، وأنه لم يدركه، فإنه إنما يروى عن التابعين وأتباعهم.
الحديث الثالث عشر
روى ابن النجار في أخبار المدينة له، قال: أنبأنا أبو محمد بن علي أخبرنا أبو يعلى الأزدي أخبرنا أخبرنا أبو إسحاق البجلي أخبرنا أبو سعيد بن أبي سعيد النيسابوري أخبرنا إبراهيم بن محمد المؤدب حدثنا محمد بن محمد حدثنا محمد بن مقاتل حدثنا جعفر بن
стр. 987
هارون حدثنا سمعان بن المهدي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من زارني ميتا فكأنما زارني حيا، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر» .
قلت: لم يتكلم عليه السبكي، وقال الذهبي: سمعان بن مهدي عن أنس لا يعرف، ألصقت به نسخة مكذوبة، رأيتها، قبح الله من وضعها، انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وهي من رواية محمد بن مقاتل عن جعفر بن هارون الواسطي عن سمعان، وهي أكثر من ثلاثمائة حديث، أكثر متونها موضوعة، انتهى.
الحديث الرابع عشر
روى أبو جعفر العقيلي في الضعفاء في ترجمة فضالة بن سعيد بن زميل المازني من طريقه عن محمد بن يحيى المازني عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيدا، أو قال شفيعا» وذكره ابن عساكر من جهته بإسناده إلا أنه قال «من رآني في المنام كان كمن رآني في حياتي» والباقي سواء.
وفضالة قال العقيلي: حديثه غير محفوظ، لا يعرف إلا به، قال السبكي: كذا رأيته في كتاب العقيلي. ونقل ابن عساكر عنه أنه قال: لا يتابع على حديثه من جهة تثبت، ولا يعرف إلا به. ومحمد بن يحيى المازني قال ابن عدي: أحاديثه مظلمة منكرة، ولم يذكر ابن عدي هذا الحديث في أحاديثه، ولم يذكر فيه ولا العقيلي في فضالة شيئا من الجرح سوى التفرد والنكارة.
الحديث الخامس عشر
روى بعض الحفاظ في زمن ابن منده قال: حدثنا أبو الحسن حامد بن حماد بن المبارك بسرّ من رأى بنصيبين حدثنا أبو أيوب إسحاق بن يسار بن محمد النصيبي حدثنا أسيد بن زيد حدثنا عيسى بن بشير عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان» وهو في مسند الفردوس، ولم يذكره السبكي.
وأسيد بن زيد هو الجمال، قال الحافظ ابن حجر: هو ضعيف، أفرط ابن معين فكذبه، وله في البخاري حديث واحد معروف بغيره، انتهى، فهو ممن يستشهد به.
وعيسى بن بشير: مجهول، ومن بعده ثقة.
стр. 988
الحديث السادس عشر
روى يحيى بن الحسن بن جعفر الحسيني في أخبار المدينة له من طريق النعمان بن شبل قال: حدثنا محمد بن الفضل مديني سنة ست وسبعين عن جابر عن محمد بن علي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ «من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن لم يزرني فقد جفاني» ولم يتكلم السبكي عليه.
والنعمان بن شبل: تقدم الكلام عليه في الحديث الخامس، وعن محمد بن الفضل قال: إنه مديني، فهو غير محمد بن الفضل بن عطية الذي كذبوه، خلاف قول ابن عبد الهادي إنه هو؛ لأن ذاك كوفي، ويقال: مروزي نزل بخارى. وجابر إن كان الجعفي كما قال ابن عبد الهادي فهو ضعيف، فيه كلام كثير وثقة شعبة والثوري. ومحمد بن علي إن كان أبا جعفر الباقر فالسند منقطع؛ لأنه لم يدرك جده علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وإن كان ابن الحنفية فقد أدرك أباه عليا، وقد قال أبو سعيد عبد الملك بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الجركوسي في شرف المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم: روى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن لم يزر قبري فقد جفاني» . وعبد الملك هذا توفي سنة ست وأربعمائة بنيسابور، وقبره فيها مشهور يزار، قاله السبكي، قال: وقد روى حديث علي من طريق أخرى ليس فيها تصريح بالرفع، ذكرها ابن عساكر من طريق عبد الملك بن هرون بن عنترة عن أبيه عن جده عن علي رضي الله تعالى عنه قال: من سأل لرسول الله ﷺ الدرجة والوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة، ومن زار قبر رسول الله ﷺ كان في جوار رسول الله ﷺ ، وعبد الملك بن هارون بن عنترة فيه كلام كثير، رماه يحيى بن معين وابن حبان، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد:
ضعيف الحديث، اه.
قلت: وقد رأيت في نسخة من كتاب يحيى رواية ابنه طاهر بن يحيى عنه عقب حديث عليّ المتقدم ما لفظه: حدثنا أبو يحيى محمد بن الفصل بن نباتة النميري قال:
حدثنا الجمالي قال: حدثنا الثوري عن عبد الله بن السائب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ ، مثله، اه. ولم أر ذلك في النسخة التي هي رواية ابن ابنه الحسين بن محمد بن يحيى عن جده يحيى.
الحديث السابع عشر
روى يحيى أيضا قال: حدثنا محمد بن يعقوب حدثنا عبد الله بن وهب عن رجل عن
стр. 989
بكر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال «من أتى المدينة زائرا لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعث آمنا» ولم يتكلم عليه السبكي.
ومحمد بن يعقوب هو أبو عمر الزبيري المدني، صدوق. وعبد الله بن وهب ثقة، ففيه الرجل المبهم. وبكر بن عبد الله إن كان المزني فهو تابعي جليل؛ فيكون مرسلا، وإن كان هو بكر بن عبد الله بن الربيع الأنصاري فهو صحابي.
الفصل الثاني في بقية أدلة الزيارة، وإن لم تتضمّن لفظ الزيارة نصّا
وبيان تأكد مشروعيتها وقربها من درجة الوجوب، حتى أطلقه بعضهم عليها، وبيان حياة النبي ﷺ في قبره، ومشروعية شدّ الرحال إليه، وصحة نذر زيارته ﷺ ، والاستئجار للسلام عليه.
روى أبو داود بسند صحيح كما قال السبكي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أرد ﵇» وقد صدّر به البيهقي باب زيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، واعتمد عليه جماعة من الأئمة فيها منهم الإمام أحمد، قال السبكي: وهو اعتماد صحيح؛ لتضمنه فضيلة رد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهي عظيمة.
وذكر ابن قدامة الحديث من رواية أحمد بلفظ «ما من أحد يسلّم عليّ عند قبري» فإن ثبت فهو صريح في تخصيص هذه الفضيلة بالمسلم عند القبر، وإلا فالمسلّم عند القبر امتاز بالمواجهة بالخطاب ابتداء وجوابا، ففيه فضيلة زائدة على الرد على الغائب، مع أن السلام عليه صلى الله تعالى عليه وسلم على نوعين: الأول ما يقصد الدعاء منا بالتسليم عليه من الله، سواء كان بلفظ الغيبة أو الحضور، كقولنا: صلى الله تعالى عليه وسلم، والصلاة والسلام عليك يا رسول الله، سواء كان من الغائب عنه أو الحاضر عنده، وهذا هو الذي قيل باختصاصه به ﷺ عن الأمة، حتى لا يسلم على غيره من الأمة إلا تبعا كالصلاة عليه، فلا يقال: فلان ﵇. الثاني: ما يقصد به التحية كسلام الزائر إذا وصل إلى قبره، وهو غير مختص، بل يعم الأمة، وهو مبتدع للرد على المسلم بنفسه أو برسوله فيحصل ذلك منه ﵇. وأما الأول فالله أعلم، فإن ثبت امتاز الثاني بالقرب والخطاب، وإلا فقد حرم من لم يزر هذه الفضيلة، وهو مقتضي ما فسر به الحديث الإمام الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله بن زيد المقبري أحد أكابر شيوخ البخاري، حيث قال في قوله «ما من أحد يسلم عليّ الحديث": هذا في الزيارة إذا زارني فسلّم عليّ رد الله عليّ
стр. 990
روحي حتى أرد عليه، وأما حديث «أتاني ملك فقال يا محمد أما يرضيك أن لا يصلي عليه أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، أو لا يسلم عليك إلا سلمت عليه عشرا؛ فالظاهر أنه في السلام بالنوع الأول.
وروى النسائي وإسماعيل القاضي بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض يبلّغون من أمتي السلام، وجاءت أحاديث أخرى في عرض الملك لصلاة الأمة وسلامها على النبي ﷺ ، وهذا في حق الغائب. وأما الحاضر عند القبر، فهل يكون كذلك أو يسمعه صلى الله تعالى عليه وسلم بلا واسطة؟
فيه حديثان: أحدهما: «من صلى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلّغته» رواه جماعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا من طريق أبي عبد الرحمن محمد بن مروان السدي الصغير، وهو ضعيف. قال الطيالسي: حدثنا العلاء بن محمود حدثنا أبو عبد الرحمن قال البيهقي: أبو عبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي فيما أرى وفيه نظر، انتهى. قلت: وروى نحوه أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان بن عبد الرحمن بن المرزبان الخلال من طريق أبي البحتري، وهو ضعيف جدا، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «من صلى عليّ عند قبري رددت عليه، ومن صلى علي في مكان آخر بلغونيه» .
والحديث الثاني وهو أضعف من الأول عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا «من صلى علي عند قبري وكّل الله بها ملكا يبلغني، وكفى أمر آخرته، وكنت له شهيدا وشفيعا» وفي رواية «ما من عبد يسلم علي عند قبري إلا وكل الله بها ملكا يبلغني، وكفى أمر آخرته ودنياه، وكنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة» فإن ثبت الأول فكفى بذلك شرفا، وإلا فهو مرجو، فينبغي الحرص عليه، قال السبكي: وسيأتي ما يدل على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يسمع من يسلم عليه عند قبره ويرد عليه عالما بحضوره عند قبره. وكفى بهذا فضلا حقيقا بأن ينفق فيه ملك الدنيا حتى يتوصل إليه من أقطار الأرض.
قلت: روى عبد الحق في الأحكام الصغرى وقال: إسناده صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه، ورد ﵇» ورواه ابن عبد البر وصححه كما نقله ابن تيمية، لكن بلفظ «ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يرد ﵇» وقال عبد الحق في كتاب العاقبة:
ويروى من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها «ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده
стр. 991
إلا استأنس به حتى يقوم» وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد ﵇ وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد ﵇.
والآثار في هذا المعنى كثيرة، وقد ذكر ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم- كما نقه ابن عبد الهادي- أن الشهداء بل كل المؤمنين إذا زارهم المسلم وسلّم عليهم عرفوا به، وردوا ﵇، فإذا كان هذا في آحاد المؤمنين فكيف بسيد المرسلين ﷺ ؟
وذكر البارزي في «توثيق عرى الإيمان» عن سليمان بن سحيم قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال:
وأرد عليهم.
وروى ابن النجار عن إبراهيم بن بشار، قال: حججت في بعض السنين، فجئت المدينة فتقدمت إلى قبر رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فسمعت من داخل الحجرة: وعليك السلام، وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من الأولياء والصالحين.
ولا شك في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم حياة أكمل من حياة الشهداء التي أخبر الله تعالى بها في كتابه العزيز، ونبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم سيد الشهداء، وأعمال الشهداء في ميزانه، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم «علمي بعد وفاتي كعلمي في حياتي» رواه الحافظ المنذري.
وروى ابن عدي في كامله عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» ورواه أبو يعلى برجال ثقات، ورواه البيهقي وصححه، وروى من طريق ابن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ- عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال «إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكن يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور» قال البيهقي:
وإن صح بهذا اللفظ فالمراد والله أعلم- لا يتركون لا يصلون إلا هذا المقدار، ثم يكونوا مصلين فيما بين يدي الله تعالى.
قال البيهقي: ولحياة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم- بعد موتهم شواهد من الأحاديث الصحيحة، ثم ذكر حديث «مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره» وغيره من أحاديث لقاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الأنبياء وصلاته بهم، وحديث الصحيحين «فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن
стр. 992
استثنى الله » قال البيهقي: وهذا إنما يصح على أن الله يردّ على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أرواحهم، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا فيمن صعق، ثم لا يكون ذلك موتا في جميع معانيه، إلا في ذهاب الاستشعار في تلك الحالة. ويقال: إن الشهداء ممن استثنى الله بقوله: (إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) قال: وروينا في ذلك خبرا مرفوعا، وذكر أيضا حديث أوس بن أوس مرفوعا «أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون بليت، فقال «إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه، وذكر البيهقي له شواهد، ثم ذكر حديث «إن لله ملائكة سيّاحين يبلغون عن أمتي السلام» وغيره.
وروى ابن ماجه بإسناد جيد- كما قال المنذري- عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحد يصليّ علي إلا عرضت عليّ صلاته حين يفرغ منها» قال: قلت: وبعد الموت؟ قال «وبعد الموت، إن الله حرم عليّ الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» فنبي الله ﷺ حي يرزق، هذا لفظ ابن ماجه، قال السبكي: وفي إسناده زيد بن أيمن عن عبادة بن نسئ، إلا أنه بتقوى باعتضاده بغيره.
وروى البزار برجال الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال «إن لله ملائكة سيّاحين يبلغونّي عن أمتي» قال: وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «حياتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم» .
وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في أجوبة مسائل الجاجرميين: قال المتكلمون المحققون من أصحابنا: إن نبينا محمدا ﷺ حي بعد وفاته، يسرّ بطاعات أمته، وإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يبلون، وسيأتي في الفصل الثالث قول ابن حبيب:
فإنه ﷺ يسمع ويعلم وقوفك بين يديه.
وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد ما قبضوا ردّت إليهم أرواحهم؛ فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد رأى نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة المعراج جماعة منهم، قال: وقد أفردنا لإثبات حياتهم كتابا.
قلت: ويؤيد ذلك حديث «إن عيسى ابن مريم ﵇ مار بالمدينة حاجا أو معتمرا، وإن سلم عليّ لأردّنّ عليه» .
стр. 993
فإن قيل: قوله في الحديث المصدر به هذا الفصل «إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه» دال على عدم استمرار الحياة.
فالجواب من وجوه: الأول: أن البيهقي استدل به على حياة الأنبياء، قال: وإنما أراد والله أعلم إلا وقد رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه، الثاني: أن السبكي قال: يحتمل:
أن يكون ردّا معنويا، وأن تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة والملأ الأعلى عن هذا العالم؛ فإذا سلم عليه أقبلت روحه على هذا العالم لتدارك السلام وترد على المسلّم، يعني أن رد روحه الشريفة التفات روحاني، وتنزّل إلى دوائر البشرية من الاستغراق في الحضرة العلية. الثالث: قال بعضهم: هو خطاب على مقدار فهم المخاطبين في الخارج من الدنيا أنه لا بد من عود روحه حتى يسمع ويجيب، فكأنه قال: أنا أجيب ذلك تمام الإجابة، وأسمعه تمام السماع، مع دلالته على رد الروح عند سلام أول مسلّم، وقبضها بعد لم يرد، ولا قائل بتكرر ذلك، إذ يفضي ذلك إلى توالي موتات لا تحصر، مع أننا نعتقد ثبوت الإدراكات كالعلم والسماع لسائر الموتى، فضلا عن الأنبياء، ويقطع بعود الحياة لكل ميت في قبره، كما ثبت في السنة، ولم يثبت أنه يموت بعد ذلك موتة ثانية، بل ثبت نعيم القبر وعذابه، وإدراك ذلك من الأعراض المشروطة بالحياة، لكن يكفي فيه حياة جزء يقع به الإدراك، فلا يتوقف على البنية كما زعم المعتزلة.
وأما أدلّة حياة الأنبياء فمقتضاها حياة الأبدان كحالة الدنيا، مع الاستغناء عن الغذاء، ومع قوة النفوذ في العالم، وقد أوضحنا المسألة في كتابنا المسمى «بالوفا، لما يجب لحضرة المصطفى» صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الملك المرجاني في أخبار المدينة له: قال صاحب الدر المنظم: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما مات ترك في أمته رحمة لهم، روى عنه ﵊ أنه قال: ما من نبي دفن إلا وقد رفع بعد ثلاث غيري، فإني سألت الله أن أكون بينكم إلى يوم القيامة، اه وقال الحافظ ابن حجر: إن حديث «أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث» ذكره الغزالي لا أصل له، اه.
وروى عبد الرزاق أن سعيد بن المسيب رأى قوما يسلمون على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين، ثم روى عبد الرزاق إليّ حديث «مررت بموسى ليلة أسرى بي وهو قائم يصلي في قبره» كأنه أراد ردّ ما روي عن ابن المسيب، وهو رد صحيح، ولو صح قول ابن المسيب لم يقدح في مشروعية زيارة القبر؛ لشرفه بنسبته إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلاقته به، وابن المسيب لم ينكر
стр. 994
التسليم، وإنما أفاد تلك الفائدة، مع أنا قد قطعنا بوضع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في قبره الشريف، والأصل استمراره؛ فيستمر على ذلك حتى يقوم قاطع على خلافه، مع أنه جاء عن غير ابن المسيب ما يقتضي الاستمرار، فعن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه لما حصر أشار بعض الصحابة عليه أن يلحق بالشام، فقال: لن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيها، وقصة سعيد بن المسيب في سماعه الأذان والإقامة من القبر الشريف أيام الحرة مشهورة.
وقال يحيى: حدثنا هرون بن عبد الملك ابن الماجشون أن خالد بن الوليد بن الحارث بن الحكم بن العاص وهو ابن مطيرة قام على منبر رسول الله ﷺ يوم جمعة فقال: لقد استعمل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو يعلم أنه خائن، ولكن شفعت له ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وداود بن قيس في الروضة، فقام فقال: أس، أي بسكته، قال: فمزق الناس قميصا كان عليه شقائق حتى وتروه، وأجلسوه حذرا عليه منه، وقال: رأيت كفّا خرجت من القبر قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يقول: كذبت يا عدوّ الله، كذبت يا كافر، مرارا.
وممن سافر إلى زيارة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من الشام إلى قبره ﵇ بالمدينة بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كما رواه ابن عساكر بسند جيد عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قال: لما رحل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من فتح بيت المقدس فصار إلى جابية، سأله بلال أن يقره بالشام، ففعل، وذكر قصة في نزوله بداريا، قال: ثم إن بلالا رأى في منامه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزينا وجلا خائفا، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما، فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: يا بلال، نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المسجد، ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال «الله أكبر الله أكبر» ارتجّت المدينة، فلما أن قال:
«أشهد أن لا إله إلا الله» ازدادت رجتها، فلما أن قال «أشهد أن محمدا رسول الله» خرجت العواتق من خدورهن، وقالوا: بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فما رؤي يوم أكثر باكيا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك اليوم، كذا ذكر ابن عساكر فيما نقل السبكي، فقال الحافظ عبد الغني وغيره في ترجمة
стр. 995
بلال: ولم يؤذن بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما روي إلا مرة واحدة في قدومه المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد طلب إليه الصحابة ذلك، فأذن ولم يتم الأذان، وقيل: إنه أذن لأبي بكر رضي الله تعالى عنه في خلافته، قال السبكي:
ليس اعتمادنا يعني في الأخذ بذلك في السفر للزيارة على رؤيا المنام فقط، بل على فعل بلال، سيما في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، والصحابة متوافرون ولا تخفى عنهم هذه القصة، ورؤيا بلال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مؤكدة لذلك.
وقد استفاض عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه كان يبرد البريد من الشام يقول: سلم لي على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك في زمن صدر التابعين.
وممن ذكره عنه الإمام أبو بكر بن عمرو بن عاصم النبيل، ووفاته في المائة الثالثة، قال في مناسكه له «ألتزم له الثبوت» وكان عمر بن عبد العزيز يبعث بالرسول قاصدا من الشام إلى المدينة ليقرئ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم السلام ثم يرجع، انتهى.
وفي فتوح الشام أن عمر رضي الله تعالى عنه لما صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرح بإسلامه قال له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبي ﷺ وتتمتع بزيارته؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين أنا أفعل ذلك، ولما قدم عمر المدينة كان أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
وفي الموطأ رواية يحيى بن يحيى أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقف على قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وعند ابن القاسم والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.
وعن ابن عون قال: سأل رجل نافعا: هل كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يسلم على القبر؟ قال: نعم، لقد رأيته مائة مرة أو أكثر من مائة، كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول: السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبي.
وفي مسند أبي حنيفة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: من السنة أن تأتي قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من قبل القبلة، وتجعل ظهرك إلى القبلة، وتستقبل القبر
стр. 996
بوجهك، ثم تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، أخرجه الحافظ طلحة بن محمد في مسنده عن صالح بن أحمد عن عثمان بن سعيد عن أبي عبد الرحمن المقرئ عن أبي حنيفة عن نافع عن ابن عمر.
قلت: وقد تقرر أن قول الصحابي «من السنة كذا» محمول على سنته صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فله حكم المرفوع.
وروى أحمد بسند حسن كما رأيته بخط الحافظ أبي الفتح المراغي المدني قال:
حدثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما، فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر، فأخذ مروان برقبته ثم قال: هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه، فقال: نعم إني لم آت الحجر، إنما جئت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم آت الحجر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا على الدين إذا وليه غير أهله، قال الهيتمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه كثير بن زيد، وثقة جماعة وضعفه النسائي وغيره.
قلت: هو كما قال في التقريب- صدوق يخطئ، وسيأتي في الفصل بعده أن يحيى رواه من طريقه، وأن السبكي اعتمد توثيقه.
وذكر المؤرّخون والمحدّثون منهم ابن عبد البر وأحمد بن يحيى البلاذري وابن عبد ربه أن زياد بن أبيه أراد الحج، فأتاه أبو بكرة وهو لا يكلمه، فأخذ ابنه فأجلسه في حجره ليخاطبه ويسمع زيادا، فقال: إن أباك فعل وفعل، وإنه يريد الحج، وأم حبيبة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هناك، فإن أذنت له فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإن هي حجبته فأعظم بها حجّة عليه، فقال زياد: ما تدع النصيحة لأخيك، وترك الحج تلك السنة فيما قاله البلاذري.
وحكى ابن عبد البر ثلاثة أقوال: أحدها أنه حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة.
والثاني أنه دخل المدينة وأراد الدخول على أم حبيبة رضي الله تعالى عنها فذكر قول أبي بكرة فانصرف. والثالث أن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها حجبته.
قال السبكي: والقصة على كل تقدير تشهد لأن زيارة الحاج كانت معهودة من ذلك الوقت، وإلا فكان زياد يمكنه الحج من غير طريق المدينة، بل هي أقرب إليه؛ لأنه كان بالعراق، ولكن كان إتيان المدينة عندهم أمرا لا يترك.
وتقدم في سابع فصول الباب الثاني عند ذكر الخاصة الثمانين اختلاف السلف في أن الأفضل البداءة بالمدينة قبل مكة أو بمكة قبل المدينة، وأن ممن اختار البداءة بالمدينة
стр. 997
علقمة والأسود وعمرو بن ميمون من التابعين، ولعل سببه عندهم كما قال السبكي إيثار الزيارة، وممن اختار البداءة بمكة ثم إتيان المدينة والقبر الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، ففي فتاوى أبي اللّيث السّمرقندي: روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال:
الأحسن للحاج أن يبدأ بمكة، فإذا قضى نسكه مر بالمدينة، وإن بدأ بها جاز، فيأتي قريبا من قبر رسول الله ﷺ ، فيقوم بين القبر والقبلة.
وقد أوضح السبكي أمر الإجماع على الزيارة قولا وفعلا، وسرد كلام الأئمة في ذلك، وبين أنها قربة بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
أما الكتاب فقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ [النساء: ٦٤] الآية دالة على الحث بالمجيء إلى الرسول ﷺ ، والاستغفار عنده، واستغفار لهم وهذه رتبة لا تنقطع بموته صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد حصل استغفاره لجميع المؤمنين؛ لقوله تعالى وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩] فإذا وجد مجيئهم فاستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ولرحمته. وقوله: (اسْتَغْفَرَ لَهُمُ) معطوف على قوله: (جاؤُكَ) فلا يقتضي أن يكون استغفار الرسول بعد استغفارهم مع أنا لا نسلم أنه لا يستغفر بعد الموت؛ لما سبق من حياته ومن استغفاره لأمته بعد الموت عند عرض أعمالهم عليه، ويعلم من كمال رحمته أنه لا يترك ذلك لمن جاءه مستغفرا ربه.
والعلماء فهموا من الآية العموم لحالتي الموت والحياة، واستحبوا لمن أتى القبر أن يتلوها ويستغفر الله تعالى، وحكاية الأعرابي في ذلك نقلها جماعة من الأئمة عن العتبي، واسمه محمد بن عبيد الله بن عمرو، أدرك ابن عيينة وروى عنه، وهي مشهورة حكاها المصنفون في المناسك من جميع المذاهب، واستحسنوها، ورأوها من أدب الزائر، وذكرها ابن عساكر في تاريخه، وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن، وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي، قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي ﷺ ، فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثم قال: يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتابا صادقا قال فيه وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إلى قوله رَحِيماً وإني جئتك مستغفرا ربك من ذنوبي، متشفعا بك، وفي رواية: وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
стр. 998
ثم استغفر وانصرف، قال: فرقدت فرأيت النبي ﷺ في نومي وهو يقول: الحق الرجل وبشّره بأن الله غفر له بشفاعتي، فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده.
قلت: بل قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان في كتابه مصباح الظلام: إن الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي ﷺ ، وحثا من ترابه على رأسه، وقال: يا رسول الله، قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه وما وعينا عنك، وكان فيما أنزل عليك وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ [النساء: ٦٤] الآية، وقد ظلمت وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر: إنه قد غفر لك، انتهى.
وروى ذلك أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله الكرخي عن علي ابن محمد بن علي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي قال: حدثني أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن ابن صادق عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فذكره.
وأما السنة فما سبق من الأحاديث في زيارة قبره ﷺ بخصوصه وقد جاء في السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور، وقبر النبي ﷺ سيد القبور وداخل في عموم ذلك.
وأما الإجماع فقال عياض رحمه الله تعالى: زيارة قبره ﷺ سنة بين المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها، انتهى.
وأجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال كما حكاه النووي، بل قال بعض الظاهرية بوجوبها.
وقد اختلفوا في النساء، وقد امتاز القبر الشريف بالأدلة الخاصة به كما سبق، قال السبكي: ولهذا أقول: إنه لا فرق في زيارته صلى الله تعالى عليه وسلم بين الرجال والنساء، وقال الجمال الريمي في التقفية: يستثنى أي من محل الخلاف- قبر النبي ﷺ وصاحبيه، فإن زيارتهم مستحبة للنساء بلا نزاع، كما اقتضاه قولهم في الحج: يستحب لمن حج أن يزور قبر النبي ﷺ ، وحينئذ فيقال معاياة: قبور يستحب زيارتها للنساء بالاتفاق، وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين وهو الدمنهوري الكبير، وأضاف إليه قبور الأولياء والصالحين والشهداء، انتهى.
وأما القياس فعلى ما ثبت من زيارته ﷺ لأهل البقيع وشهداء أحد، وإذا استحب زيارة قبر غيره فقبره ﷺ أولى؛ لما له من الحق ووجوب التعظيم، وليست زيارته إلا
стр. 999
لتعظيمه والتبرك به، ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه عند قبره بحضرة الملائكة الحافين به، وذلك من الدعاء المشروع له.
والزيارة قد تكون لمجرد تذكر الآخرة، وهو مستحب؛ لحديث «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» . وقد تكون للدعاء لأهل القبور كما ثبت من زيارة أهل البقيع، وقد تكون للتبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الصلاح، وقال أبو محمد الشارمساحي المالكي: إن قصد الانتفاع بالميت بدعة إلا في زيارة المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم وقبور الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قال السبكي: وهذا الاستثناء صحيح، وحكمه في غيرهم بالبدعة فيه نظر.
قلت: قد ذكر هذا الاستثناء ابن العربي أيضا، فقال: ولا يقصد يعني زائر القبر الانتفاع بالميت فإنها بدعة، وليس لأحد على وجه الأرض إلا لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، نقل ذلك عنه الحافظ زين الدين الحسيني الدمياطي، ثم تعقبه بأن زيارة قبور الأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء وسائر المرسلين للبركة أثر معروف.
وقد قال حجة الإسلام الغزالي: كلّ من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد موته، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض، انتهى.
وقد تكون الزيارة لأداء حق أهل القبور، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال «آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبه في دار الدنيا» وسبق عن ابن عباس مرفوعا «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇» ورأيت بخط الأقشهري: روى بقيّ بن مخلد بسنده إلى محمد بن النعمان عن أبيه مرفوعا «من زار قبر أبويه في كل جمعة أو أحدهما كتب بارا وإن كان في الدنيا قبل ذلك بهما عاقا» .
قال السبكي: وزيارة قبره ﷺ فيها هذه المعاني الأربعة فلا يقوم غيرها مقامها.
وقد قال عبد الحق الصقلي عن أبي عمران المالكي، قال: إنما كره مالك أن يقال «زرنا قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم» لأن الزيارة من شاء فعلها ومن شاء تركها، وزيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واجبة، قال عبد الحق: يعني من السنن الواجبة، انتهى.
واختار عياض أن كراهة مالك لذلك لإضافة الزيارة إلى القبر، وأنه لو قال «زرنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم» لم يكره؛ لحديث «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر قطعا للذريعة.
стр. 1000
قال السبكي: ويشكل عليه حديث «من زار قبري» إلا أن يكون لم يبلغ مالكا، أو لعله يقول: المحذور في قول غيره صلى الله تعالى عليه وسلم، مع أن ابن رشد نقل عن مالك أنه قال: وأكره ما يقول الناس زرت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأعظم ذلك أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يزار.
قال ابن رشد: ما كره مالك هذا إلا من وجه أن كلمة أعلى من كلمة، فلما كانت الزيارة تستعمل في الموتى وقد وقع من الكراهة ما وقع كره أن يذكر مثل ذلك في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: كرهه لأن المضي إلى قبره ليس ليصله بذلك ولا لينفعه، وإنما هو رغبة في الثواب، انتهى ملخصا.
والأخير هو المختار في تأويل كلام مالك كما قاله السبكي، قال: والمختار عندنا أنه لا يكره إطلاق هذا اللفظ.
ويستدل أيضا بقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية، على مشروعية السفر للزيارة وشدّ الرحال إليها، على ما سبق تقريره بشموله المجيء من قرب ومن بعد، وبعموم قوله «من زار قبري» وقوله في الحديث الذي صححه ابن السكن «من جاءني زائرا» وإذا ثبت أن الزيارة قربة فالسفر إليها كذلك، وقد ثبت خروج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من المدينة لزيارة قبور الشهداء، فإذا جاز الخروج للقريب جاز للبعيد، وحينئذ فقبره صلى الله تعالى عليه وسلم أولى، وقد انعقد الإجماع على ذلك؛ لإطباق السلف والخلف عليه. وأما حديث «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فمعناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد إلا إلى المساجد الثلاثة، إذ شدّ الرحال إلى عرفة لقضاء النسك واجب بالإجماع، وكذلك سفر الجهاد والهجرة من دار الكفر بشرطه، وغير ذلك، وأجمعوا على جواز شد الرحال للتجارة ومصالح الدنيا.
وقد روى ابن شبة بسند حسن أن أبا سعيد يعني الخدري رضي الله تعالى عنه- ذكر عنده الصلاة في الطور، فقال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي للمطيّ أن تشدّ رحالها إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» فهذا الحديث صريح فيما ذكرناه، على أن في شدّ الرحال لما سوى هذه المساجد الثلاثة مذاهب: نقل إمام الحرمين عن شيخه أنه أفتى بالمنع، قال: وربما كان يقول: يكره، وربما كان يقول: يحرم، وقال الشيخ أبو علي: لا يكره ولا يحرم، وإنما أبان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن القربة المقصودة في قصد المساجد الثلاثة، وما عداها ليس قربة.
стр. 1001
قال السبكي: ويمكن أن يقال: إن قصد بذلك التعظيم فالحق ما قاله الشيخ أبو محمد؛ لأنه تعظيم لما لم يعظمه الشرع، وإن لم يقصد مع عينه أمر آخر فهذا قريب من العبث؛ فيترجح ما قاله أبو علي.
وذهب الداودي إلى أن ما قرب من المساجد الفاضلة من المصر فلا بأس بإتيانه مشيا وركوبا، استدل بمسجد قباء لأن شد الرحال لا يكون لما قرب غالبا، ونقل عياض أنه إنما يمنع إعمال المطيّ للناذر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يصح نذر ما سوى المساجد الثلاثة، ومذهب ليث بن سعد صحة ذلك مطلقا، وقال بعضهم: يلزم ما لم يكن شد رحل كمسجد قباء وهو قول محمد بن مسلمة المالكي.
وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما سئل عمن جعل على نفسه مشيا إلى مسجد قباء وهو بالمدينة، فألزمه ذلك، وأمره أن يمشي، قال ابن حبيب في الواضحة: فكذلك من نذر أن يمشي إلى مسجده الذي يصلي فيه مكتوبته، وليس بلازمه فيما نأى عنه من المساجد لا ماشيا ولا راكبا. قال السبكي: هذا كله في قصد المكان لعينه، أو قصد عبادة فيه تمكن في غيره، أما قصده بغير نذر لغرض فيه كالزيارة وشبهها فلا يقول أحد فيه بتحريم ولا كراهة، مع أن السفر بقصد زيارة النبي ﷺ غايته مسجد المدينة؛ لأنها إنما تكون فيه لمجاورته القبر الشريف، وغرض الزائر التبرك بالحلول في ذلك المحل، والتسليم على من بذلك القبر الشريف، وتعظيم من فيه كما لو كان حيا بالحياة المألوفة فسافر إليه، وليس القصد تعظيم بقعة القبر لعينها.
وقال الماوردي: قال أصحابنا عند ذكر من يلي أمر الحج: فإذا قضى الناس حجهم أمهلهم الأيام التي جرت عادتهم بها، فإذا رجعوا سار بهم على طريق مدينة رسول الله ﷺ ، رعاية لحرمته، وقياما بحقوق طاعته، وذلك وإن لم يكن من فروض الحج فهو من مندوبات الشرع المستحبة، وعبادات الحجيج المستحسنة، وقال القاضي الحسين: إذا فرغ من الحج فالسنة أن يقف بالملتزم ويدعو، قال: ثم يأتي المدينة، ويزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وقال القاضي أبو الطيب: ويستحب أن يزور النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن يحج ويعتمر، وقال المحاملي في التجريد: ويستحب للحاج إذا فرغ من مكة أن يزور قبر النبي ﷺ ، وتقدم قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه: الأحسن للحاج أن يبدأ بمكة، فإذا قضى نسكه مر بالمدينة إلى آخره.
والحنفية قالوا: إن زيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من أفضل المندوبات
стр. 1002
والمستحبات، بل تقرب من درجة الواجبات، وكذلك نص عليه المالكية والحنابلة، وأوضح السبكي نقولهم وسردها في كتابه في الزيارة، ولا حاجة إلى تتبع ذلك مع الإجماع عليه.
فإن قيل: روى عبد الرزاق أن الحسن بن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم رأى قوما عند القبر، فنهاهم، وقال: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا عليّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني» وروى أبو يعلى عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما، أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيدخل فيها فيدعوه، فنهاه، فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» وروى القاضي إسماعيل في الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن سهل بن أبي سهيل قال: جئت أسلّم على النبي ﷺ وحسن بن حسن رضي الله تعالى عنهما يتعشى، وبيته عند بيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي رواية: رآني الحسن بن الحسن رضي الله تعالى عنهما عند القبر، وهو في بيت فاطمة رضي الله تعالى عنها يتعشى فقال: هلمّ إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال:
مالي رأيتك عند القبر؟ وفي رواية: مالي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلّم على النبي ﷺ ، فقال: إذا دخلت فسلم عليه وفي رواية «إذا دخلت المسجد فسلم عليه» ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم مقابر الحديث» ثم قال: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.
قلنا: روى القاضي إسماعيل أيضا في فضل الصلاة على النبي ﷺ بسنده إلى عليّ بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم أن رجلا كان يأتي كل غداة؛ فيزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما انتهره عليه علي بن الحسين، فقال له علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: ما يحملك على هذا؟ قال:
أحب التسليم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال له علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما، هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي؟ قال: نعم، قال له علي بن الحسين رضي تعالى عنهما: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ «لا تجعلوا قبري عيدا الحديث» .
فهذا يبين أن ذلك الرجل زاد في الحد، فيكون علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما موافقا لما سيأتي عن مالك من كراهة الإكثار من الوقوف بالقبر، وليس إنكارا
стр. 1003
لأصل الزيارة، أو أنه أراد تعليمه أن السلام يبلغه مع الغيبة لما رآه يتكلف الإكثار من الحضور.
وعلى ما ذكرناه يحمل ما ورد عن حسن بن حسن رضي الله تعالى عنه، بدليل قوله «إذا دخلت فسلم عليه» ولأن يحيى الحسيني روى في كتابه عن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جده أنه كان إذا جاء يسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة، ثم يسلم، ثم يقول: هاهنا رأس رسول الله ﷺ .
قال المطري وغيره: وهذا موقف السلف قبل إدخال الحجر في المسجد. وسبق في الكلام على المسمار المواجه للوجه الشريف بيان الموضع الذي كان يقف عنده علي بن الحسين من جهة الوجه الشريف أيضا، وقال يحيى في أخبار المدينة له: حدثنا هرون بن موسى الفروي قال: سمعت جدي أبا علقمة يسأل: كيف كان الناس يسلّمون علي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يدخل البيت في المسجد؟ فقال: كان يقف الناس على باب البيت يسلمون عليه، وكان الباب ليس عليه غلق، حتى هلكت عائشة رضي الله تعالى عنها.
قلت: وكيف يتخيل في أحد من السلف المنع من زيارة المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهم مجمعون على زيارة سائر الموتى، فضلا عن زيارته صلى الله تعالى عليه وسلم؟ وما روي عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أنه قال «ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان يكره إتيانه» محمول على تقدير صحته على ما سيأتي عن مالك من كراهة الوقوف بالقبر لمن لم يقدم من سفر.
وقوله ﷺ : «لا تجعلوا قبري عيدا» قال الحافظ المنذري: يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين، قال: ويؤيده قوله «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» أي لا تتركوا الصلاة فيها حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها، قال السبكي: ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتا مخصوصا لا تكون الزيارة إلا فيه، ويحتمل أيضا أن يراد لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغير ذلك مما يعمل في الأعياد، بل لا يأتي إلا للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف عنه.
قلت: وقد كانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقصدون النبي ﷺ قبل وفاته للزيارة، وهو صلى الله تعالى عليه وسلم حي الدارين، بل روى أحمد بإسنادين أحدهما
стр. 1004
برجال الصحيح عن يعلى بن مرة من حديث قال فيه: ثم سرنا فنزلنا منزلا، فنام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له، فقال: هي شجرة استأذنت ربها أن تسلم على رسول الله ﷺ فأذن لها. فإذا كان هذا حال شجرة فكيف بالمؤمن المأمور بتعظيم هذا النبي الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم الممتلئ بالشوق إليه؟ وحديث حنين الجذع تقدم ذكره في محله. وقال القاضي ابن كج من أصحابنا: إذا نذر أن يزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فعندي يلزمه الوفاء وجها واحدا، وإذا نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان. قال السبكي: لم ير لغيره من أصحابنا خلافه، والقطع بذلك هو الحق؛ للأدلة الخاصة في ذلك، ومن يشترط في النذر أن يكون مما وجب جنسه بالشرع ويقول «إن الاعتكاف كذلك؛ لوجوب الوقوف» فقد يقول: إن زيارة رسول الله ﷺ وجب جنسها وهي الهجرة إليه في حياته.
ووجه الخلاف في قبر غيره تشبيهه بزيارة القادمين وإفساد السلام ونحو ذلك مما لم يوضع قربة مقصودة وإن كان قربة من حيث ترغيب الشرع فيه لعموم فائدته، وعلى هذا يكون الأصح لزومه بالنذر كما في تلك المسائل.
وقال العبدي من المالكية في شرح الرسالة: وأما النذر للمشي إلى المسجد لحرام والمشي إلى مكة فله أصل في الشرع وهو الحج والعمرة، والمشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس، وليس عنده حج ولا عمرة، فإذا نذر المشي إلى هذه الثلاثة لزمه، فالكعبة متفق عليها، ويختلف أصحابنا وغيرهم في المسجدين الآخرين، قال السبكي: والخلاف الذي أشار إليه في نذر إتيان المسجدين الآخرين لا في الزيارة.
وفي كتاب تهذيب الطالب لعبد الحق: رأيت في بعض المسائل التي سئل عنها الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، قيل له في رجل استؤجر بمال ليحج به وشرطوا عليه الزيارة، فلم يستطع تلك السنة أن يزور لعذر منعه من ذلك. قال: يردّ من الأجرة بقدر مسافة الزيارة، قال الحاكي لذلك عنه: وقال غيره من شيوخنا: عليه أن يرجع ثانية حتى يزور، وقال ابن عبد الحق: انظر، إن استؤجر للحج لسنة بعينها فهاهنا يسقط من الأجرة ما يخص الزيارة، وإن استؤجر على حجة مضمونة في ذمته فهاهنا يرجع ويزور، وقد اتفق النقلان، قال السبكي: وهذا فرع حسن، والذي ذكره أصحابنا أن الاستئجار على الزيارة لا يصح؛ لأنه عمل غير مضبوط ولا مقدر بشرع، والجعالة إن وقعت على نفس الوقوف لم يصح أيضا؛
стр. 1005
لأن ذلك مما لا يصح فيه النيابة عن الغير، وإن وقعت الجعالة على الدعاء عند قبر النبي ﷺ كانت صحيحة؛ لأن الدعاء مما يصح النيابة فيه، والجهل بالدعاء فيه لا يبطلها، قاله الماوردي في الحاوي.
قال السبكي: وبقي قسم ثالث لم يذكره، وهو إبلاغ السلام، ولا شك في جواز الإجارة والجعالة عليه كما كان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يفعل، وأن الظاهر أن مراد المالكية هذا، وإلا فمجرد الوقوف من الأجير لا يحصل للمستأجر غرضا، انتهى.
وذكر الديلمي في التقفية: أن حاصل ما في مسألة الاستئجار للزيارة ثلاثة أوجه للصحاب: أصحها فيما حكاه ابن سراقة في مختصره جواز ذلك، واختاروه الإمام محمد بن أبي بكر الأصبحي صاحب الإيضاح والمفتاح وأفتى به، والثاني لا يجوز، وبه قطع الماوردي، قال: لأنه عمل غير مضبوط، والثالث وبه قال الإمام عليّ بن قاسم الحكمي، واختاره صاحب الأصبحي أنه يا بني على ما إذا حلف لا يكلم فلانا فكاتبه أو راسله، والصحيح عند الأكثرين أنه لا يحنث، فلا يصح الاستئجار، وإن قلنا يحنث صح الاستئجار.
قلت: وهذا البناء ضعيف؛ لأن مبنى الأيمان على العرف، وأما ذلك فقربة مقصودة كما أن المكاتبة والمراسلة يحصل بهما التودد والصّلة، وإن لم يسم كلاما، والله أعلم.
الفصل الثالث في توسّل الزائر ،
وتشفعه به صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ربه تعالى، واستقباله ﷺ في سلامه وتوسله ودعائه.
اعلم أن الاستغاثة والتشفع بالنبي ﷺ وبجاهه وبركته إلى ربه تعالى من فعل الأنبياء والمرسلين، وسير السلف الصالحين، واقع في كل حال، قبل خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم وبعد خلقه، في حياته الدنيوية ومدة البرزخ وعرصات القيامة.
الحال الأول:
ورد فيه آثار عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ولنقتصر على ما رواه جماعة منهم الحاكم وصحح إسناده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحبّ الخلق إليك، فقال الله
стр. 1006
تعالى: صدقت يا آدم إنه لأحبّ الخلق إليّ، إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» رواه الطبراني وزاد «وهو آخر الأنبياء من ذريتك» .
قال السبكي: وإذا جاز السؤال بالأعمال كما في حديث الغاز الصحيح وهي مخلوقة فالسؤال بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أولى، وفي العادة أن من له عند شخص قدر فتوسل به إليه في غيبته فإنه يجيب إكراما للمتوسّل به، وقد يكون ذكر المحبوب أو المعظم سببا للإجابة، ولا فرق في هذا بين التعبير بالتوسل أو الاستغاثة أو التشفع أو التوجه، ومعناه التوجه به في الحاجة، وقد يتوسل بمن له جاء إلى من هو أعلى منه.
الحال الثاني:
التوسل به ﷺ بعد خلقه في مدة حياته في الدنيا. منه ما رواه جماعة منهم النسائي والترمذي في الدعوات من جامعه عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ادع الله لي أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم شفعه فيّ. قال الترمذي. حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وصححه البيهقي، وزاد: فقام وقد أبصر، وفي رواية: ففعل الرجل فبرأ.
الحال الثالث:
التوسل به صلى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته، روى الطبراني في الكبير عن عثمان بن حنيف المتقدم أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في حاجة له، وكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له ابن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن تقضي حاجتي، وتذكر حاجتك، فانطلق الرجل فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان، فجاءه البواب حتى أخذ بيده، فأدخل على عثمان رضي الله تعالى عنه، فأجلسه معه على الطّنفسة، فقال: حاجتك، فذكر حاجته وقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي ابن حنيف فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته فيّ، فقال ابن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ : إن شئت دعوت أو تصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق عليّ، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه
стр. 1007
وسلم: ائت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات، قال ابن حنيف فو الله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط، ورواه البيهقي من طريقين بنحوه.
قال السبكي: والاحتجاج من هذا الأثر بفهم عثمان ومن حضره الذين هم كانوا أعلم بالله ورسوله وبفعلهم.
قلت: وقد سبق في قبر فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في دعائه إليها «بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي» وأن في سنده روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفيه دلالة ظاهرة للحال الثاني بالنسبة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وكذا للحال الثالث، لقوله ﷺ «الأنبياء الذين من قبلي» .
وقد يكون التوسل به ﷺ بعد الوفاة بمعنى طلب أن يدعو كما كان في حياته، وذلك فيما رواه البيهقي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار، ورواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك الدار، قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: يا رسول الله، استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المنام فقال: ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، فأتى الرجل عمر رضي الله تعالى عنه فأخبره، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه.
وروى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ومحل الاستشهاد طلب الاستسقاء منه صلى الله تعالى عليه وسلم وهو في البرزخ ودعاؤه لربه في هذه الحالة غير ممتنع، وعلمه بسؤال من يسأله قد ورد، فلا مانع من سؤال الاستسقاء وغيره منه كما كان في الدنيا.
وسبق في الفصل الحادي والعشرين من الباب الرابع ما رواه أبو الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا فشكوا إلى عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: فانظروا إلى قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فاجعلوا بينه كوّة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا، فمطروا الخبر المتقدم.
وقد يكون التوسل به صلى الله تعالى عليه وسلم بطلب ذلك الأمر منه، بمعنى أنه
стр. 1008
صلى الله تعالى عليه وسلم قادر على التسبب فيه بسؤاله وشفاعته إلى ربه فيعود إلى طلب دعائه وإن اختلفت العبارة. ومنه قول القائل له: أسألك مرافقتك في الجنة الحديث، ولا يقصد به إلا كونه صلى الله تعالى عليه وسلم سببا وشافعا.
الحال الرابع:
التوسل به صلى الله تعالى عليه وسلم في عرصات القيامة فيشفع إلى ربه تعالى، وذلك مما قام الإجماع عليه وتواردت به الأخبار. وروى الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أوحى الله إلى عيسى: يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركته من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا أني خلقت محمدا ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن.
قلت: فكيف لا يستشفع، ولا يتوسل بمن له هذا المقام والجاه عند مولاه؟ بل يجوز التوسل بسائر الصالحين كما قاله السبكي، وإن نقل بعضهم عن ابن عبد السلام ما يقتضي أن سؤال الله بعظيم من خلقه ينبغي أن يكون مقصورا على نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقد روى ابن النعمان في مصباح الظلام قصة استسقاء عمر رضي الله تعالى عنه بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وتعالى وسلم نحو ما في الصحيح، وأن الحافظ أبا القاسم هبة الله بن الحسن رواها من طرق، وفي بعضها عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا قحط استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، ويقول: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم فاسقنا، قال: فيسقون.
وفي رواية له عن ابن عباس أن عمر رضي الله تعالى عنهم قال: اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك ﷺ ، ونستشفع إليك بشيبته، فسقوا وفي ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمي سقى الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمر
وروي أن العباس رضي الله تعالى عنه قال في دعائه: وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقال عياض في الشفاء بسند جيد عن ابن حميد أحد الرواة عن مالك فيما يظهر قال:
ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدّب قوما فقال: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات: ٢] الآية، ومدح قوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ
стр. 1009
أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [الحجرات: ٣] الآية، وذم قوما فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ) الآية، وإن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله تعالى وسلم؟ فقال: لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعك الله تعالى قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٦٤] الآية.
فانظر هذا الكلام من مالك، وما اشتمل عليه من أمر الزيارة والتوسل بالنبي ﷺ واستقباله عند الدعاء، وحسن الأدب التام معه.
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الحنبلي في المستوعب:
باب زيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وذكر آداب الزيارة، وقال: ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته، ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره، وذكر كيفية السلام والدعاء. منه: اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك ﵇ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ الآية، وإني قد أتيت نبيك مستغفرا، فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك ﷺ ، وذكر دعاء طويلا.
وقال أبو منصور الكرماني من الحنفية: إن كان أحد أوصاك بتبليغ التسليم تقول:
السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان، يستشفع بك إلى ربك بالرحمة والمغفرة فاشفع له.
وقال عياض: قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو، ويسلم ولا يمس القبر بيده، وفي رواية نقلها عياض عن المبسوط أنه قال: لا أرى أن يقف عند القبر يدعو، لكن يسلم ويمضي.
قلت: وهي مخالفة أيضا لما تقدم في مناظرة المنصور لمالك، وكذا لما نقله ابن الموار في الحج فيما جاء في الوداع، فإنه قال: قيل لمالك: فالذي يلتزم أترى له أن يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع؟ قال: لا، ولكن يقف ويدعو، قيل له: وكذلك عند قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال: نعم، انتهى. وحمل بعضهم رواية المبسوط على من لم يؤمن منه سوء الأدب في دعائه عند القبر.
نقل ابن يونس المالكي عن ابن حبيب في باب فرائض الحج ودخول المدينة أنه قال:
ثم اقصد إذا قضيت ركعتيك إلى القبر من وجاه القبلة، فادن منه وسلم على رسول الله ﷺ ، وأثن عليه وعليك السكينة والوقار، فإنه ﷺ يسمع ويعلم وقوفك بين يديه، وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما.
стр. 1010
وقال النووي في رؤوس المسائل: عن الحافظ أبي موسى الأصبهاني أنه روى عن مالك أنه قال: إذا أراد الرجل أن يأتي قبر النبي ﷺ فيستدبر القبلة، ويستقبل النبي ﷺ ، ويصلي عليه ويدعو.
وقال إبراهيم الحربي في مناسكه: تولى ظهرك القبلة، وتستقبل وسطه- يعني القبر-.
وروى أبو القاسم طلحة بن محمد في مسند أبي حنيفة بسنده عن أبي حنيفة قال: جاء أيوب السختياني فدنا من قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فاستدبر القبلة، وأقبل بوجهه إلى القبر، وبكى بكاء غير متباك.
وقال المجد اللغوي: روى عن الإمام الجليل أبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك قال: سمعت أبا حنيفة يقول: قدم أيوب السختياني وأنا بالمدينة فقلت: لأنظرنّ ما يصنع، فجعل ظهره مما يلي القبلة ووجهه مما يلي وجه رسول الله ﷺ ، وبكى غير متباك، فقام مقام رجل فقيه.
قلت: فهذا يخالف ما ذكره أبو الليث السمرقندي في الفتاوى عطفا على حكاية حكاها الحسن بن زياد عن أبي حنيفة من أن المسلّم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستقبل القبلة، وقال السروجي الحنفي: يقف عندنا مستقبل القبلة، قال الكرماني الحنفي منهم: ويقف عند رأسه ويكون وقوفه بين المنبر والقبر مستقبل القبلة.
وعن أصحاب الشافعي وغيره: يقف وظهره إلى القبلة ووجهه إلى الحظيرة، وهو قول ابن حنبل، انتهى.
وقال محقق الحنفية الكمال بن الهمام: إن ما نقل عن أبي الليث من أنه يقف مستقبل القبلة مردود بما روى أبو حنيفة في مسنده عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: من السنة أن تأتي قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قبل القبلة، وتجعل ظهرك إلى القبلة، وتستقبل القبر بوجهك، ثم تقول: السلام عليك أيها النبي الكريم ورحمة الله وبركاته.
وقال ابن جماعة في منسكه الكبير: ومذهب الحنفية أنه يقف للسلام والصلاة عليه ﷺ عند الرأس المقدس بحيث يكون عن يساره، ويبعد عن الجدار قدر أربعة أذرع، ثم يدور إلى أن يقف قبالة الوجه المقدس مستدبر القبلة، فيسلم ويصلي عليه ﷺ . وشذ الكرماني من الحنفية فقال: إنه يقف للسلام عليه ﷺ مستدبر القبر المقدس مستقبل القبلة، وتبعه بعضهم، وليس بشيء، فاعتمد على ما نقلته، انتهى.
واعتمد السبكي ما تقدم من نسبة ما قاله الكرماني للحنفية، قال: واستدلوا بأن ذلك
стр. 1011
جمع بين العبارتين، قال: وقول أكثر العلماء هو الأحسن: فإن الميت يعامل معاملة الحي، والحي يسلم عليه مستقبلا، فكذلك الميت، وهذا لا ينبغي أن يتردد فيه، انتهى.
وذكر المطري أن السلف كانوا إذا أرادوا السلام على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل إدخال الحجرات في المسجد وقفوا في الروضة مستقبلين السارية التي فيها الصندوق الخشب، أي لكونها في جهة الرأس الشريف، مستدبرين الروضة وأسطوان التوبة. وتقدم من رواية يحيى عن زين العابدين علي بن الحسين أنه كان يفعل نحو ذلك، وروى يحيى بسند جيد عن أبي علقمة الغروي الكبير قال: كان الناس قبل أن يدخل البيت في المسجد يقفون على باب البيت يسلمون.
قلت: وذلك لتعذر استقبال الوجه الشريف حينئذ، ولذا قال المطري: فلما أدخل بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المسجد وأدخلت حجرات أزواجه رضوان الله عليهن وقف الناس مما يلي وجه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، واستدبروا القبلة للسلام عليه، فاستدبار القبلة في الحالة مستحب كما في خطبة الجمعة والعيدين وسائر الخطب المشروعة كما قاله ابن عساكر في التحفة.
وروى ابن زبالة عن سلمة بن وردان قال: رأيت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما إذا سلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يأتي فيقوم أمامه. وفي كلام أصحابنا أن الزائر يستقبل الوجه الشريف في السلام والدعاء والتوسل، ثم يقف بعد ذلك مستقبل القبلة والقبر عن يسار والمنبر عن يمينه فيدعو أيضا كما سنشير إليه.
خاتمة: في نبذ مما وقع لمن استغاث بالنبي ص أو طلب منه شيئا عند قبره ،
فأعطى مطلوبه ونال مرغوبه، مما ذكره الإمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابة «مصباح الظلام، في المستغيثين بخير الأنام» .
فمن ذلك ما قال: اتفق الجماعة من علماء سلف هذه الأمة من أئمة المحدّثين والصوفية والعلماء بالله المحققين، قال محمد بن المنكدر: أودع رجل أبى ثمانين دينارا وخرج للجهاد، وقال لأبي: إن احتجت أنفقها إلى أن أعود، وأصاب الناس جهد من الغلاء، فأنفق أبي الدنانير، فقدم الرجل وطلب ماله، فقال له أبي: عد إليّ غدا، وبات في المسجد يلوذ بقبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مرة وبمنبره مرة، حتى كاد أن يصبح، يستغيث بقبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فبينما هو كذلك وإذا بشخص في الظلام يقول: دونكها يا أبا محمد، فمد أبي يده فإذا هو بصرّة فيها ثمانون دينارا، فلما أصبح جاء الرجل فدفعها إليه.
стр. 1012
وقال الإمام أبو بكر بن المقرئ: كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في حرم رسول الله ﷺ ، وكنا على حالة، وأثّر فينا الجوع، وواصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء حضرت قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت: يا رسول الله الجوع، وانصرفت، فقال لي أبو القاسم: اجلس، فإما أن يكون الرزق أو الموت، قال أبو بكر: فقمت أنا وأبو الشيخ والطبراني جالس ينظر في شيء، فحضر بالباب علوى، فدقّ ففتحنا له، فإذا معه غلامان مع كل واحد زنبيل فيه شيء كثير، فجلسنا وأكلنا وظننا أن الباقي يأخذه الغلام، فولى وترك عندنا الباقي، فلما فرغنا من الطعام قال العلوي: يا قوم أشكوتم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فإني رأيت رسول الله ﷺ في المنام فأمرين أن أحمل بشيء إليكم.
وقال ابن الجلاد: دخلت مدينة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبي ناقة، فتقدمت إلى القبر وقلت: ضيفك، فغفوت فرأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعطاني رغيفا، فأكلت نصفه، وانتبهت وبيدي النصف الآخر.
وقال أبو الخير الأقطع: دخلت مدينة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا بفاقة، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقا، فتقدمت إلى القبر، وسلمت على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر، وقلت: أنا ضيفك يا رسول الله، وتنحّيت ونمت خلف القبر، فرأيت في المنام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله وعلي بن أبي طالب بين يديه، فحركني عليّ وقال: قم، قد جاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقمت إليه وقبلت بين عينيه، فدفع إليّ رغيفا، فأكلت نصفه، وانتبهت فإذا في يدي نصف رغيف.
وقال أبو عبد الله محمد بن أبي زرعة الصوفي: سافرت مع أبي ومع أبي عبد الله بن خفيف إلى مكة، فأصابتنا فاقة شديدة، فدخلنا مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وبتنا طاوين، وكنت دون البلوغ، فكنت أجئ إلى أبي غير دفعة وأقول: أنا جائع، فأتى أبي الحظيرة وقال: يا رسول الله أنا ضيفك الليلة، وجلس على المراقبة، فلما كان بعد ساعة رفع رأسه وكان يبكي ساعة ويضحك ساعة، فسئل عنه فقال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فوضع في يدي دراهم، وفتح يده، فإذا فيها دراهم، وبارك الله فيها إلى أن رجعنا إلى شيراز، وكنا ننفق منها.
وقال أحمد بن محمد الصوفي: تهت في البادية ثلاثة أشهر، فانسلخ جلدي، فدخلت المدينة، وجئت إلى النبي ﷺ فسلمت عليه وعلى صاحبيه ثم نمت فرأيته ﷺ في النوم
стр. 1013
فقال لي: يا أحمد، جئت؟ قلت: نعم، وأنا جائع وأنا في ضيافتك، قال: افتح كفيك، ففتحتهما فملأهما دراهم، فانتهت وهما مملوءتان، وقمت فاشتريت خبزا حواريا وفالوذجا، وأكلت، وقمت للوقت ودخلت البادية.
وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه بسنده إلى أبي القاسم ثابت بن أحمد البغدادي، قال: إنه رأى رجلا بمدينة النبي ﷺ أذن للصبح عند قبر النبي ﷺ ، فقال فيه:
الصلاة خير من النوم، فجاءه خادم من خدم المسجد فلطمه حين سمع ذلك، فبكى الرجل، وقال: يا رسول الله في حضرتك يفعل بي هذا الفعل؟ ففلج الخادم، وحمل إلى داره فمكث ثلاثة أيام ومات.
قلت: والواقعة التي نقلها ابن النعمان عن أبي بكر المقرئ رواها ابن الجوزي في كتابه الوفاء بإسناده إلى أبي بكر المقري، وبقية الوقائع المذكورة ذكرها غيره أيضا.
ومن ذلك ما ذكر ابن النعمان أنه سمعه ممن وقع له أو عنه بواسطة فقال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن سعيد يقول: كنت بمدينة النبي ﷺ ومعي ثلاثة من الفقراء فأصابتنا فاقة، فجئت إلى النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله ليس لنا شيء، ويكفينا ثلاثة أمداد من أي شيء كان، فتلقاني رجل فدفع إليّ ثلاثة أمداد من التمر الطيب.
وسمعت الشريف أبا محمد عبد السلام بن عبد الرحمن الحسيني الفاسي يقول:
أقمت بمدينة النبي ﷺ ثلاثة أيام لم أستطعم فيها، فأتيت عند منبره ﷺ فركعت ركعتين وقلت: يا جدي جعت وأتمنى عليك ثردة، ثم غلبتني عيني فنمت، فبينا أنا نائم وإذا برجل يوقظني، فانتبهت فرأيت معه قدحا من خشب وفيه ثريد وسمن ولحم وأفاويه، فقال لي: كل، فقلت له: من أين هذا؟ فقال: إن صغاري لهم ثلاثة أيام يتمنون هذا الطعام، فلما كان اليوم فتح الله لي بشيء عملت به هذا، ثم نمت فرأيت رسول الله ﷺ في النوم وهو يقول: إن أحد إخوانك تمنى على هذا الطعام فأطعمه منه.
وسمعت الشيخ أبا عبد الله محمد بن أبي الأمان يقول: كنت بمدينة النبي ﷺ خلف محراب فاطمة رضي الله تعالى عنها، وكان الشريف مكثر القاسمي قائما خلف المحراب المذكور، فانتبه فجاء إلى النبي ﷺ وعاد علينا متبسما، فقال له شمس الدين صواب خادم الضريح النبوي: فيم تبسمت؟ فقال: كانت بي فاقة، فخرجت من بيتي فأتيت بيت فاطمة رضي الله تعالى عنها، فاستغثت بالنبي ﷺ وقلت: إني جائع، فنمت فرأيت النبي ﷺ فأعطاني قدح لبن فشربت حتى رويت، وهذا هو فبصق اللبن من فيه في كفي، وشاهدناه من فيه.
стр. 1014
وسمعت عبد الله بن الحسن الدمياطي يقول: حكى لي الشيخ الصالح عبد القادر التنيسي بثغر دمياط قال: كنت أمشي على قاعدة الفقير، فدخلت إلى مدينة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وسلمت على النبي ﷺ ، وشكوت له ضرري من الجوع، واشتهيت عليه الطعام من البر واللحم والتمر، وتقدمت بعد الزيارة للروضة فصليت فيها، وبت فيها، فإذا شخص يوقظني من النوم، فانتبهت ومضيت معه، وكان شابا جميلا خلقا وخلقا، فقدم إلى جفنة تريد وعليها شاة وأطباق من أنواع التمر صيحاني وغيره وخبزا كثيرا من جملته خبز أقراص سويق النبق، فأكلت فملأ لي جرابي لحما وخبزا وتمرا، وقال:
كنت نائما بعد صلاة الضحى فرأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المنام وأمرني أن أفعل لك هذا، ودلّني عليك، وعرفني مكانك بالروضة، وقال لي: إنك اشتهيت هذا وأردته.
وسمعت صديقي علي بن إبراهيم البوصيري يقول: سمعت عبد السلام بن أبي القاسم الصقلي يقول: حدثني رجل ثقة نسي اسمه، قال: كنت بمدينة النبي ﷺ ، ولم يكن لي شيء، فضعفت، فأتيت إلى الحجرة وقلت: يا سيد الأولين والآخرين، أنا رجل من أهل مصر ولي خمسة أشهر في جوارك، وقد ضعفت، فقلت: أسأل الله وأسألك يا رسول الله أن يسخر لي من يشبعني أو يخرجني، ثم دعوت عند الحجرة بدعوات، وجلست عند المنبر فإذا برجل قد دخل الحجرة فوقف يتكلم بكلام، ويقول: يا جداه يا جداه، ثم جاء إلي وقبض على يدي وقال لي: قم، فقمت وصحبته، فخرج بي من باب جبريل، وعدا إلى البقيع وخرج منه فإذا بخيمة مضروبة وجارية وعبد، فقال لهما: قوما فاصنعا لضيفكما عيشه فقام العبد وجمع الحطب وأوقد النار، وقامت الجارية وطحنت وصنعت ملة، وشاغلني بالحديث حتى أتت الجارية بالملة فقسمها نصفين وأتت الجارية بعكّة فيهما سمن فصبّ على الملة وأتت بتمر صيحاني فصنعها جيدا، وقال لي: كل، فأكلت شيئا قليلا، فصدرت، فقال لي: كل، فأكلت، ثم قال لي: كل، فقلت: يا سيدي لي أشهر لم آكل فيها حنطه، ولا أريد شيئا، فأخذ النصف الثاني وضم ما فضل مني من الملة وأتى بمزود وصاعين من تمر فوضعهما في المزود، وقال لي: ما اسمك؟ فقلت:
فلان، فقال: بالله عليك لا تعد تشكو إلى جدي فإنه يعز عليه ذلك، ومن الساعة متى جعت يأتيك رزقك حتى يسبب الله لك من يخرجك، وقال للغلام: خذه وأوصله إلى حجرة جدي، فغدوت مع الغلام إلى البقيع، فقلت له: ارجع قد وصلت، فقال: يا سيدي الله الأحد ما أقدر أفارقك حتى أوصلك إلى الحجرة لئلا يعلم النبي صلى الله
стр. 1015
تعالى عليه وسلم سيدي بذلك، فأوصلني إلى الحجرة، وودعني ورجع، فمكثت آكل من الذي أعطاني أربعة أيام، ثم جعت بعد ذلك، فإذا بالغلام قد أتاين بطعام، ثم لم أزل كذلك كلما جعت أتاني بطعام حتى سبب الله لي جماعة خرجت معهم إلى ينبع.
وروى ابن النعمان أيضا بسنده إلى أبي العباس بن نفيس المقرئ الضرير قال: جعت بالمدينة ثلاثة أيام، فجئت إلى القبر وقلت: يا رسول الله، جعت، ثم نمت ضعيفا، فركضتني جارية برجلها، فقمت إليها فقالت: أعزم، فقمت معها إلى دارها، فقدمت إلي خبز برّ وتمرا وسمنا وقالت: كل يا أبا العباس، قد أمرني بهذا جدي ﷺ ، ومتى جعت فأت إلينا.
قال أبو سليمان داود في مصنفه في الزيارة بعد روايته لذلك كله: إنه قد وقع في كثير مما ذكر وأمثاله أن الذي يأمره ﷺ في ذلك إنما يكون من الذرية الشريفة، لا سيما إذا كان المتناول طعاما؛ لأن من تمام جميل أخلاق الكرام إذا سئلوا القرى البداءة بأنفسهم، ثم بمن يكون منهم، فاقتضى خلقه الكريم أن إعطاء سائل القرى يكون منه ومن ذريته الكريمة.
قلت: والحكايات في هذا الباب كثيرة، بل وقع لي شيء منها: أني كنت بالمسجد النبوي عند قدوم الحاج المصري للزيارة، وفي يدي مفتاح الخلوة التي فيها كتبي بالمسجد: فمر بي بعض علماء المصريين ممن كان يقرأ على بعض مشايخي، فسلمت عليه، فسألني أن أمشي معه إلى الروضة الشريفة وأقف معه بين يدي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ففعلت، ثم رجعت فلم أجد المفتاح، وتطلبته في الأماكن التي مشيت إليها فلم أجده، وشق علي ذهابه في ذلك الوقت الضيق مع حاجتي إليه، فجئت إلى النبي ﷺ وقلت: يا سيدي يا رسول الله، ذهب مفتاح الخلوة، وأنا محتاج إليه وأريده من بابك، ثم رجعت فرأيت شخصا قاصدا الخلوة، فظننته بعض من أعرفه، فمشيت إليه، فلم أجده إياه، ووجدت صغيرا لا أعرفه بقرب الخلوة بيده المفتاح، فقلت له: من أين لك هذا؟
فقال: وجدته عند الوجه الشريف، فأخذته منه.
ومن هذا النوع ما اتفق لي في سكناي تلك الخلوة في ابتداء الأمر وغير ذلك مما يطول ذكره.
وأنشدت مرة بين يديه ﷺ في قضية أوذيت فيها قصيدة أولها:
يضام بحيكم يا عرب رامه ... نزيل أنتم صرتم مرامه
ويعدو من أعاديه عليه ... عداة صار قصدهم اهتضامه
стр. 1016
وأنتم عز من ينمي إليكم ... ومن أبوابكم حاز احترامه
وفي حرم بساحتسكم مقيم ... فلا يبغي العراق ولا شامه
وحبكم تحكم في حشاه ... وحبكم لذا أضحى غرامه
وليس له ملاذ أو نصير ... يجرد دون نصرته حسامه
سواكم آل غالب الموالي ... حماة الجار إن لحقته ضامه
ليوث الحرب إن مدت حراب ... غيوث المحل إن يخلب غمامه
بحقكم وذاك أجل حقّ ... له انتصروا فأنتم من تهامه
كرام مكرمون بخير رسل ... عظيم الجار موفيه ذمامه
وهي طويلة تزيد على ستين بيتا، ومنها:
له حرم به كرم مفاض ... لساكنه فقد حاز الكرامه
به قد صار عندكم نزيلا ... ويرجو نصركم فيما أضامه
جواركم عدت فيه الأعادي ... عليه إذ رأوا منه الإقامة
بحضرتكم فلا يبغي انتقالا ... ولكن قد أطال لها التزامه
وكادوه بما لم يخف عنكم ... ليقصوا عن عراصكم خيامه
فأنجز لي رسول الله نصري ... لتهنأ لي بذا الحرم الإقامه
ويكبت من عداتي شامتوهم ... وتعظم في قلوبهم الندامة
فقد أملت جاهك يا ملاذي ... لذا ولكل هول في القيامة
وحاشا أن تخيب لي رجاء ... وأنت الغوث من عرب برامه
كريم إن أضيم له نزيل ... فنصر الله يقدمه أمامه
ومن عاداته نصري وجبري ... وعادة مثله أبدا مدامه
فرأيت عقب ذلك مناما يؤذن بالنصر العظيم، ثم رأيته في اليقظة، ولله الحمد والمنة.
وقال الفقيه أبو محمد الإشبيلي في مؤلفه في فضل الحج: إنه نزل برجل من أهل غرناطة علة عجز عنها الأطباء وأيسوا من برتها، فكتب عنه الوزير أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال كتابا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسأله فيه الشفاء لدائه والبرء مما نزل به، وضمنه شعرا، وهو:
كتاب وقيذ من زمانة مستشف ... بقبر رسول الله أحمد يستشفي
لقد قدم قد قيّد الدهر خطوها ... فلم يستطع إلا الإشارة بالكف
ولما رأى الزوار يبتدرونه ... وقد عاقه عن ظعنه عائق الضعف
стр. 1017
بكى أسفا واستودع الركب إذ غدا ... تحية صدق تفعم الركب بالعرف
فيا خاتم الرسل الشفيع لربه ... دعاء مهيض خاشع القلب والطرف
عتيقك عبد الله ناداك ضارعا ... وقد أخلص النجوى وأيقن بالعطف
رجاك لضر أعجز الناس كشفه ... ليصدر داعيه بما جاء من كشف
لرجل رمى فيها الزمان فقصرت ... خطاه عن الصف المقدم في الزحف
وإني لأرجو أن تعود سوّية ... بقدرة من يحيي العظام ومن يشفي
فأنت الذي نرجو حيا وميتا ... لصرف خطوب لا تريم إلى صرف
عليك سلام الله عدة خلقه ... وما يقتضيه من مزيد ومن ضعف
قال: فما هو إلا أن وصل الركب إلى المدينة، وقرئ على قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هذا الشعر، وبرأ الرجل في مكانه، فلما قدم الذي استودعه إياه وجده كأنه لم يصبه ضر قط.
الفصل الرابع في آداب الزيارة والمجاورة، وهي كثيرة
منها الآداب المتعلقة بسفرها، وهي كما في سائر الأسفار: من الاستخارة، وتجديد التوبة، والخروج من المظالم، واستحلال المعاملين، والتوصية، وإرضاء من يتوجه إرضاؤه، وإطابة النفقة، والتوسعة في الزاد على نفسه ورفيقه وجماله، وعدم المشاركة فيه، وتوديع الأهل والإخوان والتماس أدعيتهم، وتوديع المنزل بركعتين، ويقرأ بعد السلام آية الكرسي ولإيلاف قريش، ثم يدعو ويسأل الإعانة والتوفيق في سائر أموره، ويقول:
اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكابة المنظر وسوء المنقلب، اللهم اقبض لنا الأرض وهون علينا السفر، فإذا نهض من جلوسه قال: اللهم بك انتشرت، وإليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي، اللهم اكفني ما أهمني، وما أهتم له، وما أنت أعلم به مني، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير حيثما توجهت.
ويستحب أن يتصدق عند الخروج من منزله بشيء وإن قل، وأن يحرص على رفيق موافق، راغب في الخير، كاره للشر، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، إلى غير ذلك من آداب السفر.
ومنها: إخلاص النية، وخلوص الطوية، فإنما الأعمال بالنيات، فينوي التقرب إلى الله تعالى بزيارة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 1018
ويستحب أن ينوي مع ذلك التقرب بالمسافرة إلى مسجده صلى الله تعالى عليه وسلم، وشد الرحل إليه، والصلاة فيه، كما قاله أصحابنا منهم ابن الصلاح والنووي، قال ابن الصلاح: ولا يلزم من هذا خلل في زيارته على ما لا يخفى.
ونقل شيخ الحنفية الكمال بن الهمام من مشايخهم أنه ينوي مع زيارة القبر زيارة المسجد، ثم قال: إن الأولى عنده تجريد النية لزيارة قبره ﷺ ، ثم إن حصل له إذا قدم زيارة المسجد أو يستفتح فضل الله في مرة أخرى ينويهما فيها؛ لأن ذلك زيادة تعظيمه وإجلاله صلى الله تعالى عليه وسلم، وليوافق ظاهر قوله صلى الله تعالى عليه وسلم «لا تحمله حاجة إلا زيارتي» انتهى.
وفيه نظر؛ لأنه ﷺ حث أيضا على قصد مسجده، ففي امتثاله تعظيمه أيضا.
وقوله «لا تحمله حاجة» أي لم يحث الشرع عليها، وقد لا يسمح له الزمان بزيارة المسجد، فليغتنم قصد ذلك مع الزيارة، بل ينوي أيضا الاعتكاف فيه ولو ساعة، وأن يعلّم فيه خيرا أو يتعلمه، وأن يذكر الله فيه ويذكر به.
ويستحب إكثار الصلاة والتسليم على النبي ﷺ ، وختم القرآن إن تيسر، والصدقة على جيرانه ﷺ ، وغير ذلك مما يستحب للزائر فعله؛ فينوي به التقرب أولا ليثاب على القصد، فنية المؤمن خير من عمله، وينوي اجتناب المعاصي والمكروهات حياء من الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومنها: أن يكون دائم الأشواق إلى زيارة الحبيب الشفيع كل عام بالوصول إلى ذلك الجناب الرفيع؛ فالشوق إلى لقائه وطلب الوصول إلى فنائه من أظهر علامات الإيمان.
وأكثر وسائل الفوز يوم الفزع الأكبر بالأمن والأمان، وليزدد شوقا وصبابة وتوقا، وكلما ازداد دنوا ازداد غراما وحنوا.
ومنها: أن يقول إذا خرج من بيته: بسم الله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إليك خرجت وأنت أخرجتني، اللهم سلمني وسلم مني، وردّني سالما في ديني كما أخرجتني، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضلّ، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ، عزّ جارك وجل ثناؤك وتبارك اسمك ولا إله غيرك، وكذا يقول الدعاء المستحب لقاصد المسجد.
ومنها: الإكثار في المسير من الصلاة والتسليم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بل يستغرق أوقات فراغه في ذلك وغيره من القربات.
ومنها: أن يتتبع ما في طريقه من المساجد والآثار المنسوبة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فيحيّيها بالزيارة، ويتبرك بالصلاة فيها، وقد استقصيناها فيما سبق.
стр. 1019
ومنها: إذا دنا من حرم المدينة وشاهد أعلامها ورباها وآكامها فليستحضر وظائف الخضوع والخشوع مستبشرا بالهنا وبلوغ المنى، وإن كان على دابة حرّكها أو بعير أوضعه تباشرا بالمدينة، ولله در القائل:
قرب الديار يزيد شوق الواله ... لا سيما إن لاح نور جماله
أو بشّر الحادي بأن لاح النّقا ... وبدت على بعد رؤوس جباله
فهناك عيل الصّبر من ذي صبوة ... وبدا الذي يخفيه من أحواله
وليجتهد حينئذ في مزيد الصلاة والسلام، وترديد ذلك كلما دنا من الربا والأعلام.
ولا بأس بالترجّل والمشي عند رؤية ذلك المحلّ الشريف والقرب منه، كما يفعله بعضهم؛ لأن وفد عبد القيس لما رأوا النبي ﷺ نزلوا عن الرواحل، ولم ينكر عليهم، وتعظيمه بعد الوفاة كتعظيمه في الحياة.
وقال أبو سليمان داود المالكي في الانتصار: إن ذلك يتأكد فعله لمن أمكنه من الرجال، وإنه يستحب تواضعا لله تعالى وإجلالا لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم.
وحكى عياض في الشفا أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرا وقرب من بيوتها ترجّل باكيا منشدا:
ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبّا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
ومنها: إذا بلغ حرم المدينة الشريفة فليقل بعد الصلاة والتسليم: اللهم هذا حرم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذي حرمته على لسانه، ودعاك أن تجعل فيه من الخير والبركة مثلي ما هو في حرم البيت الحرام، فحرمني على النار، وآمنّي من عذابك يوم تبعث عبادك، وارزقني من بركاته ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك، ووفقني لحسن الأدب وفعل الخيرات وترك المنكرات. ثم تشتغل بالصلاة والتسليم. وإن كان طريقه على ذي الحليفة فلا يجاوز المعرس حتى ينيخ به، وهو مستحب، كما قاله أبو بكر الخفاف في كتاب الأقسام والخصال والنووي وغيرهما.
وقال صاحب الطراز من المالكية: من آداب الزائر الغسل، ولباس أنظف الثياب.
وقال أبو عبد الله السامري الحنبلي في باب الزيارة من المستوعب: وإذا قدم مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم استحبّ له أن يغتسل لدخولها.
وقال في الإحياء: وليغتسل قبل الدخول من بئر الحرة، وليتطيب، وليلبس أحسن ثيابه.
стр. 1020
وقال الكرماني من الحنفية: فإن لم يغتسل خارج المدينة فليغتسل بعد دخولها.
وفي حديث قيس بن عاصم أنه لما قدم مع وفده أسرعوا هم بالدخول، وثبت هو حتى أزال مهنته وآثار سفره ولبس ثيابه، وجاء على تؤدة ووقار، ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فرضي له ذلك وأثنى عليه بقوله «إن فيك لخصلتين يحبهما الله:
الحلم، والأناة» .
وفي حديث المنذر بن ساوي التميمي أنه وفد من البحرين مع أناس، فذهبوا مع سلاحهم فسلموا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ووضع المنذر سلاحه ولبس ثيابا كانت معه ومسح لحيته بدهن، فأتى نبي الله ﷺ الحديث.
ويتجنب ما يفعله بعض الجهلة، من التجرد عن المخيط تشبها بحال الإحرام.
ومنها: إذا شاهد القبة المنيفة، وشارف المدينة الشريفة، فيلزم الخشوع والخضوع مستحضرا عظمتها، وأنها البقعة التي اختارها الله تعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم وحبيبه وصفيه، ويمثل في نفسه مواقع أقدام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند ترداده فيها، وأنه ما من موضع يطؤه إلا وهو موضع قدمه العزيزة، فلا يضع قدمه عليه إلا مع الهيبة والسكينة، متصوّرا خشوعه صلى الله تعالى عليه وسلم وسكينته في المشي وتعظيم الله له حتى قرن ذكره بذكره وأحبط عمل من انتهك شيئا من حرمته، ولو برفع صوته فوق صوته، ويتأسف على فوت رؤيته في الدنيا، وأنه من رؤيته في الآخرة على خطر لسوء صنعه وقبح فعله، ثم يستغفر لذنوبه، ويلتزم سلوك سبيله، ليفوز بالإقبال عند اللقاء ويحظى بتحية المقبول من ذوي البقاء.
ومنها: أن لا يخل بشيء مما أمكنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والغضب عند انتهاك حرمة من حرمه أو تضييع شيء من حقوقه صلى الله تعالى عليه وسلم، فإن من علامات المحبة غيرة المحبّ لمحبوبه، وأقوى الناس ديانة أعظمهم غيرة، وإذا خلا القلب من الغيرة فهو من المحبة أخلى، وإن زعم المحبة فهو كاذب.
ومنها: أن يقول عند دخوله من باب البلد: بسم الله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، حسبي الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا إليك، فإني لم أخرج بطرا ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
следующие страницы →