← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23695

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قلنا: ذكر عياض ما ملخصه أن بعض مشايخه جعل «أو» للشك من الراوي، وأن الظاهر خلافه لكثرة رواته بذلك، بل الظاهر أنه من لفظه ﷺ فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا، وإما أن تكون «أو» للتقسيم، ويكون شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين، أو شهيدا لمن مات في حياته وشفيعا لمن مات بعده، قال: وهذه الشفاعة أو الشهادة زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعاملين في القيامة وعلى شهادته على جميع الأمم، فيكون لتخصيصهم بذلك مزية وزيادة منزلة وحظوة قال: ويحتمل أن يكون «أو» بمعنى الواو. قلت: ويدل له ما رواه البزار برجال الصحيح عن عمر ﵁ بلفظ: «فمن صبر على لأوائها وشدتها كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة» وأسنده ابن النجار بلفظ: «كنت له شفيعا وكنت له شهيدا يوم القيامة» وأسنده المفضل الجندي في فضائل المدينة عن أبي هريرة أيضا بلفظ: «لا يصبر أحد على لأواء المدينة» وفي نسخة: «وحرها إلا كنت له شفيعا وشهيدا» قال القاضي: وإذا جعلنا «أو» للشك فإن كانت اللفظة شهيدا فالشهادة أمر زائد على الشفاعة المجردة المدخرة لغيرهم من الأمة، وإن كانت اللفظة شفيعا فهذه شفاعة غير العامة تكون لأهل المدينة بزيادة الدرجات أو تخفيف الحساب أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامات كإيوائهم في ظل العرش أو كونهم في روح «١» وعلى منابر أو الإسراع بهم إلى الجنة أو غير ذلك من خصوص الكرامات. قلت: ويحتمل: أن يجمع لهم ببركة شفاعته ﷺ أو شهادته الخاصة بين ذلك كله؛ فالجاه عظيم، والكرم واسع، وتأيد الوصية بالجار يؤيد ذلك، ويحتمل أيضا: أن يكون المراد مع ذلك البشرى بموتهم على الإسلام؛ لأن شفاعته وشهادته ﷺ المذكورة خاصة بالمسلمين، وكفى بذلك نعمة ومزية، وسيأتي الإشارة إلى نحو ذلك في أول الباب الثامن. وفي الموطأ والصحيحين حديث: «تفتح اليمن فيأتي قوم يبسّون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» الحديث. وقوله «يبسون» بفتح المثناة التحتية أوله وضم الباء الموحدة وكسرها، ويقال أيضا بضم المثناة وكسر الموحدة- يسوقون بهائمهم سوقا شديدا، وقيل: البسّ: سرعة الذهاب. المدينة تنفي الخبث وفي مسلم حديث «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه أو قريبه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج

стр. 37

أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد» . وفي الصحيحين: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد» وفي رواية لابن زبالة: «إن المدينة تنفي خبث الرجال» وفي رواية: «خبث أهلها كما ينفي الكير خبث الحديد» . وفي صحيح البخاري حديث: «إنها طيبة تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة» . وفي الصحيحين قصة الأعرابي الذي جاء من الغد محموما فقال: أقلني بيعتي، فأبى ﷺ فخرج الأعرابي، فقال ﷺ : «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيّبها» . قوله: «أقلني بيعتي» أي: انقض العهد حتى أرجع إلى وطني، وكأنه كان قد بايع على هجرة الإقامة. وقوله: «تنفي خبثها» يحتمل أن يكون بمعنى الطرد والإبعاد لأهل الخبث، وقصة الأعرابي المذكور ظاهرة فيه، وخصه ابن عبد البر بزمنه ﷺ والظاهر كما قال النووي عدم التخصيص؛ ففي الصحيح: «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها» يعني عند ظهور الدجال، وسيأتي في الفصل الخامس في حديث أحمد وغيره برجال الصحيح قصة خروج من بالمدينة من المنافقين إلى الدجال، ثم قال: «وذلك يوم التخليص، ذلك يوم تنفي المدينة الخبث» وقال عمر بن عبد العزيز مشفقا إذ خرج منها لمن معه: أتخشى أن نكون ممن نفت المدينة؟ وقد طهرها الله تعالى ممن كان بها من أرباب الأديان المخالفين لدين الإسلام، وأهلك من كان بها من المنافقين، وهؤلاء هم أهل الخبث الكامل، ومن عداهم من أهل الخبث والذنوب قد يكون طرده وإبعاده إن استمر على ذلك باخرة الأمر بنقل الملائكة له إلى غيرها من الأرض كما أشار إليه الأقشهري قال: ويكون قوله: «تنفي خبثها، وتنفي الذنوب» أي أهل ذلك، على طريقة حذف المضاف، ويحتمل أن يكون بمعنى طرد أهل الخبث الكامل، وهم أهل الشقاء والكفر، لا أهل السعادة والإسلام؛ لأن القسم الأول ليس قابلا للشفاعة ولا للمغفرة، وقد وعد ﷺ من يموت بها بالشفاعة لهذا وجب انتفاء القسم الأول منها، ويحتمل أن يكون بمعنى تخليص النفوس من شرهها وميلها إلى اللذات بما فيها من اللأواء والشدة، ويؤيده رواية «إنها طيبة تنفي الذنوب» الحديث، ويكون نفيها للذنوب على ظاهره، سيما وقد اشتملت على عظيم المضاعفات، وتنوع المثوبات، وتوالي الرحمات، وقد قال تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١٤] مع ما لأهلها من الشفاعة والشهادة الخاصة، وما بها من تضاعف البركات، ويحتمل أن يكون بمعنى أنه لا يخفى حال من انطوى فيها على خبث، بل تظهر طويته كما هو مشاهد بها، ولم أر الآن من نصّ على هذا الاحتمال،

стр. 38

وهو في حفظي قديما، ويؤيده ما في غزوة أحد في الصحيح من أنه ﷺ لما خرج إلى أحد رجع ناس من أصحابه- أي وهم المنافقون- فقال ﷺ : «المدينة كالكير» الحديث، ولهذا سميت بالفاضحة كما قدمته، مع أن الذي ظهر لي من مجموع الأحاديث واستقراء أحوال هذه البلدة الشريفة أنها تنفي خبثها بالمعاني الأربعة. وقوله: «وتنصع» بالفوقانية المفتوحة والنون والمهملتين كتمنع- أي: تخلص، والناصع: الخالص الصافي، و «طيبها» بفتح الطاء والتشديد منصوبا على أنه مفعول هذا هو المشهور فيه، والله أعلم. وعيد من أراد أهلها بسوء وفي صحيح مسلم من حديث جابر في تحريم المدينة مرفوعا: «ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء» . قال عياض: قوله «في النار» يدفع إشكال الأحاديث التي لم تذكر فيها هذه الزيادة، ويبين أن هذا حكمه في الآخرة. قال: وقد يكون المراد به أن من أرادها في حياة النبي ﷺ كفي المسلمون أمره، واضمحل كيده كما يضمحل الرصاص في النار. قال: ويحتمل أن يكون المراد من كادها اغتيالا وطلبا لغرتها فلا يتم له أمر، بخلاف من أتى ذلك جهارا. قال: وقد يكون في اللفظ تقديم وتأخير: أي أذابه الله كذوب الرصاص في النار، ويكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطانا، بل يذهبه عن قرب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية مثل مسلم بن عقبة، فأهلك في منصرفه منها. ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك، وغيرهما ممن صنع صنيعهما، انتهى. وهذا الاحتمال الأخير هو الأرجح، وليس في الحديث ما يقتضي أنه لا يتم له ما أراد منهم، بل الوعد بإهلاكه، ولم يزل شأن المدينة على هذا حتى في زماننا هذا لما تظاهرت طائفة العياشي بإرادة السوء بالمدينة الشريفة لأمر اقتضى خروجهم منها حتى أهلك الله تعالى عتاتهم مع كثرتهم في مدة يسيرة. وقد يقال: المراد من الأحاديث الجمع بين إذابته بالإهلاك في الدنيا وبين إذابته في النار في الآخرى، والمذكور في هذا الحديث هو الثاني، وفي غيره الأول؛ ففي رواية لأحمد برجال الصحيح من جملة حديث: «من أرادها بسوء» يعني المدينة «أذابه الله كما

стр. 39

يذوب الملح في الماء» وكذا في مسلم أيضا، وفي فضائل المدينة للجندي حديث «أيما جبّار أراد المدينة بسوء أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء» وفي رواية لمسلم «من أراد أهل هذه البلدة بسوء- يعني المدينة- أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء» في رواية له أيضا «من أراد أهل هذه البلدة بدهم أو بسوء» ، وروى البزار بإسناد حسن حديث: «اللهم اكفهم من دهمهم ببأس» يعني أهل المدينة «ولا يريدها أحد بسوء إلا أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» . وقوله: «دهمهم» محركا أي: غشيهم بسرعة، وقوله في الحديث قبله «بدهم» بفتح أوله وإسكان ثانيه- أي بغائلة وأمر عظيم، ولذا قيل: المراد غازيا مغيرا عليها. وفي البخاري حديث «لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء» وأسند ابن زبالة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ أشرف على المدينة فرفع يديه حتى رؤي عفرة إبطيه ثم قال: «اللهم من أرادني وأهل بلدي بسوء فعجّل هلاكه» وروى الطبراني في الأوسط برجال الصحيح حديث: «اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل» وفي رواية لغيره: «من أخاف أهل المدينة أخافه الله يوم القيامة، وغضب عليه، ولم يقبل منه صرفا ولا عدلا» وروى النسائي حديث: «من أخاف أهل المدينة ظالما لهم أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله» الحديث، ولابن حبان نحوه، وروى أحمد برجال الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ أن أميرا من أمراء الفتنة قدم المدينة، وكان قد ذهب بصر جابر، فيل لجابر: لو تنحيت عنه، فخرج يمشي بين ابنيه، فنكب، فقال: تعس من أخاف رسول الله ﷺ ! فقال ابناه، أو أحدهما: يا أبت، فكيف أخاف رسول الله ﷺ وقد مات؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي» . بسر بن أرطاة يغزو المدينة قلت: والظاهر أن الأمير المشار إليه هو بسر بن أرطاة. قال القرطبي: ذكر في رواية ابن عبد البر أن معاوية ﵁ بعد تحكيم الحكمين أرسل بسر بن أرطأة في جيش، فقدموا المدينة، وعاملها يومئذ لعلي ﵁ أبو أيوب الأنصاري- ﵁! - ففر أبو أيوب ولحق بعلي، ودخل بسر المدينة، وقال لأهلها: والله لولا ما عهد إلى أمير المؤمنين ما تركت فيها محتلما إلا قتلته، ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية، وأرسل إلى بني سلمة فقال: ما لكم عندي أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله، فأخبر جابر، فانطلق حتى جاء أم سلمة زوج النبي ﷺ فقال لها: ماذا ترين فإني أخشى أن أقتل، وهذه بيعة ضلال، فقالت: أرى أن

стр. 40

تبايع، وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، فأتى جابر بسرا فبايعه، وهدم بسر دورا بالمدينة، ثم انطلق. وفي رواية ستأتي في الفصل الخامس عشر أن أهل المدينة فرّوا يومئذ حتى دخلوا الحرة حرة بني سليم، والله أعلم. وفي الكبير للطبراني حديث: «من آذى أهل المدينة آذاه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرف ولا عدل» . وروى ابن النجار حديث: «من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وعيد من أحدث بها حدثا وفي الصحيحين في أحاديث تحريم المدينة: «فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» ولفظ البخاري: «لا يقبل منه صرف ولا عدل» قيل: الصرف الفريضة، والعدل التطوع، ونقل عن الجمهور، وقيل: عكسه، وقيل: الصرف التوبة، والعدل الفدية، قيل: والمعنى لا يقبل الله فريضته ونافلته أو توبته قبول رضا، ولا يجد في القيامة فداء يفتدى به من يهودي أو نصراني، بخلاف سائر المذنبين، وقيل غير ذلك، ومعنى هذا اللعن المبالغة في الإبعاد عن رحمة الله تعالى والطرد عن الجنة أول الأمر لأنه كلعن الكفار. قال القاضي: ومعنى قوله: «من أحدث فيها حدثا إلى آخره» من أتى فيها إثما أو آوى من أتاه وضمه إليه وحماه، وآوى بالمد والقصر، قال: واستدلوا به على أن ذلك من الكبائر؛ لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة. قلت: فيستفاد منه أن إثم الصغيرة بها كإثم الكبيرة بغيرها؛ لصدق الإثم بها، بل نقل الزركشي عن مالك ﵀ ما يقتضي شمول الحديث المذكور للمكروه كما بيناه في الأصل، وذلك لأن الإساءة بحضور الملك ليست كالإساءة في أطراف المملكة، وفقنا الله تعالى لحسن الأدب في هذه الحضرة الشريفة بمنّه وكرمه!!

стр. 41

الفصل الثالث في الحث على حفظ أهلها، وإكرامهم ، والتحريض على الموت بها واتحاذ الأصل. الوصية بحفظ أهلها روينا في كتاب ابن النجار عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «المدينة مهاجري، فيها مضجعي، ومنها مبعثي، حقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر، من حفظهم كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، ومن لم يحفظهم سقي من طينة الخبال» قيل للمزني: ما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار. قلت: قال بعضهم: المراد بالمزني معقل بن يسار، وتفسير طينة الخبال بذلك رفعه مسلم، والحديث في الكبير للطبراني بسند فيه متروك، ولفظه «المدينة مهاجري ومضجعي في الأرض، حق على أمتي أن يكرموا جيراني ما اجتنبوا الكبائر، فمن لم يفعل ذلك سقاه الله من طينة الخبال» قلنا: يا أبا يسار، وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار. وروى القاضي أبو الحسن علي الهاشمي في فوائده عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «المدينة مهاجري وفيها مضجعي، ومنها مخرجي، حق على أمتي حفظ جيراني فيها، من حفظ وصيتي كنت له شهيدا يوم القيامة، ومن ضيّعها أورده الله حوض الخبال، قيل: وما حوض الخبال يا رسول الله؟ قال: حوض من صديد أهل النار» . وروى ابن زبالة عن عطاء بن يسار وغيره حديث: «إن الله جعل المدينة مهاجري، وبها مضجعي، ومنها مبعثي، فحق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر، فمن حفظ فيهم حرمتي كنت له شفيعا يوم القيامة، ومن ضيع فيهم حرمتي أورده الله حوض الخبال» . وفي رواية له: «المدينة مهاجري، وبها وفاتي، ومنها محشري، وحقيق على أمتي أن يحافظوا جيراني ما اجتنبوا الكبيرة، من حفظ فيهم حرمتي كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» . وفي مدارك عياض قال محمد بن مسلمة: سمعت مالكا يقول: دخلت على المهدي فقال: أوصني، فقلت: أوصيك بتقوى الله وحده، والعطف على أهل بلد رسول الله ﷺ وجيرانه؛ فإنه بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «المدينة مهاجري، ومنها مبعثي، وبها قبري، وأهلها جيراني، وحقيق على أمتي حفظ جيراني؛ فمن حفظهم فيّ كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة، ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال» . وروى مالك في الموطأ أن النبي ﷺ كان جالسا وقبر يحفر بالمدينة، فاطّلع رجل في القبر فقال: بئس مضجع المؤمن! فقال رسول الله ﷺ : «بئس ما قلت» قال الرجل: إني

стр. 42

لم أرد هذا، إنما أردت القتل في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : «لا مثل للقتل في سبيل الله، ما على الأرض بقعة أحب إلي من أن يكون قبري بها منها» يعني المدينة، ثلاث مرات. وروى ابن شبة في أخبار مكة عن سعيد بن أبي هند قال: سمعت أبي يذكر أن النبي ﷺ «كان إذا دخل مكة قال: اللهم لا تجعل منايانا بمكة حتى نخرج منها» ورواه أحمد في مسنده برجال الصحيح عن ابن عمر مرفوعا، إلا أنه قال: «حتى تخرجنا منها» . وروى مالك والبخاري ورزين العبدري أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك، زاد رزين أن ذلك كان من أجلّ «١» دعاء عمر. وسبق ما جاء في أن الإنسان يدفن في التربة التي خلق منها؛ فالنبي ﷺ وأكثر أصحابه وأفضلهم خلقوا من تربة المدينة، وقد ثبت حديث: «من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة» ورواه البيهقي بلفظ: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فمن مات بالمدينة كنت له شفيعا وشهيدا» وفي رواية له: «فإنه من يمت بها أشفع له، أو أشهد له» وقد ذكر هذه الرواية ابن حبان في صحيحه. وروى الترمذي وابن حبان في صحيحه وابن ماجه والبيهقي وعبد الحق وصححه حديث «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها» ولفظ ابن ماجه «فإني أشهد» بدل «فإني أشفع» ورواه الطبراني في الكبير بسند حسن، ولفظه «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت؛ فإنه من مات بها كنت له شهيدا- أو شفيعا- يوم القيامة» ورواه ابن رزين بنحوه، وزاد «وإني أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون، ثم أنتظر أهل مكة فأحشر بين أهل الحرمين» وفي رواية لابن النجار «فأخرج أنا وأبو بكر وعمر إلى البقيع فيبعثون، ثم يبعث أهل مكة» . وروى الطبراني حديث «أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف» وأخرجه الترمذي بالواو بدل ثم، وسيأتي في فضل البقيع زيادة تتعلق بذلك. وبالجملة: فالترغيب في الموت في المدينة لم يثبت مثله لغيرها، والسكنى بها وصلة إليه؛ فيكون ترغيبا في سكناها، وتفضيلا لها على غيرها، واختيار سكناها هو المعروف من حال السلف، ولا شك أن الإقامة بالمدينة في حياته ﷺ أفضل إجماعا، فنستصحب ذلك بعد وفاته حتى يثبت إجماع مثله برفعه.

стр. 43

وأسند ابن شبة في أخبار مكة عن إسماعيل بن سالم قال: سألت عامرا عن فتيا أفتى بها حبيب بن أبي ثابت، فقال: ألا يفتي حبيب نفسه حيث نزل مكة وهي قرية أعرابية، ولأن أنزل دوران أحب إلي من أن أنزل مكة، وهي قرية هاجر منها النبي ﷺ . وعن الشعبي أنه كان يكره المقام بمكة، ويقول: هي دار أعرابية، هاجر منها رسول الله ﷺ وقال: ألا يفتي حبيب نفسه حيث يجاور بمكة وهي دار أعرابية، وقال عبد الرزاق في مصنفه: كان أصحاب رسول الله ﷺ يحجون ثم يرجعون، ويعتمرون ثم يرجعون، ولا يجاورون. قلت: ولم أظفر عن السلف بنقل في كراهة المجاورة بالمدينة الشريفة، بخلاف مكة، لكن اقتضى كلام النووي في شرح مسلم حكاية الخلاف فيها، وكأنه قاس المدينة على مكة من حيث إن علة الكراهة وهي خوف الملل وقلة الحرمة للأنس وخوف ملابسة الذنوب لأن الذنب بها أقبح، ونحوه موجود بالمدينة، ولهذا قال: والمختار أن المجاورة بهما جميعا مستحبة إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في المحذورات المذكورة. وقال الزركشي عقب نقل كلام النووي: إن الظاهر ضعف الخلاف في المدينة أي: لما قدمناه من الترغيب فيها، ولأن كل من كره المجاورة بمكة استدل بترك الصحابة الجوار بها، بخلاف المدينة فكانوا يحرصون على الإقامة بها، وقد روى الطبراني في الأوسط حديث «من غاب عن المدينة ثلاثة أيام جاءها وقلبه مشرب جفوة» وأسند ابن أبي حثمة حديث «من كان له بالمدينة أصل فليتمسك به، ومن لم يكن له بها أصل فليجعل له بها أصلا ولو قصرة» قال ابن الأثير: القصرة محركة أصل الشجرة، أي ولو نخلة واحدة، والقصرة أيضا: العنق، وقال الخطابي: القصرة النخلة، وقرأ الحسن إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [المرسلات: ٣٢] وفسروه بأعناق النخل، ورواه الطبراني في الكبير بلفظه إلى قوله «فليجعل له بها أصلا» وقال عقبه: «فليأتين على الناس زمان يكون الذي ليس له بها أصل كالخارج منها المجتاز إلى غيرها» ورواه ابن شبة أيضا بنحوه، ثم أسند عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا الأموال بمكة، واتخذوها الأموال في دار هجرتكم؛ فإن المرء مع ماله» وأسند أيضا عن ابن عمر حديث «لا تتخذوا من وراء الروحاء مالا، ولا تردوا على أعقابكم بعد الهجرة ولا تنكحوا بناتكم طلقاء أهل مكة، وأنكحوهن بأترابهن فأترابهن» أي: مستويات في السن في ثلاث وثلاثين سنة. وهذا كله متضمّن للحث على سكنى المدينة وتفضيله على سكنى مكة، وهي جديرة بذلك؛ لأن الله تعالى اختارها لنبيه ﷺ قرارا، وجعل أهلها شيعة له وأنصارا، وكانت لهم

стр. 44

أوطانا، ولو لم يكن إلا جواره ﷺ بها وقد قال ﷺ «ما زال جبريل يوصيني بالجار» الحديث، ولم يخص جارا دون جار، ولا يخرج أحد عن حكم الجار وإن جار، ولهذا اخترت تفضيل سكناها على مكة، مع تسليم مزيد المضاعفة لمكة؛ إذ جهة الفضل غير منحصرة في ذلك؛ فتلك لها مزيد العدد، ولهذه تضاعف البركة والمدد، ولتلك جوار بيت الله، ولهذه جوار حبيب الله وأكرم الخلق على الله، سر الوجود، والبركة الشاملة لكل موجود. قال عياض في المدارك: قال مصعب: لما قدم المهدي المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما بصر بمالك انحرف المهدي إليه فعانقه وسلّم عليه وسايره، فالتفت مالك إلى المهدي فقال: يا أمير المؤمنين، إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك، وهم أولاد المهاجرين والأنصار، فسلم عليهم؛ فإنه ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة، ولا خير من المدينة، قال: ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال: إنه لا يعرف قبر محمد ﷺ عندهم فينبغي أن يعرف فضلهم على غيرهم، ففعل المهدي ما أمره به، فأشار مالك- ﵀! - إلى أن المقتضى للتفضيل هو وجود قبر النبي ﷺ بها، ومجاورة أهلها له. الفصل الرابع في بعض دعائه ﷺ لها ولأهلها ، وما كان بها من الوباء، ونقله حب النبي ﷺ للمدينة روينا في الصحيحين حديث «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد» ورواه رزين العبدري والجندي بالواو بدل «أو» مع أن أوفى تلك الرواية بمعنى بل، وقد صح عنه ﷺ في محبة المدينة ما لم يرد مثله لمكة؛ ففي صحيح البخاري وجامع الترمذي حديث «كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته «١» ، وإن كان على دابة حركها من حبها» وفي رواية لابن زبالة «تباشرا بالمدينة» ، وفي رواية له «كان إذا أقبل من مكة فكان بالأثاية طرح رداءه عن منكبيه وقال: هذه أرواح طيبة» وقد تكرر دعاؤه ﷺ بتحبيب المدينة إليه كما سيأتي، والظاهر أن الإجابة حصلت بالأول، والتكرير لطلب الزيادة، وفي كتاب الدعاء للمحاملي وغيره عن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه «كان إذا قدم من سفر من أسفاره فأقبل على المدينة يسير أتم السير، ويقول: اللهم اجعل لنا بها قرارا، ورزقا حسنا» .

стр. 45

دعاؤه ﷺ للمدينة بالبركة وفي الصحيحين حديث «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة» . وفي مسلم «اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدّنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه» وفيه أيضا «اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين» وفيه أيضا وفي الترمذي حديث «كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاؤوا به إلى النبي ﷺ فإذا أخذه قال: اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا» الحديث، وهو يقتضي تكرر هذا الدعاء بتكرر ظهور التمرة والإتيان بأولها، وفي الترمذي- وقال: حسن صحيح- عن علي ﵁ «خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بحرة السقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص، فقال رسول الله ﷺ : ائتوني بوضوء، فتوضأ ثم قال فاستقبل القبلة فقال: اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك، ودعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثلي ما باركت لأهل مكة، مع البركة بركتين» . ورواه ابن شبة في أخبار مكة بنحوه، إلا أنه قال: «حتى إذا كنا بالحرة بالسقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص قال رسول الله ﷺ : ائتوني بوضوء، فلما توضأ قام فاستقبل القبلة ثم قال» الحديث بنحوه، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد، ولفظه: «خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا عند السقيا التي كانت لسعد قال رسول الله ﷺ : اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك وإني أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم مثل ما باركت لأهل مكة، واجعل مع البركة بركتين» هكذا في النسخة التي وقعت لنا، ولعله «مثلي» كما في الرواية السابقة، ويؤخذ منه الإشارة إلى أن المدعو به ستة أضعاف ما بمكة من البركة، وفي حديث رواه ابن زبالة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ «خرج إلى ناحية من المدينة، وخرجت معه، فاستقبل القبلة ورفع يديه حتى إني لأرى بياض ما تحت منكبيه، ثم قال: اللهم إن إبراهيم نبيك وخليلك دعاك لأهل مكة، وأنا نبيك ورسولك أدعوك لأهل المدينة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم، وقليلهم وكثيرهم، ضعفي ما باركت لأهل مكة، اللهم من هاهنا وهاهنا وهاهنا، حتى أشار إلى نواحي الأرض كلها، اللهم من أرادهم بسوء فأذبه كما يذوب الملح في الماء» وفي الأوسط للطبراني ورجاله ثقات عن ابن عمر قال: «صلى رسول الله ﷺ الفجر، ثم أقبل على القوم فقال: اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا

стр. 46

وصاعنا» الحديث، وفي الكبير له ورجاله ثقات عن ابن عباس نحوه، وروى أحمد والبزار وإسناده حسن عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ نظر يوما إلى الشام فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ونظر إلى العراق فقال: اللهم مثل ذلك، ونظر قبل كل أفق ففعل ذلك، وقال: اللهم ارزقنا من ثمرات الأرض، وبارك لنا في مدنا وصاعنا» وفي الصحيحين حديث «اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم» قال القاضي في الكلام عليه: البركة هنا بمعنى النمو والزيادة، وتكون بمعنى الثبات، فقيل: يحتمل أن تكون هذه البركة دينية، وهي ما تتعلق بهذه المقادير في الزكاة والكفارات؛ فتكون بمعنى الثبات لثبات الحكم بها وبقائه ببقاء الشريعة، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، أو ترجع البركة إلى كثرة ما يكلا بها من غلاتها وثمراتها، وفي هذا كله ظهر إجابة دعوته ﷺ وقال النووي: الظاهر أن المراد البركة في نفس المكيل في المدينة، بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها. قلت: هذا هو الظاهر فيما يتعلق بأحاديث الكيل، وأما غيرها فعلى عمومه في سائر الأمور الدينية والدنيوية. وروينا في فضائل المدينة للجندي حديث: «اللهم حبّب إلينا المدينة، كحبنا مكة وأشد، وصححها لنا، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل حماها، واجعلها بالجحفة» وروى أحمد برجال الصحيح عن أبي قتادة أن النبي ﷺ «صلى بأرض سعد بأصل الحرة عند بيوت السقيا، ثم قال: اللهم إن إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثلي ما دعاك به إبراهيم لمكة، أدعوك أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم، الله حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، واجعل ما بها من وباء بخم» الحديث، وقوله «بخم» بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم- مكان قرب الجحفة كما سيأتي في موضعه، وروى ابن زبالة حديث «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك فيها أصحابه» وفيه «فجلس رسول الله ﷺ على المنبر، ثم رفع يده، ثم قال: اللهم انقل عنا الوباء» فلما أصبح قال: أتيت هذه الليلة بالحمى، فإذا بعجوز سوداء ملبّبة في يدي الذي جاء بها، فقال: هذه الحمى، فما ترى فيها؟ فقلت: اجعلوها بخّم» . الدعاء بنقل وبائها وفي مسلم حديث عن عائشة ﵂: «قدمنا إلى المدينة وهي وبية فاشتكى أبو بكر، واشتكى بلال، فلما رأى رسول الله ﷺ شكوى أصحابه قال: «اللهم حبّب إلينا

стр. 47

المدينة كما حببت مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وحوّل حمّاها إلى الجحفة» . وهو في البخاري بلفظ: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال- ﵄! - وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كلّ امرئ مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا قلع عنه يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حمّاها إلى الجحفة» قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجري نجلا، تعني ماء آجنا «١» . ورواه في الموطأ بزيادة: «وكان عامر بن فهيرة يقول: قد ذقت طعم الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه» ورواه ابن إسحاق بزيادة أخرى، ولفظه: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرفه الله عن نبيه ﷺ قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال مولى أبي بكر مع أبي بكر في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب الحجاب، ولهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك، فدنوت من أبي بكر، فقلت: كيف تجدك يا أبت؟ أي كيف تجد نفسك، فقال: كل امرئ البيت المتقدم، فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة، فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال: لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقه «٢» قالت: فقلت ما يدري عامر ما يقول، وقالت: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته وقال:

стр. 48

ألا ليت شعري البيتين. ورواه ابن زبالة بلفظ: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أصحابه، فخرج يعود أبا بكر، فوجده يهجر «١» ، فقال: يا رسول الله: لقد لقيت الموت قبل ذوقه البيت المتقدم، فخرج من عنده، فدخل على بلال فوجده يهجر وهو يقول: ألا ليت شعري البيتين المتقدمين، ودخل على أبي أحمد بن جحش فوجده موعوكا، فلما جلس إليه قال: وا حبذا مكّة من وادي ... أرض بها تكثر عوّادي أرض بها تضرب أوتادي ... أرض بها أهلي وأولادي أرض بها أمشي بلا هادي فخرج رسول الله ﷺ فدعا أن ينقل الوباء من المدينة فيجعله بخم. وفي رواية له أنه «أمر عائشة بالذهاب إلى أبي بكر ومولييه، وأنها رجعت وأخبرته بحالهم، فكره ذلك، ثم عمد إلى بقيع الخيل- وهو سوق المدينة «٢» - فقام فيه ووجهه إلى القبلة، فرفع يديه إلى الله فقال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لأهل المدينة في سوقهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم، اللهم انقل ما كان بالمدينة من وباء إلى مهيعة» . قوله «رفع عقيرته» أي صوته، وقوله «بواد» روى «بفخ» وهو وادي الزاهر، والجليل- بالجيم- الثمام، ومجنة- بكسر الميم وفتحها- سوق بأسفل مكة، وقال الأصمعي: بمر الظهران، وشامة وطفيل: جبلان يشرفان على مجنة، قاله ابن الأثير، قال: ويقال «شابة» بالباء الموحدة، وهو جبل حجازي، قال المحب الطبري: وروايته بالباء الموحدة بخط شيخنا الصاغاني، وكتب عليها صح، وقال الطبري: والأشهر أنهما جبلان على مراحل من مكة من جهة اليمن، وقال الخطابي: عينان. وقوله «بطوقه» أي بطاقته، وقوله «بروقه» أي بقرنه، و «مهيعة» هي الجحفة أحد المواقيت المشهورة، وخم: بقربها، وإنما دعا ﷺ بنقل الحمى إليها لأنها كانت دار شرك، ولم تزل من يومئذ أكثر بلاد الله حمى، قال بعضهم: وإنه ليتقى شرب الماء من عينها التي يقال لها عين خم، فقلّ من شرب منها إلا حم.

стр. 49

وروى البيهقي حديث عائشة من طريق هشام بن عروة عن أبيه، وفيه «قال هشام: فكان المولود يولد بالجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تضرعه الحمى «١» » . وقال الخطابي: كان أهل الجحفة إذ ذاك يهودا، وقيل: إنه لم يبق أحد من أهلها إلا أخذته الحمى. قال النووي: وهذا علم من أعلام نبوته ﷺ فإن الجحفة من يومئذ وبية، ولا يشرب أحد من مائها إلا حم. وبطحان: من أودية المدينة كما سيأتي، والماء الآجن: المتغير الطعم واللون. الوباء بالمدينة جاهلي قديم واتفق أهل الأخبار أن الوباء بالمدينة كان شديدا، حتى روى ابن إسحاق عن هشام بن عروة قال: كان وباؤها معروفا في الجاهلية، وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها قيل له: انهق، فينهق كما ينهق الحمار. وفي دلائل النبوة من طريق هشام عن أبيه عن عائشة قالت: «قدم رسول الله ﷺ المدينة وهي أوبأ أرض الله، وواديها بطحان نجل يجري عليه الأثل» قال هشام: وكان وباؤها معروفا في الجاهلية، وكان إذا كان الوادي وبيا فأشرف عليه الإنسان قيل له: انهق نهيق الحمار، فإذا فعل ذلك لم يضره وباء ذلك الوادي، قال الشاعر حين أشرف على المدينة: لعمري لئن عشّرت من خيفة الرّدى ... نهيق الحمار إنني لجزوع قالت عائشة: فاشتكى أبو بكر، الحديث. ثنية الوداع وروى ابن شبة عن عامر بن جابر قال: كان لا يدخل المدينة أحد إلا من طريق واحد، من ثنية الوداع، فإن لم يعشّر بها- أي: ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق واحد- مات قبل أن يخرج منها، فإذا وقف على الثنية قيل: قد ودع، فسميت ثنية الوداع، حتى قدم عروة بن الورد العبسي، فقيل له: عشر بها، فلم يعشر، وأنشأ يقول: لعمري لئن عشّرت من خشية الردى ... نهاق الحمار إنني لجزوع ثم دخل فقال: يا معشر يهود، ما لكم وللتعشير؟ قالوا: إنه لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشّر بها إلا مات، ولا يدخلها أحد من غير ثنية الوداع إلا قتله الهزال، فلما ترك عروة التعشير تركه الناس ودخلوا من كل ناحية.

стр. 50

تحويل الوباء من دلائل النبوة وتحويل الوباء من أعظم المعجزات؛ إذ لا يقدر عليه جميع الأطباء، وفي البخاري حديث «رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة» وفي الأوسط للطبراني نحوه، وفي كتاب ابن زبالة «أصبح رسول الله ﷺ يوما، فجاءه إنسان كأنه قدم من ناحية طريق مكة، فقال له النبي ﷺ : هل لقيت أحدا؟ قال: لا، إلا امرأة سوداء عريانة ثائرة الشعر، فقال رسول الله ﷺ : تلك الحمى، ولن تعود بعد اليوم أبدا» وفيه أيضا حديث: «اللهم حبّب إلينا المدينة، وانقل وباءها إلى مهيعة، وما بقي منه فاجعله تحت ذنب مشعط» وحديث: «إن كان الوباء في شيء من المدينة فهو في ظل مشعط» . قال المجد: هو جبل أو موضع بالمدينة. قلت: سيأتي عن ابن زبالة في المنازل أن بني حديلة ابتنوا أطمين أحدهما يقال له «مشعط» كان موضعه في غربي مسجد بني حديلة، وفي موضعه بيت يقال له بيت أتى نبيه، ثم أورد عقبه الحديث المذكور، فأفاد أنه هو المراد، وفيه أيضا حديث: «أصح المدينة من الحمى ما بين حرّة بني قريظة والعريض» وهو يؤذن ببقاء شيء من الحمى بالمدينة، وأن الذي نقل عنها أصلا ورأسا سلطانها وشدتها ووباؤها وكثرتها بحيث لا يعد ما بقي بالنسبة إليه شيئا، ويحتمل أنها رفعت أولا بالكلية، ثم أعيدت خفيفة لئلا يفوت ثوابها كما أشار إليه الحافظ بن حجر، ويدل له ما روى أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن جابر: استأذنت الحمى على رسول الله ﷺ فقال: من هذه؟ فقالت: أم ملدم، فأمر بها إلى أهل قباء، فلقوا ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فأتوه فشكوا ذلك إليه، فقال: ما شئتم، إن شئتم دعوت الله ليكشفها عنكم، وإن شئتم تكون لكم طهورا، قالوا: أو تفعل؟ قال: نعم، قالوا: فدعها» ورواه الطبراني بنحوه، وقال فيه: «إن شئتم تركتموها وأسقطت بقية ذنوبكم، قالوا: فدعها يا رسول الله» وروى أحمد ورجاله ثقات حديث: أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون بالشام، فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز على الكفار» والأقرب أن هذا كان في آخر الأمر بعد نقل الحمى بالكلية، لكن قال الحافظ ابن حجر: لما دخل ﷺ المدينة كان في قلة من أصحابه، فاختار الحمى لقلة الموت بها على الطاعون لما فيها من الأجر الجزيل، وقضيتها إضعاف الأجساد، فلما أمر بالجهاد دعا بنقل الحمى إلى الجحفة، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له

стр. 51

الحمى التي هي حظ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة، يعني بعد كثرة المسلمين تمييزا لها على غيرها، انتهى، وهو يقتضي عود شيء من الحمى إليها باخرة الأمر، والمشاهد في زماننا عدم خلوها عنها أصلا، لكنه كما وصف أولا، بخلاف الطاعون، فإنها محفوظة عنه بالكلية كما سيأتي، والأقرب أنه ﷺ لما سأل ربه تعالى لأمته أن لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعه ذلك فقال في دعائه: «فحمى إذا أو طاعونا» أراد بالدعاء بالحمى للموضع الذي لا يدخله طاعون كما سنشير إليه في الفصل الآتي؛ فيكون ما بالمدينة اليوم ليس هو حمى الوباء، بل حمى رحمة بدعائه ﷺ كما سنوضحه، والله أعلم. الفصل الخامس في عصمتها من الدجال والطاعون حراسة المدينة من الدجال والطاعون روينا في الصحيحين وغيرهما حديث «على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» وفيهما أيضا حديث «ليس من بلد إلا سيطؤها الدجال، إلا مكة والمدينة، ليس نقب من أنقابها إلا عليه ملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق» وفي رواية «فيأتي سبخة الجرف، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة» وفي البخاري حديث «لا يدخل المدينة رعب المسيح، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان» وفي مسلم حديث «يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة حتى ينزل دبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهناك يهلك» وفي الصحيحين «قصة خروج الرجل الذي هو خير الناس، أو من خير الناس، من المدينة إلى الدجال إذا نزل بعض سباخها فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ » الحديث بطوله. قال معمر فيما رواه أبو حاتم: يرون هذا الرجل هو الخضر ﵇. وروى أحمد والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: «أشرف رسول الله ﷺ على فلق «١» من أفلاق الحرة ونحن معه، فقال: نعم الأرض المدينة، إذا خرج الدجال، على كل نقب من أنقابها ملك لا يدخلها، فإذا كان ذلك رجفت المدينة بأهلها ثلاث رجفات لا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، وأكثرهم- يعني من يخرج إليه- النساء، وذلك يوم التخليص، ذلك يوم تنفي المدينة الخبث كما ينفي

стр. 52

الكير خبث الحديد، يكون معه سبعون ألفا من اليهود، على كل رجل منهم ساج وسيف محلى؛ فيضرب قبته بهذا المضرب الذي بمجتمع السيول» الحديث بطوله، ولفظ الطبراني «يا أهل المدينة، اذكروا يوم الخلاص، قالوا: وما يوم الخلاص؟ قال: يقبل الدجال حتى ينزل بذباب، فلا يبقى في المدينة مشرك ولا مشركة، ولا كافر ولا كافرة، ولا منافق ولا منافقة، ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه، ويخلص المؤمنون، فذلك يوم الخلاص» وروى أحمد برجال الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «يوم الخلاص، وما يوم الخلاص؟ ثلاثا، فقيل له: وما يوم الخلاص؟ قال: يجيء الدجال فيصعد أحدا فيقول لأصحابه: أترون هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد، ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب منها ملكا مصلتا، فيأتي سبخة الجرف، فيضرب رواقه، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه، فذلك يوم الخلاص» وقال الحافظ ابن حجر: إن أحمد والحاكم أخرجا من رواية محجن بن الأدرع رفعه «يجيء الدجال فيصعد أحدا فيطلع فينظر إلى المدينة فيقول لأصحابه: ألا ترون إلى هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد، ثم يأتي المدينة فيجد في كل نقب من أنقابها ملكا مصلتا سيفه» وبقيته بلفظ الحديث المذكور، إلا أنه قال في آخره: «فتخلص المدينة، فذلك يوم الخلاص» والمراد بالرواق الفسطاط، ولابن ماجه من حديث أبي أمامة «ينزل عند الطريق الأحمر عند منقطع السبخة» ولأحمد من حديث ابن عمر «ينزل الدجال في هذه السبخة بمرقناة» أي: ممرها، وفي عقيق المدينة للزبير بن بكار عن أبي هريرة «ركب رسول الله ﷺ إلى مجتمع السيول، فقال: ألا أخبركم بمنزل الدجال من المدينة؟ ثم قال: هذا منزله، يريد المدينة، لا يستطيعها، يجدها متمنطقة بالملائكة، على كل نقب من أنقابها ملك شاهر سلاحه، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، فيزلزل بالمدينة وبأصحاب الدجال زلزلة، لا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، وأكثر من يتبعه النساء، فلا يعجز الرجل أن يمسك سفيهته» . قلت: يستفاد منه أن المراد من قوله في الأحاديث المتقدمة: فترجف المدينة يعني بسبب الزلزلة، فلا يشكل بما تقدم من أنه لا يدخل المدينة رعب المسيخ الدجال فيستغنى عما جمع به بعضهم من أن الرعب المنفي هو ألايحصل لمن بها بسبب قربه منها خوف، أو هو عبارة عن غايته، وهو غلبته عليها، والمراد بالرجفة إشاعة مجيئه وأن لا طاقة لأحد به؛ فيتسارع حينئذ عليه من كان يتصف بالنفاق أو الفسق، قاله الحافظ ابن حجر، وما قدمناه أولى. وفي الأوسط للطبراني حديث «ينزل الدجال حذو المدينة، فأول من يتبعه النساء والإماء» وفي حديث رواه أحمد والطبراني واللفظ له ورجاله ثقات في وصف الدجال «ثم

стр. 53

يسير حتى يأتي المدينة، ولا يؤذن له فيها، فيقول: هذه قرية ذاك الرجل، ثم يسير حتى يأتي الشام فيهلكه الله عند عقبة أفيق» وروى أبو يعلى حديث الجساسة المشهور في الصحيح بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح وزاد فيه «هو المسيح تطوى له الأرض في أربعين يوما، إلا ما كان من طيبة، قال رسول الله ﷺ : وطيبة المدينة، ما باب من أبوابها إلا وملك مصلت سيفه يمنعه، وبمكة مثل ذلك» وفي البخاري والترمذي حديث «المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى» . وروى أحمد ورجاله ثقات وابن شبة برجال الصحيح حديث «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون» ، وروى أحمد مرسلا وابنه متصلا وكذا الطبراني ورجاله ثقات حديث «ذكر لرسول الله ﷺ رجل خرج من بعض الأرياف، حتى إذا كان قريبا من المدينة ببعض الطريق أصابه الوباء؛ ففزع الناس؛ فقال رسول الله ﷺ : إني لأرجو ألايطلع علينا نقابها» يعني: المدينة؛ ونقابها وأنقابها: طرقها وفجاجها؛ واحدها نقب، بكسر النون. وقوله في الرواية المتقدمة «فلا يقربها الدجال ولا الطاعون» فيقتضي جواز دخول الطاعون المدينة، ويرده الجزم في سائر الأحاديث، والصواب حفظها منه كما هو المشاهد. وقد استشكل قرن الدجال بالطاعون مع أن الطاعون شهادة ورحمة فكيف يتمدح بعدمه؟ والجواب من وجوه: أحدها: أن كونه كذلك ليس لذاته، وإنما المراد ترتب ذلك عليه، وقد ثبت تفسيره من رواية أحمد «بوخز أعدائكم من الجن» ؛ فيكون الإشارة بذلك إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من الطعن، كما أن الدجال ممنوع منها، ألا ترى أن قتل الكافر المسلم شهادة، ولو ثبت لمحل أن الكفار لا تسلط عليه لحاز بذلك غاية الشرف، ثانيها: أن أسباب الرحمة لم تنحصر في الطاعون، وقد عوضهم ﷺ عنه الحمى حيث اختارها عندما عرضا عليه كما تقدم، وهي مطهرة للمؤمن وحظه من النار، والطاعون يأتي في بعض الأعوام، والحمى تتكرر في كل حين، فيتعادلان، وفيه نظر؛ لأن تكثير أسباب الرحمة مطلوب، ولأنه لا يدفع إشكال التمدح بعدمه، ثالثها: أنه وإن اشتمل

стр. 54

على الرحمة والشهادة فقد ورد أن سببه أشياء تقع من الأمة كظهور بعض المعاصي، وقد روى أحمد بأسانيد حسان وصحاح عن شرحبيل بن حسنة وغيره «أنه- يعني الطاعون- رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم» وروى أحمد أيضا تفسير كونه دعوة نبيكم عن أبي قلابة بأنه ﷺ سأل ربه ألا يهلك أمته بستة، فأعطيها، وسأله ألا يسلط عليهم عدوّا من غيرهم، فأعطيها، وسأله ألا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، فمنعه، فقال ﷺ في دعائه: فحمى إذا أو طاعونا» كرره ثلاثا؛ فقد تضمن الطاعون نوعا من المؤاخذة؛ لأنه ﷺ دعا به ليحصل كفاية إذاقة بعضهم بأس بعض، ويكون هلاكهم حينئذ بسبب لا يعصون به، بل يثابون؛ فحفظ الله تعالى بلد نبيه ﷺ من الطاعون المشتمل على الانتقام إكراما لنبيه ﷺ وجعل لهم الحمى المضعفة للأبدان عن إذاقة بعضهم بأس بعض والمطهرة لهم؛ فقوله ﷺ «فحمى إذا» أي: للموضع الذي لا يدخله الطاعون، بل عصم منه وهو جواره الشريف، وقوله «أو طاعونا» أي للموضع الذي لم يعصم منه، وهو سائر البلاد، هذا ما ظهر لي في فهم هذه الأحاديث، وهو يقتضي شرف الحمى الواقعة بالمدينة وفضلها؛ لأنها دعوة نبينا محمد ﷺ ورحمة ربنا أيضا؛ لأنها من لازم دعوة النبي ﷺ ولأنها جعلت في مقابلة الطاعون الذي هو رحمة لغيرهم؛ فتكون الحمى رحمة لهم؛ فهي غير حمى الوباء الذاهبة من المدينة، رابعها- ذكره الحافظ ابن حجر نقلا عن القرطبي- وهو أن المعنى لا يدخل إلى المدينة من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس «١» ، قال الحافظ ابن حجر: وهو يقتضي أن الطاعون يدخلها في الجملة، وليس كذلك؛ فقد جزم ابن قتيبة وتبعه جمع جم من آخرهم النووي بأن الطاعون لا يدخل المدينة أصلا، ولا مكة أيضا، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون العام سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة فلم يذكر أحد قط أنه دخلها أصلا، ثم ذكر الحافظ ابن حجر الحديث المتقدم المشتمل على ذكر مكة أيضا، ثم قال: وعلى هذا فالذي نقل أنه وجد بمكة ليس كما ظن ناقله كونه طاعونا، بل وباء، وهو أعم من الطاعون، أو يجاب بجواب القرطبي المتقدم، قال: ولعله بنى جوابه على أن الطاعون ما ينشأ عن فساد الهوى فيقع به الموت الكثير، وليس كذلك؛ ففي الصحيح قول أبي الأسود: قدمت المدينة وهم يموتون بها موتا ذريعا؛ فهذا وقع بالمدينة وهو وباء، ولكن الشأن في تسميته طاعونا، قال: والحق أن المراد بالطاعون في هذه الأحاديث الذي ينشأ

стр. 55

عن طعن الجن فيهيج به الدم في البدن فيقتل، فهذا لم يدخل المدينة قط. قلت: نقل الزركشي عن القرطبي أنه فسر الطاعون بالموت العام الفاشي، وهو صريح في أنه أراد ما فهمه عنه الحافظ ابن حجر، ويرده قوله في الحديث المتقدم «حتى إذا كان قريبا من المدينة ببعض الطريق أصابه الوباء فأفزع الناس» فإن المراد فيه بالوباء الطاعون المعروف بعلاماته عندهم، وإلا فموت الشخص الواحد لا يفزع ولا يسمى موتا عاما، ويبعد جعل الموت العام بمجرده شهادة، وقد أخبر بعض الأولياء بمشاهدة الجن يقظة يطعنون الناس في بعض سني الطاعون، ورأيته أنا كذلك مناما، ورأيت أن بيني وبينهم حائلا، فحماني الله منه في تلك السنة، على أنه لو سلّم أن المراد ما ذكره القرطبي فالإشكال المتقدم باق؛ إذ يقال: لم لم يكثر بالمدينة وهو رحمة؟ فالحق ما قدمناه، وهذا- كما قال بعضهم- من المعجزات العظيمة المستمرة التي هي من أعلام نبوته ﷺ لأن الأطباء بأجمعهم قد عجزوا عن دفع الطاعون عن بلد ما في دهر من الدهور. وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة، مع أنه يقع بالحجاز الشريف، ويدخل قرية الينبع وجدة والفرع والصفراء والخيف وغير ذلك من الأماكن القريبة من المدينة، ولا يدخلها هي كما شاهدنا ذلك في طاعون أواخر سنة إحدى وثمانين وثمانمائة مع أوائل التي بعدها؛ فإنه عم أكثر الأماكن القريبة من المدينة، وكثر بجدة، واختلف في دخوله مكة، والذي تحققناه كثرة الموت بها في ذلك الزمان، وكثرت الحمى بالمدينة، لكن لم يكثر بها موت، وبالجملة فهي محفوظة منه أتم الحفظ؛ فلله الحمد والمنة. الفصل السادس في الاستشفاء بترابها، وبتمرها ، وما جاء فيه ما جاء في أن ترابه شفاء روينا في كتاب ابن النجار والوفاء لابن الجوزي حديث «غبار المدينة شفاء من الجذام» وفي جامع الأصول لابن الأثير وبيّضا لمخرجه عن سعد ﵁ قال: «لما رجع رسول الله ﷺ من تبوك تلقاه رجال من المخلّفين من المؤمنين، فأثاروا غبارا، فخمر- أو فغطى- بعض من كان مع رسول الله ﷺ أنفه، فأزال رسول الله ﷺ اللثام عن وجهه، وقال: والذي نفسي بيده إن في غبارها شفاء من كل داء» قال: وأراه ذكر «ومن الجذام والبرص» وقد أورده كذلك رزين العبدري في جامعه، وهو مستند ابن الأثير في إيراده، قال الحافظ المنذري: ولم أره في الأصول.

стр. 56

الاستشفاء بتراب صعيب وروى ابن رزين أيضا عن ابن عمر نحوه، إلا أنه قال: «فمد رسول الله ﷺ يده فأماطه عن وجهه، وقال: أما علمت أن عجوة المدينة شفاء من السقم، وغبارها شفاء من الجذام» ورواه ابن زبالة مختصرا عن صيفي بن أبي عامر، ولفظه «والذي نفسي بيده إن تربتها لمؤمنة، وإنها شفاء من الجذام» وروي أيضا عن أبي سلمة: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «غبار المدينة يطفي الجذام» . قلت: وقد رأينا من استشفى بغبارها من الجذام، وكان قد أضرّ به كثيرا؛ فصار يخرج إلى الكومة البيضاء ببطحان بطريق قباء ويتمرغ بها ويتخذ منها في مرقده، فنفعه ذلك جدّا. وروى ابن زبالة ويحيى بن الحسن بن جعفر العلوي وابن النجار كلاهما من طريقه «أن النبي ﷺ أتى بلحارث، فإذا هم روبى «١» ، فقال: ما لكم يا بني الحارث روبى؟ قالوا: أصابتنا يا رسول الله هذه الحمى، قال: فأين أنتم عن صعيب؟ قالوا: يا رسول الله ما نصنع به؟ قال: تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء، ثم يتفل عليه أحدكم ويقول: بسم الله، تراب أرضنا، بريق بعضنا، شفاء لمريضنا، بإذن ربنا، ففعلوا، فتركتهم الحمى» قال ابن النجار عقبه: قال أبو القاسم طاهر بن يحيى العلوي: صعيب: وادي بطحان دون الماجشونية، وفيه حفرة مما يأخذ الناس منه، وهو اليوم إذا وبأ إنسان أخذ منه. قلت: قد رأيت ذلك في نسخة كتاب يحيى التي رواها ابنه طاهر بن يحيى عنه، والماجشونية هي الحديقة المعروفة اليوم بالمدشونية، وقال ابن النجار عقبه: وقد رأيت أنا هذه الحفرة اليوم، والناس يأخذون منها، وذكروا أنهم قد جربوه فوجدوه صحيحا، قال: وأخذت أنا منه أيضا. قلت: وهذه الحفرة موجودة اليوم، مشهورة سلفا عن خلف، يأخذ الناس منها وينقلونه للتداوي، وقد بعثت منها لبعض الأصحاب أخذا مما ذكروه في أخذ نبات الحرم للتداوي، ثم رأيت الزركشي قد قال: ينبغي أن يستثنى من منع نقل تراب الحرم تربة حمزة ﵁؛ لإطباق السلف والخلف على نقلها للتداوي من الصداع، فقلت عند الوقوف عليه: أين هو من تراب صعيب لما قدمناه فيه؟ بخلاف ما ذكره إذ لا أصل له، وذكر المجد أن جماعة من العلماء ذكروا أنهم جربوا تراب صعيب للحمى فوجدوه صحيحا، قال: وأنا بنفسي سقيته غلاما لي مريضا من نحو سنة تواظبه الحمى، فانقطعت عنه من يومه، وذكر المجد أيضا في موضع آخر كيفية الاستشفاء به أنه يجعل في الماء ويغتسل به، وكذا ذكره الجمال المطري عند ذكر صعيب فقال: وفيه حفرة يؤخذ من ترابها ويجعل في الماء ويغتسل به من الحمى. قلت: فينبغي أن يجعل في الماء ثم يتفل عليه، وتقال الرقية الواردة، ثم يجمع بين الشرب والغسل منه، ويستأنس للغسل بما رويناه عن جزء وأبي مسعود بن

стр. 57

الفرات الرازي عن ثابت بن قيس «أن النبي ﷺ عاده وهو مريض فقال: أذهب الباس ربّ الناس «١» ، عن ثابت بن قيس بن شماس، ثم أخذ كفا من بطحاء، فجعله في قدح من ماء، ثم أمر فصب عليه» وفي الصحيحين حديث «كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قرحة أو جرح قال بأصبعه هكذا، ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها، وقال: بسم الله، تربة أرضنا، بريق بعضنا، يشفي سقيمنا، بإذن ربنا» ورواه أبو داود بنحوه، وفي رواية «يقول بريقه، ثم قال به في التراب: تربة أرضنا» وروى ابن زبالة «أن رجلا أتى به رسول الله ﷺ وبرجله قرحة، فرفع رسول الله ﷺ طرف الحصير، ثم وضع أصبعه التي تلي الإبهام على التراب بعدما مسها بريقه، وقال: بسم الله، ريق بعضنا، بتربة أرضنا، ليشفي سقيمنا، بإذن ربنا، ثم وضع أصبعه على القرحة، فكأنما حل من عقال» وروى أيضا حديث «تراب أرضنا، شفاء لقرحنا، بإذن ربنا» وأن أم سلمة كانت تنعت من القرحة تراب الضبة. ما جاء في أن تمرها شفاء وفي مسلم حديث «من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره شيء حتى يمسي» وفي الصحيحين حديث «من تصبّح بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر» ورواه أحمد برجال الصحيح بلفظ «من أكل سبع تمرات عجوة مما بين لابتي المدينة على الريق لم يضره يومه ذلك شيء حتى يمسي» قال فليح: وأظنه قال «وإن أكلها حين يمسي لم يضره شيء حتى يصبح» ورواه ابن زبالة بلفظ «من تصبح بسبع تمرات من العجوة» لا أعلمه إلا قال «من العالية لم يضره يومئذ سم ولا سحر» وفي صحيح مسلم حديث «إن في عجوة العالية شفاء، أو إنها ترياق أول البكرة» وروى أحمد برجال الصحيح حديثا فيه «واعلموا أن الكمأة دواء العين، وأن العجوة من فاكهة الجنة» وروى النسائي وأبو داود الطيالسي والطبراني في الثلاثة بسند جيد حديث «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم» وقد صح في سنن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص قال «مرضت مرضا، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي، فقال: إنك رجل مفؤد، ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة، فليجأهن «٢» ثم ليلدّك بهن» ورواه الطبراني لكن عن سعد بن أبي رافع. قوله «فليجأهن» أي فليدقهن، قال عياض: وقال ابن الأثير فليجأهن أي: فليدقهن،

стр. 58

وبه سميت الوجيئة، وهو تمر يبل بلبن ثم يدق حتى يلتئم «١» ، ومنه الحديث «أنه دعا سعدا فوصف له الوجيئة» وقوله «ثم ليلدك» أي: يسقيك، يقال: لدّه باللّدود، إذا سقاه الدواء في أحد جانبي الفم. وفي كامل ابن عدي حديث «ينفع من الدؤام أن يأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة كل يوم يفعل ذلك سبعة أيام» وفي غريب الحديث للخطابي عن عائشة ﵄ «أنها كانت تأمر للدؤام والدوار بسبع تمرات عجوة في سبع غدوات على الريق» والدؤام والدوار: ما يأخذ الإنسان في رأسه فيدومه، ومنه تدويم الطائر، وهو: أن يستدير في طيرانه، قال الخطابي: كون العجوة عوذة من السم والسحر إنما هو من طريق التبرك بدعوة رسول الله ﷺ لا لأن طبعها يفعل شيئا، وقال النووي: في تخصيصها دون غيرها وعدد السبع من الأمور التي علمها الشارع، ولا نعلم نحن حكمتها؛ فيجب الإيمان بها، واعتقاد فضلها، وما ذكره المازري والقاضي في هذا باطل، وقصدت بذلك التحذير من الاغترار به، انتهى. وأشار به لقول القاضي في أثناء تعليل ذلك: إنه لتأثير في الأرض أو الهواء، ولقول المازري: لعل ذلك كان لأهل زمنه ﷺ خاصة، أو لأكثرهم؛ إذ لم يثبت استمرار وقوع الشفاء في زمننا غالبا، وإن وجد ذلك في الأكثر حمل على أنه أراد وصف غالب الحال، انتهى. وقد جعله ابن التين احتمالا، وزاد عليه آخر أعجب منه، فقال: يحتمل أن يكون المراد نخلا خاصّا من المدينة لا يعرف الآن، ويحتمل: أن يكون ذلك خاصّا بزمانه ﷺ انتهى. وهو مردود؛ لأن سوق الأحاديث وإيراد العلماء لها وإطباق الناس على التبرك بعجوة المدينة وتمرها يرد التخصيص بزمنه ﷺ مع أن الأصل عدمه، ولم تزل العجوة معروفة بالمدينة يأثرها الخلف عن السلف، يعلمها كبيرهم وصغيرهم علما لا يقبل التشكيك. وقال الداودي: هي من أوسط التمر كما هو المشاهد اليوم. وقال غيره: هي من أجود تمر المدينة، ومراده أنها ليست من رديه. وقال ابن الأثير: العجوة ضرب من التمر أكبر من الصّيحاني يضرب إلى السواد، وهو مما غرسه النبي ﷺ بيده بالمدينة. وذكر هذا الأخير البزار أيضا، فلعل الأوداء «٢» التي كاتب سلمان الفارسي أهله عليها وغرسها ﷺ بيده الشريفة بالفقير أو غيره من العالية كانت عجوة، والعجوة «٣» توجد بالفقير

стр. 59

إلى يومنا هذا، ويبعد أن يكون المراد أن هذا النوع إنما حدث بغرسه ﷺ وأن جميع ما يوجد منه من غرسه كما لا يخفى. وروى ابن حبان عن ابن عباس ل «كان أحب التمر إلى رسول الله ﷺ العجوة» وفي حديث ضعيف «خير تمركم البرني، يخرج الداء، ولا داء فيه» ورواه ابن شبة بنحوه خطابا لوفد عبد القيس في ثمارهم، وكذا الحاكم في مستدركه، وفي مسلم حديث «يا عائشة بيت لا تمر فيه جياع أهله» قالها مرتين أو ثلاثا، وفيه أيضا حديث «لا يجوع أهل بيت عندهم التمر» وفي الكبير والصغير للطبراني ورجال الصغير رجال الصحيح عن ابن عباس «كان رسول الله ﷺ إذا أتي بالباكورة من الثمار وضعها على عينيه ثم قال: اللهم كما أطعمتنا أوله فأطعمنا آخره، ثم يأمر به للمولود من أهله» ولفظ الكبير «كان إذا أتى بالباكورة من التمر قبّلها وجعلها على عينيه» الحديث، وفي نوادر الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك قال «كان رسول الله ﷺ إذا أتى بالباكورة من كل شيء قبّلها ووضعها على عينه اليمنى ثلاثا، ثم على عينه اليسرى ثلاثا، ثم يقول: اللهم» الحديث بنحوه. وروى البزار بسند فيه ضعيف حديث «يا عائشة إذا جاء الرطب فهنيني» ورويناه في الغيلانيات، وفيها أيضا حديث «كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يفطر على الرطب في أيام الرطب، وعلى التمر إذا لم يكن رطب، ويختم بهن، ويجعلهن وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا» وفيها حديث «كلوا التمر على الريق؛ فإنه يقتل الدود» . وأنواع تمر المدينة كثيرة، ذكرنا ما أمكن جمعه منها في الأصل فبلغ مائة وبضعا وثلاثين نوعا: منها النوع المسمى بالصّيحاني، وقد أسند الصدر إبراهيم بن محمد بن مؤيد الحموي في كتابه فضل أهل البيت عن جابر ﵁ قال «كنت مع النبي ﷺ يوما في بعض حيطان المدينة، ويد علي في يده، قال: فمررنا بنخل، فصاح النخل: هذا محمد سيد الأنبياء، وهذا علي سيد الأولياء أبو الأئمة الطاهرين، ثم مررنا بنخل فصاح النخل: هذا محمد رسول الله، وهذا علي سيف الله، فالتفت النبي ﷺ إلى علي، فقال له: يا علي سمّه الصيحاني، فسمي من ذلك اليوم الصيحاني» وهو حديث غريب؛ فكان هذا سبب تسمية ذلك النوع بهذا الاسم؛ لأن تلك النخلات كانت منه، ويحتمل أن يكون المراد تسمية ذلك الحائط بهذا الاسم، وبالمدينة اليوم موضع بجفاف يعرف بالصيحاني. وروى بعضهم هذا الحديث عن علي بألفاظ فيها نكارة، وفي آخره «يا علي سمّ نخل المدينة صيحانيا لأنهن صحن بفضلي وفضلك» .

стр. 60

الفصل السابع في سرد خصائصها وهي كثيرة لا تكاد تنحصر، وها أنا ذاكر ما حضرني منها الآن وإن شاركتها مكة في بعضه، فأقول وبالله التوفيق: الخاصة الأولى: ما تقدمت الإشارة إليه من كونه ﷺ خلق من طينتها ، وكذا أبو بكر وعمر ﵄ وأكثر الصحابة والسلف ممن دفن بها وروى أن الله تعالى بعث جبريل وميكائيل ليقبضا قبضة من الأرض بقدميه، فصار بعض الأرض بين قدميه وبعض الأرض موضع أقدامه، فخلقت النفس مما مس قدم إبليس؛ فصارت مأوى الشر، ومن التربة التي لم يصل إليها قدم إبليس أصل الأنبياء والأولياء. قال في العوارف: وكانت درة رسول الله ﷺ موضع نظر الله تعالى من قبضة عزرائيل لم يمسها قدم إبليس. وقيل: لما خاطب الله السموات والأرض بقوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [فصلت: ١١] الآية أجاب من الأرض موضع الكعبة ومن السماء ما يحاذيها. وعن ابن عباس: أصل طينة النبي ﷺ من سرة الأرض بمكة، يعني الكعبة، وهو مشعر بأن ما أجاب من الأرض درته ﷺ ومن الكعبة دحيت الأرض؛ فصار ﷺ هو الأصل في التكوين. قال في العوارف عقبه: وتربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى ذلك أن يكون مدفنه هناك، لكن قيل: لما تموج الماء رمى الزبد إلى النواحي، فوقعت جوهرة النبي ﷺ إلى ما يحاذي تربته الشريفة بالمدينة، فكان مكيا مدنيا. قلت: فلمكة الفضل بالبداية، وللمدينة بالاستقرار والنهاية. الثانية: اشتمالها على البقعة التي انعقد الإجماع على تفضيلها على سائر البقاع ، كما تقدم تحقيقه. الثالثة: دفن أفضل الأمة بها والكثير من الصحابة الذين هم خير القرون. الرابعة: أنها محفوفة بأفضل الشهداء الذين بذلوا نفوسهم في ذات الله بين يدي نبيه ﷺ ؛ فكان شهيدا عليهم. ونقل عياض في المدارك وابن الجوزي في منسكه أن مالكا كان يقول في فضل المدينة: هي دار الهجرة والسنة، وهي محفوفة بالشهداء، وبها خيار الناس بعد رسول الله ﷺ .

стр. 61

الخامسة: أن الله تعالى اختارها دارا وقرارا لأفضل خلقه وأكرمهم عليه ﷺ . السادسة: أن الله تعالى اختار أهلها للنصرة والإيواء . السابعة: أن سائر البلاد افتتحت بالسيف، وافتتحت هي بالقرآن ، كما هو مروي عن مالك، ورفعه ابن زبالة من طريقه. الثامنة: أن الله تعالى افتتح منها سائر بلاد الإسلام ، حتى مكة المشرفة، وجعلها مظهر دينه القويم. التاسعة: ما ذكره عياض من الاتفاق على وجوب الهجرة إليها قبل فتح مكة ، ووجوب سكناها لنصرة النبي ﷺ ومواساته بالأنفس، قال ومن هاجر قبل الفتح فالجمهور على منعه من الإقامة بمكة بعد الفتح، ورخص له في الإقامة ثلاثة أيام بعد قضاء نسكه. العاشرة: أنه يبعث أشراف هذه الأمة يوم القيامة منها ، على ما نقله عياض في المدارك عن مالك في ضمن أشياء في فضل المدينة، قال وهذا لا يقوله مالك من عند نفسه. الحادية عشرة: ما تقدم في الأسماء من تسميتها بالمؤمنة والمسلمة ، وإن ترتبتها لمؤمنة، وأنه لا مانع من أن الله خلق ذلك فيها. الثانية عشرة: إضافتها إلى الله تعالى في قوله أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً [النساء ٩٧] على ما تقدم في الأسماء، وقد جاءت الأرض غير مضافة إلى الله تعالى والمراد بها مكة، وذلك في قوله تعالى وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال ٢٦] . الثالثة عشرة: إضافة الله إياها إلى رسوله بلفظ البيت في قوله كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال ٥] على ما تقدم في الأسماء. الرابعة عشرة: إقسام الله تعالى بها في قوله لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [البلد ١] على ما سبق في الأسماء، أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بك، و «لا» زائدة للتأكيد، ويدل عليه قراءة الحسن والأعمش «لأقسم» . الخامسة عشرة: أن الله بدأ بها في قوله وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء ٨٠] فمدخل صدق هي، ومخرجه مكة كما تقدم، مع أن القياس البداءة بالمخرج لموافقة الواقع. فإن قيل التقديم للاهتمام بأمر المدخل، قلنافي الاهتمام به كفاية. السادسة عشرة: تسميتها في التوراة بالمرحومة ونحوه ، ومخاطبة الله إياها كما تقدم.

стр. 62

السابعة عشرةدعاؤه ﷺ بحبها كمكمة وأشد، وتسميتها بالحبيبة وغيره مما تقدم، ودعاؤه أن يجعل الله له بها قرارا ورزقا حسنا. الثامنة عشرة: تحريكه ﷺ دابته أو إيضاعها إذا أبصر جدرانها عند قدومها ، وأنه كان إذا أقبل من مكة فكان بالأثاية طرح رداءه عن منكبيه وقال «هذه أرواح طيبة» كما تقدم. التاسعة عشرة: اهتمامه ﷺ بأمر الدعاء لها بالبركة وغير ذلك. العشرون: تحريمها على لسان أفضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه إكراما له ، وكونه لا جزاء فيها على القول به دليل عظيم حرمتها حيث لم يشرع فيها جابر. الحادية والعشرون تأسيس مسجدها الشريف على يده ﷺ وعمله فيه بنفسه، ومعه خير الأمة المهاجرون الأولون والأنصار المقدمون. الثانية والعشرون: اختصاصها بالمسجد الذي أنزل الله فيه لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة ١٠٨] . الثالثة والعشرون: كون ما بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة ، وفي رواية «ما بين منبري وهذه الحجر» يعني حجره ﷺ وسيأتي بيان أن ذلك يعم مسجده ﷺ على ما هو المشهور بين الناس في تحديد المسجد الشريف؛ ولهذا قال بعضهم هذا المسجد هو المسجد الذي لا تعرف بقعة في الأرض من الجنة غيره. الرابعة والعشرون: كون منبره الشريف على ترعة من ترع الجنة ، وأن قوائمه رواتب في الجنة، وفي رواية «ومنبري على حوضي» . الخامسة والعشرون: ما ورد في مسجده الشريف من المضاعفة الآتي بيانها . السادسة والعشرون: حديث «من صلّى في مسجدي هذا أربعين صلاة كتب له براءة من النار، وبراءة من العذاب، وبرئ من النفاق» رواه الطبراني في الأوسط. السابعة والعشرون: ما سيأتي أن من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة فيه كان بمنزلة حجة ، وأن الخارج إليه من حين يخرج من منزله فرجل تكتب حسنة ورجل تحط خطيئة. الثامنة والعشرون: أن إتيان مسجد قباء يعدل عمرة كما سيأتي. التاسعة والعشرون: حديث «صيام شهر رمضان في المدينة كصيام ألف شهر فيما سواها، وصلاة الجمعة في المدينة كألف صلاة فيما سواها» فسائر أفعال البر كذلك كما قيل به في مكة، وبه صرح أبو سليمان داود الشاذلي في الانتصار، ثم رأيته في الإحياء، قال إن الأعمال في المدينة تتضاعف، قال ﷺ «صلاة في مسجدي هذا» الحديث، ثم قال فكذلك كل عمل بالمدينة بألف انتهى، وقال ابن الرفعة في المطلب وقد ذهب

стр. 63

بعض العلماء إلى أن الصيام بالمدينة أفضل من الصلاة، والصلاة بمكة أفضل من الصيام، مراعاة لنزول فرضيتهما، انتهى. قلت: ويؤخذ من هذه العلة أن كل عبادة شرعت بالمدينة فهي بها أفضل منها بمكة، ولك أن تعد هذا خاصة مستقلة. الثلاثون: حديث «لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق» . الحادية والثلاثون: تأكد التعلم والتعليم بمسجدها كما سيأتي. الثانية والثلاثون: اختصاصه بمزيد الأدب وخفض الصوت ؛ لكونه بحضرة سيد المرسلين، واختصاصه عند بعضهم بمنع أكل الثوم ونحوه من دخوله؛ لاختصاصه بملائكة الوحي. الثالثة والثلاثون: أنه لا يجتهد في محرابه؛ لأنه صواب قطعا ؛ فلا مجال للاجتهاد فيه حتى باليمنة واليسرة، بخلاف محاريب المسلمين، والمراد مكان مصلاه ﷺ قال الرافعي وفي معناه سائر البقاع التي صلّى فيها ﷺ إذا ضبط المحراب، قلت وفي ضبطه بغيرها عسر أو تعذر. الرابعة والثلاثون: أن ما بين منبره ﷺ ومسجد المصلى روضة من رياض الجنة ، وهذا جانب كبير من هذه البلدة. الخامسة والثلاثون: حديث «أحد على ترعة من ترع الجنة» وحديث «أحد جبل يحبنا ونحبه» . السادسة والثلاثون: حديث «إن بطخان على ترعة من ترع الجنة» . السابعة والثلاثون: وصف العقيق بالوادي المبارك ، وأنه ﷺ يحبه، وفي رواية «يحبنا ونحبه» . الثامنة والثلاثون: حثه ﷺ على الإقامة بها . التاسعة والثلاثون: حثه على اتخاذ الأصل بها . الأربعون: حثه على الموت بها ، والوعد على ذلك بالشفاعة أو الشهادة أو هما. الحادية والأربعون: حرصه ﷺ على موته بها .

стр. 64

الثانية والأربعون: كون أهلها أول من يشفع لهم ، واختصاصهم بمزيد الشفاعة والإكرام كما تقدم. الثالثة والأربعون: بعث الميت بها من الآمنين على ما سيأتي. الرابعة والأربعون: أنه يبعث من بقيعها سبعون ألفا على صورة القمر يدخلون الجنة بغير حساب ، ومثله في مقبرة بني سلمة، وتوكل ملائكة بمقبرة البقيع كلّما امتلأت أخذوا بأطرافها فكفؤها في الجنة. الخامسة والأربعون: بعث أهلها من قبورهم قبل سائر الناس . السادسة والأربعون: شهادته- أو شفاعته- ﷺ لمن صبر على لأوائها وشدتها . السابعة والأربعون: وجوب شفاعته ﷺ لمن زاره بها . الثامنة والأربعون: استجابة الدعاء بها عند القبر الشريف ، ويقال إنه مستجاب عند الأسطوان المخلق، وعند المنبر، وفي زاوية دار عقيل بالبقيع، وبمسجد الفتح بعد صلاة الظهر يوم الأربعاء، واستجابة الدعاء بمسجد الإجابة ومسجد السقيا وبالمصلى عند القدوم، وعند بركة السوق في يوم العيد، وعند أحجار الزيت وبالسوق، لما سيأتي عند ذكر هذه الأماكن من ورود ذلك عنه ﷺ بها. التاسعة والأربعون: كونها تنفي خبثها . الخمسون: كونها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة . الحادية والخمسون: الوعيد الشديد لمن ظلم أهلها أو أخافهم . الثانية والخمسون: من أرادها وأهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء ، وفي رواية أذابه الله في النار، ويؤخذ من ترتيب الوعيد على الإرادة مساواة المدينة لحرم مكة في هذا، وفيه قال تعالى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ [الحج ٢٥] الآية، ويتمسك للمساواة أيضا بقوله ﷺ «كما حرم إباهيم مكة» فقول ابن مسعودما من بلدة يؤاخذ العبد فيها بالهم قبل الفعل إلا مكة وتلا الآية مشكل، وأيضا فالهم العارض الوارد من غير عزم لا مؤاخذة به مطلقا بالاتفاق، وأما الثابت الذي يصحبه التصميم فالعبد مؤاخذ به بمكة وبغيرها، وإنما خصوصية الحرم تعظيم العذاب لمن همّ فيه لجرأته؛ ولذا روى أحمد في معنى الآية بإسناد صحيح مرفوعا «لو أن رجلا همّ فيه بإلحاد وهو بعدن أبين لأذاقه الله عذابا أليما» . الثالثة والخمسون: الوعيد الشديد لمن أحدث بها حدثا أو آوى محدثا ، وتقدم تفسير الحديث بالإثم مطلقا، وأنه دال على أن الصغيرة بها كبيرة؛ وللوعيد الشديد في ذلك؛

стр. 65

لأنها حضرة أشرف المرسلين ﷺ وسوء الأدب على بساط الملك ليس كالإساءة في أطراف المملكة. قال بعض السلف: إياك والمعصية فإن عصيت ولا بد فليكن في مواضع الفجور، لا في مواضع الأجور؛ لئلا يتضاعف عليك الوزر، أو تعجل لك العقوبة. فإن قيل هذا قول بتضعيف السيئات في الحرم، والراجح خلافه؛ لقوله تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الأنعام: ١٦٠] . قلنا: تحرير النزاع أن القائل بالمضاعفة أراد مضاعفة مقدارها: أي: عظمها، لا العدد، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن السيئات قد تتفاوت عقوبتها باختلاف الأشخاص والأماكن، كما أن تقدير كل أحد بما يليق به في الزجر، فجزء السيئة مثلها، ومن المماثلة رعاية ما اقترن بها مما دل على جرأة مرتكبها، ولا تكتب إلا واحدة، والله أعلم. الرابعة والخمسون: الوعيد لمن لم يكرم أهلها وأن إكرامهم وحفظهم حق على الأمة ، وأنه ﷺ شفيع- أو شهيد- لمن حفظهم فيه. الخامسة والخمسون: حديث «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ» . السادسة والخمسون: حديث «من غاب عن المدينة ثلاثة أيام جائها وقلبه مشرب جفوة» » وإنه «لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف الله تعالى فيها خيرا منه» كما في حديث مسلم، قال المحب الطبري: فيه إشعار بذم الخروج منها، وذهب بعضهم إلى أنه مخصوص بمدة حياته ﷺ فأما بعد وفاته فقد خرج نفر كثير من كبار الصحابة، وذهب آخرون إلى أنه عام أبدا، قال الطبري: وهو ظاهر اللفظ، نعم هو مخصوص بالمستوطن، لا من نوى الإقامة بها مدة ثم ينقلب إلى وطنه. السابعة والخمسون: إكرام الله لها بنقل وبائها وتحويل حماها . الثامنة والخمسون: الاستشفاء بترابها ، وما تقدم في ثمارها. التاسعة والخمسون: عصمتها من الطاعون . الستون: عصمتها من الدجال ، وخروج الرجل الذي هو خير الناس- أو من خير الناس- إليه منها، وقوله له: أشهد أنك الدجال، وأنه لا يسلّط عليه باخرة الأمر، وبهذا تتميز على مكة، والسر فيه أن سيد المرسلين- وهو حجة الله على العباد- بالمدينة. الحادية والستون: ما في حديث الطبراني من قوله ﷺ «وحق على كل مسلم زيارتها» . الثانية والستون: سماعه ﷺ سلام من سلّم وصلاة من صلّى عليه عند قبره الشريف ، ورده عليه.

стр. 66

الثالثة والستون: اختصاصها بملك الإيمان والحياء ، كما تقدم في الأسماء. الرابعة والستون: كون الإيمان يأزر إليها . الخامسة والستون: اشتباكها بالملائكة وحراستهم لها . السادسة والستون: كونها أول أرض اتخذ بها مسجد لعامة المسلمين في هذه الأمة . السابعة والستون: كون مسجدها آخر مساجد الأنبياء ، وآخر المساجد التي تشد إليها الرحال، وكونه أحق المساجد أن يزار كما سيأتي. الثامنة والستون: كثرة المساجد والمشاهد والآثار بها ، بل البركة عامة منبثة بها، ولهذا قيل لمالك: أيما أحب إليك المقام هنا يعني المدينة أو بمكة؟ فقال: هاهنا، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلا سلك عليها رسول الله ﷺ وجبريل ﵇ ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة؟ التاسعة والستون: ما يوجد بها من رائحة الطيب الزكية ، على ما تقدم في الأسماء. السبعون: طيب العيش بها ، على ما تقدم هناك أيضا. الحادية والسبعون: استحقاق من عاب تربتها للتعزير ؛ فقد أفتى مالك فيمن قال «تربة المدينة رديئة» بأن يضرب ثلاثين درة، وأمر بحبسه، وكان له قدر، وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربة دفن فيها النبي ﷺ يزعم أنها غير طيبة؟ الثانية والسبعون: الوعيد الشديد لمن حلف يمينا فاجرة عند منبرها . الثالثة والسبعون: استحباب الدخول لها من طريق والرجوع في أخرى ، لما سيأتي في مسجد المعرّس «١» . الرابعة والسبعون: استحباب الاغتسال لدخولها . الخامسة والسبعون: استحباب الدعاء والطلب من الله الموت بها . السادسة والسبعون: أنها دار إسلام أبدا ؛ لحديث «إن الشياطين قد يئست أن تعبد ببلدي هذا» . السابعة والسبعون: أنها آخر قرى الإسلام خرابا ، رواه الترمذي وقال: حسن غريب، ورواه ابن حبان بلفظ «آخر قرية في الإسلام خرابا المدينة» . الثامنة والسبعون: تخصيص أهلها بأبعد المواقيت وأفضلها ؛ تعظيما لأجورهم. التاسعة والسبعون: ذهب بعض السلف إلى تفضيل البداءة بالمدينة قبل مكة ، وهي مسألة عزيزة، وممن نص عليها ابن أبي شيبة في مصنفه فروى عن علقمة والأسود وعمرو بن ميمون أنهم بدؤوا بالمدينة قبل مكة، وأن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا

стр. 67

يبدؤون بالمدينة، وفي المناسك الكبير للإمام أحمد رواية ابنه عنه: سئل عمن يبدأ بالمدينة قبل مكة، فذكر بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد وعطاء ومجاهد قالوا: إذا أردت مكة فلا تبدأ بالمدينة وابدأ بمكة، فإذا قضيت حجك فامرر بالمدينة إن شئت، وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: إذا أردت مكة للحج والعمرة فاجعل كل شيء لها تبعا، ثم روى أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يبدؤون بالمدينة إذا حجوا، يقولون: نبدأ من حيث أحرم رسول الله ﷺ . قلت: وهذا أرجح؛ لتفضيل ميقات المدينة، وإتيان المدينة أولا وصلة إليه، مع ما فيه من البداءة بزيارة النبي ﷺ وإيثارها، ولعله السبب عند من بدأ بالمدينة ممن تقدم ذكره من التابعين كما قال السبكي. ونقل الزركشي عن العبدي شارح الرسالة من المالكية أنه قال: المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس، انتهى. والخلاف فيما إذا لم تكن المدينة على طريقه؛ لأن مأخذ من رجّح البداءة بمكة المبادرة إلى قضاء الفرض، ولهذا قال الموفق ابن قدامة: قال أحمد: وإذا حج الذي لم يحج قط- يعني من غير طريق الشام- لا يأخذ على طريق المدينة؛ لأني أخاف أن يحدث به حدث، فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطرق ولا يتشاغل بغيره، قال السبكي: وهو في العمرة متجه؛ لإمكان فعلها متى وصل، وأما الحج فله وقت مخصوص فإذا كان متسعا لم يفت بمروره بالمدينة شيء. قلت: ومع ذلك فهو في الفرض، ولهذا قال في الفصول: نقل صالح وأبو طالب: إذا حج للفرض لم يمر بالمدينة؛ لأنه إن حدث به حدث الموت كان في سبيل الحج، وإن كان تطوعا بدأ بالمدينة، انتهى. وممن نص على المسألة أيضا الإمام أبو حنيفة على ما نقله أبو الليث السمرقندي، وقال: إن الأحسن البداءة بمكة. الثمانون: اختصاص أهلها في قيام رمضان بستّ وثلاثين ركعة ، على المشهور عند الشافعية، قال الرافعي والنووي: قال الشافعي: رأيت أهل المدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعة، منها ثلاث للوتر، قال أصحابنا: وليس لغير أهل المدينة ذلك؛ لشرفهم بمهاجر رسول الله ﷺ وقبره، ثم قال الرافعي: وسبب فعل أهل المدينة ذلك أن الركعات العشرين خمس ترويحات، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعا، ويصلون ركعتي الطواف أفرادا، وكانوا لا يفعلون ذلك بين الفريضة والتراويح ولا بين التراويح والوتر، فأراد أهل المدينة أن يساووهم في الفضيلة، فجعلوا مكان كل أسبوع- أي: مع كل ركعتيه- ترويحة؛ فحصل أربع ترويحات هي ستة عشر ركعة، انتهى. ونقل الروياني في البحر هذا السبب عن الشافعي. وقال القاضي أبو الطيب الطبري:

стр. 68

قال الشافعي: لا يجوز لغير أهل المدينة أن يماروا أهل مكة ولا ينافسوهم لأن الله فضّلهم على سائر البلاد، انتهى. وحاصل التوجيه أن الحسد في الخير مطلوب، وهو في الحقيقة غبطة كما حسد المهاجرون- لما لم يكن لهم ما يتصدقون به- الأنصار فقالوا: ذهب أهل الدثور بالأجور «١» ، فأثبت أهل المدينة هذا العدد بضرب من الاجتهاد ليلحقوا بأهل مكة، وقد تشارك البلدان في الفضائل حتى اختلف في تفضيل كل منهما على الآخرى، وجعل لأهل المدينة ما يحصل به ثواب الاعتمار والحج، وامتازت المدينة بالمهاجر والقبر، فجعل لأهلها طريق إلى تحصيل تلك الفضيلة السابقة مع إقامتهم بها، ولعله لو لم يشرع لهم ذلك لحملتهم الرغبة في الخير على الانتقال إلى مكة، وسكنى المدينة مطلوب، وأما غيرهم فليس له شيء من هذا الفضل، فكيف يتأتى له مساواة أهل مكة؟ فلم يشرع لهم ذلك، هذا وإجماع أهل المدينة حجة عند مالك، والقيام بهذا العدد بالمدينة باق إلى اليوم إلا أنهم يقومون بعشرين ركعة عقب العشاء، ثم يأتون آخر الليل فيقومون بستة عشر ركعة، فوقع لهم خلل في أمر الوتر نبّهنا عليه في كتاب «مصابيح القيام، في شهر الصيام» وكنت قد ذكرت لهم ما يحصل به إزالة ذلك، ففعلوه مدة، ثم غلبت الحظوظ النفسية على بعضهم فعاد الأمر كما كان. الحادية والثمانون: زيادة البركة بها، على مكة المشرفة ، وقد قدمنا حديثا يشير إلى أن المدعو به لها ستة أضعاف ما بمكة من البركة، والمصرح به في الأحاديث «ضعفي ما جعلت بمكة من البركة» وفي بعضها «مثل ما جعلت بمكة من البركة ومع البركة بركتين» . الثانية والثمانون: نقل عن مالك أن خبر الواحد إذا عارضه إجماع أهل المدينة قدم إجماعهم ، ولهذا روي حديث خيار المجلس ثم قال: وليس لهذا عندنا حد معلوم ولا أمر معمول به؛ لما اختص به أهل المدينة من سكناهم مهبط الوحي ومعرفتهم بالناسخ والمنسوخ، فمخالفتهم تقتضي علمهم بما أوجب ترك العمل من ناسخ أو دليل راجح، والمحققون على أن البقاع لا أثر لها في ذلك، وقد بلغ ابن أبي ذئب- وهو من أقران مالك- مخالفته للحديث فأغلظ في ذلك لأن العصمة إنما تثبت في إجماع جميع الأمة، ويؤخذ من كلام مالك اختصاص ذلك بعمل أهل ذلك العصر من أهل المدينة.

стр. 69

الثالثة والثمانون: حديث النسائي والبزار والحاكم واللفظ له «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلا يجدوا عالما أعلم من عالم المدينة» وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقد كان ابن عيينة يقول: نرى هذا العالم مالك بن أنس، انتهى. قال الزركشي: وفيما حكاه عن سفيان نظر؛ لما في صحيح ابن حبان أن إسحاق بن موسى قال: بلغني عن ابن جريح أنه كان يقول: نرى أنه مالك بن أنس، فذكرت ذلك لسفيان بن عيينة فقال: إنما العالم من يخشى الله، ولا نعلم أحدا كان أخشى لله من العمري، قال التوربشتي في شرح المصابيح: يعني عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، كان من عباد الله الصالحين المشائين في بلاده وعباده بالنصيحة. بلغنا أنه كان يخرج إلى البادية ليتفقد أهلها شفقة عليهم وأداء الحق النصيحة فيهم، وقد أخرج الترمذي الحديث وحسّنه، وتكلم ابن حزم فيه، ثم قال: ولم يتعين هذا في مالك؛ لأنه كان في عصره جماعة لا يفضل على واحد منهم، وكان بالمدينة من هو أجل منه كسعيد بن المسيب؛ فهذا الحديث أولى به. وقال ابن عيينة: ولو سئل أيّ الناس أعلم؟ لقالوا: سفيان الثوري، قال ابن حزم: وإن صح هذا الحديث فإنما إذا قرب قيام الساعة وأرز الإيمان إلى المدينة وغلب الدجال على الأرض خلا مكة والمدينة، وأما حتى الآن فلم يأت صفة ذلك الحديث؛ لأن الفقه انقطع من المدينة جملة، واستقر في الآفاق، انتهى. ولا يخلو عن نزاع. الرابعة والثمانون: تحريم نقل أحجار حرمها وترابه كما سيأتي بيانه. الخامسة والثمانون: لو نذر تطييب مسجد المدينة وكذا الأقصى ففيه تردد لإمام الحرمين ؛ لأنا إن نظرنا إلى التعظيم ألحقناهما بالكعبة، أو إلى امتياز الكعبة بالفضل فلا، وكلام الغزالي في آخر باب النذر يقتضي اختصاصه بالمسجدين كما فرضناه، لا في غيرهما من المساجد، والإمام طرده في الكل، وحيث كان الملحظ ما ذكر فينبغي أن لا يتوقف فيما لو نذر تطييب القبر الشريف. السادسة والثمانون: إذا نذر زيارة قبر النبي ﷺ لزمه الوفاء بذلك وجها واحدا ، وفي وجوب الوفاء في زيارة قبر غيره وجهان، قاله ابن كجّ، وأقره عليه الرافعي والنووي وغيرهما. السابعة والثمانون: قيام مسجدها مقام المسجد الأقصى كالمسجد الحرام فيما لو نذر الصلاة أو الاعتكاف في الأقصى؛ فإن الأصح لزومه به، وأجزأ مسجد المدينة لزيادة فضله، ولو نذرهما بمسجد المدينة لم يجزه فعل ذلك بالأقصى ويجزيه بالمسجد الحرام. الثامنة والثمانون: الاكتفاء بزيارة قبر رسول الله ﷺ لمن نذر إتيان مسجد المدينة ، كما قال الشيخ أبو علي تفريعا على القول بلزوم إتيانه كما قاله الشافعي والبويطي وعلى أنه لا بد من ضم قربة إلى الإتيان كما هو الأصح تفريعا على اللزوم، وعلله الشيخ أبو علي

стр. 70

بأن زيارته ﷺ من أعظم القربات، وتوقف في ذلك الإمام من جهة أنها لا تتعلق بالمسجد وتعظيمه، قال: وقياسه أنه لو تصدق في المسجد أو صام يوما كفاه، وفيه نظر، على أن الصحيح ما نص عليه في المختصر من عدم لزوم الإتيان، وإن كان اللزوم أرجح دليلا، ورجح الرافعي تفريعا على اللزوم ضم صلاة أو اعتكاف، وكذا إذا نذر إتيان الأقصى، فإن نفس المرور لما لم يكن في نفسه مزية انصرف النذر إلى ما يقصد فيه من القرب وبهذا يترجح ما قاله الشيخ أبو علي، لأن إتيان مسجد المدينة يقصد للصلاة والاعتكاف والزيارة بخلاف غيره. التاسعة والثمانون: قال ابن المنذر: إذا نذر أن يمشي إلى مسجد الرسول والمسجد الحرام لزمه الوفاء به لأنه طاعة ؛ ومن نذر أن يمشي إلى بيت المقدس كان بالخيار: إن شاء مشى إلى المسجد الأقصى، وإن شاء مشى إلى المسجد الحرام؛ لحديث أن رجلا قال للنبي ﷺ : إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في مسجد بيت المقدس، قال ﷺ : «صلّ هنا، ثلاثا» انتهى. ويعلم مما تقرر في إجزاء مسجد المدينة عن الأقصى في الإتيان والصلاة إجزاؤه هنا كالمسجد الحرام، والذي اقتضاه كلام البغوي تصحيح عدم لزوم المشي في مسجد المدينة والأقصى، وهو الذي رجحوه. التسعون: قوله ﷺ في أحاديث تحريمها «ولا يحمل فيها سلاح لقتال» . الحادية والتسعون: قوله فيها أيضا: «ولا تلتقط لقطته إلا لمن أشاد بها» . الثانية والتسعون: إذا قلنا بضمان صيدها وقطع شجرها فالصحيح أنه يسلب الصائد كما يسلب قتيل الكفار ، وهذا أبلغ في الزجر من الجزاء. الثالثة والتسعون: جواز نقل ترابها للتداوي . الرابعة والتسعون: ظهور نار الحجاز التي أخبر بها ﷺ مما حولها ؛ لأنها للإنذار، فاختصت ببلد النذير، ثم لما بلغت الحرم وكان محرّمه المبعوث بالرحمة خمدت وطفئت، على ما سيأتي. الخامسة والتسعون: دعاؤه ﷺ بالبركة في سوقها . السادسة والتسعون: ما سيأتي في سوقها من أن الجالب إليه كالمجاهد في سبيل الله . السابعة والتسعون: أن المحتكر فيه كالملحد في كتاب الله . الثامنة والتسعون: ما سيأتي في بئر غرس من أنه ﷺ «رأى أنه أصبح على بئر من آبار الجنة، فأصبح على بئر غرس» ورؤيا الأنبياء حق، عليهم الصلاة والسلام! التاسعة والتسعون: ما سبق في ثمارها من أن العجوة من الجنة ؛ فقد اشتملت المدينة على شيء من أرض الجنة ومياهها وثمارها، والله أعلم.

стр. 71

الفصل الثامن في الأحاديث الواردة في تحريمها، وهي كثيرة روينا في الصحيحين منها حديث عبد الله بن زيد «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها» ، وفي لفظ «ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة» الحديث. وفي البخاري حديث أبي هريرة ﵁ «حرم ما بين لابتي المدينة على لساني» قال: وأتى النبي ﷺ بني حارثة فقال: «أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم، ثم التفت فقال: بل أنتم فيه» وسيأتي بيان منازلهم، وفيه أيضا عنه: لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها، قال رسول الله ﷺ : «ما بين لابتيها حرام» وهو في مسلم بزيادة، ولفظه «جرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة» قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى. وفي مسلم أيضا عن عاصم الأحول: «سألت أنسا أحرم رسول الله ﷺ المدينة؟ قال: نعم، هي حرام: لا يختلى خلاها «١» ، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» . وفيه أيضا حديث رافع بن خديج ﵁ «إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها» يريد المدينة. وفيه أيضا حديث جابر «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها: لا تقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها» . وفيه أيضا من حديث أبي سعيد الخدري «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها، ألايهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط «٢» فيها شجرة إلا لعلف» الحديث. وفيه أيضا من حديث أنس «اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم ﵇ مكة» . قلت: المراد بجبليها عير وثور، وهما المعبر عنهما في الحديث قبله بمأزميها على ما صوبه النووي، ونسبة تحريم مكة لإبراهيم ﵇ دليل لما ذهب إليه جماعة من أنها لم تزل حلالا كغيرها إلى زمن إبراهيم ﵇، فحرمت، والثاني- وصححه النووي، ونقل عن الأكثرين- أنها لم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض، ثم أظهر الله

стр. 72

تعالى ذلك على لسان نبيه إبراهيم ﵇. قال الزركشي: وفيه جمع بني الأحاديث. قلت: الأحكام قديمة؛ لأنها خطاباته تعالى، والحادث إنما هو تعلقاتها بالمكلفين، فإذا كان ظهور تحريمها على لسان إبراهيم ﵇ فذلك أول تعلق الحكم التكليفي، فما معنى ما يقوله الثاني من تحريمها يوم خلق الله السموات والأرض مع انتفاء التعلق التكليفي حينئذ؟ ويجوز أن يكون بمعنى أن الله تعالى أظهر ذلك لملائكته يوم خلق السموات والأرض وعرفهم به، وتأخر تعلق التكليف به حتى ظهر على لسان نبيه إبراهيم ﵇ وهذا لا يأباه القول الأول، بل يسلمه، وهو حسن، وبه يجتمع معنى الأحاديث، ولا يخفى أن خطاب الله تعالى بتحريم المدينة قديم أيضا، وتأخره من حيث التكليف إلى أن أظهره النبي ﷺ ليس فيه حط لرتبتها، بل دليل كمالها حيث ادخر الله ذلك حتى جعله على لسان أشرف المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، مع أنهم ذكروا في معنى تحريم إبراهيم لها احتمالين: أحدهما: أنه بأمر الله تعالى له، والثاني: أنه دعا لها فحرمها الله بدعوته، ويقال مثله في تحريمه ﷺ للمدينة. وقوله: «ما بين لابتيها» أي: حرّتيها الشرقية والغربية والمدينة بينهما، ولها أيضا حرة بالقبلة وحرة بالشام، لكنهما يرجعان إلى الشرقية والغربية لاتصالهما بهما، ولهذا جمعها ﷺ كلها في اللابتين كما نبه عليه الطبري. قال النووي: وهو حد الحرم من جهة المشرق والمغرب، وما بين جبليها بيان لحده من جهة الجنوب والشمال، قال: ومعنى قوله «ما بين لابتيها» اللابتان وما بينهما، والمراد تحريم المدينة ولابتيها. قلت: ويؤيده أن اللابتين شرقا وغربا في محاذاة أحد الجبلين الآتي بيانهما، وأن منازل بني حارثة في محاذاة اللابة الغربية على ما اقتضاه كلاه المطري فيما قدمناه عنه من الباب الأول في ترجمة أثرب، والذي ترجح عندي أن منازلهم كانت باللابة الشرقية مما يلي العريض وما قارب ذلك؛ لأن الإسماعيلي روى الحديث المتقدم بلفظ: «ثم جاء بني حارثة وهم في سند الحرة» أي: الجانب المرتفع منها، وسيأتي في منازلهم ما يبين أن المراد الحرة الشرقية، وليس الموضع الذي ذكره المطري في سند واحدة من الحرتين، والله أعلم. ويؤيد أيضا ما قاله النووي أن البيهقي روى في المعرفة حديث الصحيفة عن علي بلفظ: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة ما بين حرتيها وجمامها: لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها» يعني: أنشد «ولا

стр. 73

يقطع شجرها إلا أن يعلف رجل بعيرا، ولا يحمل فيها سلاح لقتال» الحديث، ورواه أحمد كذلك أيضا، وهو حديث صحيح، وجمام المدينة ثلاثة كما سيأتي، وهي مما يلي حرتها الغربية من جهة المغرب والحرة بين الجمام والمدينة. وروى مسلم حديث الصحيفة بلفظ: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور» والبخاري بلفظ: «المدينة حرم ما بين عاير إلى كذا» وأبو داود بلفظ: «المدينة حرام ما بين عاير إلى ثور» ثم زاد فيه وقال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يلقط لقطتها إلا من أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره» ورواه الطبراني برجال موثّقين مختصرا، ولفظه عن أبي جحيفة أنه دخل على علي ﵁ فدعا بسيفه، فأخرج من بطن السيف أدما عربيا، فقال: ما ترك رسول الله ﷺ شيئا غير كتاب الله الذي أنزل إليه وقد بلغته غير هذا، فإذا: بسم الله الرحمن الرحيم، محمد رسول الله قال: «لكل نبي حرم وحرمي المدينة» . الفصل التاسع في بيان عير وثور وهما المراد بجبليها كما تقدم. موقع جبل عير أما عير- بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف بلفظ العير مرادف الحمار، ويقال: عاير- فجبل كبير مشهور في قبلة المدينة بقرب ذي الحليفة ميقات المدينة. موقع جبل ثور وأما ثور- بالمثلاثة بلفظ الثور فحل البقر- فجبل صغير خلف أحدكما سنحققه، فإنه خفي على جماعة من فحول العلماء فاستشكلوا الحديث، وقالوا: ليس بالمدينة ثور، إنما هو بمكة، ولهذا في أكثر روايات البخاري من عاير إلى كذا، وفي بعضها من عير إلى كذا، ولم يبين النهاية، فكأنه يرى أن ذكر ثور وهم فأسقطه، وترك بعض الرواة موضع ثور بياضا ليتبين الوهم، وضرب آخرون عليه. الاختلاف في وجود جبل ثور بالمدينة وقال المازري: نقل بعض أهل العلم أن ذكر ثور هنا وهم من الراوي؛ لأن ثورا بمكة، والصحيح «إلى أحد» . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: عير وثور جبلان بالمدينة، وأهل المدينة لا يعرفون

стр. 74

بها جبلا يقال له ثور، وإنما ثور بمكة، قال: فإذا نرى أن الحديث أصله «ما بين عير إلى أحد» . قلت: وكذا رواه الطبراني برجال ثقات، بلفظ: «ما بين عير وأحد حرام، حرّمه رسول الله ﷺ » وهو كذلك في رواية لابن زبالة. وقال الحازمي: الرواية الصحيحة «ما بين عير إلى أحد» وقيل: «إلى ثور» وليس له معنى، وتكلف بعضهم فقال: إلى بمعنى مع، كأنه جعل المدينة مضافة إلى مكة في التحريم لأن ثورا بها. وقال الموفق بن قدامة: يحتمل أن المراد تحريم قدر ما بين ثور وعير اللذين بمكة، أو سمى النبي ﷺ الجبلين اللذين بطرفي المدينة عيرا وثورا ارتجالا، انتهى. وهو يقتضي إنكار وجود عير بالمدينة أيضا. وقد قال الزركشي: نقل عياض عن بعضهم أنه ليس بالمدينة ولا ما يقرب منها جبل يعرف بأحد هذين الاسمين، أعني عيرا وثورا. قال ياقوت في معجمه: وهذا وهم، فإن عيرا جبل مشهور بالمدينة، وقال ابن السيد: عير جبل بقرب المدينة، وعبارة عياض في المشارق: عير وعاير المذكوران في حرم المدينة في أكثر الروايات عير، وفي حديث علي عاير، قال الزبير بن بكار: هو جبل بالمدينة، وقال عمه مصعب: لا يعرف بالمدينة عير ولا ثور، انتهى. وقال في المطالع: أكثر رواة البخاري ذكروا عيرا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضا، والأصل في هذا التوقف قول مصعب الزبيري: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وأثبت غيره عيرا، ووافقه على إنكار ثور. قلت: سيأتي في ترجمة عير من فصل البقاع عن مصعب الزبيري ما يقتضي إثباته له، وشهرة عير غير خافية بين العلماء، إنما الغرابة في ثور. وقال النووي عقب نقل الحازمي المتقدم: ويحتمل: أن ثورا كان اسما لجبل هناك: إما أحد، وإما غيره، فخفي اسمه. وقال صاحب البيان والانتصار: قد صحت الرواية بلفظ ثور؛ فلا ينبغي الإقدام على توهيم الرواة بمجرد عدم العرفان، فإن أسماء الأماكن قد تتغير، أو تنسى ولا يعلمها كثير من الناس، قال: وقد سألت بمكة عن وادي محسّر وغيره من أماكن تتعلق بالنسك، فلم أخبر عنها مع تكرر مجيء الناس إليها، فما ظنك بغيرها؟ وأيضا فقد يكون للشيء اسمان فيعرف أحدهما دون الآخر. وقال المجد: لا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في

стр. 75

الحديث المتفق على صحته، بمجرد ادعاء أن أهل المدينة لا يعرفون جبلا يسمى ثورا، وذكر احتمال طرق التغيير في الأسماء والنسيان لبعضها، قال: حتى إني سألت جماعة من فقهاء المدينة وأمرائها وغيرهم من الأشراف عن فدك ومكانها فكلهم أجابوا بعدم معرفة موضع يسمى بذلك في بلادهم، مع أن هذه القرية لم تبرح في أيدي الأشراف والخلفاء يتداولونها إلى أواخر الدولة العباسية، فكيف بجبل صغير لا يتعلق به كبير أمر، مع أنه معروف بين أهل العلم بالمدينة، ونقل بعض الحفاظ وصفه بذلك خلفا عن سلف؟ اه. قلت: قد حكى البيهقي في المعرفة قول أبي عبيد: أهل المدينة لا يعرفون جبلا يقال له ثور، ثم قال البيهقي: وبلغني عن أبي عبيدة أنه قال في كتاب الجبال: بلغني أن بالمدينة جبلا يقال له ثور، انتهى. ونقل المجد في ترجمة عير عن نصر أنه قال: عير جبل يقابل الثنية المعروفة بشعب الجوز، وثور جبل عند أحد، انتهى. فدل على أن ما اشتهر في زماننا وقبله من وجود ثور بالمدينة له أصل في الزمن القديم، وإن خفي على بعضهم، وقد أخبرني بوجوده جماعة كثيرة من الخواص، وأروني إياه خلف أحد، ونقل جماعة عن المحدث أبي محمد عفيف الدين عبد السلام بن مزروع البصري نزيل المدينة المشرفة أنه رآه غير مرة، وأنه لما خرج رسولا من صاحب المدينة إلى العراق كان معه دليل يذكر له الأماكن والأجبل، فلما وصلا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير، فسأله: ما اسم هذا الجبل؟ فقال له: يسمى ثورا، وقد حكى عنه نحو هذا القطب الحلبي في شرح البخاري، وقال المحب الطبري: أخبرني الثقة الصدوق الحافظ العالم المجاور بحرم رسول الله ﷺ عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور، قال الطبري: فعلمنا بذلك أن ما تضمنه الحديث صحيح، وعدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، انتهى. وقد رد الجمال المطري في تاريخه على من أنكر وجود ثور، وقال: إنه خلف أحد من شماليه، صغير مدور، يعرفه أهل المدينة خلف عن سلف. وقال الأقشهري: وقد استقصينا من أهل المدينة تحقيق خبر جبل يقال له ثور عندهم، فوجدنا ذلك اسم جبل صغير خلف جبل أحد يعرفه القدماء دون المحدثين من أهل المدينة، والذي يعلم حجة على من لا يعلم، اه.
следующие страницы →