الفصل الثامن في الأحاديث الواردة في تحريمها، وهي كثيرة
روينا في الصحيحين منها حديث عبد الله بن زيد «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها» ، وفي لفظ «ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة» الحديث.
وفي البخاري حديث أبي هريرة ﵁ «حرم ما بين لابتي المدينة على لساني» قال: وأتى النبي ﷺ بني حارثة فقال: «أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم، ثم التفت فقال: بل أنتم فيه» وسيأتي بيان منازلهم، وفيه أيضا عنه: لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها، قال رسول الله ﷺ : «ما بين لابتيها حرام» وهو في مسلم بزيادة، ولفظه «جرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة» قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى.
وفي مسلم أيضا عن عاصم الأحول: «سألت أنسا أحرم رسول الله ﷺ المدينة؟
قال: نعم، هي حرام: لا يختلى خلاها «١» ، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» .
وفيه أيضا حديث رافع بن خديج ﵁ «إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها» يريد المدينة.
وفيه أيضا حديث جابر «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها: لا تقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها» .
وفيه أيضا من حديث أبي سعيد الخدري «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها، ألايهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط «٢» فيها شجرة إلا لعلف» الحديث.
وفيه أيضا من حديث أنس «اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم ﵇ مكة» .
قلت: المراد بجبليها عير وثور، وهما المعبر عنهما في الحديث قبله بمأزميها على ما صوبه النووي، ونسبة تحريم مكة لإبراهيم ﵇ دليل لما ذهب إليه جماعة من أنها لم تزل حلالا كغيرها إلى زمن إبراهيم ﵇، فحرمت، والثاني- وصححه النووي، ونقل عن الأكثرين- أنها لم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض، ثم أظهر الله
стр. 72
تعالى ذلك على لسان نبيه إبراهيم ﵇. قال الزركشي: وفيه جمع بني الأحاديث.
قلت: الأحكام قديمة؛ لأنها خطاباته تعالى، والحادث إنما هو تعلقاتها بالمكلفين، فإذا كان ظهور تحريمها على لسان إبراهيم ﵇ فذلك أول تعلق الحكم التكليفي، فما معنى ما يقوله الثاني من تحريمها يوم خلق الله السموات والأرض مع انتفاء التعلق التكليفي حينئذ؟ ويجوز أن يكون بمعنى أن الله تعالى أظهر ذلك لملائكته يوم خلق السموات والأرض وعرفهم به، وتأخر تعلق التكليف به حتى ظهر على لسان نبيه إبراهيم ﵇ وهذا لا يأباه القول الأول، بل يسلمه، وهو حسن، وبه يجتمع معنى الأحاديث، ولا يخفى أن خطاب الله تعالى بتحريم المدينة قديم أيضا، وتأخره من حيث التكليف إلى أن أظهره النبي ﷺ ليس فيه حط لرتبتها، بل دليل كمالها حيث ادخر الله ذلك حتى جعله على لسان أشرف المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، مع أنهم ذكروا في معنى تحريم إبراهيم لها احتمالين: أحدهما: أنه بأمر الله تعالى له، والثاني: أنه دعا لها فحرمها الله بدعوته، ويقال مثله في تحريمه ﷺ للمدينة.
وقوله: «ما بين لابتيها» أي: حرّتيها الشرقية والغربية والمدينة بينهما، ولها أيضا حرة بالقبلة وحرة بالشام، لكنهما يرجعان إلى الشرقية والغربية لاتصالهما بهما، ولهذا جمعها ﷺ كلها في اللابتين كما نبه عليه الطبري.
قال النووي: وهو حد الحرم من جهة المشرق والمغرب، وما بين جبليها بيان لحده من جهة الجنوب والشمال، قال: ومعنى قوله «ما بين لابتيها» اللابتان وما بينهما، والمراد تحريم المدينة ولابتيها.
قلت: ويؤيده أن اللابتين شرقا وغربا في محاذاة أحد الجبلين الآتي بيانهما، وأن منازل بني حارثة في محاذاة اللابة الغربية على ما اقتضاه كلاه المطري فيما قدمناه عنه من الباب الأول في ترجمة أثرب، والذي ترجح عندي أن منازلهم كانت باللابة الشرقية مما يلي العريض وما قارب ذلك؛ لأن الإسماعيلي روى الحديث المتقدم بلفظ: «ثم جاء بني حارثة وهم في سند الحرة» أي: الجانب المرتفع منها، وسيأتي في منازلهم ما يبين أن المراد الحرة الشرقية، وليس الموضع الذي ذكره المطري في سند واحدة من الحرتين، والله أعلم. ويؤيد أيضا ما قاله النووي أن البيهقي روى في المعرفة حديث الصحيفة عن علي بلفظ: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة ما بين حرتيها وجمامها: لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها» يعني: أنشد «ولا
стр. 73
يقطع شجرها إلا أن يعلف رجل بعيرا، ولا يحمل فيها سلاح لقتال» الحديث، ورواه أحمد كذلك أيضا، وهو حديث صحيح، وجمام المدينة ثلاثة كما سيأتي، وهي مما يلي حرتها الغربية من جهة المغرب والحرة بين الجمام والمدينة.
وروى مسلم حديث الصحيفة بلفظ: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور» والبخاري بلفظ: «المدينة حرم ما بين عاير إلى كذا» وأبو داود بلفظ: «المدينة حرام ما بين عاير إلى ثور» ثم زاد فيه وقال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يلقط لقطتها إلا من أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره» ورواه الطبراني برجال موثّقين مختصرا، ولفظه عن أبي جحيفة أنه دخل على علي ﵁ فدعا بسيفه، فأخرج من بطن السيف أدما عربيا، فقال: ما ترك رسول الله ﷺ شيئا غير كتاب الله الذي أنزل إليه وقد بلغته غير هذا، فإذا: بسم الله الرحمن الرحيم، محمد رسول الله قال: «لكل نبي حرم وحرمي المدينة» .
الفصل التاسع في بيان عير وثور
وهما المراد بجبليها كما تقدم.
موقع جبل عير
أما عير- بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف بلفظ العير مرادف الحمار، ويقال: عاير- فجبل كبير مشهور في قبلة المدينة بقرب ذي الحليفة ميقات المدينة.
موقع جبل ثور
وأما ثور- بالمثلاثة بلفظ الثور فحل البقر- فجبل صغير خلف أحدكما سنحققه، فإنه خفي على جماعة من فحول العلماء فاستشكلوا الحديث، وقالوا: ليس بالمدينة ثور، إنما هو بمكة، ولهذا في أكثر روايات البخاري من عاير إلى كذا، وفي بعضها من عير إلى كذا، ولم يبين النهاية، فكأنه يرى أن ذكر ثور وهم فأسقطه، وترك بعض الرواة موضع ثور بياضا ليتبين الوهم، وضرب آخرون عليه.
الاختلاف في وجود جبل ثور بالمدينة
وقال المازري: نقل بعض أهل العلم أن ذكر ثور هنا وهم من الراوي؛ لأن ثورا بمكة، والصحيح «إلى أحد» .
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: عير وثور جبلان بالمدينة، وأهل المدينة لا يعرفون
стр. 74
بها جبلا يقال له ثور، وإنما ثور بمكة، قال: فإذا نرى أن الحديث أصله «ما بين عير إلى أحد» .
قلت: وكذا رواه الطبراني برجال ثقات، بلفظ: «ما بين عير وأحد حرام، حرّمه رسول الله ﷺ » وهو كذلك في رواية لابن زبالة.
وقال الحازمي: الرواية الصحيحة «ما بين عير إلى أحد» وقيل: «إلى ثور» وليس له معنى، وتكلف بعضهم فقال: إلى بمعنى مع، كأنه جعل المدينة مضافة إلى مكة في التحريم لأن ثورا بها.
وقال الموفق بن قدامة: يحتمل أن المراد تحريم قدر ما بين ثور وعير اللذين بمكة، أو سمى النبي ﷺ الجبلين اللذين بطرفي المدينة عيرا وثورا ارتجالا، انتهى. وهو يقتضي إنكار وجود عير بالمدينة أيضا.
وقد قال الزركشي: نقل عياض عن بعضهم أنه ليس بالمدينة ولا ما يقرب منها جبل يعرف بأحد هذين الاسمين، أعني عيرا وثورا. قال ياقوت في معجمه: وهذا وهم، فإن عيرا جبل مشهور بالمدينة، وقال ابن السيد: عير جبل بقرب المدينة، وعبارة عياض في المشارق: عير وعاير المذكوران في حرم المدينة في أكثر الروايات عير، وفي حديث علي عاير، قال الزبير بن بكار: هو جبل بالمدينة، وقال عمه مصعب: لا يعرف بالمدينة عير ولا ثور، انتهى.
وقال في المطالع: أكثر رواة البخاري ذكروا عيرا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضا، والأصل في هذا التوقف قول مصعب الزبيري: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وأثبت غيره عيرا، ووافقه على إنكار ثور.
قلت: سيأتي في ترجمة عير من فصل البقاع عن مصعب الزبيري ما يقتضي إثباته له، وشهرة عير غير خافية بين العلماء، إنما الغرابة في ثور.
وقال النووي عقب نقل الحازمي المتقدم: ويحتمل: أن ثورا كان اسما لجبل هناك:
إما أحد، وإما غيره، فخفي اسمه.
وقال صاحب البيان والانتصار: قد صحت الرواية بلفظ ثور؛ فلا ينبغي الإقدام على توهيم الرواة بمجرد عدم العرفان، فإن أسماء الأماكن قد تتغير، أو تنسى ولا يعلمها كثير من الناس، قال: وقد سألت بمكة عن وادي محسّر وغيره من أماكن تتعلق بالنسك، فلم أخبر عنها مع تكرر مجيء الناس إليها، فما ظنك بغيرها؟ وأيضا فقد يكون للشيء اسمان فيعرف أحدهما دون الآخر.
وقال المجد: لا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في
стр. 75
الحديث المتفق على صحته، بمجرد ادعاء أن أهل المدينة لا يعرفون جبلا يسمى ثورا، وذكر احتمال طرق التغيير في الأسماء والنسيان لبعضها، قال: حتى إني سألت جماعة من فقهاء المدينة وأمرائها وغيرهم من الأشراف عن فدك ومكانها فكلهم أجابوا بعدم معرفة موضع يسمى بذلك في بلادهم، مع أن هذه القرية لم تبرح في أيدي الأشراف والخلفاء يتداولونها إلى أواخر الدولة العباسية، فكيف بجبل صغير لا يتعلق به كبير أمر، مع أنه معروف بين أهل العلم بالمدينة، ونقل بعض الحفاظ وصفه بذلك خلفا عن سلف؟ اه.
قلت: قد حكى البيهقي في المعرفة قول أبي عبيد: أهل المدينة لا يعرفون جبلا يقال له ثور، ثم قال البيهقي: وبلغني عن أبي عبيدة أنه قال في كتاب الجبال: بلغني أن بالمدينة جبلا يقال له ثور، انتهى.
ونقل المجد في ترجمة عير عن نصر أنه قال: عير جبل يقابل الثنية المعروفة بشعب الجوز، وثور جبل عند أحد، انتهى. فدل على أن ما اشتهر في زماننا وقبله من وجود ثور بالمدينة له أصل في الزمن القديم، وإن خفي على بعضهم، وقد أخبرني بوجوده جماعة كثيرة من الخواص، وأروني إياه خلف أحد، ونقل جماعة عن المحدث أبي محمد عفيف الدين عبد السلام بن مزروع البصري نزيل المدينة المشرفة أنه رآه غير مرة، وأنه لما خرج رسولا من صاحب المدينة إلى العراق كان معه دليل يذكر له الأماكن والأجبل، فلما وصلا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير، فسأله: ما اسم هذا الجبل؟ فقال له: يسمى ثورا، وقد حكى عنه نحو هذا القطب الحلبي في شرح البخاري، وقال المحب الطبري: أخبرني الثقة الصدوق الحافظ العالم المجاور بحرم رسول الله ﷺ عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور، قال الطبري: فعلمنا بذلك أن ما تضمنه الحديث صحيح، وعدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، انتهى.
وقد رد الجمال المطري في تاريخه على من أنكر وجود ثور، وقال: إنه خلف أحد من شماليه، صغير مدور، يعرفه أهل المدينة خلف عن سلف.
وقال الأقشهري: وقد استقصينا من أهل المدينة تحقيق خبر جبل يقال له ثور عندهم، فوجدنا ذلك اسم جبل صغير خلف جبل أحد يعرفه القدماء دون المحدثين من أهل المدينة، والذي يعلم حجة على من لا يعلم، اه.
стр. 76
وقال العلامة أبو العباس بن تيمية: عير جبل عند الميقات يشبه العير، وهو الحمار، وثور جبل في ناحية أحد، وهو غير جبل ثور الذي بمكة.
وروى بعض شراح المصابيح أن الله تعالى لما كلم موسى ﵇ على الجبل تقطع ست قطع، فصارت ثلاث بمكة: حراء، وثبير، وثور، وثلاث بالمدينة: عير، وثور، ورضوى، وكأن ثورا سمي باسم فحل البقر لشبهه به، وهو إلى الحمرة أقرب، وقد صح بما قدمناه أن أحدا من الحرم؛ لأن ثورا حده من جهة الشام كما أن عيرا حده من جهة القبلة، ويقوم ذلك على الرواية التي فيها ذكر أحد بدل ثور، لما في ذلك من الزيادة عليها، وأنها من باب ذكر فرد مما شمله ذلك العموم بحكم العموم فلا تخصص، مع إفادتها لإدخال ما حاذى أطراف أحد شرقا وغربا، وما وقع في الشرحين والروضة وغيرهما من التحديد بما بين اللابتين وبما بين عير وأحد مبني على ما تقدم من أن الرواية الصحيحة «أحد» لعدم وجود ثور؛ فقد اتضح الحال، ولله الحمد.
الفصل العاشر في أحاديث تقتضي زيادة الحرم على ذلك التحديد، وأنه مقدر ببريد
أعلم أن قوله في حديث مسلم «وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى» ظاهر في التحريم لذلك القدر؛ إذ حول المدينة إنما هو حرمها، وحمى النبي ﷺ الذي ليس بحرم لم يكن حول المدينة على ما سيأتي بيانه، ولأن التقي السبكي قال: إن في سنن أبي داود تحديد حرم المدينة ببريد من كل ناحية، قال: وإسناده ليس بالقوي، والذي رأيته في أبي داود عن عدي بن يزيد «حمى رسول الله ﷺ كل ناحية من المدينة بريدا بريدا، لا يخبط شجره، ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل» رواه البزار بنحوه، ورواه ابن زبالة بلفظ «حرم رسول الله ﷺ شجر المدينة بريدا في بريد منها، وأذن في المسد «١» والمنجدة ومتاع الناضح أن يقطع منه» والمنجدة: عصا الناضح «٢» .
وروى المفضل الجندي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: في قصة العبد الذي وجده يعضد- أو يخبط- عضاها بالعقيق: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: من وجد من يعضد أو يخبط «٣» شيئا من عضاه المدينة بريدا في في بريد فله سلبه، فلم أكن لأرد شيئا أعطانيه رسول الله ﷺ » .
стр. 77
وروى البزار عن جابر قال: «حرم رسول الله ﷺ المدينة بريدا من نواحيها» .
وفي الأوسط للطبراني- وفيه ضعيف- عن كعب بن مالك قال: «حرّم رسول الله ﷺ الشجر بالمدينة بريدا في بريد، وأرسلني فأعلمت على الحرم: على شرف ذات الحبيش، وعلى شريب، وعلى أشراف مخيض» .
ورواه ابن النجار بلفظ: «حرّم رسول الله ﷺ المدينة بريدا في بريد، وأرسلني فأعلمت على الحرم: على شرف ذات الجليس، وعلى مشيرب، وعلى أشراف المجتهر، وعلى تيم» ورواه ابن زبالة بهذا اللفظ، إلا أنه أسقط أشراف المجتهر، وأبدل تيم بثيب، وزاد «وعلى الحفياء وعلى ذي العشيرة» .
وروي أيضا عن كعب بن مالك أن النبي ﷺ «حمى الشجر ما بين المدينة إلى وعيرة، وإلى ثنية المحدث، وإلى أشراف مخيض، وإلى ثنية الحفياء، وإلى مضرب القبة، وإلى ذات الجيش: من الشجر أن يقطع، وأذن لهم في متاع الناضح أن يقطع من حمى المدينة» .
وروي أيضا عن سلمان بن كعب الديناري أن النبي ﷺ «نزل بمضرب القبة وقال: ما بيني وبين المدينة حمى لا يعضد، فقالوا: إلا المسد، فأذن لهم في المسد» .
وروي أيضا من طريق مالك بن أنس عن أبي بكر بن حزم أن رسول الله ﷺ قال في الحمى: «إلى مضرب القبة» قال مالك: وذلك نحو من بريد.
وروي أيضا عن جابر مرفوعا «كل دافعة دفعت علينا من هذه الشعاب فهي حرام أن تعضد- أو تخبط، أو تقطع- إلا لعصفور قتب أو مسد محالة أو عصا حديدة» «١» .
وفي الأوسط للطبراني بإسناد حسن عن الحسن بن رافع أنه سأل جابر بن عبد الله فقال: لنا غنم وغلمان، ونحن وهم بثرير، فهم يخبطون على غنمهم هذه الثمرة، يعني الحبلة- قال خارجة: وهي ثمر السّمر- قال جابر: لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله ﷺ ولكن هشوا هشا، ثم قال جابر: إن كان رسول الله ﷺ ليمنع أن يقطع المسد، قال خارجة: والمسد مرود البكرة.
وروى ابن زبالة عن أبي سعيد الخدري قال: بعثتني عمتي إلى رسول الله ﷺ تستأذنه في مسد، فقال رسول الله ﷺ : «اقرأ عمتك السلام، وقل لها: لو أذنت لكم في مسد طلبتم ميزابا، ولو أذنت لكم في ميزاب طلبتم خشبة، ثم قال: حماي من حيث استاقت بنو فزارة لقاحي» .
стр. 78
الفصل الحادي عشر في بيان ما في هذه الأحاديث من الألفاظ المتعلقة بالتحديد
، ومن ذهب إلى مقتضاها.
ذات الجيش
قوله: «شرف ذات الجيش» قال ابن زبالة: ذات الجيش: لقب ثنية الحفيرة من طريق مكة والمدينة، وقال المطري: هي وسط البيداء، والبيداء هي التي إذا رحل الحجاج من ذي الحليفة استقبلوها مصعدين إلى جهة الغرب، وهي على جادة الطريق.
قلت: ويؤيده قول ياقوت: ذات الجيش موضع بعقيق المدينة، أراد بقربه، أو لأن سيلها يدفع فيه كما سيأتي، وقد رأيته يطلق ذلك على ما يدفع في العقيق وإن بعد عنه.
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأسدي في وصف الطريق بين مكة والمدينة: إن من ذي الحليفة إلى الحفيرة ستة أميال، قال: وهي متعشا، وبها بئر طيبة وحوض، وعمر بن عبد العزيز هو الذي حفر البئر، وبها أبيات ومسجد، اه. ومقتضاه أن يكون ثنية الحفيرة بعد البئر، فلعلها ثنية الجبل المسمى اليوم بمفرح، وهناك واد قبل وادي تربان يسمونه سهمان ينطبق عليه الوصف المذكور، وهو موافق لقول من قال: ذات الجيش واد بين ذي الحليفة وتربان. فأطلق اسمها على الوادي التي هي فيه، ولقول عياض: ذات الجيش على بريد من المدينة، وهو ظاهر رواية الطبراني المتقدمة، لكنه مخالف لما سيأتي في معنى التحديد بالبريد، وهناك حبس النبي ﷺ في ابتغاء عقد عائشة ﵂، ونزلت آية التيمم، والترديد في حديث عائشة: «حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش» كأن سببه قرب الموضعين، وهو ظاهر في المغايرة بينهما. وقال أبو علي الهجري: ذات الجيش: شعبة على يمين الخارج إلى مكة بحذاء الحفيرة، قال: وصدر الحفيرة وما قبل من الصلصلين يدفع في بئر أبي عاصية، ثم يدفع في ذات الجيش، وما دبر منها يدفع في البطحاء، ثم تدفع البطحاء من بين الجبلين في وادي العقيق، وذات الجيش تدفع في وادي أبي كبير، وهو فوق مسجد الحرم والمعرس، وطرف أعظم الغربي يدفع في ذات الجيش، وطرفه الثاني يدفع في البطحاء.
قلت: وأعظم- ويقال عظم كما سيأتي- جبل معروف اليوم على جادة مكة، قال المطري: وهو في شامي ذات الجيش، ويشهد له ما سبق عن الهجري.
شريب
قوله «شريب» الظاهر أنه مشيرب تصغير مشرب كما في الرواية الآخرى، وهو
стр. 79
ما بين جبال في شامي ذات الجيش، بينها وبين خلائق الضبوعة، والضبوعة منزل عند يليل «١» .
أشراف مخيض
قوله: «أشراف مخيض» بلفظ المخيض من اللبن- هي جبال مخيض من طريق الشام، قاله ابن زبالة، وقال الهجري: مخيض واد يصب في أضم على طريق الشام من المدينة، انتهى؛ فكأنه يطلق على الجبال وواديها، وقال المطري: جبل مخيض هو الذي على يمين القادم من طريق الشام، حين يفضي من الجبال إلى البركة التي هي مورد الحجاج من الشام، ويسمونها عيون حمزة.
أشراف المجتهر
قوله: «أشراف المجتهر» كذا رواه ابن النجار، وتبعه المطري، ولم يبيناه، وقال المجد: هكذا وقع بالجيم والهاء المفتوحة، فإن صح فهو اسم موضع بالمدينة، وإلا فيحتمل أن يكون تصحيف «المحيصر» بالحاء والصاد المهملتين تصغير «المحصر» موضع قريب من المدينة. قلت: الأقرب أنه تصحيف المخيض؛ لمجيئه بدله في بقية الروايات.
الحفياء
قوله «الحفياء» قال ابن زبالة: هي بالغابة في شامي المدينة، وقال الهجري: وراء الغابة بقليل، وسيأتي في ترجمتها أن بينها وبين المدينة نحو ستة أميال.
ذو العشيرة
قوله: «ذي العشيرة» تصغير عشرة من العدد، قال ابن زبالة: شرقي الحفياء، وقال المطري: نقب في الحفياء.
ثيب
قوله: «ثيب» بفتح المثلاثة ثم مثناة تحتية ساكنة ثم موحدة- كذا في النسخة التي وقعت عليها من ابن زبالة، وقال: إنه جبل في شرقي المدينة، وكذا هو في العقيق للزبير بن بكار، وكذا رأيته مضبوطا بالقلم في أصل معتمد من تهذيب ابن هشام؛ فإنه قال في غزوة السويق: فخرج أبو سفيان حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له ثيب من المدينة على بريد أو نحوه، وكذا هو في العقيق لأبي علي الهجري، إلا أنه قال عقبه: ثيئب كتيعب، فاقتضى أن الياء الساكنة بعدها همزة، ويشهد لذلك ما سيأتي في أسماء البقاع في
стр. 80
ترجمة الشظاة من شعر عباس بن مرداس، وفي كتاب ابن شبة في حديث سلمة الآتي أول الباب السابع: فقلت يا رسول الله، تباعد الصيد، فأنا أصيد بصدور قناة نحو تيب، كذا رأيته مضبوطا بالقلم من غير همزة، لكنه بالمثناة من فوق، ووقع في كتاب ابن النجار وتبعه المطري تيم بفتح المثناة الفوقية والتحتية وبالميم. قلت: وفي شرقي المدينة جبل يعرف اليوم بهذا الاسم، وقال المجد: إنه تصحيف، والصواب يتيب، بلفظ مضارع تاب إذا رجع، فهو بالتاء المثناة من فوق، ولذا ذكره في مادتها من القاموس، وقال في مادتها أيضا تيأب كفعلل موضع، ولم يتعرض لذلك في الثاء المثلاثة.
وعيرة
قوله: «وعيرة» - بفتح أوله من الوعورة، وهو خشونة الأرض- جبل شرقي ثور، وهو أكبر من ثور وأصغر من أحد.
ثنية المحدث
وقوله: «ثنية المحدث» لم أر من تكلم عليه من مؤرخي المدينة وغيرهم، والعجب من المجد كيف أهمله مع إيراده الحديث في كتابه.
مضرب القبة
قوله: «مضرب القبة» قال المجد كالمطري: ليس اليوم معروفا، ولا تعلم جهته، قال: والذي يظهر أنه ما بين ذات الجيش من غربي المدينة إلى مخيض.
قلت: قال أبو علي الهجري: مضرب القبة بين أعظم وبين الشام نحو ستة أميال، أي من المدينة، وقد تقدم قول مالك عقب التحديد به: وذلك نحو من بريد، ولعله يريد مجموع الحرم.
ثرير
قوله: «بثرير» لم أر من تكلم عليه حتى المجد.
غزوة ذي قرد
قوله: «من حيث استاقت بنو فزارة لقاحي» كانت لقاحه ﷺ ترعى بالغابة وما حولها، فأغار عليها عيينة بن حصن الفزاري يوم ذي قرد، واتفق لسلمة بن الأكوع ما اتفق من استنقاذ اللقاح ووصول الفرسان إليه وهو يقاتلهم ويرميهم بالنبل، وسميت غزوة ذي قرد بالموضع الذي كان فيه القتال.
والتحديد بهذه الأماكن مؤيد لكون مجموع الحرم بريدا، ولذلك قال ابن زبالة عقب ما تقدم عنه: وذلك كله يشبه أن يكون بريدا في بريد، انتهى. ويحمل عليه قول أبي هريرة
стр. 81
في حديث مسلم: «وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى» لأن ذلك هو البريد أي:
ستة أميال من جهة قبلتها، وستة أميال من جهة شاميها، وكذلك في المشرق والمغرب، ومثله حديث «حمى كل ناحية من المدينة بريدا» أي من القبلة إلى الشمال بريدا، ومن المشرق إلى المغرب بريدا، وقد أخذ بذلك مالك ﵀، لكن فرّق بين حرم الشجر وحرم الصيد، وجعل البريد حرم الشجر، وما بين اللابتين حرم الصيد.
قال عياض في الإكمال: قال ابن حبيب: تحريم ما بين اللابتين مخصوص بالصيد، قال: وأما قطع الشجر فبريد في دور المدينة كلها، بذلك أخبرني مطرف عن مالك، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن وهب، انتهى. وحكى الباجي في المنتقى مثله عن ابن نافع، ونقل ابن زبالة عن مالك أنه قال: الحرم حرمان؛ فحرم الطير والوحش من حرة واقم- أي: وهي الحرة الشرقية- إلى حرة العقيق- أي وهي الغربية- وحرم الشجر بريد في بريد، وقال البرهان بن فرحون: حرم الصيد ما بين حرارها الأربع، وسماهما أربعا لوجود الحرتين المذكورتين في الجهات الأربع؛ لانعطاف بعض الشرقية والغربية من جهة الشمال والقبلة، ولم يعول أصحابنا في تحديد الحرم على البريد مع ما فيه من الزيادة؛ لأن أدلته ليست بالقوية، فعولوا على ما اشتملت عليه الأحاديث الصحيحة من الجبلين واللابتين، على أن إطلاق أحاديث التحريم مقتض لعدم الفرق بين حرم الشجر وحرم الصيد، سواء كان الحرم بريدا أو دونه، غير أن في أحاديث البريد ما يشعر بأنه للشجر، مع أن ابن زبالة- ومحله من الضعف معلوم- روي عن ابن بشير المازني أنه سمع رسول الله ﷺ يحرّم ما بين لابتيها- يعني: المدينة- من الصيد، وعن أبي هريرة وغيره نحوه، وفي رواية له «من الطير أن يصاد بها» وقد يقال: هو من باب إفراد فرد مما حرم بالذكر.
فإن قيل: قوله في حديث مسلم: «حرم ما بين لابتيها، وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى» دال على الفرق المذكور.
قلنا: ممنوع؛ لأن غايته أن يراد بالحمى الحرم، فكأنه قال: وجعل اثني عشر ميلا حولها حرما؛ إذ ليس فيه أنه جعله حمى الشجر.
مقدار البريد والفرسخ والميل
تتمة: البريد أربع فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع بذراع اليد على الأصح، كما صححه ابن عبد البر وغيره، وهو الموافق لاختيار ما ذكره من المسافات في الحرم المكي وغيره، وذراع اليد- على ما ذكره المحب الطبراني والنووي وغيرهما- أربعة وعشرون أصبعا، كل أصبع ست شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض، وغلط النووي القلعي في قوله «ثلاث شعيرات» ومقدار الذراع المذكور من ذراع
стр. 82
الحديد المستعمل في القماش بمصر الآن ذراع إلا ثمن ذراع، كما اعتبرته أنا وغيري، ومشى عليه التقي الفاسي في تاريخ مكة المشرفة، وليكن ذلك على ذكر منك إذا مررت بشيء مما ضبطناه في المسافات في كتابنا هذا، وقيل: الميل ستة آلاف ذراع، ومشى عليه النووي، وهو بعيد، ولعل قائله هو الذي يجعل الإصبع في الذراع ثلاث شعيرات فقط، وقيل: الميل ألفا ذراع، والصواب ما قدمناه، والله أعلم.
الفصل الثاني عشر في حكمة تخصيص هذا المقدار المعين بالتحريم
حكمة التخصيص
اعلم أن المفهوم من تحريم ذلك تشريف المدينة الشريفة وتعظيمها به لحلول أشرف المخلوقين صلوات الله وسلامه عليه، وانتشار أنواره وبركاته بأرضها، وكما أن الله تعالى جعل لبيته حرما تعظيما له جعل لحبيبه وأكرم الخلق عليه ما أحاط بمحله حرما تلتزم أحكامه، وتنال بركاته، ويوجد فيه من الخير والبركة والأنوار المنتشرة والسلامة العاجلة والآجلة ما لا يوجد في غيره، ولهذا حث النبي ﷺ بني حارثة على الكون به، كما أشار إليه بقوله: «أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم» ثم التفت فقال: «بل أنتم فيه» وذلك لخصوصية الكون فيه على الكون خارجه، وتخصيص ذلك المقدار إما أن يكون لما شاهده ﷺ فيه من أمر رباني، وسر روحاني بثه الله فيه إلى تلك الحدود المتقدمة، وقد ذكر أهل الشهود أنهم يشاهدون الأنوار منبثة في الحرم وأهله إلى حدوده، ولها منابع تفيض عنها، وذلك في الحرمين جميعا، فترتبت الأحكام الظاهرة على تلك الحقائق الباطنة، ولهذا لما بلغت النار الآتي ذكرها طرف هذا الحرم الشريف طفئت كما سيأتي، وإما أن يكون بمقتضى أمر إلهي، ووحي رباني لا ندركه نحن؛ إذ العقول البشرية قاصرة عن إدراك معاني الأحكام المتلقاة عن النبوة، وإنما يظهر لها لايحه من شوارق مطالعها عند التأييد والتسديد، هدانا الله لإدراكها بمنه وكرمه.
وجوه تذكر في حكمة التحديد
وقد قيل في حكمة تحديد الحرم المكي أشياء يمكن مثلها هنا؛ فقيل: لما أهبط آدم إلى الأرض أرسل الله ملائكة حفوا بمكة من كل جانب ووقفوا في موضع أنصاب الحرم يحرسون آدم ﵇، فصار ذلك حرما. وقيل: لما وضع الخليل ﵇ الحجر الأسود في الكعبة حين بناها- وهو من أحجار الجنة- أضاء الحجر من الجهات الأربع، فحرم الله تعالى الحرم من حيث انتهى النور. وقيل: إن الله تعالى أمر جبريل عليه السلام
стр. 83
أن ينزل بياقوتة من الجنة، فنزل بها، فمسح بها رأس آدم، فتناثر الشعر منه، فحيث بلغ نورها صار حرما، وهو من جنس ما قبله. وقيل غير ذلك؛ وحينئذ فيحتمل: أن تكون الملائكة الموكلة بحراسته ﷺ وحراسة بلده الشريف قائمة بتلك الحدود، فانتهى الحرم إليها، ويحتمل: أن درته الشريفة التي خلق منها لما كان مأخذها موضع قبره الشريف، وهو أعظم رياض الجنة، واشتمل مسجده أيضا على روضة من رياض الجنة، انبثت الأنوار من ذلك إلى ما لا يعلم غايته إلا الله، ولكن أبصار الناظرين لها غايات؛ فقد يكون انتهاؤها إلى تلك الحدود فانتهى الحرم إليها، ويحتمل أنه ﷺ يوم قدومه إلى المدينة انتشرت الإضاءة، وشوهد وصولها إلى تلك الحدود، وسيأتي قول أنس بن مالك في وصف يوم قدومه ﷺ : ما رأيت مثل ذلك اليوم قط، والله لقد أضاء منها كل شيء، يعني: المدينة، والله أعلم.
الفصل الثالث عشر في أحكام هذا الحرم الشريف، وفيه مسائل
الأولى: القول في تحريم الصيد وقطع الشجر
اتفق الشافعي ومالك وأحمد على تحريم صيد حرم المدينة، واصطياده، وقطع شجره. وقال أبو حنيفة: لا يحرم شيء من ذلك، والأحاديث الصحيحة الصريحة حجة عليه، وقد قدمنا جملة منها، ولو لم يكن إلا قوله ﷺ «كما حرم إبراهيم مكة» لكان كفاية؛ فإنه يتمسك به في كل ما لم يقم دليل على افتراق الحرمين فيه. وروى أبو داود- وسكت عليه، قال النووي: وهو صحيح أو حسن، أي: كما هو قاعدته فيما يسكت عليه- أن سعد بن أبي وقاص ﵁ أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﷺ فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله ﷺ «حرم هذا الحرم، وقال: من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه» وسيأتي عنه نحوه في قطع الشجر، وفي الموطأ عن أبي أيوب الأنصاري أنه وجد غلمانا قد ألجؤوا ثعلبا إلى زاوية، فطردهم عنه، قال مالك:
لا أعلم إلا أنه قال: أفي حرم رسول الله ﷺ يصنع هذا؟ وروى الطبراني برجال الصحيح مثله عن زيد بن ثابت بدل أبي أيوب، وفي الموطأ أيضا أن رجلا قال: دخل علي زيد بن ثابت وأنا بالأسواف «١» ، وقد اصطدت نهسا «٢» فأخذه من يدي، فأرسله. ورواه
стр. 84
الطبراني أيضا مع تسمية المبهم، ولفظه: عن شر حبيل بن سعيد قال: أخذت نهسا- يعني طائرا- بالأسواف، فأخذه مني زيد بن ثابت فأرسله، وقال: أما علمت أن رسول الله ﷺ حرم ما بين لابتيها. وفي رواية له «أتانا زيد بن ثابت ونحن في حائط لنا، ومعنا فخاخ ننصب بها، فصاح وطردنا، وقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ حرم صيدها. ورواه أحمد أيضا- وكذا الشافعي في حرملة- عن شرحبيل بن سعد، وقد وثّقه ابن حبان وضعفه غيره، ولفظه: دخل علينا زيد بن ثابت حائطا ونحن غلمان ننصب فخاخا للطير، فطردنا وقال: إن رسول الله ﷺ حرم صيدها» . ورواه ابن زبالة بلفظ: كنت مع بني زيد بن ثابت بالأسواف، فأخذوا نهسا، فاستفتح زيد بن ثابت وهو في أيديهم، فدفعوه في يدي وفروا، فدخل زيد، فأخذه من يدي فأرسله، ثم لطم في قفاي وقال: لا أم لك، ألم تعلم، وذكر الحديث المتقدم. وروى الطبراني عن حاجب مولى زيد بن ثابت قال: دخل علي زيد بن ثابت وأنا بالأسواف قد اصطدت نهسا، فأخذ بأذني من قفاي وقال: تصيد هاهنا وقد حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتيها؟
والنّهس، كصرد: طائر يشبهه وليس بالصرد، وقيل: إنه اليمام.
وفي الكبير للطبراني برجال ثقات عن عبد الله بن عباد الزرقي- قال الهيثمي: ولم أجد من ترجمه- قال: كنت أصيد العصافير في بئر أهاب، وكانت لهم، قال: فرآني عبادة بن الصامت وقد أخذت العصفور، فينزعه مني فيرسله، ويقول: أي بني، إن رسول الله ﷺ حرم ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم مكة.
وروى ابن زبالة ومن طريقه البزار عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال:
اصطدت طيرا بالقنبلة «١» ، فلقيني أبي عبد الرحمن، فعرك أذني، ثم أخذه مني فأرسله، وقال: إن رسول الله ﷺ حرم صيد ما بين لابتيها.
وفي أبي داود عن مولى لسعد، أن سعدا وجد عبيدا من عبيد المدينة يقطعون شجرا من شجر المدينة، قال: فأخذ متاعهم، وقال يعني لمواليهم: سمعت رسول الله ﷺ «ينهى أن يقطع من شجر المدينة شيء، وقال: من قطع شيئا فلمن أخذه سلبه» ورواه مسلم عن إسماعيل بن محمد بن عامر بن سعد، ولفظه: أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا، أو يخبطه، فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم- أو عليهم- ما أخذ من غلامهم، فقال: «معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله ﷺ » ورواه المفضل الجندي عنه، ولفظه: أن سعدا ركب إلى قصر له بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرة، فأخذ سلبه، وذكره بنحوه. ورواه ايضا عن عبد الله بن عمر، ولفظه: أن
стр. 85
سعدا وجد إنسانا يعضد، أو يخبط، عضاها بالعقيق، فأخذ فأسه ونطعه وشيئا سوى ذلك، فاطلع العبد إلى ساداته فأخبرهم الخبر، فركبوا إلى سعد فقالوا: الغلام غلامنا، فاردد إليه ما أخذت منه، قال: سمعت رسول الله ﷺ وذكر ما قدمناه عنه في الفصل العاشر، وقال في آخره: «فلم أكن لأرد شيئا أعطانيه رسول الله ﷺ » ورواه ابن زبالة من طرق بنحوه.
وفي بعضها أن سعد بن أبي وقاص وجد جارية لعاصية السلمية تقطع الحمى فضربها وسلبها شملة لها وفأسا كانت معها، فدخلت عاصية السلمية إلى عمر بن الخطاب ﵁ فاستعدت على سعد، فقال: اردد إليها يا أبا إسحاق شملتها وفأسها، فقال:
«لا، والله لا أرد إليها غنيمة غنمنيها رسول الله ﷺ سمعته يقول: من وجدتموه يقطع الحمى فاضربوه واسلبوه» واتخذ من فأسها مسحاة فما زال يعمل بها حتى لقي الله. وفي بعضها: أخذ سعد بن أبي وقاص جارية لعاصية السلمية تقطع شجرا بالعقيق، فنزع سلبها، وذكر نحوه. وروى أيضا عن سعد قال: غنّمنا رسول الله ﷺ من وجدناه يقطع من شجر حرم المدينة الرطب منه. وعن زيد بن أسلم نحوه. وروى الجندي عن عبد الكريم بن أبي المخارق قال: أتى عمر بن الخطاب ناحية من المدينة فوجد غلاما لبعضهم في حائط، فقال: هل يأتيك هاهنا أحد يحتطب؟ قال: نعم، فقال له عمر: إن رأيت منهم أحدا فخذ فأسه وحبله، قال: وثوبه؟ قال: فأبى، وفس نسخة فأفتى، وفي رواية عنه: أن عمر قال لغلام قدامة بن مظعون: أنت على هؤلاء الحطابين، فمن وجدته احتطب فيما بين لابتي المدينة فلك فأسه وحبله، قال: وثوباه؟ قال عمر: ذلك كثير.
وقد اختلف القائلون بالتحريم في حرم المدينة بالنسبة إلى الضمان بالجزاء، فعن أحمد روايتان، وللشافعي أيضا قولان كالروايتين: الجديد منهما عدم الضمان وهو قول مالك؛ لأنه ليس بمحل نسك، فأشبه مواضع الحمى ووج الطائف «١» ، والقديم الضمان، وهو المختار كما قاله النووي وغيره، لحديث سعد المتقدم، والجواب عنه مسكل، وعلى هذا فالأصح أنه يسلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ كما يسلب القتيل من الكفار حتى يؤخذ فرسه وسلاحه، وقيل: الثياب فقط، ويكون ذلك للسالب على الأصح، وقيل:
لفقراء المدينة كما أن جزاء صيد مكة لفقرائها، وقيل: يوضع في بيت المال وسبيله سبيل السهم المرصد للمصالح. قال الشيخ أبو محمد: ويعطى المسلوب إزارا يستر به عورته، فإذا قدر على ما يستر به عورته أخذه منه، واختار الروياني أنه يترك له، وصوبه النووي.
قال الرافعي: والذي يسبق إلى الفهم من الحديث وكلام الأئمة أنه يسلب إذا اصطاد، ولا يشترط الإتلاف، ولفظ الغزالي في الوسيط: لا يسلب حتى يصطاد أو يرسل الكلب،
стр. 86
ويحتمل التأخير إلى الإتلاف، انتهى. ولا فرق في هذا بين صيد وصيد، ولا بين شجرة وشجرة، وكأن السلب في معنى العقوبة لمتعاطي ذلك. قال السراج البلقيني: ولو كان الصائد أو قاطع الشجر في حرم المدينة عبدا هل يسلب ثيابه كما اتفق لسعد بن أبي وقاص؟ قال: والذي يقتضيه النظر أنه لا يسلب العبد؛ فإنه لا ملك له، وكذلك لو كان على الصائد ثوب مستأجر أو مستعار فإنه لا يسلب، ولم أر من تعرض له، انتهى. قلت:
التحقيق التفصيل بين ما إذا أمره السيد أو من في معناه بذلك وبين ما إذا لم يأمره، ويحمل ما اتفق لسعد على الأول، ولو كان على الصائد والمحتطب ثياب مغصوبة لم تسلب بلا خلاف، كما نقله في شرح المهذب، ونقله في المطلب عن البحر، ثم قال: وينبغي أن تكون المستعارة كذلك، ولو لم يشاهده أحد يصطاد فالظاهر أنه يجب عليه حمل السلب إلى نائب الإمام، ولو تحدث بحضرة أحد فسمعه فهل يجوز له أن يسلبه؟ الظاهر عندي لا، انتهى. ولو أدخل إلى حرم المدينة صيدا لم يلزمه إرساله، وله ذبحه به اتفاقا، وكذا حرم مكة عندنا. وقد روى البيهقي أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقدمون مكة فيرون بها في الأقفاص القماري «١» واليعاقيب، وهذا محمل حديث «يا أبا عمير، ما فعل النغير «٢» » أو أنه كان قبل تحريم المدينة؛ لأنه في أول الهجرة، وتحريم المدينة كان بعد رجوعه ﷺ من خيبر، كما أوضح ذلك الحافظ ابن حجر. وقد تمسك أبو حنيفة بقصة أبي عمير فيما ذهب إليه من عدم تحريم صيد المدينة؛ لذهابه في حرم مكة إلى وجوب الإرسال على من أدخل إليه صيدا من خارجه، قال: فلو حرم النبي ﷺ صيد المدينة لما أقر النغير في يد أبي عمير. وجوابه ما تقدم، قال البيهقي: والذاهب إلى عدم تحريم الصيد وغيره بالمدينة زعم أن النبي ﷺ إنما أراد بقاء رينة المدينة وبهجتها لتستوطن كما منع من هدم آطام المدينة لذلك، قال أبو هريرة ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن هدم آطام المدينة، وقال: إنها زينة المدينة، أي فالنهي للتنزيه. قال البيهقي: والنهي عندنا على التحريم حتى تقوم دلالة على التنزيه، قال: واستدل المخالف بحديث سلمة «أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيّعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت، فإني أحب العقيق» قال البيهقي: وهو حديث ضعيف، ومن يدعي العلم بالآثار لا ينبغي له أن يعارض الأحاديث الثابتة في حرم المدينة لهذا الحديث الضعيف، وقد يجوز أن يكون الموضع الذي كان سلمة يصيد فيه خارجا من حرم المدينة، والموضع الذي رأى فيه سعد بن أبي وقاص غلاما يقطع شجرا من حرم المدينة داخله، حتى لا يتنافيان، ولو اختلفا كان الحكم لرواية
стр. 87
سعد لصحة حديثه وثقة رجاله، دون حديث سلمة. قلت: مع أن الذي في الصحيح من حديث سعد لا تعرض فيه لأن القطع كان بالعقيق، وركوبه إلى قصره بالعقيق لا يقتضي أن القطع كان به، بل يقتضي أن القطع في موضع من الحرم خارج، على أن ما يلي ذا الحليفة من العقيق ليس من الحرم عندنا لخروجه عما بين اللابتين، والمالكية وإن اعتبروا البريد فحرم الصيد عندهم ما بين اللابتين كما تقدم، مع امتداد العقيق إلى النقيع «١» ؛ فبعضه خارج عن الحرم بكل حال، فصح ما قاله البيهقي، وقصر سعد مع قصور العقيق في الطرف الداخل منه في الحرم عندنا؛ لكونه بالحرة الغربية. هذا، مع احتمال حديث سلمة لكونه كان قبل تحريم المدينة، والله أعلم.
الثانية: ما يستثنى مما يحرم
استثنى المطري تبعا لابن النجار جواز أخذ ما تدعو الحاجة إليه للرحل- بالحاء المهملة- والوسائد، من شجر حرم المدينة، وما تدعو الحاجة إليه من حشيشه للعلف، بخلاف مكة، هكذا قالاه، وسبقهما إليه ابن الجوزي من الحنابلة فقال في منسكه: إن المدينة تفارق مكة في أنه يجوز أن يؤخذ من شجر المدينة ما تدعو الضرورة إليه للرحل وشبهه، انتهى، ومأخذهم في ذلك ما تقدم في الفصل العاشر في بعض تلك الأحاديث المشتملة على الترخيص في ذلك ونحوه، مع ما رواه ابن زبالة من حديث: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل ونضح، وإنا لا نستطيع أن ننتاب أرضا، فرخص لهم في القائمتين والوسادة والعارضة والأسنان، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط، والكلام أولا في توجه الاستدلال بذلك من حيث الإسناد، مع أنا قدمنا في غضون تلك الأحاديث ما يقتضي المنع، سيما حديث الطبراني بإسناد حسن إذ فيه قول جابر: لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله ﷺ ولكن هشوا هشا، ثم قال جابر: إن كان رسول الله ﷺ ليمنع أن يقطع المسد. قال خارجة: والمسد مرود البكرة، ومن تأمل كلام أصحابنا الشافعية لا يفهم منه سوى استواء الحرمين في ذلك؛ لقولهم: إنه يجوز أخذ حشيش حرم مكة لعلف الدواب على الأصح. وقد قال النووي في الكلام على قوله ﷺ في حديث مسلم المتقدم «ولا يخبط شجره إلا لعلف» : إن فيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف، بخلاف خبط الأغصان وقطعها فإنه حرام، انتهى. وقد قال هو وغيره في شجر مكة: إنه يجوز أخذ أوراقها لكنها لا تهش حذرا من أن يصيب لحاها. وفي شرح المهذب: يجوز أخذ ورقها والأغصان الصغيرة للسواك ونحوه، انتهى؛ فقد استوى الحرمان في ذلك. وقد قال
стр. 88
الغزالي في البسيط والوسيط في حرم مكة: إنه لو قطع منه للحاجة التي يقطع لها الإذخر «١» كتسقيف البيوت ونحوه ففيه الخلاف في قطعه للدواء: أي: والأصح جوازه، وتبعه على ذلك صاحب الحاوي الصغير؛ فجوز القطع للحاجة مطلقا، ولم يخص الدواء، وقل من تعرض للمسألة، ومنه يؤخذ جواز ما استثناه المطري، لكن مع استواء الحرمين في ذلك. وقال القاضي عياض: قال المهلب: قطع النبي ﷺ النخل من المدينة حين بنى مسجده، وذلك يدل على أن النهي لا يتوجه لقطع شجرها للعمارة وجهة الإصلاح، وأن يقطع شجرها ليتخذ موضعه جنانا وعمارة، وأن توجه النهي إنما هو لقطع الإفساد واستبقاء بهجة المدينة وخضرتها في عين الوارد إليها، انتهى. ونحوه ما روى ابن زبالة أن النبي ﷺ قال لبني حارثة في طرف من الحمى «أعطيكم على أنه من قطع شجرة غرس مكانها نخلة» ومحل ابن زبالة من الضعف معروف، والنبي ﷺ إنما قطع النخل وهو شجر يستنبته الآدميون، وفيه خلاف؛ فالذي ذهب إليه المالكية والحنفية جواز قطعه في حرم مكة فضلا عن المدينة، وهو أحد القولين عندنا، لكن الأصح إلحاقه بالذي ينبت بنفسه، والجواب عنه باحتمال كونه قبل تحريم المدينة، أو أنه قطعه لحاجة العمارة؛ فإن المتجه جوازه كما تقدم عن الغزالي، ولم يزل أهل المدينة يسقفون بيوتهم بما يقطعون من نخلها. وقد نقل الواقدي في الحرم المكي عن ابن الزبير الترخيص في قطع شجر الحرم المكي للعمارة لكن مع الفداء، على أن الماوردي قال فيما يستنبته الآدميون: محل الخلاف فيما أنبت في موات الحرم، فإن أنبته في أملاكه لم يحرم بلا خلاف، انتهى. وأما ما يستنبت من غير الشجر كالحنطة والخضروات فيجوز قطعه بلا خلاف، وكذا ما يتغذى به مما ينبت بنفسه كالرجلة المسماة بالبقلة الحمقاء ونحو ذلك؛ لأنه في معنى الزرع، صرح باستثنائه المحب الطبري في شرح التنبيه، وهو ظاهر؛ لأنه إذا جاز الأخذ لإطعام البهائم فالآدمي أولى.
الثالثة: ما ذكروه في الأخذ للدواء ونحوه
يتناول تحصيله وادخاره لذلك الغرض، وإن لم يكن السبب قائما، إلا أن عبارة الروضة: ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدواء. وفي شرح المهذب أنه يجوز أخذ النبات للعلف، ولو أخذه ليبيعه ممن يعلف به لم يجز، ومقتضاه أن الدواء كذلك، وظاهر إطلاق الماوردي الجواز مطلقا، وهو ظاهر استناد بعضهم إلى نقل السنا المكي من غير نكير.
الرابعة: دية القتل الخطأ في المدينة مغلظة
تغلّظ الدية في الخطأ على القاتل في حرم المدينة كمكة في وجه الصحيح خلافه، ومأخذه عموم قوله «كما حرم إبراهيم مكة» .
стр. 89
وقد اختار السراج البلقيني هذا الوجه، قال: لأن الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في ضمان صيدها، والمختار عند النووي ضمان صيدها بسلب الصائد. قلت: وما قاله متجّه؛ لعموم قوله «كما حرم إبراهيم مكة» وإنما اختصت مكة بمنع الكافر من دخولها مطلقا، بخلاف المدينة فيجوز أن يدخلها بإذن الإمام أو نائبه للمصلحة؛ لأن المشركين أخرجوا منها رسول الله ﷺ فعاقبهم الله بالمنع من دخولها بكل حال تعظيما لرسوله ﷺ واستحسن الروياني في البحر التسوية بين مكة والمدينة في أن من مات من الكفار بهما يخرج ويدفن خارجهما، وعلى القول باختصاصه بمكة موجبه ما قدمناه.
الخامسة: حكم لقطة حرم المدينة
سوّى صاحب الانتصار من أصحابنا بين حرم مكة والمدينة في أن لقطتهما لا تحل للتملك، بل للحفظ أبدا، وقال الدارمي: لا تلحق لقطة حرم المدينة بحرم مكة في ذلك. قلت: والذي يقتضيه الدليل ترجيح الأول؛ للنص على ذلك في الأحاديث المتقدمة في الفصل الثامن، وإن كان الأصحاب خصوا مكة بالذكر.
السادسة: حكم المقاتلة في حرم المدينة
مقتضى قوله ﷺ في الأحاديث المتقدمة أيضا «ولا يحمل فيها سلاح لقتال» أن يأتي فيها ما نقل من الخلاف في حرم مكة من أن المقاتلة الجائزة في غيره تحرم فيه كقتال البغاة به «١» ، بل يضيق عليهم إلى أن يخرجوا أو يفيئوا «٢» كما ذهب إليه جماعة.
وقال الجمهور: يقاتلون؛ لأن هذا القتال من حقوق الله، وحفظها في الحرم أولى، والحرم لا يعيذ عاصيا. وذهب الحسن البصري إلى أنه لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة؛ للنهي عن القتال فيه، فلا يحمل ما هو من أسبابه، ولقوله ﷺ : «لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة» رواه مسلم.
السابعة: حكم الاستنجاء بحجارة الحرم
حكى الماوردي وجهين في جواز الاستنجاء بحجارة الحرم، قال ظاهر المذهب سقوط الفرض بذلك مع تأثيمه. قلت: ينبغي حمله على من نقله من الحرم ليستنجي به في الحل مثلا، وإلا فهو مشكل؛ إذ لا خلاف في إباحة البول في الحرم، فالاستنجاء بالحجارة كذلك، وعبارة شرح المهذب في النقل عن الماوردي بعد حكاية الوجهين في سقوط فرض الاستنجاء بالذهب والديباج: وطردهما الماوردي في الاستنجاء
стр. 90
بحجارة الحرم، انتهى. وهي محتملة لما قررناه، وقد نقل النووي عدم جواز الأكل في الأواني المعمولة من تراب الحرم، على ما قاله الدميري، ولا شك أنه إنما عنى به المنع منه لمن أخرجها من الحرم كما لا يخفى.
الثامنة: حكم نقل تراب الحرم المدني
جزم النووي بتحريم نقل تراب الحرم المدني وأحجاره، اكتفاء بما ذكره من الخلاف في الحرم المكي، وصحح فيه التحريم، والرافعي الكراهة، ونقلها النووي عن كثيرين أو الأكثرين، ونقلها القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي في القديم، ونقل التحريم عن نصه في الجامع الكبير؛ وقال في الأم في حجارة الحرم وترابه: لا خير في أن يخرج منها شيء إلى الحل، لأن له حرمة باين بها ما سواها من البلدان، فلا أرى- والله أعلم- أن جائزا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان؛ إذ يصير كغيره.
وروى الشافعي عن ابن عباس وابن عمر ﵄ كراهة ذلك. قال الشافعي:
وقال غير واحد من أهل العلم: لا ينبغي أن يخرج من الحرم شيء إلى غيره. وحكى الشافعي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة عن ذلك فقال: لا بأس به. قال أبو يوسف: وحدثنا شيخ عن رزين مولى علي بن عبد الله بن عباس أن عليا كتب إليه أن يبعث إليه بقطعة من المروة «١» فيتخذه مصلى يسجد عليه، ونقل القاضي أبو الطيب عن الشافعي أنه قال: رخص بعض الناس في ذلك، واحتج بشراء البرام من مكة، وهو غلط؛ فإن البرام ليست من حجارة الحرم، بل تحمل من مسيرة يومين وثلاثة من الحرم، وحكى في شرح المهذب اتفاق الأصحاب على أن الأولى ألايحمل تراب الحل وأحجاره إلى الحرم؛ لئلا يحدث لها حرمة لم تكن، قال: ولا يقال «إنه مكروه» مع إطلاقه في الروضة والمناسك كراهته، فكأنه أراد بها معنى خلاف الأولى. وقول صاحب البيان «قال الشيخ أبو إسحاق: لا يجوز إدخال شيء من تراب الحل وأحجاره إلى الحرم» محمول على نفي الإباحة بمعنى استواء الطرفين، كما وقع مثله في مواضع، وبناء آدم البيت من أجبل ليست من الحرم كلبنان وطور سيناء: إما لأن تحريم الحرم إنما تعلق حكمه وظهر على لسان إبراهيم ﵇، وإما لأن شرعه اقتضى ذلك، مع أن الظاهر استثناء نقل حجارة الحل لمصلحة يقتضيها الحال، وما نقله أهل السير من أنهم كانوا يأخذون من تراب قبر النبي ﷺ فأمرت عائشة ﵂ بجدار فضرب عليهم، لا متمسك فيه؛ إذ لم يعرف الفاعل، بل الظاهر أنه ممن لا يحتج بفعله، وأمر عائشة بضرب الجدار يقتضي المنع من
стр. 91
ذلك، على أنه ليس فيه أنه كان يؤخذ للنقل من الحرم، وقد نقل أبو المعلى السبتي- وكذا خليل والتادلي المالكيون- كلام النووي في المنع من نقل تراب الحرم وأقروه؛ فالظاهر أنه جار على قواعدهم؛ إذ منها سد الذرائع. وقد قيل في سبب عبادة الأصنام: إن بعضهم كان يصحب معه الحجر من الحرم ليتبرك به، واستشكله البرهان بن فرحون بأمور: منها ما تقدمت الإشارة إلى جوابه، ومنها الإجماع على نقل ماء زمزم واستهداء النبي ﷺ له من سهيل بن عمرو فبعث إليه منه، وجوابه أن ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم، مع أنه يخلف؛ فأشبه الحشيش الذي يخلف، ولهذا قال الشافعي: فأما ماء زمزم فلا أكره الخروج به، والماء ليس بشيء يزول ولا يعود، انتهى. مع أن المحذور المتقدم في الأحجار لا يتوقع مثله في الماء؛ إذ المقصود من نقله شربه وهو ظاهر، بخلاف الحجر وشبهه؛ فإن القصد التبرك به، وهو شيء لم يأذن به الله تعالى ولا رسوله ﷺ ولذا أقول: إن من نقل من فخار الحرم كالكراريز «١» لحاجة استعمالها جاز له، ويحمل كلام من أطلق المنع على ما يراد للتبرك أو مع عدم الحاجة إليه، وإذا جاز أخذ حشيش الحرم للتداوي فهذا أولى، وإذا كان الاحتياج إلى آنية الذهب والفضة يجوّز استعمالها فهذا أولى، فإن أريد نقل ذلك لحاجة متوقعة في المستقبل فينبغي تخريجه على ما تقدم في أخذ نبات الحرم للدواء ونحوه، وقد قدمنا فيما جاء في ترابه استثناء تربة صعيب لما جاء فيها من التداوي، وأن الزركشي استثنى تربة حمزة ﵁ لإطباق الناس على نقلها للتداوي بها من الصداع، وحكى البرهان ابن فرحون عن الإمام العالم أبي محمد عبد السلام بن إبراهيم بن ومصال الحاحاني، قال: نقلت من كتاب الشيخ العالم أبي محمد صالح الهزميري قال:
قال صالح بن عبد الحليم: سمعت أبا محمد عبد السلام بن يزيد الصنهاجي يقول: سألت أحمد بن يكوت عن تراب المقابر الذي كان الناس يحملونه للتبرك هل يجوز أو يمنع؟
فقال: هو جائز، وما زال الناس يتبركون بقبور العلماء والشهداء والصالحين، وكان الناس يحملون تراب قبر سيدنا حمزة بن عبد المطلب في القديم من الزمان. قال ابن فرحون عقبه: والناس اليوم يأخذون من تربة قريبة من مشهد سيدنا حمزة، ويعملون منها خرزا يشبه السبح، واستدل ابن فرحون بذلك على جواز نقل تراب المدينة، وقد علمت مما تقدم أن نقل تربة حمزة ﵁ إنما هو للتداوي؛ ولهذا لا يأخذونها من نفس القبر، بل من المسيل الذي عنده المسجد «٢» ، ولئن صح مشروعية التبرك بتراب قبور
стр. 92
الصالحين فهو أمر خاص بها لا دلالة فيه على جواز نقل مطلق تراب الحرم، وهو أمر لم يأذن به الله تعالى ولا رسوله ﷺ والخير كله في الاتباع، وقد قالت الحنابلة أيضا: يكره نقل حصى الحرم وترابه إلى غيره، ولا يدخل غيره إليه، ونقلوا عن أحمد أنه قال:
الإخراج أشد، انتهى. ويجب على من أخرج شيئا من تراب الحرم أو حجره أن يرده إليه، ولا ضمان عليه في ترك الرد، قال الكمال الدميري: وإذا نقل تراب أحد الحرمين إلى الآخر هل يزول التحريم- أي فينقطع وجوب الرد- أو يفرق بين نقله للأشرف وعكسه؟
فيه نظر، والله أعلم.
الفصل الرابع عشر في ذكر بدء شأنها، وما يؤول إليه أمرها
روى ابن لهيعة بسنده إلى عائشة مرفوعا: «إن مكة بلد عظّمه الله، وعظّم حرمته، خلق مكة وحفها بالملائكة قبل أن يخلق شيئا من الأرض كلها بألف عام، ووصلها بالمدينة، ووصل المدينة ببيت المقدس، ثم خلق الأرض كلها بعد ألف عام خلقا واحدا» قال العلامة المقدسي في بعض تأليفاته: هذا حديث غريب جدّا، بل منكر.
وعن سليمان عن أبي عمرو الشيباني عن علي ﵁: كانت الأرض ماء، فبعث الله ريحا فمسحت الأرض مسحا، فظهرت على الأرض زبدة، فقسمها أربع قطع، خلق من قطعة مكة، والثانية المدينة، والثالثة بيت المقدس، والرابعة الكوفة. وهو أثر واه.
وروينا في الكبير للطبراني أن النبي ﷺ قال: «إن الله اطلع إلى أهل المدينة وهي بطحاء قبل أن تعمر ليس فيها مدر ولا بشر، فقال: يا أهل يثرب، إني مشترط عليكم ثلاثا وسائق إليكم من كل الثمرات: لا تعصي، ولا تعلي، ولا تكبّري، فإن فعلت شيئا من ذلك تركتك كالجزور لا يمنع من أكله.
وأخرج النسائي من رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس في حديث الإسراء قال: قال رسول الله ﷺ : «أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل» الحديث، وفيه: «فركبت ومعي جبريل، فسرت فقال: انزل فصلّ، ففعلت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر» يعني بفتح الجيم.
ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزار والطبراني أنه قال: «أول ما أسري به ﷺ مر بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزل فصل، فنزل فصلى، فقال: صليت بيثرب» الحديث.
стр. 93
وروى رزين عن أنس يرفعه «لما تجلى الله لجبل طور سيناء تشظى ستة أشظاظ «١» » وفي رواية غير رزين «شظايا، فنزلت بمكة ثلاثة: حراء، وثبير، وثور، وفي المدينة:
أحد، وعير، وورقان» وفي رواية «ورضوى» بدل عير، ولا يشكل ذلك بكون رضوى بينبع؛ لأن الينبع من توابع المدينة ومضافاتها كما سيأتي، ورواه بعض شراح المصابيح بلفظ «عير، وثور، ورضوى» ومنه يؤخذ حكمة أخرى في تحديد الحرم بعير وثور، وسيأتي بيان أول من سكنها بعد الطوفان في أخبار سكانها.
وروينا في الأمام للشافعي حديث «أسكنت أقل الأرض مطرا، وهي بين عيني السماء عين الشام وعين اليمن» ورواه ابن زبالة بزيادة «فاتخذوا الغنم على خمس ليال من المدينة» .
وروى أيضا حديث «يا معشر المهاجرين إنكم بأقل الأرض مطرا، فأقلوا من الماشية، وعليكم بالزرع، وأكثروا فيه من الجماجم» .
وروى الشافعي أيضا حديث «توشك المدينة أن تمطر مطرا لا يكن أهلها «٢» البيوت، ولا يكنهم إلا مظال الشعر» .
وروى أيضا: «توشك المدينة أن يصيبها مطر أربعين ليلة لا يكن أهلها بيت من مدر» .
وروى ابن زبالة حديث «كيف بك يا عائشة إذا رجع الناس بالمدينة وكانت كالرمانة المحشوة؟ قالت: فمن أين يأكلون يا نبي الله؟ قال: يطعمهم الله من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومن جنات عدن» .
وأورد المرجاني في كتابه أخبار المدينة عن جابر مرفوعا «ليعودن هذا الأمر إلى المدينة كما بدأ منها، حتى لا يكون إيمان إلا بها» الحديث.
وروى أحمد برجال ثقات «يوشك أن يرجع الناس إلى المدينة حتى يصير مسالحهم بسلاح» ومسالحهم: جمع مسلح، وهم القوم الذين يحفظون الثغور، وسلاح- كقطام- موضع بقرب خيبر.
وفي مسلم حديث: «تبلغ المساكن أهاب أو يهاب» بكسر المثناة التحتية.
وروى أحمد في حديث طويل أنه ﷺ «خرج حتى أتى بئر الأهاب، قال: يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان» وبئر أهاب: سيأتي أنها بالحرة الغربية.
وروى أبو يعلى عن زيد بن وهب قال: حدثني أبو ذر ﵁ قال: قال لي
стр. 94
رسول الله ﷺ : «إذا بلغ البناء- أي: بالمدينة- سلعا فارتحل إلى الشام» فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام.
وروى ابن زبالة حديث «ليوشكن الدين أن ينزوي إلى هذين المسجدين، ويوشكن أن يتشاحوا على موضع الوتد بالحمى كشح أحدكم أن ينقص من داره إلى جانب المسجد، وليوشكن أن يبلغ بنيانهم يهيقا» قالوا: يا رسول الله، فمن أين يأكلون؟ قال: «من هنا وهاهنا» يشير إلى السماء والأرض.
ويهيقا أوله آخر الحروف: موضع بقرب المدينة على ما سيأتي عن المجد آخر الباب السابع.
وذكر ابن زبالة الشجرة التي يضاف إليها مسجد ذي الحليفة، ثم روي عن أبي هريرة ﵁: «لا تقوم الساعة حتى يبلغ البناء الشجرة» .
وروي أيضا عنه: «أريتك شرف السيالة وشرف الروحاء؛ فإنه منازل أهل الأردن إذا أجيز الناس إلى المدينة» .
وفي الكبير للطبراني في حديث: «سيبلغ البناء سلعا، ثم يأتي على المدينة زمان يمر السفر على بعض أقطارها فيقول: قد كانت هذه مدة عامرة من طول الزمان وعفو الأثر» .
وروى النسائي عن أبي هريرة حديث: «آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة» ورواه الترمذي بنحوه، وقال: حسن غريب، ورواه ابن حبان بلفظ: «آخر قرية في الإسلام خرابا المدينة» .
وروى أبو داود عن معاذ مرفوعا: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية وخروج الدجال» وروى أبو داود أيضا مرفوعا «الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر» .
وفي ابن شبة عن أبي هريرة: «ليخرجن أهل المدينة من المدينة خير ما كانت، نصفا زهوا، ونصفا رطبا، قيل: من يخرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال: أمراء السوء» .
وفيه أيضا عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا نحوه، وأن عبد الله بن عمر كان يردّ عليه، فقال له أبو هريرة: لم تردّ علي؟ فوالله لقد كنت أنا وأنت في بيت حين قال النبي ﷺ : «يخرج منها أهلها خير ما كانت» فقال ابن عمر: أجل، قد كنت أنا وأنت في بيت، ولكن لم يقله، إنما قال: «أعمر ما كانت» ولو قال: «خير ما كانت» لكان ذلك وهو حي وأصحابه، فقال أبو هريرة: صدقت والذي نفسي بيده، وفيه عنه أيضا: «ليجيئن الثعلب حتى يقيل في ظل المنبر، ثم يروح لا ينهنهه أحد» .
стр. 95
وفي رواية عنه: «لا تقوم الساعة حتى يجيء الثعلب فيربض على منبر رسول الله ﷺ لا ينهنهه أحد» وفيه أيضا عن شريح بن عبيد أنه قرأ كتابا لكعب: «ليغشين أهل المدينة أمر يفزعهم حتى يتركوها وهي مذللة «١» ، وحتى يبول السنانير على قطايف الخز ما يروعها شيء، وحتى يخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء» .
وفي الصحيحين حديث «لتتركون المدينة» ولفظ مسلم: «لتتركن المدينة على خير ما كانت مذللة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي» يريد عوافي الطير والسباع «وآخر من يحشر منها راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحوشا» ولفظ مسلم «حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرّا على وجوههما» وهو في الموطأ بلفظ: «لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب أو الذئب فيغذى على بعض سواري المسجد» .
ورواه ابن شبة ولفظة: «فيغذى على سواري المسجد أو المنبر» .
ويغدي- بالغين والذال المعجمتين- أي يبول عليها دفعة دفعة، يقال: غذت المرأة ولدها بالتشديد، إذا أبالته، وبالتخفيف إذا أطعمته.
وفي ابن زبالة- وتبعه ابن النجار- حديث «لا تقوم الساعة حتى يغلب على مسجدي هذا الكلاب والذئاب والضباع فيمر الرجل ببابه فيريد أن يصلى فيه فما يقدر عليه» .
وفي ابن شبة بسند صحيح حديث: «أما والله لتدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع» ورواه ابن زبالة بنحوه.
وروى أحمد برجال الصحيح أن النبي ﷺ : «صعد أحدا، فأقبل على المدينة وقال:
ويل أمها قرية، يدعها أهلها كأينع ما تكون» الحديث، وفي رواية له: «ويل أمك قرية، يدعك أهلك وأنت خير ما تكونين» .
وروي أيضا بإسناد حسن حديث للبشير بن راكب في حب وادي المدينة: «فليقولن لقد كان في هذه مرة حاضرة من المؤمنين» .
وروى أيضا برجال ثقات حديث: «المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة، قالوا: فمن يأكلها؟ قال: السباع والعائف» .
الفصل الخامس عشر فيما ذكر من وقوع ما أخبر به ﷺ من خروج أهلها وتركها، وذكر كائنة الحرة المقتضية لذلك
قد اختلف الناس: متى يكون هذا الترك؟ فقال القاضي عياض: إن هذا جرى في
стр. 96
العصر الأول، وإنه من المعجزات، فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة إلى الشام والعراق، وذلك أحسن ما كانت من حيث الدين والدنيا: أما الدين فلكثرة العلماء بها، وأما الدنيا فلعمارتها واتساع حال أهلها، قال: وذكر الأخباريون في بعض الفتن التي جرت بالمدينة وخاف أهلها أنه رحل عنها أكثر الناس، وبقيت ثمارها للعوافي «١» ، وخلت مدة، ثم تراجع الناس إليها.
وحكى البدر ابن فرحون في شرح الموطأ، ومن خطه نقلت، عن القاضي أيضا أنه قال: وقد حكى قوم كثيرون أنهم رأوا ما أنذر به النبي ﷺ من تغذية الكلاب على سواري مسجدها، انتهى.
وقال النووي: الظاهر المختار أن الترك للمدينة يكون آخر الزمان عند قيام الساعة، ويوضحه قصة الراعيين من مزينة، فإنهما يخران على وجوههما حين تدركهما الساعة، ولفظ مسلم واضح في ذلك؛ فإنه قال «ثم يحشر راعيان» ويؤيده كونها آخر قرى الإسلام خرابا.
قلت: ويؤيده رواية ابن شبة المتقدمة «ليدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي» وهذا لم يقع اتفاقا، على أنه ورد ما يقتضي أن الترك للمدينة يكون متعددا، فلعل ما ذكره القاضي هو المرة الأولى، وبقي الترك الذي يكون آخر الزمان؛ لأن ابن شبة روى حديث «ليخرجن أهل المدينة من المدينة، ثم ليعودن إليها، ثم ليخرجن منها، ثم لا يعودون إليهما، وليدعنها وهي خير ما يكون مونعة «٢» » .
وروي أيضا عن عمر مرفوعا «يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إلها فيعمرونها حتى تمتلئ وتبني، ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدا» .
وروى ابن شبة عن أبي هريرة قال: «آخر من يحشر رجلان رجل من جهينة وآخر من مزينة فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس» .
وروي أيضا عن حذيفة بن أسيد قال: «آخر الناس محضرا رجلان من مزينة يفقدان الناس، فيقول أحدهما لصاحبه: قد فقدنا الناس منذ حين، انطلق بنا إلى شخص من بني فلان، فينطلقان فلا يجدان بها أحدا، ثم يقول: انطلق بنا إلى المدينة، فينطلقان فلا يجدان بها أحدا، ثم يقول: انطلق بنا إلى منزل قريش ببقيع الغرقد، فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب، فيوجهان نحو البيت الحرام» .
стр. 97
قلت: وكأنهما إذا توجها نحو البيت الحرام ينزل إليهما الملكان قبل ذهابهما؛ فلا يخالف ما تقدم، فالظاهر أن ما ذكره القاضي هو الترك الأول، وسببه فيما يظهر كائنة الحرة، وقد تقدم من حديث أبي هريرة أنه قيل له: من يخرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال:
أمراء السوء، وروى الشيخان- واللفظ لمسلم- عن أبي هريرة مرفوعا «يهلك أمتي هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم» .
وروى مسلم عن حذيفة ﵁ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه» الحديث، وفي رواية عنه: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم القيامة، فما من شيء إلا قد سألته، إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة، وروى الترمذي حديثا «إذا مشت أمتي المطيطا «١» ، وخدمتهم بنات فارس والروم، رد الله بأسهم بينهم، وسلط شرارهم على خيارهم» . وروى ابن شبة عن أبي هريرة ﵁ قال: «والذي نفسي بيده ليكونن بالمدينة ملحمة يقال لها الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين، فاخرجوا من المدينة ولو على قدر بريد» .
وروى ابن أبي شيبة عنه أنه قال: اللهم لا تدركني سنة ستين، ولا إمرة الصبيان، يشير إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك، كما قاله الحافظ ابن حجر، فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها، فأشار إلى دولة يزيد وفيها كانت وقعت الحرة، وتسمى حرة واقم، وحرة زهرة.
وروى الواقدي في كتاب الحرة عن أيوب بن بشير المعادي أن النبي ﷺ «خرج سفرا من أسفاره، فلما مر بحرة زهرة وقف واسترجع، فسيء بذلك من معه، فظنوا أن ذلك من أمر بسفرهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما الذي رأيت؟ فقال النبي ﷺ : أما إن ذلك ليس من سفركم هذا، قالوا: فما هو يا رسول الله قال؟ يقتل في هذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي» .
وروي أيضا عن سفيان بن أبي أحمد قال: كان رسول الله ﷺ إذا أشرف على بني عبد الأشهل أشار بيده، فقال: «يقتل بهذه الحرة خيار أمتي» وروي أيضا عن كعب قال:
نجد في التوراة أن في حرة شرقي المدينة مقتلة تضيء وجوههم يوم القيامة صنعا» وروى أيضا أنه ذكر عند ابن عباس قتلى الحرة، فقال ابن عباس: يرحمهم الله، قال رسول الله ﷺ «يقتل بحرة زهرة خيار أمتي» .
стр. 98
وروى البيهقي في الدلائل خبر أيوب بن بشير المتقدم، ثم قال: هذا مرسل وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها [الأحزاب: ١٤] قال: لأعطوها، يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة.
ورواه بالسند إلى ابن عباس وقال: إنه مؤكد لمرسل ابن بشير، وسيأتي في حرة واقم ما رواه ابن زبالة من أن السماء مطرت على عهد عمر ﵁، فخرج مع أصحابه حتى أتوا حرة واقم وشراجها تطرد، فقال كعب: أما والله يا أمير المؤمنين لتسيلن هذه الشراج بدماء الناس كما تسيل بهذا الماء، فدنا منه ابن الزبير فقال: يا أبا إسحاق ومتى ذلك؟ فقال: إياك أن تكون على رجلك أو يدك!
وروى ابن زبالة عن كعب أيضا: إنا نجد في كتاب الله: حرة شرقي المدينة يقتل بها مقتله تضيء وجوههم يوم القيامة كما يضيء القمر ليلة البدر.
وقعة الحرة
قلت: وسياق كلام القرطبي يقتضي أنها هي السبب في خروج أهل المدينة المذكور في كلام عياض؛ فإنه ذكر نحو كلام عياض، وقال: فلما انتهى حالها- يعني المدينة- كمالا وحسنا تناقص أمرها إلى أن أقفرت جهاتها، وتوالت الفتن فيها؛ فخاف أهلها، فارتحلوا عنها، ووجّه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش عظيم من أهل الشام، فنزل بالمدينة، فقاتل أهلها، فهزمهم وقتلهم بحرة المدينة قتلا ذريعا، واستباح المدينة ثلاثة أيام، فسميت وقعة الحرة لذلك، ويقال لها: حرة زهرة، وكانت الوقعة بموضع يعرف بواقم على ميل من المسجد النبوي، فقتل بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين، وهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان، وقتل بها من حملة القرآن سبعمائة رجل، ومن قريش سبعة وتسعون قتلوا ظلما في الحرب صبرا، قال: وقال الإمام الحافظ ابن حزم في المرتبة الرابعة: وجالت الخيل في مسجد رسول الله ﷺ وبالت، وراثت بين القبر والمنبر أدام الله تشريفها وأكرهوا الناس أن يبايعوا ليزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق، وذكر له يزيد بن عبد الله بن زمعة البيعة على حكم القرآن والسنة، فأمر بقتله، فضربت عنقه صبرا، وذكر الأخباريون أنها خلت من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي كما قال ﷺ وفي حال خلائها غذت الكلاب على سواري المسجد، انتهى كلام القرطبي.
سبب نقمة يزيد بن معاوية على أهل المدينة
وروى الطبراني في خبر طويل عن عروة بن الزبير قال: لما مات معاوية ﵁ تثاقل عبد الله بن الزبير عن طاعة ابنه يزيد، وأظهر شتمه، فبلغ ذلك يزيد، فأقسم لا
стр. 99
يؤتى به إلا مغلولا، وإلا أرسل إليه، فقيل لابن الزبير: ألا نصنع لك أغلالا من فضة تلبس عليها الثوب وتبر قسمه فالصلح أجمل بك؟ قال: فلا أبرّ الله قسمه، ثم قال:
ولا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
ثم دعا إلى نفسه، فوجه إليه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش أهل الشام، وأمرهم بقتال أهل المدينة، فإذا فرغ من ذلك صار إلى مكة، قال: فدخل مسلم بن عقبة المدينة، وهرب منه يومئذ بقايا أصحاب رسول الله ﷺ وعاث فيها، وأسرف في القتل، ثم خرج منها، فلما كان في بعض الطريق مات واستخلف حصين بن نمير الكندي، ثم ذكر حصاره ابن الزبير، ورميه بالمنجنيق، واحتراق الكعبة، قال: وبلغ حصين بن نمير موت يزيد بن معاوية فهرب.
قلت: وسبب أمر يزيد بقتال أهل المدينة ما ذكره الإمام ابن الجوزي قال: لما دخلت سنة اثنين وستين ولّى يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان المدينة، فبعث إلى يزيد وفدا من المدينة، فلما رجع الوفد أظهروا شتم يزيد، وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويلعب بالكلاب؛ وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه. وقال المنذر: أما واله لقد أجازني مائة ألف درهم، ولا يمنعني ما صنع أن أصدقكم عنه؛ والله إنه يشرب الخمر، وإنه ليسكر حتى يدع الصلاة؛ ثم بايعوا لعبد الله بن حنظلة الغسيل؛ وأخرجوا عثمان بن محمد عامل يزيد؛ وكان ابن حنظلة يقول: يا قوم؛ ما خرجنا على يزيد حتى خفت أن نرمى بالحجارة من السماء؛ والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلاء حسنا؛ وكانت قصة الحرة سنة ثلاث وستين؛ وفي هذه السنة أخرج أهل المدينة عامل يزيد المتقدم ذكره.
قلت: وفي كتاب الحرة للواقدي ما ملخصه: أن أول ما هاج أمر الحرة أن ابن ميناء كان عاملا على صوافي «١» المدينة- وبها يومئذ صواف كثيرة- حتى كان معاوية يجد بالمدينة وأعراضها مائة ألف وسق وخمسين ألف وسق، ويحصد مائة ألف وسق حنطة، واستعمل يزيد على المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان؛ وأن ابن ميناء أقبل بشرج له من الحرة يريد الأموال التي كانت لمعاوية؛ فلم يزل يسوقه ولا يصده عنه أحد حتى انتهى إلى بلحارث بن الخزرج، فنقب النقيب فيهم، فقالوا: ليس ذلك لك، هذا حدث وضرر علينا، فأعلم الأمير عثمان بن محمد بذلك، فأرسل إلى ثلاثة من بلحارث، فأجابوه إلى أن يمر به، فأعلم ابن ميناء فغدا بأصحابه فذبّوهم «٢» ، فرجع إلى الأمير فقال: اجمع لهم
стр. 100
من قدرت، وبعث معه بعض جند، وقال: مر به ولو على بطونهم، فغدا ابن ميناء متطاولا عليهم، وعدا من يذبهم من الأنصار، ورفدتهم قريش «١» فذبوهم حتى تفاقم الأمر؛ فرجع ولم يعمل شيئا. وكتب عثمان بن محمد إلى يزيد يخبره بذلك، ويحرضه على أهل المدينة جميعا؛ فاستشاط غضبا؛ وقال: والله لأبعثن إليهم الجيوش، ولأوطئنها الخيل. انتهى.
وقال ابن الجوزي: قال أبو الحسن المدايني- وكان من الثقات-: أتى أهل المدينة المنبر فخلعوا يزيد، فقال عبد الله بن أبي عمرو بن حفص المخزومي: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي، ونزعها عن رأسه، إني لأقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي، ولكن عدو الله سكر. وقال آخر: قد خلعته كما خلعت نعلي؛ حتى كثرت العمائم والنعال.
ثم ولوا على قريش عبد الله بن مطيع؛ وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة. ثم حاصر القوم من كان بالمدينة من بني أمية في دار مروان. فكتب مروان ومن معه إلى يزيد: إنا قد حصرنا ومنعنا العذب، فيا غوثاه. فوصل الكتاب إليه. فبعث إلى مسلم بن عقبة- وهو شيخ كبير- فجاء حتى دخل عليه، وقال له: اخرج وسر بالناس، فخرج مناديه، فنادى:
أن تسيروا إلى الحجاز على أخذ أعطياتكم كملا ومعونة مائة دينار توضع في يد الرجل من ساعته. فانتدب لذلك اثنا عشر ألف رجل. وكتب يزيد إلى ابن مرجانة أن اغز ابن الزبير، فقال: لا والله لا أجمعها للفاسق أبدا قتل ابن رسول الله ﷺ وإغزاء البيت وقال يزيد لمسلم: إن حدث بك حادث فاستخلف حصين بن نمير السكوني. وقال له: ادع القوم ثلاثا، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم، وإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا بما فيها من مال أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عنهم، وانظر علي بن الحسين فاستوص به، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه، فلما بلغ أهل المدينة إقبال الحصين وثبوا على من كان محصورا من بني أمية، وقالوا: لا نكف عنكم حتى نضرب أعناقكم أو تعطونا عهد الله وميثاقه ألا تبغوا غائلة»
، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا علينا عدوا، فاعطوهم العهد على ذلك، فأخرجوهم من المدينة، فخرجوا حتى لقوا مسلم بن عقبة، وأرسل إليه مروان ابنه عبد الملك فأشار عليه أن يأتيهم من ناحية الحرة، وأن ينتظرهم ثلاثا ففعل، فلما مضت الثلاث قال: يا أهل المدينة، ما تصنعون؟ قالوا:
стр. 101
نحارب، قال: لا تفعلوا وادخلوا في الطاعة، قالوا: لا نفعل، وكانوا قد اتخذوا خندقا، فنزل منهم جماعة، وحمل ابن الغسل على الخيل حتى كشفها، وقاتلوا قتالا شديدا، وجعل مسلم يحرض أصحابه، وكان به مرض؛ فنصب له سرير بين الصفين وقال: قاتلوا عن أميركم؛ وأباح مسلم المدينة ثلاثا يقتلون الناس ويأخذون الأموال، ورفعوا على النساء؛ وقاتل عبد الله بن مطيع حتى قتل هو وبنون له سبعة؛ وبعث برأسه إلى يزيد؛ فأفزع ما جرى من بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ .
ونقل الواقدي أن القوم لما قربوا تشاور أهل المدينة في الخندق خندق رسول الله ﷺ ؛ وشكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية؛ وعملوا في الخندق خمسة عشر يوما، وكان لقريش ما بين راتج إلى مسجد الأحزاب، والأنصار ما بين مسجد الأحزاب إلى بني سلمة، وللموالي ما بين راتج إلى بني عبد الأشهل، فلما وصل القوم عسكروا بالجرف، وبعثوا رجالا من رجالهم، فأحدقوا بالمدينة من كل ناحية، فما يجدون مدخلا، والناس متلبسون السلاح قد قاموا على أفواه الخنادق يرمون بالنبل والحجارة، وجلس مسلم بناحية واقم، فرأى أمرا هائلا، فاستعان بمروان وكان وعده بوجه في ذلك لما لقيه بوادي القرى؛ فخرج مروان حتى جاء بني حارثة، فكلم رجلا منهم ورغبه في الصنيعة «١» ، وقال: تفتح لنا طريقا فاكتب بذلك إلى يزيد فيصل أرحامكم، ففتح لهم طريقا من قبلهم حتى أدخل له الرجال من بني حارثة إلى بني عبد الأشهل، وجاء الخبر عبد الله بن حنظلة وكان بناحية الصورين في أصحابه، وأقبل عبد الله بن مطيع وكان من ناحية ذباب، وأقبل ابن هريرة في الموالي يطوف بهم على الخنادق، وأقبل ابن ربيعة وكان من ناحية بطحان، فاجتمعوا جميعا من حيث يدخل أهل الشام، قال محمود بن لبيد: قد حضرت يومئذ، فإنما أتينا من قومنا بني حارثة، وكان مروان حين أخرج عمل به عمل قبيح، فكلم رجلا فأدخله ومعه فارس ثم جعلت الخيل تتحدر على أثره، وقد وقفنا بني عبد الأشهل فقاتلنا ما وجدنا حتى عاينا الموت وكثرت القوم وتفرق الناس فقتلوا في كل وجه.
وروى الواقدي أيضا أن قصر بني حارثة كان أمانا لمن أراد أهل الشام أن يؤمنوه، وكانت بنو حارثة آمنين، وأول دار انتهبت والحرب بعد لم ينقطع دار بني عبد الله الأشهل، انتهى.
وأخرج ابن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء: سمعت أشياخ أهل
стр. 102
المدينة يتحدثون أن معاوية ﵁ لما احتضر دعا يزيد فقال له: إن لك من أهل المدينة يوما، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته، فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة، فأكرمهم وأجازهم، فرجع فحرض الناس على يزيد، وعابه، ودعاهم إلى خلع يزيد، فأجابوه، فبلغ ذلك يزيد، فجهز إليهم مسلم بن عقبة، فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة، فهابهم أهل الشام وكرهوا قتالهم، فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير؛ وذلك أن بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب المدينة، فترك أهل المدينة القتال، ودخلوا المدينة خوفا على أهليهم، فكانت الهزيمة، وقتل من قتل، وبايع مسلم الناس على أنهم خول «١» ليزيد يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم بما شاء، انتهى.
وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن ابن عباس قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها [الأحزاب: ١٤] يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة، قال يعقوب: وكانت وقعة الحرة سنة ثلاث وستين، اه.
قالوا: وكلمات امرأة مسلم بن عقبة في ولدها، وقالت: أنا مولاتك، وابني في الأسر؛ فقال: عجلوه لها؛ فضربت عنقه وقال: أعطوها رأسه، أما ترضين ألاتقتلي حتى تكلمي في ابنك؟!
قلت: وسموه مسرفا لإسرافه في القتل.
ونقل الواقدي في كتاب الحرة أن يزيد دخل على مسرف وكان قد جعله في علية لمرضه؛ فقال له: لولا مرضك لكنت أنت صاحب هذا الأمر، لما أعرف نصيحتك، قال مسرف: أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تولي أمرهم غيري؛ فإني والله أنا صاحبهم، رأيت في النوم شجرة غرقد تصيح بأغصانها: يا ثارات عثمان، فأقبلت وجعلت الشجرة تقول: على يدي مسلم بن عقبة، حتى جئتها فأخذتها، فعبرت ذلك أني أكون القائم بأمر عثمان؛ فهم قتلته، قال يزيد: فسر إليهم على بركة الله، فأنت صاحبهم، وانظر إذا قدمت المدينة، فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك حربا فالسيف السيف، لا تبق فيهم، وأنهبها ثلاثا، وأجهز على جريحهم، واقتل مدبرهم، وإياك أن تبقي عليهم، وإن لم يعرضوا لك فامض إلى ابن الزبير.
وروى ابن الجوزي من طريق المدايني عن جويرية أن مسلما نظر إلى قتلى الحرة فقال: لئن دخلت النار بعدها إني لشقي، وأسر أسرى فحبسهم ثلاثة أيام لم يطعموا،
стр. 103
وجاؤوا بسعيد بن المسيب فقالوا: بايع، فقال: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر، فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل أنه مجنون، فخلى عنه.
عدد القتلى في وقعة الحرة
وعن المدايني أيضا عن شيخ من أهل المدينة قال: سألت الزهري: كم كانت القتلى يوم الحرة؟ قال: سبعمائة من وجوه الناس قريش والأنصار والمهاجرين، ومن وجوه الموالي وممن لا يعرف من عبد وحر وامرأة عشرة آلاف، وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
وفي كتاب الحرة للواقدي قال: حدثني عبد الله بن جعفر قال: سألت الزهري: كم قتل من الناس يومئذ؟ قال: أما من وجوه الناس فأكثر من سبعمائة من قريش والأنصار ووجوه الموالي، ثم عدّد علي من قتل حتى ما كنت أرى أنه بقي أحد إلا قتل يومئذ، ثم قال الزهري: ولقد قتل ممن لا يعرف من الموالي والعبيد والصبيان والنساء أكثر من عشرة آلاف، ودخلوها لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
قلت: وقال القرطبي لليلتين بقيتا من ذي الحجة، وعن الأقشهري عن أبي معشر والواقدي أنها يوم الأربع لليلتين خلتا من ذي الحجة، قلت: ولم أره في كتاب الواقدي، ولعله سبق قلم، والله أعلم.
وذكر المجد أنهم سبوا الذرية، واستباحوا الفروج، وأنه كان يقال لأولئك الأولاد من النساء اللاتي حملن: أولاد الحرة، قال: ثم أحضر الأعيان لمبايعة يزيد، فلم يرض إلا أن يبايعوه على أنهم عبيد يزيد، فمن تلكأ أمر بضرب عنقه، وجاؤوا بعلي بن عبد الله بن عباس، فقال الحصين بن نمير: يا معشر اليمن عليكم ابن أختكم، فقام معه أربعة آلاف رجل، فقال لهم مسلم: أخلعتم أيديكم من الطاعة؟ فقالوا: أما فيه فنعم، فبايعه على أن ابن عم يزيد، انتهى.
وعن المدايني أيضا عن محمد بن عمر قال: قال ذكوان مولى مروان: شرب مسلم بن عقبة دواء بعدما أنهب المدينة، ودعا بالغداء، فقال له الطبيب: لا تعجل فإني أخاف عليك إن أكلت قبل أن تكمل الدواء، قال: ويحك! إنما كنت أحب البقاء حتى أشفي نفسي من قتلة عثمان، فقد أدركت ما أردت، فليس شيء أحب إلي من الموت على طهارتي؛ فإني لا أشك أن الله قد طهّرني من ذنوبي بقتل هؤلاء الأرجاس.
قلت: هذا من عظيم حمقه، قاتله الله وأشقاه! فإن هذا مما يزيد في عظيم جرمه.
стр. 104
من قتل من الصحابة يوم الحرة
وممن قتل صبرا يومئذ من الصحابة: عبد الله بن حنظلة الغسيل- قال ابن حزم: قتل مع ثمانية من بنيه- وعبد الله بن زيد حاكي وضوء النبي ﷺ ومعقل بن سنان الأشجعي- وكان شهد فتح مكة، وكان معه راية قومه يومئذ- وفيه يقول الشاعر:
ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها ... وأشجع تبكي معقل بن سنان
ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وقد ذكر ابن جرير الطبري الإمام أن عبد الله بن الغسيل كان يقول:
بعدا لمن رام الفساد وطغى ... وجانب القصد وأسباب الهدى
لا يبعد الرحمن إلا من عصى
ثم تقدم فقاتل حتى قتل، وقتل معه أخوه لأمه محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، وأبوه كان خطيب رسول الله ﷺ حين ورد وفد تميم، وجعل مسلم بن عقبة يطوف على القتلى ومعه مروان بن الحكم، حتى مر على عبد الله بن الغسيل وهو ماد أصبعه السبابة، فقال مروان: أما والله لئن نصبتها ميتا لطالما نصبتها حيا.
وروى عن محمد بن كعب القرظي قال: قال مروان لعبد الله بن حنظلة الغسيل وقد رآه مشيرا بأصبعه وقد يبست: لئن أشرت بها ميتا لطالما دعوت وتضرعت بها إلى الله تعالى، فقال رجل من أهل الشام: إن كان هو كما تقول فما دعوتنا إلا لقتل أهل الجنة، فقال مروان: خالفوا ونكثوا.
وفي الذيل على ابن النجار للعراقي: ذكر محمد بن سعد في الطبقات أن مروان بن الحكم كان يحرض مسلم بن عقبة على أهل المدينة، وجاء معه معينا له حتى ظفر بهم، وانتهبت المدينة، فلما قدم مروان على يزيد شكر له ذلك وأدناه.
وروى ابن الجوزي بسنده إلى سعيد بن المسيب قال: ما أصلي لله تعالى صلاة إلا دعوت على بني مروان.
وبسنده أيضا إليه قال: لقد رابني ليالي الحرة ما في المسجد أحد من خلق الله غيري، وإن أهل الشام ليدخلون زمرا يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون، ولا يأتي وقت صلاة إلا سمعت أذانا من القبر، ثم أقيمت الصلاة فتقدمت فصليت وما في المسجد أحد غيري.
وبسنده أيضا إلى المدايني عن أبي قرة قال: قال هشام بن حسان: ولدت بعد الحرة ألف امرأة من غير زوج.
стр. 105
وعن المدايني أيضا عن أبي عبد الرحمن القرشي عن خالد الكندي عن عمته أم الهيثم بنة يزيد قالت: رأيت امرأة من قريش تطوف، فعرض لها أسود فعانقته وقبلته، فقلت: يا أمة الله، أتفعلين هذا بهذا الأسود؟ فقالت: هو ابني، وقع علي أبوه يوم الحرة.
ونقل العراقي في ذيله عن شيخه أبي المظفر السمعاني أنه روي بسنده إلى أبي غزية الأنصاري قال: كان قوم من أهل المدينة يجتمعون في مجلس لهم بالليل يسهرون فيه، فلما قتل الناس قتلوا ونجا منهم رجل فجاء إلى مجلسه فلم يحس منهم أحدا، ثم جاء الليلة الثانية فكذلك، ثم جاء الثالثة فكذلك، فتمثل بهذا البيت:
ألا ذهب الكماة وخلّفوني ... كفى حزنا بذكرى للكماة
قال: فنودي من المجلس:
فدع عنك الكماة فقد تولّت ... ونفسك فابكها قبل الممات
فكلّ جماعة لا بدّ يوما ... يفرّق بينها شعب الشّتات
وروى الطبراني عن أبي هارون العبدي قال: رأيت أبا سعيد الخدري ﵁ ممعط اللحية «١» ، فقلت: تعبث بلحيتك؟ قال: لا، هذا ما لقيت من ظلمة أهل الشام، دخلوا زمن الحرة، فأخذوا ما كان في البيت من متاع أو خرثي «٢» ، ثم دخلت طائفة أخرى فلم يجدوا في البيت شيئا فأسفوا أن يخرجوا بغير شيء، فقالوا: أضجعوا الشيخ، فجعل كل يأخذ من لحيتي خصلة.
حرق مسلم بن عقبة والخلاف فيه
وروي أيضا عن محمد بن سعيد خبرا قال فيه: فلما جاء يزيد خلاف ابن الزبير ودعاؤه إلى نفسه دعا مسلم بن عقبة المري وقد أصابه الفالج وقال: إن أمير المؤمنين- يعني أباه- عهد إلي في مرضه إن رابني من أهل الحجاز ريب أن أوجهك إليهم، وقد رابني، فقال: إني كما ظن أمير المؤمنين، اعقد لي وعبّ الجيوش، قال: فورد المدينة فأباحها ثلاثا، ثم دعا إلى بيعة يزيد على أنهم أعبد له قن في طاعة الله ومعصيته، فأجابوه إلى ذلك، إلا رجلا واحدا من قريش أمه أم ولد، فقال له: بايع ليزيد على أنك عبد في طاعة الله ومعصيته، قال: بل في طاعة الله، فأبى أن يقبل ذلك منه، فقتله، فأقسمت أمه قسما لئن أمكنها من مسلم حيا أو ميتا أن تحرقه بالنار، فلما خرج مسلم بن عقبة من المدينة اشتدت علته فمات، فخرجت أم القرشي بأعبد لها إلى قبر مسلم، فأمرت به أن ينبش من عند رأسه فلما وصلوا إليه إذا بثعبان قد التوى على عنقه قابضا بأرنبة أنفه
стр. 106
يمصها، قال: فكاع «١» القوم عنه، وقالوا: يا مولاتنا انصرفي فقد كفاك الله شره، وأخبروها، فقالت: لأوفين الله بما وعدته، ثم قالت: انبشوه من عند الرجلين، فنبشوا، فإذا بالثعبان لاو ذنبه برجليه، قال: فتنحت وصلت ركعتين، ثم قالت: اللهم إنك تعلم أني إنما غضبت على مسلم بن عقبة اليوم لك فخل بيني وبينه، ثم تناولت عودا فمضت إلى ذنب الثعبان فانسل من مؤخر رأسه فخرج من القبر، ثم أمرت به؛ فأخرج من القبر ثم أحرق بالنار.
قلت: وفي كتاب الحرة للواقدي أن الثابت بالبلد عندنا أن مسرفا لما دفن بثنية المشلل «٢» وكانت أم ولد ليزيد بن عبد الله بن ربيعة تسير وراء العسكر بيومين أو ثلاثة حتى جاءها الخبر بذلك، فانتهت إليه، فنبشته ثم صلبته على المشلل، قال الضحاك:
فحدثني من رآه مصلوبا يرمى كما يرمى قبر أبي رغال.
وحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال: والله ما خلصت إليه، ولقد نبشت عنه ولكنها لما انتهت إلى لحده وجدت أسود من الأساود منطويا على رقبته فاتحا فاه، فانصرفت عنه.
وقال ابن الجوزي: لما دخلت سنة أربع وستين- وقد فرغ مسلم من قتال أهل المدينة- سار متوجها إلى مكة، واستخلف على المدينة روح بن زنباع، وسار إلى ابن الزبير؛ فمات في الطريق.
قلت: وذلك مصداق ما جاء في من يقصد أهل المدينة بسوء؛ فأهلكه الله سريعا.
قال القرطبي: أهلكه الله منصرفه عن المدينة، ابتلاه الله بالماء الأصفر في بطنه؛ فمات بقديد بعد الوقعة بثلاث ليال.
وقال الطبري: مات بهرشى بعد الوقعة بثلاث ليال، وكان لحماقته الموفرة يقول عند موته: اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة ألاإله إلا الله أحب إلي من قتال أهل المدينة، ولئن دخلت النار بعدها إني لشقي، ثم دعا حصين بن نمير السكوني وقال له:
أمير المؤمنين ولاك بعدي. فأسرع السير، ولا تؤخر ابن الزبير، وأمره أن ينصب المجانيق على مكة، وقال: إن تعوذوا بالبيت فارمه، وحاصر مكة أربعة وستين يوما جرى فيها قتال
стр. 107
شديد، وقذفت الكعبة بالمجانيق يوم السبت ثالث ربيع الأول، وأخذ رجل قبسا في رأس رمح فطارت به الريح فاحترق البيت، فجاءهم نعي يزيد بن معاوية إهلال ربيع الآخر، وكان بين الحرة وبين موته ثلاثة أشهر، وقال القرطبي: دون ثلاثة أشهر؛ لأنه توفي بالذبحة وذات الجنب في نصف ربيع الأول، فلقد ذاب ذوب الرصاص، واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشام، فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أخذ بلجام دابته فنكس عنها، فقال لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام، ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخلوا الشام.
وكانت وقعة الحرة، وقتل الحسين، ورمي الكعبة بالمنجنيق من أشنع شيء جرى في أيام يزيد.
وقال عبد الرحمن بن سعيد بن زيد أحد العشرة ﵃:
فإن تقتلونا يوم حرّة واقم ... فنحن على الإسلام أول من قتل
ونحن قتلناكم ببدر أذلة ... وأبنا بأسلاب لنا منكم نفل
فإن ينج منها عائذ البيت سالما ... فكلّ الذي قد نابنا منكم جلل «١»
يعني بعائذ البيت عبد الله بن الزبير.
وهذه الكائنة غير الإغزاء المذكور في حديث البيداء؛ ولهذا روى ابن شبة عن أبي المهزم عن أبي هريرة ﵁ قال: يجيء جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة، فيقتلون المقاتلة، ويبقرون بطون النساء، ويقولون: الحبلى في البطن: اقتلوا صبابة الشر، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم فلا يدرك أسفلهم أعلاهم ولا أعلاهم أسفلهم، قال أبو المهزم: فلما جاء جيش ابن ذبحة قلنا: هم، فلم يكونوا هم.
قلت: وقد جاء في بعض الأخبار بيان أن ذلك الجيش جيش السفياني، يبعثه لقتال المهدي.
وقال يحيى بن سعيد: لم تترك الصلاة في هذا المسجد منذ كان رسول الله ﷺ إلا ثلاثة أيام: يوم قتل عثمان، ويوم الحرة، قال مالك: ونسيت الثالث، وفي العتبية عن مالك أنه بلغه ذلك عن سعيد بن المسيب بمعناه، قال ابن رشد: واليوم الثالث الذي ذكر مالك أنه نسيه، قال محمد بن عبد الحكم: هو يوم خرج به أبو حمزة الخارجي، وكان خروجه- فيما ذكروا- في دولة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفاء بني أمية.
стр. 108
مسير أبي حمزة إلى المدينة
قال خليفة بن خياط: سار أبو حمزة في أول سنة ثلاثين ومائة، يريد المدينة، واستخلف على مكة إبراهيم بن الصباح الحميري، وجعل على مقدمته فلح بن عقبة السعدي، وخرج أهل المدينة والتقوا بقديد يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين ومائة، وفلح في ثلاثين ألف فارس، فقال لهم: خلوا طريقنا فنأتي هؤلاء الذين بغوا علينا وجاروا في الحكم فإنا لا نريد قتالكم، فأبوا؛ فقاتلوهم فانهزم أهل المدينة، وجاءهم أبو حمزة فقال له علي بن الحصين: اتبع هؤلاء القوم، وأثخن على جريحهم، فإن لكل زمان حكما، والإثخان في مثل هؤلاء أمثل، قال: ما أرى ذلك، ومضى أبو حمزة إلى المدينة فدخلها يوم الإثنين لثلاث عشر خلت من صفر، ففي يوم دخوله إياها- والله أعلم- خلي مسجد النبي ﷺ من أن يجمع فيه، وأصيب من قريش يومئذ ثلثمائة رجل، ومن آل الزبير اثنا عشر رجلا، فما سمع الناس بواكي أوجع للقلوب من بواكي قديد، ما بقي بالمدينة أهل بيت إلا فيهم بكاء، وقالت نائحة تبكيهم:
ما للزمان وما ليه ... أفنى قديد رجاليه
فلأبكينّ سريرة ... ولأبكين علانيه
قلت: وذكر الذهبي عن خليفة بن خياط في خبر أبي حمزة هذا ما ملخصه: أن عبد الله بن يحيى الأعور الكندي المسمى طالب الحق- بعد أن ملك حضرموت وصنعاء- بعث إلى مكة أبا حمزة الخارجي الأباضي المذكور، فخاف عبد الواحد بن سلميان بن عبد الملك- وكان واليا على مكة والمدينة- وخذله أهل مكة، ففارقها في النفر الأول، وقصد المدينة، فغلب أبو حمزة على مكة، ثم سار منها بعد أن استخلف عليها، فلقي بقديد الجيش الذي أرسله عبد الواحد بن سليمان لقتاله، فظفر أبو حمزة، وسار إلى المدينة فدخلها، وقتل فيها جماعة منهم أربعون رجلا من بني عبد العزى، وجهز إليه مروان عسكرا، فلقي بوادي القرى فلحا، وهو على مقدمة أبي حمزة، فاقتتلوا، فقتل فلح وعامة أصحابه، ثم أدركوا أبا حمزة بمكة، فقتلوه في خلق من أصحابه، ثم ساروا لطالب الحق فقتلوه، انتهى ملخصا.
قلت: ولا يحتمل أن ما نقل عن الأخباريين في الخروج من المدينة إنما كان في هذه الكائنة أو قبل ذلك كله في كائنة بسر بن أرطأة، فإن القرطبي قال: وذكر أبو عمرو الشيباني قال: لما وجه معاوية ﵁ بسر بن أرطأة لقتل شيعة علي رضي الله عنه
стр. 109
سار إلى أن أتى المدينة، فقتل ابني عبيد الله بن العباس ﵄، وفر أهل المدينة حتى دخلوا الحرة حرة بني سليم، ولكنه بعيد، والأقرب ما قدمناه، والله أعلم.
الفصل السادس عشر في ظهور نار الحجاز التي أنذر بها النبي ﷺ
فظهرت بأرض المدينة وأطفأها الله تعالى عند وصولها إلى حرمها، كما سنوضحه.
الأحاديث الواردة في هذه النار
روينا في مسند أحمد برجال ثقات عن أبي ذر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ فرأينا ذا الحليفة، فتعجل رجال إلى المدينة، وبات رسول الله ﷺ وبتنا معه، فلما أصبح سأل عنهم، فقيل: تعجلوا إلى المدينة، فقال: «تعجلوا إلى المدينة والنساء، أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت» ثم قال: «ليت شعري متى تخرج نار بأرض اليمن من جبل الوراق تضيء منها أعناق الإبل ببصرى بروكا كضوء النهار» ورواه ابن شبة من غير ذكر «بأرض اليمن» ولفظه «ليتركنها أحسن ما كانت، ليت شعري متى تخرج نار من جبل الوراق تضيء لها أعناق الإبل ببصرى بروكا كضوء النهار» .
وأخرج الطبراني في آخر حديث لحذيفة بن أسد: وسمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان- أو ركوبة- تضيء منها أعناق الإبل ببصرى» .
قلت: وركوبة كما سيأتي: ثنية قريبة من ورقان، ولعله المراد بجبل الوراق، قال الحافظ ابن حجر: ورومان لم يذكره البكري. ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة، ثم نقل عن البكري أن ركوبة بني المدينة والشام، وسيأتي رده.
وهذه النار مذكورة في الصحيحين في حديث «لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز» ، ولفظ البخاري: «تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» .
وروى الطبراني بسند فيه ضعيف عن عاصم بن عدي الأنصاري قال: سألنا رسول الله ﷺ حدثنا ما قدم، فقال: «أين حبس سيل؟» قلنا: لا ندري، فمر بي رجل من بني سليم، فقلت: من أين جئت؟ فقال: من حبس سيل، فدعوت بنعلي، فانحدرت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، سألتنا عن حبس سيل، فقلنا: لا علم لنا به، وإنه مر بي هذا الرجل فسألته فزعم أن به أهله، فسأله رسول الله ﷺ فقال: «أين أهلك؟»
стр. 110
فقال: بحبس سيل، فقال: «أخرج أهلك منها؛ فإنه يوشك أن تخرج منه نار تضيء أعناق الإبل ببصرى» .
وحديث: «يوشك نار تخرج من حبس سيل تسير سير بطيئة الإبل، تسير النهار وتقيم الليل» الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى من رواية رافع بن بشير السلمي عن أبيه. قال الحافظ الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير رافع، وهو ثقة، انتهى.
وفي مسند الفردوس عن عمر حديث: «لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار يضيء له أعناق الإبل ببصرى» وأخرجه ابن عدي في كامله من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رفعه، وعمر بن سعيد ذكره ابن حبان في الثقات، وكتبه ابن عدي والدارقطني.
بيان أن المدينة يمانية كما أنها حجازية
وقد ظهرت هذه النار بالمدينة الشريفة كما سنبينه، ولا إشكال في كون المدينة حجازية، وأما كونها يمانية فقد نص عليه الشافعي. قال البيهقي في المعرفة: قال الشافعي: ومكة والمدينة يمانيتان. قلت: وقد ذكر الشافعي في الأم حديث: «أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا» الحديث، ثم روى «أن النبي ﷺ وقف على ثنية تبوك فقال: ما هاهنا شام، وأشار بيده إلى جهة الشام، وما هاهنا يمن، وأشار بيده إلى جهة المدينة» هكذا نقلته من الأم بهذا اللفظ، وهو في مسند الشافعي بلفظ «ما هاهنا شام، وأشار بيده إلى الشام، ومن هاهنا يمن، وأشار بيده إلى جهة المدينة» قال ابن الأثير في شرحه: الغرض منه بيان حد الشام واليمن، وقد جعل المدينة من اليمن، اه. والعجب أن النووي قال في فتاويه: مدينة الرسول ﷺ ليست يمانية ولا شامية، بل هي حجازية، قال: وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وكأنه لم يقف على هذا.
وأما حبس سيل فقد قيل: إن حبس- بالضم ثم السكون- بين حرة بني سليم والسوارقية، وقد كان إقبال هذه النار من المشرق في جهة طريق السوارقية كما سيأتي، وقال نصر: حبس سيل- بالفتح- إحدى حرتي بني سليم. قلت: وأهل المدينة اليوم