← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1098–1137 · переход к 1103.

стр. 1098

قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: كانت أمي تُلبسني الثيابَ، وتُعمِّمُني وأنا صبيٌّ، وتوجِّهُني إلى ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، وتقول: يا بنيَّ ائتِ مجلسَ ربيعة، فتعلم من سَمْته وأدبه قبل أن تتعلم من حديثه وفقهه (١). وذكر ابن القاسم، عن مالك أن ابن هُرمز قال في ربيعة: إنه لفقيه. في حكاية ذكرها. وقال مالكٌ: وجدت ربيعة يومًا يبكي، فقيل له: ما الذي أبكاك؟ أمُصِيبةٌ نزلتْ بك؟ فقال: لا، ولكن أبكاني أنه استفتي مَنْ لا علم له (٢). وقال: لَبعضُ مَن يفتي هاهنا أحقُّ بالسجن من السارق! قال أبو عمر: هذه أخبارُه الحِسانُ، وقد ذمَّهُ جماعةٌ من أهل الحديث لإغراقه في الرأي، فروَوْا في ذلك أخبارًا قد ذكرتها في غير هذا الموضع. وكان سفيان بن عيينة، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، لا يرضَوْنَ عن رأيه؛ لأن كثيرًا منه يوجد له بخلاف السند الصَّحيح؛ لأنه لم يتَّسع فيه، فضحَه فيه ابنُ شِهاب. وكان أبو الزِّناد معاديًا له، وكان أعلم منه، وكان ربيعةُ أورعَ، والله أعلم. قال أبو عمر: تُوفّي ربيعةُ بن أبي عبد الرحمن بالمدينة في سنة ست وثلاثين ومئة، في آخر خلافة أبي العبّاس السفاح، وكان ثقةً فقيهًا جليلًا (٣). لمالك عنه من مرفوعات "الموطأ" اثنا عشر حديثًا، خمسة متصلة، ومنها عن سليمان بن يسار واحد مرسل، ومنها من بلاغاته ستة أحاديث.

стр. 1099

حديثٌ أوّلُ لربيعةَ متَّصلٌ مسندٌ مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بنِ أبى عبد الرَّحمنِ، عن أنسِ بن مالكٍ أنّه سَمِعهُ يقولُ: كانَ رسولُ الله ﷺ ليسَ بالطويل البائِنِ، ولا بالقَصير، ولا بالأبيضِ الأمهَقِ، ولا بالآدم، ولا بالجَعْدِ القَطَطِ، ولا بالسَّبْطِ، بَعثهُ اللهُ على رأسِ أربعينَ سنةً، فأقامَ بمكةَ عشرَ سنينَ، وبالمدينةِ عشرَ سنينَ، وتَوفَّاه اللهُ على رأس ستِّين سنةً، وليس في رأسِه ولحيتِه عشرون شَعَرَةً بيضاءَ ﷺ . أمّا قولُه في هذا الحديث: "ليس بالطويل البائنِ" فالبائنُ هو البعيدُ الطُّولِ، المُشْرِفُ، المتفاوِتُ (٢)، والبَونُ والبَيْنُ: البعدُ، ومنه قولُ الشاعر (٣): وما هاج هذا الشَّوقَ إلّا حمامةٌ ... مُطَوَّقةٌ قد بانَ عنها قرينُها أي: بَعُد قرينُها عنها. وقال زُهيرٌ (٤): بان الخليطُ ولم يَأوُوا لمن ترَكوا

стр. 1100

وقال جريرٌ (١): بان الخليطُ ولو طُووعت (٢) ما بانا وقال الأخفشُ: الطويلُ البائنُ: هو الطويلُ الذي يَضْطَرِبُ من طُولِه، وهو عَيبٌ في الرِّجال والنِّساء. يقولُ: فلم يكنْ رسولُ الله ﷺ كذلك. وأما قولُه: "الأمْهَقُ" فإنَّ ابنَ وهبٍ وغيرَه قالوا: المهَقُ البياضُ الشديدُ الذي ليس بمُشْرِقٍ ولا يُخالِطُه حُمْرَة (٣)، يَخالُه الناظرُ إليه بَرَصًا، يقولُ: فلم يكنْ كذلك ﷺ . وكذلك وصفَه عليٌّ ﵁، وهو أحسنُ الناس له صفةً، فقال: كان أبيضَ مُشْرَبًا حُمْرةً (٤). وقال بعضُ الأعراب: أمَا تَبيَّنْتَ بها مُهْقَةً ... تنبُو بقلبِ الشَّيِّقِ العازمِ وأمّا قولُه: "ليس بالآدم" فإنّه يقولُ: ليس بأسمرَ. والأُدْمَةُ: السُّمْرَةُ. والقَطَطُ: هو الشديدُ الجُعُودَةِ مثلُ شُعُورِ الحَبَش. والسَّبْطُ: المُرسَلُ الشَّعَر، الذي ليس في شَعَرِه شيءٌ من التكسِير، يقولُ: فهو جَعْدٌ، رَجْلٌ، كأنَّه دَهرَه قد رُجِّلَ شعرُه؛ يعني: مُشِطَ.

стр. 1101

وأمّا قولُه: "بعَثه اللهُ على رأس أربعين سنةً، فأقام بمكةَ عشرَ سنينَ" فمختلَفٌ في ذلك على ما نحن ذاكِرُوه إن شاء الله. وأمّا قولُه: "بالمدينةِ عشرَ سنينَ" فمجتَمَعٌ عليه لا خلافَ بين العلماء فيه. وأما قولُه: "وتَوَفَّاه اللهُ على رأس ستِّينَ سنةً" فمختلَفٌ فيه على حسَب اختلافِهم في مُقامِه بمكّةَ؛ فحديثُ ربيعةَ عن أنسٍ على ما ترَى، أنَّ رسولَ الله ﷺ تُوفِّي وهو ابنُ سِتِّينَ. ورواه عن ربيعةَ جماعةٌ من الأئمَّة؛ منهم مالكٌ، وأنسُ بنُ عياض (١)، وعُمارةُ بنُ غَزِيَّة (٢)، ويحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ (٣)، والأوزاعيُّ (٤)، وسعيدُ بنُ أبي هلالٍ (٥)، وسليمانُ بنُ بلالٍ (٦)، كلُّهم عن ربيعةَ عن أنسٍ بمعنَى حديث مالكٍ سواء.

стр. 1102

وقد ذكر البخاريُّ (١) حديثَ ربيعةَ هذا عن أنسٍ، ثم أتبعَه، فقال: حدَّثني أحمدُ صاحب لنا، قال: حدَّثني أبو غسّانَ محمدُ بنُ عمرٍ والرازيُّ زُنيجٌ، قال: حدَّثنا حَكّامُ بنُ سَلْمٍ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ زائدةَ، عن الزُّبيرِ بن عديٍّ، عن أنس بن مالكٍ، قال: تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ، وأبو بكرٍ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ، وعمرُ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ. قال البخاريُّ (٢): وهذا عندي أصحُّ من حديثِ ربيعةَ. قال أبو عمر: إنّما قال ذلك البخاريُّ، واللهُ أعلمُ، لأنّ عائشةَ، ومعاويةَ، وابنَ عباس (٣) - على اختلافٍ عنه - كلُّهم يقولُ: إنّ رسولَ الله ﷺ تُوُفِّيَ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ. ولم يُختَلَفْ عن عائشةَ ومعاويةَ في ذلك، روَاه جريرٌ، عن معاويةَ (٤). وجاءَ عن أنسٍ ما ذكَر ربيعةُ عنه، وذلك مُخالفٌ لما ذكرَه هؤلاء كلُّهم. وروَى الزُّبيرُ بنُ عديٍّ، وهو ثقةٌ، عن أنسٍ ما يُوافقُ ما قالوا (٥). فقطَعَ البخاريُّ بذلك؛ لأنّ المُنفَرِدَ أولَى بإضافةِ الوَهْم إليه من الجماعة. وأمّا مِن طريقِ الإسناد، فحديثُ ربيعةَ أحسنُ إسنادًا في ظاهِرِه، إلّا أنّه قد بان من باطنِه ما يُضَعِّفُه؛ وذلك مُخالفةُ أكثرِ الحفَّاظ له، فإن لم يكنْ هذا وجهَ قولِ البخاريِّ، وإلا فلا أعلمُ له وجْهًا، وقد تابعَ ربيعةَ على روايته عن أنسٍ نافعٌ أبو غالبٍ. ورُوي عن أنسِ بن مالكٍ قال: بُعِث رسولُ الله ﷺ وله أربعون سنةً. قال البخاريُّ: وأخبَرنا محمدُ بنَ عمرَ القَصَبيُّ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاق،

стр. 1103

قال: حدَّثنا نافع أبو غالبٍ، أنّه سمِع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: أقام رسولُ الله ﷺ بمكةَ عشرًا بعدَ أنْ بُعِث (١). وذكره ابن أبي خيثمةَ، قال (٢): حدَّثنا محمّدُ بنُ عمر القَصَبيُّ، قال: حدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا نافعٌ أبو غالب، قال: قلتُ لأنس: يا أبا حمزةَ، كم كان لرسول الله ﷺ يومَ قُبِضَ؟ قال: ستون سنة. وقد روى ابنُ وَهْب عن قُرَّة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: نُبِّئ رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنةً، ومكَث بمكّة عشرًا وبالمدينة عشرًا، وتوفِّي وهو ابنُ ستِّين سنةَ (٣). وقد رُوِيَ من حديث ابنِ عمرَ: أنّ رسولَ الله ﷺ توفّيَ وهو ابنُ اثنتينِ وستِّينَ سنةً وأشهُر. وذكر إبراهيم بن المنذر، عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: نبئ رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين، فأقام بمكة عشرًا وبالمدينة عشرًا، وتوفّي وهو ابنُ ستّينَ سنةً". قال أبو عمر: وممّن قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ بُعِثَ على رأسِ أربعينَ سَنَةً؛ قَبَاثُ بنُ أشْيَمَ، قال: نُبِّئ النبيُّ ﷺ على رأسِ أربعينَ من عام الفيل (٤).

стр. 1104

قال أبو عمر: لا خلافَ أنّه وُلدَ ﷺ بمكةَ عامَ الفيل، إذْ ساقَه الحبشةُ إلى مكةَ يَغزُونَ البيتَ. وروَى هشامُ بنُ حسَّانَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: بُعِث رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ أربعينَ (١). ورواه جماعةٌ عن هشام بن حسَّانَ، وهو قولُ عروةَ بن الزُّبير؛ رَواه عن عروةَ؛ هشامُ بنُ عُروةَ، وعمرُو بنُ دينارٍ. وكان عروةُ يقولُ: إنّه أقام بمكةَ عشرًا. وأنكَر قولَ مَن قال: أقامَ بها ثلاثَ عشرةَ سنة (٢). فقولُه كروايةِ ربيعةَ سواءً.

стр. 1105

وكان الشعبيُّ يقولُ: بُعث رسولُ الله ﷺ ونبِّئَ ﷺ لأربعين، ثم وكِّلَ به إسرافيلُ ثلاثَ سنين، قُرِن بنبوَّتِه، فكان يُعلِّمُه الكلمةَ والشيءَ، ولم يَنْزلْ عليه القرآنُ على لسانه، فلمّا مضَتْ ثلاثُ سنينَ قُرِن بنبوَّتِه جبريلُ، فنزَل القرآنُ على لسانِه عشرينَ سنةً (١)؛ هذا كلُّه قولُ الشعبيِّ. وكذلك قال محمدُ بن جُبيرِ بن مُطعِم: إنّ رسولَ الله ﷺ نُبِئَ على رأسِ أربعينَ. وهو قولُ عطاءٍ الخراسانيِّ. وممَّن قال: إنّه بُعِث على رأسِ ثلاثٍ وأربعينَ. ابنُ عبّاس، من روايةِ هشام الدَّسْتُوائيِّ، عن عكرمةَ عنه، خِلافَ ما رواه هشامُ بنُ حسَّانَ. وقالَه أيضًا سعيدُ بن المسيِّب. أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٢): حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطَّان،

стр. 1106

قال: أخبَرنا هشامٌ، قال: حدَّثنا عكرمةُ، عن ابن عبّاسٍ، قال: أُنزِلَ على النبيِّ ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وأربعين. قال أحمدُ بنُ زُهير: وأخبرني أبي، قال: حدَّثنا جريرُ (١) بنُ عبدِ الحميد. قال أحمدُ بنُ زُهير: وحدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، جميعًا عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب، قال: أُنزِلَ على النبيِّ ﷺ الوحيُ وهو ابنُ ثلاثٍ وأربعينَ سنةً (٢). خالفَ القَواريريَّ عارمٌ في هذا الخبر عن حمّادِ بن زيدٍ، فقال فيه: أُنزِل عليه وهو ابنُ أربعينَ سنةً، وأقام بمكةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً. ورواه يزيدُ بن هارونَ، عن يحيى بن سعيدٍ مثلَ روايةِ القواريريِّ، وهو عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن حمّادِ بن زيدٍ (٣). وأخبَرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عمرَ بن راشدٍ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني قُرَّةُ بنُ عبد الرحمن المَعافِرِيُّ، عن ابنِ شهابٍ وربيعةَ، عن أنسٍ، قال: نُبِّئَ النبيُّ ﷺ وهو ابنُ أربعينَ، فأقام بمكةَ عَشْرًا، وبالمدينةِ عَشْرًا.

стр. 1107

قال أبو عمر: لا أعلمُ أحدًا رواه عن ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ، غيرَ قُرَّةَ، واللهُ أعلمُ. وأمّا مكْثُه بمكةَ ﷺ ، ففي قولِ أنسٍ من روايةِ ربيعةَ وأبي غالبٍ: إنّه مكَث بمكةَ عَشْرَ سنينَ. وكذلك روَى أبو سلمةَ، عن عائشةَ وابن عباسٍ. وهو قولُ عُروةَ بنِ الزُّبير، والشعبيِّ، وسعيدِ بن المسيِّب (١)، وابنِ شهابٍ، والحسن، وعطاءٍ الخُراسانيِّ (٢). وكذلك روَى هشالم الدَّستوائيُّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ (٣). حدَّثنا (٤) خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمون، قال: حدَّثنا أبو زرعةَ الدِّمشقيُّ، قال (٥): حدَّثنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن ابن عباسٍ وعائشة، أنّ رسول الله ﷺ مكَث عشْرَ سنينَ يُنزَّل عليه القرآنُ وبالمدينةِ عشرًا. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا أبو الميمون، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثنا أحمد بن شبُّوية ومحمّدُ بن أبي عمر، قالا: حدَّثنا سفيانُ بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قلت لعروة بن الزُّبير: كم لَبِثَ النبيُّ ﷺ بمكّةَ؟ قال: عشَرًا. قلت: فإنّ ابنَ عباسٍ يقول: بضعَ عشْرةَ. قال: إنّما أخذَه من قول الشاعر (٦).

стр. 1108

وروَى هشامُ بنُ حسّانَ، عن عكرمةَ، عن ابن عبّاس، أنّه مكَث بمكةَ بعدَ ما بُعِث النبيُّ ﷺ ثلاثَ عشْرةَ سنةً (١). وكذلك روَى أبو جمرةَ (٢)، وعمرُو بنُ دينارٍ (٣)، جميعًا عن ابنِ عباسٍ. وهو قولُ أبي جعفرٍ محمد بن عليٍّ (٤). وقال أبو قَيْسٍ صِرمَةُ بنُ أبي أنسٍ الأنصاريُّ في أبيات يَفْخَرُ فيها بما منَّ اللهُ به عليه من صُحبةِ النبيِّ ﷺ ونصرتِه له: ثوى في قُريشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يُذكِّرُ لو يَلْقَى صَدِيقًا مُواتيَا (٥) في أبياتٍ قد ذكرتُها بتمامِها في بابِ صِرْمةَ من كتاب "الصحابة" (٦). وأمَّا سِنُّه في حين وفاته، ففي حديث ربيعةَ وأبي غالبٍ، عن أنسٍ، أنّه تُوُفِّي ﷺ وهو ابنُ ستِّين. وهو قولُ عُروةَ بنِ الزبير. وروَى حُميدٌ، عن أنسٍ، قال: تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ خمسٍ وستينَ؛ ذكَره أحمدُ بنُ زُهير، عن المثنَّى بن مُعاذٍ، عن بشرِ بن المفضَّلِ، عن حُميد (٧). وروَى الحسنُ، عن دَغْفَل النَّسَّابة، وهو دَغْفَلُ بنُ حَنْظَلةَ، أنّ النبيَّ ﷺ

стр. 1109

قُبِض وهو ابنُ خمسٍ وستِّين (١). ولم يُدرِكْ دَغْفَلٌ النبيَّ ﷺ . قال البخاريُّ: ولا نَعرِفُ للحسنِ سَماعًا مِن دَغْفَل (٢). قال البخاريُّ (٣): وروَى عمّارُ بنُ أبي عمّارٍ، عن ابن عباسٍ، قال: تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ خمسٍ وستِّين. قال البخاريُّ (٤): ولا يُتابَعُ عليه، إلا شيءٌ رواه العلاءُ بنُ صالح، عن المِنهالِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أُنزِل على النبيِّ ﷺ بمكةَ عشرَ سنينَ وخمسَ سنينَ وأكثَرَ. ولم يُوافَقْ عليه العلاءُ، وهو شيءٌ لا أصلَ له. قال (٥): وروَى عكرمةُ، وأبو ظَبْيَانَ، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن، وعمرُو بن دينار، كلُّهم عن ابن عباسٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ قُبِض وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين. قال أبو عمر: قد روَى عليُّ بنُ زيدٍ، عن يوسفَ بن مِهرانَ، عن ابن عباسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ تُوُفِّي وهو ابنُ خمسٍ وستِّينَ. ذكَرَه أحمدُ بنُ زُهيرٍ، عن أحمدَ بن حنبلٍ (٦)، عن هُشيم، عن عليٍّ بن زيد.

стр. 1110

وإنّما ذَكَرنا هذا، وإن كان الصحيحُ عندَنا غيرَه؛ لقولِ البخاريِّ: إنّه لم يُتابَعْ عليه عمَّارُ بنُ أبي عمّارٍ مولَى بني هاشم، عن ابن عباس. والذي ذكَر البخاريُّ أنَّهم رَوَوا عن ابن عباسٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ تُوُفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين. فكما ذكَر. وقد روَى أبو جمرةَ (١)، ومحمدُ بنُ سيرينَ أيضًا (٢)، عن ابن عبّاس، أنّ رسولَ الله ﷺ تُوُفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ. ولم يُختَلَفْ عن عائشةَ ومعاويةَ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ تُوُفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين. وأمّا حديثُ عمّارِ بنِ أبي عمّار؛ فرواه سفيانُ الثَّوريُّ، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن عمّارٍ مولى هاشم، عن ابن عبّاسٍ، قال: بُعث النبيُّ ﷺ وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فأقام بمكّةَ خمسَ عشرةَ سنةً، وبالمدينةِ عشْرَ سنينَ، وقُبض وهو ابنُ خمسٍ وستِّينَ سنةً (٣). ورواه شعبةُ، عن يونسَ، عن عمّارٍ مولى بني هاشم، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ: ابنَ كمْ توفّيَ رسولُ الله ﷺ ؟ فقال: إنّ هذا لَشديدٌ على مثلِكَ، ألا تعلمُ مثلَ هذا في قومك؟! توفّي وهو ابنُ خمسٍ وستِّين (٤).

стр. 1111

ورواه حمّادُ بن سلمةَ، عن عمّارِ بن أبي عمّارٍ، عن ابن عبّاسٍ مثلَه (١). فالاختلافُ على ابن عبّاس في هذا قويٌّ؛ لأنّ عمّارَ بنَ أبي عَمّار مولى بني هاشم وسعيدَ بنَ جُبير - من رواية العلاءِ بنِ صالح عن المنهالِ عن سعيدٍ - ويوسفَ بنِ مِهْرانَ، كلُّهم اتفقوا عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تُوفّيَ وهو ابنُ خمسٍ وستِّينَ سنةً (٢). وروَى أبو سلمةَ وعكرمةُ ومحمّدُ بنُ سيرينَ وأبو جمرة وأبو حَصِين ومِقْسَم وأبو ظَبْيان وعَمْرو بن دينار كلهم، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين. وقد روَى معاذُ بنُ معاذٍ، عن بِشْر بن المفضّل، عن حُميدٍ، عن أنس، قال: توفّي رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ خمسٍ وستِّين؛ ذكره ابن أبي خيثمة عن المثنى بن معاذ هكذا (٣)، وذكرَه المستملي، عن معاذ بنِ هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس مثله: أن رسول الله ﷺ توفّي وهو ابن خمس وستين. والصّحيح عندي حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن دَغْفل بن حنظلة، قال: توفّي النبيُّ ﷺ وهو ابنُ خمسٍ وستّين. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حَبيب،

стр. 1112

قال إسحاقُ: أخبرني أبي، وقال إبراهيمُ بنُ حمزةَ: حدَّثني محمدُ بنُ فُليح، كلاهما عن موسى بن عُقبةَ، عن ابن شهاب، قال: حدَّثني عروةُ، عن عائشةَ، قالت: تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ التَّرْجُمانيُّ، قال: حدَّثنا حسّانُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يُونسُ بنُ يَزيدَ، عن الزهريِّ، قال: أخبرني عروةُ، عن عائشةَ، قالت: تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين (٢). قال الزهريُّ: وأخبرني سعيدُ بنُ المسيِّبِ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَ ذلك (٣). قال أبو عمر: هذا أصحُّ شيءٍ جاءَ في هذا الباب، إلّا أنِّي أعجَبُ من روايةِ هشام بن عروةَ، وعَمْرو بن دينارٍ، عن عروةَ، وقولِه بخلافِ هذا الحديث على ما قدَّمْنا عنه، وما أدري كيف هذا؟

стр. 1113

وروَى شعبةُ (١) وإسرائيل (٢)، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بن سعدٍ، عن جريرِ بن عبد الله، أنّه سمِع معاويةَ يقولُ: قُبِضَ رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين؛ قاله أبو إسحاقَ (٣)، وعامرُ بنُ سعدٍ، وعبدُ الله بنُ عتبةَ، وسعيدُ بنُ المسيِّب، والشعبيُّ (٤)، وعليه أكثرُ الناس؛ لأنّه يَجتمِعُ على هذا القول كلُّ مَن قال: تُنُبِّئَ على رأسِ أربعينَ، فأقام بمكةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً. وكلُّ مَن قال: بُعِثَ على رأسِ ثلاثٍ وأربعينَ، فأقام بمكةَ عشرًا. وهو الذي يَسكُنُ إليه القلبُ في وفاتِه، والله أعلمُ. ولا خلافَ أنّه وُلِد يومَ الاثنين بمكةَ، في ربيعٍ الأوَّلِ عامَ الفيل، وأنّ يومَ الاثنين أوَّلُ يومٍ أوحَى اللهُ إليه فيه، وأنه قَدِم المدينةَ في ربيعٍ الأوَّل. قال ابنُ إسحاقَ: وهو ابنُ ثلاثٍ وخمسينَ سنةً (٥). وأنّه تُوُفِّي يومَ الاثنين في شهرِ ربيعٍ الأوّل، سنةَ إحدَى عشْرةَ من الهِجرة ﷺ . وروَى كُريبٌ عن ابن عبّاس، قال: أوحى الله إلى النبيِّ ﷺ وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فأقام بمكّةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً، وبالمدينة عشرًا، وتوفِّيَ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ (٦).

стр. 1114

وذكر يعقوبُ بن شيبة، قال: حدَّثنا عارمُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيّب، قال: توفّي رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستّينَ سنةً، وأُنزل عليه وهو ابنُ أربعينَ سنةً، وأقام بمكّةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً، وبالمدينة عشرًا (١). قال أبو عمر: هذا ما عندي في ذلك، والله أعلم. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمرَ أبو الميمونِ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا عَنْبسَةُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: توفّيَ رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين، وصدَّقَ ذلك حديثُ عليِّ بنِ الحُسين: أنّ رسولَ الله ﷺ توفّي وهو ابنُ ثلاثَ وستِّينَ (٣). وأمّا شيْبُه ﷺ ، فأكثَرُ الآثارِ على نحوِ حديثِ رَبيعةَ، عن أنسٍ، في تقليلِ شَيْبِه ﷺ ، وأنَّ ذلك كان منه في عَنْفَقَتِه. وقد رُوِيَ أنّه كان يَخْضِبُ، وليسَ بقويٍّ، والصَّحيحُ أنّه لم يَخْضِبْ، ولم يَبلُغْ من الشَّيبِ ما يَخْضِبُ له. وسنَذْكُرُ ذلك في بابِ حديثِ سعيد المَقْبُريِّ، عن عُبيدِ بن جُريج، عن ابن عمرَ من كتابِنا هذا إن شاء الله (٤). أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح إملاءً، قال: حدَّثنا يُوسفُ بن عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ كثيرٍ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، قال: سألْتُ أو سُئلَ أنسٌ: هل خضَب رسولُ الله ﷺ ؟ قال: لم يُدْرِكِ الخِضابَ، ولكن خَضبَ أبو بكرٍ وعمرُ (٥).

стр. 1115

وقد أكثَر الناسُ في صِفَتِه ﷺ ، فمنهم المُطَوِّلُ، ومنهم المقْتَصِدُ، ومَن أراد الوُقوفَ على ذلك تأمَّلَه في كتاب "أحمدَ بن زُهير" وغيرِه. وأحسنُ الناسِ له صفةً في اختصارٍ عليُّ بنُ أبي طالب: حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعيدٍ الأصبهانيُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحٍ (١)، قال: حدَّثنا يُوسفُ بنُ عديٍّ، وزهيرُ بنُ عبّادٍ، وابنُ أبي شَيْبَة، قالوا (٢): حدَّثنا عيسى بنُ يُونسَ، عن عمرَ بن عبد الله مولَى غَفْرَةَ، عن إبراهيمَ بن محمدٍ من وَلَدِ عليٍّ، قال: كان عليٌّ إذا نعَت النبيَّ ﷺ قال: لم يكنْ بالطَّويل الممَغَّط، ولا بالقصيرِ المتَرَدِّدِ، وكان رَبْعَةً مِن القوم، ولم يكنْ بالجَعْدِ القَطَطِ، ولا بالسَّبْط، كان جعْدًا رَجِلًا (٣)، ولم يكنْ بالمُطَهَّم، ولا بالمُكَلْثَم (٤)، وكان في الوجهِ تَدويرٌ، أبيضَ، مُشْرَبٌ حُمرةً، أدْعَجَ العينين (٥)،

стр. 1116

أهْدَبَ الأشفار (١)، جليلَ المُشاش والكَتَدِ، أجرَدَ (٢)، ذُو مَسْرُبةٍ، شَثْنَ الكفَّينِ والقدمين (٣)، إذا مشَى تَقَلَّعَ (٤)، كأنَّما يَمشِي في صَبَبٍ (٥)، وإذا التَفَت التفَتَ معًا، بين كَتِفَيْه خاتمُ النُّبوة، وهو خاتمُ النبيين، أجودَ الناسِ كفًّا، وأجرأَ الناس صَدْرًا، وأصدقَ الناسِ لهجةً، وأوفَى الناس بذمَّةٍ، وأليَنَهم عَريكَةً (٦)، وأكرَمَهم عِشْرَةً، مَن رآه بَدِيهةً هابَه، ومَن خالَطَه معرفةً أحبَّه، يقولُ ناعِتُه: لم أرَ قبلَه ولا بعدَه مثلَه، ﷺ . قولُه: المُمَغَّطُ. هو الطويلُ المديدُ. وقال الخليلُ بنُ أحمدَ (٧): الفَرَسُ المُطَهَّمُ: التامُّ الخَلْقِ. وقال أبو عُبيدٍ (٨): المُشاشُ رُؤوسُ العظام. وقال الخليلُ (٩): الكَتَدُ ما بينَ الثَّبَجِ (١٠) إلى مُنتصفِ الكاهِلِ من الظَّهْرِ. والمَسْرُبةُ: شَعَراتٌ تتَّصلُ من الصَّدر إلى السُّرَّة (١١).

стр. 1117

حديثٌ ثانٍ لربيعةَ متَّصل مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلةَ بن قيسٍ الزّرَقيِّ، عن رافع بن خَديج، أنّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن كِرَاءِ المزارع. قال حنظلةُ: فسألْتُ رافعَ بنَ خَديجٍ: بالذَّهَبِ والوَرِقِ؟ قال: أمّا بالذَّهبِ والوَرِقِ فلا بأسَ. قال أبو عمر: اختلَف الناسُ في كراءِ المزارع، فذهبَت فرقةٌ إلى أنّ ذلك لا يجوزُ بوجهٍ من الوُجوه، ومالوا إلى ظاهر هذا الحديثِ وما كان مثلَه، وقالوا: إنّه قد رُوِيَ عن رافع بن خديج من هذا الوجه وغيره خلافُ ما حكَاه ربيعةُ، عن حنظلةَ، عنه من تأويلِه هذا. وذكَرُوا أنَّ أحاديثَ رافع في ذلك مضطربةُ الألفاظ، مختلفةُ المعاني. واحتجُّوا بما: حدَّثناه إسماعيلُ بن عبد الرحمن القرشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس الحلبيُّ، قال: حدَّثنا أبو عَروبةَ الحسينُ بنُ محمدٍ الحَرَّانيُّ بحرَّانَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عُثمانَ الحمْصيُّ، قال: حدَّثنا ضَمْرَةُ بنُ ربيعةَ، عن ابنِ شَوْذَبٍ، عن مَطَرٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: خَطَبَنا رسولُ الله ﷺ ، فقال: "من كانت له أرض فليَزْرَعْها، أو لِيُزْرِعْها ولا يُؤاجِرْها" (٢).

стр. 1118

وحدَّثنا إسماعيلُ أيضًا، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العبّاس، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرحمن محمدُ بنُ عبد الله مكحولٌ البَيْرُوتيُّ ببيروت، قال: حدَّثنا أبو عُميرٍ عيسى بنُ محمدِ بن النحاس، قال: حدَّثنا ضَمْرَةُ، عن ابن شوذبٍ، عن مَطَرٍ الورَّاق، عن عطاءٍ، عن جابرٍ مثلَه سواءً مرفوعًا (١). قالوا: فهذا جابرٌ يروي عن النبيِّ ﷺ النهيَ عن كِراءِ الأرض مُطلقًا، ولم يُختلَفْ عن جابر في ذلك كما اختُلِفَ عن رافع. وقد رُويَ من حديث رافع بن رفاعةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من كانت له أرضٌ فلْيَزْرَعْهَا، أو ليُزْرِعْها أخاهُ، أو لِيَدَعْها" (٢).

стр. 1119

وذكَر مَن ذهَب إلى هذا المذهب من حديث رافعٍ ما رواه ابنُ شهابٍ، عن سالم: أنَّ ابنَ عمرَ كان يُكْري أرضَه، حتى بلَغه أنَّ رافعَ بنَ خديجٍ كان يَنْهَى عن كراءِ الأرض، فترَك ابنُ عمرَ كِراءَ الأرض (١). ورواه جماعةٌ، عن ابن شهاب هكذا، وكذلك رواه جُوَيْريَةُ وحدَه، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن سالم، أنّه سألَه عن كِراءِ المزارع، فقال سالم: أخبَر رافعُ بنُ خديج عبدَ الله بنَ عمرَ أنّ عَمَّيْه، وكانا شهِدا بدرًا، أخبَراه، أنَّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن كِراء المزارع، فترَك عبدُ الله كِراءَها، وكان يُكْرِيها قبلَ ذلك (٢). والذي في "الموطَّأ" (٣) عن ابن شهاب، أنّه قال: سألْتُ سالمَ بن عبد الله عن كراءِ الأرضِ بالذَّهَبِ والفضَّةِ، فقال: لا بأسَ بذلك. قال: فقلتُ: أرأيتَ

стр. 1120

الحديثَ الذي يُذكَرُ عن رافعِ بن خَدِيج؟ فقال: أكثرَ رافعٌ، ولو كانتْ لي أرضٌ أكرَيتُها. هكذا هو في "الموطَّأ" لمالكٍ، عن أبي شهابٍ، عن سالم قولَه. ورواه جُويريةُ مرفوعًا (١). وقد روَى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ مثلَه (٢). ولمّا كان سالمٌ يذهبُ إلى إجازة كِراءِ الأرضِ بالذَّهب والوَرِقِ، ولم يحملْ نهيَ رسولِ الله ﷺ عن كِراءِ المزراعِ على العُموم، اعترضَه ابنُ شهابٍ بحديث رافع، والقولِ بظاهرِه، فقال سالمٌ: أكثَر رافعٌ في حمْلِه الحديثَ على ظاهرِه، ومنعَه من كِرائها بالذَّهب والورِقِ؛ لأنّ المعنى عند سالمٍ وطائفةٍ منَ العلماءِ كان في النَّهيِ عن كِرائها لوُجوهٍ سنذكرُها مفسَّرةً بعد هذا إن شاءَ الله. منها أنّه إنّما نهى رسولُ الله ﷺ عن كِراء الأرض؛ لأنّهم كانوا يَكْرُونها ببعض ما يخرج منها. ومنها قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ: أنّه أعلَمُ بذلك من رافع؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ أتاه قومٌ قد تشاجروا وتقاتلوا في كِراء المزارعِ؛ وهذا كلُّه يدلُّ على أنْ ليس الحديثُ على ظاهرِه ولا عُمومِه، وأنه لمعنى ما قدَّمنا، قد اعتقَدَه كلُّ فريقٍ فيه، فلهذا قال سالمٌ: أكثرَ رافعٌ؛ يعني: في حمْلِ الحديثِ على ظاهرِه، واللهُ أعلمُ، أي: حَجَر ما قد وسَّعه اللهُ تعالى وتأوَّل ما يُضيِّق على الناس؛ على أنّه قد رُويَ عن رافعٍ إجازةُ كِرائها بالذَّهبِ والورِقِ وغيرِ ذلك مما يأتي بعدُ إنْ شاء الله. أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن أيوبَ،

стр. 1121

عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنّه كان يُكْري أرضَه في عهدِ أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وصدرًا من إمارةِ معاويةَ، حتى إذا كان في آخرِها بلَغه أنَّ رافعًا يُحدِّثُ في ذلك بنهي رسولِ الله ﷺ ، فأتاه وأنا معه فسألَه، فقال: نعم، نهَى رسولُ الله ﷺ عن كِراءِ المزارع. فترَكها ابنُ عمرَ بعدُ (١). قالوا: وهذا أيضًا على الإطلاق والعُموم. وما رواه اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أبي عُفَيْر، أنَّ رافعَ بن خديج كان يقولُ: منعَنا رسولُ الله ﷺ أنْ نُكرِيَ المحاقِلَ، والمحاقِلُ فُضولٌ يكونُ من الأرض (٢). وما رواه عبدُ الكريم، عن مجاهدٍ، عن ابن رافعِ بن خَديج، عن أبيه، سمِعه يقولُ: نهَى رسولُ الله ﷺ عن إجارةِ الأرض (٣). وإلى (٤) هذا ذهب طاووسٌ اليماني، فقال: لا يجوزُ كِراءُ الأرض بالذَّهب،

стр. 1122

ولا بالوَرِقِ، ولا بالعُروض (١). وبه قال أبو بكرٍ الأصَمُّ عبدُ الرحمن بنُ كيسانَ (٢)، فقال: لا يجوزُ كِراءُ الأرض بشيءٍ من الأشياءِ. قال: لأنّها إذا استُؤْجِرَتْ، وحرَثها المُستَأجِرُ وأصلَحها، لعلَّه أنْ يُحْرَقَ زرعُه، فيَرُدَّها وقد زادَتْ، فانتفَع ربُّ الأرض ولم ينتفعِ المُستَأجِرُ، فمِن هناك لم يَجُزْ لأحدٍ أنْ يَستَأجِرَها، واللهُ أعلمُ. وقال آخرون: جائزٌ كِراءُ الأرضِ لمن شاء، ولكنْ لا يجوزُ كِراؤُها بشيءٍ من الأشياءِ إلّا بالذَّهبِ والوَرِق. وذكَروا في إباحةِ كراءِ الأرضِ ما رواه عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن أبي عبيدةَ بن محمدِ بن عمارِ بن ياسر، عن الوليدِ بن أبي الوليد، عن عروةَ بن الزُّبير، قال: قال زيدُ بنُ ثابتٍ: يغفِرُ اللهُ لرافعِ بنِ خديج، أنا والله أعلمُ بالحديثِ منه، إنّما أتاه رجلانِ من الأنصار قد اقتَتلا، فقال النبيُّ ﷺ : "إن كان هذا شَأنْكم، فلا تُكْرُوا المزارعَ". فسمِع قولَه: "لا تُكروا المزارعَ". ذكَره أبو داود (٣)، عن مسدَّدٍ، عن بشرِ بن المفضَّلِ، عن عبد الرحمنِ بن إسحاقَ. واحتَجُّوا بحديثِ طارقِ بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيبِ، عن رافعِ بن خديج، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "إنّما يزرَعُ ثلاثةٌ؛ رجلٌ له أرضٌ فهو يَزرَعُها،

стр. 1123

ورجلٌ مُنِح أرضا فهو يَزْرَعُ ما مُنِح، ورجلٌ اكترَى بذهبٍ أو فضة"؛ حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ (١) وبكرُ بنُ حمادٍ، قال أحمدُ: حدَّثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ. وقال بكرٌ: حدَّثنا مسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا أبو الأحوص، عن طارقِ بن عبد الرَّحمن، فذكَره. وذكَر أبو داودَ (٢)، عن مسدَّدٍ مثلَه. قالوا: فلا يجوزُ أنْ يُتَعَدَّى ما في هذا الحديث، لما فيه من البيانِ والتوقيف، ولأن رافعًا بذلك كان يُفتي، ألَا ترَى ما ذكَره ربيعةُ، عن حنظلةَ، عنه؟ وكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يقولُ: أحاديثُ رافعٍ في كِراءِ الأرضِ مضطرِبةٌ، وأحسنُها حديثُ يعلى بن حكيمٍ، عن سليمانَ بن يسارٍ، عن رافعِ بنِ خديج. وقال آخرون: جائزٌ أن تُكرَى الأرضُ بكلِّ شيءٍ من الأشياءِ حاشَا الطعامَ. واحتجُّوا بما روَاه يعلى بنُ حكيم، عن سليمانَ بن يسارٍ، عن رافع بن خديج، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من كانتْ له أرضٌ فلْيَزرَعْها، أو ليُزرِعْها أخاه، ولا يُكريها بثلُثٍ، ولا ربُع، ولا طعامٍ مسمَّى"، ذكَره أبو داود، قال (٣): حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عمرَ بنِ ميسرةَ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارث، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن يعلى بن حكيم.

стр. 1124

وذكَره أيضا (١) عن محمدِ بن عُبيدٍ، عن حمادِ بن زيدٍ، عن أيوبَ، قال: كتَب إليَّ يعلى بنُ حكيم: إنِّي سمِعتُ سليمانَ بنَ يسارٍ، فذكَره. وذَكَر (٢) مالكٌ عن ابنِ شهابٍ أنّه سأل سالمَ بنَ عبدِ الله عن كِراءِ الزارع، فقال: لا بأسَ بها بالذَّهب والوَرِقِ (٣). وإلى هذا ذهَب مالكٌ وأكثرُ أصحابِه، على ما بيَّنَّا عنهم وعن غيرِهم من العلماءِ في باب داودَ بن الحصين (٤)، والحمدُ لله. قالوا: فقد حجَّرَ في هذا الحديث على كِراءِ الأرضِ بالطعام المعلوم وغيرِ المعلوم. وذكَروا نهيَ رسولِ الله ﷺ عن المُحاقَلَةِ، وقد تأوَّلوا في ذلك أنّها استِكرَاءُ الأرضِ بالحِنْطَةِ وما كان في معناها. وقد ذكَرنا اختلافَ العلماءِ في معنَى المحاقلةِ، والمخابرةِ، وكِراءِ الأرض، في باب داودَ من كتابِنا هذا، بما يُغني عن إعادتِه هاهنا. وإنّما نذكُرُ هاهنا اختلافَ الآثارِ في ذلك، وجملةَ الأقاويل، وبالله التوفيقُ. وقال آخرون: جائز أن تُكرَى الأرضُ بالذَّهبِ والوَرِقِ، والطعامِ كلِّه، وسائر العُروض، إذا كان ذلك معلومًا، وكلّ ما جاز أن يكونَ ثمَنًا لشيءٍ فجائزٌ أن يكونَ أُجرةً في كِراءِ الأرضِ، ما لم يكنْ مجهولًا ولا غَرَرًا، واحتَجُّوا بما روَى الأوزاعيُّ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلةَ بن قيسٍ الأنصاريِّ، قال: سألْتُ رافعَ بنَ خدِيجٍ عن كِراءِ الأرضِ بالذهبِ والوَرِقِ، فقال: لا بأسَ بذلك،

стр. 1125

إنّما كان الناسُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ يُؤاجِرُون بها على الماذيانات (١) - جداولُ الماءِ وما يَنْبُتُ على حافَتي مسيلِ الماءِ - وأقبال الجداول (٢)، فيَهلِكُ هذا ويَسلَمُ هذا، ويَسْلَمُ هذا ويَهلِكُ هذا، ولم يكنْ للناسِ كِراءٌ إلّا هذا، فلذلك زجَر عنه ﷺ ، فأمّا شيء مَضمونٌ معلومٌ، فلا بأسَ به (٣). قالوا: ففي هذا الحديث إجازةُ كِراءِ الأرضِ بكلِّ شيءٍ معلوم، وأنّ النهيَ عن ذلك كان لجهلِ البدلِ؛ ذكَره أبو داودَ (٤)، عن إبراهيمَ بن موسى، عن عيسى بن يونسَ، عن الأوزاعيِّ. قال أبو داود (٥): روَى اللَّيثُ عن ربيعةَ مثلَه. وقال: وروايةُ يحيى بن سعيدٍ عن حنظلةَ مثلُه. قال أبو عمر: روَى الثوريُّ (٦)، وابنُ عيينةَ (٧)، ويزيدُ بنُ هارونَ (٨)، وغيرُهم، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، قال: أخبَرني حنظلَةُ بنُ قيس، أنّه سمِع رافعَ بنَ خديجٍ يقولُ: كنَّا أكثرَ الأنصار، أو أكثرَ أهلِ المدينة، حَقْلًا، وكنَّا نقولُ للذي نُخابِرُه ونُكرِي منه الأرضَ: لك هذه القطعةُ ولنا هذه. فرُبّما أَخْرَجَتْ هذه،

стр. 1126

ولم تُخرِجْ هذه شيئًا، فنهانَا رسولُ الله ﷺ عن ذلك، فأمّا بوَرِقٍ أو ذهبٍ فلم يَنهَنا. دخَل حديثُ بعضِهم في بعضٍ. قيلَ لابن عيينةَ: إنّ مالكًا يَروِي هذا الحديثَ عن ربيعةَ؟ فقال: وما يُريدُ بذلك، وما يَرجُو منه؟ يحيى بنُ سعيدٍ أحفظُ منه، وقد حفِظْناه عنه. وروايةُ الأوزاعيِّ عن ربيعةَ موافقةٌ لروايةِ يحيى بن سعيدٍ، وروايةُ مالكٍ مختصَرةٌ. ففي هذا الحديث: أنَّ النهيَ إنّما كان مخرَجُه من أجلِ المخابرةِ وجهلِ الأُجرة، وذلك أيضًا بَيِّنٌ فيما ذكَر الحميديُّ (١)، عن ابن عيينةَ، قال: حدَّثنا عمرُو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عمرَ يقولُ: كُنّا نُخابِرُ ولا نرَى بذلك بأسًا، حتى زعَم رافعُ بنُ خديج أنَّ رسولَ الله ﷺ نهَى عنه، فتركْنَا ذلك من أجلِ قولِه. فقد بانَ بهذا الحديث معنى حديثِ ابنِ شهابٍ، عن سالم، عن أبيه الذي قدَّمْنا ذكرَه، وبان به أنَّ ذلك من أجلِ المخابَرةِ: وهي كِراءُ الأرضِ ببعضِ ما يَخرُجُ منها، لا خلافَ في ذلك، وقد ذكَرناه، ومضَى القولُ فيه من جهةِ اللغةِ والآثارِ بما فيه كفايةٌ. حدَّثنا عبد الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عمرِو بنِ دينار، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: كنّا لا نرَى بالخِبْرِ بأسًا، حتى كان عامُ أوَّلَ، فزعَم رافعٌ أنّ رسولَ الله ﷺ نهَى عنه (٢). قالوا: والخِبرُ المخابرةُ: وهي كِراءُ الأرضِ ببعضِ ما تُخرِجُه على سُنَّةِ خيبرَ، وذلك منسوخٌ قد بان نَسْخُه بهذا الحديث وما كان مثلَه.

стр. 1127

واحتجُّوا أيضًا في أنَّ حديثَ رافعِ بنِ خَدِيج إنّما معنَاه النهْيُ عن المزارعة: وهي كِراءُ الأرضِ بالثلُثِ والرُّبع - بما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ عبدِ الرحمن بن أبي نُعمٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ عن رافعِ بن خديج، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه نهَى عن المزارعة (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٢): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أُسيدِ بنِ ظُهير، قال: أتانا رافعُ بنُ خديج، فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ يَنهاكم عن الحَقْل. والحَقْلُ: المزارعةُ بالثلُثِ والربُع. وهو معنى حديثِ ثابتِ بنِ الضحاك، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه نهَى عن المزارعةِ (٣).

стр. 1128

وعلَّلوا حديثَ جابرٍ (١) بأنَّه يحتمِلُ أنْ يكونَ على النَّدبِ، وأنَّ مَطَرًا الورَّاقَ قد خَالَفه غيرُه فيه، فروَاه عن عطاءٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: كان لرجالٍ منا فُضولُ أرَضِينَ على عهدِ رسول الله ﷺ ، وكانوا يُؤاجِرُونَها على النصفِ والثلُثِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن كانت له أرضٌ فليَزْرعْها، أو ليَمْنحْها أخاه، فإن أبَى فلْيُمسِكْ" (٢). فقالوا: فقد تبيَّن بهذا أنَّ النهيَ إنّما خرَج على المُزارعةِ والمُخابرةِ، وذلك كِراءُ الأرضِ ببعضِ ما تُخرِجُه. وكذلك روَى أبو الزبير، عن جابر، قال: كُنَّا في زمنِ النبيِّ ﷺ نأخُذُ الأرَضِينَ بالثلُثِ والربُعِ، وبالماذيانات، فنهَى رسولُ الله ﷺ عن ذلك (٣). قالوا: وأمَّا بالطعامِ المعلومِ فلا بأسَ بذلك، كسائرِ العُروضِ. ولم يُفرِّقوا بينَ كِراءِ الأرض وكراءِ الدَّارِ. وإلى (٤) هذا ذهَب الشافعيُّ ﵀ (٥). وقال آخَرُون: أحاديثُ رافعٍ في هذا الباب لا يَثبُتُ منها شيءٌ يُوجِبُ أن يكونَ حُكمًا؛ لاختلافِ ألفاظِها واضطرابِها، وكذلك حديثُ جابر. قالوا: وممكنٌ أن يكونَ النَّهيُ عن ذلك على نحو ما روَاه سعيدُ بنُ المسيِّب، عن سعدِ بن أبي وقاصٍ، قالَ: كان الناسُ يُكْرُون المزارعَ بما يكونُ على السَّواقي، وبما يُنبِتُه الماءُ حولَ البِئْرِ، فنهانا رسولُ الله ﷺ عن ذلك.

стр. 1129

حدَّثناه أبو محمَّدٍ عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١)، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن محمَّدِ بنِ عكرمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بن أبي لَبِيبةَ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، عن سعدٍ، قال: كنَّا نُكْرِي الأرضَ بما على السَّواقي، فنهانا رسولُ الله ﷺ عن ذلك، وأمَرنا أنْ نُكْرِيَها بذهبٍ أو وَرِقٍ. وهذا على نحو ما قاله يحيى بنُ سعيدٍ، عن حنظلةَ، عن رافع في ذلك؛ قولَه: لك هذه القطعةُ ولي هذه، فربَّما أخْرَجَتْ هذه، وربَّما لم تُخرجْ هذه (٢). ومثلُه ما روَاه الأوزاعيُّ، عن ربيعةَ، عن حنظلةَ، عن رافع (٣). وذلك كلُّه مجهولٌ وغررٌ لا يجوزُ أخذُ العِوَضِ على مثلِه في الشريعةِ؛ للجهلِ به. قالوا: فأمَّا بالثلُثِ والربُعِ والجزءِ المعلومِ فجائزٌ به؛ لأنَّ ذلك معلومٌ، سُنَّةً ماضيةً في قصةِ خيبرَ، إذ أعطَاها ﷺ اليهودَ على نصفِ ما تُخرِجُ أرضُها وثمرتُها (٤).

стр. 1130

روَى ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا عبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أعطَى خيبرَ اليهودَ على أن يُعمِلُوها ويَزْرعُوها، ولهم شطرُ ما يخرُجُ منها (١). وروَى أنسُ بنُ عياضٍ ويحيى القطانُ، عن عبيدِ الله بن عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: عامَل رسولُ الله ﷺ أهلَ خيبرَ بشطرِ ما يخرُجُ منها من زرعٍ أو تمرٍ. ذكَر ذلك كلَّه البخاريُّ (٢). وهو من صحيحِ الأثرِ، وقد تقدَّم القولُ بذكرِ القائلينَ بهذه الأقاويل، وبمعنى اختلافِهم في ذلك، في بابِ حديثِ داودَ بنِ الحصينِ (٣) مِن كتابِنا هذا، وبالله التوفيقُ، والحمدُ لله.

стр. 1131

حديثٌ ثالثٌ لربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمن مسندٌ صحيحٌ مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن، عن القاسم بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنين، قالت: كانت في بَرِيرةَ ثلاثُ سُنَنٍ، فكانت إحدَى السُّننِ الثلاث: أنَّها أُعتقَتْ فخُيِّرتْ في زَوجِها، وقال رسولُ الله ﷺ : "الوَلاءُ لِمَن أعتَق". ودخَل رسولُ الله ﷺ والبُرْمَةُ تَفُورُ بلحمٍ، فقُرِّبَ إليه خُبزٌ وأُدُمٌ من أدُمِ البيتِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ألمْ أرَ بُرْمةً فيها لحم؟ ". فقيل: بلى يا رسولَ الله، ولكنَّ ذلك لحمٌ تُصُدِّق به على بَريرةَ، وأنت لا تأكُلُ الصَّدقةَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "هو عليها صَدَقَةٌ، وهو لنا هدِيَّةٌ". قال أبو عمر: قد أكثرَ الناسُ في تَشْقِيقِ معاني الأحاديث المروِيَّة في قصةِ بَريرَةَ، وتَفْتِيقِها، وتَخريج وُجوهِها؛ فلمحمدِ بن جريرٍ في ذلك كتابٌ، ولمحمَّدِ بن خُزيمةَ في ذلك كتاب، ولجماعةٍ في ذلك أبوابٌ، أكثرُ ذلك تكلُّفٌ واستنباطٌ، واستخراجٌ مُحتَمِلٌ، وتأويلٌ مُمكِنٌ، لا يُقطعُ بصحَّتِه، ولا يُستَغْنَى عن الاستدلالِ عليه. والذي قَصَدَتْهُ عائشةُ ﵂ في هذا الحديث هو عِظَمُ الأمرِ في قصةِ بريرةَ؛ لأنَّ ذلك أصولُ أحكامٍ وأركانٍ من الحلالِ والحرام، وأنا أُورِدُ في تلك المعاني من البيانِ ما يقفُ النَّاظرَ به على بُلوغ المرادِ منها، وبالله التوفيقُ. وقد تقَصَّينا القولَ فيما تُوجِبُه ألفاظُ حديثِ بريرةَ من الأحكام والمعاني في بابِ هشام بن عروةَ من هذا الكتاب (٢)، والحمدُ لله.

стр. 1132

وقد رُوِي عن ابن عباس أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى في بَريرةَ بأربع قضايا، وهو على نحو ما قُلنا في حديثِ عائشةَ هذا. وحديثُ ابنِ عباسٍ حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ (٢). وأخبَرنا عُبيدُ (٣) بنُ محمَّدٍ ومحمَّدُ بنُ عبدِ الملك، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْرُورٍ العسَّالُ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبد الله بن سَنْجَرَ، قالا: حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنا همَّامٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنَّ زوجَ بَريرةَ كان عبدًا أسودَ يُسمَّى مُغيثًا، فقضى رسولُ الله ﷺ فيها بأربع قَضِيَّاتٍ؛ وذلك أنَّ مواليَها شَرَوْها واشتَرَطُوا الولاءَ، فقضى أنَّ الولاءَ لمن أعطَى الثمَنَ، وخيَّرها، وأمَرها أن تَعتَدَّ، وتُصُدِّقَ عليها بصدقةٍ، فأهدَت منها إلى عائشةَ، فذكَرتْ ذلك للنبيِّ ﷺ فقال: "هو لها صدقةٌ، ولنا هديَّةٌ". فأمَّا قولُ عائشةَ ﵂: "إنَّ بَريرةَ أُعتِقَت فخُيِّرت في زوجِها فكانت سُنّةً" فإنَّ من ذلك سُنّةً مُجتَمَعًا عليها، ومنها ما اختُلِف فيه. فأمَّا المجتَمَعُ عليه الذي لا خلافَ بينَ العلماءِ فيه، فهو أنَّ الأمَةَ إذا أُعتِقَت تحتَ عبدٍ قد كانت زُوِّجت منه، فإنَّ لها الخِيارَ في البقاءِ معه أو مُفارَقَتِه، فإنِ

стр. 1133

اختارَتِ المُقامَ في عصمتِه لزِمَها ذلك، ولم يكنْ لها فِراقُه بعدُ، وإن اختَارَتْ مُفارقتَه فذلك لها، هذا ما لا خِلافَ عَلِمتُه فيه. واختَلَف الفقهاءُ في وقتِ خِيارِ الأمَةِ إذا أُعتِقت؛ فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه وسائرُ العراقيِّين: إذا عَلِمت بالعِتقِ، وبان لها الخِيارُ، فخِيارُها على المجلس (١). وقال الثوريُّ وأبو حنيفة والأوزاعيُّ: إذا جامعها بعد العِلْم فلا خيار لها. قال الثوري: فإن ادَّعَت الجهالة حُلِّفَت، ثم يكون لها الخيار (٢). وقال مالكٌ وأصحابُه، والشافعيُّ ومَن سلَك سبيلَه، والأوزاعيُّ: لها الخِيارُ ما لم يَمَسَّها زَوجُها. قال الشافعيُّ: لا أعلَمُ في ذلك وَقتًا إلّا ما قالَته حفصةُ ﵂ (٣). قال أبو عمر: رُوِي عن حفصةَ وعبدِ الله ابنَيْ عمرَ ﵄ أنَّ للأمَةِ الخِيارَ إذا أُعتِقت ما لم يَمسَسْها زَوجُها (٤). قال مالكٌ: فإن مَسَّها زوجُها فادَّعت أنَّها جَهِلت أنَّ لها الخيارَ، فإنَّها تُتَّهمُ ولا تُصَدَّقُ بما ادَّعت مِن الجهالةِ، ولا خِيارَ لها بعدَ أن يَمَسَّها. هذا قولُه في "الموطَّأ" (٥). وجملةُ قولِه وقولِ أصحابِه: لا يَنقَطِعُ خِيارُها إذا أُعتِقت حتى يطأَها زوجُها بعدَ عِلمِها بعِتقِها، أو تُوقَفَ فتختارَ، ولا تُوقَفُ بعدَ المسيسِ، ولا يَمينَ عليها.

стр. 1134

وقال الشافعيُّ: إن أصابها زوجُها فادَّعَتِ الجهالةَ، ففيها قولان؛ أحَدُهما: لا خِيارَ لها. والآخرُ: أنَّ لها الخيارَ وتُحَلَّفُ، وهو أحبُّ إلينا. وقال الأوزاعيُّ: إذا لم تَعْلَمْ أنَّ لها الخيارَ حتى غَشِيَها زوجُها ثم عَلِمَت، فلها الخيارُ (١). وروَى مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، أنَّ مولاةً لبني عديٍّ يُقالُ لها: زَبْرَاءُ، أخبَرته أنّها كانت تحَتَ عبدٍ، وهي أمَةٌ يَومَئذٍ، فعَتَقتْ. قالت: فأرسَلت إليَّ حفصةُ زوجُ النبيِّ ﷺ فدعَتْني، فقالت: إنِّي مُخْبِرَتُكِ خبرًا، ولا أُحبُّ أن تصنَعي شيئًا، إنَّ أمْرَكِ بيَدِكِ ما لم يَمَسَّكِ زوجُكِ، فإن مسَّكِ فليس لكِ من الأمرِ شيءٌ. قالت: فقلتُ: هو الطلاقُ، ثم الطلاقُ، ثم الطلاقُ، ففارَقَته ثلاثًا. ومالكٌ (٣)، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يقولُ في الأمَةِ تكونُ تحت العبدِ فتَعتِقُ: إنَّ لها الخيارَ ما لم يَمَسَّها. قال أبو عمر: لا أعلَمُ لابنِ عمرَ وحَفصةَ في ذلك مُخالفًا من الصحابةِ، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ في قصةِ بَريرةَ من حديثِ ابنِ عباسٍ ما فيه دليلٌ واضحٌ على ما ذهَبنا إليه. وروَى سعيدُ بنُ منصور (٤)، عن هُشيم، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس، قال: لما خُيِّرت بَرِيرةُ رأيتُ زوجَها يَتبَعُها في سِكَكِ المدينةِ ودُموعُه تسيلُ على لحيتِه، فكَلَّم العباسُ له رسولَ الله ﷺ أن يطلُبَ إليها، فقال لها رسولُ الله ﷺ :

стр. 1135

"زوجُكِ وأبو ولَدِك". فقالت: أتأمُرُني (١) يا رسولَ الله؟ فقال: "إنّما أنا شافِعٌ". فقالت: إن كنتَ شافعًا فلا حاجةَ لي فيه. واختارَت نفسَها، وكان يقالُ له: مُغيثٌ. وكان عبدًا لآلِ المغير من بني مخزوم. ففي هذا الحديث مرورُها في السِّكك، ومراجَعتُها النبيَّ ﷺ ، ولم يُبطِلْ ذلك خِيارَها، فبَطَل قولُ مَن قال: إنَّ خِيارَها إنَّما هو ما دامَا في المجلس (٢). واختَلَف الفقهاءُ أيضًا في فُرْقَةِ المعتَقةِ إذا اختارَت فِراقَ زوجِها؛ فقال مالكٌ والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ: هو طلاقٌ بائنٌ. قال مالكٌ: هي تَطليقةٌ بائنةٌ إلا أن تُطلِّقَ نفسَها ثلاثًا، فإن طلَّقَت نفسَها ثلاثًا فذلك لها، ولها أنْ تُطلِّقَ نفسَها ما شاءَت من الطلاق، فإن طلَّقَت نفسَها واحدةً فهي بائنة (٣). قال أبو عمر: حديثُ ابن شهابٍ، عن عروةَ، في قصةِ زبراءَ، دليلٌ على صحَّةِ ما قُلنا وما ذهَب إليه مالكٌ في أنَّ لها أن تُوقِعَ من الطلاقِ ما شاءَت. وقد قال قومٌ مِن العلماء: إنَّها لا تُطلِّقُ نفسَها إلا واحدةً بائنةً. وقد رُوي ذلك عن مالكٍ، وقال به بعضُ أصحابِه. والمشهورُ عنه وعن جُملةِ أصحابِه ما قدَّمنا من مذهبِه على حديثِ زَبْراءَ (٤)، وهو أصلٌ لا يُدْفَعُ؛ لأنّه لم يَبلُغْنا أنَّ

стр. 1136

أحدًا من الصحابةِ أنكَر عليها ذلك، وقد كان كثير من الصحابةِ في حياةِ حفصةَ مُتوافِرينَ، وفي القياس، مَن كان له أن يُوقِعَ طلقةً كان له أن يُوقِعَ ثلاثًا. قال أبو عمر: وقد احتَجَّ بهذا الحديثِ من أصحابِنا مَن أجاز لها أن تُوقِعَ الثلاثَ تَطليقاتٍ مجتَمِعات في اختيارِها نفسَها. وليس ذلك على أصلِ مذهبِ مالكٍ من وجهين: أحدُهما: أنَّه لا يَجِبُ لأحدٍ إيقاعُ الثلاثِ مجُتمِعاتٍ. والثاني: أنَّه طلاقٌ متعلِّقٌ بعبدٍ لا مَدخلَ فيه للثلاثِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ مَنُوطٌ بأحوالِ الرجالِ لا بالنساءِ، وطلاقُ العبدِ إنّما هو تَطليقتان. وقد حكَى أبو الفرج (١) أنَّ مالكًا لا يُجيزُ لها أن تُوقِعَ إلا واحدةً، فتكونُ بائنةً، أو تَطلِيقتين، فلا تَحِلُّ له إلا بعدَ زوج، وهو أصلُ مالكٍ. ورُوِيَ عن بعضِ العلماءِ أنَّها طلقةٌ رجعيّةٌ. قال الأوزاعيُّ: لو أُعتِق زوجُها في عِدَّتها، فإنَّ بعضَ شُيوخِنا يقولُ: هو أملَكُ بها، وبعضُهم يقولُ: هي بائنةٌ. وقد روَى ابنُ نافع، عن مالكٍ، أنَّ للعبدِ الرجعةَ إن عتَق. قال ابنُ نافع: ولا أرَى ذلك، ولا رَجْعَةَ له وإن عتَق. وروَى عيسى، عن ابنِ القاسم، في الأمةِ تَعتِقُ وهي حائضٌ، قال: لا تَختارُ نفسَها حتى تَطهُرَ. قال: وإن عتَق زوجُها قبلَ أن تَطهُرَ، فلا أرَى ذلك يَقطَعُ خِيارَها؛ لأنّه قد وجَب لها الخيارُ، وإنَّما منعَها منه الحيضُ. وقال ابنُ عبدوسٍ: لا خيارَ لها إذا أُعتِقَ قبلَ أنْ تَطهُرَ وتَختارَ نفسَها.

стр. 1137

قال أبو عمر: لا معنَى لقول من قال: إنَّها طلقةٌ رجعيّةٌ؛ لأنَّ زوجَها لو ملَك رَجعَتَها لم يكنْ لاختيارِها معنًى، وأيُّ شيءٍ كان يُفيدُها فِرارُها عن زوجِها ومُفارقتُها إيّاه، بتطليقِها نفسَها وهو يَملِكُ رجعتَها؟ هذا ما لا معنَى له؛ لأنَّها (١) إنَّما اختارَت نَفسَها لتُخلِّصَها من عِصمتِه، فلو ملَك رَجعَتَها لم تَتَخلَّصْ منه، وإذا استحال ذلك فمعلومٌ أنَّ الطَّلاقَ إذا وقَع بائنًا لم يكنْ رجعيًّا بعدُ، وكيف يكونُ بائنًا عندَ وُقوعِه وتكونُ لزوجِها رَجعَتُها إن عتَق؟ هذا مُحالٌ. ومثلُه في الضَّعفِ قولُ ابنِ القاسم: إنَّ لها الخيارَ وزوجُها قد أُعتِق. وكيف يكونُ ذلك والعلَّةُ الموجبةُ لها الاختيارَ قد ارتفعَت؟ ألا ترَى أنَّها لو أُعتقَتْ تحتَ حُرٍّ لم يكنْ لها عندَه وعندَ جمهورِ أهل المدينةِ خيارٌ؟ فكذلك إذا لم تَختَرْ نَفسَها حتى عَتَق، فلا خيارَ لها؛ لأنَّ الرِّقَّ قد زالَ. وقال الثوريُّ، والحسنُ بنُ حيٍّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والشافعيُّ وأصحابُه: إنِ اختارَتِ الأمةُ المعتَقَةُ نفسَها فهو فسخٌ بغيرِ طلاقٍ (٢)، وهو (٣) قولُ أحمدَ وإسحاقَ. وقال ابنُ أبي أُويس: سُئل مالكٌ عن الجارية نصفُها حُرٌّ، ونصفُها مملوكٌ يخطبها العبدُ، فتأبى أن تتزوَّجه فيسألُها سيدُها ذلك فتطاوعُه، ثم تُعتق بعد ذلك، أترى لها الخِيارَ؟ قال: نعم، إني لأرى ذلك لها، فقيل: إنّه لم يكن لها أن تأبى التزويج ولا يكرهها سيدها على ذلك، قال: بلى، قيل له: فكيف يكون لها الخِيارُ؟ قال: هي في حالها حالُ أمَةٍ، وإنما ذلك بمنزلة ما لو أنَّ أمةً ليس فيها عِتقٌ طَلبت إلى سيِّدها أن يُزوِّجَها عبدًا ففعل، فزوَّجها: فلها الخِيارُ، فقيل له: إنّ هذه لو شاءت لم تفعلْ والأخرى لم يكن لها أن تأبى، وهذه قد طاوعَتْ ولم يكن ليُجبرها على النِّكاح، قال: لكنّها في حالها كلِّها في حدودها وكشْفِ شعْرِها كالأَمةِ، فما أرى إلّا أن يكون لها الخيارُ.
следующие страницы →