← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1063–1102 · переход к 1068.

стр. 1063

عن ذلك، ولأنّه مَجْهول، ولا يجوزُ الكِراءُ، إلّا بشيءٍ معلوم. قالوا: وكِراءُ الأرضِ بالذَّهَبِ والوَرِقِ وبالعروضِ كلِّها؛ الطّعام وغيرِه ممّا يَنبتُ في الأرضِ وممّا لا يَنبُتُ فيها جائزٌ؛ كما يجوزُ كِراءُ المنازل، وإجارَةُ العبيد. هذا كلُّه قولُ الشافعيِّ ومَن تابعَه (١)، وهو قولُ أبي حنيفة (٢)، وداود، وإليه ذهبَ محمدُ بنُ عبدِ الحكم (٣). وقال آخرون: المحاقَلةُ بيعُ الزَّرع في سُنبلِه بعدَ أن يشتدَّ ويَستَحصِدَ (٤) بالحنطة. ذكر الشافعيُّ (٥)، عن سعيدِ بنِ سالم (٦)، عن ابنِ جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاء: ما المُحاقلةُ؟ قال: المُحاقَلةُ في الحَرْثِ كهَيئةِ المُزابَنةِ في النَّخل سواءً، وهو بيعُ الزرع بالقمح. قال ابنُ جريج: قلتُ لعطاء: فسَّرَ لكم جابرٌ المحاقلَةَ كما أخبرتَني؟ قال: نعم. قال أبو عُمر: وكذلك فَسَّرَ المُحاقَلةَ سعيدُ بنُ المسيِّب في حَديثه المُرْسَلِ في "الموطأ" (٧)، إلّا أنّ سعيدَ بنَ المُسيِّب جَمَع في تأويل الحديثِ الوَجهَين جميعًا، فقال: والمُحاقَلةُ اشتِراءُ الزَّرع بالحِنطَة، واستِكراءُ الأرض بالحِنْطَة.

стр. 1064

وإلى هذا التَّفسير في المُحاقَلة؛ أنَّه بَيعُ الزَّرع في سُنبلِه بالحِنطةِ دونَ ما عَداه، ذهبَ اللَّيثُ بنُ سعد، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والحَسَنُ بنُ حيٍّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ. وهو قولُ ابنِ عُمر، وطاووس. وبه قال أحمدُ بنُ حنبل (١). وكلُّ هؤلاءِ لا يَرونَ بأسًا أن يُعطيَ الرَّجلُ أرضَه على جُزءٍ ممّا تُخرِجُه نحوَ الثُّلُثِ والرُّبُع؛ لأنَّ المُحاقَلةَ عندَهم في مَعْنى المُزابَنة، وأنَّها في بيعِ الثَّمَرِ بالتَّمر، والحِنْطة بالزَّرع. قالوا: ولمّا اختُلفَ في المُحاقَلةِ كان أولى ما قيل في معناها ما تأوَّلناه من بَيع الزَّرع بالحِنْطة. واحتَجُّوا على صِحَّةِ ما تأوَّلوه وذهَبوا إليه من إجازةِ كراءِ الأرضِ ببعض ما يخرُجُ منها، بقصَّةِ خَيبرَ، وأنَّ رسولَ الله ﷺ عامَلَ أهلَها على شَطْر ما تُخرِجُه أرضُهم وثمارُهم (٢). وقد قال أحمدُ بنُ حنبل (٣): حديث رافع بنِ خَديج في النَّهْي عن كِراءِ المَزارع مُضطَرِبُ الألفاظِ ولا يَصِحُّ، والقولُ بقصة خيبر أوْلى. واحتَجَّ بعضُ مَن لم يُجِزْ كراءَ الأرض ببعض ما يخرُجُ منها أنَّ قصةَ خيبرَ منسوخَة بنهي رسولِ الله ﷺ عن المُخابَرة؛ لأنَّ لفظَ المُخابرةِ مأخوذٌ من خَيبر؛

стр. 1065

وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ لمّا عامَلَ أهلَ خيبرَ على ما ذكَرنا قيل: خابرَ رسولُ الله ﷺ أهلَ خَيبر؛ أي: عامَلَهم في أرضِ خَيبر. وقال الشافعيُّ في قول ابنِ عُمر: كنا نُخابِرُ ولا نَرى بذلك بأسًا حتى أخبَرَنا رافعُ بنُ خَديج أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عنها؛ أي: كنا نُكري الأرضَ ببعض ما يخرُجُ منها. قال: وفي ذلك نَسخٌ لسُنّة خَيبر. قال: وابنُ عُمرَ روَى قصةَ خَيبر، وعَمِلَ بها حتى بلَغَه أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى بعدَ ذلك عنها. قال أبو عُمر: أما المُحاقلةُ فمأخوذةٌ عندَ أهل اللغة من الحَقْل: وهي الأرضُ البيضاءُ المَزْروعةُ، تقول له العرب: القَراحُ والحَقْلُ. يقال: حاقَل فلانٌ فلانًا: إذا زارَعَهُ، كما يقال: خاضَرَهُ: إذا بايَعه شيئًا أخضَرَ. وقد نَهى رسولُ الله ﷺ عن المُخاضَرة (١): وهي بيعُ الثمارِ قبل أن يبدوَ صلاحُها. وكذلك يقال: حاقَل فلانٌ فلانًا: إذا بايَعه زَرْعًا بحِنْطة، وحاقَلَه أيضًا: إذا أكرَى منه الأرض ببعض ما يخرُجُ منها، كما يقال: زارَعَه: إذا عامَله في زَرْع. وهذا يكونُ من اثنين في أمرين مختلفَين، مثلَ بيع الزَّرْع بالحِنْطة، واكتراءِ الأرض بالحِنْطة، لأنك لا تستطيعُ أن تشتقَّ من الاسمين جميعًا اسمًا واحدًا للمُفاعلة، وإن اشتقَقْتَ من أحدِهما للمفاعلةِ لم يُستَدلَّ على الآخر، فلم يكنْ بدّ من الاثنين. هذا كلُّه قولُ ابنِ قتيبةَ (٢) وغيره.

стр. 1066

وأمّا المُخابرةُ، فقال قوم: اشتقاقُها من خَيْبر. على ما قدَّمنا ذكرَه. وقال آخرون: هي مُشتقَّةٌ من الخِبَر، والخِبَرُ: حَرْثُ الأرض وعملُها. وزعَم من تأوَّلَ في المُخابرةِ هذا التأويلَ أنَّ لفظَ المُخابرةِ كان قبلَ خيبر، ولا دليلَ على ما ادَّعَى من ذلك، واللهُ أعلم. حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ نُصَيْر، وخَلَفُ بنُ أحمد، وعبدُ الرحمن بنُ يحيى، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ مَرْزوق (١)، قال: حدَّثثا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن أيوب، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عن المُحاقَلة، والمُزابَنة، والمُخابرة، والمُعاوَمَة، وهي بيعُ السِّنين. قال: والمُخابرةُ أن يدفعَ الرجلُ أرضَه بالثُّلُثِ والرُّبُع (٢). قال أبو عُمر: المخابرَةُ عندَ جمهورِ أهل العلم على ما في هذا الحديثِ من كراءِ الأرضِ بجُزءٍ ممّا تُخرِجُه، وهي المُزارعةُ عندَ جميعِهم. فكلُّ حديثٍ يأتي

стр. 1067

فيه النَّهيُ عن المُزارعة، أو ذكرُ المُخابرة، فالمرادُ به دفعُ الأرض على الثُّلُث والرُّبُع، واللهُ أعلم، فقِفْ على ذلك واعرِفْه. وسيأتي القولُ مُستوعَبًا في كِراءِ الأرضِ بما للعلماءِ في ذلك من الأقاويل، وما روَوا في ذلك من الآثار، مُمَهَّدًا في باب رَبيعةَ (١) في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى. والبيعُ في المُزابَنة إذا وقَع؛ كتَمرٍ بِيعَ برُطَب، أو زبيبٍ بِيعَ بعنَب، وكذلك المُحاقَلة؛ كزرع بِيعَ بحِنْطة، صُبرَةً أو كَيلًا معلومًا، أو ثمرٍ بِيعَ في رؤوس النَّخْل جُزافًا بكيل من التَّمرِ معلوم، فهذا كلُّه إذا وقَع فُسِخ إن أُدْرِك قبل القبضِ أو بعدَه، فإن قُبِض وفات رجَع صاحبُ التَّمرِ بمَكيلَةِ تَمرِه وحسَبَه على صاحبِ الرُّطَب، ورجعَ صاحبُ الرُّطَب على صاحبِ التَّمرِ بقيمةِ رُطبِه يومَ قبضَه بالغًا ما بلَغَ. وكذلك يرجعُ صاحبُ النخل وصاحبُ الزَّرْع بقيمَةِ تَمْرِه وقيمَةِ زَرْعِه على صاحبِ المَكِيلَةِ يومَ قَبَضَ ذلك بالغًا ما بلَغَ، ويرجعُ صاحبُ المَكيلَةِ بمَكيلَتِه في مثل صفةِ ما قبَضَ منه. قال أبو عُمر: كلُّ مَن ذكَرنا في هذا الباب من العلماءِ على اختلافِ مذاهبهم، مَن كَرِه المزارَعَة منهم ومَن أجازَها، كلُّهم متَّفِقون على جَوازِ المساقاةِ في النَّخْل والعِنَب، إلا أبا حنيفةَ وزُفَرَ، فإنَّهما كَرِهاها، وزَعَما أنَّ ذلك منسوخ بالنهي عن المُخابرة، وخالفَ أبا حنيفةَ أصحابُه وغيرُهم إلّا زُفَر (٢). وسيأتي ذكرُ المساقاةِ في بابِ ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب إن شاء الله تعالى (٣).

стр. 1068

حديثٌ ثالثٌ لداودَ بنِ الحُصيْن متَّصل صحيحٌ مالكٌ (١)، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن أبي سفيانَ مولى ابنِ أبي أحمد، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ أرْخَص في بيع العَرايا بخَرْصِها فيما دونَ خَمْسةِ أوْسُق، أو في خَمْسةِ أوْسُق. يشُكُّ داود، قال: خمسة، أو دونَ خمسة. هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عند جماعةِ رُواتِه فيما عَلِمْتُ (٢). ورواه عُثمانُ بنُ عُمر، عن مالك، عن داود، عن أبي سُفيان، عن جابرِ بنِ عبدِ الله عن النبيِّ ﷺ (٣). فأخطَأ فيه، والصوابُ ما في "الموطأ". وأبو سُفيانَ هذا مدنيٌّ، اسمُه قُزْمانُ، ثقةٌ حُجَّةٌ فيما روَى، وهو مَوْلى عبدِ الله بنِ أبي أحمدَ بنِ جَحْشٍ الأسَدِيّ، واسمُ أبي أحمدَ بنِ جَحْشٍ عبدُ بنُ جَحْش، وهو أخو زينبَ بنتِ جَحْشٍ زوج النبيِّ ﷺ ، قد ذكَرْناه وإخوتَه في كتابنا في "الصحابة" (٤).

стр. 1069

قال مُصعَبٌ الزُّبيريُّ في أبي سفيانَ مَوْلى ابنِ أبي أحمدِ هذا: قالوا: هو مَوْلًى لبني عبدِ الأشْهَل، وكان له انقطاعٌ إلى عبدِ الله بنِ أبي أحمدَ بنِ جَحْش، فنُسِب إليه. روَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وكان مُكاتَبًا، وكان يُصَلِّي لبني عبدِ الأشْهَل في رمضانَ وفيهم قومٌ قد شَهِدُوا بدرًا والعقبةَ يُصَلُّونَ خَلْفَه (١). وأمّا (٢) أبو سفيانَ الذي يَروي عن جابر، فاسمُه طَلْحةُ بنُ نافع، ليسَ له ذكرٌ في "الموطأ". وأمّا العَرايا، فواحِدُها عَرِيّة، والجمعُ عَرايا، ومعناها عَطِيّةُ ثَمَرِ النَّخْل دونَ الرِّقاب، كانت العَربُ إذا دهَمتْهم سَنَةٌ تطَوَّعَ أهلُ النَّخْل منهم على مَن لا نخلَ له فيُعطِيه من ثَمَرِ نَخْلِه، فمنهم المُكثِرُ ومنهم المُقِلّ. ولهم عَطايا مَنافعُ لا تُمْلَكُ بشيءٍ منها رَقبةُ الشيءِ المَوْهوب (٣)؛ منها الإفْقارُ، والإخْبالُ، والإعْراءُ، ومنها المِنْحَة. كانوا إذا أعْطَى أحَدٌ منهم صاحِبَه ناقةً أو شاةً من غَنَمِه يشرَبُ لبنَها مَرّةً، قيل: مَنَحَه. فإن أعْطاه دابّةً يَرتَفِقُ بظَهْرِها، ويُكْرِي ذلك ويَنتَفِعُ به، قيل: أخْبَلَه. فإن أعْطاه شيئًا من الإبلِ يَركَبُه مَرّةً، قيل: أفْقَرَه ظهرَ جَمَلِه، أو ناقَتِه، أو دابَّتِه. فالعَرايا: في ثَمَرِ النَّخْل، وتكونُ عندَ جماعةٍ من العلماءِ في النَّخْل والعِنَب وغيرهما من الثِّمار.

стр. 1070

والمِنْحَة: في ألبانِ النُّوق والغَنَم، والإخْبالُ: في الدَّوابِّ، والإفْقارُ: في النُّوقِ والإبل، والإطراق: أن يُعْطِيَه فحلَ غَنَمِه أو إبلِه لحملِه على نِعاجِه أو نُوقِه، والإسكان: أن يُسْكِنَه بيتا له مُدّة. لا يَملِكُ بشيءٍ من هذا كُلِّه رَقبةَ ما يُعْطَى. ومن هذا الباب عندَ أصحابِنا: العُمْرَى، وخالَفَهم في ذلك غيرُهم، وقد ذكَرْنا ذلك في موضِعِه من كتابِنا هذا (١). وقال الخليلُ بنُ أحمدَ (٢) ﵀: العَرِيّةُ من النَّخْل: التي تُعْزَلُ عن المُساوَمَةِ عندَ بيع النَّخْل، والفِعْلُ: الإعْراءُ، وهو أن يَجْعَلَ ثمرةَ عامِها لمُحتاج. وقال غيرُه: إنَّما قيل لها: عَرِيّةٌ لأنّها تُعَرَّى من ثَمَرِها قبلَ غيرها من سائرِ الحَوائط. وقال ابنُ قتيبة: العَرِيّةُ مَأخُوذَةٌ من العارِيّة، وهي عارِيّةٌ مُضمَّنَةٌ (٣) بهِبَة، فالأصلُ مُعَارٌ، والثمرةُ هِبَةٌ. فهذا معنى لفظِ العَرِيّةِ في اللغة؛ وذلك أنَّ الرجلَ منهم كان يُعطي جارَه أو المِسْكين، مَن كان، نَخْلَةً من حائطِه أو نَخَلاتٍ يَجْني ثمرَها، فيقول: أعْرَيْتُ نَخْلَتي أو نَخْلي فلانًا. وكانوا يُمْتَدَحُونَ بذلك، قال بعضُ شعراءِ الأنصار (٤): ليست بسَنهاءَ ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولكنْ عَرَايا في السِّنين ويُروَى في: السِّنين المواحِلِ.

стр. 1071

والسنْهاءُ من النَّخْل: التي تَحمِلُ سنةً وتحولُ سنةً فلا تَحمِلُ، وذلك عَيْبٌ في النَّخْل، فوَصَف نخلَه أنّها ليست كذلك، ولكنّها تَحمِلُ كلَّ عام. والرُّجَّبيّةُ: هي التي تَمِيلُ لضعْفِها فتُدْعَمُ من تحتِها؛ كذا قال ابنُ قتيبةَ في كتاب "الفقه" له. قال: ثم وصَف أنّه يُعْرِيها في السِّنينَ الجوائح؛ أي: يُطْعِمُ ثمرتَها أهلَ الحاجَةِ في سِني الجَدْب والمَجاعَة، وقد كان الرجلُ منهم يُعطي ذلك أيضًا لأهلِه ولعيالِه يأكُلون ثمرتَها، فتُدْعى أيضًا عَرِيّة. فهذه كلُّها أقاويلُ أهلِ اللغةِ في العَرِيّة. وأمّا معنى العَرايا في الشريعة، ففيه اختلافٌ بينَ أهلِ العلم على ما أصِفُه لك بعونِ الله؛ فمِن ذلك أنَّ ابنَ وهْبٍ روَى، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن عبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، أنّه قال: العَرِيّةُ؛ الرجلُ يُعْرِي الرجلَ النَّخْلة، أو الرجلُ يُسمِّي من مالِه النَّخْلةَ أو النخلَتين ليأكُلَها فيَبِيعُها بتمر (١). وأخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسَة (٢)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا هَنّادٌ، عن عَبْدَة، عن ابنِ إسحاق، قال: العَرايا أن يَهَبَ الرجلُ للرجل النخَلاتِ فيشُقَّ عليه أن يقومَ عليها فيَبِيعَها بمثل خَرْصِها. وهذا من أحسنِ ما فُسِّر به معنى العَرايا. فذهَب قومٌ إلى هذا، وجعَلوا الرُّخصةَ في بيع العَرايا بخَرْصِها وَقْفًا على الرِّفْقِ بالمُعْرَى يَبِيعُها ممّن شاء؛

стр. 1072

المُعْرِي وغيرُه في ذلك عندَهم سَواء. ومن حُجَّةِ مَن ذَهَب هذا المَذْهبَ ما رواه حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن أيوبَ وعُبيدِ الله بنِ عُمرَ جميعًا، عن نافع، عن ابنِ عُمر، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى البائعَ والمُشتَريَ عن المُزابَنة. قال ابنُ عمر: وقال زيدُ بنُ ثابت: إنَّ رسولَ الله ﷺ أرْخَص في العَرايا؛ النَّخْلةِ والنَّخْلَتيْن يُوهَبان للرجل، فيبيعُها بخَرْصِها تمرًا (١). قالوا: فقد أطلَقَ في هذا الحديث بَيعَها بخرصِها تَمرًا، ولم يقل: من المُعْرِي ولا من غيره. فدَلَّ على أنَّ الرُّخْصةَ في ذلك قُصِدَ بها المُعْرَى المسكينُ لحاجتِه. قالوا: وهو الصَّحيحُ في النظَر؛ لأنَّ المُعْرَى قد ملَك ما وُهِب له، فجائزٌ له أن يَبِيعَه من المُعْرِي ومن غيرِه إذْ أرْخَصَتْ له السُّنّةُ في ذلك، وخَصَّتْه من معنى المُزابَنةِ في المقدارِ المذكورِ في حديثِ هذا الباب. ذهَب إلى هذا جماعةٌ من العلماء؛ منهم أحمدُ بنُ حَنْبل (٢). وسنَذكُرُ قولَه في هذا الباب بعدَ ذكر قولِ مالكٍ والشافعيِّ إن شاء الله. وذهَب جماعةٌ من أهل العلم في العَرايا إلى أنْ جعَلوا الرُّخصَةَ الوارِدةَ فيها مَوقوفَةً على المُعْرِي والمُعْرَى لا غير، فقالوا: لا يجوزُ بيعُ الرُّطَب بالتَّمْرِ بوجهٍ من الوُجوه إلّا لمن أُعْرِي نَخْلًا يأكُلُ ثمرَها رُطَبًا، ثم بَدا له أن يَبِيعَها بالتَّمْر، فإنّه أرْخَصَ للمُعْرِي أنْ يشتَرَيها من المُعْرَى إذا كان ذلك خَرْصَ خمسةِ أوْسُقٍ أو دونَها، لما يدْخُلُ عليه من الضَّرر في دُخُولِ غيرِه عليه حائِطَه، ولأنَّ ذلك من بابِ المعروف، يَكْفِيه فيه مُؤْنةَ السَّقْي، ولا يجوزُ ذلك لغيرِ المُعْرِي؛

стр. 1073

لأنَّ الرُّخْصَةَ فيه ورَدَت، فلا يتَعَدَّى بها إلى غيرِ ذلك؛ لنَهي رسولِ الله ﷺ عن المُزابَنة، ونَهْيِه عن بيع الثَّمَرِ بالتَّمْر، وعن بيع الرُّطَبِ بالتَّمْر، وهو أمر مُجتَمَعٌ عليه، فلا يجوزُ أنْ يتعَدَّى بالرُّخْصةِ موضعَها. وممَّن ذهَب إلى هذا: مالكُ بنُ أنسٍ وأصحابُه في المشهور عنهم (١). ومن حُجَّتِهم في ذلك ما حدَّثنا به سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُمَيْديُّ، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيد، قال: أخبرني بُشَيرُ بنُ يَسارٍ مولى بني حارثة، قال: سمعتُ سهلَ بنَ أبي حَثْمَةَ يقول: نَهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الثَّمَرِ بالتَّمْر، إلّا أنّه أرْخَص في العَرِيّةِ أن تُباعَ بخَرْصِها يأكُلُها أهلُها رُطَبًا. وذكَره أبو ثَوْر، عن الشافعيِّ (٣)، عن سُفيان، عن يحيى، بن بُشَير، عن سَهْل مثلَه سواء، إلّا أنّه قال: ورَخَّص في العَرايا بخَرْصِها تَمْرًا يأكُلُها صاحِبُها رُطَبًا.

стр. 1074

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا أبو أُسامة، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا بُشَيرُ بنُ يَسارٍ مولى بني حارثة، أنَّ رافعَ بنَ خَدِيج وسَهْلَ بنَ أبى حَثْمَة حدَّثاه، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عن المُزابَنة؛ الثَّمَرِ بالتَّمْر، إلّا أصحابَ العَرايا، فإنّه قد أَذِنَ لهم. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكر عبدُ الله بنُ محمدٍ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ هشام البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حَنْبل، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنة، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بنِ يَسار، عن سَهْل بنِ أبي حَثْمَة، قال: نَهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الثَّمَرِ بالتَّمْر، وأرْخَص في بيع العَرايا أنْ تُشْترَى بخَرْصِها يأكُلُها أهلُها رُطَبًا. قال سُفيان: قال لي يحيى: ما أعلَمَ أهلَ مكةَ بالعَرايا؟ قلت: أخبرَهم عطاءٌ، سَمِعه من جابر. قال أبو عُمر: ألا تَرى إلى قوله: "يأكُلُها أهْلُها رُطَبًا". وإلى استثنائِه العَرايا من المُزابَنة على هذه الصِّفة؟ كأنَّه، واللهُ أعلم، يريدُ صاحبَها الذي أعْراها وأهلَها الذين وهَبُوا ثمرتَها (٣) وأعْرَوْها، فهم الذين أباحَ لهم شِراءَها بالتَّمْرِ خاصَّة (٤). هذا تأويلُ أصحابِ مالكٍ ومَن اتَّبعَهم.

стр. 1075

وجملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِه (١) في هذا الباب في العَرايا: أنَّ العَرِيّةَ هي أنْ يَهَبَ الرجلُ من حائطِه خَمْسةَ أوْسُقٍ فما دونَها، ثم يريدَ أن يشْتَرِيها من المُعْرَى عندَ طِيبِ الثَّمَر، فأُبِيحَ له أنْ يَشتَريَها بخَرْصِها تَمْرًا عندَ الجَداد، وإن عَجَّلَ له لم يَجُزْ، ويجوزُ أنْ يُعْرِي من حائطِه ما شاء، ولكنَّ البيعَ لا يكونُ إلّا في خَمْسةِ أوْسُقٍ فما دون. هذا جملةُ قولِه وقولِ أصحابِه. ولا يجوزُ عندَهم البيعُ في العَرايا إلّا لوَجْهَين؛ إمّا لدَفْع ضَرورةِ دُخُولِ المُعْرَى على المُعْري، وإمّا لأن يَرفُقَ المُعْرِي المُعْرَى فيَكْفِيَه المؤْنةَ فيها، فأُرْخِص له أن يشتَرَيها منه بخرصِها تَمْرًا إلى الجَداد، ولا يجوزُ بيعُ العرِيّةِ قبلَ زَهْوِها إلا كما يجوزُ بيعُ غير العَرِلة على الجَدادِ والقَطْع، ولا يجوزُ بيعُ العَرِيّةِ وإن أزْهَتْ بخَرْصِها رُطَبًا، ولا بخَرْصِها تَمْرًا نَقْدًا، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ وإنْ جَدَّها مكانَه، ولا تُباعُ بنِصفِ سِواها من التَّمْر، مثلَ أن تكونَ من البَرْنيِّ (٢) فتُباعَ بالعَجْوَة، ولا تُباعُ ببُسْرٍ ولا رُطَبٍ ولا تَمْرٍ مُعَيَّن، وإنّما تُباعُ بتَمْرٍ يكونُ في الذِّمّةِ إلى الجَدادِ بخَرْصِها، وما عدا وَجْهَ الرُّخْصَةِ فيها صار مُزابَنةً، ولا يكونُ البيعُ منها في أكثرَ من خمسةِ أوْسُق، إلّا أنْ يكونَ بعَيْنٍ أو عَرْضٍ غيرِ الطعام، فيجوز نقْدًا أو إلى أجَل، كسائرِ البُيوع. فإن كان طعامًا رُوعيَ فيه القَبْضُ قبلَ الافْتِراق، أو الجَدادُ قبلَ الافْتِراق (٣). وقال ابنُ القاسم (٤): مَن أعْرَى جميعَ حائطِه، فذلكَ جائزٌ له، وله شِراءُ جميعِه وبعضِه بالخرص إذا لم يتَجاوَزِ المبيعُ خمسةَ أوْسُق.

стр. 1076

قال (١): وتوقَّف لي مالكٌ في شِراءِ جميعِه بالخَرْصِ وإن كان خمسةَ أوْسُقٍ أو أدْنى، وبلَغَني عنه إجازَتُه، والذي سمعتُ أنا منه شراءُ بعضِه، وجائزٌ عندِي شراءُ جميعِه. قال: فإن قيل: إنه أعْرَى جميعَه، فلا يَنفي عن نفسِه بشرائِه ضَرَرًا. قيل: إلّا أنَّ ذلك إرْفاقٌ للمُعْرَى، والعَرِيّةُ تُشتَرى للإرْفاق، كما يجوزُ لمن أسْكَن رجلًا دارًا حياتَه شراءُ جميع السُّكْنى أو بعضِها، ولا يَدْفَعُ بذلك ضرَرًا. قال سُحنونٌ: وقال كثيرٌ (٢) من أصحابِ مالك (٣): لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَشتَريَ بعضَ عريَّته؛ لأن النهيَ الذي من أجلِه أُرْخِص في ذلك قائمٌ بعدُ. قال: ولا يجوزُ شراءُ المُعْرِي ما (٤) أعْرَى إلّا لدفع الضَّرر. هذه جملةُ قول مالكٍ وأصحابه. وقال ابنُ وَهْب (٥)، عن مالك: العَرِيّةُ أنْ يُعْرِي الرجلُ الرجلَ النَّخْلةَ أو النَّخلتَيْن أو أكثرَ من ذلك، سنَةً أو سنَتيْن أو ما شاء، فإذا كان التَّمرُ قد طاب قال صاحبُ النَّخْل: أنا أكفِيكُم سَقْيَها وضَمانَها، ولكم خَرْصُها تَمْرًا عندَ الجَداد. وكان ذلك منه مَعروفًا عندَ الجَداد (٦). قال: ولا أُحِبُّ أن يُجاوِزَ ذلك خمسةَ أوْسُق. قال (٧): وتجوزُ العَرِيّةُ في كلِّ ما يَيْبَسُ ويُدَّخَرُ؛ نحوَ العِنَب (٨)، والتِّين، والزَّيتون، ولا أرَى لصاحبِ العَرِيّةِ أنْ يَبيعَها إلّا ممّن في الحائطِ إذا كانَ له ثمرٌ يَخْرُصُها تَمْرًا.

стр. 1077

وقال ابنُ عبدِ الحَكَم، عن مالك: العَرِيّةُ أنْ يُعْرِي الرجلُ الرجلَ ثَمَرةَ نَخْلَةٍ له أو نَخَلات فيَمْلِكَها المُعْرَى، ثم يَبْتاعَها المُعْري من المُعْرَى بما شاء من الثمن (١)، ولا يَبْتاعُها منه بخَرْصِها تَمْرًا إلّا المُعْرِي؛ لأنَّ الرُّخْصَةَ فيه ورَدَتْ. فهذه (٢) جُمْلة قَوْل مالك وتَحْصِيل مذهبه عندَ جماعةِ أصحابه. وقد روَى ابنُ نافع وغيرُه، عن مالك، في رَجُل له نَخْلتان في حائطِ رَجُل، فقال له صاحبُ الحائط: أنا آخُذُها بخَرْصِها إلى الجَداد. قال: إن كانَ ذلك منه للمَرْفِقِ يُدْخِلُه عليه، يعني على صاحبِ النَّخْلتَيْن، فلا بأسَ به. قال مالك: وإنْ كان كَرِه دُخولَه ولم يُرِدْ أنْ يَكْفِيَه مُؤْنةَ السَّقْي، فهذا على وجهِ البيع، ولا أُحِبُّه. فهذه الرِّوايةُ عن مالكٍ على خِلافِ أصلِه في العَرِيّةِ أنّها هِبَةُ الثّمَرَة، وأنّ الواهِبَ هو الذي رُخِّصَ له في شرائِها، على ما ذكَرْنا؛ لأنَّ هذا لم يُوهَبْ له ثَمَرُ نَخْل، بل هو مالِكُ رِقابِ نَخْل مقدارُها خمسةُ أوْسُقٍ أو دون، أُبِيحَ له بيعُ ثمرتِها بالخرصِ إلى الجَدادِ بالتَّمْر. وهي رِوايةٌ مشهورةٌ عنه بالمدينةِ وبالعراق، إلّا أن العراقيين رَوَوْها عنه بخلافِ شيءٍ من معناها؛ وذلك أنَّ الطحاويَّ ذكَرَها (٣) عن ابن أبي عِمْران، عن محمدِ بنِ شُجاع، عن ابن نافع، عن مالك، أنَّ العَرِيّةَ: النَّخْلةُ والنَّخْلتانِ للرجل (٤) في حائطٍ لغيرِه، والعادةُ بالمدينةِ أنَّهم يَخرُجون بأهْلِهم في وقتِ الثِّمار إلى حَوائطِهم، فيَكرَهُ صاحبُ النَّخل الكثيرِ دُخولَ الآخَرِ عليه، فيقول: أنا أُعْطِيك خَرْصَ نخلَتِك تَمْرًا. فرَخَّصَ لهما في ذلك.

стр. 1078

قال أبو عُمر: هذه الرِّوايةُ وما أشْبَهها عن مالكٍ تُضارعُ مَذهبَ الشافعيِّ في العَرايا؛ وذلك أنَّ الذي ذهَب إليه الشافعي (١) إجازةُ بيع ما دونَ خمسةِ أوْسُقٍ من الرُّطَبِ بالتَّمْرِ يدًا بيد، وسواءٌ كان ذلك ممّن وُهِب له ثَمَرُ نخلةٍ أو نَخَلات، أو فيمَن يُريدُ أنْ يبيعَ ذلك المِقْدارَ من حائطِه، لعِلَّةٍ أو لغير عِلَّة، الرُّخْصَةُ عندَه إنّما ورَدَتْ في المِقْدارِ المذكُور، فخَرَج ذلك عندَه من المُزابَنة، وما عدا ذلك فهو داخِلٌ في المُزابَنة، ولا يجوزُ عندَه بوجهٍ من الوُجوه. وحُجَّتُه في ذلك ظاهِرُ حديثِ داودَ بنِ الحُصَيْن المذكورِ في هذا الباب، وحديثُ ابنِ عُمر، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عن بيع الثَّمَرِ بالتَّمْر، إلّا أنّه أرْخَص في العَرايا (٢). وحديثُ سَهْل بنِ أبي حَثْمةَ الذي ذكَرْناه في هذا الباب (٣). وقال في قوله في ذلك الحديث: "يأكُلُها أهلُها رُطَبا"؛ أي: يأكُلُها الذين يَبتاعُونَها رُطبًا. قال: وهم أهلُها. ورُوِيَ عن محمودِ بنِ لَبيدٍ بإسنادٍ مُنقَطِع ما يُوضِّحُ تأويلَه هذا؛ وذلك أنَّ محمودَ بنَ لَبِيدٍ قال لرجل من أصحابِ النبيِّ ﷺ ؛ إمّا زيدُ بنُ ثابتٍ وإمّا غيرُه، قال: ما عَراياكم هذه؟ قال: فسَمَّى رجالًا مُحتاجِين من الأنصارِ شَكَوْا إلى رسولِ الله ﷺ أنَّ الرُّطَبَ يأتي ولا نقدَ بأيدِيهم يَبْتاعون به رُطَبًا يأكُلُونه مع الناس، وعندَهم فَضْلٌ من قُوتِهم من التَّمْر، فرَخَّصَ لهم أنْ يَبْتاعُوا العَرايا بخَرْصِها من التَّمْر الذي في أيديهم يأكلونَها رُطَبًا (٤).

стр. 1079

وروَى الربيع، عن الشافعيِّ في العَرِيّة إذا بِيعَت وهي خمسةُ أوْسُق، قال: فيها قولان؛ أحدُهما، أنّه جائز. والآخَرُ، أنَّ البيعَ لا يَصحُّ إلّا ما دونَ خمسةِ أوْسُق. وقال المُزنيُّ (١): يلزَمُه على أصل قولِه أن يُفسخَ البيعُ من خمسةِ أوْسُق فما زاد؛ لأنّها شَكٌّ، وأصْلُ بيع التَّمْر في رؤوسِ النَّخْل بالتَّمْر حَرام، فلا يَحِلُّ منه إلّا ما اسْتُوفِيَتِ الرُّخصَةُ فيه، وذلك ما دونَ خمسةِ أوْسُق. وإلى هذا ذهَب المُزنيُّ، وأبو الفرج المالكيُّ. واحتَجَّ أبو الفَرج بحديثِ جابرٍ في الأربعةِ الأوسق، وسنَذكُرُه في آخرِ هذا الباب إن شاء الله. ولا عَرِيّةَ عندَ الشافعيِّ وأصحابِه (٢) في غير النَّخْل والعِنَب؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ سنَّ الخرصَ في ثمرتِهما، وأنّه لا حائلَ دونَ الإحاطَةِ بهما. قال الشافعيُّ (٣): ولا تُباعُ العَرِيّةُ بالتَّمْرِ إلّا بأنْ تُخْرَصَ العَرِيّةُ كما تُخْرَصُ للعُشْر، فيقال: فيها الآن رُطبًا كذا، وإذا يَبِس كان تَمْرًا (٤) كذا. فيَدْفَعُ من التمرِ مَكِيلَةَ خَرْصِها تَمْرًا، ويَقْبِضُ النَّخْلة بتَمْرِها قبلَ أنْ يفتَرِقا، فإنِ افترَقا قبلَ دفعِه فَسَد البيع. قال (٥): ويَبيعُ صاحبُ الحائطِ من كلِّ مَن رُخِّص له أن يشتَرِيَه بالتَّمْرِ وإن أتى على جميع حوائطِه. قال أبو عُمر: يعني مَن لا ذَهَبَ عندَه ولا وَرِقَ ولا عَرْضَ غيرَ التَّمْرِ أو الزَّبِيب، وبه حاجَةٌ إلى الرُّطَبِ أو إلى العِنَب، فافْهَم. وقولُ أبي ثورٍ في العَرايا كقول الشافعيِّ سواء، واحتَجَّ أبو ثَوْرٍ لاختيارِ قول الشافعيِّ، فقال: وذلك أنّ يَزيدَ بنَ هارونَ أخبرنا، عن يحيى بنِ سعيد، عن نافع،

стр. 1080

عن ابنِ عُمر، عن زيدِ بنِ ثابت قال: رَخَّص رسولُ الله ﷺ في بيع العَرايا بخَرْصِها كَيْلًا يأكُلُها أهْلُها رُطَبًا (١). هكذا ذكَرَ في هذا الحديث، ثم أردَفَه عن الشافعيِّ بحديثِ ابنِ عُيَيْنة، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يَسار، عن سَهل بنِ أبي حَثْمَة، على ما ذكَرْناه في كتابنا هذا (٢). وأمّا أحمدُ بنُ حَنْبل فحَكَى عنه أبو بكر الأثرَم، قال (٣): سمعتُ أبا عبدِ الله يُسألُ عن تَفسير العَرايا، فقال: أنا لا أقولُ فيها بقول مالك، وأقول: العَرايا أن يُعرِيَ الرجلُ الجارَ أو القرابةَ للحاجَةِ والمسْكَنَة، فإذا أعْراه إيّاها فللمُعْرَى أن يَبيعَها ممّن شاء، إنّما نَهى رسولُ الله ﷺ عن المُزابَنة، وأرْخَص في العرايا، فرَخَّص في شيءٍ من شيء، فنَهى عن المُزابَنةِ أن تُباعَ من كلِّ أحَد، ورَخَّص في العَرايا أن تُباعَ من كلِّ أحَد، فيَبيعُها ممّن شاء. ثم قال: مالكٌ يقولُ ببيعِها من الذي أعْراها إيّاه، وليس هذا وجهَ الحديثِ عندي، ويَبيعُها ممّن شاء. قال: وكذلك فسَّرَه لي سُفيانُ بنُ عُيَيْنة وغيرُه. قال الأثرم: وسمعتُ أبا عبدِ الله يقول: العَرِيّةُ فيها مَعْنيانِ لا يجوزانِ في غيرها؛ فيها أنها رطبٌ بتمرٍ وقد نَهى النبيُّ ﷺ عن ذلك، وفيها أنّها تَمْرٌ بثَمَر، يُعلَمُ كَيلُ التَّمْرِ ولا يُعْلَمُ كَيْلُ الثَّمَر، وقد نَهى رسولُ الله ﷺ عن ذلك، فهذا لا يجوزُ إلّا في العَرِيّة.

стр. 1081

قلتُ لأبي عبدِ الله: فإذا باع المُعْرِي العَرِيّة، أنَّهُ أن يأخذُ التَّمْرَ السّاعةَ، أو عندَ الجَداد؟ قال: بل يأخُذُ الساعة. قلت له: إنَّ مالِكًا يقول: ليسَ له أنْ يأخذَ التَّمْرَ الساعةَ حتى يُجَدَّ. قال: بل يأخُذُ السّاعَةَ على ظاهرِ الحديث. أخبرنا بذلك كلِّه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبد المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الوَرّاق، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرم، فذكَرَه بتمامِه. وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابُه، فقالوا في العَرايا قولًا لا وَجهَ له؛ لأنّه مخالفٌ لصحيح الأثَر في ذلك، فوجَب ألّا يُعرَّجَ عليه، وإنكارُهم للعَرايا كإنكارِهم للمُساقاةِ مع صحَّتِها، ودَفْعِهم لحديثِ التَّفْليس، إلى أشياءَ من الأُصُول رَدُّوها بتأويل لا معنَى له، فأمّا قولُهم في ذلك، فقالوا: العَرِيّةُ هي النَّخْلةُ يَهَبُ صاحبُها ثمرَها لرجل، ويَأذَنُ له في أخْذِها فلا يَفْعَل، حتى يَبدُوَ لصاحِبها أن يَمنَعَه من ذلك، فله مَنعُه؛ لأنّها هِبةٌ غيرُ مَقْبوضَة؛ لأنَّ المُعْرَى لم يكنْ مَلكَها، فأُبِيح للمُعرِي أن يُعَوِّضَه بخَرْصِها تَمْرًا ويَمنَعَه (١). وهذا على أصُولهم في الهِبات، أنَّ للواهبِ مَنَعَ ما وَهب ما لم يَقْبضْه المَوْهوبُ له. وقال بعضُ أصحابِ أبي حنيفة؛ وهو عيسى بنُ أبان (٢): الرُّخصَةُ في ذلك للمُعْرَى أنْ يأخُذَ بدَلًا من رُطَبٍ لم يَمْلِكْه تَمْرًا. وقال غيرُه منهم (٣): الرُّخصةُ فيه للمُعْرِي؛ لأنّه كان يكونُ مُخْلِفًا لوعدِه، فرُخِّصَ له في ذلك، وأُخرِج به من إخلافِ الوعد.

стр. 1082

وليس للعَرِيّة عندَهم مدخلٌ في البُيوع، ولا يجوزُ لأحدٍ عندَهم أن يَشتَريَ ثَمَرَ العَرِيّةِ غيرَ المُعطِي وحدَه على الصِّفةِ المذكورة، والعَرِيّةُ عندَهم هِبَةٌ غيرُ مَقبُوضَة. واحتَجَّ بعضُهم بحديثِ مَعْمَر، عن ابنِ طاووس، عن أبي بكر بنِ محمد (١) قال: كان النبيُّ ﷺ يأمُرُ أصحابَ الخَرْصِ ألّا يَخْرُصوا العَرايا (٢). قال: والعَرايا أن يَمْنَحَ الرجلُ من حائطِه رجلًا نَخْلًا، ثم يَبتاعَها الذي مَنحَها إيّاه من الممنُوح بخَرْصِها. قالوا: فالعَرِيّة مِنْحَةٌ وعَطِيّةٌ لم تُقْبَضْ؛ فلذلك جاز فيها هذه الرُّخْصَة، واللهُ أعلم. قال أبو عُمر: الآثارُ الصِّحاحُ تَشْهَدُ بأنَّ العَرايا بيعُ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ في مِقْدارٍ مَعْلوم مُستثنًى من المَحْظورِ في ذلك على حسَبِ ما تقدَّم من الوَصْفِ في العَرايا، ومحالٌ أن يأذنَ رسولُ الله ﷺ لأحَدٍ في بيع ما لم يَملِك. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا أبو عُبيدِ الله (٣)، قال: حدثني عبدُ الله بنُ وهب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهابٍ، قال: حدثني خارجةُ بنُ زيدِ بنِ ثابت، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ أرْخَص في بيع العَرايا بالتَّمْرِ أو الرُّطَب، كذا قال: أو الرُّطَب. وحدَّثنا أبو محمدِ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٤)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ

стр. 1083

وهب، قال: أخبرنا يونُسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، قال: أخبرني خارجةُ بنُ زيدِ بنِ ثابت، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ رَخَّص في بيع العَرايا بالتَّمْرِ والرُّطَب. وروى الثوريُّ، عن يحيى بن سعيدٍ وعُبيدِ الله بنِ عُمر، عن زيدِ بنِ ثابت، أنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّص في بيع العَرايا أن تُباع بخرصِها، ولم يُرَخِّصْ في غيرها. قال: والعَرايا: التي تُؤْكَلُ (١). وروى مالكٌ (٢)، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن زيدِ بنِ ثابت، أنَّ رسولَ الله ﷺ أرْخَص لصاحبِ العَرِيّةِ أن يَبيعَها بخَرْصِها. فهذه الآثارُ كلُّها قد أوْضَحَتْ أنَّ ذلك بيع، فلا معنَى لما خالَفَها. قال أبو عُمر: في حديثِ يونُس، عن ابنِ شهاب، عن خارجة، عن أبيه، ذكرُ بيعِها بالرُّطَب. وهو مما اختُلِفَ فيه؛ فذهَب قومٌ منهم أصحابُ أبي حنيفةَ إلى أنّه جائزٌ بيعُها بالرُّطَبِ خَرْصًا، كما يجوزُ بالتَّمْرِ خَرْصًا. قال أبو عُمر: ذكرُ الرُّطَبِ في هذا الحديثِ ليس بمحفوظٍ إلّا بهذا الإسناد، وقد جعَله بعضُ أهل العلم وهمًا، وجعَل القولَ به شُذُوذًا.

стр. 1084

ومن ذهبَ إلى القول بحديثِ يونسَ هذا قال: رواتُه كلُّهم ثِقاتٌ فقهاءُ عُدُولٌ. واحتَجَّ أيضًا بأنَّ الرُّطَبَ بالرُّطب أجْوَزُ في البيع من الرُّطَب بالتَّمْر. وقال آخرون وهم الجمهور: لا يجوزُ بيعُها؛ لأنَّ العِلّةَ حينئذٍ ترتَفعُ وتذهَبُ، وأيُّ ضرورَةٍ تَدعُو إلى بيع رُطَبٍ برُطَبٍ لا يُعرَفُ أنَّ ذلك مثلٌ بمثل؟ وكيف يجوزُ ذلك وهو المُزابَنة المنهيُّ عنها، ولم تَدْعُ ضرورةٌ إليها؟ والذين أجازوا بيعَها بالرُّطَبِ جعَلوا الرُّخصةَ في العَرِيّة، أنَّها ورَدَتْ في المقدارِ المُستثنَى رُخْصةً لمن شاء ذلك من غير ضرورة؛ إذ الضرورةُ لم تُنصَّ في الحديث. قالوا: ومَن لم يُراع الضرورةَ لم يُخالِفِ الحديث، إنّما يُخالِفُ تَأويلَ مُخالِفه. ولهم في هذا اعتراضاتٌ لا وَجهَ لذِكْرِها. قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قال بجواز بيع العَرِيّةِ بالرُّطَبِ إلّا بعضَ أصحاب داود، وأصحابَ أبي حنيفة (١). واللهُ أعلم. وكان أبو بكرٍ الأبهَريُّ ﵀ يقول: معنى حديثِ يونُسَ هذا أنْ يأخُذَ المُعْرِي الرُّطَب، ويُعْطي خَرْصَها تَمْرًا عندَ الجَدادِ للمُعْرَى، وهذا يُخرَّجُ على أصل مَذْهَبِه. قال الأبهريُّ: ولا أعلَمُ أحدًا تابَعَ يونسَ على ما ذكَره في حديثه عن ابنِ شهاب بالرُّطَب. قال أبو عُمر: قد روَى الأوزاعيُّ، عن ابنِ شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن زيدٍ في هذا الحديثِ ذكرَ الرُّطَبِ أيضًا إن كان محفوظًا عن الأوزاعيّ. حدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال:

стр. 1085

حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني ابنُ شهابٍ، عن سالم، عن أبيه، عن زيدِ بنِ ثابت، أنَّ رسولَ الله ﷺ أرْخَص في بيع العَرايا بالَرُّطب، لم يُرَخِّصْ في غير ذلك (١). قال أبو عُمر: عبدُ الحميد كاتبُ الأوزاعيِّ ليس بالحافظِ المُتقِن، ولا ممّن يُحتَجُّ به (٢)، وقد روَى هذا الحديثَ بهذا الإسنادِ عن ابنِ شهاب، سُفيانُ بنُ عُيَيْنة، فقال فيه: إنَّ رسولَ الله ﷺ رخَّص في بيع العَرايا (٣). لم يقل: بالرُّطَب،

стр. 1086

ولا بالتَّمْر (١). وحديثُ نافع، عن ابنِ عمر، عن زيد، يدُلُّ على أن ذلك بالتَّمْر، واللهُ أعلم. حدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بَكْرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى القطّان، عن عُبيدِ الله، قال: أخبرنا نافِع، عن ابنِ عمر، أنّ زيدَ بنَ ثابت أخبَره، أنَّ رسولَ الله ﷺ رَخَّصَ في العَرايا أنْ تُباعَ بخرصِها كيلًا (٣). واختلَف العلماءُ في مقدارِ العَرِيّة، بعدَ إجماعِهم أنّها لا تجوزُ في أكثرَ من خَمْسةِ أوْسُق، فقال قوم: مِقدارُها خمسةُ أوْسُق.

стр. 1087

وقال آخرون: مقدارُها دونَ خَمْسةِ أوْسُقٍ ولو بأقلِّ ما يَبينُ من النُّقصان. وحُجَّةُ الطائفتَيْن حديثُ أبي هريرةَ المذكورُ في هذا الباب من روايةِ مالكٍ وغيره. وقال آخرون: لا تجوزُ العَرِيّةُ في أكثرَ من أربعةِ أوْسُق. واحتَجُّوا بما رواه محمدُ بنُ إسحاق، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عمِّه واسعِ بنِ حَبّان، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنَّ رسولَ الله ﷺ رخَّصَ في العَرايا في الوَسْق والوَسْقَيْن والثلاثةِ والأربعة. رواه حَمّادُ بنُ سلمةَ وغيرُه كذلك (١). واحتَجُّوا أيضًا بما رواه أبو سعيدٍ الخُدريُّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "لا صدقةَ في العَرِيّة" (٢). قالوا: وهذا يدُلُّ على أنّها فيما دُونَ خمسةِ أوْسُق. وممن أجازَها في خمسةِ أوْسُق؛ مالكٌ واكثرُ أصحابه (٣). وقد ذكَرنا اختلافَ قول الشافعيّ في ذلك. وقال إسماعيلُ بنُ إسحاق: نكرَهُه في الخمسةِ أوْسُق، ولا نَفْسَخُه فيها كما نَفْسَخُه فيما زاد عليها. ولا خلافَ عن مالكٍ، والشافعيِّ، ومَن اتَّبَعهما في

стр. 1088

جوازِ العَرايا إذا كانت دون خمسةِ أوْسُق، وإن كانت أكثرَ من أربعة؛ لحديثِ داودَ بنِ الحُصَينِ المذكورِ في هذا الباب. ولم يَعرِفوا حديثَ جابرٍ في الأربعةِ الأوْسُق، أو لم يَثبُتْ عندَهم، واللهُ أعلم. وكذلك حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ لا يَعرِفُه أصحابُنا، وهم يُوجِبُون الزَّكاةَ في الحوائطِ المُحبَّسةِ على المساكين، وفيما تُصدِّقَ به عليهم على جِهةِ الوقف. وقال العراقيُّون: العَرِيّة نفسُها صدقةٌ، فلا تجبُ فيها صدقةٌ، قلَّتْ أو كَثُرَتْ، على حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ هذا. وقد اختلف قولُ مالكٍ وقولُ أصحابه أيضًا في زكاةِ العَرِيّة، والمعروفُ في المذهبِ أنَّ زكاتَها على المُعْري إذا أعْراها بعدَ بُدُوِّ صلاحِها، والقياسُ الصحيحُ أنّه لا شيءَ عليه فيها مع حديثِ أبي سعيد، وبالله التوفيق.

стр. 1089

حديثٌ رابعٌ لداودَ، مرسلٌ من وجهٍ متَّصلٌ من وجْهٍ صحيحٍ مالكٌ (١)، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن الأعْرَج، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَجمعُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ في سَفَرِه إلى تَبوك. وهذا الحديثُ هكذا رواه جماعةُ أصحابِ مالكٍ مُرْسلًا (٢)، إلّا أبا المُصعَب في غير "الموطأ" (٣) ومحمدَ بنَ المباركِ الصُّوريَّ، ومحمدَ بنَ خالد ابنَ (٤) عَثْمَة، ومُطَرِّفًا، والحُنَيْنيَّ، وإسماعيلَ بنَ داودَ المِخراقيَّ، فإنّهم قالوا: عن مالك، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، مُسْندًا (٥). حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم بن سَهْل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسَنِ بنِ إسحاقَ بنِ عُتْبةَ الرَّازيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ سعيدِ بنِ بشير الرَّازيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ بنُ أبي الغُصنِ الرَّازيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ داودَ المِخْراقيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ جمعَ بين الظُّهْرِ والعَصْرِ في سفَرِه إلى تَبُوك. حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ النَّقّاشُ محمدُ بنُ الحَسَنِ المُقرئ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسف بن عيسى، قال: حدَّثنا المَرْوَزيُّ

стр. 1090

محمدُ بنُ غَيلان، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ داودَ المِخْراقيُّ، عن مالكِ بنِ أنس، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن عبدِ الرحمن الأعْرَج، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان جمعَ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في سَفَرِه إلى تَبوك. وحدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسَنُ بنُ الخَضِر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْب، قال (١): حدَّثنا هِلالُ بنُ بِشْر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خالدٍ بنُ عَثْمَة، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه كان يجمعُ بينَ الظُّهرِ والعَصْرِ في سَفَرِه إلى تَبُوك (٢). وحدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشّافعيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يونُس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خالدٍ بنُ عَثْمَة، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن عبدِ الرحمن بنِ هُرْمُزَ الأعْرَج، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يجمَعُ بينَ الظُّهرِ والعَصْرِ في سَفَرِه إلى تَبوك. وكذلك رواه الحُنَيْنيُّ، عن مالك، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَجمعُ بينَ الظُّهرِ والعَصْرِ في سَفَرِه إلى تبوك (٣)، مُسنَدًا. قال: وأصحابُ مالكٍ جميعًا على إرسالِه عن الأعْرَج. وحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رشيق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زُريقِ بنِ جامع، قال: حدَّثنا أبو مُصْعب، قال (٤): حدَّثنا مالكٌ، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن الأعْرَج، قال: كان رسولُ الله ﷺ يجمعُ بينَ الظُّهرِ والعَصْرِ في سَفَرِه إلى تَبوك.

стр. 1091

هكذا حُدِّثنا به في "موطّأ أبي مُصعب" عنه مُرْسلًا. وكذلك هو عندَ أكثرِ رواةِ أبي المُصْعَب عنه في "الموطّأ" مُرْسَل. وذكرَ أحمدُ بنُ خالدٍ أنَّ يحيى بنَ يحيى روَى هذا الحديثَ عن مالك، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يجمعُ بينَ الظُّهرِ والعَصْرِ في سَفَرِه إلى تَبوك، مُسنَدًا. قال: وأصحابُ مالكٍ جميعًا على إرْسالِه. كذا قال أحمدُ بنُ خالدٍ عن يحيى، وأما نحن فلم نجدْه عندَ جماعةِ شيوخِنا إلَّا مرسلًا عن الأعْرَج في نُسخَةِ يحيى وروايته، وقد يُمكِنُ أن يكونَ ابنُ وضّاح طرَحَ أبا هُريرةَ من روايته عن يحيى؛ لأنّه رأى ابنَ القاسم وغيرَه ممّن انتَهتْ إليه روايتُه عن مالكٍ في "الموطأ" قد أرسَلَ الحديث، فظنَّ أنَّ روايةَ يحيى غَلطٌ لم يُتابعْ عليه، فرَمى أبا هريرةَ وأرسلَ الحديث، فإنْ كان فعلَ هذا ففيه ما لا يَخْفى على ذي لُبٍّ وقد كان له على يحيى تَسوُّرٌ في "الموطّأ"، غلَّطه فيه في مواضعَ غلطَ هو عليه في بعضها، فيُمكنُ أن يكونَ هذا من ذلك إنْ صحَّ أنَّ روايةَ يحيى لهذا الحديث على الإسنادِ والاتِّصال، وإلّا فقولُ أحمدَ بنِ خالدٍ وَهْمٌ منه. وما أدْرِي كيفَ هذا؟ لأنَّ روايتَنا لهذا الحديثِ في "الموطأ" عن يحيى مُرْسلًا، فإن كان يحيى قد أسندَه كما ذكَرَه أحمدُ بنُ خالد؛ فقد تابعَه محمدُ بنُ المباركِ الصوريُّ، وأبو المُصعَب في غير "الموطأ" (١)، والحُنَينيُّ، ومحمدُ بنُ خالدٍ ابنُ عَثْمَة، وإسماعيلُ بنُ داودَ المِخْراقيُّ، ومَن ذكَرْنا معهم. وقد تأمَّلتُ روايةَ يحيى فيما أرسَلَ من الحديثِ ووصلَ في "الموطّأ"، فرأيتُها أشَدَّ مُوافقةً لروايةِ أبي المُصعَبِ في "الموطأ" كلِّه من غيرِه، وما رأيتُ في روايةٍ في "الموطأ" أكثرَ اتفاقًا منها.

стр. 1092

حدثني أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ الحافظ بمِصْر، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ الصبّاح، قال: حدَّثنا أبو المُصعَب، عن مالك، عن داودَ بنِ الحُصَين، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَجمَعُ بينَ الظُّهرِ والعَصْرِ في سَفَرِه إلى تَبوك (١). قال أبو الحَسَن عليُّ بنُ عمرَ الدارقطنيُّ: لم يُسنِدْهُ عن أبي المُصْعَبِ غيرُ جعفرِ بنِ الصَّباح، وهو في "الموطّأ" عندَ أبي المُصعَب وغيره مُرْسَل (٢). قال أبو عُمر: لم يُذكَرْ في هذا الحديث الجَمعُ بين المغربِ والعِشاء، وهو مَحفوظٌ عن النبيِّ ﷺ أنه كان في سَفَرِه إلى تَبوكَ يَجمعُ بينَ الظُّهرِ والعَصر، وبينَ المغربِ والعِشاء، من حديثِ مُعاذِ بنِ جبَلٍ وغيره، عن النبيِّ ﷺ . ورواه مالكٌ (٣) وغيرُه، عن أبي الزُّبير، عن أبي الطُّفَيْل، عن معاذٍ. وسيأتي ذِكْرُ حديثِ مالك، في باب أبي الزُّبير (٤) من كتابنا هذا إنْ شاء الله. وقال أحمدُ بنُ عَمْرو البزّار: وقد رُوِيَ في الجَمْع بينَ الصَّلاتَينِ عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ من طَريقَين. أحدُهما زيدُ بنُ أسْلَم، عن عطاءِ بنِ يَسار، عن أبي هريرة. والآخَرُ عبدُ الرحمن بنُ أبي الزِّناد، عن أبيه، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة. قال: وقد رُوِيَ عن ابنِ عبّاس، وابنِ عُمر، ومُعاذِ بنِ جبل، عن النبيِّ ﷺ من وُجوهٍ يُحتَجُّ بها.

стр. 1093

قال أبو عمر - في حديثِ معاذِ بنِ جبل -: ذِكْرُ جَمعِه بينَ الصَّلاتَين في غَزْوة تَبوك؛ قرأتُ على سعيدِ بنِ نَصْر، أنَّ قاسمَ بنَ أصبَغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا جَعفرُ بنُ محمدِ بنِ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابق، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمان، عن أبي الزُّبير، عن أبي الطُّفَيْل، عن مُعاذِ بنِ جبل، أنه قال: جمعَ رسولُ الله ﷺ بينَ الظُّهرِ والعَصْر، والمَغرِبِ والعِشاءِ من تَبوك (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا أبو صالح الفَرّاءُ محبوبُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن سُفيانَ، عن أبي الزُّبير، عن عامرِ بنِ واثِلَة، عن مُعاذِ بنِ جبل، قال: جمعَ رسولُ الله ﷺ بينَ الظُّهرِ والعَصْر، وبينَ المَغرِب والعِشاءِ في غزوةِ تَبوك (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارث (٣)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يونُس الكُدَيْميُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ (٤)، قال: حدَّثنا سفيانُ الثَّوريُّ، عن أبي الزُّبير، عن أبي الطُّفَيْل، عن معاذِ بنِ جبل، قال: جمعَ رسولُ الله ﷺ في غزوةِ تَبوكَ بينَ الظُّهرِ والعَصْر، والمَغربِ والعِشاء (٥).

стр. 1094

وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البرتيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيبَة، قال (١): حدَّثنا عليُّ بنُ مُسْهِر، عن ابنِ أبي ليلى، عن عطاء، عن جابر، قال: جمعَ رسولُ الله ﷺ في غَزوةِ تَبوكَ بينَ الظُّهرِ والعَصْر، وبينَ المَغربِ والعِشاء. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (٢)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا يَزيدُ بنُ خالدِ بنِ يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ مَوْهَبٍ الرَّمليُّ، قال: حدَّثنا المفضلُ بنُ فَضالةَ واللَّيثُ بنُ سَعْد، عن هشام بنِ سَعْد، عن أبي الزُّبير، عن أبي الطُّفَيْل، عن مُعاذِ بنِ جبل، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان في غَزوةِ تَبوكَ إذا زاغَتِ الشَّمسُ قبلَ أن يَرتَحِلَ جمعَ بينَ الظُّهرِ والعَصر، وإنِ ارْتَحَلَ قبلَ أنْ تزيغَ الشَّمسُ أخَّرَ الظُّهرَ حتى يَنزِلَ للعَصْر، وفي المَغربِ والعِشاءِ مثلُ ذلك؛ إنْ غابتِ الشَّمسُ قبلَ أنْ يَرتَحِلَ جمعَ بينَ المَغربِ والعِشاء، وإنِ ارْتَحَلَ قبلَ أن تَغيبَ الشَّمسُ أخَّرَ المَغربَ حتى يَنزِلَ للعِشاء، ثم جمعَ بينهما. قال أبو داود: رواه ابنُ أبي فُدَيْك، عن هشام بنِ سَعْد، عن أبي الزُّبير. على معنى حديثِ مالك. ورواه هشامُ بنُ عُروَة، عن حُسينِ بنِ عبدِ الله، عن كُرَيْب، عن ابنِ عبّاس، عن النبيِّ ﷺ نحوَ حديثِ المُفَضَّل (٤).

стр. 1095

وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا ابنُ قُتيبَة، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن أبي الطُّفَيْل عن عامرِ بنِ واثِلَة، عن معاذِ بنِ جبل، أنَّ النبيَّ ﷺ كان في غَزوةِ تَبوكَ إذا ارْتَحَلَ قبلَ أن تَزيغَ الشَّمسُ. فذكَرَ مثلَ حديثِ المُفَضَّل بنِ فَضالةَ سواءً إلى آخِره. قال أبو عُمر: اختلَفَ الفقهاءُ في كيفيّةِ الجمع بينَ الصلاتَين في السَّفَر؛ في الحال التي للمُسافرِ أنْ يجمعَ فيها بينَ الصَّلاتيْن وفي وقتِ ذلك. وقد ذكرنا ذلك كلَّه، ووضَّحْنا وَجهَ الصَّوابِ فيه عندَنا في باب أبي الزُّبير (٢) من كتابنا هذا، وبالله توفيقنا.

стр. 1096

بابُ الراء [ربيعةُ بنُ أبي عبد الرَّحمنِ المدنيُّ] ربيعة (١) بن أبي عبد الرحمن المدنيُّ، صاحب الرأي، مدنيٌّ، تابعيٌّ، ثقةٌ، واسم أبي عبد الرحمن فَرُّوخُ مولى ربيعةَ بنِ عبد الله بنِ الهُدَيْر التَّيميِّ. هذا هو الصحيحُ، وقيل: مولى التَّيميِّينَ، ومولى آل المنكَدِر، والصواب ما ذكرْنا، ويُكنى ربيعةُ أبا عثمان، وقيل: أبو عبد الرحمن، والأول أصحُّ. وكان أحدَ (٢) فقهاء المدينة الثِّقات الذين عليهم مدارُ الفَتْوى، كان أكثر أخْذِه عن القاسم بن محمّد، وقد (٣) أخذَ عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، وسائر فقهاء وقْتِه، وأدركَ أنسَ بنَ مالك وروى عنه، وكان يُذْكَر مع جُلَّةِ التابعينَ في الفتوى بالمدينة، وكان مالكٌ (٤) يفضِّلُه، ويرفعُ به، ويثني عليه في الفقه والفضل، على أنّه ممن اعتزلَ حلقته لإغراقه في الرأي. وكان القاسم بن محمد يُثني عليه أيضًا، ذكر ابنُ لَهِيعة، عن أبي (٥) الأسود، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمّدٍ يقول: ما يسرُّني أن أمِّي وَلدتْ لي أخًا غُلامًا ممَّن ترون من أهل المدينة إلّا ربيعةَ الرأي (٦).

стр. 1097

وذكر ابن سعد، قال (١): أخبرني مُطَرِّف بنُ عبد الله، قال: سمعت مالكَ بنَ أنس يقول: ذهبتْ حلاوةُ الفقه مُذْ مات ربيعةُ بنُ أبي عبد الرحمن. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٢): حدَّثنا الوليدُ بنُ شجاع، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ، عن رجاءِ بن أبي سلمةَ، عن ابن عونٍ، قال: كان ربيعةُ بنُ أبي عبد الرَّحمن يجلس إلى القاسم بن محمّد، فكان مَنْ لا يعرفه يظنُّ أنه صاحب المجلس؛ يغلب على المجلس (٣) بالكلام. قال (٤): وحدَّثنا مُصعب، قال: كان عبد العزيز بن أبي سلمة يجلس إلى ربيعةَ، فلمّا حضرتْ ربيعةَ الوفاةُ، قال له عبد العزيز: يا أبا عثمان، إنّا قد تعلَّمنا منك، وربّما جاءنا مَنْ يستفتينا (٥) في الشيء لم نسمع فيه شيئًا، فنرى أنّ رأينا له خيرٌ من رأيه لنفسه فنفتيه؟ فقال ربيعةُ: أجلسوني. فجلس ثم قال: وَيْحك يا عبد العزيز، لأنْ تموتَ جاهلًا خيرٌ لك من أن تقولَ في شيء بغير علم، لا، لا، لا، ثلاث مرات. قال (٦): وحدَّثنا مُصعب، قال: حدَّثنا الدَّراوردي، قال: إذا قال مالك: وعليه أدركت أهل بلدنا، وأهل العلم ببلدنا، والأمر المجتمع عليه عندنا، فإنه يريدُ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، وابن هُرمز. قال مصعبٌ: ومات ربيعة في سلطان بني هاشم (٧) قدم على أبي العباس السفاح. وذكر أحمدُ بن مروان المالكي، عن إبراهيمَ بن سهلُوية، عن ابن أبي أُويس،

стр. 1098

قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: كانت أمي تُلبسني الثيابَ، وتُعمِّمُني وأنا صبيٌّ، وتوجِّهُني إلى ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، وتقول: يا بنيَّ ائتِ مجلسَ ربيعة، فتعلم من سَمْته وأدبه قبل أن تتعلم من حديثه وفقهه (١). وذكر ابن القاسم، عن مالك أن ابن هُرمز قال في ربيعة: إنه لفقيه. في حكاية ذكرها. وقال مالكٌ: وجدت ربيعة يومًا يبكي، فقيل له: ما الذي أبكاك؟ أمُصِيبةٌ نزلتْ بك؟ فقال: لا، ولكن أبكاني أنه استفتي مَنْ لا علم له (٢). وقال: لَبعضُ مَن يفتي هاهنا أحقُّ بالسجن من السارق! قال أبو عمر: هذه أخبارُه الحِسانُ، وقد ذمَّهُ جماعةٌ من أهل الحديث لإغراقه في الرأي، فروَوْا في ذلك أخبارًا قد ذكرتها في غير هذا الموضع. وكان سفيان بن عيينة، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، لا يرضَوْنَ عن رأيه؛ لأن كثيرًا منه يوجد له بخلاف السند الصَّحيح؛ لأنه لم يتَّسع فيه، فضحَه فيه ابنُ شِهاب. وكان أبو الزِّناد معاديًا له، وكان أعلم منه، وكان ربيعةُ أورعَ، والله أعلم. قال أبو عمر: تُوفّي ربيعةُ بن أبي عبد الرحمن بالمدينة في سنة ست وثلاثين ومئة، في آخر خلافة أبي العبّاس السفاح، وكان ثقةً فقيهًا جليلًا (٣). لمالك عنه من مرفوعات "الموطأ" اثنا عشر حديثًا، خمسة متصلة، ومنها عن سليمان بن يسار واحد مرسل، ومنها من بلاغاته ستة أحاديث.

стр. 1099

حديثٌ أوّلُ لربيعةَ متَّصلٌ مسندٌ مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بنِ أبى عبد الرَّحمنِ، عن أنسِ بن مالكٍ أنّه سَمِعهُ يقولُ: كانَ رسولُ الله ﷺ ليسَ بالطويل البائِنِ، ولا بالقَصير، ولا بالأبيضِ الأمهَقِ، ولا بالآدم، ولا بالجَعْدِ القَطَطِ، ولا بالسَّبْطِ، بَعثهُ اللهُ على رأسِ أربعينَ سنةً، فأقامَ بمكةَ عشرَ سنينَ، وبالمدينةِ عشرَ سنينَ، وتَوفَّاه اللهُ على رأس ستِّين سنةً، وليس في رأسِه ولحيتِه عشرون شَعَرَةً بيضاءَ ﷺ . أمّا قولُه في هذا الحديث: "ليس بالطويل البائنِ" فالبائنُ هو البعيدُ الطُّولِ، المُشْرِفُ، المتفاوِتُ (٢)، والبَونُ والبَيْنُ: البعدُ، ومنه قولُ الشاعر (٣): وما هاج هذا الشَّوقَ إلّا حمامةٌ ... مُطَوَّقةٌ قد بانَ عنها قرينُها أي: بَعُد قرينُها عنها. وقال زُهيرٌ (٤): بان الخليطُ ولم يَأوُوا لمن ترَكوا

стр. 1100

وقال جريرٌ (١): بان الخليطُ ولو طُووعت (٢) ما بانا وقال الأخفشُ: الطويلُ البائنُ: هو الطويلُ الذي يَضْطَرِبُ من طُولِه، وهو عَيبٌ في الرِّجال والنِّساء. يقولُ: فلم يكنْ رسولُ الله ﷺ كذلك. وأما قولُه: "الأمْهَقُ" فإنَّ ابنَ وهبٍ وغيرَه قالوا: المهَقُ البياضُ الشديدُ الذي ليس بمُشْرِقٍ ولا يُخالِطُه حُمْرَة (٣)، يَخالُه الناظرُ إليه بَرَصًا، يقولُ: فلم يكنْ كذلك ﷺ . وكذلك وصفَه عليٌّ ﵁، وهو أحسنُ الناس له صفةً، فقال: كان أبيضَ مُشْرَبًا حُمْرةً (٤). وقال بعضُ الأعراب: أمَا تَبيَّنْتَ بها مُهْقَةً ... تنبُو بقلبِ الشَّيِّقِ العازمِ وأمّا قولُه: "ليس بالآدم" فإنّه يقولُ: ليس بأسمرَ. والأُدْمَةُ: السُّمْرَةُ. والقَطَطُ: هو الشديدُ الجُعُودَةِ مثلُ شُعُورِ الحَبَش. والسَّبْطُ: المُرسَلُ الشَّعَر، الذي ليس في شَعَرِه شيءٌ من التكسِير، يقولُ: فهو جَعْدٌ، رَجْلٌ، كأنَّه دَهرَه قد رُجِّلَ شعرُه؛ يعني: مُشِطَ.

стр. 1101

وأمّا قولُه: "بعَثه اللهُ على رأس أربعين سنةً، فأقام بمكةَ عشرَ سنينَ" فمختلَفٌ في ذلك على ما نحن ذاكِرُوه إن شاء الله. وأمّا قولُه: "بالمدينةِ عشرَ سنينَ" فمجتَمَعٌ عليه لا خلافَ بين العلماء فيه. وأما قولُه: "وتَوَفَّاه اللهُ على رأس ستِّينَ سنةً" فمختلَفٌ فيه على حسَب اختلافِهم في مُقامِه بمكّةَ؛ فحديثُ ربيعةَ عن أنسٍ على ما ترَى، أنَّ رسولَ الله ﷺ تُوفِّي وهو ابنُ سِتِّينَ. ورواه عن ربيعةَ جماعةٌ من الأئمَّة؛ منهم مالكٌ، وأنسُ بنُ عياض (١)، وعُمارةُ بنُ غَزِيَّة (٢)، ويحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ (٣)، والأوزاعيُّ (٤)، وسعيدُ بنُ أبي هلالٍ (٥)، وسليمانُ بنُ بلالٍ (٦)، كلُّهم عن ربيعةَ عن أنسٍ بمعنَى حديث مالكٍ سواء.

стр. 1102

وقد ذكر البخاريُّ (١) حديثَ ربيعةَ هذا عن أنسٍ، ثم أتبعَه، فقال: حدَّثني أحمدُ صاحب لنا، قال: حدَّثني أبو غسّانَ محمدُ بنُ عمرٍ والرازيُّ زُنيجٌ، قال: حدَّثنا حَكّامُ بنُ سَلْمٍ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ زائدةَ، عن الزُّبيرِ بن عديٍّ، عن أنس بن مالكٍ، قال: تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ، وأبو بكرٍ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ، وعمرُ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ. قال البخاريُّ (٢): وهذا عندي أصحُّ من حديثِ ربيعةَ. قال أبو عمر: إنّما قال ذلك البخاريُّ، واللهُ أعلمُ، لأنّ عائشةَ، ومعاويةَ، وابنَ عباس (٣) - على اختلافٍ عنه - كلُّهم يقولُ: إنّ رسولَ الله ﷺ تُوُفِّيَ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ. ولم يُختَلَفْ عن عائشةَ ومعاويةَ في ذلك، روَاه جريرٌ، عن معاويةَ (٤). وجاءَ عن أنسٍ ما ذكَر ربيعةُ عنه، وذلك مُخالفٌ لما ذكرَه هؤلاء كلُّهم. وروَى الزُّبيرُ بنُ عديٍّ، وهو ثقةٌ، عن أنسٍ ما يُوافقُ ما قالوا (٥). فقطَعَ البخاريُّ بذلك؛ لأنّ المُنفَرِدَ أولَى بإضافةِ الوَهْم إليه من الجماعة. وأمّا مِن طريقِ الإسناد، فحديثُ ربيعةَ أحسنُ إسنادًا في ظاهِرِه، إلّا أنّه قد بان من باطنِه ما يُضَعِّفُه؛ وذلك مُخالفةُ أكثرِ الحفَّاظ له، فإن لم يكنْ هذا وجهَ قولِ البخاريِّ، وإلا فلا أعلمُ له وجْهًا، وقد تابعَ ربيعةَ على روايته عن أنسٍ نافعٌ أبو غالبٍ. ورُوي عن أنسِ بن مالكٍ قال: بُعِث رسولُ الله ﷺ وله أربعون سنةً. قال البخاريُّ: وأخبَرنا محمدُ بنَ عمرَ القَصَبيُّ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاق،
следующие страницы →