← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1168–1207 · переход к 1173.

стр. 1168

ذاتِ الدَّرِّ". في موضعِه من هذا الكتاب (١) إن شاء اللهُ. ذكَر الحسنُ (٢) بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا بكَّارُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ بُريدٍ الكنديُّ، قال: حدَّثنا غالبٌ القطَّان، قال: كان للحسنِ كلَّ يومٍ لحم بنصفِ درهمٍ، وما وجَدتُ مَرَقَةً قطُّ أطيَبَ رِيحًا من مَرَقَةِ الحسن. قال: وحدَّثنا عائذٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: ما وجَدتُ مَرَقَةً أطيَبَ ريحًا من مرقةِ الحسَن (٣).

стр. 1169

قال: وحدَّثنا عبدُ الصمدِ (١)، قال: حدَّثنا أبو هلالٍ، قال: ما دخَلنا على الحسن قطُّ إلّا وقِدْرُه تفورُ بلحمٍ طيِّبَةِ الرِّيح. قال: ودخَلتُ يومًا على محمدٍ وهو يأكُلُ مُتّكئًا من سَمَكٍ صِغارٍ. وفي هذا الحديث أيضًا: أنَّ الصدقةَ كان رسولُ الله ﷺ لا يأكُلُها، وكان يأكُلُ الهَدِيَّة. وأجمَع العلماءُ أنَّ الصدقةَ كانت لا تَحِلُّ له على لسانِه ﷺ ، ثبَتَ عنه ﷺ أنّه قال: "إنَّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لمحمدٍ، ولا لآلِ محمدٍ" (٢). وأنَّه كان يأكُلُ الهديَّةَ، ولا يأكُلُ الصدقةَ. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو طالب محمدُ بنُ زكريا المقدسيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ الغازي أبو ذُهْل، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ النَّبيلُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الرحمن، عن ابنِ أبي مُليكةَ، عن ابن عباسٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يَقبلُ الهدِيَّةَ ولا يَقبلُ الصدقة (٣). وقالت طائفةٌ من أهل العلم: إنَّ صدَقةَ التَّطوُّعِ كان رسولُ الله ﷺ يَتنزَّهُ عنها، ولم تكنْ عليه مُحَرَّمَةً. وقال آخرونَ، وهم أكثرُ أهل العلم: كلُّ صدقةٍ فداخلةٌ تحت قوله ﷺ : "إنَّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لنا" (٤). واستَدَلُّوا بأنَّه كان ﷺ لا يأكُلُ صدقةَ التَّطوُّع. وقالوا في اللَّحم الذي تُصُدِّقَ به على بَريرةَ: إنّه كان من صَدَقات التَّطوُّع؛ لأنَّ

стр. 1170

المعروفَ في الصدقاتِ المفروضاتِ أنَّها لا تُفرَّقُ لحمًا، وإنَّما تُفَرَّقُ لحمًا لُحومُ الأُضحِيةِ، والعَقيقةِ، وغير ذلك من التطوع. قال أبو عمر: أمَّا تحريمُ الصدقةِ المفترَضَةِ عليه وعلى آلِه، فأشهَرُ عندَ أهلِ العلم من أن يُحتاجَ فيها إلى إكثارٍ، ونحن نذكُرُ من ذلك هاهنا ما فيه كفايةٌ إن شاء الله. ذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن معمرٍ، عن همَّام بن منبِّه، أنّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "إنِّي لأدخُلُ بيتي فأجِدُ التمرةَ مُلْقاةً على فِراشي، فلولا أنِّي أخشَى أن تكونَ من الصدقةِ لأكَلتُها". وروَى حمادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَمُرُّ بالتمرة، فما يَمنَعُه من أخذِها إلّا مخافةُ أن تكونَ صدقةً (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ويَعيشُ بنُ سعيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي العوَّام، قال: حدَّثنا أبو عاصم النبيلُ، قال: حدَّثنا ثابتُ بنُ عُمارةَ، عن ربيعةَ بن شيبانَ، قال: قلتُ للحسن بن عليٍّ: هل حَفِظتَ من رسولِ الله ﷺ شيئًا؟ قال: نعم، دخَلتُ غُرفةَ الصَّدقةِ فأخَذتُ تمرةً من تمرِ الصدقة، فألقَيتُها في فمي، فقال النبيُّ ﷺ : "انزِعْها، فإنَّ الصدقةَ لا تَحِلّ لمحمدٍ، ولا لأهلِه" (٣).

стр. 1171

روَى شعبةُ، عن محمدِ بن زيادٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ بتمرٍ من تمرِ الصدقةِ، فتناوَلَ الحسنُ بنُ عليٍّ تمرَةً فلَاكَها، فقال له النبيُّ ﷺ : "كَخْ؛ إنَّه لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ" (١). قال أبو عمر: أمَّا الصدقةُ المفروضةُ فلا تَحِلُّ للنبيِّ ﷺ ، ولا لبني هاشم، ولا لموالِيهم، لا خلافَ بين عُلماءِ المسلمينَ في ذلك، إلّا أنَّ بعضَ أهلِ العلم قال: إنَّ مواليَ بني هاشم لا يَحرُمُ عليهم شيءٌ من الصدقات. وهذا خلافُ الثابتِ عن النبيِّ ﷺ . حدَّثنا محمَّدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢): حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شعبةُ،

стр. 1172

قال: حدَّثنا الحكمُ، عن ابن أبي رافع، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ استَعمَل رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فأراد أبو رافع أن يَتبَعَه، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الصدقةَ لا تَحِلّ لنا، وإنَّ مولَى القومِ منهم". وأبو رافعٍ مولَى (١) النبيِّ ﷺ ، واسمُه: أسلمُ. وقيل: إبراهيمُ. وقيل غيرُ ذلك، على ما قد ذكَرنا في كتاب "الصحابة" (٢). واختلَف العلماءُ أيضا في جوازِ صدَقةِ التَّطوُّع لبني هاشم، والذي عليه جمهورُ أهل العلم - وهو الصحيح عندَنا - أنَّ صدَقةَ التَّطوُّع لا بأسَ بها لبني هاشمٍ ومواليهم، ومما يدُلُّك على صحَّة ذلك أنَّ عليًّا والعباسَ وفاطمةَ ﵃ وغيرَهم تَصدَّقوا، وأوقَفوا أوقافًا على جماعة من بني هاشم، وصَدَقاتُهم الموقوفةُ معلومةٌ مشهورةٌ. ولا خلافَ عَلِمتُه بينَ العلماءِ أنَّ بني هاشم وغيرَهم في قَبولِ الهدايا والمعروفِ سواءٌ، وقد قال ﷺ : "كلُّ معروفٍ صَدَقة" (٣). وسنزيدُ هذا البابَ بيَانًا في أَوْلَى المواضع به من كتابِنا هذا إن شاء الله. وأمَّا امتناعُه ﷺ من أكلِ صَدَقةِ التَّطوُّع، فمشهورٌ منقولٌ من وُجُوهٍ صِحاح: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال:

стр. 1173

حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (١): أخبَرنا زيادُ بنُ أيوب. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسن بن هارونَ الصَّبَّاحيُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورَقيُّ، قالا: حدَّثنا أبو عبيدةَ عبدُ الواحد بنُ واصل، قال: حدَّثنا بَهزُ بنُ حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أُتِيَ بشيءٍ سأل عنه: "أصدقةٌ أم هَديَّةٌ؟ ". فإن قيل: صَدَقَةٌ. لم يَأكُلْ، وإن قيل: هديةٌ. بَسَط يَدَه. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ يحيى بن مهديٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بن حفصِ بن راشدٍ الإمامُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ ويوسفُ بنُ يعقوبَ السَّدُوسيُّ، قالا: حدَّثنا بَهْزُ بنُ حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا أُتِيَ بهديةٍ قَبِلها، وإذا أُتِيَ بصدقةٍ أمَر أصحابَه فأكَلوها" (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحٍ (٣)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى،

стр. 1174

قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي قرةَ الكنديِّ، عن سلمانَ الفارسيِّ، قال: كنتُ من أبناءِ أساورة فارسَ، وكنتُ في كُتَّابٍ، وكان معي غُلامان، فإذا أتَيا مِن عندِ مُعلِّمِهما أتَيا قِسًّا، فدخَلا عليه، فدخَلتُ معهما عليه، فقال: ألم أنهَكما أن تَأتِياني بأحدٍ؟ فجعَلتُ أختلِفُ إليه حتى كنتُ أَحَبَّ إليه منهما، فقال لي: إذا سألك أهلُك: ما حبَسكَ؟ فقل: مُعلِّمي. وإذا سألَك مُعلِّمُكَ: ما حبَسك؟ فقلْ: أهلي. ثم إنّه أراد أن يَتحوَّلَ، فقلتُ له: أنا أتحوَّلُ معك. فتحوَّلتُ معه، فنزَل قريةً فكانتِ امرأةٌ تأتيه، فلمَّا حُضِر قال لي: يا سلمانُ، احفِرْ عندَ رأسِي. فحَفَرتُ عندَ رأسِه، فاستَخرَجتُ جَرَّةً من درَاهِمَ، فقال لي: صُبَّها على صدري. فصَبَبتُها على صدرِه، فجعَل يقولُ: ويلٌ لاقتنائي. ثم إنَّه ماتَ، فهَمَمتُ بالدراهِمِ

стр. 1175

أن أحوِّلَها، ثم إنِّي ذكَرتُ قولَه فترَكتُها، ثم إنِّي آذَنتُ القِسِّيسينَ والرُّهبانَ به فحضَرُوه، فقلتُ لهم: إنَّه قد ترَك مالًا. فقام شبابٌ مِن القرية، فقالوا: هذا مالُ أبينا. فأخَذوه، قال: فقلتُ للرُّهبان: أخبِروني برجلٍ عالمٍ أتَّبِعْه. فقالوا: ما نَعلَمُ في الأرض رجلًا أعلمَ من رجل بحِمصَ. فانطلَقتُ إليه فلَقِيتُه، فقصَصتُ عليه القصَّةَ، قال: وما جاء بك إلّا طلبُ العلم؟ قلتُ: ما كان إلّا طلبُ العلم. فقال: إنِّي لا أعلمُ اليومَ في الأرضِ أحدًا أعلمَ من رجلٍ يأتي بيتَ المقدسِ كلَّ سنةٍ، إنِ انطلَقتَ الآنَ وافَقتَ حمارَه. فانطلَقتُ، فإذا أنا بحمارِه على بابِ بيتِ المقدس، فجلَستُ عندَه وانطلَق، فلم أرَه حتى الحَوْلِ، فجاءَ فقلتُ: يا عبدَ الله: ما صنَعتَ بي؟ قال: وإنّك لهاهنا؟ قلتُ: نعم. قال: فإنِّي واللّه ما أعلمُ اليومَ رجلًا أعلمَ من رجلٍ خرَج بأرضِ تَيْماءَ (١)، وإن تَنْطَلِقِ الآنَ تُوافِقْه، وفيه ثلاثُ آياتٍ، يأكُلُ الهديَّةَ، ولا يأكُلُ الصَّدَقةَ، وعندَ غُرْضُوفِ (٢) كَتِفِه اليُمنَى خاتَمُ النُّبوةِ، مثلُ بَيضَةِ الحمامة، لونُها لونُ جِلدِه. قال: فانطلَقتُ تَرفَعُني أرضٌ وتَخفِضُني أُخرَى، حتى مرَرتُ بقومٍ من الأعراب فاستَعبَدوني، فباعوني حتى اشتَرَتني امرأةٌ بالمدينة، فسَمِعتُهم يَذكُرون النبيَّ ﵇، وكان العيشُ عَزيزًا، فقلتُ لها: هبي لي يومًا. فقالت. نعم. فانطلَقتُ فاحتَطَبتُ حطبًا فبِعتُه، فأتيتُ به النبيَّ ﷺ - وكان يَسيرًا - فوضَعتُه بينَ يَدَيه، فقال: "ما هذا؟ ". قلتُ: صدَقةٌ. فقال لأصحابه: "كُلُوا". ولم يَأكُلْ، قلتُ: هذه من علامتِه. ثم مكَثتُ ما شاءَ اللهُ أن أَمكُثَ، ثم قلتُ لمولاتي: هَبي لي يومًا. فقالت: نعم. فانطلَقتُ فاحتَطَبتُ حَطبًا، فبِعتُه بأكثرَ من ذلك، وصنَعتُ طعامًا، فأتَيتُ

стр. 1176

به النبيَّ ﷺ وهو بينَ أصحابِه، فوضَعتُه بينَ يَدَيه، فقال: "ما هذا؟ ". فقلتُ: هدية. فوضَع يَدَه، وقال لأصحابه: "خُذُوا باسم الله". وقُمتُ من خلفِه، فوضَع رداءَه فإذا خاتَمُ النبوةِ، فقلتُ: أشهَدُ أنّكَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليك. فقال: "وما ذاك؟ ". فحدَّثتُه عن الرجل، ثم قلتُ: أيدخُلُ الجنةَ يا رسولَ الله، فإنَّه حدَّثني أنَّك نبيٌّ؟ فقال: "لن يَدخُلَ الجنّةَ إلّا نفسٌ مسلمةٌ". وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بن المِسوَر، قال: حدَّثنا مِقدامُ (١) بنُ داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ الأحدِ بنُ الليثِ بن عاصمٍ أبو زُرعةَ، قال: حدَّثني الليثُ بنُ سعدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ سلمانَ الخيرَ كان خالَط ناسًا من أصحابِ دانيالَ بأرضِ فارسَ قبلَ الإسلام، فسمِع ذِكْرَ النبيِّ ﷺ وصِفَتَه، فإذا في حديثِهم: جملُ الهديَّةَ ولا يَأكُلُ الصدقةَ. في أشياءَ من صفتِه، فأراد الخروجَ في التِماسِه، فمنَعه أبوه، ثم هلَك أبوه، فخرَج إلى الشام يلتَمِسُ رسولَ الله ﷺ ، فكان هناك في كَنيسةٍ، ثم سمِع بخروج رسولِ الله ﷺ وذِكرِه، فخرَج يُريدُه، فأخَذَه أهلُ تَيماءَ فاستَرَقُّوه، ثم قَدِموا به المدينةَ فباعُوه، ورسولُ الله ﷺ بمكةَ، فلمَّا قدِم المدينةَ أتاه سلمانُ بشيءٍ، فقال: "ما هذا؟ ". فقال: صدقةٌ. فأمَرَ بها فصُرِفَت، ثم جاءَ بشيءٍ، فقال: "ما هذا؟ ". فقال: هديَّة. فأكَل منها رسولُ الله ﷺ ، فأسلَم سلمانُ عندَ ذلك، فأخبَر رسولَ الله ﷺ أنَّه مملوكٌ، فقال: "كاتِبْهم بغَرْسِ مئةِ وَدِيَّةٍ". فرمَاه الأنصارُ من وَدِيَّةٍ وودِيَّتَيْنِ، فغرَسها، فأقبَل يومًا آخرَ وإنَّه لفي سَقْيِ ذلك الوَدِيِّ (٢).

стр. 1177

وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ يحيى بن مهديِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ حفصٍ الإمامُ، قال: حدَّثنا عليّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، حدَّثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُريدةَ (١)، عن أبيه، أنَّ سلمانَ أتى رسولَ الله ﷺ بصدقةٍ، فقال: صدقةٌ عليكَ وعلى أصحابك. فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّا لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ". فرفَعها، ثم جاءَه من الغَدِ بمثلِها، فقال: هذه هديَّةٌ لك. فقال رسولُ الله ﷺ لأصحابه: "كُلُوا". قال: ثم اشترَى رسولُ الله ﷺ سلمانَ بكذا وكذا دِرهمًا مِن يَهودَ، وعلى أنْ يَغرِسَ لهم كذا وكذا من النَّخل يقومُ عليه حتى يُدرِكَ. قال: فغرَس رسولُ الله ﷺ النخلَ إلّا نخلةً غَرَسَها عمرُ. قال: فأطعَمَ النخلُ كلُّه إلّا النخلةَ التي غرَس عمرُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن غرَس هذه النخلةَ؟ ". فقالوا: عمرُ. قال: فقطَعها وغرَسها رسولُ الله ﷺ فأطعَمت من عامِها (٢). حدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا ابنُ الأصبهانيِّ، قال: أخبَرنا

стр. 1178

شريكٌ، عن عُبيدٍ المُكْتِب، عن أبي الطُّفَيل، عن سلمانَ، قال: أتَيتُ النبيَّ ﷺ بصدقةٍ فردَّها، وأتَيتُه بهديةٍ فقبِلها (١). وإنّما لم تَجُزْ صدقةُ التَّطَوُّع للنبيِّ ﷺ واللّهُ أعلمُ؛ لأنَّ الصدقةَ لا يُثابُ عليها صاحبُها، لأنَّه يَبتغي بها الآخرةَ، وأُبِيحت له الهديةُ؛ لأنَّه يُثيبُ عليها، ولا تَلحَقُه بذلك مِنَّة. وروَى مالكٌ (٢)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنِيٍّ إلّا لخمسةٍ؛ لغازٍ في سبيلِ الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجلٍ اشتراها بمالِه، أو لرجلٍ له جارٌ مسكينٌ، فتُصُدِّق على المسكين، فأهدَى المسكينُ للغنيِّ". وهذا في معنَى حديثِ بَريرةَ سواءٌ، في قوله ﵇: "هو لها صدقةٌ، ولنا هديَّةٌ". وسيأتي هذا الحديثُ، ويأتي القولُ فيه، وفي إسنادِه ومعانيه، في باب زيدِ بن أسلمَ من كتابنا هذا إن شاء الله (٣). وقولُه: "لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ إلّا لخمسةٍ". يريدُ الصدقةَ المفروضةَ، وأمَّا التَّطوُّعُ، فغيرُ مُحرَّمَةٍ على أحدٍ غيرِ مَن ذكَرنا، على حسَبِ ما وصَفنا في هذا

стр. 1179

الباب، إلّا أنَّ التَّنزُّهَ عنها حسنٌ، وقبولهُا من غيرِ مسألةٍ لا بأسَ به، ومسألتُها غيرُ جائرةٍ إلا لمن لم يَجِدْ بُدًّا. وسنبَيِّنُ هذه الوجوهَ كلَّها في مواضعِها من كتابِنا هذا إن شاء الله. وقد استدلَّ جماعةٌ من أهل العلم على جوازِ شراءِ المتَصَدِّقِ صَدَقتَه من الساعِي إذا قبَضها الساعي وبان بها إلى نفسِه، بحديثِ بَريرةَ هذا، وقالوا: شراءُ الصدقةِ من الساعي ومن المتصدَّقِ عليه جائزٌ؛ لأنَّها ترجِعُ إلى مُشترِيها من غير تلك الجهة، لانه ليس بمانعٍ للصدقة، ولا عائدٍ فيها من وجهِها. وقالوا: كما رجَعتِ الصدقةُ على بَريرةَ هديَّة إلى رسول الله ﷺ ، ولم يكنْ بذلك بأسٌ، فكذلك إذا اشتراها المتصدِّقُ بها. قالوا: وكما أنَّه لو وَرِثَها لم يكنْ بذلك عندَ أهل العلم بأسٌ. وقيل: إنَّ اسْتِقاءَ عمرَ بن الخطاب اللبنَ الذي سُقِيه من نَعَم الصدقةِ إنّما استَقاءَه؛ لأنَّ الذي سقَاه إيَّاه كان من الأغنياءِ الذين لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ (١)، ولا يَصِحُّ لهم مِلْكُها، ولو كان ممّن تَحِلُّ له الصدقةُ ويَستَقِرُّ عليها مِلْكُه ما استقاءَه عمرُ؛ لأنَّه كان تَحِلُّ له حينَئذٍ، لأنَّه غنيٌّ أهدَى إليه رجلٌ مسكين ممَّا تُصُدِّقَ عليه، على حديثِ بَريرةَ وغيرِه، وممَّا قد ذكَرناه في هذا الباب، والحمدُ للّه. قال أبو عمر: أمَّا إهداءُ المسكين إلى الغنيِّ، فقد ثبَت عن النبيِّ ﷺ جوازُه

стр. 1180

من حديث عائشةَ وغيره، في قصةِ بَريرةَ، ومن حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ أيضًا (١) وغيرِه، وكذلك ما رجَع بالميراثِ إلى المتَصَدِّقِ، فقد رُوِي عن النبيِّ ﷺ جوازُه أيضًا (٢)، فوجبَ الوقوفُ عندَ ذلك كلِّه على حسَبِ ما نُقِل عنه من ذلك ﷺ . وأمَّا شِراءُ الصدقةِ من المتَصَدَّقِ عليه ومن الساعي، فقد ثبَت عن النبيِّ ﷺ النَّهيُ عن ذلك بقولِه ﵇ لعمرَ في الفرس التي حمَل عليها عمرُ في سبيل الله: "لا تَشْتَرِها، ولا تَعُدْ في صدقتِك"، الحديثَ (٣). فكيف يُجمَعُ بينَ أمرَين فرَّق رسولُ الله ﷺ بينهما؟ إلا أنَّ أهلَ العلم حمَلوا نَهيَه عن شراءِ الصدقةِ والعَودَةِ فيها على سبيل التَّنزُهِ عنها لا على سبيل التَّحريم، ولما في ذلك من قَطْعِ الذَّريعة؛ لئلّا يُطلَقَ للناس اشتراءُ صدقاتِهم، فيَشتَرونَها من الساعي والمتصدَّقِ عليه قبلَ القبض، فيَدخُلَ في ذلك بيعُ ما لم يُقْبَضْ، وإعطاءُ القيمةِ عن العينِ الواجبة، وسنذكُرُ ما للعلماءِ في هذا المعنَى، في باب زيدِ بن أسلمَ، من كتابِنا هذا، عندَ ذكرِ حديثِ عمرَ في الفرَسِ إن شاء الله (٤). وأمَّا رُجوعُها بالميراثِ إلى المتَصدِّقِ بها، فلا تُهمَةَ فيها ولا كراهِيةَ تَدخُلُه، إلى ما رُوِي عن النبيِّ ﷺ من جوازِه: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 1181

قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يُونسَ، قال: حدَّثنا زُهير، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عطاءٍ، عن عبدِ الله بن بُريدةَ، عن أبيه، أنَّ امرأةً أتَت رسولَ الله ﷺ فقالت: كنتُ تصدَّقتُ على أُمِّي بوليدةٍ، وإنَّها ماتَت وترَكَت تلك الوليدةَ. فقال: "وجَب أجرُكِ، ورجَعت إليكِ بالميراث". أخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُميرٍ، عن عبدِ الله بنِ عطاءٍ، عن ابنِ بُريدةَ، عن أبيه، قال: كنتُ جالسًا عندَ النبيِّ ﷺ إذ جاءَتِ امرأةٌ، فقالت: يا رسولَ الله، إنِّي كنتُ تصدَّقتُ على أُمِّي بجاريةٍ فماتت، وبَقِيتِ الجاريةُ. فقال لها رسولُ الله ﷺ : "وجَب أجرُك، ورجَعت إليكِ بالميراث". حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن دَاسَةَ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأشعث، قال (٤): حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوقٍ،

стр. 1182

قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِي بلحم، فقال: "ما هذا؟ ". فقالوا: شيءٌ تُصُدِّقَ به على بَريرةَ. قال: "هو لها صدقةٌ، ولنا هديَّةٌ". قال أبو عمر: ففي هذه الآثار ما يَدُلُّ على أنَّ الصدقةَ إذا تحوَّلَتْ إلى غيرِ معناها حلَّتْ لِمَن لمْ تكنْ تَحِلُّ له قبلَ ذلك. وفي قوله ﷺ : "هو عليها صدقةٌ، وهو لنا هديَّةٌ" دليلٌ واضحٌ على أنَّ ما لم يُحرَّمْ لعينِه، كالميْتَةِ، والخنزيرِ، والدمِ، والعَذِرات، وسائرِ النَّجاسَاتِ، وما أشبهَها، وحُرِّم لعلَّةٍ عرَضت من فعلِ فاعلٍ إلى غيرِه من العِلَلِ، فإنَّ تَحريمَه يَزولُ بزوالِ العلَّة، ألا ترَى أنَّ الدِّرهمَ المغصوبَ والمسروقَ حرامٌ على الغاصبِ والسارقِ من أجلِ غَصْيِه له وسَرِقتِه إيَّاه، فإن وهَبَه له المغصوبُ منه أو المسروقُ منه طَيِّبةً به نفسُه، حلَّ له، وهو الدِّرهمُ بعينِه. وقد اعتَلَّ قومٌ ممن نفَى القياسَ في الأحكام، وزعَم أنَّ التعَبُّدَ بالأسماءِ دونَ المعاني، بحديثِ بريرةَ هذا في قصةِ اللحم والصدقةِ به والهديَّة، وزعَم أنَّ ذلك اللحمَ لمَّا سُمِّي صدقةً حَرُم، فلمَّا سُمِّي هديةً حَلَّ. فجاء بتخليطٍ من القولِ وخَطَل، واحتجَّ على مذهبِه في ذلك بقولِ الله : ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ (١) [البقرة: ١٥٤]. وللكلام في هذا البابِ موضعٌ غيرُ هذا، ولو ذكَرناه هاهنا خرَجنا عمَّا شرَطنا وعمَّا له قَصَدنا. وباللّه توفيقُنا وعليه توكَّلْنا.

стр. 1183

حديثٌ رابعٌ لربيعةَ مُسنَدٌ صَحيحٌ مالك (١)، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، عن يزيدَ مولى المُنبَعِثِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، أنَّه قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، فسَألَهُ عن اللُّقَطَة، فقال: "اعرِفْ عِفاصَهَا ووِكاءَهَا، ثم عَرِّفْها سنةً، فإن جاءَ صاحبُها، وإلا فشأنَكَ بها". قال: فضالَّةُ الغنَمِ يا رسول الله؟ قال: "لك، أو لأخيك، أو للذئب". قال: فضالَّةُ الابل؟ قال: "ما لك ولها؟ معها سِقاؤُها وحِذاؤُها (٢)، تَرِدُ الماءَ، وتَأكلُ الشَّجَرَ، حتى يَلقَاها ربُّها". والعِفاصُ هاهنا: الخِرقَةُ المربوطُ فيها الشيءُ المُلتَقَطُ. وأصلُ العِفاصِ: ما سُدَّ به فمُ القارُورةِ، وكلُّ ما سُدَّ به فمُ الآنيةِ فهو عِفاصٌ. يُقالُ منه: عَفَصْتُ القارورةَ وأعفَصتُها. وقال أبو عُبيدٍ (٣): هو جِلدٌ تُلْبَسُه رأسُ القارورةِ، والوِكاءُ الخيطُ الذي يُشَدُّ به، يقالُ منه: أوْكَيتُها إيكاءً. وأمَّا الصِّمَامُ: فهو ما يُدخَلُ في فَمِ القارُورَةِ، فيكونُ سِدادًا لها. قال أبو عمر: في هذا الحديثِ معانٍ اجتمَع العلماءُ على القولِ بها، ومعانٍ اختَلَفوا فيها؛ فممَّا اجتمَعوا عليه: أنَّ عِفاصَ اللُّقَطَةِ ووِكاءَها مِن أهْدَى علاماتِها وأدَلِّها عليها.

стр. 1184

وأجمَعوا أنَّ اللُّقَطَةَ ما لم تكنْ تافِهًا يسيرًا، أو شيئًا لا بقاءَ له، فإنَّها تُعرَّفُ حَولًا كاملًا. وأجمَعوا على أنَّ صاحبَها إذا جاءَ فهو أحقُّ بها من مُلْتَقِطِها، إذا أثْبَتَ له أنَّه صاحبُها. وأجمَعوا أنَّ مُلتَقِطَها إن أكَلَها بعدَ الحولِ وأراد صاحبُها أن يُضَمِّنَه، فإنَّ ذلك له، وإن تَصدَّقَ بها فصاحبُها مُخيَّرٌ بين التضمين، وبينَ أن يَنْزِلَ على أجرِها، فأيَّ ذلك تخيَّرَ كان ذلك له بإجماع، ولا تَنْطَلِقُ يَدُ مُلْتَقِطِها عليها بصدقةٍ ولا تَصَرُّفٍ قبلَ الحَول. وأجمَعوا أنَّ آخِذَ ضَالَّةِ الغَنَمِ في الموضع المخُوفِ عليها له أكلُها. واختلفوا في سائر ذلك على ما نذكُرُه إن شاء اللهُ تعالى. فمن ذلك أنَّ في الحديثِ دليلًا على إباحةِ التِقاطِ اللُّقَطَةِ، وأخذِ الضالَّةِ ما لم تكنْ إبلًا؛ لأنَّه ﵇ أجاب السائلَ عن اللُّقَطَةِ بأن قال: "اعرِفْ عِفاصَها ووكاءَها". كأنَّه قال: احفَظْها على صاحبِها، واعرِفْ من العلاماتِ ما تُسْتَحَقُّ به إذا طُلِبت. وقال في الشاة: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب". يقولُ: خُذْها، فإنَّما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب إن لم تأخُذْها. كأنَّه يحُضُّه على أخذِها، ولم يقُلْ في شيءٍ من ذلك: دعُوه حتى يَضيعَ أو يَأتيَه ربُّه. ولو كان تركُ اللُّقَطَةِ أفضلَ لأمَر به رسولُ الله ﷺ فيها، كما قال في ضالَّة الإبل، واللّهُ أعلمُ. ومعلومٌ أنَّ أهلَ الأماناتِ لو اتَّفقوا على تَركِ اللُّقَطَةِ، لم تَرجِعْ لُقَطَةٌ ولا ضالَّة إلى صاحبِها أبدًا؛ لأنَّ غيرَ أهلِ الأماناتِ لا يُعرِّفونَها، بل يَستحِلُّونَها ويأكُلُونَها. واختَلَف الفقهاءُ في الأفضل من أخذِ اللُّقَطَةِ وتركِها، فروَى ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، أنَّه سُئل عن اللُّقَطَةِ يجِدُها الرجلُ، أيأخُذُها؟ فقال: أمَّا الشيءُ

стр. 1185

الذي له بالٌ، فإنِّي أرَى ذلك. فقال له الرجلُ: إنِّي رأيْتُ شَنْفًا (١) أو قُرْطًا في المسجدِ مطروحًا فتَركتُه. فقال مالكٌ: لو أخَذتَه فأعطَيتَه بعضَ نساءِ المسجدِ كان أحبَّ إليَّ (٢). قال: وكذلك الذي يَجِدُ الشيءَ، فإن كان لا يَقوَى على تعريفه، فإنَّه يَجِدُ مَن هو أقوَى على ذلك منه ممَّن يوثقُ به يُعطِيه فيُعَرِّفُه، فإن كان الشيءُ له بالٌ فأَرَى أن يَأخُذَه (٣). وروَى يحيى بنُ يحيى، عن ابن القاسم، عن مالكٍ: أنَّه كرِه أخْذَ اللُّقَطَةِ والآبِقِ جميعًا. قال: فإن أخَذ أحدٌ شيئًا من ذلك، فأبَق الآبِقُ، أو ضاعَتِ اللُّقَطَةُ من غيرِ فِعلِه ولم يُضيِّع، لم يَضْمَنْ. وقال مالًا فيمَن وجَد آبِقًا: إن كان لجارٍ أو لأخ، رأيتُ له أن يَأخُذَه، وإن كان لمن لا يَعرِفُ، فلا يَقْرَبْه، وهو في سَعَةٍ من تركِ ما لجارِه وأخيه (٤). وحمَله أصحابُ مالكٍ أنَّه في سَعَةٍ، إن شاء أخذَها، وإن شاء ترَكها. هذا قولُ إسماعيلَ بن إسحاقَ ﵀، وهو ظاهرُ حديث زيدِ بنِ خالدٍ هذا إن شاء الله. قال أبو عمر: إنَّما جعَله مالكٌ، واللّهُ أعلمُ، في سَعَةٍ من ذلك؛ لما في أخذِ الآبقِ والحيوانِ الضَّالِّ من المُؤَنِ، ولم يُكلِّفِ اللهُ عبادَه ذلك، فإن فعَله فاعلٌ

стр. 1186

فقد أحسَنَ، وليسَتِ اللُّقَطَةُ كذلك؛ لأنَّ المؤونةَ فيها خَفيفةٌ؛ لأنّها لا تَحتاجُ إلى غذاءٍ ولا اهتبالٍ بحِرْزٍ، ولا يُخشَى غائلتُها فيُتَحفَّظَ منها كما يُصنَعُ بالآبق. وقال الليثُ في اللُّقَطة: إن كان شيءٌ له بالٌ، فأحَبُّ إليَّ أن يأخُذَه ويُعَرِّفَه، وإن كان شيئًا يَسيرًا، فإن شاء ترَكه، وأمَّا ضالَّةُ الإبِل (١)، فلا أُحِبُّ أن يَقْرَبَها، إلا أن يَحُوزَها لصاحبِها (٢). قال ابنُ وهبٍ: وسمِعتُ الليثَ ومالكًا يقولان في ضالَّةِ الإبلِ في القُرَى: مَن وجَدها يُعرِّفُها، وإن وجَدها في الصَّحارَى فلا يَقربْها (٣). وأصحابُ مالكٍ يقولونَ في الذي يأخُذُ اللُّقَطَةَ ثم يَرُدُّها إلى مكانِها في فَورِها أو قريبًا من ذلك: إنَّه لا ضَمانَ عليه. قال ابنُ القاسم: إن تَباعدَ ذلك ثم ردَّها، ضَمِنَ (٤). وقال أشهبُ: لا يَضمَنُ وإن تَباعدَ. ولا وجْهَ عندي لقول أشهبَ؛ لأنَّه رجلٌ قد حصَل بيدِه مالُ غيره، ثم عرَّضَه للضَّياع والتّلف. وقال المُزَنيُّ (٥) عن الشافعيِّ: لا أُحِبُّ لأحدٍ تَرْكَ لُقَطَةٍ وجَدها إذا كان أمينًا عليها. قال (٦): وسواءٌ قليلُ اللُّقَطَةِ وكثيرُها. واحتجَّ بقول رسولِ الله ﷺ في ضالَّة الغَنَم: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب". يقولُ: إنْ لم تَحفَظْها بنفسِك على أخيك أكَلها الذِّئبُ، فاحْفَظْ على أخيكَ ضالَّتَه الضَّائعةَ. وذكَر بعضُ أصحابِه ما حدَّثنا به عبدُ الله بنُ محمدِ بن أسدٍ وخلفُ بن قاسمِ بنِ سهلٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حدَّثنا مِقدامُ بنُ داودَ،

стр. 1187

قال: حدَّثنا ذُؤيبُ بنُ عِمامةَ السَّهميُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ سعدٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئلَ عن ضالَّةِ الغَنَم، فقال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب، فرُدَّ على أخيكَ ضالَّتَه". وسُئِلَ عن ضالَّةِ الإبل، فقال: "ما لك ولها؟ معَها سِقاؤُها وحِذاؤُهَا، تَرِدُ الماءَ، وتأكُلُ الشَّجَرَ، حتى يَلقَاها ربُّها". وسُئِل عن حَريسَةِ الجبل، فقال: "فيها جَلَدَات نَكَالٌ، وغَرامَةُ مثلِها، فإذا أوَاه المُراحُ، فالقَطعُ فيما بلَغ ثَمنَ المِجَنِّ" (١). فقولُه في هذا الحديث: "فرُدَّ على أخيك ضالَّتَه"؛ يعني: ضالَّةَ الغَنَم في الموضِع المخُوفِ عليها، دليل على الحَضِّ على أخذِها؛ لأنَّها لا تردُّ إلّا بعدَ أخذِها، وحكمُ اللُّقَطَة في خَوفِ التَّلَفِ عليها، والبِدَارِ إلى أخذِها، وتعريفها، كذلك، واللّهُ أعلم.

стр. 1188

واختلَف العلماءُ في اللُّقَطَةِ والضالَّةِ، وكان أبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّام وجماعةٌ من أهل العلم باللغة يُفرِّقونَ بينَ اللُّقَطَةِ والضالَّةِ، قالوا: الضالَّةُ لا تكونُ إلا في الحيوان، واللُّقَطةُ في غير الحيوان. قال أبو عبيدٍ: إنَّما الضوَالُّ ما ضلَّ بنفسِه (١). وكان يقولُ: لا يَنبغي لأحدٍ أنْ يَدعَ اللُّقَطَة، ولا يجوزُ لأحدٍ أخْذُ الضالَّة. وَيحتَجُّ بحديثِ الجارود، وحديثِ عبدِ الله بن الشِّخِّير، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "ضالَّةُ المؤمن حَرَقُ النَّار" (٢). وبحديثِ جريرٍ، عن النبيِّ ﷺ : "لا يُؤوِي الضالَّةَ إلّا ضالٌّ" (٣).

стр. 1189

وقالت طائفةٌ من أهل العلم: اللُّقَطَةُ والضَّوالُّ سواءٌ في المعنَى والحكمُ فيهما سواءٌ. وكان أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ يَذهبُ إلى هذا، وأنكَر قولَ أبي عُبيدٍ:

стр. 1190

الضَّالُّ ما ضلَّ بنفسِه. وقال: هذا غَلَطٌ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ في حديثِ الإفكِ قولُه للمسلمين: "إنَّ أُمَّكم ضلَّت قِلادَتُها" (١). فأطلَق ذلك على القِلادَة. وقال في قوله ﷺ : "ضالَّةُ المؤمنِ حَرَقُ النَّار". قال: وذلك لأنَّهم أرادوها للرُّكوبِ والانتفاع بها، لا للحِفظِ على صاحبِها، فلذلك قال لهم ﷺ : "ضالَّةُ المؤمنِ حَرَقُ النار". قال: وذلكَ بَيِّنٌ في روايةِ الحسنِ، عن مُطرِّفِ بن عبدِ الله بن الشِّخِّير، عن أبيه، قال: قَدِمنا على رسولِ الله ﷺ فقال: "ألَا أحمِلُكم؟ ". قلنا: نحن نَجِدُ في الطَّريق ضوالَّ من الإبلِ نركَبُها. فقال رسولُ الله ﷺ : "ضالَّةُ المؤمنِ حَرَقُ النار" (٢). وقال في قوله: "لا يُؤوِي الضَّالَّة إلا ضالٌّ". قال: هذا محمولٌ على أنَّه يُؤْويها لنَفسِه لا لصاحبِها، ولا يُعرِّفُها (٣). وذكر الطحاويُّ أيضًا، عن يونسَ بنِ عبدِ الأعلَى، عن ابنِ وَهْبٍ، عن

стр. 1191

عَمْرِو بنِ الحارثِ، عن بكرِ بنِ سوادةَ، عن أبي سالم الجَيْشَانيِّ، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن آوَى ضالَّةً فهو ضالٌّ ما لم يُعرِّفْها" (١). قال أبو عمر: في قولِ رسولِ الله ﷺ في ضالَّةِ الغَنَم: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب". وفي ضالَّةِ الإبل: "ما لَك ولها؟ معها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ، وتأكُلُ الشجرَ حتى يَلقَاها ربُّها" دليلٌ واضحٌ على أنَّ العِلَّةَ في ذلك خوفُ التَّلَفِ والذَّهابِ، لا جنسُ الذاهبِ، فلا فَرقَ بينَ ما ضلَّ بنفسِه وبينَ ما لم يَضِلَّ بنفسِه، إذا خُشِيَ عليه التَّلَفُ، عندي، واللّهُ أعلمُ، بظاهرِ الحديثِ الصحيح في الفَرقِ بينَ ضالَّةِ الغَنم وضالَّةِ الإبل. ألَا ترَى أنَّ رسولَ الله ﷺ حينَ سُئل عن ضالَّةِ

стр. 1192

الإبل غَضِب واشتدَّ غَضَبُه، ثم قال فيها ما ذكَرنا؟ وقد قيل: إنَّ الإبلَ تَصبِرُ على الماءِ ثلاثةَ أيَّامٍ وأكثرَ، وليس ذلك حُكْمَ الشاةِ؛ لأنَّه يقولُ: إنْ لم تأخُذْها، ولا وجَدها أخوكَ؛ صاحبُها أو غيرُه، أكَلَها الذِّئبُ. يقولُ: فخُذْها. وهذا محفوظٌ من رواية الثِّقَات: حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا أبو يعقوبَ الأيْليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ربيعةَ، عن يزيدَ مولَى المُنبعِثِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ (١)، قال سفيانُ: فلقِيتُ ربيعةَ، فسألتُه، فقال: حدَّثني يَزيدُ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه سُئل عن ضالَّةِ الإبل، فغضِب، واحمَرَّت وجْنَتاه، وقال: "ما لك ولها؟ معها الحِذَاءُ والسِّقاءُ، تَرِدُ الماءَ، وتَأكُلُ الشَّجَرَ، حتى يَلقَاها ربُّها". وسُئِل عن ضالَّةِ الغنم، فقال: "خُذْها، فإنّما هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئْب". وسُئِل عن اللُّقَطَةِ، فقال: "اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، وعَرِّفْها سنةً، فإنِ اعتُرِفَت (٢)، وإلا فاخلِطْها بمالِك" (٣).

стр. 1193

كذا قال ابنُ عيينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ربيعةَ، وخالَفَه سليمانُ بنُ بلالٍ وحمادُ بنُ سلمةَ، فروَياه عن يحيى بن سعيدٍ وربيعةَ جميعًا، عن يزيدَ مولَى المُنبعِثِ، عن زيدِ بنِ خالدٍ، عن النبيِّ ﷺ . أخبَرنا خلفُ بنُ القاسم الحافظ قراءةً منِّي عليه، أنَّ عبدَ الله بنَ جعفرِ بنِ الوردِ حدثهم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ غالبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ أبو محمدٍ البَيْطَاريُّ، قال: أخبَرنا سُليمانُ بنُ بلالٍ، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ وربيعةُ بنُ أبي عبد الرحمن، عن يزيدَ مولَى المُنبعِثِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجهنيِّ، قال: سُئل رسولُ الله ﷺ عن اللُّقَطَةِ؟ الذَّهبِ أو الوَرِقِ؟ قال: "اعرِفْ وِكاءَها وعِفاصَها، ثم عرِّفْها سنةً، فإن لم تُعْرَفْ فاستعِنْ بها، ولتكنْ وديعةً عندك، فإن جاء طالبُها يومًا من الدهرِ فأدِّها إليه". وسأله عن ضالَّةِ الإبل، فقال: "ما لَك ولها؟ دعْها، معَها حِذاؤُها وسِقاؤُها؛ تَرِدُ الماءَ، وتأكُلُ الشَّجرَ، حتى يَجِدَها ربُّها". وسألَه عن الشاةِ، فقال: "خُذْها، فإنَّما هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" (١). وكذلك رواه القعنبيُّ، عن سليمانَ بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيدٍ وربيعةَ، جميعًا عن يزيدَ مولَى المنبعِثِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، عن النبيِّ ﷺ . فذكَر مثلَ حديثِ مالكٍ سواءً في ضالَّةِ الغَنَم، وفي ضالَّةِ الإبل، وفي اللُّقَطَةِ، إلا أنَّه قال: "عرِّفْها سنةً، فإن لم تُعرَفْ فاستَنْفِعْ بها، ولتكنْ وديعةٌ عندك" (٢).

стр. 1194

وحَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا حجَّاجُ بنُ منهالٍ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن يحيى بن سعيدٍ وربيعةَ، عن يزيدَ مولَى المُنبعِثِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عن ضالَّةِ الإبل، فقال: "ما لَك ولها؟ معها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَأكُلُ الشَّجَرَ، وتَرِدُ الماءَ، حتى يأتيَها باغِيها". ثم سألَه عن ضالَّةِ الغَنَم، فقال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب". ثم سألَه عن اللُّقَطَة، فقال: "اعرِفْ عِفاصَها، وعِدَّتَها، فإن جاءَ صاحبُها فعَرَفها، فادْفَعْها إليه، وإلا فهي لك" (١). واختلَف الفقهاءُ في التَّافِهِ اليسيرِ المُلتَقَطِ؛ هل يُعرَّفُ حولًا كاملًا أم لا؟ فقال مالكٌ: إن كان تافِهًا يَسيرًا تَصدَّقَ به قبلَ الحول (٢). قال ابنُ حبيب: كالدِّرهم ونحوِه. وذكَر ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ (٣): أنَّه قال في اللُّقَطَة، مثلَ المِخْلاة، والحَبْل،

стр. 1195

والدَّلْوِ، وأشبَاهِ ذلك: إنَّه إن كان في طريقٍ وضَعه في أقرَبِ الأماكنِ إليه ليُعْرَفَ، وإن كان في مدينةٍ انتفَع به وعرَّفه، ولو تَصَدَّقَ به كان أحبَّ إليَّ، فإن جاءَ صاحبُه كان على حقِّه. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: ما كان عَشَرةَ دراهمَ فصاعدًا عَرَّفَها حولًا، وما كان دونَ ذلك عرَّفها على قدرِ ما يَرى (١). وقال الحَسنُ بنُ حَيٍّ كقولِهم سواءً، إلَّا أنَّه قال: ما كان دُونَ عشَرةِ دراهمَ عرَّفَه ثلاثةَ أيام (٢). وقال الثوريُّ: الذي يَجِدُ الدرهم يُعرِّفُه أربعةَ أيام؛ رواه عنه أبو نعيم (٣). وقال الشافعيُّ (٤): يُعرِّفُ القليلَ والكثيرَ حولًا كاملًا، ولا تَنطَلِقُ يَدُه على شيءٍ منه إلَّا بعدَ الحول، فإذا عرَّفه حولًا، أكَلَه بعدَ ذلك أو تَصَدَّق به، فإذا جاء صاحبُه، كان غَريمًا في الموتِ والحياة. قال: وإن كان طعامًا لا يَبقَي، فله أنْ يأكُلَه ويَغرَمَه لربِّه. قال المزنيُّ (٥)، وممَّا وُجِد بخطِّه: أحبُّ إليَّ أن يَبيعَه ويُقيمَ على تعريفِه

стр. 1196

حولًا ثم يَأكُلَه. قال المزنيُّ: هذا أوْلَى [القولين] (١) به؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَقُلْ للمُلْتَقِطِ: "فشأنَكَ بها". إلَّا بعدَ السَّنَة، ولم يُفرِّقْ بين القليل والكثير. قال أبو عمر: التعريفُ عندَ جماعةِ الفقهاءِ، فيما علِمتُ، لا يكونُ إلَّا في الأسواق، وأبوابِ المساجدِ، ومواضع العامَّة واجتماعِ الناس. ورُوِيَ عن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابن عمرَ، وجماعةٍ من السَّلَفِ يطولُ ذِكْرُهم (٢). أنَّ اللُّقَطَةَ يُعرِّفُها واجِدُها سنةً، فإن لَمْ يأْتِ لها مُستَحِقٌ، أكَلها واجِدُها إن شاء، أو تَصَدَّقَ بها، فإن جاءَ صاحبُها وقد تَصَدَّقَ بها، فهو مُخيَّرٌ بينَ الأجر والضَّمان. وبهذا كلِّه أيضًا قال جماعةُ فقهاءِ الأمصار؛ منهم مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، والليثُ، والشافعيُّ، ومَن تبِعَهم، إلَّا ما بيَّنا عنهم في كتابِنا هذا من تفسيرِ بعضِ هذه الجملةِ ممَّا اختلَفوا فيه. وأجمَعوا أنَّ الفقيرَ له أن يَأكُلَها بعدَ الحوْل، وعليه الضَّمانُ. واختلَفوا في الغنيِّ؛ فقال مالكٌ: أمَّا الغنيُّ فأحبُّ إليَّ أن يَتصدَّقَ بها بعدَ الحول، ويَضْمَنَها إن جاء صاحبُها (٣). وقال ابنُ وهبٍ: قلتُ لمالكٍ في حديثِ عمرَ بنِ الخطَّاب حينَ قال للذي وجَد الصُّرَّةَ: عرِّفْها ثلاثًا، ثم احبِسْها سنةً، فإن جاء صاحبُها، وإلا فشأنك بها: ما شأنُه بها؟ قال: يَصنَعُ بها ما شاء؛ إن شاء أمسَكها، وإن شاء تَصدَّقَ بها، وإن شاء استَنْفَقَها، فإن جاء صاحبُها أدَّاها إليه (٤).

стр. 1197

وقال الأوزاعيُّ: إن كان مالًا كثيرًا جعَله في بيتِ المال بعد السنة (١). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يأكُلُها الغنيُّ البتَّةَ بعدَ الحول، وإنَّما يأكُلُها الفقيرُ، ويتَصَدَّقُ بها الغنيُّ، فإن جاء صاحبُها، كان مُخيَّرًا على الفقيرِ الآكلِ وعلى الغنيِّ المتصدِّقِ في الأجرِ والضَّمان (٢). وقال الشافعيُّ: يَأكُلُ اللُّقَطَةَ الغنيُّ والفقيرُ بعدَ الحول؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ في حديثِ زيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ وغيرِه قد قال لواجِدِها: "شأنكَ بها بعدَ السَّنَة". ولم يُفرِّقْ بينَ الغنيِّ والفقير، وعلى مَن أكلَها أو تَصَدَّقَ بها الضَّمانُ إن جاء صاحبُها (٣). قال أبو عمر: احتجَّ بعضُ مَن يَرَى أنَّ الغنيَّ لا يَأكُلُ اللُّقَطَةَ بعدَ الحولِ بما ذكَره ابنُ عُيينةَ في حديثِ زيدِ بنِ خالدٍ المذكورِ عنه في هذا الباب؛ بقوله: "وعَرِّفْها سنةً، فإن عُرِفَت وإلا فاخلِطْها بمالِك". قالوا: فهذا دليلٌ على أنَّ السائلَ عن حُكمِ اللُّقَطَةِ والضَّالّةِ في ذلك الحديثِ كان غنيًّا، فخرج الجوابُ عليه من قولِه: "فشأنك بها"، وقولِه: "فاخلِطْها بمالِك" وقولِه: "ولْتكنْ وديعةً عندَك"، ونحوُ هذا ممّا رُوِيَ من اختلافِ ألفاظِ الناقِلين لهذا الحديثِ من الألفاظِ الموجِبةِ لا تكونُ عندَه مرفوعةً لصاحبِها، وهي تفسيرُ معنَى قولِه: "شأنك بها". وحجَّةُ مَن أجاز للغنيِّ أكلَها، ظاهرُ الحديثِ، بقولِه: "شأنك بها". وفيخلِطْها بمالِك". ولم يَسألْه: أفقيرٌ هو أم غنيٌّ؟ ولا فرَّق له بينَ الفقر والغنيِّ، ولو كان بينَ الفقيرِ والغنيِّ فَرْق في حُكمِ الشَّرْعِ، لبيَّنَه رسولُ الله ﷺ ، والفقيرُ

стр. 1198

قد يَكونُ له مالٌ لا يُخرِجُه إلى حدِّ الغِنَي، فيجوزُ أن يُقالَ له: "اخلِطْها بمالِك". وفي ذلك دليلٌ على انطلاقِ يَدِه عليها بما أحَبَّ، كانطلاقِ يَدِه في مالِه، ألا ترَى إلى قولِه ﷺ في حديثِ عياضِ بن حمارٍ: "فإن جاء صاحبُها فهو أحقُّ بها، وإلا فهو مالُ الله يُؤتيهَ من يَشاء" (١)؟ وهذا معناه انطلاقُ يَدِ المُلتَقِطِ وتَصرُّفُه فيها بعدَ الحَولِ، ولكنَّه يَضمَنُها إن جاء صاحبُها وأحبَّ ذلك، بإجماع المسلمين؛ لأنَّه مُستهلِكٌ مالَ غيرِه (٢)، ومن استَهْلكَ لغيرِه شيئًا من المال، ضَمِنَه بأيِّ وجهٍ استهلَكَه، وهذا ما لا خلافَ فيه، فأغنَى ذلك عن الإكثار. واختلَفوا في دفع اللُّقَطَةِ إلى مَن جاء بالعلامةِ دُونَ بَيِّنَةٍ، فقال مالكٌ: تُستَحَقُّ بالعلامة. قال ابنُ القاسم: ويُجْبَرُ على دفعِها إليه، فإن جاء مُستَحِقٌّ فاستَحقَها ببَيِّنَةٍ، لَمْ يَضْمَنِ المُلتَقِطُ شيئًا. قال مالكٌ: وكذلك اللُّصوصُ إذا وُجِد معهم أمتِعةٌ، فجاء قومٌ فادَّعَوها وليست لهم بَيِّنَةٌ، أنَّ السلطانَ يَتَلَوَّمُ في ذلك، فإن لَمْ يَأْتِ غيرُهم دَفَعها إليهم، وكذلك الآبِقُ. وهو قولُ الليثِ بنِ سعدٍ، والحسنِ بنِ حيٍّ، أنَّها تُدفعُ لمن جاء بالعلامة (٣). والحُجَّةُ لمن قال بهذا القولِ قولُه ﷺ : "اعرِفْ عِفَاصَها ووِكاءَها وعِدَّتَها، فإن جاء صاحبُها فعَرَفها فادْفَعْها إليه". وهذا نصٌّ في موضع الخلافِ يوجِبُ طَرْحَ ما خالَفَه. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ (٤): لا تُستَحَقُ إلَّا ببيِّنةٍ، ولا يُجْبَرُ على دَفْعِها لمَن جاء بالعلامةِ، ويَسَعُه أن يَدفَعَها إليه فيما بينَه وبينَه دونَ قَضاءٍ.

стр. 1199

وذكَر المزنيُّ (١) عن الشافعيِّ قال: فإذا عرَّف طالبُ اللُّقَطَةِ العِفَاصَ، والوِكَاءَ، والعَدَدَ، والوَزنَ، وحلَّاها بحِلْيَتِها، ووقَع في نفسِ المُلْتَقِطِ أنَّه صادقٌ، كان له أنْ يُعطِيَه إيَّاها، ولا أُجْبِرُه؛ لأنَّه قد يُصيبُ الصفةَ بأن يَسمَعَ المُلْتَقِطَ يَصِفُها. قال: ومعنى قولِ النبيِّ ﷺ : "اعرِفْ عِفاصَهَا ووِكاءَها" واللّهُ أعلمُ، لأنْ يُؤدِّيَ عِفاصَها ووِكاءَها معها، وليُعْلِمَ إذا وضَعَها في مالِه أنَّها لُقَطَةٌ، وقد يكونُ ليَستَدِلَّ على صِدقِ المعترِفِ (٢)، أرأيتَ لو وصَفها عشَرةٌ، أيُعطَونَها ونحن نعلَمُ أنَّ كلَّهم كاذبٌ إلَّا واحدًا بغيرِ عَيْنِه، يُمكنُ أن يكونَ صادقًا. قال أبو عمر: القولُ بظاهرِ الحديثِ أولَي، ولم يُؤمَرْ بأنْ يَعرِفَ عِفاصَها ووِكاءَها وعلاماتِها إلَّا لذلك. وقال ﷺ : "إن عَرَفَها، فادْفَعْها إليه". هكذا قال حمادُ بنُ سلمةَ في حديثه، ومَن كان أسعدَ بالظاهرِ كان أفلَحَ، وباللّه التوفيقُ. واختلَفوا فيمَن أخَذ لُقَطةً ولم يُشهِدْ على نفسِه أنَّه التقَطَها وأنَّها عندَه يُعرِّفُها، ثم هلَكَت عندَه وهو لَمْ يُشهِدْ: فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمَّدٌ: لا ضمانَ عليه إذا هلَكت عندَه من غيرِ تَضْييعٍ منه، وإن كان لَمْ يُشهِدْ. وهو قولُ عبدِ الله بنِ شُبرُمة (٣). وقال أبو حنيفةَ، وزفرُ: إن أشهَدَ حينَ أخَذها أنَّه يأخُذُها ليُعرِّفَها، لَمْ يَضمَنْها إن هلَكَت، وإن لَمْ يُشهِدْ ضَمِنها (٤). وحُجتُهما في ذلك ما حدَّثني أحمدُ بنُ محمدِ بن أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفضلِ الدِّينَوَريُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العباسِ

стр. 1200

محمدُ بنُ عبدِ الحكم القِطْريُّ، قال: حَدَّثَنَا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعبةُ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، قال: سمِعتُ يزيدَ بنَ عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ أبا العلاءِ يُحدِّثُ، عن أخيه مطرِّفِ بن عبدِ الله بنِ الشَّخِّيرِ، عن عياضِ بنِ حمارٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن التَقَط لُقَطَةً، فليُشهِدْ ذا عَدلٍ، أو ذوَيْ عَدلٍ، وليُعَرِّفْ، ولا يَكتُمْ، ولا يُغيِّبْ، فإن جاء صاحبُها، فهو أحقُّ بها، وإلا فهو مالُ الله يُؤتيه مَن يشاءُ" (١). قال الطَّحاويُّ (٢): وهذا الحديثُ يحتَمِلُ أن يكونَ مُرادُه في الإشهادِ الإشادةَ والإعلانَ وظهورَ الأمانةِ. قال: ولما لَمْ يكنِ الإشهادُ في الغُصُوبِ يُخرجُها عن حُكمِ الضَّمانِ، وكان الإشهادُ في ذلك وتَركُ الإشهادِ سواءً، وهي مضمونة أبدًا،

стр. 1201

أشهَدَ أم لَمْ يُشهِدْ - وجَب أن تكونَ اللُّقَطَةُ أمانةً أبدًا، لقوله ﷺ : "ولتكنْ وديعةً عندَك". ولإجماعهم على أنَّه إذا أشهَدَ لَمْ يَضمَنْ، وكذلك إذا لَمْ يُشهِدْ. قال أبو عمر: معنى هذا الحديث عندي واللّه أعلمُ: أنَّ مُلتَقِطَ اللُّقَطَةِ إذا عرَّفَها، وسلَك فيها سُنَّتَها، ولم يكنْ مُغيِّبًا، ولا كاتمًا، وكان مُعلِنًا مُعرِّفًا، وحصَل بفعلِه ذلك أمِينًا، لا يَضمَنُ إلَّا بما تُضمَنُ به الأماناتُ، وإذا لَمْ يُعرِّفْها، ولم يَسلُكْ بها سُنَّتَها، وغيَّبَ، وكتَم، ولم يُعلِمِ الناسَ أنَّ عندَه لُقَطَةً، ثم قامَت عليه البيِّنةُ بأنَّه وجَد لُقطةً ذكَرُوها، وضمَّها إلى بينيه، ثم ادَّعَى تَلَفَها، ضمِن؛ لأنَّه بذلك الفعلِ خارجٌ عن حُدودِ الأمانةِ، وباللّه التوفيقُ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ في قولِه ﷺ للسَّائلِ عن اللُّقَطَة: "اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، فإن جاء صاحبُها وعَرَفها": يعني بعلامتِها: دليلٌ بيِّنٌ على إبطالِ قولِ كلِّ من ادَّعَى علمَ الغيبِ في الأشياءِ كلِّها؛ من الكَهنةِ، وأهلِ التَّنجيم، وغيرِهم، لأنه لو علِم ﷺ أنَّه يُوصَلُ إلى علمِ ذلك من هذه الوجوه، لَمْ يكنْ لقولِه ﷺ في معرفةِ علامتِها وجهٌ. واللّهُ أعلمُ. فهذا ما في الحديثِ من أحكامِ اللُّقَطَةِ، ووجُوهِ القولِ فيها. وأمّا حُكمُ الضَّوَالِّ من الحيوان، فإنَّ الفقهاءَ اختَلَفوا في بعضِ وُجُوهِ ذلك، فقال مالكٌ (١) في ضالَّةِ الغنم: ما قَرُبَ من القُرَى فلا يَأكلُها، ويَضُمُّها إلى أقربِ القُرَى (٢) تُعرَّفُ فيها. قال: ولا يَأكُلُها واجِدُها ولا من تُرِكت عندَه حتى تَمُرَّ بها سنةٌ كاملةٌ، هذا فيما يوجَدُ بقُربِ القُرَي، وأمَّا ما كان في الفَلَواتِ والمَهامِهِ، فإنَّه يأخُذُها، ويأكُلُها، ولا يُعرِّفُها، فإن جاء صاحبُها فليس له شيءٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب".

стр. 1202

قال (١): والبقرُ بمنزلةِ الغنم إذا خِيفَ عليها السِّباعُ، فإن لَمْ يُخَفْ عليها السِّباعُ فبمنزلةِ الإبل: وقال في الإبل: إذا وجدَها في فلاةٍ، فلا يَعرِضُ لها، فإن أخَذها فعرَّفَها، فلم يَجئْ صاحبُها، خلَّاها في الموضع الذي وجَدَها فيه. قال: والخيلُ، والبِغالُ، والحميرُ، يُعرِّفُها، ثم يَتصدَّقُ بثَمَنِها (٢)؛ لأنَّها لا تُؤكَلُ. قال مالك (٣): لا تُباعُ ضَوَالُّ الإبل، ولكنْ يَرُدُّها إلى موضعِها الذي أُصيبَت فيه، وكذلك فعَل عمرُ بن الخطَّابِ ﵁ (٤). واتَّفق قولُ مالكٍ وأصحابه: أنَّ الإمامَ إذا كان غيرَ عَدْلٍ ولا مأمونٍ، لَمْ تؤخَد ضوالُّ الإبل، وتُرِكت مكانَها، فإن كان الإمامُ عَدلًا، كان له أخذُها وتعريفُها، فإن جاء صاحبُها، وإلا ردَّها إلى المكان. هذه روايةُ ابن القاسم، عن مالكٍ (٥). وقال أشهبُ: لا يَرُدُّها، ويبيعُها، ويُمسِكُ ثمنَها (٦)، على ما رُوِي عن عثمانَ (٧). وقال ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، فيمَن وجَد شاةً أو غَنَمًا بجانبِ قريةٍ: إنَّه لا يأكُلُها حتى تَمُرَّ بها سنةٌ أو أكثرُ، فإن كان لها صُوفٌ أو لبنٌ، وكان قُرْبَه مَن

стр. 1203

يَشترِي ذلك الصُّوفَ واللبنَ، فليَبِعْه، ولْيَدفَعْ ثمنَه لصاحبِ الشاةِ إن جاء. قال مالكٌ: ولا أرَى بأسًا أن يُصيبَ من نَسلِها ولبنِها بنحوِ قيامِه عليها. قال ابنُ وهبٍ: عن مالكٍ، فيمَن وجَد تَيسًا قُربَ قريةٍ، إنَّه لا بأسَ أن يترُكَه يَنْزُو على غنمِه ما لَمْ يُفسِدْه ذلك. وقال الأوزاعيُّ في الشاة: إن أكَلها واجِدُها ضَمِنها لصاحبِها (١). وقال الشافعيُّ: تُؤخَذُ الشاةُ، ويُعَرِّفُها آخِذُها، فإن لَمْ يجِئْ صاحبُها، أكَلها، ثم ضَمِنَها لصاحبِها إن جاء. قال: ولا يَعرِضُ للإبلِ والبقرِ، فإن أخَذ الإبلَ ثم أرسَلها ضَمِن. وذَكَر أنَّ عثمانَ خالَف عمرَ، فأمَر ببَيْعِها، وحبْسِ أثمانِها لأربَابِها. واحتجَّ بقولِه ﷺ : "رُدَّ على أخيكَ ضالَّتَه". وبقولِه في اللُّقَطَةِ: "ولتكنْ وديعةً عندَك". ومَن أرسَل الوديعةَ وعرَّضَها للضَّياع، ضَمِنها بإجماع (٢). وقال (٣) مالكٌ وأبو حنيفة: مَن وجَد بعيرًا في بادية أو غيرها فأخَذَه ثم أرسَلَه، لَمْ يضمَنْه، بخلاف اللُّقَطة. وشبَّهه بعضُ أصحابهما بالصَّيد يصيدُه المُحرمُ ثم يُرسلُه أنه لا شيءَ عليه. فأمّا الشافعيُّ فالضالّةُ عنده هاهنا كاللُّقَطة لاجتماعِهما في أنه مالٌ هالكٌ مُعيَّن قد لزِمَه حفظُه بعدَ أخْذِه، فوَجَب أن يصيرَ بإزالة يدِه عنه ضامنًا كالوديعة. قال أبو جعفرٍ الأزديُّ، هو الطَّحاويُّ (٤): جوابُ رسولِ الله ﷺ في ضَوالِّ الإبلِ بغيرِ ما أجاب في ضالَّةِ الغنم، إخبارٌ منه عن حالٍ دونَ حالٍ، وذلك على

стр. 1204

المواضع المأمونِ عليها فيها التَّلَفُ، فإذا تُخوِّفَ عليها التَّلَفُ فهي والغَنَمُ سَواءٌ. قال: ولم يُوافِقْ مالكًا أحدٌ من العلماءِ على قولِه في الشاة: إن أكَلها لَمْ يَضمَنْها إذا وجَدها في الموضع المَخُوف. قال: واحتِجاجُه بقولِه ﵇: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" لا معنَى له؛ لأنَّ قولَه: "هي لك" ليس هو على معنى التَّمليكِ، كما أنَّه إذا قال: "أو للذِّئب" لَمْ يُرِدْ به التمليكَ؛ لأنَّ الذِّئبَ يأكُلُها على مِلكِ صاحبِها، فكذلك الواجِدُ إن أكَلها، أكَلها على مِلكِ صاحبِها، فيَضمَنُها. واحتَجَّ بحديثِ سُليمانَ بنِ بلالٍ في اللُّقَطَةِ: "ولتكُنْ وديعةً عندَك" (١). قال: وذلك يُوجِبُ ضَمانَها إذا أكَلها. قال أبو عمر: في قوله ﷺ : "رُدَّ على أخيك ضالَّتَه" من حديثِ عبدِ الله بن عمرِو بن العاص (٢)، دليلٌ على أنَّ الشاةَ على ملكِ صاحبِها، وذلك يُوجِبُ الضَّمانَ على آكِلِها، وباللّه التوفيق. وقد (٣) قال مالكٌ وهو الذي لا يرى على أكِلِها في الموضع المَخُوفِ شيئًا: إنّ ربَّها لو أدركَها لحمًا في يد واجِدها، وفي يد الذي تُصدِّق بها عليه وأراد أخْذَ لحمِها كان ذلك له، ولو باعها واجدُها كان لربِّها ثمنُها الذي بِيعَتْ به. وهذا يدلُّ على أنَّها على مِلْك مالِكِها عندَه. فالوجْهُ تضمينُ آكِلِها إن شاء اللهُ لأنه لا فَرْقَ بين أكلِ الشاةِ في الوقت الذي أُبيحَ له أخْذُها وبين أكْل اللُّقَطةِ واستهلاكِها بعدَ الحوْل، لأنّهما قد أُبيحَ لكلِّ واحدٍ منهما أن يفعلَ بها ما شاءَ، ويتصرَّفَ فيها بما أحبَّ، ثم أجمَعُوا على ضمان اللُّقَطةِ لصاحبها إن جاء طالبُها، فكذلكَ الشاةُ. ومن حُجَّةِ مالكٍ قولُه: "هي لك، أو لأخيك"؛ لأنَّه يَحتمِلُ أن يُريدَ بذِكرِ الأخ صاحبَها، وَيحتَمِلُ أن يُريدَ: لك أو لغيرِك من الناسِ الواجِدين لها.

стр. 1205

وأيّ الوجهينِ كان، فالظاهرُ من قولِه: "أو للذِّئب". يُوجبُ تلفَها، أي: إنْ لَمْ تَأخُذْها أنت ولا مثلُك، أكَلها الذِّئبُ، وأنتَ ومثلُك أوْلَى من الذِّئب. فكأنَّ النبيَّ ﷺ جعَلها طُعمةً لِمَن وجَدها. فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجهَ للضَّمانِ في طُعمةٍ أطعَمها رسولُ الله ﷺ . وقد شَبَّهَها بعضُ المتأخِّرين مِن أصحابِه بالرِّكازِ. وهذا بعيد، لأنَّ الرِّكازَ لَمْ يصِحَّ عليه مِلكٌ لأحدٍ قبلُ. ويجوزُ أن يُحتَجَّ أيضًا لمالكٍ في تركِ تَضْمينِ آكِلِها بإجماعِهم على إباحةِ أكلِها، واختلافِهم في ضَمانِها، والاختلافُ لا يُوجِبُ فَرضًا لَمْ يكنْ واجِبًا. وهذا الاحتِجاجُ مُخالِفٌ لأصولِ مالكٍ ومذهبِه (١)، وقد قال ﷺ : "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب"، ولم يَقُلْ ذلك في الإبلِ ولا في اللُّقَطَةِ، وذلك فرقٌ بيِّنٌ إن شاء اللهُ. هذا مما يُمكِنُ أن يُحتَجَّ به لمالكٍ في ذلك، وفي المسألةِ نظرٌ، والصحيحُ ما قَدَّمْتُ لك (٢)، وباللّه التوفيقُ. وقد قال سُحنونٌ في "المستَخْرجةِ" (٣): إن أكَل الشاةَ واجِدُها في الفَلاةِ، أو تصدَّقَ بها، ثم جاء صاحبُها، ضَمِنَها. وهو القياسُ (٤) من قولِ مالكٍ، أنَّ مَن أكَل طعامًا قد اضطُرَّ إليه لغيرِه، لَزِمَه قِيمَتُه، والشاةُ أوْلَى بذلك، واللّهُ أعلمُ. وروَى أشهبُ، عن مالكٍ (٥)، في الضَّوالِّ من المواشي يَتصَدَّقُ بها المُلْتَقِطُ بعدَ التعريف، ثم يَأتي ربُّها: إنَّه ليس له شيءٌ. قال: وليستِ المواشي مثلَ الدَّنانير.

стр. 1206

واختلَف الفقهاءُ أيضًا في النَّفقةِ على الضَّوالِّ واللَّقيط؛ فقال مالكٌ فيما ذكَر ابنُ القاسم عنه (١): إن أنفَق المُلْتَقِطُ على الدَّوابِّ، والإبل، وغيرِها، فله أن يَرجِعَ على صواحبِها بالنَّفقَةِ، وسواءٌ أنفَق عليها بأمرِ السلطانِ أو بغيرِ أمرِه. قال (٢): وله أن يَحبِسَ بالنفقةِ ما أنفَق عليه، ويكونُ أحقَّ به، كالرهن. قال: ويَرجِعُ على (٣) صاحبِ اللُّقَطَةِ بكِراءِ حَملِها. وقال مالكٌ في اللَّقِيطِ إذا أنفَق عليه المُلتَقِطُ، ثم أقام رجلٌ البَيِّنَةَ أنَّه ابنُه: فإنَّ المُلْتَقِطَ يَرجِعُ على الأبِ إن كان طَرَحَه مُتعمِّدًا، وكان موسِرًا، وإن لَمْ يكنْ طَرَحَه ولكن ضَلَّ منه، فلا شيءَ على الأب، والمُلْتَقِطُ مُتطوِّعٌ بالنَّفَقَة (٤). وقال الشافعيُّ فيما روَاه عنه الربيعُ في "البُويطِيِّ": إذا أنفَقَ على الضَّوَالِّ مَن أخَذها، فهو مُتطوِّعٌ، فإن أراد أن يَرجعَ على صاحبِها، فليَذْهَبْ إلى الحاكم حتى يَفرِضَ له النَّفقَةَ، ويُوكِّلَ غيرَه بأن يَقبِضَ تلك النَّفقَةَ منه، ويُنْفِقَ عليها، ولا يكونُ للسلطان أن يأذنَ له أن يُنفِقَ عليها إلَّا اليومَ واليومَين، فإن جاوز ذلك، أُمِر ببيعها (٥). وقال المزنيُّ عنه (٦): إذا أمَره الحاكمُ بالنفقةِ كانت دَيْنًا، وما ادَّعَى قُبِل منه إذا كان مثلُه قَصْدًا. قال المُزَنيُّ: لا يُقبَلُ قولُه، وليس كالأمين.

стр. 1207

وقال ابنُ شُبرمةَ (١): إذا أنفَق على العبد، رجَع على صاحبِه على كُلِّ حالٍ، إلَّا أن يكونَ قد انتفَعَ به وخدَمه، فتكونَ النَّفقَةُ بمنفَعتِه. وقال في المُلتقَط: إن أنفَقَ عليه المُلْتَقِطُ احتسابًا لَمْ يَرجِعْ، وإن كان على غيرِ ذلك احتُسِب بمَنفَعتِه، وأُعطيَ نفقتَه بعدَ ذلك. وقال الحسنُ بنُ حَيٍّ: لا يَرجِعُ على صاحبِه من نفقتِه بشيءٍ في الحكم، ويُعجِبُني في الورعِ والأخلاقِ أن يَرُدَّ عليه نَفَقتَه. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه (٢): إذا أنفَق على اللُّقَطَةِ والآبِقِ بغيرِ أمرِ القاضي، فهو مُتطوِّعٌ، وإن أنفَق بأمرِ القاضي، فهو دَينٌ على صاحبِها إذا جاء، وله أن يحبِسَها بالنفقةِ إذا حضَر صاحِبُها، والنَّفَقَةُ عليها ثلاثةَ أيام ونحوَها حتى يَأمُرَ القاضي ببيع الشاةِ وما أشبَهَها، ويقضيَ النفقةَ، وأمَّا الغلامُ والدَّابَّةُ، فيُكْرِي ويُنفِقُ عليها من الأُجرَة. قالوا: وما أنفَق على اللَّقيطِ فهو مُتطوِّعٌ، إلَّا أن يَأمُرَه الحاكمُ. وقال ابنُ المبارك، عن الثوريِّ: إنْ أنفَق بأمرِ الحاكمِ في الضَّالَّةِ واللَّقيطِ كان دَينًا. وقال اللَّيثُ في اللَّقيطِ: إنَّه يَرجِعُ المُلتَقِطُ بالنَّفقةِ على أبيه إذا ادَّعاه. ولم يُفرِّقْ. وهو معنَى قولِ الأوزاعيِّ؛ لأنَّه قال: كلُّ مَن أنفَق على مَن لا تجبُ له عليه نفقةٌ، رجَع بما أنفَق، والحمدُ للّه، وبه توفيقُنا.
следующие страницы →