← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1203–1242 · переход к 1208.

стр. 1203

يَشترِي ذلك الصُّوفَ واللبنَ، فليَبِعْه، ولْيَدفَعْ ثمنَه لصاحبِ الشاةِ إن جاء. قال مالكٌ: ولا أرَى بأسًا أن يُصيبَ من نَسلِها ولبنِها بنحوِ قيامِه عليها. قال ابنُ وهبٍ: عن مالكٍ، فيمَن وجَد تَيسًا قُربَ قريةٍ، إنَّه لا بأسَ أن يترُكَه يَنْزُو على غنمِه ما لَمْ يُفسِدْه ذلك. وقال الأوزاعيُّ في الشاة: إن أكَلها واجِدُها ضَمِنها لصاحبِها (١). وقال الشافعيُّ: تُؤخَذُ الشاةُ، ويُعَرِّفُها آخِذُها، فإن لَمْ يجِئْ صاحبُها، أكَلها، ثم ضَمِنَها لصاحبِها إن جاء. قال: ولا يَعرِضُ للإبلِ والبقرِ، فإن أخَذ الإبلَ ثم أرسَلها ضَمِن. وذَكَر أنَّ عثمانَ خالَف عمرَ، فأمَر ببَيْعِها، وحبْسِ أثمانِها لأربَابِها. واحتجَّ بقولِه ﷺ : "رُدَّ على أخيكَ ضالَّتَه". وبقولِه في اللُّقَطَةِ: "ولتكنْ وديعةً عندَك". ومَن أرسَل الوديعةَ وعرَّضَها للضَّياع، ضَمِنها بإجماع (٢). وقال (٣) مالكٌ وأبو حنيفة: مَن وجَد بعيرًا في بادية أو غيرها فأخَذَه ثم أرسَلَه، لَمْ يضمَنْه، بخلاف اللُّقَطة. وشبَّهه بعضُ أصحابهما بالصَّيد يصيدُه المُحرمُ ثم يُرسلُه أنه لا شيءَ عليه. فأمّا الشافعيُّ فالضالّةُ عنده هاهنا كاللُّقَطة لاجتماعِهما في أنه مالٌ هالكٌ مُعيَّن قد لزِمَه حفظُه بعدَ أخْذِه، فوَجَب أن يصيرَ بإزالة يدِه عنه ضامنًا كالوديعة. قال أبو جعفرٍ الأزديُّ، هو الطَّحاويُّ (٤): جوابُ رسولِ الله ﷺ في ضَوالِّ الإبلِ بغيرِ ما أجاب في ضالَّةِ الغنم، إخبارٌ منه عن حالٍ دونَ حالٍ، وذلك على

стр. 1204

المواضع المأمونِ عليها فيها التَّلَفُ، فإذا تُخوِّفَ عليها التَّلَفُ فهي والغَنَمُ سَواءٌ. قال: ولم يُوافِقْ مالكًا أحدٌ من العلماءِ على قولِه في الشاة: إن أكَلها لَمْ يَضمَنْها إذا وجَدها في الموضع المَخُوف. قال: واحتِجاجُه بقولِه ﵇: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" لا معنَى له؛ لأنَّ قولَه: "هي لك" ليس هو على معنى التَّمليكِ، كما أنَّه إذا قال: "أو للذِّئب" لَمْ يُرِدْ به التمليكَ؛ لأنَّ الذِّئبَ يأكُلُها على مِلكِ صاحبِها، فكذلك الواجِدُ إن أكَلها، أكَلها على مِلكِ صاحبِها، فيَضمَنُها. واحتَجَّ بحديثِ سُليمانَ بنِ بلالٍ في اللُّقَطَةِ: "ولتكُنْ وديعةً عندَك" (١). قال: وذلك يُوجِبُ ضَمانَها إذا أكَلها. قال أبو عمر: في قوله ﷺ : "رُدَّ على أخيك ضالَّتَه" من حديثِ عبدِ الله بن عمرِو بن العاص (٢)، دليلٌ على أنَّ الشاةَ على ملكِ صاحبِها، وذلك يُوجِبُ الضَّمانَ على آكِلِها، وباللّه التوفيق. وقد (٣) قال مالكٌ وهو الذي لا يرى على أكِلِها في الموضع المَخُوفِ شيئًا: إنّ ربَّها لو أدركَها لحمًا في يد واجِدها، وفي يد الذي تُصدِّق بها عليه وأراد أخْذَ لحمِها كان ذلك له، ولو باعها واجدُها كان لربِّها ثمنُها الذي بِيعَتْ به. وهذا يدلُّ على أنَّها على مِلْك مالِكِها عندَه. فالوجْهُ تضمينُ آكِلِها إن شاء اللهُ لأنه لا فَرْقَ بين أكلِ الشاةِ في الوقت الذي أُبيحَ له أخْذُها وبين أكْل اللُّقَطةِ واستهلاكِها بعدَ الحوْل، لأنّهما قد أُبيحَ لكلِّ واحدٍ منهما أن يفعلَ بها ما شاءَ، ويتصرَّفَ فيها بما أحبَّ، ثم أجمَعُوا على ضمان اللُّقَطةِ لصاحبها إن جاء طالبُها، فكذلكَ الشاةُ. ومن حُجَّةِ مالكٍ قولُه: "هي لك، أو لأخيك"؛ لأنَّه يَحتمِلُ أن يُريدَ بذِكرِ الأخ صاحبَها، وَيحتَمِلُ أن يُريدَ: لك أو لغيرِك من الناسِ الواجِدين لها.

стр. 1205

وأيّ الوجهينِ كان، فالظاهرُ من قولِه: "أو للذِّئب". يُوجبُ تلفَها، أي: إنْ لَمْ تَأخُذْها أنت ولا مثلُك، أكَلها الذِّئبُ، وأنتَ ومثلُك أوْلَى من الذِّئب. فكأنَّ النبيَّ ﷺ جعَلها طُعمةً لِمَن وجَدها. فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجهَ للضَّمانِ في طُعمةٍ أطعَمها رسولُ الله ﷺ . وقد شَبَّهَها بعضُ المتأخِّرين مِن أصحابِه بالرِّكازِ. وهذا بعيد، لأنَّ الرِّكازَ لَمْ يصِحَّ عليه مِلكٌ لأحدٍ قبلُ. ويجوزُ أن يُحتَجَّ أيضًا لمالكٍ في تركِ تَضْمينِ آكِلِها بإجماعِهم على إباحةِ أكلِها، واختلافِهم في ضَمانِها، والاختلافُ لا يُوجِبُ فَرضًا لَمْ يكنْ واجِبًا. وهذا الاحتِجاجُ مُخالِفٌ لأصولِ مالكٍ ومذهبِه (١)، وقد قال ﷺ : "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب"، ولم يَقُلْ ذلك في الإبلِ ولا في اللُّقَطَةِ، وذلك فرقٌ بيِّنٌ إن شاء اللهُ. هذا مما يُمكِنُ أن يُحتَجَّ به لمالكٍ في ذلك، وفي المسألةِ نظرٌ، والصحيحُ ما قَدَّمْتُ لك (٢)، وباللّه التوفيقُ. وقد قال سُحنونٌ في "المستَخْرجةِ" (٣): إن أكَل الشاةَ واجِدُها في الفَلاةِ، أو تصدَّقَ بها، ثم جاء صاحبُها، ضَمِنَها. وهو القياسُ (٤) من قولِ مالكٍ، أنَّ مَن أكَل طعامًا قد اضطُرَّ إليه لغيرِه، لَزِمَه قِيمَتُه، والشاةُ أوْلَى بذلك، واللّهُ أعلمُ. وروَى أشهبُ، عن مالكٍ (٥)، في الضَّوالِّ من المواشي يَتصَدَّقُ بها المُلْتَقِطُ بعدَ التعريف، ثم يَأتي ربُّها: إنَّه ليس له شيءٌ. قال: وليستِ المواشي مثلَ الدَّنانير.

стр. 1206

واختلَف الفقهاءُ أيضًا في النَّفقةِ على الضَّوالِّ واللَّقيط؛ فقال مالكٌ فيما ذكَر ابنُ القاسم عنه (١): إن أنفَق المُلْتَقِطُ على الدَّوابِّ، والإبل، وغيرِها، فله أن يَرجِعَ على صواحبِها بالنَّفقَةِ، وسواءٌ أنفَق عليها بأمرِ السلطانِ أو بغيرِ أمرِه. قال (٢): وله أن يَحبِسَ بالنفقةِ ما أنفَق عليه، ويكونُ أحقَّ به، كالرهن. قال: ويَرجِعُ على (٣) صاحبِ اللُّقَطَةِ بكِراءِ حَملِها. وقال مالكٌ في اللَّقِيطِ إذا أنفَق عليه المُلتَقِطُ، ثم أقام رجلٌ البَيِّنَةَ أنَّه ابنُه: فإنَّ المُلْتَقِطَ يَرجِعُ على الأبِ إن كان طَرَحَه مُتعمِّدًا، وكان موسِرًا، وإن لَمْ يكنْ طَرَحَه ولكن ضَلَّ منه، فلا شيءَ على الأب، والمُلْتَقِطُ مُتطوِّعٌ بالنَّفَقَة (٤). وقال الشافعيُّ فيما روَاه عنه الربيعُ في "البُويطِيِّ": إذا أنفَقَ على الضَّوَالِّ مَن أخَذها، فهو مُتطوِّعٌ، فإن أراد أن يَرجعَ على صاحبِها، فليَذْهَبْ إلى الحاكم حتى يَفرِضَ له النَّفقَةَ، ويُوكِّلَ غيرَه بأن يَقبِضَ تلك النَّفقَةَ منه، ويُنْفِقَ عليها، ولا يكونُ للسلطان أن يأذنَ له أن يُنفِقَ عليها إلَّا اليومَ واليومَين، فإن جاوز ذلك، أُمِر ببيعها (٥). وقال المزنيُّ عنه (٦): إذا أمَره الحاكمُ بالنفقةِ كانت دَيْنًا، وما ادَّعَى قُبِل منه إذا كان مثلُه قَصْدًا. قال المُزَنيُّ: لا يُقبَلُ قولُه، وليس كالأمين.

стр. 1207

وقال ابنُ شُبرمةَ (١): إذا أنفَق على العبد، رجَع على صاحبِه على كُلِّ حالٍ، إلَّا أن يكونَ قد انتفَعَ به وخدَمه، فتكونَ النَّفقَةُ بمنفَعتِه. وقال في المُلتقَط: إن أنفَقَ عليه المُلْتَقِطُ احتسابًا لَمْ يَرجِعْ، وإن كان على غيرِ ذلك احتُسِب بمَنفَعتِه، وأُعطيَ نفقتَه بعدَ ذلك. وقال الحسنُ بنُ حَيٍّ: لا يَرجِعُ على صاحبِه من نفقتِه بشيءٍ في الحكم، ويُعجِبُني في الورعِ والأخلاقِ أن يَرُدَّ عليه نَفَقتَه. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه (٢): إذا أنفَق على اللُّقَطَةِ والآبِقِ بغيرِ أمرِ القاضي، فهو مُتطوِّعٌ، وإن أنفَق بأمرِ القاضي، فهو دَينٌ على صاحبِها إذا جاء، وله أن يحبِسَها بالنفقةِ إذا حضَر صاحِبُها، والنَّفَقَةُ عليها ثلاثةَ أيام ونحوَها حتى يَأمُرَ القاضي ببيع الشاةِ وما أشبَهَها، ويقضيَ النفقةَ، وأمَّا الغلامُ والدَّابَّةُ، فيُكْرِي ويُنفِقُ عليها من الأُجرَة. قالوا: وما أنفَق على اللَّقيطِ فهو مُتطوِّعٌ، إلَّا أن يَأمُرَه الحاكمُ. وقال ابنُ المبارك، عن الثوريِّ: إنْ أنفَق بأمرِ الحاكمِ في الضَّالَّةِ واللَّقيطِ كان دَينًا. وقال اللَّيثُ في اللَّقيطِ: إنَّه يَرجِعُ المُلتَقِطُ بالنَّفقةِ على أبيه إذا ادَّعاه. ولم يُفرِّقْ. وهو معنَى قولِ الأوزاعيِّ؛ لأنَّه قال: كلُّ مَن أنفَق على مَن لا تجبُ له عليه نفقةٌ، رجَع بما أنفَق، والحمدُ للّه، وبه توفيقُنا.

стр. 1208

حديثٌ خامسٌ لربيعةَ بنِ عبد الرَّحمنِ مُسنَدٌ صحيح مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمن، عن محمَّدِ بنِ يحيى بن حَبَّانَ، عن ابنِ مُحَيْريزٍ، أنَّه قال: دخلْتُ المسجدَ، فرأيْتُ أبا سعيدٍ الخُدْريَّ، فجلَسْتُ إليه، فسألْتُه عن العَزْل، فقال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ: خَرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ في غزوةِ بني المُصْطَلِقِ، فأصَبْنا سَبْيًا مِن سَبْيِ العرب، فاشْتَهيْنا النساءَ، واشتدَّتْ علينا العُزْبةُ، وأحْبَبْنا الفِداءَ، فأردْنا أن نَعْزِلَ، فقلْنا: نَعْزِلُ ورسولُ الله ﷺ بينَ أظْهُرِنا قبلَ أن نسألَه؟! فسألناه عن ذلك، فقال: "ما عليكم ألَّا تَفعَلوا، ما من نسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامةِ إلَّا وهي كائنةٌ". هكذا (٢) جاءَ هذا الحديثُ في "الموطَّأ" (٣). قال أبو عمر: وروايةُ ربيعةَ لهذا الحديثِ عن محمدِ بنِ يحيى بن حَبَّانَ تدخُلُ في بابِ روايةِ النظر عن النظيرِ، والكبيرِ عن الصغير، وفي هذا ما يَدُلُّكَ على ما كان القومُ عليه من البحثِ عن العلم، واستدامةِ طلبِه العُمُرَ كلَّه، عندَ كلِّ مَن طُمِعَ به عندَه. وقد روَى هذا الحديثَ جُويريةُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ مُحيريزٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ. وما أظُنُّ أحدًا روَاه عن مالكٍ بهذا الإسنادِ غيرَ جُويريةَ. ذكَره النسائيُّ (٤)، عن العباسِ العَنْبَريِّ، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ أسماءَ، عن جُويريةَ، عن مالكٍ.

стр. 1209

وكذلك روَاه شُعيبُ (١) بنُ أبي حَمْزةَ، عن الزهريِّ، عن ابن مُحيريز، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ (٢). وخالَفَهما إبراهيمُ بنُ سعدٍ (٣) فرواه عن الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن أبي سعيد الخُدريّ. وحديثُ مالكٍ، وشعيبٍ، وعُقيلٍ، هو الصَّوابُ عندَهم. واللّه أعلمُ. وأمَّا (٤) حديثُ جُوَيْرِيَةَ، فحَدَّثَنَاه خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو الطاهرِ محمدُ بنُ أحمدَ بن عبد الله، قال: حَدَّثَنَا يُوسفُ بنُ يعقوبَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بن أسماءَ، قال: حَدَّثَنَا جُويريةُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ،

стр. 1210

عن ابنِ مُحَيْريزٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أخبَره، أنَّه قال: أصَبْنا سبايَا، فكنَّا نَعْزِلُ، فسألْنا رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فقال لنا: "وإنَّكم لتَفْعَلون؟ ما من نسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامةِ إلَّا وهي كائنة" (١). وأمَّا (٢) حديث عُقيل، فأخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ الأعناقيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عُزيزٍ (٣)، قال: حَدَّثَنَا سلامةُ، عن عُقيلٍ، قال: سألتُ ابنَ شهابٍ عن الرجلِ يعزِلُ عن امرأتِه، فقال: أخبَرني عبدُ الله بن محَيْريزٍ القرشيُّ، أنَّ أبا سعيدٍ الخدريَّ أخبَره قال: بينَما نحن عندَ رسولِ الله ﷺ إذ قال له رجل: يا رسولَ الله، إنَّا نُصيبُ سبايَا، ونُحبُّ الأثمانَ، فكيف ترَى في العَزْل؟ فقال له رسولُ الله ﷺ : "وإنَّكم لتَفْعَلونَ ذلك؟ لا عليكم ألّا تَفْعَلوا، فإنَّها ليست نَسَمَةٌ كتَب اللهُ لها أن تَخرُجَ إلَّا وهي خارجةٌ" (٤). فلا نرَى أنَّ هذا كان نَهيًا من رسولِ الله ﷺ وعَزِيمةً. وأَمَّا ابنُ مُحيريزٍ هذا: فاسمُه عبدُ الله، نزَل المدينةَ، وهو مَعدودٌ في الشاميِّين، من جِلَّةِ التابعين وخيارِهم (٥)، روَى عنه مكحولٌ.

стр. 1211

وفي هذا الحديثِ من الفِقْهِ أن العربَ تُسْبَى وتُسْتَرَقُّ، وهو أصحُّ حديث يُروَى في هذا المعني، وفيه ردٌّ على مَن قال: إنَّ العربَ لا تُسْتَرَقُّ. وفيه إباحةُ الوَطْءِ بمِلْكِ اليمين، وأنَّ ما وقَع في سَهْم الإنسانِ من الغَنيمةِ مِلكُ يَمينِه، وذلك، والحمدُ للّه، من أطيبِ الكَسْبِ، وهو ممَّا أحلَّه اللهُ لهذه الأمَّةِ، وحرَّمَه على مَن قبلَها. وجوازُ الوطءِ بمِلْكِ اليمينِ مُقيَّدٌ بمعانٍ في الشريعة: منها: أنَّه لا يَدخُلُ في ذلك ذواتُ المحارم من النسبِ والرَّضاع. ومنها: ألّا توطأَ من ليست كتابيةً حتى تُسْلِمَ. ومنها: ألّا تُوطَأَ حامل حتى تَضَعَ، ولا حائِل (١) حتى تَحِيضَ حيضةً. وأمَّا وَطْءُ نساءِ بني المُصْطَلِقِ، فلا يَخلُو أمرُهُنَّ من أن يَكُنَّ من نساءِ العربِ الذين دانوا بالنصرانيَّةِ أو اليهوديَّةِ، فيَحِلُّ وَطْؤُهُنَّ، أو يَكُنَّ من الوَثنيَّاتِ، فتكونَ إباحةُ وَطْئِهِنَّ منسوخةً بقولِ الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾؛ يعني: الوَثَنِيَّاتِ ومَن ليس من أهلِ الكتابِ ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وعلى هذا جماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ وجمهورُ العلماءِ، وما خالفَه فشذوذٌ لا يُعرَّجُ عليه، ولا يُعَدُّ خِلافًا. وفيه أنَّ الرجلَ يجوزُ له أن يُخْبِرَ عن نفسِه بما فيه ممَّا لا نَقِيصةَ عليه في دينِه منه، من شهوةِ النِّساءِ للعَفافِ، وحبِّ المالِ للتَّستُّرِ والكَفافِ، والاستغناءِ عن الناسِ، ألا ترَى إلى قولِه: اشتدَّتْ علينا العُزْبةُ، وأحْبَبْنا الفِداءَ؟ وأمَّا قولُه: "فما عليكم"، فـ "ما" بمعنَى"ليس"، و"لا" زائِدَ، كقولِه تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]. بمعنى: أن تَسْجُدَ. فيكونُ

стр. 1212

تَقديرُ الكلام: قولُه ﵇: ما عليكم أنْ تَفْعلوا؛ أي لا حَرَجَ عليكم في العَزْل (١). وقولُه: "ما مِن نسَمةٍ كائنةٍ إلى يومِ القيامة" أراد: ما مِن نسَمةٍ قدَّر اللهُ أن تكونَ إلَّا ولا بُدَّ من كونها، فلا يُوجِبُ العَزْلُ منعَ الولدِ، كما لا يُوجبُ الاسْتِرسالُ أن يَأتيَ الولدُ، بل ذلك بيدِهِ تعالى لا إلهَ إلَّا هو. وفيه أنَّ أُمَّ الولدِ لا يجوزُ بيعُها؛ لقولِه: وأحببْنا الفداءَ، فأرَدْنا أنْ نعزِلَ. والفداءُ هاهنا الثمنُ في البيع، أو أخْذُ الفداءِ من أقاربِهِنَّ من المشركين فيهِنَّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ قد ملَك ما وقَع في سَهْمِه من السَّبْيِ، فأرادوا الوَطْءَ، وخافوا الحملَ المانعَ من الفِداءِ والبيع، فهمُّوا بالعزلِ رجاءَ السلامةِ من الحَمْلِ في الأغلب، ولم يُقْدِموا على العزلِ حتى سألوا رسولَ الله ﷺ ؛ لأنَّ اليهودَ كانت تقولُ بينَ أظهُرِهم: إنَّ العزلَ هو الموؤودةُ الصُّغرَى. وكانوا أهلَ كتابٍ، فلم يُقْدِموا على العزلِ لما كان في نُفوسِهم من قولِ اليهود، حتى وقَفوا على ما في ذلك عندَ نبيِّهم ﷺ وفي شريعتهم، فسألوا رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فأباح لهم العزلَ، ولو كانت أُمُّ الولدِ يجوزُ بَيعُها، ولم يَمْنَعْ من ذلك حَمْلُها، لبَلَغوا من الوَطْءِ ما أحَبُّوا، مع حاجتِهم إلى ذلك، ولكنَّهم لما أرادوا الفِداءَ أحبُّوا العَزْلَ، ليَسْلمَ ذلك لهم، ثم لَمْ يُقْدِمُوا على ذلك حتى سألوا رسولَ الله ﷺ ، فأخبرَهم أنَّ اللهَ قد فرَغ من العبادِ، وقد علِم كلَّ نسَمةٍ كائنةٍ وقدَّرها، وجفَّ القلمُ بها، وما قَدَّرَ لَمْ يُصرَفْ.

стр. 1213

وهذا الحديثُ من أصحِّ شيءٍ في المنع من بيع أُمَّهاتِ الأولادِ، وقد أجمَع المسلمون على منعِ بيعِ أُمِّ الولدِ ما دامَتْ حاملًا من سيِّدِها، ثم اختَلَفوا في بيعِها بعدَ وِضْع حَمْلِها. وأصلُ المخالِفِ أنَّه لا يَنتَقِضُ إجماعٌ إلَّا بمثلِه، وهذا قطعٌ لقولِه هاهنا. إلَّا (١) أنَّه يُعتَرضُ بزوال العلَّة المانعةِ من بيعها؛ لأنه إذا زال الحمْلُ المانعُ من ذلك وَجَب أن يزولَ بزواله المنعُ من البيع، ولهم في ذلك ضُروبٌ من التّشْغيبِ، وأمّا طريقُ الاتِّباع للجمهور الذي يُشبه الإجماعَ فهو المنعُ من بيعِهِنّ. وعلى المنع من بيعِهِنَّ جماعةُ فُقهاءِ الأمصار، منهم مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهم، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، وجمهورُ أهلِ الحديث. وقد قال الشافعيُّ في بعضِ كُتُبِه بإجازةِ بيعِهِنَّ، ولكنَّه قطَع في مواضعَ كثيرةٍ من كُتُبِه بأنَّهُنَّ لا يجوزُ بيعُهُنَّ، وعلى ذلك عامَّةُ أصحابِه (٢). والقولُ ببيعِ أُمَّهاتِ الأولادِ شُذوذٌ تعلَّقَتْ به طائفةٌ؛ منهم داودُ، اتِّباعًا لعليٍّ ﵁، ولا حُجَّةَ لها في ذلك، ولا سلَفَ لها؛ لأنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ مُختلفٌ عنه في ذلك،

стр. 1214

وأصحُّ شيءٍ عنه في ذلك ما ذكَره الحُلوانيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، قال: حَدَّثَنَا عطاءُ بنُ السَّائبِ، قال: سمِعتُ عَبِيدةَ يقولُ: كان عليٌّ يَبيعُ أُمَّهاتِ الأولادِ في الدَّيْن. وقد صحَّ عن عمرَ في جماعةٍ من الصحابةِ المنعُ من بيعِهِنَّ (١). ومن حُجَّةِ مَن أجاز بيعَهُنَّ ما رُوِي عن جابر: كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهاتِ الأولادِ على عهدِ رسولِ الله ﷺ (٢). وقد رُوِي عن أبي سعيدٍ الخدريِّ مثلُ ذلك أيضًا (٣).

стр. 1215

ويُعارِضُه ما رُوِي أنَّ رسولَ الله ﷺ قال في ماريةَ إذ وَلَدَتْ إبراهيمَ: "أعْتَقَها ولدُها" (١). والحججُ مُتساوِيةٌ في بيعِهِنَّ للقولين جميعًا من جهةِ النَّظَرِ، وأمَّا العملُ والاتِّباعُ، فعلَى مذهبِ عمرَ ﵁. وفي هذا الحديثِ بُرهانٌ واضحٌ على إثباتِ قِدَم العلمِ، وأنَّ الخلقَ يَجْرُون في علم الله وقدَرِه، فلا يَخرُجُ شيءٌ من خَلْقِه عن ذلك، جلّ اللهُ تعالى عمَّا يقولُ الظالمون عُلُوًّا كبيرًا. وروَى حمادُ بنُ زيدٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢]. قال: كُتِب عليهم قبلَ أن يَعمَلوه.

стр. 1216

وروَى شُعبةُ، عن أبي هاشم (١)، عن مجاهدٍ في قولِه تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨]. قال: كان في عِلْمِه أنَّهم يأخُذُونَ الغنائمَ (٢). وروَى سالمٌ الأفطَسُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧]. قال: ما كُتِب لهم من الشقاءِ والسعادةِ (٣). وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]. قال: ما قُدِّرَ لهم من خيرٍ وشرٍّ (٤). وجملةُ القول في القَدَرِ أنَّه سِرُّ الله، لا يُدرَكُ بجدالٍ ولا نظَرٍ، ولا تَشْفِي منه خُصومةٌ ولا احتجاجٌ، وحَسْبُ المؤمنِ من القَدَرِ أنْ يَعلَمَ أنَّ اللهَ لا يقومُ شيءٌ دُونَ إرادتِه، ولا يكونُ شيءٌ إلَّا بمشيئتِه، له الخلقُ والأمرُ كلُّه، لا شريكَ له، يُظاهرُ ذلك قولُه: "و ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وقولُه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وحسبُ المؤمنِ من القدَرِ أنْ يَعلمَ أنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مثقالَ ذرَّةٍ، ولا يُكلِّفُ نفسًا إلَّا وُسعَها، وهو الرحمنُ الرحيمُ، فمَن ردَّ على الله تعالى خبرَه في الوجهين أو في أحدِهما، كان عنادًا وكفرًا، وقد ظاهرَتِ

стр. 1217

الآثارُ في التسليم للقدَرِ، والنَّهْي عن الجدالِ فيه، والاستسلام له، والإقرارِ بخيرِه وشرِّه، والعلم بعدلِ مُقدِّرِه وحِكمَتِه، وفي نقضِ عزائمِ الإنسانِ بُرهانٌ فيما قُلْنا وتبيانٌ، واللّهُ المستعانُ. حَدَّثَنَا محمدُ بنُ زكريا، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا مروانُ بنُ عبدِ الملك، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: حَدَّثَنَا حبيبُ بنُ الشَّهيدِ عن محمدِ بن سيرينَ قال: ما يُنكِرُ هؤلاء أن يكونَ اللهُ عَلِمَ علمًا فجعَلَه كتابًا (١). أخبَرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرّحمن، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا اللَّيثُ بنُ سعد. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا مُعاويةُ بنُ صالح، أنَّ عليَّ بنَ أبي طلحةَ حدَّثه، أنَّ أبا الوَدَّاكِ أخبرَه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئل عن العزلِ فقال: "ما من كلِّ الماءِ يكونُ الولدُ، وإذا أراد اللهُ خلقَ شيءٍ لَمْ يَمنَعْه شيءٌ" (٢).

стр. 1218

وروَى يحيى القطَّانُ، عن مجالدٍ، عن أبي الودَّاكِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (١). حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قالْ حَدَّثَنَا سُليمانُ بنُ أبي شيخ، قال: حَدَّثَنَا عُيينةُ بن المنهالِ، قال: قال بلالُ بنُ أبي بُردةَ لمحمدِ بنِ واسع: ما تقولُ في القضاءِ والقدر؟ فقال: أيُّها الأميرُ، إنَّ الله ﵎ لا يَسألُ عبادَه يومَ القيامةِ عن قضائِه وقدرِه، وإنّما يَسألهُم عن أعمالهم (٢). وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ السِّباءَ يَقطَعُ العِصْمَةَ بينَ الزوجَين، إلا ترَى أنَّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ انطَلَقوا على وَطْءِ السَّبايَا يَومئذٍ، كلُّ واحدٍ منهم انطلَقَتْ يَدُه في ذلك على مَن وقَع في سهمِه منهُنَّ، وأرادوا العزْلَ عنهُنَّ، وذلك محمولٌ عندَ أهلِ العلم على أنَّ ذلك إنّما كان منهم بعد الاسْتِبراء؛ لأنَّه مذكورٌ في غيرِ ما خبرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال يَومئذٍ: "لا تُوطَأُ حامل حتى تَضَعَ،

стр. 1219

ولا حائلٌ حتى تَحِيضَ حيضةً". رَواه شَريكٌ، عن قيسِ بن وهبٍ (١)، عن أبي الودَّاكِ، عن أبي سعيدٍ (٢). وروِي من حديثِ جابرٍ (٣)، وأنس (٤)، وروَيْفع بن ثابتٍ (٥)، عن النبيِّ ﷺ نحوُه.

стр. 1220

حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا مِقدامُ بنُ عيسى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ بكرِ بنِ مُضرَ، قال: حدَّثني أبي، عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن أبي مَرزوقٍ، عن حَنَشٍ الصَّنعانيِّ، عن رُويفعِ بنِ ثابتٍ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا يَحِلُّ لأحدٍ يُؤمِنُ باللّه واليومِ الآخرِ أنْ يَسْقِيَ ماءَه ولدَ غيرِه" (١). ورَواه محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبِ، عن أبي مرزوقٍ مولَى تُجيبَ، عن حَنَشٍ، سمِع رُويفعَ بنَ ثابتٍ، عن النبيِّ ﷺ " (٢). والأحاديثُ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا تُوطأُ حامل حتى تضَعَ، ولا حائلٌ حتى تحيضَ حَيضةً" أحاديثُ حسانٌ، وعليها جماعةُ أهلِ العلمِ في الوَطْءِ الطَّارئ بمِلكِ اليمين. وليس عندَ مالكٍ في هذا حديثٌ مُسندٌ، وعندَه (٣) فيه عن يحيى بنِ سعيدٍ،

стр. 1221

عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، أنَّه كان يقول: يُنهَى أن تُنكَحَ المرأةُ على عمَّتِها، أو على خالتِها، وأن يَطأَ الرجلُ وليدةً وفي بطنِها جنينٌ لغيرِه. واختلَف الفقهاءُ في الزوجَين إذا سُبيَا معًا؛ فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا سُبِي الحربِيَّانِ وهما زوجان معًا، فهما على النِّكَاح، وإن سُبِيَ أحدُهما قبلَ الآخر، وأُخْرِج إلى دارِ الإسلام، فقد وَقَعَتِ الفُرقة (١). وهو قولُ الثوريِّ. وقال الأوزاعيُّ: إذا سُبيا معًا، فما كانا في المقاسمِ فهما على النِّكَاح، فإن اشتَراهما رجلٌ، فإن شاء جمَع بينَهما وإن شاء فرَّق بينَهما فاتَّخذَها لنفسِه، أو زوَّجها لغيرِه بعدَ أنْ يَسْتَبْرِئَها بحيضةٍ. وهو قولُ الليثِ بنِ سعدٍ. وقال الحسنُ بنُ حيٍّ: إذا سُبِيَتْ ذاتُ زوج، استُبْرِئَتْ بحيضتينِ، وغيرُ ذاتِ زوجٍ بحيضةٍ (٢). وقال الشافعيُّ (٣): إذا سُبِيَتْ بانت من زوجِها، سواءٌ كان معها أو لَمْ يكنْ. قال: والسِّباءُ يَقطَعُ العِصمَةَ على كلِّ حالٍ، لأنَّ اللهَ قد أحلَّ فُرُوجَهُنَّ في الكتاب والسُّنَّةِ للذين سبَوْهُنَّ، وصِرْنَ بأيدِيهم ومِلكَ أيمانِهم. وهو قولُ مالكٍ فيما روَى ابنُ وهبٍ وابنُ عبدِ الحكم، وهو قولهُما وقولُ أشهبَ. وقال ابنُ القاسم في ذلك بمثلِ قولِ أبي حنيفةَ إذا سُبيا معًا أو مُفْتَرِقَيْن. ورواه عن مالكٍ (٤). وكل هؤلاء يقولُ في قول الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. أنَّهُنَّ السَّبايا ذواتُ الأزواج يُحِلُّهُنَّ السِّباءُ.

стр. 1222

وفي حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ هذا دليلٌ واضح على ذلك، وفيه تفسيرُ الآية، وهو أولَى ما قيل به في تفسيرِها. وقال ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباس، وأُبَيُّ بنُ كعب: إنَّ معنى الآيةِ في الإماءِ ذواتِ الأزواج، وأنَّهُنَّ إذا مُلِكْنَ جاز وَطْؤُهُنَّ بملكِ اليمين، وكان بَيعُهُنَّ طلاقَهُنَّ (١). والتفسيرُ الأوَّلُ عليه جُمهورُ الفقهاء. وقد روَى أبو علقمةَ الهاشميُّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ هذه الآية، قولَه : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ نزَلتْ في سَبايا أوطاسٍ (٢). وقاله الشعبيُّ (٣) وأكثرُ أهل التفسير. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٤): حَدَّثَنَا عبدُ الأعلَي، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي الخليل، أنَّ أبا علقمةَ الهاشميَّ حدَّثه، أنَّ أبا سعيدٍ الخدريَّ حدَّثهم: أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَث يومَ حُنينٍ سَرِيَّةً، فأصابوا أحياءً من أحياءِ العربِ يومَ أوطاسٍ، فقتَلوهم وهَزَموهم وأصابوا نساءً لَهُنَّ أزواجٌ، فكأنَّ ناسًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ تأثَّموا من غِشْيانِهِنَّ من أجلِ أزواجِهِنَّ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ منهنَّ، فحلالٌ لكم.

стр. 1223

وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ الله بنُ عمرَ بن مَيْسَرةَ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن صالح أبي الخليل، عن أبي علقمةَ الهاشميِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَث بعثًا يومَ حُنينٍ إلى أوطاسٍ، فلقُوا عدوًّا فقاتَلوهم، فظَهَروا عليهم، وأصابوا لهم سبايَا، فكأنَّ ناسًا (٢) من أصحابِ رسولِ الله ﷺ تحرَّجُوا من غِشْيانِهِنَّ من أجلِ أزواجِهِنَّ من المشركين، فأنزَل اللهُ في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقَضَتْ عدَّتُهُنَّ. قال أبو عمر: وهذه اللفظةُ حُجَّةٌ للحسنِ بن حيٍّ في اعتبارِه العدَّةَ ذلك، وفي حديثِ بَريرةَ ما يُبيِّنُ أنَّ بيعَ الأمةِ ليس بطلاقِها، وقد ذكَرنا ذلك فيما تقدَّم من كتابِنا هذا (٣). وفي هذا الحديث أيضًا إباحةُ العَزْلِ، وقد اختلف السلفُ في ذلك، والحُجَّة قائمة لمن أجازَه بهذا الحديث وما كان مثلَه. حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم قال: حَدَّثَنَا محمّدُ بنُ قاسم بن شعبانَ، قال: حَدَّثَنَا الحُسين بن محمد بن

стр. 1224

الضّحاك (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو مروانَ العُثْمانيُّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ (٣) عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ، أن زيدَ بنَ ثابتٍ وابنَ مسعود كانا يعْزِلانِ، وكان عمرُ وابنُ عمرَ يَكْرهانِ العزْلَ. وفي الحديث أيضًا أنَّ للرجلِ أن يَعْزِلَ عن الأمةِ بغيرِ أمْرِها، وأنَّها لا حقَّ لها في ذلك؛ لأنَّهم لَمْ يَحتاجُوا في أمْرِ العزلِ إلى أكثرَ من معرفةِ جوازِه في الشريعةِ، لَمْ يُضيفُوا إلى ذلك استِئمارَ الإماءِ ولا مُشاورتَهُنَّ، فدلَّ ذلك على جوازِ العزل عنهنَّ دونَ رأيهِنَّ. والأصولُ تَشهَدُ لصِحَّةِ هذا التأويل، والإجماعُ، والقياسُ؛ لأنَّه لما جاز له أنْ يَمْنَعَ أمتَه الوَطْءَ أصلًا، ى ن له العَزْلُ عنها أحرَى بالجواز، وهذا أمرٌ وإن كان جاء عن بعض السَّلَفِ كراهيةُ العزل، فإنَّ أكثرَهم على إباحتِه وجوازِه، وهو أمرٌ لا خلافَ فيه بينَ فقهاءِ الأمصارِ، والحمدُ للّه. وكذلك لا خِلافَ بينَ العلماءِ أيضًا في أنَّ الحرَّةَ لا يُعْزَلُ عنها إلَّا بإذنِها؛ لأنَّ الجِماعَ من حقِّها، ولها المطالبةُ به، وليس الجِماعُ المعروفُ التَّامُّ إلَّا ألَّا يَلحَقَه العزلُ.

стр. 1225

وفي "الموطَّأ" (١)، عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ، وأبي أيوبَ الأنصاريِّ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وابنِ عباسٍ، جوازُ العزلِ وإباحتُه. فإن (٢) قيل: قد روَى حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عليٍّ، أنَّه كان يَكرَهُ العَزْلَ، ويقولُ: هو الوَأْدُ الخفيُّ (٣). قيل: لو صحَّ هذا عن عليٍّ كانت الحجَّةُ فيما ثبَت عن رسولِ الله ﷺ دونَ قولِه؛ لأنَّه قد ثبَت في هذا الحديثِ قولُ الصحابة: فأرَدْنا أن نَعزِلَ، فقلنا: نَعزِلُ ورسولُ الله ﷺ بينَ أظهُرِنا قبلَ أن نسألَه؟ فسألناه، فقال: "ما عليكم ألَّا تَفْعَلوا". فأيُّ شيءٍ أبيَنُ في إباحةِ العزلِ (٤) وإجازته من هذا في السُّنةِ الثابتةِ، وهي الحجةُ عندَ التنازُع؟

стр. 1226

وقد (١) صحَّ عن علي خلافُ هذا. وروى يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، عن معمرِ بنِ أبي حبيبةَ، عن معاذ بن أبي رفاعةَ قال: شهدتُ نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ يذكرون الموؤودةَ؛ فيهم عليٌّ وعمرُ وعثمانُ والزُّبيرُ وطلحةُ وسعدٌ فاختلفوا، فقال عمرُ: إنكم أصحابَ رسولِ الله ﷺ تختلفونَ في هذا! فكيف بمَن بعدَكُم؟ فقال عليٌّ: إنّها لا تكون موؤودةً حتّى يأتي عليها الحالات السبع. فقال له عمرُ: صدقتَ أطالَ الله بقاءك (٢). قال ابنُ لهيعة: إنّها لا تكون موؤودةً حتّى تكون نطفةً، ثم علقةً، ثم مُضغةً، ثم عظمًا، ثم لحمًا، ثم تظهر، ثم تستهلُّ، فحينئذٍ إذا دُفنت فقد وُئدت؛ لأنَّ من الناس مَن قال: إنّ المرأةَ إذا أحسَّت بحمْلٍ، فتداوت حتى تُسقطَه فقد وأدَتْهُ، ومنهم مَن قال: العزْل الموؤودةُ الصُّغرى. فأخبر عليٌّ ﵁ أن ذلك لا يكون موؤودةً إلَّا بعد ما وَصَف. وقد قيل في قولِ الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. إنْ شِئْتَ فاعزِلْ، وإنْ شِئْتَ فلا تَعْزِلْ. قالَه جماعةٌ من العلماءِ، كان كان في هذه الآيةِ قولانِ غيرُ هذا. واختلف الفقهاءُ في العَزْلِ عن الزوجةِ الأمَةِ؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما (٣): الإذنُ في العَزلِ عن الزوجةِ الأمةِ إلى مولاها. وعن الثّوريِّ روايتانِ؛ إحداهُما: لا يعزلُ عنها إلّا بأمرها، والأخرى: بأمرِ مولاها (٤). وقال الشافعيُّ:

стр. 1227

له أن يِعزِلَ عن الزوجَةِ الأمَةِ دونَ إذنِها، ودونَ إذنِ مولاها، وليس له العزلُ عن الحرةِ إلَّا بإذنِها (١). وقد رُوِي في هذا البابِ حديثٌ مرفوعٌ في إسنادِه ضعفٌ، ولكنَّ إجماعَ الحُجَّةِ على القولِ بمعناه يَقضي بصحَّتِه. حَدَّثَنَاه خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المُفَسِّر، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عليٍّ القاضي، قال: حَدَّثَنَا أبو خَيْثَمَةَ زُهيرُ بنُ حربٍ، قال؛ حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ عيسى، قال: حَدَّثَنَا ابنُ لَهِيعَةَ، عن جَعفرِ بن ربيعةَ، عن الزهريِّ، عن مُحَرَّرِ بن أبي هريرةَ، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطابِ قال: نهَى رسولُ الله ﷺ أن يُعْزَلَ عن الحُرَّةِ إلَّا بإذنِها (٢). ومن حديث جابر عن النبي ﷺ أنَّه قال لرسول الله ﷺ : إن لي جارية أفأعزل عنها؟ فقال النبي ﷺ : "سيأتيها ما قدر لها" (٣).

стр. 1228

حديثٌ سادسٌ لربيعةَ مرسَلٌ مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن، عن سُليمانَ بن يسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَث أبا رافع مولَاه ورجلًا من الأنصار، فزوَّجاه ميمونةَ ابنةَ الحارث، ورسولُ الله ﷺ بالمدينةِ قبلَ أنْ يَخرجَ. هذا الحديثُ قد رواه مَطَرٌ الورَّاقُ، عن ربيعةَ، عن سليمانَ بن يَسارٍ، عن أبي رافعٍ. وذلك عندي غَلَطٌ من مَطَرٍ؛ لأنَّ سليمانَ بنَ يسارٍ وُلد سنةَ أربعٍ وثلاثين، وقيل: سنةَ سبع وعشرين. ومات أبو رافعٍ بالمدينةِ بعدَ قتلِ عثمانَ بيِسير، وكان قتلُ عثمانَ ﵁ في ذِي الحِجَّةِ سنةَ خمسٍ وثلاثين، وغيرُ جائزٍ ولا مُمكِنٍ أن يسمَعَ سليمانُ بنُ يسارٍ من أبي رافع، وممكنٌ صحيحٌ أن يسمعَ سليمانُ بنُ يسارٍ من ميمونةَ؛ لما ذكَرنا من مولِده، ولأنَّ ميمونةَ مولاتُه ومولاةُ إخوتِه، أعتقَتْهم، وولاؤُهم لها، وتُوُفِّيتْ ميمونةُ سنةَ ستً وستِّين، وصلَّى عليها ابنُ عباسٍ، فغيرُ نَكِيرٍ أن يَسمَعَ منها، ويَستحِيلُ أن يَخْفَى عليه أمرُها، وهو مولاها، ومَوضِعُه من الفِقْهِ مَوضِعُه. وقصَّةُ ميمونةَ هذه أصلُ هذا البابِ عندَ أهل العلم، وغيرُ مُمكِن سَماعُه من أبي رافعٍ، فلا معنَى لروايةِ مَطَرٍ، وما رَواه مالكٌ أولَى (٢)، وباللّه التوفيقُ.

стр. 1229

أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ زيدٍ، عن

стр. 1230

مَطَرٍ الورَّاقِ، عن ربيعةَ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن أبي رافع، أنَّ رسولَ الله ﷺ تَزَوَّجَ مَيمونةَ وهو حلالٌ، وبنَى بها وهو حلالٌ، وكنتُ الرسولَ بينَهما (١). وحَدَّثَنَاه عبدُ الوارث بنُ سفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ زيدٍ، عن مَطَرٍ، قال: حدَّثني ربيعةُ بنُ أبي عبد الرَّحمن، عن سليمانَ بن يسارٍ، عن أبي رافع، أنَّ رسولَ الله ﷺ تزوَّجَ ميمونةَ حلالًا، وبنَى بها حلالًا، وكنتُ الرسولَ بينَهما (٢).

стр. 1231

قال أبو عمر: في روايةِ مالكٍ لهذا الحديثِ دليلٌ على جوازِ الوَكالةِ في النِّكَاح، وهو أمرٌ لا أعلمُ فيه خلافًا. والرِّوايةُ أنَّ رسولَ الله ﷺ تزوَّجَ ميمونةَ وهو حلالٌ مُتواترةٌ عن ميمونة بعينِها، وعن أبي رافع مولى النبيِّ ﷺ ، وعن سليمانَ بن يَسارٍ مولَاها، وعن يزيدَ بنِ الأصمِّ؛ وهو ابنُ أُختِها. وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيِّبِ، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وأبي بكر بن عبدِ الرَّحمن، وابنِ شهاب، وجمهورِ علماءِ المدينةِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يَنكِحْ ميمونةَ إلَّا وهو حلالٌ قبلَ أن يُحْرِمَ. وما أعلمُ أحدًا من الصحابةِ روَى أنَّ رسولَ الله ﷺ نكَح ميمونة وهو مُحرِمٌ، إلَّا عبدَ الله بنَ عباس، وروايةُ مَن ذكَرْنا مُعارِضة لروايتِه، والقلبُ إلى رواية الجماعةِ أميَلُ؛ لأنَّ الواحِدَ أقربُ إلى الغَلَطِ، وأكبرُ أحوالِ حديثِ ابنِ عباسٍ أن يُجعَلَ مُتعارِضًا مع روايةِ مَن ذكَرنا، فإذا كان كذلك سقَط الاحتِجاجُ بجميعِها، ووجَب طلبُ الدليلِ على هذه المسألةِ من غيرِها، فوجَدنا عثمانَ بنَ عفانَ ﵁ قد روَى عن النبيِّ ﷺ أنَّه نهَى عن نكاحِ المحرمِ، وقال: "لا يَنكِحُ المحرمُ، ولا يُنكَحُ". فوجَب المصيرُ إلى هذه الرِّوايةِ التي لا مُعارِضَ لها؛ لأَنَّه يَستحيلُ أن يَنهَى عن شيءٍ ويَفْعَلَه، مع عملِ الخلفاءِ الرَّاشدين لها؛ وهم عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ ﵃. وهو قولُ ابن عمرَ، وأكثرِ أهلِ المدينةِ. وسنذكُرُ حديثَ عثمانَ في موضعِه من كتابِنا هذا إن شاء الله (١). وذكر مالكٌ (٢)، عن داودَ بنِ الحُصَينِ، عن أبي غَطَفَانَ بنِ طريفٍ المُرِّيِّ قال: تزوَّجَ أبي وهو مُحرمٌ، ففرَّقَ بينَهما عمرُ بنُ الخطَّاب.

стр. 1232

وروَى قتادةُ، عن الحسنِ، سَمِعه يُحدِّثُ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: أيُّما رجلٍ نكَح وهو محرمٌ فرَّقْنا بينَه وبينَ امْرأتِه (١). وروَى الثوريُّ، عن قدامةَ بن موسى، قال: سالْتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ عن مُحرِمٍ نكَح، قال: يُفرَّقُ بينَهما (٢). فهؤلاء يَفسَخُون نِكاحَ المحرم، وهم جِلَّةُ العلماءِ مِن الصحابةِ والتابعين، والتَّفريقُ لا يكونُ إلَّا عن بصيرةٍ مُستَحْكِمَةٍ، وأنَّ ذلك لا يكونُ عندَهم، واللّهُ أعلمُ، كذلك إلَّا لصِحَّتِه عندَهم عن رسولِ الله ﷺ . وذكرَ عبدُ الرزاق، قال (٣): أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرِ قال: لا يَتَزَوَّجُ المحرمُ، ولا يَخطُبُ على غيرِه. وروَى مالكٌ (٤)، وأيوبُ، وعبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: لا يَنكِحُ المحرمُ، ولا يُنكَحُ، ولا يَخطُبُ. قال عبدُ الرزاق: وأخبَر في معمرٌ، عن عبدِ الكريم الجَزَريِّ، عن ميمونِ بنِ مهرانَ قال: سألْتُ صَفِيَّةَ ابنةَ شيبةَ: أتزوَّجَ رسولُ الله ﷺ مَيمونةَ وهو محرمٌ؟ فقالت: بل تَزَوَّجَها وهو حلالٌ (٥).

стр. 1233

قال: وأخبَرنا معمرٌ، عن أيوبَ وجعفرِ بنِ بَرقانَ، قالا: كتَب عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى ميمونِ بنِ مهرانَ أنْ يسألَ يزيدَ بنَ الأصمِّ كيف تَزَوَّجَ رسولُ الله ﷺ ميمونةَ، أحلالًا أم حرامًا؟ فسألَه، فقال: بل تزوَّجَها حلالًا. وكتَب بذلك إليه (١). فهذا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَقْنَعُ في ذلك بيزيدَ بنِ الأصمِّ؛ لعِلْمِه باتِّصالِه بها، وهي خالتُه، ولثقتِه به. قال عبدُ الرزاق: وأخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، قال: أخبَرني يزيدُ بنُ الأصمِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ ميمونةَ حلالًا (٢). وروَى حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن حبيبِ بنِ الشَّهيدِ، عن ميمونِ بنِ مهرانَ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ميمونةَ قالت: تزوَّجني رسولُ الله ﷺ بسَرِفٍ، وهما حلالانِ بعدَما رجَع من مكةَ (٣). وقرأتُ على سعيدِ بن نَصرٍ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: أخبَرنا ابنُ وضَّاح، قال: أخبَرنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٤): أخبَرنا يحيى بنُ آدمَ، قال: أخبَرنا جريرُ بنُ حازم، قال: حَدَّثَنَا أبو فَزارَةَ، عن يزيدَ بن الأصمِّ قال: حدَّثتني

стр. 1234

ميمونةُ بنتُ الحارثِ، عن رسولِ الله ﷺ ، أنَّه تزوَّجها وهو حلالٌ. قال: وكانت خالتي وخالةَ ابنِ عبَّاسٍ. واختلَف فقهاءُ الأمصارِ في نكاحِ المحرِم؛ فقال مالكٌ وأصحابُه، والليثُ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، لا يَنكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنكَحُ (١). وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه، والثَّوريُّ: لا بأسَ أنْ يَنكِحَ المحرمُ، وأنْ يُنكَحَ (٢). وذكرَ عبدُ الرزاق، عن محمدِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ القاسمِ، عن أبيه، أنَّه لَمْ يَرَ بنكاحِ المحرمِ بأسًا (٣). قال: وأخبَرنا الثوريُّ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ قال: يَتزوَّجُ المحرمُ إن شاء، لا بأسَ به. قال: وقال لي الثوريُّ: لا تَلتَفِتْ فيه إلى قولِ أهلِ المدينة (٤). وحُجَّةُ مالكٍ ومَن قال بقولِه حديثُ عثمانَ، عن النبيِّ ﷺ في النَّهْي عن ذلك، مع ما ذَكَرْناه عن الصحابةِ وغيرِهم في هذا الباب، وتَفْرِقَةُ عمرَ بينَهما تَدُلّك على قُوَّةِ بَصيرته في ذلك. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: أخبَرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بنُ جعفر، قال: أخبَرنا عبيدُ الله بنُ عمرٍو،

стр. 1235

عن عبد الكريم، عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، قال: أتَيْتُ صفيَّةَ بنتَ شيبةَ، امرأةً كبيرةً، فقلتُ لها: أتزوَّجَ رسولُ الله ﷺ ميمونةَ وهو مُحْرِمٌ؟ قالت: لا واللّه، لقد تزوَّجَها وهما حَلالان (١). وحجَّةُ العِراقيِّين في ذلك حديثُ ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَكَح مَيمونةَ بسَرِفٍ وهو مُحرمٌ. رواه عن ابنِ عباس: عِكرمةُ (٢)، وسعيدُ بنُ جبيرٍ (٣)، وجابرُ بنُ زيدٍ أبو الشَّعثاءِ (٤)، ومجاهدٌ (٥)، وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ (٦)، كلُّهم عن ابنِ عباسٍ بهذا الحديث. وذكرَ ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: حدَّثتُ ابنَ شهابٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عبَّاس، أنَّ رسولَ الله ﷺ نكَح ميمونةَ وهو محرمٌ. فقال ابنُ شهاب: حدَّثني يزيدُ بنُ الأصمِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهو حلالٌ. قال: فقلتُ لابنِ شِهابٍ: أتجْعَلُ حِفظَ ابنِ عباسٍ كحِفظِ أعرابيٍّ يبولُ على فَخِذَيْه؟ (٧).

стр. 1236

حَدَّثَنَاه قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عمرٍو، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: أخبَرنا أبو المغيرةِ، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنَا عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ ميمونةَ وهو مُحرِمٌ. قال سعيدُ بنُ المسيِّبِ: وَهَمَ ابنُ عباسٍ وإن كانت خالتَه، ما تزوَّجَها إلَّا بعدَما أحلّ (١). قال أبو عمر: هكذا في الحديث: قال سعيدُ بنُ المسيِّبِ. فلا أدرِي أكان الأوزاعيُّ يقولُه أو عطاءٌ. قال أبو عمر: واختلَف أهلُ السِّيَرِ والأخبارِ في تَزويجِ رسولِ الله ﷺ ميمونةَ، فقالت طائفةٌ: تزوَّجها رسولُ الله ﷺ وهو محرِمٌ. وقال آخرون: تَزوَّجَها وهو حلالٌ. على حَسَبِ اختِلافِ الفقهاءِ سواءً. وذكرَ الأثرمُ، عن أبي عبيدةَ معمرِ بنِ المثنَّى قال: لما فرَغ رسولُ الله ﷺ من خيبرَ توجَّهَ إلى مكةَ مُعتمِرًا سنةَ سبع، وقدِم عليه جعفرُ بنُ أبي طالبٍ من

стр. 1237

أرض الحبشةِ، فخطَب عليه ميمونةَ ابنةَ الحارثِ الهلاليَّةَ، وكانت أُختُها لأُمِّها أسماءُ بنتُ عُميسٍ عندَ جعفرِ بن أبي طالب، وسلمَى بنتُ عُميسٍ عندَ حمزةَ بنِ عبدِ المطَّلبِ، وأختُها لأبيها وأمِّها أمُّ الفَضْلِ تحتَ العباس، فأجابت جعفرَ بنَ أبي طالبٍ إلى رسولِ الله ﷺ ، وجعَلت أمرَها إلى العباسِ، فأنكَحها النبيَّ ﷺ وهو مُحرِمٌ، فلمَّا رجَع بنَى بها بسَرِفٍ حلالًا. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ المنذر، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُليح، عن موسى بن عقبةَ، عن ابنِ شهابٍ قال: خرَج رسولُ الله ﷺ من العامِ المقبِل؛ عام الحديبيةِ، مُعتمِرًا في ذي القَعْدَةِ سنةَ سبع، وهو الشهرُ الذي صَدَّه فيه المشركون عن المسجدِ الحرامِ، فلمَّا بلَغ موضعًا ذكَره (١) بعَث جعفرَ بنَ أبي طالبٍ بينَ يَديْه إلى ميمونةَ بنتِ الحارثِ بن حَزْنٍ العامريَّةِ، فخطَبها عليه، فجعلَتْ أمرَها إلى العباسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ، فزوَّجها رسولَ الله ﷺ وهو حلالٌ. قال أبو عمر: قال أبو عبيدةَ: ميمونةُ بنتُ الحارثِ الهِلاليَّةُ. وقال ابنُ شهابٍ: العامريَّةُ. وهي من ولدِ هلالِ بنِ عامرِ بنِ صَعْصَعَةَ. وقد ذكرْتُ نسبَها مرفوعًا في كتاب "الصحابة" (٢)، وباللّه التوفيقُ، وعليه التَّوكُّلُ.

стр. 1238

حديثٌ سابعٌ لربيعةَ مُرسَلٌ منقطعٌ مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ كانت مضطجِعَةً مع رسولِ الله ﷺ في ثَوْبٍ، وأنَّها وثَبَتْ وثْبَةً شَدِيدةً، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "ما لكِ؟ لَعلَّكِ نَفِسْتِ". يعني الحَيْضَةَ. قالت: نعم. قال: "شُدِّي على نَفْسِكِ إزارَكِ، ثم عُودِي إلى مَضْجَعِكِ". هكذا هذا الحديثُ في "الموطَّأ" كما تَرَى (٢)، مُنْقَطِعٌ. ويتَّصِلُ معناه من حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ عن النبيِّ ﷺ (٣)، ولا أعلمُ أنَّه رُوِيَ من حديثِ عائشةَ بهذا اللفظِ ألبَتَّةَ. وسنَذْكُرُ في هذا البابِ ما رُوِيَ عن عائشةَ وسائرِ أزواجِ النبيِّ ﷺ إن شاء الله. ولم يَختلِفْ رُواةُ "الموطَّأ" في إرسالِ هذا الحديثِ كما رُوِيَ (٤). وروَى حَبِيبٌ (٥)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ وسعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُضاجِعُ أُمُّ سَلَمَةَ وهي حائض عليها بعضُ الإزارِ. وما انْفَرَدَ به حَبيبٌ لا يُحْتَجُّ به. وفيه من الفقه: نومُ الرجلِ الشَّريفِ مع أهلِه في ثوبٍ واحدٍ وسَرِيرٍ واحدٍ. وفيه أنَّ الحيضَ قد يأتي فجأةً دونَ مُقَدِّمَةٍ من العَلاماتِ لبعضِ النِّساءِ، وبعضُهُنَّ ترَى قَبْلَه صُفْرَةً أو كُدْرَةً كما ترَى بعدَه.

стр. 1239

وفيه أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يكنْ يَعلَمُ من الغَيْبِ إلَّا ما عَلَّمَه اللهُ؛ لقولِه: "ما لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ". وقولُه: "لعلَّكِ نَفِسْتِ". يقولُ: لعَلَّكِ أُصِبْتِ بالدَّم؛ يعْني الحَيْضَةَ. والنَّفْسُ: الدمُ، ألا ترَى إلى قولِ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وهو عَرَبيٌّ فَصِيحٌ: كلُّ ما ليس له نَفْسٌ سائلةٌ يَموتُ في الماءِ لا يُفسدُه (١)؛ يَعْنِي دَمًا سائلًا. وفيه أنَّ الحائضَ يجوزُ أن يُباشَرَ منها ما فوقَ الإزار؛ لقوله: "ثم عُودي إلى مَضجعِكِ". ومعلومٌ أنَّها إذا عادَتْ إليه في ثَوْبٍ واحِدٍ معه أنَّه يُباشِرُها، فإذا كان ذلك كذلك، كان هذا الحديثُ يُفسِّرُ قولَ الله : ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ لأَنَّه يَحتَمِلُ قولُه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾. أي: لا تكونوا مَعَهُنَّ في البُيُوتِ. ويَحْتَمِلُ: اعْتَزِلُوا وَطْئَهنَّ لا غيرُ. فأتَتِ السُّنَّة مُبَيِّنَةً مُرادَ الله من قولِه ذلك. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بن يحيَي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال (٢): حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال: حَدَّثَنَا موسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادٌ، قال: حَدَّثَنَا ثابتٌ البُنانيُّ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ اليهودَ كانت إذا حاضَتْ منهم امرأةٌ أخرجُوها من البيت، ولم يُؤاكِلُوها، ولم يُشارِبُوها، ولم يُجامِعُوها في البَيْتِ، فسُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ

стр. 1240

قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية. فقال رسولُ الله ﷺ : "جامِعُوهُنَّ في البيوتِ، واصْنَعُوا كُلَّ شيءٍ غيرَ النِّكاح". فقالَتِ اليهودُ: ما يُرِيدُ هذا الرجلُ أن يَدَعَ شيئًا من أمْرِنا إلَّا خالَفَنا فيه. فجاءَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالا له: يا رسولَ الله، إنَّ اليهودَ تقولُ كذا وكذا، أفَلا نَنْكِحُهُنَّ في المحِيض؟ فتَغَيَّرَ وجْهُ رسولِ الله ﷺ حتى ظَنَنَّا أنَّه قد وَجَد عليهما، فخَرَجا فاستقبلَتْهُما هديَّةٌ من لبن إلى رسول الله ﷺ فبعَث في أثَرهما فسَقاهُما، فظَنَنَّا أنَّه لَمْ يَجِدْ عليهما. أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا وهْبُ بنُ مسَرَّةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاحٍ (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيْبَة (٢)، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بِشرٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قالت: كنتُ مع رسولِ الله ﷺ في لِحافِه، فوَجَدْتُ ما يَجدُ النساءُ من الحَيضةِ، فانْسَلَلْتُ من اللِّحافِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَنَفِسْتِ؟ ". قلتُ: وجَدْتُ ما يَجِدُ النِّساءُ من الحَيضة. قال: "ذلك ما كتَب اللهُ على بَناتِ آدَمَ". قالت: فانْسَلَلْتُ فأصلحْتُ من شأْنِي، ثم رجَعْتُ، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "تَعالَيْ فادخُلي في اللِّحاف". قالت: فدخَلتُ معه. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سابِقٍ، قال: حَدَّثَنَا شَيْبانُ، عن يحيى بن أبي

стр. 1241

كثيِرٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ حدَّثتْه، أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: حِضْتُ وأنا مع رسولِ الله ﷺ في الخَمِيلَةِ. قالت: فانْسَلَلْتُ، فخَرَجْتُ منها، فأخَذْتُ ثِيابَ حَيْضَتِي فلَبِسْتُها، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "أَنَفِسْتِ؟ ". قالت: قلتُ: نعم. فدَعاني فأدْخَلَنِي معه في الخَمِيلَة (١). هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ ثابتٌ في معنَى حديثِ رَبِيعَةَ، عن عائشةَ، رَواه عن يحيى بنِ أبي كثير جماعَةٌ هكذا. ورَواه محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ كما ذكَرنا. والقولُ عندَهم قولُ يحيى بن أبي كثيرٍ، وهو أثْبَتُ من محمدِ بن عمرٍو في أبي سَلَمَةَ، وقد أدخَل بينَ أبي سَلَمَةَ وأمِّ سَلَمَةَ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ، وهو الصَّوابُ. وحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُباب القاضِي، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوانَةَ، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّها كانتْ تَنامُ مع رسولِ الله ﷺ وهي حائضٌ، وبينَهما ثَوْبٌ (٢).

стр. 1242

وعُمرُ بنُ أبي سَلَمَةَ كان شُعْبَةُ يُضعِّفُه (١)، وليس بالحافظ، وإسنادُ يحيي، عن أبي سَلَمَةَ، عن زينبَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، صحيحٌ عندَهم، وإسنادُ حديثِ عائشةَ أيضًا وميمونةَ في هذا الباب صحيحٌ، والحمدُ للّه. حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٣): حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يأمُرُ إحدانا إذا كانت حائضًا أن تَتَّزِرَ، ثم يُضاجِعُها زوجُها. وقال مرَّةً: يُباشِرُها. وحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال (٤): حَدَّثَنَا الحارِثُ بنُ مسكين قِراءةً عليه وأنا أسمَعُ، عن ابن وهْبٍ، عن يونسَ واللَّيْثِ، عن ابنِ شهاب، عن حَبيبٍ مولَى عُروةَ، عن بُدَيَّةَ - وكان اللَّيْثُ يقولُ: نُدْبَةَ - مَوْلاةِ مَيْمُونَةَ، عن
следующие страницы →