← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1868–1907 · переход к 1873.

стр. 1868

أبي رَبَاحٍ وأبي الزبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، عن رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، أنَّه نَهَى أن يُنْبَذَ الزبيبُ والتمرُ جميعًا، ونَهَى أن يُنْبَذَ البُسْرُ والرُّطَبُ جميعًا (١). وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ بنِ يحيى الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ فَرُّوخَ، قال: حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ محمدِ بنِ نُمَيْرٍ، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ عمرٍو ومسلمُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا جريرُ بنُ حازم، عن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاح. قال زُهَيْرٌ: وحدَّثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ، وعاصمُ بنُ عليٍّ، وموسى بنُ داودَ، قالوا جميعًا: حدَّثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن عَطَاءٍ وأبي الزُّبيرِ جميعًا. قال زُهَيْرٌ: وأخبَرنا موسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا هَمَّامٌ، عن عطاءٍ. قال: وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسماءَ (٢) بنِ عُبَيْدٍ، قال: حدَّثنا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ، قال: حدَّثنا مَطَرٌ الوَرَّاقُ، عن عَطَاءٍ. قال: وأخبَرنا موسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن عطاءٍ وأبي الزُّبيرِ. قال: وأخبَرنا اللَّاحِقِيُّ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أن يُخْلَطَ الزَّبِيبُ والتَّمْرُ، والبُسْرُ والتَّمْرُ. وفي حديثِ بعضهم: والرُّطَبُ. والمعنى واحِدٌ (٣).

стр. 1869

وحدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بن خالدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ غالِبٍ التَّمَّارُ. وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عليٍّ القُرشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ الربيع بنِ سليمانَ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا حَجَّاجٌ، عن ابنِ جريج، عن عطاء، عن جابر، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى أن يُنْبَذَ التمرُ والزبيبُ، والبُسْرُ والرُّطَبُ جميعًا. ورَواه ابنُ وهبٍ (١)، عن الليثِ بنِ سعدٍ وجريرِ بنِ حازم، عن عطاءٍ، عن جابر. وابنُ وهبٍ أيضًا (٢)، عن عمرِو بنِ الحارثِ والليثِ بنِ سعدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، مثلَه. وأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ، فحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ بنِ أسلمَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مَرْزُوقٍ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي مَسلَمَةَ (٣)، عن أبي نَضْرَةً (٤)، عن أبي سعيدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن البُسْرِ والتَّمرِ، والزَّبيبِ والتَّمرِ، أن يُخْلَطَا (٥).

стр. 1870

قال: وحدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادَةَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ سليمانَ التَّيْمِيَّ يُحَدِّثُ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- مثله حرفًا بحرفٍ (١). وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسِم بنِ شعبانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العبّاسِ بنِ أسلمَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مَرْزُوقٍ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ حَبِيبٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ التَّيْمِيُّ، عن أبي نَضَرَةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: نَهَى رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- أن يُخْلَطَ الزبيبُ والتمرُ، والبُسْرُ والتمرُ، وعن الجَرِّ أن يُنْبَذَ فيه (٢). وأمَّا حديثُ أنسٍ: فحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ (٣)، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا عَفَّانُ، قال: حدَّثنا هَمَّامٌ، قال: حدَّثنا قَتادَةُ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أن يُنْبَذَ البُسْرُ والتمرُ جميعًا (٤).

стр. 1871

وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسِمِ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ النَّيْسَابُورِيُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ شاذَانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُقَاتِل المروَزِيُّ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ المباركِ، قال: حدَّثنا وِقَاءُ بنُ إيَاسٍ، عن المختارِ بنِ فُلْفُلٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: نَهَى رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- أن نجْمَعَ الشَّيْئَيْن نَنْبِذُهما (١) ممَّا يَبْغِي أحدُهما على صاحبِه. قال: وسألْتُه عن الفَضِيخِ فنَهاني عنه. قال: وكان يَكْرَهُ المُذَنِّبَ مِن البُسْرِ، مخافَةَ أن يكونا شَيْئَيْن، فكنَّا نَقْطَعُه منهما (٢). وأمَّا حديثُ أبي هريرةَ: فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا

стр. 1872

محمدُ بنُ مُصْعَبٍ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى (١)، عن (٢) أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- قال: "لا تجمَعوا بينَ الزَّهْوِ والرُّطَبِ، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، وانْبِذُوا كلَّ واحِدٍ منهما على حِدَةٍ". وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العبّاسِ بنِ أسْلَمَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ البُرُلُّسِيُّ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ أبي سلَمةَ، قال: أخبَرنا عكرمةُ بنُ عَمَّارٍ، قال: حدَّثني أبو كثيرٍ السُّحَيْمِيُّ، قال: أخبَرني أبو هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "لا تَخْلِطوا

стр. 1873

التمرَ والبُسْرَ جميعًا تَنْبِذُونَهما، ولا تَخْلِطوا الزبيبَ والتمرَ تَنْبِذُونهما، وانْبِذُوا كلَّ واحدٍ منهما على حِدَتِه" (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّئنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أخبَرني مَعْبَدُ (٣) بنُ كَعْبِ بنِ مالِكٍ، عن أُمِّه -وكانت قد صَلَّتِ القِبْلتَيْن- قالت: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَنْهَى عن الخلِيطَيْن؛ التمرِ والزبيبِ، أنْ يُنْبَذا، ورُبَّما قال: "انتَبِذُوا (٤) كلَّ واحدٍ منهما على حِدَتِه". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الترمذيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبَّارِ بنُ عمرَ، عن ابن أبي فَرْوةَ، عن محمدِ بنِ يُوسُفَ، عن أبيه، عن أُمِّ مُغِيثٍ، أنَّها حدثته، أنَّها سمِعتْ رسولَ الله ﷺ يَنْهَى عن الخلِيطَيْن، قلنا: يا رسولَ الله. وما الخليطان؟ قال: "التَّمرُ والزَّبيبُ، وكلّ مُسْكِرٍ حرامٌ" (٥).

стр. 1874

قال أبو عُمر: الأحاديثُ في هذا البابِ صِحاح مُتَواتِرَةٌ، تَلَقَّاها العلماءُ بالقَبُولِ، لكنَّهم (١) اخْتَلَفوا في مَعْناها: فذهَب مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما (٢)، إلى القولِ بظاهِرِها وعُمُومِها، ونَهَوا عن الخَلِيطَيْن جُمْلَةً واحدةً. قال مالكٌ (٣) لمَّا ذَكر حديثَ النهي عن أنْ يُنْبَذَ البُسْرُ والرُّطَبُ جميعًا، والزَّهْوُ والرُّطَبُ جميعًا، قال: وعلى هذا أدْرَكْتُ أهلَ العلم ببَلدِنا. وقال الشافعيُّ (٤): نَهَى رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- عن الخَلِيطَيْنِ، فلا يَجُوزانِ على حالٍ. ولا يُجْمَعُ عندَ مالكٍ والشافعيِّ بينَ شَرابَيْن، سواءٌ نُبِذ كُلُّ واحِدٍ منهما على حِدَةٍ، أو جُمِع شَيْئانِ فنُبِذَا جميعًا (٥). وقال أبو حنيفةَ: لا بَأْسَ بشربِ الخَلِيطَيْن من الأشْرِبَةِ، البُسْرِ والتمرِ، والزبيبِ والتمرِ، وكلُّ ما لو طُبخ أو نُبِذ على الانفِرادِ حَلَّ، فكذلك إذا طُبخ أو نُبِذ مع غيره. ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ وإبراهيمَ مثلُ ذلك فيما قال أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ (٦). وهو قولُ أبي يُوسُفَ الآخَرُ، قال (٧): وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: أكْرَهُ المُعَتَّق من

стр. 1875

التمرِ والزبيبِ. والنَّهيُ عندَ أبي حنيفةَ في الأحاديثِ المذكور في هذا البابِ إنَّما هو من بابِ السَّرَفِ؛ لضيقِ ما كانوا فيه من العَيْشِ. وروَى المُعَافَى، عن الثوريِّ: أنَّه كَرِه من النَّبِيذِ الخليطَ والسُّلافَةَ (١) والمُعَتّقَ. وقال اللَّيْثُ: لا أرَى بأْسًا أنْ يُخْلَطَ نَبِيذُ التَّمْرِ ونَبِيذُ الزَّبِيبِ، ثم يُشْرِبَا جميعًا، وإنَّما جاءَ النَّهْيُ في كَراهيةِ أنْ يُنْبَذَا جميعًا ثم يُشْرَبَا؛ لأنَّ أحَدَهما يَشُدُّ صاحِبَه (٢). وأمَّا ما ذكَره الطحاويُّ عن ابنِ عمرَ، فقد رَوَيْنا عنه خِلافَ ذلك: حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن موسى بنِ عُقْبَةَ، عن نافع، عن ابن عمرَ، قال: نُهِيَ أن يُنْبَذَ الزُّهْوُ والرُّطَبُ جميعًا، والبُسْرُ والتمرُ جميعًا (٣).

стр. 1876

حديثٌ مُوفي أربعينَ لزيدِ بنِ أسلَمَ مُرسَلٌ مالِكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ؛ أن رسولَ الله ﷺ سُئِلَ عن الغبيْرَاءِ (٢)، فقال: "لا خَيرَ فيها"، ونَهَى عنها. قال مالِكٌ: وسأَلْتُ زيدَ بنَ أسْلَمَ عن الغُبَيْرَاءِ، فقال: هي الأُسْكَرْكَةُ. هكذا روَاه أكْثَرُ رُوَاةِ "الموطأ" مُرْسَلًا (٣)، وما عَلِمْتُ أحدًا أسْنَدَه عن مالِكٍ إلَّا ابنَ وَهْبٍ (٤). وحديثُ ابنِ وَهْبٍ في ذلك حدَّثناه إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسِم بنِ شعبانَ، قال: حدَّثنا غيرُ واحدٍ عن يُونُسَ بنِ عبدِ الأعلَى، عن ابنِ وَهْبٍ، عن مالِكٍ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عَطَاءِ بنِ يَسارٍ، عن عبدِ الله بنِ عباسٍ، عن النَّبيِّ (٥) ﷺ أنَّه سُئِل عن الغُبَيْراءِ. فذكَره سواءً. قال ابنُ شعبانَ (٦): وحدَّثناه أحمدُ بنُ محمدٍ، عن الحارِثِ بنِ مِسكِينٍ، عن ابنِ القاسمِ، عن مالكٍ مثلَه. هكذا قال أبو إسحاقَ بنُ شعبانَ، والذي في "المُوَطَّأ" لابنِ القاسم في هذا الحديثِ الإرْسَالُ، كرِوايةِ يحيى وغيرِه.

стр. 1877

والأُسْكَرْكَةُ: نَبِيذُ الأَرُزِّ، وقِيلَ: نَبِيذُ الذُّرَةِ. وقد تقدَّمَ قولُنا في تَحْرِيم المُسْكِرِ، في بابِ إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ مِن كِتابِنا هذا مُوَضَّحًا مُسْتَوْعَبًا. وقولُه ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسْكِر حَرَامٌ" (١)، و"ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُه حَرَامٌ" (٢) يدْخُلُ فيه الغُبَيْرَاءُ وغيرُها، وبالله التوفيقُ. حدَّثنِي عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو مُسْلِم إبراهيمُ بنُ عبدِ الله الكَشِّيُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ جعفرٍ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عن عمرِو بنِ الوليدِ، عن

стр. 1878

عبدِ الله بنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "مَن كذَب عليَّ مُتَعَمِّدًا فلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَه من النارِ". وقال: "إنَّ اللهَ ورسولَه حَرَّما الخمرَ والمَيْسِرَ والكُوبَةَ والغُبَيْرَاءَ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّئنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّئنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا حَجَّاج (٢)، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سلَمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن صَفْوَانَ بنِ مُحْرِزٍ المَازِنيِّ، قال: سمِعتُ أبا موسى يَخْطُبُ على هذا المِنْبَرِ وهو يقولُ: ألا إنَّ خَمْرَ أهْلِ المَدِينَةِ البُسْرُ والتَّمْرُ، وخَمْرَ أهْل فارِسَ العِنَبُ، وخَمْرَ أهْلِ اليَمَنِ البِتْعُ وهو العَسَلُ، وخَمْرَ أهْلِ الحَبَشَةِ الأُسْكَرْكَةُ وهو الأرْزُ (٣) (٤).

стр. 1879

حديث حادٍ وأربعونَ لزيدِ بنِ أسلَمَ (١) مُرسَلٌ يَستَندُ ويتَّصلُ من وُجوهٍ ثابتةٍ من حديث مالكٍ وغيره (٢) مالكٌ (٣)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّه قال: قدِم رجلانِ مِن المشرقِ فخطَبا، فعَجِبَ الناسُ لبيانِهما، فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "إنَّ مِنَ البيانِ لَسِحْرًا"، أو: "إنَّ بعضَ البيانِ لَسِحْرٌ". هكذا روَاه يحيى، عن مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ مُرسلًا، وما أظُنُّ أرسلَه عن مالكٍ غيرُه، وقد وصَلَه جماعةٌ عن مالكٍ؛ منهم: القَعْنَبِيُّ (٤)، وابنُ وَهْبٍ (٥)، وابنُ القاسمِ (٦)، وابنُ بُكَيْرٍ، وابنُ نافع، ومُطرِّفٌ، والتَّنِّيسِيُّ (٧)؛ رَوَوْه كلُّهم عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عبدِ الله بنِ عُمر، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، وهو الصوابُ،

стр. 1880

وسماعُ زيدِ بنِ أسلمَ من ابنِ عمرَ صحيحٌ. وقد تقدَّم القولُ في ذلك في كتابِنا هذا، في أوَّلِ بابِ زيدِ بنِ أسلمَ. حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ الجُهَنِيُّ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ (١) سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَنِ الحافظُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنِ عمرَ، قال: قدِم رجلَانِ من المشرقِ، فخطَبا، فعجِب الناسُ لبيانِهما، فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن من البيانِ لَسِحْرًا". أو: "إن بعضَ البيانِ لَسِحْر". ورَوَاه القطَّانُ أيضًا عن مالِكٍ هكذا مسندًا حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مُسددٌ (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن مالكٍ (٤)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنِ عمرَ، قال: قدِم رجلانِ، فخطَبا، فعجِب الناسُ مِن بيانِهما، فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن من البيانِ لَسِحْرًا" (٥). وهكذا رواه الثوريُّ (٦)، وابنُ عُينيةَ، وزهيرُ بنُ محمدٍ (٧)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنِ عمرَ، إلَّا أن في روايتهم: فخَطَبَا، أو خطَب أحدُهما.

стр. 1881

وقد روِي عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- قولُه: "إن مِن البيانِ لَسِحْرًا" من وُجُوهٍ غيرِ هذا، مِن حديثِ عَمَّارٍ (١) وغيره (٢). واختلِف في المعنَى المقصودِ إليه في هذا الخبرِ؛ فقِيل: قُصِد به إلى ذَمِّ البلاغةِ، إذْ (٣) شُبِّهتْ بالسِّحرِ، والسِّحرُ مُحرَّمٌ مَذْمومٌ"؛ وذلك لِمَا فيها من تصويرِ الباطلِ في صور الحقِّ، والتفَيهُقِ والتشَدُّقِ (٤)، وقد جاء في الثرْثارِينَ المتَفَيْهِقِينَ ما جاء من الذم (٥). وإلى هذا المعنَى ذهَب طائفةٌ من أصحابِ مالكٍ. واسْتَدَلُّوا على ذلك بإدْخَالِ مالكٍ له في "موطَّئِه" في بابِ ما يُكْرَهُ من الكلام (٦).

стр. 1882

وأبَى (١) جمهورُ أهلِ الأدبِ والعلم بلسانِ العربِ إلَّا أن يجعَلُوا قولَه ﷺ : "إن من البيانِ لَسِحْرًا" مَدْحًا وثناءً وتَفْضِيلًا للبيانِ وإطْرَاءً، وهو الذي تَدُلُّ عليه سِياقَةُ الخبرِ ولفْظُه، على ما نُورِدُه في هذا البابِ إن شاء اللهُ. روَى عليُّ بنُ حَرْبٍ الموْصِليُّ، عن أبي سَعيدٍ (٢) الهيثم بنِ مَحْفُوظٍ، عن أبي المقَوّم يحيى بنِ ثَعْلَبةَ الأنصاريِّ، عن الحَكمِ (٣)، عن مِقْسَمٍ (٤)، عن ابنِ عباسٍ، قال: اجتمَع عندَ النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- قيسُ بنُ عاصمٍ، والزِّبْرِقانُ بنُ بَدْرٍ، وعمرُو بنُ الأَهْتَمِ، ففخَر الزِّبْرِقَانُ، فقال: يا رسولَ الله ﷺ ، أنا سَيِّدُ تَمِيمٍ، والمطَاعُ فيهم، والمجَابُ منهم، آخُذُ لهم بحُقُوقِهم، وأمْنَعُهم من الظلم، وهذا يَعْلَمُ ذلك. يعْنِي عمرَو بنَ الأَهْتَمِ. فقال عمرو: وإنه لشَدِيدُ العارِضةِ (٥)، مانِعٌ لجانبِه، مُطَاعٌ في أدَانِيه (٦). فقال الزِّبرِقَانُ: والله لقد كذَب يا رسولَ الله، وما يَمْنَعُه أن يتَكَلَّمَ إلَّا الحسدُ. فقال عمرو: أنا أحْسُدُكَ! فوَ الله لبئيسُ الخالِ، حديثُ المالِ، أحْمَقُ الوالدِ، مُبْغَضٌ في العشير، والله يا رسولَ الله ما كذَبْتُ فيما قُلْتُ أولًا، ولقد صدَقْتُ فيما قُلْتُ آخِرًا؛ رَضِيتُ فقُلْتُ أحسنَ ما عَلِمْتُ، وغَضِبْتُ فقلتُ أقْبَحَ ما وَجَدْتُ، ولقد صدَقْتُ في الأمْرِيْنِ جميعًا. فقال النبيُّ ﷺ : "إن من البيانِ لسحرًا، إن من البيانٍ لسحرًا (٧) " (٨).

стр. 1883

وروَى (١) حمادُ بنُ زيدٍ، عن محمدِ بنِ الزُّبَيْرِ، قال: قَدِم على رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم- الزِّبْرِقَانُ بنُ بَدْرٍ، وعمرُو بنُ الأهْتَمِ، وقَيْسُ بنُ عاصمٍ، فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لعمرٍو: "أخبِرْني عن الزِّبْرِقَانِ". فقال: هو مُطَاعٌ في نَادِيه، شديدُ العارِضَةِ، مانع لما وراءَ ظَهْرِه. قال الزِّبْرِقَانُ: هو والله يا رسولَ الله يعْلَمُ أنِّي أفْضَلُ منه. فقال عمرو: إنَّه لَزَمِرُ المُرُوءَةِ، ضَيِّقُ العَطَن (٢)، أحْمَقُ الأبِ، لَئِيمُ الخَالِ، يا رسولَ الله، صدَقْتُه في الأُولى، وما كَذَبْتُه في الأُخْرى؛ أرْضَاني فقُلْتُ أحسنَ ما عَلِمْتُ، وأسْخَطَنِي فقلتُ أسْوَأ ما عَلِمْتُ. فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن من البيانِ لسِحْرًا" (٣). وهكذا (٤) رِوايةُ أهلِ الأخبار، المدائنيِّ وغيره، لهذا الخَبَر، إلّا أنَّهم قالوا: "مُطاع في أَدَانيه" كما جاءَ في حديث حَمّاد بنِ زيد، وقرأ الخَبَر كما تقدَّم عن حَمّاد بنِ زيد عن محُمد بن الزُّبير، إلا أنَّهم قالوا: "ما كذبتُ، ولقد صدقتُ في الآخرة، رضيتُ فقلتُ أطيبَ ما عَلِمتُ، وسَخِطتُ فقلتُ أسوا ما عَلِمتُ"، ولم يَذْكُروا قَيْسَ بن عاصم، وإنما ذكروا الزِّبْرِقان وعَمْرو بنَ الأهْتَم. وكذلك في حديث مالك: قدم رَجُلان وهما: "عمرو والزَّبْرِقان"، لا يختلفُ في ذلك أهلُ العِلْم، واللهُ أعلم.

стр. 1884

وفي هذا دليلٌ على مدح البيانِ، وفَضْلِ البلاغةِ، والتَّعَجُّبِ بما يُسْمَعُ من فصاحةِ أهْلِها (١). وفيه المجَازُ والاستعارةُ الحسنةُ؛ لأن البيانَ ليس بسِحْرٍ على الحقيقة. وفيه الإفراطُ في المدحِ؛ لأنَّه لا شيءَ في الإعْجابِ والأخْذِ بالقُلوبِ يبلُغُ مَبْلَغَ السِّحْرِ. وأصلُ لفظَةِ السِّحْرِ عندَ العربِ: الاسْتِمالَةُ، وكلُّ مَنِ اسْتَمالك فقد سحَرك. وقد ذهَب هذا القولُ منه ﷺ مثلًا سائرًا في الناسِ (٢) إذا سمِعُوا كلامًا يُعْجِبُهم قالوا: إن من البيانِ لَسِحْرًا. ويقولون في مثلِ هذا أيضًا (٣): هذا السحرُ الحلالُ. ورُوِي أن سائلًا سأل عمرَ بنَ عبدِ العَزِيزِ حاجةً بكلام أعْجَبه، فقال عمرُ: هذا واللّه السِّحرُ الحلال (٤). ومن هاهنا أخذ ابنُ الرُّوميِّ، فيما أحسَبُ (٥) هذا المعنى، فأحْسَنَ (٦):

стр. 1885

وحدِيثُها السِّحْرُ الحَلالُ لَوَ أنَّها ... لم تَجْنِ قَتْلَ المُسْلِمِ المُتَحَرِّزِ إن طالَ لم يُمْلَلْ وإنْ هِيَ أوْجَزَتْ ... وَدَّ المُحَدّثُ أنَّها لم تُوجِزِ شَرَكُ العقولِ وَنُزْهَةٌ ما مثلُها ... للسَّامِعين وعُقْلَةُ المسْتَوفِزِ ومن هذا أيضًا ما أنْشَدني يوسفُ بنُ هارونَ في قصيدةٍ له: نَطقْتُ بسِحْرٍ بعدها غيرَ أنَّه ... من السِّحْرِ ما لم يُخْتَلَفْ في حَلالِهِ كذاك ابنُ سِيرِينَ بنَفْثةِ يُوسُفٍ ... تكَلَّمَ في الرُّؤيا بمِثْلِ مَقالِهِ (١) وفي هذا الحديثِ ما يَدُلُّ على أن التعجُّبَ مِن الإحْسَانِ في البيانِ والبلاغةِ مَوْجُودٌ في طِبَاع ذَوي العُقُولِ والفصاحةِ، وكان رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- قد أُوتيَ جَوامِعَ الكَلِم (٢)، إلَّا أنَّه بإنْصَافِه كان يَعْرِفُ لكُلِّ ذي فَضْلٍ فَضْلَه. وفي هذا ما يَدُلُّ على أن أبْصَرَ الناسِ بالشيءِ أشَدُّهم فَرَحًا بالجيِّدِ منه، ما لم يكنْ حَسُودًا. وإنَّما يَحْمَدُ العلماءُ البلاغةَ واللَّسانَةَ، ما لم تخرُجْ إلى حدِّ الإسْهَابِ والإطْنابِ والتَّفَيْهُق؛ فقد رُوِي في الثَّرْثارِينَ المتَفَيْهِقِينَ أنَّهم أبْغَضُ الناسِ إلى الله ورسولِه (٣).

стр. 1886

وهذا، واللهُ أعلمُ، إذا كان ممَّن يُحاوِلُ تَزْيينَ الباطلِ وتَحْسِينَه بلَفْظِه، ويريدُ إقامتَه في صورر الحقِّ، فهذا هو المكروهُ الذي ورَد فيه التَّغْلِيظُ. وأمَّا قولُ الحقِّ، فحسنٌ جميلٌ على كلِّ حالٍ، كان فيه إطنابٌ أو لم يكنْ، إذا لم يتجاوزِ الحقَّ، وإن كنتُ أُحِبُّ أوْسَاطَ الأُمورِ، فإن ذلك أعْدَلُها، والذي اتَّفَق العلماءُ باللغةِ في مَدْحِه من البلاغةِ؛ الإيجازُ والاخْتِصارُ، وإدْرَاكُ المعاني الجَسِيمَةِ بالألفاظِ اليَسِير.

стр. 1887

ويقالُ: إنَّ الرَّجلَينِ اللذَيْنِ خطَبا أو أحَدُهما عندَ رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم- المَذكُورَيِن في هذا الحديثِ؛ عمرُو بنُ الأهْتَمِ، والزِّبْرِقَانُ بنُ بَدْرٍ. قال أبو عمر (١): أمَّا قولُه: لَزَمِرٌ. فالزَّمِرُ: القليلُ، أرادَ قليلَ المُرُوءَةِ. والعَطَنُ: الفِناءُ. وقولُه: ضَيِّقُ العَطَنِ، كِنايَةٌ عن البُخْلِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يَزيد، قال: حدَّثنا ابنُ إدْرِيسَ، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، قال: كان زيدُ بنُ إياسٍ يقولُ للشَّعْبِيِّ: يا مُبْطِلَ الحَاجاتِ. يعْنِي أنَّه يَشْغَلُ جُلَساءَه عن حَوائجِهم بحُسْنِ حديثه (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سعيدٍ المِهْرَانِيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ محمدٍ المُهَلَّبِيُّ، قال: حدَّثنا العُتْبِيُّ، عَمَّنْ حدَّثه، قال: كان الشَّعْبِيُّ إذا سَمِع حديثًا ورَدَّه، فكأنَّه زاد فيه من تَحْسِينِه لِلفْظِه، فسَمِع يومًا حديثًا وقد سَمِعه معه جليسٌ له يُقالُ له: رَزِينٌ. فرَدَّه الشَّعْبِيُّ وحَسَّنه، فقال له رَزِين: اتَّقِ اللهَ يا أبا عمرٍو، ليسَ هكذا الحديثُ. فقال له الشَّعْبِيُّ: يا رَزِينُ ما كان أحْوَجَكَ إلى مُحَدْرَجٍ (٣)، شديدِ الجَلَدِ، لَيِّنِ المهَزَّة (٤)، عَظِيم الثَّمَرَةِ (٥)، أُخِذ ما بينَ مَغْرَزِ

стр. 1888

بينَ مَغْرَزِ عُنُقٍ إلى عَجْبِ ذَنَبٍ (١)، يُوضَعُ منكَ في مِثْلِ ذلك، فتكْثُرُ له رَقَصاتُكَ من غيرِ جَذَلٍ (٢). فلم يَدْرِ ما قال له، فقال: وما ذاكَ؟ قال: شيءٌ لنا فيه أرَبٌ، ولكَ فيه أدَبٌ (٣). ومن أحْسَنِ ما قيل في مَدْحِ البلاغةِ مِن النَّظْمِ، قولُ حَسَّانَ بنِ ثابتٍ في ابنِ عباسٍ: صَمُوتٌ إذا ما الصَّمْتُ زَيَّنَ أهلَه ... وفَتَّاقُ أبْكارِ الكَلامِ المُخَتَّمِ وَعَى ما وَعَى القرآنُ من كلِّ حِكْمَةٍ ... ونيطَت له الآدابُ باللَّحْمِ والدَّمِ (٤) وقال ثَعْلَبٌ: لا أعْرِفُ في حُسْنِ صِفَةِ الكَلام أحْسَنَ من هذَيْنِ البَيْتَيْن، وهما لعَدِيِّ بنِ الحارثِ التَّيْمِيِّ: كأن كلامَ الناسِ جُمِّعَ عندَه ... فيأخُذُ من أطْرافِه يتَخَيَّرُ فلم يَرْضَ إلَّا كلَّ بِكْرٍ ثَقِيلَةٍ ... تكادُ بآنٍ من دَمِ الجوفِ تَقْطُرُ (٥)

стр. 1889

قال أبو عُمر: البَيْتَان اللذانِ قبلَهما خيرٌ منهما. ولحسَّانَ (١) أيضًا في ابنِ عبّاس (٢): إذا قال لم يَتْرُكْ مقالًا لقائلٍ ... بمُنْتَظماتٍ لا تَرَى بيْنَها فَصلا يقولُ مَقالًا لا يقُولونَ مثلَه ... كنَحْتِ الصفَا لم يُبْقِ في غايَةٍ فَضْلا كَفَى وشَفَى ما في النُّفوسِ فلم يدَعْ ... لذِي إرْبَةٍ في القَوْلِ جِدًّا ولا هَزْلا في أبيات له. ولغيرِه فيه أيضًا: إذا قال لم يتْرُكْ صوابًا ولم يَقِفْ ... لعِيٍّ ولم يثْنِ اللِّسانَ على هُجْرِ (٣) وقال مكِّيُّ بنُ سَوَادَةَ في خالدِ بنِ صَفْوانَ: عليمٌ بتَنْزِيلِ الكلامِ مُلَقَّنٌ ... ذَكُورٌ لِمَا سَدَّاه أوَّلَ أوَّلَا

стр. 1890

ترَى خُطَباءَ الناسِ يومَ ارْتجَالِه ... كأنَّهُمُ الكِرْوانُ عايَنَّ أجْدَلَا (١) أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤْمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بَكْرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ يَحْيىَ بنِ فارِسٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو تُمَيْلَةَ (٣)، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ النَّحْوِيُّ عبدُ الله بنُ ثابِتٍ، قال: حدَّثني صَخْرُ بنُ عبدِ الله بنِ بُرَيْد، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إن مِن البيانِ سِحرًا، وإن من العلم جَهْلًا، وإن من الشعرِ حُكْمًا، وإنَّ من القولِ عِيَالًا". فقال صَعْصَعَةُ بنُ صُوحَانَ: صدَق رسولُ الله ﷺ ؛ أمَّا قولُه: "إن من البيانِ سِحْرًا". فالرَّجلُ يكونُ عليه الحَقُّ، فهو ألحَنُ بالحُجَج مِن صاحِبِ الحَقِّ، فيَسْحَرُ القومَ بِبَيانِه، فيَذْهَبُ بالحَقِّ. وأمَّا قولُه: "إنَّ من العِلْم جَهْلًا". فتكلُّفُ العالم إلى عِلْمِه ما لَا يعلَمُه، فيُجهَّلُه ذلك. وأمَّا قولُه: "إن من الشعرِ حُكْمًا" فهي هذه المواعِظُ التي يَتَّعِظُ بها الناسُ. وأمَّا قولُه: "إنَّ من القولِ عِيَالًا" فعَرْضُكَ كَلامَكَ وحدِيثَكَ على من ليس من شَأْنِه ولا يُرِيدُه. قال أبو عُمر: قولُه ﷺ : "إن من الشعرِ حُكْمًا" أراد حِكْمَةً، وذلك نحوُ قولِه : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]. يعني: الحِكْمَةَ والنبُوَّةَ، وهذا أعْرَفُ وأشْهَرُ من أن يحْتَاجَ إلى شاهِدٍ، وبالله التوفيقُ.

стр. 1891

حديثٌ ثانٍ وأربعونَ لزيد بنِ أسلَمَ (١) منقطعٌ في رواية يحيى، وهو مُسندٌ صحيحٌ من رواية القَعْنبيِّ وغيرِه (٢) مالكٌ (٣)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ سأل رسولَ الله ﷺ عن الكَلَالةِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "يَكْفِيكَ من ذلك الآيةُ التي نزَلَت في الصَّيفِ في سورةِ النساءِ". هكذا روَاه يحيى مرسلًا (٤)، وتابَعه أكثرُ الرُّواةِ على إرسالِه، ووصَله القعنبيُّ، وابنُ القاسمِ (٥) على اختلافٍ عنه، فقالا فيه: عن مالِكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ الخطابِ. وروَاه ابنُ وهبٍ، ومطرِّفٌ، وابنُ بُكيرٍ، وأبو المصعب (٦)، ومصعبٌ، ومَعْنٌ، وابنُ عُفيرٍ، كما روَاه يحيى، لم يقولوا فيه: عن أبيه (٧). وقد تقدَّم القولُ في روايةِ أسلمَ عن مولَاه عمرَ أنَّها محمولةٌ عندَ أهلِ العِلْم على الاتِّصالِ. وقد رَوَاه الحارِثُ بنُ مِسْكِينٍ، عن ابنِ القاسِمِ، عن مالِكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ عُمَرَ. كما قال يحيى وغيرُه. حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ

стр. 1892

المكيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، وحدَّثنا، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ العلاءِ القاضِي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ موسى الشَّاميُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا القعنبيُّ، قال: قرَأْتُ على مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ سأل رسولَ الله ﷺ عن الكَلالةِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "يَكفِيكَ من ذلك الآيةُ التي نزَلت في الصيفِ في آخِرِ سورةِ النِّساءِ" (١). هكذا قال القعنبيُّ: "في آخرِ سور النِّساءِ". وقال يحيى: "في سور النساءِ". وقد رُوِي هذا الحديثُ مسندًا مِن حديثِ البراءِ بنِ عازِبٍ، وسنذكُرُه إن شاء اللهُ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ العالمَ إذا سُئل عّمَا فيه خبرٌ في الكتابِ أو في السُّنةِ، ويكونُ دليلُ ذلك الخطابِ بيِّنًا: أنَّ له أن يُحِيلَ السائلَ عليه، ويَكِلَه إلى فَهْمِه فيه، إذا كان السَّائلُ ممَّن يَصلُحُ لهذا، ونزَل تلك المنزِلةَ. وفيه دليلٌ على استعمالِ عُموم اللَّفظِ وظاهرِه، ما لم يَرِدْ شيءٌ يخُصُّه. واختَلَف الناسُ في معنى الكَلالَةِ؛ فأمَّا أهلُ اللغةِ، فقال ابنُ الأنباريِّ وغيرُه: قولُه: ﴿كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢] هو أن يموتَ الرجلُ ولا ولدَ له ولا والدَ. وقيل: هي مصدرٌ من: تَكَلَّله النَّسَبُ. أي: أحاط به (٢)، ومنه سُمِّي الإكْلِيلُ، وهو (٣) منزِلَةٌ من مَنازِلِ القمرِ؛ لإحاطَتِها بالقمرِ إذا احتَلَّ بها. ومنه الإكْلِيلُ، وهو التَّاجُ والعِصابَةُ المحِيطَةُ بالرأسِ، سُمِّي بذلك لإحاطَتِه بالرأسِ، فجرَى لفظُ الكَلالَةِ مَجرَى الشَّجاعةِ والسماحةِ، والأبُ والابنُ طَرَفا الرجل، فإذا ذهَبا

стр. 1893

تَكَلَّله النَّسَبُ، أي: أحاطَ به. ومنه قيل: روضةٌ مُكَلّلةٌ: إذا حُفَّتْ بالنَّوْرِ (١). وقال بعضُهم: هي اسمٌ للمُصيبةِ في: تَكَلَّل النَّسَبُ (٢). وأنشَدوا: مَسكَنُه روضةٌ مُكلَّلَةٌ ... عَمَّ بها الأَيْهُقَانُ والذُّرَقُ (٣) يعني نَبْتَينِ. وقال الخليلُ (٤): كَلَّ الرجلُ كَلالَةً: إذا لم يكنْ له ولدٌ، وكَلَّلَ، إذا ذهَب، ورَوضَةٌ مُكَلَّلَةٌ بالنَّوْرِ، أيْ: مَحْفُوفَةٌ به. وذكَر أبو حاتم والأثرمُ، عن أبي عبيدة (٥) قال: الكَلالةُ: كلُّ من لم يَرِثْه أبٌ أو ابن أو أخٌ، فهو عندَ العرب كَلالةٌ، ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾. مصدرٌ من: تكَلَّلَه النَّسَبُ (٦)، أي: أحاط به وتَعَطَّف عليه. قال أبو عبيدة (٧): ومَن قرَأ: (يُورِثُ كَلالةً) (٨): فهُم العَصبَةُ الرِّجالُ الوَرَثَةُ.

стр. 1894

وذكَر إسماعيلُ القاضي كلامَ أبي عبيدةَ هذا إلى آخِرِه، ثم قال: ويُشبِهُ أن تكونَ اللغةُ تَحتمِلُ هذا كلَّه. يعْني ما ذكَره عن العلماءِ من قولِهم: الكَلالَةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والِدَ، إلى سائرِ ما ذُكِر مِّمَا سنَذْكُرُ أكثرَه في هذا البابِ إن شاء اللهُ. ثم قال إسماعيلُ: فأُرِيدَ بالآيةِ التي في أوَّلِ سورةِ "النِّساءِ" (١): مَنْ لا أبَ له ولا جَدَّ، وأُرِيدَ بالآيةِ التي في آخر سورةِ "النِّساءِ" (٢): من لا وَلَدَ له. وإنَّما أوجَب قولُ من قال في الكَلالَةِ في أوَّلِ سورةِ "النِّساءِ" بأنَّه مَنْ لا وَلَدَ له ولا والِدَ؛ لأنَّ الجَدَّ في هذا الموضعِ يمنَعُ الإخوَةَ من الأمِّ، كما منَعهم الأبُ، ولم يُوجِبْ هذا أنَّ الجَدَّ يقومُ مَقامَ الأبِ مع الإخوةِ من الأبِ؛ لأنَّ البنتَ قد منَعَتِ الإخوةَ من الأُمِّ، كما منَعهم الأبُ، والجَدُّ لا يقومُ مَقامَ الأبِ مع الإخوةِ من الأبِ، وقد يقومُ الوارثُ مَقامَ الوارِثِ في مَنعِ بعضِ الوارِثين، ولا يقومُ مَقامَه في مَنعِ كلِّ ما يَمنَعُه الآخَرُ. قال: وحدَّثنا أبو المصعبِ، قال: قال مالكٌ: كلُّ مَن ترَك وَلَدا ذكَرًا أو ابنَ ابنٍ ذَكَرٍ، فإنَّه لم يُورَثْ كَلالةً، وإن ترَكَ ابنةً أو ابنَتَيْن فإنَّ البِنتَيْنِ ليستَا بكَلالَةٍ، والذي وَرِث معهما كَلالَةٌ. قال أبو عُمر: الكلالةُ في هذا الموضِعِ عندَ العلماءِ بلسانِ العربِ ومعاني كتابِ الله هُم المتَكَلِّلُون مِن الورثةِ برَحِم من الميتِ، ممَّن لم يَلِدِ الميتَ،

стр. 1895

ولا وَلَدَه الميتُ، وذلك أنَّهم حَوَالَي الميتِ، وليسوا بآبائِه ولا بأبنائِه الذين خرَج منهم وخرَجوا منه؛ فهم الإخوةُ للأبِ والأُمِّ وللأُمِّ، ثم بعدَهم سائرُ العَصَبةِ يَجْرون مَجْراهم، ولذلك قال العلماءُ: الكَلالَةُ: مَن لا وَلَد له ولا والِدَ. وأمَّا ذِكرُ أبي عبيدةَ الأخَ هاهُنا مع الأب والابنِ في شَرطِ الكَلالَةِ، حيثُ قال: هو كلُّ من لم يَرِثْه أب ولا ابنٌ ولا أخٌ (١). فذِكرُ الأخِ في ذلك غَلَطٌ لا وجهَ له، ولم يَذكُرْه في شرطِ الكَلالةِ غيرُه، إلَّا أنَّ لقولِه وجهًا ضعيفًا، يُخَرَّجُ على معنًى مِن معانِي تورِيثِ الحَدِّ مع الإخوةِ، وهو مع ذلك بعيدٌ في تأوِيلِ قول الله تعالى في الكَلالَةِ، وسنُبيِّنُ خطأَ قولِه ذلك في هذا البابِ بعدَ ذِكرِ الآثارِ المرفوعَةِ وأقاويلِ الصحابةِ فيه إن شاءَ الله (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يونسَ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ عيَّاشٍ، عن أبي إسحاقَ (٣)، عن البراءِ، قال: جاء رجل إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، قولُ الله : ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] ما الكَلالةُ؟ قال: "تُجزِئُك آيةُ الصَّيفِ". يقولُ: لأنَّها نزَلت في الصَّيفِ. قال أبو بكرٍ بنُ عيَّاشٍ: فقلتُ لأبي إسحاقَ: هو الرجلُ يموتُ ولا يدَعُ ولدًا ولا والدًا؟ قال: كذلك ظَنَّ الناسُ (٤).

стр. 1896

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السَّلام الخُشَنِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ قال: سمِعتُ البَراءَ يقولُ: آخِرُ آيةٍ نزَلت آيةُ الكلالَةِ، وآخِرُ سورةٍ أُنزِلت سورةُ "براءة" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام الخُشَنِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ،

стр. 1897

قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ المنكدرِ قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: دخَل علَيَّ النبيُّ ﷺ وأنا مريضٌ، فتوضَّأ فصَبَّه علَيَّ، فقلتُ: إنَّه لا يَرثُني إلَّا كلالَةٌ. فنزَلت آيةُ الفرائضِ (١). قال أبو عُمر: قالوا: ولم يكنْ لجابرٍ يومَئذٍ ولدٌ ولا والدٌ؛ لأنَّ والدَه قُتِل يومَ أحدٍ، ونزَلت آيةُ الكلالَةِ بعدَ ذلك. وأخبَرنا أحمدُ بنُ محمدٍ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قال أحمدُ: حدَّثنا وهبُ بنُ مَسَرَّةَ. وقال سعيدٌ: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ. قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، سمِع جابرًا يقولُ: مَرِضتُ، فجاءني رسولُ الله ﷺ يعُودُني هو وأبو بكرٍ وهما ماشيان، فقلتُ: يا رسولَ الله، كيف أقضِي في مالِي؟ كيف أصنعُ؟ فلم يُجِبْني حتى نزَلت آيةُ الكَلالَةِ (٢). وروَى أشعثُ (٣)، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، أنَّه قال: اشتكيتُ وعندي سبعُ أخواتٍ لي، فدخَل علَيَّ رسولُ الله ﷺ ، فقال: "يا جابرُ، لَا أُرَاكَ ميِّتًا مِن

стр. 1898

وجَعِك هذا، فإنّ اللهَ قد أنزَل وبيَّن لأخَواتِكَ، فجعَل لهنَّ الثُّلُثينِ" (١). فكان جابرٌ يقولُ: فيَّ نزَلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. وروَى هشامٌ الدَّستُوائيُّ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، أنَّه حدَّثه، قال: اشتَكَيتُ. فذكَر مثلَه إلى آخِرِه سواءً (٢). حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ -يعني ابنَ الطَّبَّاع- قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرٍ و، عن طاووسٍ، أنَّ عمرَ أمَر حفصةَ أن تَسألَ رسولَ الله ﷺ عن الكَلالَةِ، فأَمهَلت حتى لَبِس ثيابَه، ثم سألته فأمَلَّه عليها في كَتِفٍ، وقال: "مَن أمَركِ بهذا؟ أعمرُ؟ ما أظنُّه فَهِمَها، أو لمْ تَكْفِه الآيةُ التي نزَلت في الصَّيف: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾؟ ". فأتته حفصةُ بالكتِفِ، فجعَل عمرُ يقرَأُ حتى انتهَى إلى قولِه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. فقال: اللهمَّ مَنْ فَهِمَها، فإنِّي لم أفْهَمْها (٣). وروَى عبدُ الأعلى، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، عن محمد بنِ سيرينَ، عن أبي عبيدةَ، عن أبيه، قال: نزَلت آيةُ الكَلالَةِ على رسولِ الله ﷺ وهو في مَسِيرٍ

стр. 1899

له، فالتَفَت فإذا هو بحذيفةَ إلى جنبِه، فلقَّنه إيَّاها، فنظَر حذيفةُ، فإذا عمرُ، فلقَّنه إيَّاها، فلمَّا كان في خلافةِ عمرَ ونظَر في الكَلالَةِ لَقِيَ حذيفةَ، فسأله عنها، فقال حذيفةُ: لقَّننِيها النبيُّ ﷺ ، فلقَّنتُكَ كما لَقَّنني، والله لا أزِيدُك على هذا أبدًا (١). قال أبو عُمر: طعَن قومٌ من المُلْحِدِين على عمرَ ﵁ في هذه القصةِ، ونسَبوه إلى قِلَّةِ الفَهمِ، فأوضَحوا جَهلَهم، وكشَفوا قِلَّة فَهمِهم، وسَرَّحوا عن بدعتِهم، وقد عرَف المسلمون موضِعَ فِطْنةِ عمرَ وفَهمِه وذكائِه، حتى لقد كان يسْبِقُ التنزيلَ بفِطنتِه، فينزِلُ القرآنُ على ظنِّه ومُرادِه، وهذا محفوظٌ معلومٌ عنه في غيرِ ما قصةٍ؛ منها نزولُ آيةِ الحجابِ، وآيةِ فِداءِ الأسرى، وآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وآية تحريم الخمر، وغير ذلك مِمَّا يطولُ ذِكْرُه. ولا يجهَلُ فضائلَه وموضِعَه من العلم إلَّا من سَفِه نفسَه. ولَعَمرِي، إنَّ في هذا الخبرِ عنه في الكَلالَةِ ما يَزِيدُ في فضلِه، ويوضِّحُ عن فَهمِه ومنزلتِه عندَ رسولِ الله ﷺ ؛ لأنَّه لو لم يكنْ عندَ رسولِ الله ﷺ ممَّن يقومُ باستخراجِ التأويلِ، وَيَسْتَنبِطُ المعانيَ من التنزِيلِ، لَمَا رَدَّ رسولُ الله ﷺ هذا ومثلَه إلى نظَرِه واستِنباطِه، وإلى بصَرِه واستِخراجِه، ولَمَا قال له: "يكفِيكَ آيةُ الصَّيْفِ". ولو كان عندَه مِمَّن لا يُدرِكُ استِخراجَ التأويل مِن ظاهِرِ التنزِيلِ، لَمَا كفَتْه عندَه الآيةُ، ولَبيَّنَ له ما يَحتاجُ مِن ذلك إليه، وأوضَحَ له ما أشكَل عليه؛ إذ كان بيانُه واجبًا لازمًا له ﷺ .

стр. 1900

حدَّثني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (١): أخبَرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثني أبي، عن قتادةَ، عن سالم بنِ أبي الجَعدِ، عن مَعدانَ بنِ أبي طلحةَ اليَعْمَرِيِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ خطَب يومَ الجمُعةِ، فقال: إنِّي لا أدعُ بعدِي شيئًا أهمَّ مِن الكَلالَةِ، وما راجَعتُ رسولَ الله ﷺ في شيءٍ ما راجَعتُه في الكَلالَةِ، وما أغلَظَ لي في شيءٍ منذُ صاحَبتُه ما أغلَظَ لي في الكَلالَةِ، حتى طعَنَ بأصبَعِه في صدري، وقال: "يا عمرُ، أما تكفِيكَ آيةُ الصيفِ التي أُنزِلَت في سور النساءِ؟ ". وذكَر عبدُ الرزاقِ (٢)، عن ابنِ جريجٍ وابنِ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن محمدِ بنِ طلحةَ بنِ يزيدَ بنِ رُكَانةَ قال: قال عمرُ: لأن أكونَ سألتُ النبيَّ ﷺ عن ثلاثٍ أحَبُّ إليَّ من كذا؛ عن الكَلالَةِ. وذكَر باقِيَ الحديثِ. وأخبَرنا خلفُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ زيدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ، قال (٣): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حيَّانَ التيمِيُّ، عن الشعبيِّ، عن ابنِ عمرَ قال:

стр. 1901

سمِعُت عمرَ يقولُ على مِنبرِ المدينةِ: وَددتُ أن رسولَ الله ﷺ لم يُفارِقْنا حتى يَعهَدَ إلينا عهدًا نَنتَهي إليه في الجَدِّ، والكَلالةِ، وأبوابٍ من أبوابِ الرِّبا. وقد ذكَر حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدعانَ، عن أبي رافع، عن عمرَ، أنَّه قال لابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ زيدٍ، وابنِ عمرَ، حينَ طُعِن: اعلَموا أنَّه مَن أدرَكَ وَفاتي من سبْي العربِ مِن مالِ الله فهو حُرٌّ، وأعلَموا أنِّي لم أقلْ في الكَلالةِ شيئًا، وأعلَموا أنِّي لم أستَخلِفْ أحدًا (١). وذكَر عبدُ الرزاق (٢)، عن ابنِ عيينةَ، عن عاصم بنِ سليمانَ، عن الشعبيِّ، قال: فين عمرُ يقولُ: الكَلالةُ مَن لا ولَدَ له. فلَمَّا طُعِن قال: إنِّي لأستَحْيِي مِن الله أن أُخالِفَ أبا بكرٍ، أرَى الكَلالَةَ ما عَدا الولدَ والوالدَ. وروَى عبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن سُليم بنِ عبيدٍ السَّلُوليِّ، عن ابنِ عباسٍ قال: الكَلالَةُ ما خَلَا الوَلَدَ والوالدَ (٣). ورُوِى عن عليِّ بنِ المدينيِّ وغيرِه، عن سفيانَ بنِ عيينةَ، عن عَمْرِو بنِ دينارٍ، قال: أخبَرني الحسنُ بنُ محمدٍ قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الكَلالَةِ، فقال:

стр. 1902

ما عَدا الوَلَدَ والوالِدَ. قلتُ: إنَّ اللهَ يقولُ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. فغَضِب وانتَهَرني (١). وروَى يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا عاصم الأحولُ، عن الشعبيِّ قال: سُئِل أبو بكرٍ عن الكَلالةِ، فقال: إنِّي سأقولُ فيها برَأي، فإن يكنْ صوابًا فمِن الله، وإن يكنْ خطأً فمِنِّي ومِن الشيطانِ؛ أرَاها ما خَلَا الوَلَدَ والوالدَ. فلمَّا استُخلِف عمرُ قال: إنِّي لأستَحْيي من الله أن أرُدَّ شيئًا قاله أبو بكرٍ (٢). وروَى سفيانُ (٣)، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن مرَّةَ قال: قال عمرُ وعبدُ الله: ثلاثٌ لأنْ يكونَ النبِيُّ ﷺ بيَّنَهُنَّ لنا، أحَبُّ إلينا من الدنيا وما فيها: الكَلالَةُ، والخِلافةُ، والرِّبا (٤). روَاه وكيعٌ، عن سفيانَ بإسنادِه ولم يذكُرْ فيه عبدَ الله (٥).

стр. 1903

حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن عاصم الأحولِ، عن الشعبيِّ، أنَّ أبا بكرٍ الصدِّيقَ وعمرَ بنَ الخطابِ ﵄ قالا: الكَلالَةُ مَن لا وَلَدَ له ولا والِدَ (١). وذكَر يحيى بنُ آدمَ، عن شرِيكٍ، وزهير، وأبي الأحوص، عن أبي إسحاقَ، عن سُليم بنِ عبدٍ قال: ما رأيتُهم إلا وقد تواطَئوا وأجمَعوا على أنَّ الكَلالةَ مَن مات وليس له وَلَدٌ ولا والِدٌ (٢). قال يحيى: وحدَّثنا عبدُ الرحيمِ، عن محمدِ بنِ سالم، عن الشعبيِّ قال: الكَلالةُ ما كان سوى الوَلَدِ والوالِدِ مِن الورثةِ، إخوةً أو غيرَهم من العَصَبَةِ، كذلك قال عليٌّ، وابنُ مسعودٍ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ. وذكَر عبدُ الرزاقِ (٣)، عن معمَرٍ، عن الزهريِّ وقتادةَ، وعن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ شرَحبِيلِ، قالوا: الكَلالةُ مَن ليس له ولَدٌ ولا والِدٌ. وذكَر ابنُ أبي حاتم، عن موسى بن الأهوازيِّ، عن أبي هشام الرفاعيِّ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ آدمَ يقولُ: قد اختَلَفوا في الكَلالَةِ، وصار المجتمَعُ عليه: مما خَلَا الوَلَدَ والوالِدَ. قال أبو عُمر: قد فسَّر مالكٌ ﵀ الكَلالَةَ في "مُوَطَّئِه" (٤) تفسيرًا حسنًا،

стр. 1904

فقال: الأمرُ المجتَمَعُ عليه الذي لا خِلافَ فيه، والذي أدرَكتُ عليه أهلَ العلم ببلدِنا، أنَّ الكَلالَةَ على وجهَينِ؛ أمَّا الآيةُ التي في سورةِ "النساءِ" التي قال اللهُ فيها: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. فهذه الكَلالَةُ التي لا يَرِثُ الإخوةُ للأُمِّ فيها حتى لا يكونَ وَلَدٌ ولا والِدٌ. قال مالِكٌ: وأمَّا الآيةُ التي في آخِرِ سورةِ "النساء": ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. قال: فهذه الكَلَالةُ التي يكونُ فيها الإخوَةُ عصبةً إذا لم يكنْ وَلَدٌ، فيرِثُون مع الجَدِّ في الكَلَالَةِ. قال: والجَدُّ يَرِثُ مع الإخوةِ؛ لأَنَّه أوْلَى بالميرَاثِ منهم، وذلك أنَّه يَرِثُ مع ذُكُورِ بني المتوفَّى السُّدُسَ، ولا يَرثُ الإخوةُ معهم شيئًا. قال: وكيف لا يأخُذُ مع الإخوةِ وهو يَحجُبُ بَني الأُمِّ عن المِيراثِ، وبنو الأُمِّ يأخُذُون مع الإخوةِ الثُّلُثَ. قال أبو عُمر: ذكَر اللهُ في كِتابِه الكَلَالةَ في موضعَينِ، ولم يذكُرْ في كِلَا الموضِعَينِ وارِثًا غيرَ الإخوةِ؛ فأمَّا الآيةُ التي في صَدرِ سورة "النِّساءِ"، قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. فقد أجمَعَ العلماءُ أنَّ الإخوةَ في هذه الآيةِ عنَى بهم الإخوةَ للأُمِّ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلم أنَّ الإخوةَ للأبِ والأُمِّ، أو للأبِ، ليس ميراثُهم هكذا.

стр. 1905

وقد رُوِي عن بعضِ الصحابةِ أنَّه كان يقرَأُ: (وله أخٌ أو أُخْتٌ مِن أُمِّ)، فدَلَّ هذا مع ما ذكَرنا من إجماعِهم على أنَّ المرادَ في هذه الآيةِ الإخوَةُ للأُمِّ خاصَّةً. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفارُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الله، قال: أخبَرنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يعلى بنُ عطاءٍ، عن القاسم بنِ ربيعةَ بنِ قانِفٍ (١)، قال: سمِعتُ سعدًا يقرَأُ: (وإن كان رجلٌ يُورَثُ كَلَالةً أو امرأةٌ وله أخٌ أو أُختٌ مِن أُمّه" (٢).

стр. 1906

ورَوَاه شُعْبَةُ، عن يَعْلَى بن عَطَاءٍ مثلَه بإسنادِه سواءً (١). وأمَّا الآيةُ التي في آخرِ سورةِ "النِّساءِ"، قولُه تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآيةَ الى قولِه: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. فلم يختَلِفْ علماءُ المسلمين قديمًا وحديثًا أنَّ مِيراثَ الإخوةِ للأُمِّ ليس هكذا، فدَلَّ إجماعُهم على أنَّ الإخْوةَ المذكورِينَ في هذه الآيةِ هم إخوةُ المتوفَّى لأبيه وأُمِّه، أو لأبيه، ودلَّتِ الآيتانِ جميعًا أنَّ الإخوةَ كلَّهم كَلالَةٌ، وأنَّهم إذا وَرِثوا المتوفَّى فإنَّه يُورَثُ كَلالَةً، وهذا ما لا خِلافَ فيه، ولهذا، واللهُ أعلمُ، قال مَن قال مِن الصحابةِ: إنَّ وراثَةَ مَن عدَا الوالِدَ والولدَ كَلَالةٌ؛ لأنَّ الإخوةَ إذا كانوا كَلالَةً كان مَن هو أبعَدُ منهم أولى أن يُسَمَّى كَلالَةً. وقد اختَلَف الناسُ في المسَمَّى بالكَلالَةِ، أهو الميِّتُ الذي لا وَلَدَ له ولا والِدَ، أم ورَثَتُه؟ فقال أكثرُ المدنيِّين والكوفيِّين: الكلالةُ الورَثَةُ الذين لا ولَدَ فيهم ولا والِدَ. وقال البصرِيُّون: الكَلالَةُ الميتُ الذي لا وَلَدَ له ولا والِدَ. ورُوي ذلك عن ابنِ عبّاسٍ (٢). وقال ابنُ زيدٍ: الكَلالَةُ: الميِّتُ الذي لا وَلدَ له ولا والِدَ، والحيُّ الذي ليس بوَلَدٍ للميِّتِ ولا والِدٍ، وهو يَرِثُه، هذا يُورَثُ بالكَلالَةِ، وهذا يَرِثُ بالكَلالَةِ (٣).

стр. 1907

ورُوِي عن عمرَ بنِ الخطابِ روايتانِ؛ إحدَاهما: أنَّ الكَلالةَ مَن لا وَلَدَ له ولا والِدَ. والأُخرَى: مَن لا وَلَدَ له خاصَّةً. وقد ذكَرنا ذلك. ورُوِي عن عطاءٍ قولٌ شاذٌّ، قال: إنَّ الكَلالَةَ: المالُ (١). وقد قرَأ بعضُ الكوفيين: (يُورِّثُ كَلالَةً) بكسرِ الراءِ وتشديدِها (٢). وقرَأ الحَسَنُ وأيُّوبُ: (يُورِثُ) بكسرِ الراءِ وتخفِيفِها (٣)، على اختلافٍ عنهما، وعلى هاتينِ الرِّوايتين، لا تكونُ الكَلالَةُ إلَّا الورَثَةَ والمالَ. كذلك حكَى أصحابُ المعانِي. فمَن قرَأ: ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾. بفتحِ الراءِ قال: هو الميِّتُ يُورَثُ كَلالَةً، وجعَل نصبَ "الكَلالةِ" على المصدَر (٤)، كما تقدَّمَ لأبي عُبَيْدةَ (٥) (٦) وغيرِه. ومَن قرَأ: (يُورِثُ كَلَالةً) بكسرِ الراءِ، جعَل الكَلالَةَ الوَرَثَةَ. ومن حُجَّةِ مَن قال بهذا القولِ مع هذه القراءةِ حديثُ جابرٍ الذي تقدَّم ذِكرُه، قولُه: لا يرِثُني إلَّا كلالةٌ (٧).
следующие страницы →