← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 188–227 · переход к 193.

стр. 188

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللَّهُ على محمدٍ وعلى أهلِه، عونَك اللّهُمَّ الحمدُ للَّه (١) الأوَّلِ الآخرِ، الظاهرِ الباطنِ، القادرِ القاهرِ، شُكْرًا على تفَضُّلِه وهدايتِه، وفزَعًا إلى توفيقِه وكِفايَتِه، ووَسِيلةً إلى حِفْظِه ورِعايتِه، ورَغْبَةً في المَزيدِ من كريم آلائِه، وجَميلِ بَلائِه، وحمدًا على نِعَمِه التي عَظُمَ خَطَرُها عن الجَزاءِ، وجَلَّ عدَدُها عن الإحصاءِ، وصلَّى اللَّهُ على محمدٍ خاتَم الأنبياءِ، وعلى آلِه أجمعِين، وسلَّم تَسْلِيمًا. أما بعدُ، فإنِّي رأيتُ كُلَّ من قصَد إلى تخريج ما في "موطَّأ" مالكِ بنِ أنسٍ ﵀، مِن حديثِ رسولِ اللَّه ﷺ قصَد بزَعمِه إلى المُسْنَد، وأضْربَ عن المُنقَطِع والمُرْسَل، وتأمَّلْتُ ذلكَ في كلِّ ما انتَهى إليَّ ممّا جُمِعَ في سائرِ البُلْدان، وألّفَ على اخْتِلافِ الأزْمان، فلم أرَ جامعِيه وقَفُوا عندَ ما شرَطُوه، ولا سَلِمَ لهم في ذلك ما أمَّلُّوه، بل أدخلُوا مِن المُنقَطِع شيئًا في باب المُتَّصِل، وأتَوا بالمُرْسَلِ مع المُسْنَد. وكلُّ مَن يتفَقَّهُ منهم لمالك وينْتَحِلُه إذا سألْتَ مَن شئتَ منهم عن مراسيلِ "الموطَّأ"، قالوا: صِحاحٌ، لا يسُوغُ لأحدٍ الطعنُ فيها؛ لثِقَةِ ناقلِيها، وأمانَةِ مُرْسلِيها. وصدَقُوا فِيما قالُوه من ذلك، لكنها جُمْلَةٌ ينْقُضها تفسيرُهم بإضْرابِهم عن المُرْسَلِ والمَقْطُوع.

стр. 189

وأصْلُ مذهبِ مالك، ﵀، والذي عليه جماعةُ أصحابِنا المالكيِّين؛ أنَّ مُرْسَلَ الثِّقةِ تجبُ به الحُجَّة، ويلْزَمُ به العمل، كما يجبُ بالمُسْنَدِ سواء (١). وأجمعَ أهلُ العِلم مِن أهْلِ الفقهِ والأثَرِ في جميع الأمْصارِ فيما علِمْت، على قَبُولِ خبرِ الواحِدِ العَدْل، وإيجابِ العَملِ به، إذا ثبتَ ولم يَنْسَخْه غيرُه مِن أثَرٍ أو إجْماع، على هذا جميعُ الفقهاءِ في كلِّ عصرٍ مِن لَدُن الصحابةِ إلى يومِنا هذا، إلَّا الخَوارجَ وطوائفَ مِن أهْلِ البِدَع، شِرْذِمَةٌ (٢) لا تُعَدُّ خِلافًا (٣).

стр. 190

وقد أجْمَعَ المسلمون على جوازِ قبولِ (١) السائلِ المُسْتَفْتِي لِمَا يُخْبِرُه به العالِمُ الواحدُ (٢) إذا استَفْتاه فيما لا يعْلَمُه، وقَبُوِل خَبَرِ الواحِدِ العَدْلِ فيما يُخْبِرُ به مِثْلُه، وقد ذكَر الحُجَّةَ عليهم في رَدِّهم أخْبارَ الآحادِ جماعَةٌ مِن أئِمَّةِ الجَماعَةِ وعُلَماءِ المسلمين. وقد أفْرَدْتُ لذلك كتابًا مُوعَبًا كافِيًا (٣)، والحمدُ للَّه. ولأئمَّةِ فقهاءِ الأمْصارِ في إنفاذِ الحُكم بخبرِ الواحدِ العَدْلِ مذاهِبُ مُتقارِبَة، بعدَ إجْماعِهم على ما ذكَرْتُ لك من قَبُولِه وإيجابِ العَملِ به دونَ القَطْع على مُغَيَّبِه، فجُمْلَةُ مذهبِ مالكٍ في ذلك إيجابُ العملِ بمُسْنَدِه ومُرْسَلِه، ما لم يَعْترضْه العَملُ الظاهرُ ببلَده، ولا يُبالي في ذلك مَن خالَفه في سائرِ الأمْصارِ؛ ألَا ترَى إلى إيجابِه العملَ بحدِيثِ التَّفْلِيس (٤)، وحديث المُصَرَّاة (٥)، وحديثِ أبي القُعَيْسِ في لَبَنِ الفَحْل (٦)، وقد خالفَه في ذلك بالمدينةِ وغيرِها جماعةٌ مِن

стр. 191

العلماءِ؟ وكذلك المُرْسَلُ عندَه سواء؛ ألَا تَراه يُرْسِلُ حديثَ الشُّفْعَةِ (١) ويعْمَلُ به، ويُرْسِلُ حدِيثَ اليَمِينِ مع الشاهِد (٢)، ويُوجِبُ القولَ به، ويُرْسِلُ حدِيثَ ناقَةِ البرَاءِ بنِ عازِبٍ في جِناياتِ المَواشِي (٣)، ويرَى العملَ به، ولا يرَى العملَ بحديثِ خِيارِ المُتَبايِعَيْن (٤)، ولا بنَجاسَةِ وُلُوخِ الكلبِ (٥)؟ ولم يَدْرِ ما حَقِيقَةُ ذلك كلِّه، لِمَا اعْتَرضَهما عندَه مِن العمل. ولتَلْخِيصِ القولِ في ذلك مَوْضِعٌ غيرُ هذا. وقالت طائفةٌ مِن أصْحابِنا: مَراسِيلُ الثِّقاتِ أوْلَى مِن المُسْنَداتِ؛ واعْتَلُّوا بأنَّ مَن أسْنَد لك فقد أحالَك على البحثِ عن أحْوالِ مَن سَمَّاه لك، ومَن أرْسَل مِن الأئِمَّةِ حديثًا مع علْمِه ودينِه ويقَتِه، فقد قطَع لك على صحَّتِه، وكَفاك النَّظَر.

стр. 192

وقالت منهم طائفةٌ أخرى: لسْنا نقول: إنَّ المُرْسَلَ أوْلَى مِن المُسْنَد، ولكِنَّهما سَواءٌ في وُجوبِ الحُجَّةِ والاسْتِعمال. واعتلُّوا بأنَّ السَّلفَ رِضوانُ اللَّه عليهم أرْسَلُوا، ووَصَلُوا، وأسْنَدُوا، فلم يَعِبْ واحدٌ منهم على صاحبِه شيئًا مِن ذلك، بل كلُّ مَن أسْنَدَ لم يَخْلُ مِن الإرْسال، ولو لم يكُنْ ذلكَ كلُّه عندَهم دِينًا وحقًا ما (١) اعْتَمدُوا عليه؛ لانا وجَدْنا التابِعِين إذا سُئِلُوا عن شيءٍ مِن العِلْم، وكان عندَهم في ذلك شيءٌ عن نَبِيِّهم ﷺ أو عن أصحابِه ﵃، قالوا: قال رسولُ اللَّه ﷺ كذا، وقال عمرُ كذا. ولو كان ذلك لا يوجِبُ عملًا ولا يُعَدُّ عِلْمًا عندَهم، لما قنَع به العالِمُ مِن نفْسِه، ولا رضِيَ به منه السائل. وممَّن كان يذهبُ إلى هذا القولِ مِن أصحابِنا: أبو الفرج عمرُو بنُ محمدٍ المالكيُّ، وأبو بكْرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ صالح الأبْهَرِيُّ، وهو قولُ أبي جَعْفَرٍ محمدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِي. وزعَم الطَّبَرِيُّ أنَّ التابِعينَ بأَسرِهم أجْمَعُوا على قَبُولِ المُرْسَلِ ولم يَأْتِ عنهم إنْكارُه، ولا عن أحَدٍ مِن (٢) الأئمَّةِ بعدَهم إلى رأسِ المئتَيْن. كأنَّه يعْنِي أنَّ الشافعيَّ أوَّلُ مَن أبَى مِن قَبُولِ المُرْسَلِ (٣). وقالتْ طائفةٌ أخْرى من أصحابِنا: لسنا نقُول: إنَّ المُسْنَدَ الذي اتَّفقتْ جماعةُ أهلِ الفقهِ والأثرِ في سائرِ الأمصارِ، وهم الجماعةُ، على قَبُولِه والاحتجاج به

стр. 193

واستعمالِه، كالمرسَلِ الذي اختُلفَ في الحكم به وقَبُولِه في كلِّ أحوالِه، بل نقولُ: إنَّ للمُسْنَدِ مَزِيَّةَ فَضْل؛ لمَوْضِع الاتِّفاقِ، وسكُونِ النفْسِ إلى كثرةِ القائلين به، وإن كان المرسَلُ يجبُ أيضًا العملُ به. وشُبِّه ذلك مِن مذهبِه بالشُّهودِ يكونُ بعضُهم أفضَلَ حالًا مِن بعضٍ وأقْعَد، وأتمَّ معرِفةً، وأكثرَ عددًا، وإن كان البعضُ عَدْلِينَ (١) جائِزي الشَّهادة، وكِلَا الوجهَين يُوجِبُ العملَ ولا يَقْطَعُ العُذْرَ. وممَّن كان يقولُ هذا، أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ أحمدَ بنِ إسحاقَ بنِ خُوَيْز مَنْدادَ (٢) البَصْرِيُّ المالكي (٣)، وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابُه فإنَّهم يقبلُونَ المرسلَ، ولا يَرُدُّونه إلا بما يرُدُّون به المُسْنَدَ من التَّأويلِ والاعتِلال، على أصولهم في ذلك (٤). وقال سائرُ أهلِ الفقه، وجماعةُ أصحابِ الحديثِ في كلِّ الأمصارِ فيما علِمتُ: الانقطاعُ في الأثَرِ عِلَّة تمنعُ مِن وجوبِ العملِ به (٥)، وسواءٌ عارضَه خبرٌ مُتَّصِل أمْ لا. وقالوا: إذا اتصَل خبرٌ، وعارضَه خبرٌ مُنقطِع، لم يُعَرَّجْ على المُنقَطِع مع المُتَّصلِ، وكان المصيرُ إلى المُتَّصلِ دُونَه.

стр. 194

وحُجَّتُهم في رَدِّ المَراسِيلِ، ما أجمعَ عليه العلماءُ مِن الحاجةِ إلى عدالَةِ المُخْبِر، وأنَّه لا بدَّ مِن علْم ذلك، فإذا حكَى التابعيُّ عمَّن لم يَلْقَه، لم يكُنْ بُدٌّ مِن معْرِفةِ الواسطَة، إذ قد صَحَّ أنَّ التابعِين، أو كثيرًا منهم، رَوَوا عنِ الضعيفِ وغيرِ الضعيفِ. فهذه النُّكْتَةُ عندَهم في رَدِّ المرسَل؛ لأنَّ مُرْسِلَه يمكنُ أن يكونَ سمِعَه ممَّن يجوزُ قَبُولُ نقْلِه وممَّن لا يجوزُ، ولا بُدَّ مِن معْرِفةِ عَدالَةِ النّاقلِ، فبطَلَ لذلك الخبرُ المرسَل؛ للجَهلِ بالواسِطَة. قالوا: ولو جازَ قَبُولُ المَراسِيل، لجازَ قَبُولُ خَبَرِ مالكٍ والشَّافِعِيِّ والأوزاعيِّ ومثلِهم، إذا ذكَرُوا خَبرًا عن النبيِّ ﷺ ، ولو جازَ ذلك فيهم، لجاز فيمَن بعدَهم إلى عصرِنا، وبطَل المعنى الذي عليه مدارُ الخبر. ومِن حُجَّتِهم أيضًا في ذلك أنَّ الشهادةَ على الشهادةِ قد أجمَع المسلمونَ أنَّه لا يجوزُ فيها إلَّا الاتصالُ والمُشاهدةُ، فكذلك الخبرُ، يحتاجُ مِن الاتصالِ والمشاهدةِ إلى مثلِ ما تحتاجُ إليه الشهادة، إذْ هو بابٌ في إيجابِ الحُكم واحِدٌ. هذا كلُّه قولُ الشافعيِّ وأصحابِه، وأهلِ الحديث، ولهم في ذلك مِن الكلام ما يطولُ ذكرُه (١). وأما أصحابُنا، فكلُّهم مذهبُه في الأصلِ استعمالُ المرسَلِ مع المسنَدِ، كما يُوجِبُ الجميعُ استعمالَ المسنَدِ، ولا يرُدُّون المُرْسَل بالمُسْنَد (٢)، كما لا يرُدُّون الخبرينِ المُتَّصلَين، ما وجَدوا إلى استعمالِهما سبيلًا، وما رَدُّوا به المرسَلَ من

стр. 195

حُجَّةٍ؛ بتَأوِيلٍ، أو عمَلٍ مستفيضٍ، أو غيرِ ذلك مِن أصُولِهم، فهم يرُدُّون به المسنَدَ سواءً، لا فَرْقَ بينَهما عندَهم (١). قال أبو عُمر: هذا أصلُ المذهَبِ، ثم إنِّي تأمَّلْتُ كُتبَ المُناظِرِين (٢)، والمُخْتَلِفِين مِن المُتَفَقِّهِين، وأصحابِ الأثَرِ مِن أصحابِنا وغيرِهم، فلم أرَ أحدًا منهم يقْنَعُ مِن خَصْمِه إذا احتجَّ عليه بمُرْسَلٍ، ولا يقبَلُ منه في ذلك خبرًا مقطُوعًا، وكلُّهم عندَ تَحْصِيلِ المُناظَرَةِ يُطالِبُ خَصْمَه بالاتصالِ في الأخبار، واللَّهُ المستعانُ. وإنَّما ذلك لأنَّ التَّنازُعَ إنَّما يكونُ بينَ مَن يقْبَلُ المرسَلَ وبينَ مَن لا يقْبَلُه، فإن احْتَجَّ به مَن يقبَلُه على مَن لا يقبَلُه، قال له: هاتِ حُجَّةً غيرَه، فإنَّ الكلامَ بيني وبينك في أصلِ هذا، ونحنُ لا نقْبَلُه. وإنِ احْتَجَّ مَن لا يقبَلُه على مَن يقبَلُه، كان مِن حُجَّتِه: كيف تحْتَجُّ عليَّ بما ليس حُجَّةً عندك؟ ونحو هذا. ولم نُشاهِدْ نحنُ مُناظَرَةً بين مالِكِيٍّ يقْبَلُه (٣)، وبين حَنيفيٍّ يذهبُ في ذلك مذهبَه، ويَلزمُ على أصلِ مذهَبِهما في ذلك قَبولُ كلِّ واحدٍ منهما مِن صاحبِه المرسَلَ إذا أرسَلَه ثِقَةٌ عَدْلٌ رِضًا، ما لم يعتَرِضْه مِن الأصُولِ ما يدفعه، وباللَّه التوفيق. واختلَف أصحابُنا وغيرُهم في خبرِ الواحدِ العَدْل، هل يُوجِبُ العلمَ والعملَ جميعًا، أم يُوجِبُ العملَ دونَ العِلْم؟ والذي عليه أكثرُ أهلِ العِلْم (٤)

стр. 196

منهم أنه يُوجِبُ العملَ دونَ العلم. وهو قولُ الشافعيِّ وجمهورِ أهلِ الفقهِ والنَّظر، ولا يُوجِبُ العلمَ عندَهم إلّا ما شَهِد به على اللَّه، وقطَع العُذْرَ بمَجِيئِه قَطْعًا (١)، ولا خِلافَ فيه (٢). وقال قومٌ كثيرٌ من أهلِ الأثَرِ وبعضُ أهلِ النَّظرِ: إنه يُوجِبُ العلْمَ الظاهرَ والعملَ جميعًا. منهم الحسينُ الكَرابِيسيُّ (٣) وغيرُه. وذكَر ابنُ خُوَيْزِ مَنْدادَ أنَّ هذا القولَ يُخرَّجُ على مذهبِ مالك. قال أبو عُمر: الذي نقولُ به: إنه يُوجِبُ العملَ دونَ العلم (٤)؛ كشهادَةِ الشاهِدَين والأربعةِ سواءً، وعلى ذلك أكثرُ أهلِ الفقهِ والأثر، وكلُّهم يَدينُ بخبرِ الواحدِ العدلِ في الاعتقادات، ويُعادي ويُوالي عليها، ويجعلُها شَرعًا ودِينًا في مُعتَقَدِه، على ذلك جماعةُ أهلِ السُّنَّة، ولهم في الأحكام ما ذكَرنا، وباللَّه توفيقُنا. ولمّا أجمع أصحابُنا على ما ذكرنا في المسنَدِ والمرسَل، واتَّفَق سائرُ العلماءِ على ما وصَفنا، رأيتُ أن أجمَع في كتابي هذا كلَّ ما تضَمَّنَه "موطّأُ" مالكِ بنِ أنسٍ ﵀، في رِوايةِ يحيى بن يحيى اللَّيْثيِّ الأندلسيِّ عنه، من حديثِ رسولِ اللَّه ﷺ : مُسنَدِه، ومقطوعِه، ومرسَلِه، وكلِّ ما يُمْكِنُ إضافَتُه إليه، صلواتُ اللَّه وسلامُه عليه. ورتَّبْتُ ذلك مراتب، قدَّمتُ فيها المُتَّصِل، ثم ما جرَى مَجْراه ممّا اخْتُلِفَ في اتِّصالِه، ثم المُنْقَطِع، والمُرْسل. وجعلتُه على حُروفِ المُعجَم في أسماءِ شيوخِ مالكٍ ﵏؛ ليكونَ أقربَ للمُتَناوِل. ووَصلْتُ كلَّ مقْطوع جاء مُتَّصِلًا

стр. 197

من غيرِ روايةِ مالك، وكلَّ مُرْسَلٍ جاء مُسْنَدًا (١) من غير طَريقِه رحمةُ اللَّه عليه، فيما بلَغني علمُه، وصَحَّ برِوايتي جَمْعُه؛ ليرَى الناظِرُ في كتابِنا هذا مَوقِعَ آثارِ "الموطّأ" من الاشتهارِ والصِّحَّة، واعتمدْتُ في ذلك على نَقْلِ الأئمّة، وما رَواه ثقاتُ هذه الأمَّة. وذكرتُ من معاني الآثارِ وأحكامِها المقصودَةِ بظاهرِ الخطابِ ما عَوَّل على مثلِه الفقهاءُ أُولو الألباب. وجلبتُ من أقاويلِ العلماءِ في تأويلها، وناسخِها ومَنْسوخِها، وأحْكامِها ومعانيها، ما يشتَفي به القارِئُ الطالبُ ويُبَصِّرُه، ويُنبِّهُ العالمَ ويذكِّرُه. وأتَيْتُ من الشَّواهدِ على المعاني والإسنادِ بما حضَرني من الأثَرِ ذِكْرُه، وصحِبَني حِفْظُه، ممّا تعْظُمُ به فائدةُ الكتاب. وأشرْتُ إلى شرْح ما اسْتعجَم من الألفاظ، مُقتَصِرًا على أقاويلِ أهلِ اللغة. وذكَرْتُ في صدْرِ الكتابِ من الأخبارِ الدالَّةِ على البحثِ عن صحّةِ النَّقل، ومَوضع المُتَّصِلِ والمُرْسَل، ومن أخْبارِ مالكٍ ﵀، وموضعِه من الإمامةِ في علم الدِّيانة، ومكانِه من الانتِقادِ والتَّوَقِّي في الرِّواية، ومنزلةِ "مُوَطَّئِه" عند جميع العلماء، المُوالفين منهم والمُخالِفين، نُبَذًا يستَدِلُّ بها اللَّبيبُ على المُراد، وتُغْني المقتَصِرَ عليها عن الازدِياد. وأومَأْتُ إلى ذِكْرِ بعضِ أحوالِ الرُّواةِ وأنسابِهم وأسنانِهم ومَنازلِهم، وذِكْرِ مَن حَفِظْتُ تاريخَ وفاتِه منهم، مُعْتمِدًا في ذلك كلِّه على الاختصار، هاربًا عن التَّطويلِ والإكْثار. واللَّهَ أسألُه العَونَ على ما يرضاه، ويُزْلِفُ فيما قصَدْناه، فلم نَصلْ إلى شيءٍ مما ذكَرْناه إلّا بعونِه وفضلِه، لا شريكَ له، فله الحمدُ كثيرًا دائمًا على ما ألْهَمَنا من العنايةِ بخيرِ الكتب بعد كتابِه، وعلى ما وَهَب لنا من التَّمَسُّكِ بسُنّةِ رسولِه محمدٍ ﷺ ، وما توفيقي إلّا باللَّه، وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 198

وإنَّما اعتمدْتُ على روايةِ يحيى بن يحيى المذكورة خاصّةً؛ لموضعِه عند أهلِ بلدِنا من الثِّقةِ والدِّينِ والفَضْلِ والعلْم والفَهْم، ولكثْرَةِ استعمالِهم لروايته وِراثةً عن شيوخِهم وعلمائِهم (١)، إلّا أن يسْقُطَ من رِوايته حديثٌ من أُمَّهاتِ أحاديثِ الأحْكام أو نحوِها، فأذْكُرَه من غيرِ روايته، إن شاء اللَّه. فكلُّ قوم ينبغي لهم امتثالُ طريقِ سلَفِهم فيما سبَق إليهم من الخير، وسُلوكُ مِنْهاجِهم فيما احتَملوا عليه من البرِّ، وإن كان غيرُه مُباحًا مَرْغوبًا فيه. والرِّواياتُ في مرفوعات "الموطّأ" مُتقاربةٌ في النَّقْصِ والزِّيادة، وأمَّا اختلافُ رُواتِه في الإسنادِ والإرْسال، والقَطْع والاتِّصال، فأرْجو أن ترَى منها ما يَكفي ويَشفي في كتابِنا هذا، ممّا لا يُخرِجُنا عن شَرْطِنا إن شاء اللَّه، لارْتباطِه به، واللَّهُ المُستَعان. فأمَّا رِوايتُنا "للموطّأ" من طريقِ يحيى بن يحيى الأنْدَلُسيِّ ﵀: فحدَّثنا بها أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ لفظًا منه، قراءةً عليَّ من كتابِه ﵀، وأنا أنظرُ في كتابي، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبغَ ووَهْبُ بنُ مسَرَّة، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يحيى، عن مالك.

стр. 199

وحدَّثنا به أيضًا أبو الفضلِ أحمدُ بنُ قاسم، قراءة منِّي عليه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه بن أبي دُلَيم ووَهْبُ بنُ مسَرَّة، قالا: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا يحيى، عن مالك. وحدَّثنا به أيضًا أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا يحيى، عن مالك. وحدَّثني به أيضًا أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ المذكورُ ﵀، قال: حدَّثنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ وأحمدُ بنُ سعيد (١)، قالا: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ يحيى بن يحيى، قال: حدَّثني أبي، عن مالك. وبين رِواية عبيدِ اللَّه وروايةِ ابنِ وَضّاح حروفٌ قد قيَّدْتُها في كتابي (٢). واللَّهَ أسْألُه حُسنَ العَوْنِ على ما يُرْضِيه ويُقَرِّبُ منه، فإنّما نحن به، لا شريكَ له، وحسبُنا اللَّهُ ونِعم الوكيل.

стр. 200

بابُ معرفةِ المرسَلِ والمسنَدِ والمنقَطعِ والمتَّصلِ والموقوفِ ومعنى التَّدْليس قال أبو عُمر: هذه أسماءٌ اصطلاحيةٌ، وألقابٌ اتَّفَق الجميعُ عليها، وأنا ذاكرٌ في هذا البابِ مَعانيَها، إن شاء اللَّه. اعلمْ -وفَّقَك اللَّهُ- أنّي تأمَّلْتُ أقاويلَ أئمَّةِ أهلِ (١) الحديث، ونظرْتُ في كُتب مَن اشترَط الصحيحَ في النَّقل منهم ومَن لم يَشْترِطْه، فوجدْتُهم أجمَعوا (٢) على قَبولِ الإسنادِ المُعَنْعَن، لا خلافَ بينَهم في ذلك إذا جمَع شُروطًا ثلاثة، وهي: عدالةُ المُحَدِّثين في أحوالِهم، ولقاءُ بعضِهم بعضًا مجُالَسةً ومشاهدَة، وأن يكونوا بُرآءَ من التَّدْليس، والإسنادُ المُعَنعَن: فُلان، عن فُلانٍ، عن فُلان. وقد حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بكر (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ بنِ أحمدَ الأزْديُّ الحافظُ المَوْصليُّ، قال: حدَّثنا

стр. 201

ابنُ زاطِيَا (١)، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَر، عن وَكيع، قال: قال شعبةُ: فُلانٌ عن فلان. ليس بحديث. قال وكيعٌ: وقال سفيانُ: هو حديثٌ (٢). قال أبو عُمر: ثم إنَّ شُعبةَ انصرَف عن هذا إلى قولِ سفيان. وقد أعْلَمْتُكَ أنَّ المُتأخِّرين من أئمةِ الحديث، والمُشْتَرِطين في تصنيفِهم الصحيح، قد أجمَعوا على ما ذكرْتُ لك، وهو قولُ مالكٍ وعامّةِ أهلِ العلم، والحمدُ للَّه، إلا أن يكونَ الرجلُ معروفًا بالتَّدليس، فلا يُقبلُ حديثُه حتى يقول: حدَّثنا، أو: سمعتُ. فهذا ما لا أعلمُ فيه أيضًا خلافًا.

стр. 202

ومن الدَّليل على أنّ "عن" محمولةٌ عندَ أهلِ العلم بالحديثِ على الاتِّصالِ حتى يَتبيَّنَ الانقطاعُ فيها، ما حكاه أبو بكرٍ الأثْرَم، عن أحمدَ بنِ حنبل، أنه سُئِل عن حديثِ المُغيرةِ بنِ شعبة، أن النبيَّ ﵇ مسَح أعلَى الخُفِّ وأسفَلَه (١). فقال: هذا الحديثُ ذكَرْتُه لعبدِ الرحمن بنِ مَهْديٍّ، فقال، عن ابنِ المُبارَكِ أنه قال: عن ثَوْر، حُدِّثْتُ عن رَجاءِ بنِ حَيْوَة، عن كاتبِ المُغِيرَة، وليس فيه المُغِيرَة. قال أحمد: وأمَّا الوَليدُ فزاد فيه: عن المُغِيرَة. وجعَله ثَوْرٌ عن رجاء، ولم يسْمَعْه ثَورٌ من رَجاء؛ لأن ابنَ المُباركِ قال فيه: عن ثَوْر، حُدثتُ عن رجاء. قال أبو عُمر: ألا ترَى أنَّ أحمدَ بنَ حنبل ﵀ عاب على الوَليدِ بنِ مسلم قوله: "عن" في مُنقطِع، ليُدخِلَه في الاتِّصال! فهذا بَيانٌ أن "عن" ظاهِرُها

стр. 203

الاتِّصالُ حتى يثبُتَ فيها غيرُ ذلك، ومثلُ هذا عن العلماءِ كثيرٌ. وسنذكُرُ هذا الحديثَ بطُرُقِه عند ذكْرِ حديثِ المُغيرة بنِ شُعبة، في باب: ابن شِهاب، عن عبادِ بنِ زِيادٍ، إن شاء اللَّه. وأما التَّدْليس (١)، فهو أن يُحدِّثَ الرجلُ عن الرجلِ قد لَقِيَه وأدرَك زَمانَه وأخَذ عنه وسَمِع منه، وحدَّث عنه بما لم يَسْمَعْه منه، وإنَّما سمِعه من غيرِه عنه، ممّن تُرْضَى حالُه أو لا تُرْضَى، على أنَّ الأغلَبَ في ذلك أن لو كانت حالُه مَرْضِيّةً لذكَره، وقد يكونُ لأنَّه اسْتَصغَرَه. هذا هو التَّدْليسُ عند جماعتِهم، لا اختلافَ بينَهم في ذلك. وسنُبيِّنُ معنى التَّدْليسِ بالأخبارِ عن العلماءِ في البابِ بعدَ هذا إن شاء اللَّه. واختَلفوا في حديثِ الرجُلِ عمَّن لم (٢) يَلْقه؛ مثل: مالكٌ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب. و: الثَّوريُّ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ. وما أشبهَ هذا، فقالت فِرقةٌ: هذا تَدْليس؛ لأنهما لو شاءا لسَمَّيا مَن حدَّثهما، كما فعَلا في الكثير ممّا بلَغهما عنهما. قالوا: وسكوتُ المُحدِّثِ عن ذِكرِ مَن حدَّثه مع علْمِه به دُلْسَةٌ (٣).

стр. 204

قال أبو عُمر: فإن كان هذا تَدْليسًا، فما أعلمُ أحدًا من العلماءِ سَلِم منه في قَديم الدَّهرِ ولا في حديثه، اللَّهُمَّ إلّا شعبةَ بنَ الحَجّاج، ويحيى بنَ سعيدٍ القَطّان، فإنَّ هذين ليس يُوجَدُ لهما شيءٌ من هذا، لا سيَّما شُعبة، فهو القائل: لأن أزنيَ أحبُّ إليَّ من أن أُدَلِّسَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السَّلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا بُنْدارٌ، قال: حدَّثنا غُنْدَرٌ، قال: سمعتُ شعبةَ يقول: التَّدليسُ في الحديثِ أشدُّ منَ الزِّنى، ولأنْ أسقُطَ من السماءِ إلى الأرضِ أحَبُّ إليَّ مِن أن أُدَلِّسَ (١). وقال أبو نُعَيم: سمعتُ شُعبةَ يقول: لأن أزْني أحبُّ إليَّ من أن أُدَلِّسَ (٢).

стр. 205

وقال أبو الوليدِ الطَّيالسيُّ: سمعتُ شُعبةَ يقول: لأنْ أَخِرَّ من السَّماءِ إلى الأرضِ أحَبُّ إليَّ من أن أقول: زعَم فُلانٌ. ولم أسمَعْ ذلك الحديثَ منه (١). وقالت طائفةٌ من أهلِ الحديث: ليس ما ذكرْنا يَجْرِي عليه لقَبُ التَّدْليس، وإنما هو إرسالٌ. قالوا: وكما جاز أن يُرسِلَ سعيدٌ عن النبيِّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمرَ، وهو لم يَسْمَعْ منهما، ولم يُسَمِّ أحدٌ من أهلِ العلْم ذلك تَدْليسًا، كذلك مالكٌ عن سعيدِ بنِ المُسيِّب. والإرسالُ قد تبعَثُ عليه أُمورٌ لا تَضيرُه؛ مثلَ أن يكونَ الرجلُ سمِعَ ذلك الخبرَ من جماعةٍ عن المُعْزَى إليه الخبرُ وصحَّ عندَه، ووقَر في نفسِه، فأرسلَه عن ذلك المُعْزَى إليه، عِلمًا بصحَّةِ ما أرسلَه. وقد يكونُ المُرسِلُ للحديثِ نَسيَ مَن حدَّثه به وعرَف المُعْزَى إليه الحديثُ فذكَره عنه، فهذا أيضًا لا يَضُر إذا كان أصلُ مذهبِه ألّا يأخُذَ إلّا عن ثِقَة، كمالكٍ وشُعْبَة. أو تكونَ مُذاكَرة، فربَّما ثقُل معها الإسنادُ وخفَّ الإرسالُ؛ إما لمعرفَةِ المُخاطَبِين بذلك الحديثِ واشْتِهارِه عندَهم، أو لغيرِ ذلك من الأسبابِ الكائنةِ في معنى ما ذكَرْناه. والأصلُ في هذا الباب اعتبارُ حالِ المحدِّث؛ فإن كان لا يأخُذُ إلّا عن ثِقَةٍ وهو في نفسِه ثِقَةٌ، وجَب قَبولُ حديثه؛ مُرْسَلِه ومُسْنَدِه، وإن كان يأخذُ عن الضُّعفاءِ ويُسامِحُ نفسَه في ذلك، وجَب التَّوقُّفُ عمّا أرْسلَه حتى يُسمِّيَ مَن الذي أخبرَه. وكذلك مَن عُرِفَ بالتَّدْليسِ المُجتَمَع عليه، وكان من المُسامِحينَ في الأخْذِ عن كلِّ أحَد، لم يُحْتَجَّ بشيءٍ ممّا رواه حتى يقول: أخبرنا، أو: سَمِعتُ.

стр. 206

هذا إذا كان عدْلًا ثِقَةً في نفسِه، وإن كان ممَّن لا يَرْوي إلّا عن ثِقَة، اسْتُغنيَ عن تَوقيفِه، ولم يُسألْ عن تَدْليسِه. وعلى ما ذَكَرْتُه لك أكْثرُ أئمَّةِ الحديث؛ قال يَعقوبُ بنُ شيبة: سألتُ يحيى بنَ مَعينٍ عن التَّدْليس، فكَرِهَه وعابَه. قلتُ له: فيكونُ المُدَلِّسُ حُجَّةً فيما روَى حتى يقول: حدَّثنا، أو: أخبَرنا؟ فقال: لا يكونُ حُجَّةً فيما دلَّس فيه (١). تعريف المرسل قال يعقوبُ: وسألتُ عليَّ بنَ المَدينيِّ عن الرجلِ يُدَلِّسُ، أيكونُ حُجَّةً فيما لم يَقُلْ: حدَّثنا؟ فقال: إذا كان الغالبُ عليه التَّدْليسَ، فلا، حتى يقول: حدَّثنا. قال عليٌّ: والناسُ يحتاجون في صحيح حديثِ سفيانَ إلى يحيى القَطّان، يعني عليٌّ أنَّ سفيانَ كان يُدَلِّسُ، وأنَّ القَطّانَ كان يُوقِفُه على ما سمِع وما لم يسْمَع. وستَرى في الباب الذي بعدَ هذا ما يَدُلُّك على ذلك، ويكْشِفُ لك المذْهبَ والمرادَ فيه إن شاء اللَّه. فأمَّا المُرْسَلُ (٢)، فإن هذا الاسمَ أوْقَعوه بإجماع على حديثِ التّابعيِّ

стр. 207

الكبيرِ عن النبيِّ ﷺ (١)، مثلَ أن يقولَ عُبيدُ اللَّه بنُ عَدِيِّ بنِ الخيار، أو أبو أُمامَةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيْف، أو عبدُ اللَّه بنُ عامرِ بنِ رَبيعَة، ومَن كان مثلَهم: قال رسولُ اللَّه ﷺ . وكذلك مَن دونَ هؤلاء؛ مثلُ سعيدِ بن المُسيِّب، وسالِم بنِ عبد اللَّه، وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، والقاسم بنِ محمد، ومَن كان مثلَهم. وكذلك عَلقمَةُ بنُ قَيْس، ومَسروقُ بنُ الأجْدَع، والحسنُ، وابنُ سِيرينَ، والشعبيُّ، وسعيدُ بنُ جُبَير، ومَن كان مثلَهم من سائرِ التّابعين الذين صَحَّ لهم لقاءُ جماعةٍ من الصحابةِ ومُجالَسَتُهم. فهذا هو المُرسَلُ عندَ أهلِ العلم. ومثلُه أيضًا، ممّا يَجري مَجراه عند بعضِ أهلِ العلم، مُرسَلُ مَن دونَ هؤلاء؛ مثلُ حديثِ ابنِ شهاب، وقَتادة، وأبي حازم، ويحيى بنِ سعيد، عن النبيِّ ﷺ يُسَمُّونه مرسَلًا، كمرسَلِ كبارِ التّابعين. وقال آخَرون: حديثُ هؤلاءِ عن النبيِّ ﷺ يُسَمَّى مُنقَطِعًا؛ لأنهم لم يَلقَوا من الصَّحابةِ إلّا الواحدَ والاثنين، وأكثرُ روايتهم عن التّابعين، فما ذكَروه عن النبيِّ ﷺ يُسَمَّى مُنقَطِعًا.

стр. 208

وذكر أمثلته أمثلة المنقطع والمتصل قال أبو عُمر: المُنقَطِعُ (١) عندي كلُّ ما لا يتَّصلُ، سواءٌ كان يُعْزَى إلى النبيِّ ﷺ أو إلى غيرِه. وأمَّا المسنَدُ (٢)، فهو ما رُفِع إلى النبيِّ ﷺ خاصَّة. فالمُتَّصِلُ من المسنَد؛ مثلَ: مالك، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ﷺ . و: مالك، عن ابنِ شِهاب، عن سالم بنِ عبدِ اللَّه، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ . و: مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرَة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ . و: مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . و: مالك، عن ابنِ شِهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، أو أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن (٣)، أو الأعْرَج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 209

و: مَعْمَر، عن هَمام بنِ مُنَبِّه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . و: أيوب، عن ابنِ سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . وما كان مثلَ هذا كلِّه. والمُنقَطِعُ من المُسنَدِ مثل: مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ . و: عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ . و: عن ابنِ شِهاب، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ . و: عن ابنِ شهاب، عن أبي هريرة. و: عن زيدِ بنِ أسْلَم، عن عمرَ بنِ الخطاب، عن النبيِّ ﷺ . فهذا وما كان مثلَه مُسْنَدٌ؛ لأنه أُسنِد إلى النبيِّ ﷺ ورُفِع إليه، وهو مع ذلك مُنقَطِعٌ؛ لأنَّ يحيى بنَ سعيدٍ وعبدَ الرحمن بنَ القاسم لم يسمَعا من عائشة، وكذلك ابنُ شهابٍ لم يسمَعْ من ابنِ عباس، ولا من أبي هريرة، ولا سَمِع زيدُ بنُ أسلمَ من عمر، وقد اختُلف في سماعِه من ابنِ عمر، والصَّحيحُ عندي أَنَّه سَمِع منه. وستَرى ذلك في مَوضعِه من كتابِنا هذا (١)، إن شاء اللَّه. وأكثرُ من هذا في الانقطاع: مالكٌ أَنَّه بلَغه عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، عن النبيِّ ﷺ . وعن عائشة، وعن أنس، عن النبيِّ ﷺ ، وما كان مثلَه. وأمَّا المُتَّصِلُ جُملة، فمِثلُ: مالك، عن نافع وعبدِ اللَّه بنِ دينار، عن ابنِ عمر، مرفوعًا أو موقوفًا. وكذلك: أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس، مرفوعًا أو موقوفًا.

стр. 210

و: شُعبة، عن قتادةَ، عن أنس، مرفوعًا أو موقوفًا. و: شُعبة، عن الحَكَم بنِ عُتَيبَة، عن مصعبِ بنِ سعد، عن أبيه، مرفوعًا أو موقوفًا. ومثلُ: منصور، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ (١)، عن ابنِ مسعود، مرفوعًا أو موقوفًا. ومثلُ: الأوزاعيّ وهشام الدَّستُوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا أو موقوفًا. و: الزُّهري، عن أبي سَلَمة، عن عائشةَ أو أبي هريرة، مرفوعًا أو موقوفًا. وما كان مثلَ هذا. وإنَّما سُمِّيَ متَّصِلًا؛ لأنّ بعضَهم صحَّت مجالستُه ولقاؤُه لمَن بعدَه في الإسناد، وصَحَّ سماعُه منه. والموقوفُ (٢)، ما وُقِف على الصاحبِ ولم يَبْلُغْ به النبيَّ ﷺ ، مثلُ: مالك، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن عمرَ (٣) قولَه. وعن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه قولَه. و: ابن عيينة، عن عمرِو بنِ دينار، عن جابرِ بنِ زيد، عن ابن عباسٍ قولَه. وما كان مثلَ هذا. والانقطاعُ يُدخِلُ المرفوعَ وغيرَ المرفوع.

стр. 211

وقد ذهَب قومٌ إلى أنَّ المرفوعَ: كلُّ ما أُضيف إلى النبيِّ ﷺ ، متَّصلًا كان أو مقطوعًا، وأنَّ المسنَدَ لا يقعُ إلّا على ما اتصَل مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ (١). ففرَّقوا بينَ المرفوع والمسنَدِ بأنَّ المسنَدَ هو الذي لا يدخلُه انقِطاع. وقال آخرون: المرفوعُ والمسنَدُ سواء، وهما شيءٌ واحدٌ، والانقطاعُ يَدخُلُ عليهما جميعًا والاتِّصال (٢). واختلَفوا في معنى "أنَّ" هل هي بمعنى "عن"، محمولةٌ على الاتِّصالِ بالشَّرائطِ التي ذكَرْنا حتى يَتبيَّنَ انقطاعُها، أو هي محمولةٌ على الانقطاع حتى يُعرَفَ صحةُ اتِّصالها؟ وذلك مثلُ: مالك، عن ابنِ شهاب، أنَّ سعيدَ بنَ المُسيِّب قال كذا. ومثلُ: مالك، عن هشام بنِ عُروة، أنَّ أباه قال كذا. ومثلُ: حماد بن زيد، عن أيوبَ، أنَّ الحسنَ قال كذا. ف جمهورُ أهلِ العلم على أن "عن" و"أنَّ" سواءٌ ، وأن الاعتبارَ ليس بالحروف، وإنما هو باللِّقاءِ والمُجالسةِ والسَّماع والمُشاهدة، فإذا كان سماعُ بعضِهم من بعضٍ صحيحًا، كان حديثُ بعضِهم عن بعضٍ أبدًا بأيِّ لفظٍ ورَد محمولًا على الاتِّصال، حتى تَتبيَّنَ فيه عِلَّةُ الانقطاع.

стр. 212

وقال البَرْديجيُّ (١): إنّ "أنَّ" محمولةٌ على الانقطاع حتى يَتبيَّنَ السَّماعُ في ذلك الخبرِ بعينِه من طريقٍ آخَر، أو يأتيَ ما يدُلُّ على أَنَّه قد شهِده وسَمِعه (٢). قال أبو عُمر: هذا عندي لا معنى له؛ لإجماعِهم على أن الإسنادَ المتَّصِلَ بالصَّحابي، سواءٌ قال فيه: "قال رسولُ اللَّه ﷺ "، أو: "أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال"، أو: "عن رسولِ اللَّه ﷺ أَنَّه قال"، أو: "سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ ". كُلُّ ذلك سواءٌ عند العلماء، واللَّهُ أعلم. وأمَّا التَّدليسُ، فمعناه عندَ جماعةِ أهلِ العلْم بالحديثِ: أن يكُونَ الرَّجلُ قد لَقِيَ شيخًا من شُيوخِه فسَمِع منه أحاديثَ لم يَسمعْ غيرَها منه، ثم أخبَره بعضُ أصحابه ممّن يَثِقُ به عن ذلك الشيخ بأحاديثَ غيرِ تلك التي سَمِع منه، فيُحدثُ بها عن الشيخ دونَ أن يذكُرَ صاحبَه الذي حدَّثه بها، فيقولُ فيها: عن فُلان. يعني ذلك الشيخ.

стр. 213

وهذا لا يجوزُ إلّا في الإسنادِ المُعَنْعَن، ولا أعلَمُ أحدًا يُجيزُ للمحدِّثِ أن يقول: "أخبَرني"، أو "حدَّثني"، أو "سمعْتُ" مَنْ لم يُخبِرْه ولم يُحدِّثْه ولم يسمَعْ منه، وإنَّما يقول: اكتُبوا: فُلانٌ، عن فُلان. كما لو قال مالك: اكتُبوا: مالكٌ، عن نافع. أو ابنُ عُيينةَ يقول: اكتُبوا: سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينار. أو الثوريُّ، أو شعبةُ يقول: اكتُبوا: سفيانُ أو شعبةُ، عن الأعمش. وهو قد سَمِعه من رجلٍ وَثِق به عن الذي حمَله عنه. وهذا أخَفُّ ما يكونُ في الذين لَقِيَ بعضُهم بعضًا، وأخَذ بعضُهم عن بعض، وإذا وقَع ذلك فيمَن لم يَلْقَه فهو أقبَحُ وأسمَجُ (١). وسُئل يزيدُ بنُ هارونَ عن التَّدليس في الحديث، فكَرِهه، وقال: هو من التَّزَيُّن.

стр. 214

بابُ بيانِ التَّدليس، ومَن يُقْبَلُ نقلُه ويُقْبَل (١) مُرْسَلُه وتدليسُه، ومَن لا يُقْبَلُ ذلك منه قال أبو عُمر: الذي اجْتمَع عليه أئمَّةُ الحديثِ والفقهِ في حالِ المحدِّثِ الذي يُقبَلُ نَقْلُه، ويُحتَجُّ بحديثه، ويُجْعَلُ سنَّة وحُكمًا في دينِ اللَّه، هو أن يكونَ حافظًا إن حدَّث من حِفظِه، عالمًا بما يُحيلُ المعاني، ضابِطًا لكتابِه إن حدَّث من كتاب، يُؤدِّي الشيءَ على وجهِه، مُتيَقِّظًا غيرَ مُغفَّل، وكلُّهم يَستَحِبُّ أن يُؤدِّيَ الحديثَ بحروفِه؛ لأنَّه أسلَمُ له، فإن كان من أهلِ الفَهْم والمَعْرِفَة، جاز له أن يُحدِّثَ بالمعنى، وإن لم يكُنْ كذلك، لم يَجُزْ له ذلك؛ لأنه لا يَدْرِي لعلَّه يُحيلُ الحلالَ إلى الحرام. ويحتاجُ مع ما وصفْنا أن يكونَ ثِقَةً في دينِه، عَدْلًا، جائزَ الشَّهادة، مَرْضِيًّا، فإذا كان كذلك، وكان سالمًا من التَّدليس، كان حُجَّةً فيما نقَل وحمَل من أثر في الدِّين. وجُملةُ تلخِيصِ القولِ في التَّدليسِ الذي أجازه مَن أجازه من العلماء بالحديث، هو أن يُحدِّثَ الرجلُ عن شيخٍ قد لَقِيَه وسَمِع منه، بما لم يَسمَعْ منه وسَمِعه من غيرِه عنه، فيُوهِمَ أنه سَمِعه من شَيْخِه ذلك، وإنما سَمِعه من غيرِه، أو من بعضِ أصحابِه عنه، ولا يكونُ ذلك إلّا عن ثِقَة، فإن دَلَّس عن غيرِ ثِقَة، فهو تدليسٌ مذمومٌ عندَ جماعةِ أهلِ الحديث، وكذلك إن دَلَّس عمَّن لم يَسمَعْ منه، فقد جاوَز حَدَّ التَّدليسِ الذي رخَّص فيه مَن رخَّص منَ العلماء، إلى ما يُنكِرُونه، ويَذمُّونه ولا يَحمَدونه، وباللَّه العِصمَةُ لا شريكَ له (٢).

стр. 215

وكلُّ حاملِ علم مَعروفِ العنايةِ به، فهو عدلٌ محمولٌ في أمرِه أبدًا على العدالة، حتى تَتبيَّنَ جُرْحَتُه في حالِه، أو في كثرةِ غلطِه؛ لقولِه ﷺ : "يَحمِلُ هذا العلْمَ من كلِّ خلَفٍ عُدُولُه". وسنَذكُرُ هذا الخبرَ بطُرُقِه في آخرِ هذا البابِ إن شاء اللَّه (١).

стр. 216

قال صالحُ بنُ أحمدَ بنِ حَنْبَل: حدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: سمِعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مَهْديٍّ يقول: قال شعبةُ يومًا: حدَّثني رجلٌ، عن سفيانَ، عن منصور، عن إبراهيمَ بكذا. ثم قال: ما يَسُرُّني أنِّي قلتُ: قال منصورٌ، وأنَّ لي الدُّنيا كلَّها (١). وقد يكونُ المُحدِّثُ عَدْلًا جائزَ الشَّهادة، ولا يَعرِفُ معنى ما يَحمِلُ، فلا يُحتَجُّ بنَقْلِه. قال أحمدُ بنُ حنبل: سمِعْتُ يزيدَ بنَ هارونَ يقول: قد تجوزُ شهادةُ الرجلِ ولا يجوزُ حديثُه، ولا يجوزُ حديثُه حتى تجوزَ شَهادتُه (٢). وقال أيوبُ: إنَّ بالبَصرَةِ رجلًا من أزهدِهم وأكثرِهم صلاة، عَيِيًّا، لو شَهِد عندي شهادةً ما أجَزْتُ شَهادتَه. يريد: فكيفَ أقبلُ حديثَه (٣)؟ وقال ابنُ مَهْدي (٤): إنّي لأدْعُو اللَّهَ لقوم قد تركْتُ حديثَهم.

стр. 217

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال (١): حدَّثنا الوليدُ بنُ شُجاع، قال: حدَّثنا سُويدُ بنُ عبدِ العزيز، عن مغيرة، قال: خرَجْنا إلى شيخٍ بلَغَنا أَنَّه يُحدِّثُ بأحاديث، فلمَّا انتَهيْنا إلى إبراهيمَ قال: ما حبَسكُم؟ قلنا: أتينا شيخًا يُحدِّثُ بأحاديث. قال إبراهيم: لقد رأيْتُنا وما نأخُذُ الأحاديثَ إلّا ممّن يعْرِفُ وُجوهَها، وإنّا لَنجِدُ الشيخَ يُحدِّثُ بالحديثِ يُحرِّفُ حلالَه من حرامِه وما يَعلَمُ. وقال عليُّ بنُ المَدينيِّ: سِمعتُ يحيى بنَ سعيد -يعني القَطّانَ- يقول: يَنبغي لصاحبِ الحديثِ أن تكونَ فيه خِصالٌ؛ ينبغي أن يكونَ جيِّدَ الأخْذ، ويَفهَمَ ما يُقالُ له، ويُبْصِرَ الرِّجال، ويتَعاهدَ ذلك من نفسِه (٢). وقد ذكَرْنا في بابِ أخبارِ مالكٍ بعدَ هذا الباب قولَه فيمَن يُؤخَذُ العلْمُ عنه، ومذهبُه في ذلك هو مذهبُ جمهورِ العلماء. والشَّرْطُ في خبرِ العدلِ على ما وصَفْنا: أن يَرويَ عن مِثلِه سَماعًا واتِّصالًا، حتى يتَّصِلَ ذلك بالنبيِّ ﷺ . وأمَّا الإرسال، فكلُّ مَن عُرِف بالأخذِ عن الضُّعفاء، والمُسامَحَةِ في ذلك، لم يُحتجَّ بما أرسَله؛ تابعًا كان أو مَن دونَه، وكلُّ مَن عُرِفَ أَنَّه لا يأخُذُ إلّا عن ثِقَة، فتدليسُه ومُرسَلُه مقبول. فمراسيلُ سعيدِ بنِ المُسيِّب، ومحمدِ بنِ سيرين، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ،

стр. 218

عندَهم صِحاحٌ، وقالوا: مراسيلُ عطاءٍ (١) والحسنِ (٢) لا يُحتَجُّ بها؛ لأنهما كانا يأخُذان عن كلٍّ، وكذلك مراسيلُ أبي قِلابَة (٣) وأبي العالية (٤) (٥). وقالوا (٦): لا يُقبَلُ تدليسُ الأعمش (٧)؛ لأنه إذا وُقِفَ أحال على غيرِ مليء -يَعنون: على غيرِ ثِقَة- إذا سألْتَه: عمَّن هذا؟ قال: عن موسى بنِ طَريف، وعبايةَ بن رِبْعيٍّ، والحسنِ بنِ ذَكْوان. قالوا (٨): ويُقبَلُ تدليسُ ابنِ عيينة؛ لأنه إذا وُقِفَ أحال على ابنِ جُرَيْج، ومَعْمَر، ونَظائرِهما. أخبَرني أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ ﵀، قال: حدَّثنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ دُحَيْم بن خليل، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد بن عبد العزيز البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ يومًا، عن زيدِ بنِ أسلَم، عن

стр. 219

عليِّ بنِ الحُسين، قال: يجزِئُ الجُنُبَ أن يَنغمِسَ في الماء. قلنا: مَن دونَ زيدِ بنِ أسْلَم؟ قال: مَعْمَرٌ. قلنا: مَن دونَ مَعْمَر؟ قال: ذاك الصَّنْعانيُّ عبدُ الرَّزّاق (١). ورُوِيَ عن ابن مَعِين، قال: كان ابنُ عُيينةَ يُدلِّسُ، فيقولُ: عن الزُّهريِّ. فإذا قيل له: مَن دونَ الزُّهريِّ؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزُّهريِّ مَقنَعٌ؟ فيقال: بلى. فإذا استُقْصيَ عليه، يقول: مَعْمَرٌ! اكتُبوا لا بارَك اللَّهُ لكم (٢). قال يحيى بنُ مَعِين: وكان هُشَيْمٌ (٣) مدلِّسًا، وكان الأعمشُ مدلِّسًا، وكان الوليدُ بنُ مسلم مُدَلِّسًا (٤). حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ أحمدُ بنُ سليمانَ بنِ عمرٍو البغداديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ سليمانَ (٥) الباغَنْديُّ، قال:

стр. 220

حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ اللَّه المَدينيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطّان، عن سفيانَ الثوريِّ، قال: حدَّثنا سليمانُ الأعمش، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ بنَى للَّه مسجدًا ولو كَمَفْحَصِ قَطاة، بنَى اللَّهُ له بيتًا في الجنة" (١). قال عليُّ بنُ المَدينيِّ: قال يحيى بنُ سعيد: قال سفيانُ وشعبة: لم يَسمَع الأعمشُ هذا الحديثَ من إبراهيمَ التَّيْميّ (٢) (٣). قال أبو عمر: هذه شهادةُ عَدْلَين إمامَين على الأعمشِ بالتدليس، وأنَّه كان يُحدِّثُ عمّن لَقِيَه بما لم يَسمَعْ منه، وربَّما كان بينَهما (٤) رجلٌ أو رجلان. فلمِثلِ هذا وشِبْهِه قال ابنُ معينٍ وغيرُه في الأعمش: إنَّه مُدلِّسٌ. حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بكرِ بنِ عِمران، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ الأزديُّ، قال: حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال:

стр. 221

حدَّثنا أبو موسى الزَّمِن، قال: حدَّثنا أبو الوليد (١)، قال: سمِعتُ أبا معاويةَ الضَّريرَ يقول: كنتُ أُحدِّثُ الأعمشَ عن الحسنِ بنِ عُمارة، عن الحكم، عن مجاهد، فيَجيءُ أصحابُ الحديثِ بالعَشِيِّ فيقولون: حدَّثنا الأعمشُ عن مجاهدٍ بتلك الأحاديث. فأقول: أنا حدَّثتُه عن الحسنِ بنِ عُمارة، عن الحكم، عن مجاهد. قال أبو عمر: التدليسُ في محُدِّثي أهلِ الكوفةِ كثيرٌ، قال يزيدُ بنُ هارون: لم أرَ بالكوفةِ أحدًا إلّا وهو يُدلِّسُ، إلّا مِسْعَرًا وشَريكًا (٢). وذكَر إسحاقُ بنُ إبراهيم، عن أبي بكر بنِ عَيّاش، عن الأعمش، قال: قال لي حبِيبُ بنُ أبي ثابت: لو أنَّ رجلًا حدَّثني عنكَ بحديث، ما بالَيْتُ أن أروِيَه عنك (٣).

стр. 222

وروَى معاذُ بنُ معاذ، عن شعبة، قال: ما رأيتُ أحدًا إلّا وهو يُدَلِّس، إلّا عمرَو بنَ مُرَّةَ وابنَ عَوْن (١). وقال يحيى بنُ سعيدٍ القطّان: مالكٌ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، أحبُّ إليَّ من الثوريِّ، عن إبراهيمَ؛ لأنَّه لو كان شيخُ الثوريِّ فيه رَمَقٌ، لبرَّح به وصاح. وقال مرةً أخرى: كلاهما عندي شِبْهُ الرِّيح (٢). حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا أبو موسى الزَّمِنُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ الرحمن، عن ابنِ عون، قال: ذكَر أيوبُ لمحمدٍ يومًا حديثًا عن أبي قِلابة، فقال: أبو قِلابةَ رجُلٌ صالحٌ، ولكن انظُرْ عمَّن ذكَره أبو قِلابة (٣). وحدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا الحَضرَميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال (٤): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيّة، عن أيوبَ، قال: كان الرجلُ يُحدِّثُ محمدًا بالحديث، فلا يُقبِلُ عليه، ويقول: واللَّه ما أتَّهِمُكَ ولا أتَّهِمُ ذاك، ولكن أتَّهِمُ مَن بينكما.

стр. 223

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٢): حدَّثنا أبو داودَ -يعني الطَّيالسيَّ- قال: قال شعبةُ: كنتُ أعرفُ إذا جاء ما سمِع قَتادَةُ مما لم يَسمَعْ، كان إذا جاء ما سمِع يقول: حدَّثنا أنسُ بنُ مالك، وحدَّثثا الحسنُ، وحدَّثنا سعيدُ بنُ المسيِّب، وحدَّثنا مُطَرِّفٌ. وإذا جاء ما لم يَسمَعْ يقول: قال سعيدُ بنُ جبير، وقال أبو قِلابة (٣). وذكر أبو عيسى التِّرمذيُّ، قال (٤): حدَّثنا حسينُ بنُ مهديٍّ البَصريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، قال: قلتُ لهُشيم: ما لَك تُدلِّسُ وقد سمِعْتَ كثيرًا؟ قال: كان كَبيراك يُدلِّسان: الأعمشُ، والثوريُّ. وذكَر أنَّ الأعمشَ لم يَسمَعْ من مجاهدٍ إلّا أربعةَ أحاديث. قال أبو عيسى (٥): قلتُ لمحمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريّ: لم يَسمَعِ الأعمشُ من مجُاهدٍ إلّا أربعةَ أحاديث. قال: رِيحٌ، ليس بشيءٍ، لقد عدَدتُ له أحاديثَ كثيرةً، نحوًا من ثلاثين أو أقلَّ أو أكثرَ، يقولُ فيها: حدَّثنا مجاهدٌ.

стр. 224

قال البخاريُّ (١): ولا أعرِفُ لسفيانَ الثوريِّ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابت، ولا عن سلَمةَ بنِ كُهَيل، ولا عن منصورٍ -وذكَر مشايخَ كثيرةً- لا أعرِفُ لسفيانَ عن هؤلاءِ تدليسًا، ما أقلَّ تدليسَه! قال البخاريُّ (٢): وكان حُمَيدٌ الطَّويلُ يُدلِّسُ. حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعْناقيُّ، قال: حدَّثنا أبو يعقوبَ إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيْليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينَة، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، قال: قال عبدُ اللَّه بنُ عمرَ: دخَل رسولُ اللَّه ﷺ مسجدَ بني عمرِو بنِ عوف -يعني مسجدَ قُباءَ- يصلِّي فيه، ودخَلتْ رجالٌ من الأنصارِ يُسَلِّمون عليه، ودخَل معهم صُهَيبٌ، فسألتُ صُهَيبًا: كيف كان النبيُّ ﷺ يَصنَعُ إذا سُلِّم عليه؟ قال: يُشيرُ بيَدِه. قال سفيانُ بنُ عيينة: فقلتُ لرجل: سَلْ زيدَ بنَ أسلمَ -وفَرِقتُ أن أسألَه-: هل سمِعتَ هذا من ابنِ عمرَ؟ فقال له: يا أبا أُسامة، أسَمِعتَه من ابنِ عمرَ؟ قال زيدٌ: أمّا أنا فقد رأيْتُه (٣).

стр. 225

قال أبو عمر: جوابُ زيدٍ هذا جوابُ حَيْدَةٍ عما سُئِل عنه، وفيه دليلٌ واللَّهُ أعلمُ على أَنَّه لم يَسمَع هذا الحديثَ من ابنِ عمر، ولو سَمِعه منه لأجاب بأنّه سَمِعه ولم يُجِبْ بأنّه رآه، وليستِ الرُّؤيةُ (١) دليلًا على صحَّةِ السَّماع، وقد صحَّ سماعُه من ابنِ عمرَ لأحاديث، وقد ذكَرنا ذلك في أوَّلِ بابِه من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٣): حدَّثنا شُعَيْبُ بنُ حَرب، قال: قال مالكُ بنُ أنس: كنّا نجلِسُ إلى الزُّهريِّ وإلى محمدِ بنِ المُنكَدِر، فيقولُ الزُّهريُّ: قال ابنُ عمر كذا وكذا. فإذا كان بعدَ ذلك جلَسنا إليه فقلنا له: الذي ذكَرْتَ عن ابنِ عمرَ، مَنْ أخبَرك به؟ قال: ابنُه سالِمٌ.

стр. 226

وقال حبيبُ بنُ الشَّهيد: قال لي محمدُ بنُ سيرين: سَلِ الحسنَ، ممّن سَمِع حديثَ العَقيقَة؟ فسألتُه، فقال: من سَمُرَة (١). قال أبو عمر: فهكذا مراسيلُ الثِّقات، إذا سُئِلوا أحالوا على الثِّقات، ويقولون: لم يَسمَعِ الحسنُ من سَمُرَةَ غيرَ حديثِ العقيقة (٢). هكذا قال ابنُ معين (٣) وغيرُه. وقال البخاريُّ (٤): قد سَمِع منه أحاديثَ كثيرة. وصَحَّح سماعَه من سَمُرَة، فيما ذكَر الترمذيُّ (٥) أبو عيسى عن البخاريِّ، فاللَّهُ أعلمُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سليمانَ الأعمش، قال: قلتُ لإبراهيم: إذا حدَّثتَني حديثًا فأسْنِدْه. فقال: إذا قلت: عن عبد اللَّه -يعني ابنَ مسعود- فاعلَم أَنَّه عن غيرِ واحد، وإذا سَمَّيتُ لك أحدًا، فهو الذي سمَّيتُ (٦).

стр. 227

قال أبو عمر: إلى هذا نَزع من أصحابِنا مَن زعَم أنَّ مُرسلَ الإمام أولى من مُسْنَدِه؛ لأنَّ في هذا الخبر ما يَدُلُّ على أنَّ مراسيلَ إبراهيمَ النَّخَعيِّ أقوى من مَسانيدِه، وهو لَعَمري كذلك، إلّا أنَّ إبراهيمَ ليس بعيارٍ على غيرِه. أخبرنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أسلَمُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمان، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، ﵀، قال (١): حدَّثنا عمي محمدُ بنُ عليِّ بن شافع، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروة، عن أبيه عروةَ بنِ الزُّبَير، قال: إنِّي لأسْمَعُ الحديثَ أسْتَحْسِنُه فما يَمْنَعُني من ذكرِه إلّا كراهيةُ أن يَسمعَه سامعٌ فيَقتَديَ به، وذلك أنّي أسمَعُه من الرجلِ لا أثِقُ به قد حدَّث به عمَّن أثِقُ به، أو أسمَعُه من الرجُل أثِقُ به قد حدَّث به عمَّنْ (٢) لا أثِقُ به (٣)، فلا أُحدِّثُ به. قال أبو عُمر: هذا فعلُ أهلِ الورع والدِّين، كيف ترى في مرسَلِ عُروةَ بنِ الزُّبَير، وقد صحَّ عنه ما ذكرْنا؟ أليس قد كَفاك المؤْنةَ؟ ولو كان النَّاسُ على هذا المذهبِ كلُّهم، لم يُحتَجْ إلى شيءٍ ممّا نحنُ فيه. وفي خبرِ عروةَ هذا دليلٌ على أنَّ ذلك الزَّمانَ كان يحدِّثُ فيه الثِّقةُ وغيرُ الثِّقة، فمَن بحَث وانتقد، كان إمامًا، ولهذا شرَطْنا في المُرسَلِ والمقطُوع إمامةَ (٤) مُرسِلِه، وانتِقادَه لمَن يأخذُ عنه، وموضِعَه من الدِّينِ والورع والفَهْم والعلْم.
следующие страницы →