← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1938–1977 · переход к 1943.

стр. 1938

جُبيرِ بنِ مُطعمٍ، عن أبي عُبيد بنِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ، قال: قال عبدُ الله: إنَّ المشركين شَغلوا النبيَّ ﷺ عن أربعِ صلواتٍ في الخندقِ، فأمَر بلالًا فأذَّن، ثم أقام فصلَّى الظُّهرَ، ثم أقام فصلَّى العصرَ، ثم أقام فصلَّى المغربَ، ثم أقام فصلَّى العشاء. هكذا قال هُشيمٌ في هذا الحديثِ: فأذَّنَ، ثم أقام فصلَّى الظهرَ. فذَكَر الأذانَ للظهرِ وحدَها، وكذلك رواه أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ (١)، عن هُشيم سواءً. وخالفَه هشامٌ الدَّستُوائيُّ، فقال فيه: فأمَر بلالًا فأقام، فصلَّى الظهرَ. لم يذكُرْ أذانًا للظُّهرِ ولا لغيرِها، وإنَّما ذكَر الإقامةَ وحدَها فيها كلِّها. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو العباسِ أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتيُّ القاضِي، قال: حدَّثنا أبو معمرٍ (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ أبي عبدِ الله (٣)، عن أبي الزُّبيرِ، عن نافعِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبي عُبيدَةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: كنَّا مع رسولِ الله ﷺ فحُبِسنا عن صلاةِ الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاء. قال: فأمَر رسولُ الله ﷺ بلالًا فأقام فصلَّى الظهرَ، ثم أقام فصلَّى العصرَ، ثم أقام فصلَّى المغربَ، ثم أقام فصلَّى العِشاءَ، ثم طاف علينا، فقال: "ما على الأرضِ عِصابةٌ يذكُرون اللهَ غيرَكم" (٤).

стр. 1939

وهكذا رواه ابنُ المباركِ عن هشام الدَّستُوائيِّ، بإسنادِه سواءً (١). وقد رواه سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن هشام الدَّستوائيِّ، بإسنادِه مثلَه. ذكَر ذلك أحمدُ بنُ شعيبٍ (٢) وغيرُه. واحتجَّ مَن قال: يُؤذِّنُ ويُقيمُ للفوائتِ: بأنَّه ذُكر في هذا الحديثِ، وفي حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ قبلَه: ثم أقام فصلَّى العشاءَ. قال: والعشاءُ كانت مفعولةً في وقتِها، ولم يَذكُرْ فيها أذانًا، وهي غيرُ فائتةٍ، فعُلِم أنَّ مُرادَه إقامتُها بما بنبغي أن يُقامَ لها مِن الأذانِ والإقامةِ. ورُوِيَ مِن حديثِ عِمرانَ بن حُصينٍ وغيرِه: أنَّ النبيَّ ﷺ حينَ فاتَتْه صلاةُ الفجرِ في السفرِ، صلَّاها بأذانٍ وإقامةٍ (٣). وأمَّا صلاةُ ركعتي الفجرِ لِمَن نام عن صلاةِ الصُّبحِ فلم ينتَبِهْ لها إلّا بعدَ طلوعِ الشمس، فإن مالكًا قال: يبدأُ بالمكتوبةِ. ولم يعرِفْ ما ذُكِر عن رسولِ الله ﷺ في ركعتي الفجرِ أنَّه ركَعها يومَ نام عن صلاةِ الصبحِ في سفرِه قبلَ أنْ يُصلِّيَ الصُّبحَ. ذكَر أبو قُرَّةَ في سماعِه مِن مالكٍ، قال: قال مالكٌ فيمَن نام عن الصبح حتى طَلَعتِ الشمسُ: إنَّه لا يركعُ ركعتي الفجرِ، ولا يبدأُ بشيءٍ قبلَ الفريضةِ، قال: وقال مالكٌ: لم يبلُغْنا أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى ركعتي الفَجرِ حينَ نام عن صَلاةِ الصُّبح حتى طَلعَتِ الشمسُ.

стр. 1940

وقال ابنُ وهبٍ: سُئِل مالكٌ: هل كان رسولُ الله ﷺ حينَ نام عن صلاةِ الصبح حتى طَلَعتِ الشمسُ رَكَع ركعتي الفجرِ؟ قال: ما عَلِمتُ. قال أبو عُمر: ليسَ في رِوايةِ مالكٍ ﵀، لا في حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ هذا، ولا في حديث ابنِ شِهابٍ عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ أنَّ رسولَ الله ﷺ رَكَع يومَئذٍ ركعتي الفجرِ قبلَ صلاةِ الصُّبح، وإنَّما صارَ في ذلك إلى ما روَى، وعليه جمهورُ أصحابِه، إلَّا أشهَبَ وعليَّ بنَ زِيادٍ، فإنَّهما قالا: يركعُ ركعتي الفجرِ قبلَ أن يُصلِّيَ الصُّبحَ. قالا: وقد بلَغنا ذلك عن النبيِّ ﷺ -يومَئذٍ. وكذلك قال الشافعيُّ، وأبو حَنيفةَ، والثوريُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ. وهو قولُ جماعةِ أهل الحديث (١). وإليه ذهبَ أحمدُ، وأبو ثورٍ، وداودُ؛ لما رُوِي في ذلك عن النبيِّ ﷺ مِن حديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ وغيرِه. وقد كان يجبُ على أصلِ مالكٍ أنْ يركَعَهما قبلَ أنْ يُصلِّيَ الصبحَ؛ لأنَّ قولَه فيمَن أتَى مسجدًا قد صُلِّيَ فيه: لا بأسَ أنْ يتطوَّعَ قبلَ المكتوبةِ إذا كان في سَعةٍ مِن الوقتِ (٢). وكذلك قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والشافعيُّ، وداودُ، إذا كان في الوقتِ سَعةٌ (٣). وقال الثوريُّ: ابدَأْ بالمكتوبةِ، ثم تطوَّعْ بما شئتَ. وقال الحسنُ بنُ حيٍّ: يبدأُ بالفريضةِ، ولا يتطوَّعُ حتى يَفرُغَ مِن الفريضةِ. قال: فإن كانتِ الظهرَ، فرَغ منها ثم مِن الركعتينِ بعدَها، ثم يُصلِّي الأربعَ التي لم يُصلِّها قبلَ الظهرِ (٤).

стр. 1941

وقال الليثُ بنُ سعدٍ: كلُّ واجبٍ مِن صلاةِ فريضةٍ، أو صلاةِ نذرٍ، أو صيامٍ، أنَّه يَبدَأُ بالواجِبِ قبلَ النَّفلِ. وقد رُوي عنه خلافُ هذا مِن روايةِ ابنِ وهبٍ أيضًا، قال ابنُ وهبٍ: سمِعتُ الليثَ بنَ سعدٍ يقولُ في الذي يدرِكُ الإمامَ في قيام رمضانَ ولم يُصلِّ العشاءَ: إنَّه يدخُلُ معهم ويُصلِّي بصلاتِهم، فإذا فرَغ صلَّى العشاءَ. قال: وإنْ عَلِم أنَّهم في القيام قبلَ أنْ يدخُلَ في المسجِدِ، فوجَد مكانًا طاهرًا، فليُصلِّ العشاءَ، ثم لْيدَخُلْ معهم في القيام (١). قال أبو عُمر: ويَجِيءُ على ما قدَّمنا مِن قولِ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وداودَ، فيمَن أتَى المسجدَ وقد صلَّى أهلُه، وفي الوقتِ سَعَةٌ: أنَّه لا بأسَ أنْ يتطَوَّعَ قبلَ المكتوبةِ، مثلَ قولِ اللَّيثِ فيمَن أدرَك القومَ في قيام رمضانَ، سواءً، إلَّا أنَّه لا (٢) ينبَغي له أنْ يُوتِرَ معهم، وإنْ أوتَر معهم، لَزِمه إعادَةُ الوَترِ بعدَ صلاةِ العشاءِ، ووَترُه قبلَ صلاةِ العشاءِ كلا وَترٍ؛ لأنَّه قبلَ وقتِه (٣). وأمَّا قولُه في الحديثِ: "إنَّ اللهَ قبَض أرواحَنا، ولو شاء لَرَدَّها إلينا في حينٍ غيرِ هذا"، فإنَّ العلماءَ اختَلَفوا في الرُّوح والنفسِ؛ هل هما شيءٌ واحدٌ أو شيئانِ؛ لأنَّه قد جاء في الحديثِ: "إنَّ اللهَ قبَض أرواحَنا"، وجاء في حديثِ سعيدِ بنِ المُسيِّبِ قولُ بلالٍ: أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنَفْسِك (٤). فقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: الرُّوحُ والنَّفْسُ شيءٌ واحدٌ. ومِن حُجَّتِهم قولُ الله :

стр. 1942

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. فرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، في هذه الآيةِ، أنَّهما قالا: تُقبَضُ أرواحُ الأمواتِ إذا ماتوا، وأرواحُ الأحياءِ إذا ناموا، تتعارفُ ما شاء اللهُ أنْ تتعارفَ، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾: التي قد ماتت، ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. ذَكَره بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ، عن يحيى بنِ عبدِ الحميدِ الحِمَّانيِّ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرِ بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ (١). وذكَره أيضًا عن يحيى بنِ رجاءٍ، عن موسى بنِ أعيَنَ، عن مُطرِّفٍ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ (٢). ومعنى حديثِهما واحدٌ. وهذا يدُلُّ على أنَّ النفسَ والروحَ شيءٌ واحدٌ؛ لأنَّهم فسَّروا الآيةَ وقد جاءَتْ بلفظِ ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ - ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ - فقالوا: يَقبِضُ الأرواحَ. كما رأيتَ، وذلك واضحٌ في أنَّ النفسَ والرُّوحَ سواءٌ. ويشهَدُ بصحَّةِ ذلك قولُ رسولِ الله ﷺ في هذا الحديثِ: "إنَّ اللهَ قبَض أرواحَنا". ولم يُنكِرْ على بلالٍ قولَه: أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنَفْسِك، فالقرآنُ والسُّنةُ يُشيرانِ إلى معنًى واحدٍ، بلفظِ النفسِ مرَّةً، وبلفظِ الرُّوح أُخرى. وقال آخرونَ: النفسُ غيرُ الرُّوح. واحتجُّوا بأنَّ النفسَ مخاطَبةٌ منهية مأمورةٌ، واستدلُّوا بقولِ الله : ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]. وقولِه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ

стр. 1943

اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. ومثلُ هذا في القرآن كثيرٌ. قالوا: والرُّوحُ لم تُخاطَبْ ولم تُؤمَرْ ولم تُنهَ في شيءٍ مِن القرآنِ، ولم يَلحَقْها شيءٌ مِن التوبيخِ كما لَحِقَ النَّفْسَ في غيرِ آيةٍ مِن كتابِ الله. وتأوَّلوا في قولِ بلالٍ؛ أيْ: أخَذ بنَفْسي مِن النوم ما أخَذ بنَفْسِك. وذكَر سُنيدٌ (١)، عن حجَّاج، عن ابنِ جُريجٍ في قولِ الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ الآية [الزمر: ٤٢]. قال: في جَوْفِ الإنسانِ رُوحٌ ونَفْسٌ، بينَهُما مثلُ شُعاعِ الشَّمسِ، فإذا تَوفَّى اللهُ النفسَ، كان الرُّوحُ في جَوفِ الإنسانِ، فإذا أمسَك اللهُ نَفْسَه، أخرَج الرُّوحَ مِن جَوفِه، فإنْ لم يُمِتْه، أرسَل اللهُ نَفْسَه فرجَعتْ إلى مكانِها قبلَ أنْ يستيقِظَ. قال ابنُ جُريج: وأُخبِرتُ عنِ ابنِ عباسٍ نحوَ هذا الخبرِ. وذكَر عبدُ المنعم بنُ إدريسَ، عن وَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ: أنَّه حكَى عن التَّوراةِ في خَلقِ آدمَ ﵇، قال اللهُ : حينَ خَلَقتُ آدمَ، رَكَّبتُ جَسَدَه مِن رَطْبٍ ويابسٍ، وسُخْنٍ وباردٍ، وذلك لأنِّي خلَقتُه مِن ترابٍ وماءٍ، ثُمَّ جعَلتُ فيه نفْسًا ورُوحًا، فيُبوسةُ كلِّ جسدٍ خِلقتُه مِن الترابِ (٢)، ورطوبَتُه مِن قِبَلِ الماءِ، وحرارَتُه مِن قِبَلِ النفسِ، وبرودَتُه مِن قِبَلِ الرَّوح، ومن النفسِ حِدَّتُه وشهوتُه، ولهوُه ولَعِبُه، وضَحِكُه وسَفَهُه، وخِداعُه وعُنفُه وخُرقُه، ومِن الروحِ حِلمُه ووَقارُه، وعفافُه وحياؤُه، وفهمُه وتكَرُّمُه، وصدقُه وصبرُه (٣). وأخبَرَنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: أخبَرَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا المُسيَّبُ بنُ واضح، قال: حدَّثنا

стр. 1944

الحكَمُ بنُ محمدٍ الظَّفَرِيُّ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريم، عن عبدِ الصَّمدِ بنِ مَعقِل، عن وَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ، قال: إنَّ أنفُسَ الآدميِّينَ كأنفُسِ الدوابِّ التي تشتَهي وتدعو إلى الشرِّ، ومَسكَنُ النفْسِ البَطنُ، إلَّا أنَّ الإنسانَ فُضِّل بالرُّوحِ، ومسكَنُه الدِّماغُ، فبِه يستَحيي الإنسانُ، وهو يَدعو إلى الخيرِ ويأمُرُ به. ثم نفَخ وَهْبٌ على يَدِه، فقال: هذا باردٌ، وهو مِن الرُّوحِ. ثم تنهَّد على يدِه فقال: هذا حارٌّ، وهو مِن النَّفْسِ، ومَثَلُهما كمَثَلِ الرَّجُلِ وزَوجَتِه، فإذا انحدَر الروحُ إلى النفسِ والتقَيا، نامَ الإنسانُ، فإذا استيقظَ، رجَع الرُّوحُ إلى مكانِه، ويُعتبرُ ذلك بأنَّك إذا كنتَ نائمًا فاستيقظتَ، كان كلُّ شيءٍ يبدُرُ إلى رأسِك (١). وذكَر أبو إسحاقَ محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ القاسم بنِ خالدٍ صاحبَ مالكٍ قال: النفسُ جسَدٌ مُجسَّدٌ، كخَلقِ الإنسانِ، والرُّوحُ كالماءِ الجارِي. قال: واحتَجَّ بقولِ الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ الآية. وقال: ألا ترى أنَّ النائمَ قد توفَّى اللهُ نفسَه، ورُوحُه صاعدٌ ونازلٌ، وأنفاسُه قِيامٌ، والنفسُ تَسرَحُ في كلِّ وادٍ، وترَى ما تراه مِن الرؤيا، فإذا أذِن اللهُ في ردِّها إلى الجسدِ عادت، واستيقظَ بعَوْدتِها جميعُ أعضاءِ الجسَدِ، وحرَّك السَّمعَ والبَصَرَ وغيرَهما مِن الأعضاءِ. قال: فالنفسُ غيرُ الرُّوحِ، والرُّوحُ كالماءِ الجارِي في الجِنانِ، فإذا أراد اللهُ إفسادَ ذلك البُستانِ، منَع منه الماءَ الجاريَ فيه، فماتت حياتُه، فكذلك الإنسانُ. قال أبو إسحاقَ: هذا معنى قولِ ابنِ القاسم وإن لم يكنْ نَسَقَ لفظِه. قال أبو إسحاقَ: وقال عبيدُ الله بنُ أبي جعفرٍ: إذا حُمِل المَيِّتُ على السَّريرِ، كانت نفسُه بيدِ مَلَكٍ من الملائكةِ، يسيرُ بها معه، فإذا وُضِع للصلاةِ عليه وَقَف،

стр. 1945

فإذا حُمِل إلى قبرِه سار معه، فإذا أُلْحِدَ ووُرِيَ في الترابِ، أعاد اللهُ نَفْسَه حتّى يُخاطبَه المَلَكانِ، فإذا ولَّيا عنه مُنصَرِفَينِ، اختلَع المَلَكُ نفسَه، فرمَى بها إلى حيثُ أُمِرَ، وهذا الملَكُ مِن أعوانَ ملَكِ الموتِ. قال أبو إسحاقَ: هذا معنى قولِ عبيدِ الله بنِ أبي جعفرٍ، وقد قاله معه غيرُه. قال أبو عُمر: قد قالتِ العلماءُ بما وصَفنا، واللهُ أعلمُ بالصَّحيحِ مِن ذلك، وما احتجَّ به القومُ فليس حجةً واضحةً، ولا هو مما يُقطعُ بصحَّتِه؛ لأنَّه ليس فيه خبرٌ صحيحٌ يقطَعُ العُذْرَ ويُوجبُ الحُجَّةَ (١)، ولا هو مما يُدرَكُ بقياسٍ ولا استنباطٍ، بل العقولُ تنحَسِرُ وتَعْجِزُ عن علم ذلك. وقد قال جماعةٌ مِن العلماءِ في قولِ الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. أنَّه هذا الروحُ المشارُ إليه في هذا البابِ بالذِّكرِ؛ رُوحُ الحياةِ. وقال غيرُهم: إنَّه ملَكٌ مِن المَلائكةِ، يقومُ صفًّا، وتقومُ الملائكةُ صفًّا. فكيف يُتعاطى علمُ شيءٍ استأْثر اللهُ به، ولم يُطلِعْ عليه رسولَه ﷺ ؟ وقد قيل في الروحِ المذكورِ (٢) في هذه الآيةِ: إنَّه جبريلُ ﵇. وقيل: هم خَلْقٌ مِن خَلِق الله. وقيل غيرُ ذلك (٣) (٤). وكذلك اختُلِف في الذين عُنوا بقولِه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فقيل: أراد اليهودَ السائلين عن الرُّوح؛ لأنَّهم زعَموا أنَّ في التوراةِ عِلمَ كلِّ شيءٍ، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ

стр. 1946

أَبْحُرٍ﴾ الآية [لقمان: ٢٧]. يقولُ: ما أُوتِيتُم في التَّوراةِ والإنجيلِ يا أهلَ الكتابِ مِن العلم إلَّا قليلًا. وقيل: بل عنَى بالآيةِ أُمَّةَ محمدٍ ﷺ والناسَ كلَّهم (١). قال أبو عُمر: لو كان الأمرُ على النظرِ والقياسِ والاستنباطِ في معنى الرُّوحِ مِن حديثِ "الموطّأ"، لقلنا: إنَّ النظرَ يشهدُ للقولِ الأولِ، وهو الذي تدلُّ عليه الآثارُ. واللهُ أعلمُ. وقد تضعُ العربُ النَّفسَ موضعَ الرُّوحِ، والرُّوحَ موضعَ النَّفسِ، فيقولون: خرَجَت نَفْسُه، وفاضَتْ نَفْسُه، وخرَجَت رُوحُه. إمَّا لأنَّهما شيءٌ واحدٌ، أو لأنَّهما شيئانِ متَّصلانِ لا يقومُ أحدُهما دونَ الآخَرِ. وقد يُسمُّون الجسَدَ نَفْسًا، ويُسمُّونَ الدَّمَ جَسدًا، قال النابغةُ (٢): وما أُرِيقَ على الأنصابِ مِن جَسَدِ يريدُ: مِن دَم. وقال ذُو الرُّمَّةِ (٣) فجعَل الجسدَ نفسًا: يا قابِضَ الرُّوح مِن نفسٍ إذا احتُضِرَتْ ... وغافِرَ الذَّنبِ زَحزِحْنِي عن النارِ

стр. 1947

ويقالُ للنفسِ: نَسَمَةٌ أيضًا، يقالُ: عليَّ عِتقُ نسَمةٍ؛ أيْ: نَفْسٍ. وقال ﷺ : "إنَّما نَسَمَةُ المؤمنِ طائرٌ"؛ يعني: روحَه. وسنذكرُ هذا الخبرَ في حديثِ ابنِ شهابٍ (١) إن شاء اللهُ تعالى. وفي هذا الخبرِ: "فإذا رَقَد أحدُكم عن الصلاةِ أو نَسِيها، فلْيُصلِّها كما كان يُصلِّيها في وَقْتِها"، وهذا إنَّما فيه إيجابُ إقامةِ الصلاةِ، وأنَّها غيرُ ساقطةٍ عمَّن نامَ أو نَسِيَ، ولم يَخُصَّ وقتًا من وقتٍ، فالبِدارُ إليها أوْلى، إلَّا أنَّ في حديثِ أنسٍ (٢) وحديثِ ابن المسيِّبِ (٣) وغيرِه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن نام عن الصلاةِ أو نَسِيها، فليُصلِّها إذا ذكَرها، فإنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وفي هذا وُجوبُ صلاتِها عندَ الذِّكرِ لها والانتِباهِ إليها، أيَّ وقتٍ كان، وهو موضعُ اختلافٍ، وقد ذكَرناه واستوعَبنا القولَ فيه وفي معنَى ذكرِ صلاةٍ في صلاةٍ، أو في آخرِ وقتِ صلاةٍ، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، مِن كتابِنا هذا؛ لأنَّ ذلك الموضعَ أوْلى بذِكْرِ ذلك، لقولِه فيه: "فليُصلِّها إذا ذكَرها". وإنَّما في حديثِ زيدٍ هذا: "فليُصلِّها كما كان يُصلِّيها"، وبالله التوفيق. وفي أخبارِ رسولِ الله ﷺ أبا بكرٍ بما عَرَض لبلالٍ في نومِه ذلك، عَلَمٌ مِن أعلام نُبُوَّتِه ﷺ . وفيه ما كان عليه أبو بكرٍ ﵁ مِن صريح الإيمانِ، والبِدارِ إلى

стр. 1948

تصديقِ رسولِ الله ﷺ ، والفرحِ بكلِّ ما يأتي منه، وهو الصِّدِّيقُ حقًّا (١) مِن أُمَّتِه، رحمةُ الله عليه. وأما الآثارُ المرويةُ في هذا البابِ، فرَواها جماعةٌ مِن الصحابِة؛ منهم أبو هريرةَ، وابنُ مسعودٍ، وأبو قتادةَ، وابنُ عباسٍ، وجُبيرُ بنُ مُطعِمٍ، وعمرُو بنُ أُميَّةَ، وعِمرانُ بنُ حُصينٍ، وأبو مريمَ السّلُوليُّ (٢)، وأبو جُحَيفةَ السُّوائِيُّ، وذو مِخبْرٍ الحبَشيُّ. فأمَّا حديثُ أبي هريرةَ، فنذكُرُ منه هاهنا ما يُشبِهُ حديثَنا ويكونُ في معناه، ونذكرُ مَن قطَعه ومَن وَصَله، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، إذا ذكَرناه في بابِ ابنِ شهابٍ إن شاء اللهُ. فمِن حديثِ أبي هريرةَ، ما حدَّثنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الحسنُ بنُ عليٍّ الجصَّاصُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفرجِ أبو عُتبةَ الحِجازيُّ بحِمصَ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ سُويدٍ، قال: أخبَرنا يونسُ بنُ يزيدَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: لَمّا قَفَل رسولُ الله ﷺ مِن خيبَرَ (٣)، عرَّس بنا ذاتَ ليلةٍ، ثم قال: "أيُّكم يكلأُ لنا الفجرَ اللَّيلةَ؟ ". فقال بلالٌ: أنا يا رسولَ الله. قال: "اكْلأْه لنا يا بلالُ، ولا تكنْ لُكَعًا" (٤). قال بلالٌ: فنام النبيُّ ﷺ ونام أصحابُه، فعمَدتُ إلى حجَفَةٍ (٥) لي استَنَدتُ إليها، فجعَلتُ أُراعي الفجرَ، فبعَث اللهُ عليَّ النومَ، فلم أستيقظْ إلَّا لحرِّ الشمسِ

стр. 1949

بينَ كَتِفيَّ، فقُمتُ فَزِعًا، فقلتُ: الصلاةَ عبادَ الله. فانتبَه النبى ﷺ ، وانتبَهَ الناسُ، وقال لي: "يا بلالُ، ألمْ أقلْ لك: اكلأْ لنا الفجرَ؟ ". فقلتُ: يا رسولَ الله، أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنَفْسِك. فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أرواحَكم كانت بيدِ الله ، حبَسها إذ شاء، وأطلَقها إذ شاء، اقتادوا مِن هذا الوادي، فإنَّه وادٍ ملعونٌ به الشيطانُ". قال: فخرَجنا مِن الوادي، ثم أمَر بلالًا فأذَّن، وتوضَّأ النبيُّ ﷺ ، وتوضأ أصحابُه، ثم صلَّوا، فقامَ إليه رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، أَنُصلِّي هذه الصلاةَ مِن غدٍ للوقتِ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لا، إنَّ اللهَ لا (١) يَنْهاكُم عن الرِّبا ويرضاه منكم، مَن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها، فلْيُصلِّها إذا ذَكَرها، لا كفَّارةَ لها غيرُها، إنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢) " [طه: ١٤]. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣): أخبَرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى (٤)، عن (٥) يزيدَ بنِ كَيسانَ، قال: حدَّثني أبو حازم (٦)، عن أبي هريرةَ، قال: عرَّسْنا مع النبيِّ ﷺ ، فلم نستيقظْ حتى طلعتِ الشمسُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "يَأْخُذُ كلُّ إنسانٍ بِرأس

стр. 1950

راحلتِه، فإنَّ هذا منزلٌ حضَرنا فيه الشيطانُ". قال: ففعَلنا، فدَعا بالماءِ فتوضَّأ، ثم صلَّى سجدتَينِ، ثم أُقيمتِ الصلاةُ فصلَّى الغداةَ. وأمَّا حديثُ ابنِ مسعودٍ، فحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤُمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ عبدِ الرَّزَّاقِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى. وحدَّثنا (٢) عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن جامعِ بنِ شدادٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي عَلقَمَةَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ، قال: أقبَلنَا مع رسولِ الله ﷺ زمنَ الحُديبيَةِ. قال: فقال النبيُّ ﷺ : "مَنْ يَكْلَؤُنا؟ ". فقال بلالٌ: أنا. فناموا حتى طَلعتِ الشمسُ، فاستيقظَ النبيُّ ﷺ فقال: "افعَلوا ما كنتم تفعلون". قال: ففَعلنا. قال: "وكذلك فافعَلوا، لِمَن نام أو نَسِيَ". وأمَّا حديثُ أبي قتادةَ، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا

стр. 1951

هُشيمُ بنُ بَشيرٍ، قال: حدَّثنا حُصينٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي قَتادةَ، عن أبيه أبي قتادةَ، قال: سِرْنا مع رسولِ الله ﷺ ونحن في سفرٍ ذاتَ ليلةٍ، فقلنا: يا رسولَ الله، لو عرَّستَ بنا؟ قال: "إنِّي أخافُ أن تناموا عن الصلاةِ، فمن يُوقِظُنا للصلاةِ؟ ". فقال بلالٌ: أنا يا رسولَ الله. قال: فعرَّس القومُ، واستنَد بلالٌ إلى راحلتِه، فغَلَبتْه عيناه، واستيقَظ رسولُ الله ﷺ وقد طلَع حاجِبُ الشمسِ، فقال: "يا بلالُ، أين ما قُلتَ لنا؟ ". قال: يا رسولَ الله، والذي بعثَك بالحقِّ، ما أُلقِيَت عليَّ نومةٌ مثلُها. قال: فقال: "إنَّ اللهَ قبَض أرواحَكم حينَ شاء، وردَّها عليكم حينَ شاء". ثُم أمَرهم رسولُ الله ﷺ ، فانتَشَروا لحاجَتِهم وتَوضَّئُوا، وارتَفَعتِ الشمسُ، فصلَّى بهمُ الفجرَ. وذكَره البخاريُّ (١)، عن عمرانَ بنِ مَيسرَةَ، عن محمدِ بنِ فُضيل، عن حُصينٍ بإسنادِه مثلَه. وفي حديثه زيادةُ: "يا بلالُ، قُم فأذِّنْ للناسِ بالصلاةِ". فتوضَّأ، فلما ارتَفَعتِ الشمسُ وابياضَّتْ، قام فصلَّى. وأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٢): حدَّثنا ابنُ الأصبهانيِّ، قال: حدَّثنا عَبيدَةُ بنُ حُميدٍ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن تَميم بنِ سلمةَ، عن مَسروقٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ في سَفرٍ، فعَرَّسُوا مِن اللَّيلِ، فلمْ يستَيقظوا حتّى طَلَعتِ الشمسُ، فأمَر بلالًا فأذَّن، ثمّ صلَّى ركعتينِ. قال ابنُ عباسٍ: فما يَسُرُّني بها الدُّنيا وما فيها؛ يعني: الرُّخصةَ (٣).

стр. 1952

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالبٍ، قال: حدَّثنا حَرَميُّ بنُ حفصٍ، قال: حدَّثنا صَدقَةُ بنُ عُبادةَ الأسديُّ، قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ عباسٍ: أنَّهم كانوا مع النبيِّ ﷺ في سَفَر، فغَفَلوا عن صلاةِ الغَداةِ حتى طَلَعتِ الشمسُ، فأمَر النبيُّ ﷺ مُؤذِّنًا، فأذَّن كما كان يُؤَذِّنُ كلَّ يوم، فصلَّى ركعتيِ الفجرِ كما كان يصلِّي كلَّ يوم، ثمّ صلَّى بهم الغَداةَ كما كان يصلِّي كلَّ يوم (٢). وأمَّا حديثُ جُبيرِ بنِ مُطعم، فحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣): أخبَرنا أبو عاصم خُشَيشُ بنُ

стр. 1953

أصْرمَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن نافع بنِ جُبيرٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال في سَفَرٍ له: "مَن يَكلؤُنا الليلةَ؟ لا نَرقُدُ عن صلاةِ الصُّبح". فقال بلالٌ: أنا. فاستقبَل مَطلِعَ الشمسِ، فضُرِبَ على آذانِهم حتى أيقَظَهم حَرُّ الشمسِ، فقاموا، فقال: "تَوضَّئُوا". ثم أذَّنَ بلالٌ، فصلَّى رَكعتينِ، وصلُّوا ركعتَي الفجرِ، ثم صلَّوا الفجرَ. وأمَّا حديثُ أبي مريمَ، فرواه عليُّ بنُ المَدِينيِّ وغيرُه، عن جَريرٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبيه، عن بُرَيدِ بنِ أبي مريمَ، عن أبيه، فقال: نام رسولُ الله ﷺ عن الصبح، فلم يَستيقِظْ حتى طلَعتِ الشمسُ، فلما استيقظ، أمَر المؤذِّنَ فأذَّن، وصلِّى ركعتينِ، ثم أمَره فأقام، فصلَّى الفجرَ (١). وأمّا حديثُ عمرِو بنِ أُميَّةَ، فحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقرئُ، قال: حدَّثنا حَيوَةُ بنُ شُريح، قال: أخبَرنَا عيَّاشُ بنُ عبّاسٍ، أنَّ كُليبَ بنَ صُبحٍ حدَّثه، أنَّ الزّبرِقانَ حدَّثه، عن عمِّه عمرِو بنِ أُميَّةَ الضَّمريِّ، قال: كنَّا مع رسولِ الله ﷺ في بعضِ أسفارِه، فنام ولم يُصلِّ الصبحَ حتى طَلَعتِ الشمسُ، فلم يستيقِظْ رسولُ الله ﷺ ولا أحدٌ مِن أصحابهِ حتى أذاهم حرُّ الشمس، فأمَر رسولُ الله ﷺ أنْ يتنَحَّوا عن ذلك المكانِ، ثم أمَر بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى رسولُ الله ﷺ ركعتي الفجرِ، وأمَر أصحابَه فصلَّوا ركعتي الفجرِ، ثم أمَر بلالًا فأقامَ الصلاةَ، فصلَّى رسولُ الله ﷺ (٢).

стр. 1954

وذكَره أبو داودَ (١)، عن عباسٍ العنبَرِيِّ وأحمدَ بنِ صالح المصريِّ جميعًا، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ أبي عبدِ الرحمنِ المُقرئ، بإسنادِه نحوَ معناه، وذكَر الأذانَ وركعتي الفجر. وأما حديثُ عِمرانَ بنِ حُصين، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المَدِينيِّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى (٢)، قال: حدَّثنا هشامٌ (٣)، عن الحسنِ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: أسرَينا مع رسولِ الله ﷺ في غَزَاةٍ، فلما كان مِن آخرِ السَّحرِ عرَّسنا، فما استيقَظنا حتى أيقظَنا حرُّ الشَّمسِ، فجعَل الرجلُ يَثبُ دَهِشًا فَزِعًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "اركَبُوا". فرَكِب ورَكِبنا، فسار حتى ارتفَعَتِ الشَّمسُ، ثم نزَلَ، فأمَر بلالًا فأذَّن، وقضَى القومُ مِن حاجاتِهم وتَوَضَّئُوا، وصلَّينا الركعتينِ قبلَ الغداةِ؟ ثم أقام فصلَّى بنا، فقُلنا: يا رسولَ الله، ألا نَقضِيها لوقتِها مِن الغدِ؟ فقال: "لا ينهاكم ربُّكم عن الرِّبا ويَقبَلَه منكم" (٤).

стр. 1955

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ (١)، عن هشام، عن الحسنِ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: أسرَينا (٢) مع رسولِ الله ﷺ ليلةً، ثم عَرَّس بنا مِن آخِرِ الليل. قال: فاستيقَظْنا وقد طلَعتِ الشمس. قال: فجعَل الرجلُ منَّا يثورُ إلى طهورِه دَهِشًا فازِعًا، فقال النبيُّ ﷺ : "ارتَحلِوا". فارتحَلنا حتى إذا ارتَفَعتِ الشمسُ نزَلنا، فقضينا مِن حوائجِنا وتوَضَّأنا، ثم أمرَ بلالًا فأذَّن، فصلِّينا رَكعتيِن، ثم أمَرَ بلالًا فأقام، فصلَّى بنا النبيُّ ﷺ ، فقُلنا: يا رسولَ الله، أنَقضِيها لميقَاتِها مِن الغدِ؟ فقال: "لا يَنهاكم اللهُ عن الرِّبا ويأخُذَه منكم" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن الحسنِ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: سِرنا مع رسولٍ الله ﷺ في غَزاةٍ أو قال: في سَرِيَّةٍ. ثم ذكَر نحوَه (٤).

стр. 1956

وذكَره أبو داودَ (١)، عن وَهْبِ بنِ بقيَّةَ، عن خالدٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ، عن عِمرانَ بنِ حصينٍ، عن النبيِّ ﷺ . وذكَر إسماعيلُ (٢) أيضًا، عن ابنِ المدِينيِّ، عن عبدِ الوهابِ الثَّقفيِّ، عن يُونُسَ، عن الحسنِ، عن عمرانَ مثلَه (٣). وأمَّا حديثُ أبي جُحيفَةَ السُّوائِيِّ، فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبارِ بنُ العباسِ الهَمْدانيُّ، عن عَونِ بنِ أبي جُحيفَةَ، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله ﷺ في سفرِه الذي ناموا فيه عن الصلاةِ حتّى طَلَعتِ الشمسُ، فقال: "إنَّكم كنتم أمواتًا فردَّ اللهُ عليكم أرواحَكم؛ مَن نام عن صلاةٍ، فلْيُصلِّها إذا استيقَظ، ومَن نَسِيَ صلاةً، فليُصلِّها إذا ذكَر" (٤).

стр. 1957

وأمَّا حديثُ ذِي مِخبَرٍ، فذكَره أبو داود (١) وغيرُه (٢). وهو يدورُ على حَريزِ بن عُثمانَ الرَّحَبيِّ؛ اختُلِف عليه فيه: فقَومٌ قالوا: عنه عن صُليح (٣) الرَّحبيِّ؛ كذا قال أبو المُغيرَةِ. وقومٌ قالوا: عنه عن يزيدَ بنِ صُليح. وقال آخرونَ: عنه عن يَزيدَ بنِ صالح. والحديثُ شاميٌّ مشهورٌ بمعنَى ما تقدَّمَ مِن الآثارِ سَواءً. قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ الباهِليٌّ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن أنس، قال: سُئِل رسولُ الله- ﷺ عن الرجلِ يرقُدُ عن الصلاةِ، أو يَغفُلُ عنها. قال: "كفَّارتُها أنْ يُصلِّيَها إذا ذَكَرَها" (٤).

стр. 1958

حديثٌ رابعٌ وأربعونَ لزيدِ بنِ أسلَمَ (١) مُرسَلٌ مالكٌ (٢)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ رجلًا سألَ رسولَ الله ﷺ فقال: ما يَحِلُّ لي مِن امرأتي وهي حائضٌ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "لِتَشُدَّ عليها إزارَها، ثم شأنَكَ بأعلَاها". قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا روَى هذا الحديثَ مُسندًا جهذا اللفظِ؛ أنَّ رجلًا سأل رسولَ الله ﷺ هكذا، ومعناه صحيحٌ ثابِتٌ، وقد ذكَرنا الآثارَ في ذلك مُستوعَبةً في بابِ ربيعةَ (٣). وفي هذا الحديث تفسيرٌ لقولِ الله : ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقد ذكَرنا اختلافَ العلماءِ في مُباشرةِ الحائضِ، ومتى تُوطأُ بعدَ طُهْرِها، أقبلَ الغُسلِ أو بعدَه؟ وسائرَ أحكامِها في ذلك، في حديثِ ربيعةَ مِن كتابِنا هذا، فلا معنَى لإعادتِه هاهُنا. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ شُعيب النَّسَويُّ، قال (٤): أخبَرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا سُليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ (٥)،

стр. 1959

عن أنس، قال: كانت اليهودُ إذا حاضَتِ المرأةُ منهم لم يُؤاكِلُوهنَّ ولم يُشارِبوهنَّ ولم يُجامِعوهُنَّ في البُيوتِ، فأمَرهم رسولُ الله ﷺ أنْ يُؤاكِلُوهنَّ ويُشارِبوهنَّ ويجامِعُوهنَّ في البيوتِ، وأنْ يَصنَعوا بِهنَّ كُلَّ شيءٍ ما خلا النكاحَ. فقالتِ اليهودُ: ما يَدَعُ رسولُ الله ﷺ شيئًا مِن أمْرِنا إلَّا خالَفَنا فيه. فقام أُسيدُ بنُ حُضيرٍ وعبَّادُ بنُ بشْرٍ فأخبرَا رسولَ الله- ﷺ ، وقالا: نُجامعُهُنَّ في المحيضِ؟ فتمعَّرَ (١) وجْهُ رسولِ الله ﷺ تَمَعُّرًا شديدًا، حتى ظنَنَّا أنَّه قد غضِب عليهما، فقامَا فاستقبَلَ رسولَ الله ﷺ هَدِيةَ لَبنٍ (٢)، فبعَث في آثارِهما فردَّهما فسَقاهما، فعَرَفنا أنَّه لم يَغضَبْ عليهما. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ (٣)، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الشَّيباني (٤)، عن عبد الله بنِ شدَّادٍ، عن خالتِه ميمونةَ بنْتِ الحارثِ: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا أرادَ أنْ يُباشِرَ امرأةً مِن نِسائِه وهي حائضٌ أمَرَها أنْ تَتَّزِرَ، ثم يُباشرُها وهي حائضٌ (٥). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ إذا رُتِّب مع الذي قبلَه دلَّا على أنَّ شَدَّ الإزارِ على الحائضِ معناه لِقَطْعِ الذَّرِيعةِ والاحتياطِ، واللهُ أعلمُ. وقد أوضَحْنا هذا المعنَى في بابِ ربيعةَ، والحمدُ لله ربِّ العالمينَ.

стр. 1960

حديثٌ خامسٌ وأربعون لزيد بنِ أسلَمَ (١) مرسَلٌ مالكٌ (٢)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ رجلًا في زمانِ رسولِ الله ﷺ أصابَه جُرْحٌ، فاحتَقنَ الجرحُ الدَّمَ، وأنَّ الرجلَ دَعا رَجلَين مِن بَني أنمارٍ، فنظَرا إليه، فزعَم زيدٌ أنّ رسولَ الله ﷺ قال لهما: "أيُّكما أطَبُّ؟ ". فقالا: أوَ في الطِّبِّ خيرٌ يا رسولَ الله؟ فزعَم زيدٌ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أنزَل الدَّواءَ الذي أنزَلَ الأدواءَ". هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" منقطعًا عن زيدِ بنِ أسلمَ عندَ جماعةِ رواتِه فيما علِمتُ (٣). وقد روَى عاصمُ بنُ عمرَ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قولَه: "أيُّكما أطبُّ؟ ". وأمَّا: "أنزَل الدواءَ الذي أنزَل الأدواءَ"، فقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ هذا المعنَى بغيرِ هذا اللَّفظِ آثارٌ مسندةٌ صحاحٌ، سنذكُرُها في آخرِ هذا البابِ إن شاء اللهُ. وفي هذا الحديثِ إباحةُ التَّعالُج؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يُنكِرْ ذلك عليهم. وفيه إتيانُ المتطبِّبِ إلى صاحبِ العلَّةِ. وفيه بيانُ أنَّ اللهَ هو المُمْرِضُ والشَّافي، وأنَّه لا يكونُ في مُلكِه إلَّا ما شاءَ، وأنَّه أنزَل الدَّاءَ والدَّواءَ، وقدَّره وقضَى به. وكذلك ثبَت عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يَرقِي ويقولُ: "اشْفِ، أنتَ الشَّافِي، لا شفاءَ إلَّا شفاؤُك، شفاءً لا يُغادِرُ سَقَمًا" (٤). وهذا يُصحِّحُ لك

стр. 1961

أنَّ المعالجةَ إنَّما هي لِتطيبَ نفسُ العليلِ، وتأنسَ بالعلاجِ، ورجاءَ أن يكونَ من أسبابِ الشِّفاءِ؛ كالتَّسبُّبِ لطلبِ الرِّزقِ الذي قد فُرغ منه. وفي قولِه ﷺ : "أنزَل الدَّواءَ الذي أنزَل الأدواءَ" دليلٌ على أنَّ البُرءَ ليس في وُسعِ مخلوقٍ أن يُعجِّلَه قبلَ أنْ يَنْزِلَ، ويُقدِّرَ وقتَه وحِينَه، وقد رأينا المُنتَسبِينَ إلى علم الطِّبِّ (١) يُعالِجُ أحدُهم رجلَينِ، وهو يزعُمُ أنَّ علَّتَهما واحدةٌ، في زمنٍ واحدٍ، وسِنٍّ واحدٍ، وبلدٍ واحدٍ، وربَّما كانا أخوَين توأمَين، غِذاؤُهما واحدٌ، فعالجَهما بعلاج واحدٍ، فيُفيقُ أحدُهما، ويموتُ الآخَرُ، أو تطولُ علَّتُه ثم يُفيقُ عندَ الأمدِ المقدورِ له. واختلَف العلماءُ في هذا البابِ، فذهَب منهم طائفةٌ إلى كراهيةِ الرُّقَى والمعالجةِ، قالوا: الواجبُ على المؤمنِ أن يترُكَ ذلك، اعتصامًا بالله تعالى، وتوكُّلًا عليه، وثقةً به، وانقطاعًا إليه، وعلمًا بأنَّ الرُّقيةَ لا تنفَعُه، وأنَّ تركَها لا يضُرُّه، إذْ قد عَلِم اللهُ أيامَ الصِّحةِ وأيامَ المَرضِ (٢)، فلا تزيدُ هذه بالرُّقَى والعلاجاتِ، ولا تنقُصُ تلك بتركِ السَّعي والاحتيالاتِ، لكلِّ صنفٍ من ذلك زمنٌ قد علِمه اللهُ، ووقتٌ قد قدَّرَه قبلَ أنْ يَخلُقَ الخلقَ، فلو حرَص الخلقُ على تقليل أيَّام المرضِ وزمنِ الدَّاءِ، أو على تكثيرِ أيَّام الصِّحَّةِ، ما قدَروا على ذلك، قال اللهُ : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. واحتجُّوا بما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ،

стр. 1962

عن حُصينٍ (١)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "عُرِضَت عليَّ الأُممُ". فذكَر الحديثَ، وفيه: "ويدخُلُ الجنّةَ أيضًا من أمَّتِك سبعون ألفًا بغيرِ حسابٍ". ثم دخَل رسولُ الله ﷺ ولمْ يُبيِّنْ لهم، فأفاض القومُ فقالوا: نحن الذين آمنَّا بالله، واتَّبعْنا رسولَه، فنحن هم، وأولادُنا الذين وُلِدوا في الإسلامِ. فسَمِع ذلك رسولُ الله ﷺ ، فقال: "هم الذين لا يَسترقون، ولا يَتطيَّرون، ولا يَكتَوون، وعلى ربِّهم يتَوكَّلون". وبه عن أبي بكرٍ، قال (٢): حدّثنا الحسنُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا شيبانُ (٣)، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن عمرانَ بنِ حُصَينٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: تحدَّثنا عندَ رسولِ الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فقال النبيُّ ﷺ : "سبعون ألفًا يدخُلونَ الجنّةَ لا حسابَ عليهم، الذين لا يَكتَوون، ولا يَسترقُون، ولا يَتطيَّرون، وعلى ربِّهم يَتوكَّلون" (٤). واحتجُّوا أيضًا بحديثِ سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ مولَى المَهْرِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "دخَلتْ أُمَّةٌ بقَضِّها وقَضيضِها الجنَّةَ، كانوا لا يَستَرقُون، ولا يَكْتوون، ولا يَتطيَّرون، وعلى ربِّهم يَتوكَّلون" (٥).

стр. 1963

وبما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصَّائغُ، قال: حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا عاصمٌ، عن زرٍّ، عن عبدِ الله، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "عُرِضَتْ عليَّ الأُممُ في الموسمِ، فرأيتُ أُمَّتي، فأعجَبتني كثرتُهم وهيئتُهم، قد ملَئوا السَّهلَ والجبلَ، قال: يا محمَّدُ، إنَّ مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخُلون الجنّةَ بغيرِ حسابٍ، الذين لا يَسترقُون، ولا يَكتوون، ولا يَتطيَّرون، وعلى ربِّهم يَتوكَّلون". فقامَ عُكَّاشةُ، فقال: يا نبيَّ الله، ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهم. قال: "اللهمَّ اجعَلْه منهم". ثم قام آخرُ، فقال: ادعُ اللهَ أنْ يجعلَني منهم. فقال: "سبَقك بها عُكَّاشةُ" (١). وروَى (٢) عمرانُ بنُ حُصَينٍ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَ هذا، في حديثٍ طويلٍ ذكَره (٣).

стр. 1964

قال أبو عُمر: فلهذه الفَضيلَةِ ذهَب بعضُ أهلِ العلم إلى كراهيةِ الرُّقَى والمداواةِ (١) والاكتواءِ. والآثارُ بهذا كثيرةٌ ثابتةٌ عن النبيِّ ﷺ . وممَّن ذهَب إلى هذا داودُ بنُ عليٍّ وجماعةٌ مِن أهلِ الفقهِ والأثرِ (٢). ومن حُجَّتِهم أيضًا قولُ ابنِ مسعودٍ، ذكَره إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا حجَّاجُ بنُ مِنهالٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا عاصمُ بنُ بَهدَلةَ، عن أبي وائلٍ الأسديِّ، عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: "إنَّ المرأةَ إذا حمَلتْ تصعَّدَت النُّطفةُ تحتَ كلِّ شَعَرةٍ وبشرةٍ أربعينَ يومًا، ثم تستقِرُّ في الرحم عَلَقةً أربعينَ يومًا، ثم مُضغةً أربعينَ يومًا، ثم يبعَثُ اللهُ إليه المَلكَ، فيقولُ: أيْ ربِّ، ذَكَرٌ أم أُنثَى؟ فيأمُرُ اللهُ بما شاء، ويكتُبُ الملَكُ، ثم يقولُ الملَكُ: أيْ ربِّ، شقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيأمُرُ اللهُ بما شاء، ويكتُبُ الملَكُ، ثم يكتبُ رزقَه، وأثرَه، وأجَلَه، وعملَه، وأين يموتُ، وأنتم تُعلِّقون التمائمَ على أبنائِكم من العينِ! وقد رُوِي نحوُ هذا المعنى مرفوعًا عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ ثابتةٍ كثيرةٍ (٣)، من حديثِ ابنِ مسعودٍ وغيرِه (٤). وذكَر أيضًا مَن ذهَب إلى هذا المذهبِ ما أخبَرناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، قال: أخبَرنا أبو اليسرِ بِشرُ بنُ عبدِ الله البغداديُّ، قال: أخبَرنا أبو محمدٍ عبيدُ الله بنُ الحسينِ بنِ عبدِ الرحمنِ القاضي الأنطاكيُّ، قال: حدَّثنا حَبَشِيُّ بنُ عمرِو بنِ الربيعِ بنِ طارقٍ، واسمُه طاهرٌ -يَعني اسمَ حَبَشِيٍّ- قال: حدَّثني أبي، قال: أخبَرنا السِّريُّ بنُ يحيى من أهلِ البصرةِ، عن أبي شُجاع، عن أبي ظَبْيَةَ، أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ دخَل على

стр. 1965

ابنِ مسعودٍ في مرضِه الذي قُبِض فيه، فقال له عثمانُ: ما تَشتكِي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تَشتهي؟ قال: رحمةَ ربِّي. قال: ألا أدعو لكَ الطبيبَ؟ قال: الطبيبُ أمرَضَني. قال: ألا نأمرُ لكَ بعطائِك؟ قال: حبَستَه عنِّي في حَياتي، فلا حاجةَ لي به عندَ مَوتي. قال له عثمانُ: لكن يكونُ لبناتِك. قال: أتخشَى على بَناتي الفاقةَ؟ إنِّي لأرجو ألَّا تُصيبَهم فاقةٌ أبدًا، إنِّي قد أمَرتُ بَناتي بقراءةِ "الواقعةِ" كلَّ ليلةٍ فإنّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "من قرأ سُورةَ الواقعة كلَّ ليلةٍ لم تُصِبْه فاقةٌ أبدًا" (١). وذكرَ من ذهَب إلى هذا قولَ أبي الدرداءِ حينَ مَرِض، فقيل له: ألا نَدْعُو لك طبيبًا؟ فقال: رآني الطبيبُ. قيل له: ما قال لك؟ قال: إنّي فَعّالٌ لما أُريدُ (٢). وذكَر وكيعٌ، قال: حدَّثنا أبو هلالٍ، عن معاويةَ بن قُرَّةَ، قال: مرِض أبو الدَّرداءِ، فعادُوه وقالوا له: أندعو لك الطبيبَ؟ فقال: هو أضجَعني (٣).

стр. 1966

وذكَر (١) ابنُ أبي شيبةَ (٢)، قال: حدّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، قال: قيل للربيعِ بنِ خُثَيْم في مرضِه: ألا نَدعو لك الطبيبَ؟ فقال: أنظِروني. ثم تفكَّرَ، فقال: إنَّ عادًا وثمودَ وأصحابَ الرَّسِّ وقرونًا بينَ ذلك كثيرًا. فذكَر من حرصهم على الدُّنيا، ورغبتِهم فيها، وقال: قد كان فيهم المرضَى، وكان منهم الأطبَّاءُ، فلا المُداوِي بَقِيَ ولا المُداوَى، هلَك النَّاعتُ والمنعوتُ له، والله لا تَدعو لي طبيبًا. وممَّن كَرِهَ الرَّقْيَ: سعيدُ بنُ جبيرٍ، ذكَر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدَّثنا أبو شهابٍ، قال: دخَلتُ على سعيدِ بن جبيرٍ وهو نازلٌ بالمروةِ، وكانت تأخُذُه شقيقةٌ بصُداع فقال له رجلٌ: ألا آتيكَ بمن يَرقيك من الصُّداع؟ فقال: لا حاجةَ لي بالرَّقْيَ (٣). وروَى سُنيدٌ (٤)، عن هشيم، عن حُصيْنٍ (٥)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أنَّه كان عندَه يومًا، فقال: أيُّكم رأى الكوكبَ الذي انقضَّ البارحةَ؟ فقال حُصَينٌ: أنا. ثم قلتُ: أما إنِّي لم أكنْ في صلاةٍ؛ وذلك أنِّي لدَغتْني عقربٌ. قال: فكيفَ صنَعت؟ قلتُ: استرقيْتُ. قال: وما حمَلكَ على ذلك؟ قلتُ: حدَّثني الشعبيُّ، عن بُرَيدةَ الأسلميِّ، أنَّه قال: لا رُقيةَ إلَّا من عينٍ أو حُمَةٍ. فقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: وذا حَسَنٌ، من انتهَى إلى ما سمِع فقد أحسَن، لكنَّ ابنَ عبَّاسٍ حدَّثني أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يدخُلُ الجنّةَ من أُمَّتي سبعون ألفًا لا حسابَ عليهم ولا عذابَ، وهم الذين

стр. 1967

لا يَسترْقون، ولا يَتطيَّرون، ولا يَكتوون، وعلى ربِّهم يتَوكَّلون" (١). مختصرٌ. وذكَر أبو بكر (٢)، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ: أنَّه كان يَكرهُ شُربَ الأدويةِ كلِّها إلَّا اللَّبنَ والعَسلَ. ومن حجَّةِ مَن ذهَب إلى كراهيةِ ذلك أيضا ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا المباركُ بنُ فَضالةَ، قال: حدَّثنا الحسنُ، عن عمرانَ بنِ حُصينٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ رأى في عضُدِه حَلْقةً، فقال: "ما هذه؟ ". قال: من الواهنةِ (٣). فقال: "ما تزيدُك إلَّا وَهْنًا، انبِذْها عنك، فإنَّك إن متَّ وهي عليك وُكِلْتَ إليها" (٤).

стр. 1968

وما حدَّثنا عبدُ الوارثِ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ سلام السَّوِيقيُّ، قال: حدَّثنا زهيرُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ (١)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: حدَّثنا العقَّارُ بنُ المغير بنِ شعبةَ عن أبيه حديثًا فلم أحفَظْه، فمكَثتُ بعدَ ذلك، فأمَرتُ حسَّانَ بنَ أبي وَجْزةَ أنْ يسألَه، فأخبَرني أنَّه سألَه فقال: سمِعتُ أبي يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "ما توكَّلَ مَنِ استرقَى أو اكْتوَى" (٢). وبحديثِ عبدِ الله بنِ عمرٍو، سمِع رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما أُبالي ما أتَيتُ -أو ما ارتكَبتُ- إنْ أنا شرِبتُ ترياقًا، أو تعلَّقتُ تَميمةً، أو قلتُ شِعْرًا من قِبَلِ نَفسِي" (٣).

стр. 1969

وعن الحسنِ قال: سألتُ أنسًا عن النُّشْرةِ؟ فقال: ذكَروا عن النبيِّ ﷺ أنَّها من الشيطانِ (١). وهذه كلُّها آثارٌ ليِّنةٌ، ولها وجوهٌ محتمِلةٌ. وعن عمرانَ بنِ حصينٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن الكَيِّ (٢). فهذا أكثرُ ما نزَع به الكارهونَ للرَّقْي والتَّداوي والمعالجةِ.

стр. 1970

وذكَر الأثرمُ، قال: سألتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ عن الكَيِّ، فقال: ما أدري. وكأنَّه كَرِهَه، وذكَر حديثَ عمرانَ بنِ حصينٍ: نُهينا عن الكَيِّ (١). قال: وسمِعتُه يَكرهُ الحُقنةَ، إلَّا أنْ تكونَ ضرورةٌ لا بدَّ منها. وذهَب آخرون من العلماءِ إلى إباحةِ الاسترقاءِ والمعالجةِ والتَّداوِي، وقالوا: إنَّ من سُنَّةِ المسلمين التي يجبُ عليهم لُزومُها؛ لروايتِهم لها عن نبيِّهم ﷺ ، الفَزَعَ إلى الله عندَ الأمرِ يعرِضُ لهم، وعندَ نزولِ البلاءِ بهم، في التَّعوُّذِ بالله من كلِّ شرٍّ، وإلى الاسترقاءِ، وقراءةِ القرآنِ، والذِّكرِ والدُّعاءِ. واحتجُّوا بالآثارِ المروَّيةِ عن النبيِّ ﷺ في إباحةِ التَّداوِي والاسترقاءِ؛ منها قولُه: "تَداوَوا عبادَ الله، ولا تَداوَوا بحَرام، فإنَّ اللهَ لم يُنزِلْ داءً إلَّا أنزَل له دواءً" (٢). وبقولِه ﵇: "الشِّفاءُ في ثلاثةٍ: في شَرْبةِ عسل، أو شَرْطةِ مِحجَم، أو كيَّةِ نار، وما أُحبُّ أن أكتوِيَ" (٣)، وبحديثِ أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إن كان في شيءٍ ممَّا تَداوُون به خيرٌ، فالحِجامةُ" (٤)، ومن حديثِ سَمُرةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ

стр. 1971

قال: "خيرُ ما يُتداوَى به الحجامةُ" (١)، ومن حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ احتجَمَ واستعَطَ، وأعطَى الحجَّامَ أجرَه (٢)، وروِيَ عنه أنَّه قال: "إن كان دواءٌ يَبلُغُ الدَّاءَ فالحجامةُ تَبلغُه" (٣). وقال ﵇: "ما خلَق اللهُ داءً إلا خلَق له دواءً، إلَّا الموتَ والهرَمَ" (٤)، وقال ﷺ : "في الحبَّةِ السَّوداءِ شفاءٌ مِن كلِّ

стр. 1972

داءٍ، إلَّا السَّامَ"؛ يعْني: الموتَ. روَاه ابنُ شهابٍ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ (١). وقال ﷺ : "الكَمْأةُ من المنِّ، وماؤُها شفاءٌ للعينِ" (٢). ورقَى رسولُ الله ﷺ نفسَه، ورَقَى أصحابَه، وأمرَهم بالرُّقيةِ، وأباحَ الأكلَ بالرُّقيةِ، وكان يُعوِّذُ الحسنَ والحسينَ ويسترْقِي لهما (٣)، وكذلك جاءَ عنه في ابنَي

стр. 1973

جعفرٍ (١)، وأمَر عامرَ بنَ ربيعةَ بالاغتسالِ لسهلِ بنِ حُنَيفٍ مِن العين (٢)، وكان يقولُ: "مَن قال: أعوذُ بعزَّةِ الله وقُدرتِه. كُشِف عنه كذا" (٣). و: "مَن قال: أعوذُ بكلماتِ الله التَّامَّاتِ. لم يَضُرَّه شيءٌ" (٤)، ونحوَ هذا من الحديثِ. وقال رسولُ الله ﷺ لأسماءَ بنتِ عُميسٍ: "بِم كنتِ تَستَمْشِينَ؟ ". قالت: بالشُّبرُم. قال: "حارٌّ جارٌّ". قالت: ثم استَمْشَيتُ بالسَّنا. فقال رسولُ الله ﷺ : "لو كان شيءٌ يَشفِي من الموتِ كان السَّنا" (٥).

стр. 1974

وأجازَ ﷺ اللَّدودَ (١)، والشَّعوطَ (٢)، والمَشِيَّ (٣)، والحجامةَ، والعَلَقَ (٤). وقال إبراهيمُ النخعيُّ: كانوا لا يَرَون بالاستمشاءِ بأسًا، وإنَّما كرِهوا منه ما كرِهوا مخافةَ أنْ يُضعِفَهم (٥). وقال عطاءٌ: لا بأسَ أنْ يَستمْشِيَ المُحرِمُ وغيرُ المحرم (٦).

стр. 1975

وقد سُئِل رسولُ الله ﷺ ، فقيلَ له: أرأيتَ أدويةً نتداوَى بها، ورُقًى نَسترْقي بها، أتَردُّ من قَدَرِ الله؟ فقال: "هي من قَدَرِ الله" (١). وقال: "في عجوةِ العاليَةِ شفاءٌ إذا بَكَرَه على الرِّيقِ" (٢). وقال: "مَن تصبَّحَ سبعَ تَمَراتٍ من عَجْوةٍ من تمرِ العاليَةِ، لم يضُرَّه ذلك اليومَ سَمٌّ ولا سحرٌ" (٣). وكَوَى رسولُ الله ﷺ أسعدَ بنَ

стр. 1976

زرارة (١). ورُوِيَ أنَّه قطَع من أُبَيِّ بنِ كعبٍ عرقًا وكَواه. وهو حديثٌ غريبٌ، روَاه أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابر (٢).

стр. 1977

وذكَر الأثرمُ، قال: سألتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ عن قَطْعِ العِرْقِ، فقال: لا بأسَ بذلك، عمرانُ بنُ حصينٍ قطَع عِرْقًا، وأُسيدُ بنُ حضيرٍ قطَع عِرْقَ النَّسا، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ قطَع عِرْقًا فيما قال أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ. وذكَر ابنُ وهبٍ (١)، قال: حدَّثني عمرُ (٢) بنُ محمدٍ، وعبدُ الله بنُ عمرَ، ومالكُ بنُ أنسٍ، ويونسُ بنُ يزيدَ: أنَّ نافعًا أخبَرهم، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ اكتوَى من اللَّقْوَةِ (٣)، ورُقيَ من العقربِ. قال (٤): وحدَّثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن عبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ، عن نافع، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ كان إذا دعا طبيبًا يُعالجُ أهلَه، اشتَرطَ عليه ألَّا يُداويَ بشيءٍ ممَّا حرَّمَ اللهُ.
следующие страницы →