← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1973–2012 · переход к 1978.

стр. 1973

جعفرٍ (١)، وأمَر عامرَ بنَ ربيعةَ بالاغتسالِ لسهلِ بنِ حُنَيفٍ مِن العين (٢)، وكان يقولُ: "مَن قال: أعوذُ بعزَّةِ الله وقُدرتِه. كُشِف عنه كذا" (٣). و: "مَن قال: أعوذُ بكلماتِ الله التَّامَّاتِ. لم يَضُرَّه شيءٌ" (٤)، ونحوَ هذا من الحديثِ. وقال رسولُ الله ﷺ لأسماءَ بنتِ عُميسٍ: "بِم كنتِ تَستَمْشِينَ؟ ". قالت: بالشُّبرُم. قال: "حارٌّ جارٌّ". قالت: ثم استَمْشَيتُ بالسَّنا. فقال رسولُ الله ﷺ : "لو كان شيءٌ يَشفِي من الموتِ كان السَّنا" (٥).

стр. 1974

وأجازَ ﷺ اللَّدودَ (١)، والشَّعوطَ (٢)، والمَشِيَّ (٣)، والحجامةَ، والعَلَقَ (٤). وقال إبراهيمُ النخعيُّ: كانوا لا يَرَون بالاستمشاءِ بأسًا، وإنَّما كرِهوا منه ما كرِهوا مخافةَ أنْ يُضعِفَهم (٥). وقال عطاءٌ: لا بأسَ أنْ يَستمْشِيَ المُحرِمُ وغيرُ المحرم (٦).

стр. 1975

وقد سُئِل رسولُ الله ﷺ ، فقيلَ له: أرأيتَ أدويةً نتداوَى بها، ورُقًى نَسترْقي بها، أتَردُّ من قَدَرِ الله؟ فقال: "هي من قَدَرِ الله" (١). وقال: "في عجوةِ العاليَةِ شفاءٌ إذا بَكَرَه على الرِّيقِ" (٢). وقال: "مَن تصبَّحَ سبعَ تَمَراتٍ من عَجْوةٍ من تمرِ العاليَةِ، لم يضُرَّه ذلك اليومَ سَمٌّ ولا سحرٌ" (٣). وكَوَى رسولُ الله ﷺ أسعدَ بنَ

стр. 1976

زرارة (١). ورُوِيَ أنَّه قطَع من أُبَيِّ بنِ كعبٍ عرقًا وكَواه. وهو حديثٌ غريبٌ، روَاه أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابر (٢).

стр. 1977

وذكَر الأثرمُ، قال: سألتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ عن قَطْعِ العِرْقِ، فقال: لا بأسَ بذلك، عمرانُ بنُ حصينٍ قطَع عِرْقًا، وأُسيدُ بنُ حضيرٍ قطَع عِرْقَ النَّسا، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ قطَع عِرْقًا فيما قال أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ. وذكَر ابنُ وهبٍ (١)، قال: حدَّثني عمرُ (٢) بنُ محمدٍ، وعبدُ الله بنُ عمرَ، ومالكُ بنُ أنسٍ، ويونسُ بنُ يزيدَ: أنَّ نافعًا أخبَرهم، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ اكتوَى من اللَّقْوَةِ (٣)، ورُقيَ من العقربِ. قال (٤): وحدَّثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن عبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ، عن نافع، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ كان إذا دعا طبيبًا يُعالجُ أهلَه، اشتَرطَ عليه ألَّا يُداويَ بشيءٍ ممَّا حرَّمَ اللهُ.

стр. 1978

حدَّثنا (١) محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّارُ، قال: حدَّثنا مهنَّأُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا بقيَّةُ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ: أنَّ ابنَ عمرَ كان يَسقي ولدَه التِّرياقَ (٢). وقال مالكٌ: لا بأسَ بذلك (٣). قال أبو عُمر: ورُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خيرُ أكحالِكم الإثْمِدُ، يَجْلُو البَصَرَ، ويُنبِتُ الشَّعَر". واكتوى ابنُ عمر وغيرُه من السَّلَف (٤)، فمن (٥) زعَم أنَّه لا معنَى للرُّقَى والاستعاذةِ، ومنَع من التَّداوِي والمعالجةِ ونحوِ ذلك ممَّا يُلتمَسُ به العافيةُ من الله، فقد خرَج من عُرفِ المسلمين، وخالفَ طريقَهم، ولو كان الأمرُ كما ذهَب إليه مَن كرِه التَّداويَ والرُّقَى، ما قطَع الناسُ أيديَهم، ولا أرجُلَهم، ولا غيرَ ذلك من أعضائِهم للعلاجِ، وما افتَصَدوا ولا احتَجَموا، وهذا عروةُ بنُ الزُّبيرِ قد قطَع ساقَه (٦).

стр. 1979

قالوا: وقد يَحتمِلُ أن يكونَ قولُ النبيِّ ﷺ : "إنَّهم لا يَسْتَرقُون، ولا يَكْتَوون" أن يكونَ قصَد إلى نوع من الكيِّ مكروهٍ منهيٍّ عنه، أو يكونَ قصَد إلى الرُّقَى بما ليس في كتابِ الله، ولا من ذِكْرِه. وقد جاءَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ كراهيةُ الرُّقيةِ بغيرِ كتابِ الله، وعلى ذلك العلماءُ، وأباحَ لليهوديَّةِ أن تَرقِيَ عائشةَ بكتابِ الله (١). قال أبو عُمر: هذا كلُّه قد نزَع به أو ببعضِه مَن قصَد إلى الرَّدِّ على القولِ الأوَّلِ. والذي أقولُ به أنَّه قد كان من خيارِ هذه الأُمَّةِ وسَلَفِها وعلمائِها، قومٌ يَصبِرون على الأمراضِ حتى يَكشِفَها اللهُ، ومعهم الأطبَّاءُ، فلم يُعابوا بتَرْكِ المعالجةِ، ولو كانتِ المعالجةُ سُنَّةً من السُّننِ الواجبةِ، لكان الذَّمُّ قد لحِق مَن تَرَك الاسترقاءَ والتَّداويَ، وهذا لا نعلمُ أحدًا قاله، ولكان أهلُ الباديةِ والمواضع النائيةِ عن الأطبَّاءِ، قد دخَل عليهم النَّقصُ في دينِهم لِتَرْكِهم ذلك، وإنَّما التَّداوي، واللهُ أعلمُ، إباحةٌ، على ما قدَّمنا؛ لِمَيلِ النفسِ إليه، وسُكونِها نحوَه، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]، لا أنَّه سُنَّةٌ، ولا أنَّه واجبٌ، ولا أنَّ العلمَ بذلك علمٌ موثوقٌ به لا يُخالَفُ؛ بل هو خَطَرٌ (٢) وتجربةٌ موقوفةٌ على القَدَرِ، واللهَ نسألُه العِصمةَ والتوفيقَ. وعلى إباحةِ التَّداوي والاسترقاءِ جمهورُ العلماءِ.

стр. 1980

أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ الأعرابيُّ، قال: حدَّثنا سعدانُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ (١)، عن عاصم الأحولِ، عن أبي عثمانَ النَّهْدِيِّ، أو عن أبي قلابة (٢)، قال: لما قدِمَ رسولُ الله ﷺ خيبرَ، قَدِمَ والثَّمرةُ خَضِرةٌ. قال: فأسرَعَ الناسُ فيها، فحُمُّوا، فشَكَوا ذلك إليه، فأمَرهم أنْ يُقَرِّسوا الماءَ في الشِّنانِ، ثم يَحْدُروا عليهم بينَ أذانِ الفجرِ، ويَذكُروا اسمَ الله . قال: ففعَلوا، فكأنَّما نَشِطوا من عقال. أو قال: مِن عُقُل (٣). وقد رخَّصوا أنْ يُداوِيَ الرجالُ عندَ الاضطرارِ النساءَ على سبيلِ السُّترةِ والاحتياطِ. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سألتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ، أو سُئل وأنا أسمعُ، عن المرأةِ يُداويها الرَّجلُ في مثلِ الكسرِ وشبهِه؟ قال: نعَم، قد رخَّصَ في ذلك عدَّةٌ من التابعين. قال أبو بكرٍ (٤): حدَّثنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ عثمانَ بنِ

стр. 1981

خُثَيْم، قال: سألتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ عن امرأةٍ مِنَّا في رأسِها سَلْعَةٌ (١) لا يستطيعُ النساءُ أنْ يُداوينَها؟ قال: يُخرَقُ في خمارِها قدرَ السِّلعةِ، ثم يُداويِها الرجالُ. قال: وحدَّثنا أبو جعفرٍ النُّفيْليُّ، قال: حدَّثنا مِسكينُ بنُ بُكَيرٍ، عن شعبةَ، عن يونسَ (٢)، عن هشام بنِ عروةَ، قال: خرَج في عُنقِ أُختي خُرَاجٌ (٣)، فدَعا عروةُ الطبيبَ، فأمَره أن يُقوِّرَ الموضعَ، ثم يُعالجَها. قال (٤): وحدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا همَّامٌ، قال: حدَّثنا ثابتُ بنُ ذروةَ، قال: سألتُ جابرَ بنَ زيدٍ عن المرأةِ ينكسِرُ منها العُضوُ؛ أجبُرُه؟ قال: نعم. قال: وحدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن جابرِ بنِ زيدٍ في المرأةِ ينكسرُ فَخِذُها، فلا يَجِدون امرأةً تَجبُرُها، فقال: يَجبُرُها رجلٌ ويَستُرُها (٥). قال: وأخبَرنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ في الرجلِ يؤخَذُ عن امرأتِه، فيلتمِسُ مَن يُداويه؟ قال: إنَّما نهَى اللهُ عمَّا يضُرُّ، ولم يَنْهَ عمَّا ينفَعُ (٦).

стр. 1982

أخبَرنا (١) عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ (٢)، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني عقبةُ بنُ نافع (٣)، عن ربيعةَ أنَّه قال: لا بأسَ أن يُعالَجَ المريضُ بلبنِ الشَّاةِ السَّوداءِ، والبقرةِ السوداءِ، ولبنِ المرأةِ أوَّلَ بطنٍ، لا نَرى بذلك كلِّه بأسًا. وقال زيدُ بنُ البِشْرِ: سمنُ البقرةِ السَّوداءِ التي لا بياضَ فيها، يَجلُو البصرَ. وأمَّا الآثارُ التي رُوِيتْ مسندةً في معنى حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ هذا، فحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ الطَّائيُّ. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن زيادِ بنِ عِلاقةَ، قال: سمِعتُ أسامةَ بنَ شريكٍ، قال: شهِدتُ الأعاريبَ يسألون رسولَ الله ﷺ : هل علينا جناحٌ في كذا وكذا؟ فقال: "عبادَ الله، قد وُضِعَ الحَرَجُ، إلَّا امرأً اقتَرَض من عِرْضِ أخيهِ شيئًا، فذلك الذي حَرِجَ وهلَك".

стр. 1983

قالوا: يا رسولَ الله، هل علينا حَرَجٌ أن نتداوَى؟ فقال: "تَداوَوا عبادَ الله، فإنَّ اللهَ لم يُنزِلْ داءً إلَّا وقد أنزَل له دواءً -وقال مرَّةً: شفاءً- إلَّا الهَرمَ". قالوا: فما خيرُ ما أُعطِيَ الرَّجلُ يا رسولَ الله؟ قال: "خُلُقٌ حَسَنٌ" (١). ورَواه شعبةُ (٢)، وزهيرُ بنُ معاويةَ (٣)، وزيدُ بنُ أبي أنيسةَ (٤)، عن زيادِ بنِ عِلاقةَ، عن أسامةَ بنِ شَريكٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه سواءً.

стр. 1984

وحدَّثني خلفُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحدَّادِ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حَذْلَم (١) الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، قال: حدَّثنا ثعلبةُ بنُ مسلم الخثعميُّ، عن أبي عمرانَ الأنصاريِّ، عن أمِّ الدرداء (٢)، عن أبي الدَّرداءِ، عن رسولِ الله ﷺ ، قال: "إنَّ اللهَ خلَق الدَّاءَ، وخلَق الدَّواءَ، فتَداوَوا، ولا تَداوَوا بحرام" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ إملاءً، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ إملاءً، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ إملاءً في المسجدِ الحرام، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني شبيبُ بنُ شيبةَ، قال: سمِعتُ عطاءً يحدِّثُ في المسجدِ الحرامِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما أنزَل اللهُ من داءٍ إلَّا أنزَل معه دواءً؛ علِمه من علِمه، وجهِله من جهِله، إلَّا السَّامَ". قيلَ: يا رسولَ الله، وما السَّامُ؟ قال: "الموتُ" (٤).

стр. 1985

قال أبو عُمر: هكذا روَى هذا الحديثَ شبيبُ بنُ شيبةَ، عن عطاءٍ، عن أبي سعيدٍ، وخالَفَه عمرُ بنُ أبي حسينٍ، فرَواه عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ: حدَّثناه أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا وهبُ بنُ مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ الزُّبيرِ، عن عمرَ بنِ سعيدِ بنِ أبي حسينٍ، قال: حدَّثنا عَطاءُ بنُ أبي رباحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما أنزَل اللهُ من داءٍ إلَّا أنزَل له شفاءً". ورَواه طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ. وقد يحتمِلُ أنْ يكونَ عندَ عطاءٍ عنهم. أخبَرني أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا أبو نعيم (٢)، قال: حدَّثنا طلحةُ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاس، عن النبيِّ ﷺ قال: "يا أيُّها الناسُ، تَداوَوا، فإنَّ اللهَ لم يخلُقْ داء إلَّا خلَق له شفاءً، إلَّا السَّامَ، والسَّامُ الموتُ" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثني ابنُ وهب، قال: أخبَرني ابنُ جريج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ :

стр. 1986

"ما أنزَل اللهُ داءً إلَّا أنزلَ له دواءً أو شفاءً -الشَّكُّ من أبي الأحوصِ- إذا أُصيبَ الدَّواءُ الذي هو شفاءُ الدَّاءِ" (١). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٣): حدَّثنا يونسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حربُ بنُ ميمونٍ، قال: سمِعتُ عمرانَ العمِّيَّ قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ

стр. 1987

يقولُ: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ حيثُ خلَق الدَّاءَ، خلَق الدَّواءَ، فتَداوَوا". أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصَّائغُ، قال: حدَّثنا المُقرئُ (١)، قال: حدَّثنا المسعوديُّ، عن قيسِ بنِ مسلم، عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ لَم يُنزِلْ داءً إلَّا وقد وضَع له شفاءً، إلَّا الهرمَ، فعليكم بألبانِ البقرِ، فإنَّها تَرُمُّ من كلِّ الشجرِ" (٢).

стр. 1988

وحدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ السَّائبِ، قال: دخَلتُ على أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ أعودُه، فأراد غلامٌ له أن يُداويَه، فنهَيتُه، فقال: دَعْه، فإنِّي سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يخبِرُ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قال: "ما أنزَل اللهُ داءً إلَّا أنزلَ له دواءً -وربَّما قال سفيانُ: شفاءً- علِمه من علِمه، وجهِله مَن جَهِله". رواه وكيعٌ عن سفيانَ عن عطاءِ بن السائب عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعودٍ موقوفًا من قوله (٢)، واللهُ الموفِّق للصّواب.

стр. 1989

حديثٌ سادسٌ وأربعونَ لزيدِ بنِ أسلمَ (١) مُرسَلٌ مالكٌ (٢)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يسلِّمُ الرَّاكبُ على الماشي، وإذا سلَّم مِن القوم واحدٌ أجزَأ عنهم". لا خلافَ بينَ رواةِ "الموطأ" في إرسالِ هذا الحديثِ هكذا (٣). وفي هذا البابِ حديثُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ مسندٌ، وسنذكُرُه فيه إن شاء اللهُ. وزعَم البزَّارُ أنَّ فيه عن أبي هريرةَ. وهذا حديثٌ بيِّنُ المعنَى، مُستَغنٍ عن التأويلِ، إلَّا أنَّ الفقهاءَ اختَلفوا في القولِ به؛ فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، وهو قولُ أهلِ المدينةِ: إذا سلَّم رجلٌ على جماعةٍ مِن الرِّجالِ، فرَدَّ عليه واحدٌ منهم أجزَأ عنهم، وشبَّهه الشافعيُّ ﵀ بصلاةِ الجماعةِ، والتَّفقُّهِ في دينِ الله، وغَسلِ الموتى، ودفنِهم، والصلاةِ عليهم، وبالسفرِ إلى أرضِ العدوِّ لقتالِهم. قال: هذه كلُّها فروضٌ على الكفايةِ، إذا قام بشيءٍ منها بعضُ القوم أجزَأ عن غيرِهم (٤). قال أبو عُمر: الحجَّةُ في فرضِ ردِّ السَّلام قولُ الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:]. والحجَّةُ في أنَّ هذا الفرضَ لا يتعيَّنُ في هذه المسألةِ، حديثُ زيدِ بنِ أسلمَ هذا. وقال أبو جعفرٍ الأزديُّ الطَّحاويُّ (٥): حدَّثنا سليمانُ بنُ شعيبٍ، عن أبيه،

стр. 1990

عن أبي يوسفَ: أنَّه كان يُنكِرُ الحديثَ الذي رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ : "إذا ردَّ السَّلامَ بعضُ القوم أجزَأ عن الجميع (١) ". وقال: لا يُجزئُ إلَّا أن يردُّوا جميعًا. قال أبو جعفرٍ: ولا نعلَمُ في هذا البابِ شيئًا رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ غيرَ حديثِ مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، وشيءٍ رُوِيَ فيه عن أبي النضرِ مولى عمرَ بنِ عبيدِ الله، عن رسولِ الله ﷺ . وكلا الوجهَين لا يُحتجُّ به. قال: وحديثُ زيدِ بنِ أسلمَ إنَّما فيه: "إذا سلَّم مِن القوم واحدٌ أجزَأ عنهم". قال: وإنَّما هو ابتداءُ السلام، وابتداءُ السلام خِلافُ ردِّ السلام؛ لأنَّ السلامَ المبتدَأ تطوُّعٌ، وردُّه فريضةٌ. قال: وليس هو مِن الفروضِ التي هي (٢) على الكفاية؛ لأنَّه لو كان مع القوم نصرانيٌّ، فردَّ النصرانيُّ دونَ أحدِ من المسلمين، لَمْ يُسقِطْ ذلك عنهم فرضَ السلامِ، فدلَّ على أنَّ فرضَ السَّلام مِن الفروضِ المتعيّنةِ التي تلزمُ كلَّ إنسانٍ بنفسِه. قال أبو عُمر: أمَّا قولُه: إنَّ حديثَ زيدِ بنِ أسلمَ هذا معناه الابتداءُ. فغيرُ مُسلَّم له ما ادَّعاه مِن ذلك، وظاهرُ الحديثِ يدُلُّ على خلافِ ما تأوَّلَ فيه، وذلك قولُه: " أجزَأ عنهم"؛ لأنَّه لا يقالُ: أجزأ عنهم. إلَّا فيما قد وجَب عليهم، والابتداءُ بالسَّلام ليس بواجبٍ عندَ الجميع، ولكنَّه سنَّةٌ وخيرٌ وأدبٌ، والرَّدُّ واجبٌ عندَ جميعِهم، فاستبان بقولِه: "أجزَأ عنهم": أنَّه أراد بالحديثِ الرَّدَّ، واللّهُ أعلمُ. هذا وجهُ الحديثِ، فبطَل تأويلُ الطحاويِّ، وصحَّ ما ذهَب إليه فقهاءُ الحجازِ. وأمَّا قولُه: فإنَّه لا يُروَى في هذا غيرُ حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ، وحديثِ أبي النَّضرِ، وهما منقطعانِ. فليس كما قال عندَنا، وقد رُوِّينا بإسنادٍ مُتَّصلٍ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عن النبيِّ ﷺ ، معنى ما ذهَب إليه مالكٌ، والشافعيُّ، ومَن قال بقولِهم.

стр. 1991

حَدَّثَنَا خلفُ بنُ القاسم الحافظُ، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ رشيقٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الأعلى بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحَضْرميُّ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ الفضل، عن عُبيدِ الله بنِ أبي رافعٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُجزئُ مِن الجماعةِ إذا مرَّت أن يسلِّمَ أحدُهم، ويُجزئُ عن القعودِ أن يرُدَّ أحدُهم" (١). ففي هذا الحديثِ بيانُ موضعِ الخلافِ، وقَطْعُ التَّنازُعِ؛ لأنَّه سوَّى بين الابتداءِ والرَّدِّ، وجعل ذلك على الكفايةِ، وهو حديثٌ حسنٌ لا معارِضَ له. وسعيدُ بنُ خالدٍ هذا هو سعيدُ بنُ خالدٍ الخُزاعيُّ، مدنيٌّ ليس به بأسٌ عندَ بعضِهم، وقد ضعَّفه جماعةٌ؛ منهم أبو زرعةَ، وأبو حاتم، ويعقوبُ بنُ شيبةَ، وجعَلوا حديثَه هذا منكرًا؛ لأنَّه انفرَد فيه بهذا الإسنادِ. على أنَّ عبدَ الله بنَ الفضلِ لَمْ يسمَعْ مِن عبيدِ الله بن أبي رافعٍ، بينهما الأعرجُ في غيرِ ما حديث (٢)، فاللهُ أعلمُ، وسائرُ الإسنادِ أشهرُ مِن أن يُحتاجَ إلى ذكرِهم.

стр. 1992

وذكَر أبو داودَ (١) هذا الخبرَ، عن الحسنِ الحُلْوانيِّ، عن عبدِ الملكِ بنِ إبراهيمَ الجُدِّيِّ، عن سعيدِ بنِ خالدٍ الخزاعيِّ، بإسنادِه مثلَه. وقد روَى ابنُ جريجٍ هذا الخبرَ عن زيدِ بنِ أسلمَ بهذا المعنَى مكشوفًا؛ حدَّثنيه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح (٢)، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ عديٍّ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ يونسَ، عن ابنِ جريجٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا مرَّ القومُ على المجلسِ، فسلَّم منهم رجلٌ، أجزَأ ذلك عنهم، وإذا ردَّ رجلٌ مِن أهلِ المجلس (٣)، أجزَأ ذلك عنهم". قال أبو عُمر: رُوِيَ في هذا البابِ عن ابنِ جريجٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ . ولا يَصِحُّ بهذا المعنى فيه شيءٌ غيرُ ما ذكَرْنا، واللّهُ أعلمُ. حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ (٤)، قالا: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حَدَّثَنَا رَوحُ بنُ عبادةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جريجٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو الزُّبيرِ، أنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "يسلِّمُ الراكبُ على الماشي، والماشي على القاعدِ، والماشيان أيُّهما بدَأ بالسلام فهو أفضلُ" (٥).

стр. 1993

وبهذا الإسنادِ عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني زيادٌ، أنَّ ثابتًا مولَى عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ أخبرَه (١)، أنَّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "يسلِّمُ الرَّاكبُ على الماشي، والماشي على القاعدِ، والقليلُ على الكثير" (٢). ومعَنى قولِه: "أجزَأ" في الابتداءِ؛ أي: أجزَأ في السُّنَّةِ المندوبِ إليها. كما يقالُ: مَن أتى الوليمةَ أجزأه التَّبريكُ والدُّعاءُ إذا كان صائمًا. وإنَّما قلنا هذا بدليل إجماعِهم على أنَّ الابتداءَ بالسَّلام سنَّةٌ، وأنَّ الرَّدَّ فرض، على ما ذكَرنا مِن اختلافِهم في تَعيينه وكفاييه، والابتِداءُ ليس كذلك عندَ جميعِهم. أخبَرنا عبدُ الرحمنِ (٣)، قال: حَدَّثَنَا عليٌّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ (٤)، قال: حَدَّثَنَا سُحنونٌ (٥)، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ (٦)، قال: حدَّثني جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ بنِ مِهرانَ، عن زيدِ بنِ وهبٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: "السلامُ اسمٌ مِن أسماءِ الله ، وضَعه في الأرضِ، فأفشُوه بينكم، فإنَّ الرجلَ إذا سلَّم على القوم

стр. 1994

فردُّوا عليه، كان له عليهم فضلُ درجةٍ؛ لأنَّه ذكَرهم، فإن لَمْ يردُّوا عليه، ردَّ عليه مَن هو خيرٌ منهم وأطيبُ (١). قال: وأخبَرني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن نافعٍ، قال: كنتُ أُسايرُ رجلًا مِن فقهاءِ الشامِ، يقالُ له: عبدُ الله بنُ أبي زكريا، فحبَستني دابتي تَبُولُ، ثمّ أدركْتُه ولم أُسلِّمْ، فقال: ألا تسلِّمُ؟ فقلتُ: إنما كنت معك آنفًا. فقال: وإنْ، لقد كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يتَسايرون فتُفرِّقُ بينهم الشَّجرةُ، فإذا التقَوا، سلَّم بعضُهم على بعضٍ (٢). وقال ابنُ عبّاسٍ وابنُ عمرَ: انتهى السلامُ إلى البَرَكةِ كما ذكر اللّهُ عن صالحي عبادِه: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٣) [هود: ٧٣]. وكانا يَكْرهانِ (٤) أن يزيدَ أحدٌ في السلام على قوله: وبركاته (٥)؛ واللّهُ الموفِّق للصَّواب.

стр. 1995

حديثٌ سابعٌ وأربعونَ لزيدِ بنِ أسلَمَ (١) مُرسَلٌ مالكٌ (٢)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أعطُوا السَّائلَ وإن جاء على فَرَسٍ". لا أعلمُ في إرسالِ هذا الحديثِ خلافًا بينَ رواةِ مالكٍ (٣)، وليس في هذا اللفظِ مُسْنَدٌ يُحْتَجُّ به فيما علِمتُ. وفيه من الفقهِ الحضُّ على الصدقةِ. وفيه أن الفرسَ إذا كان صاحبُه محتاجًا إليه، لا غِنَى به عنه لضعفهِ عن التصرُّفِ في معاشِه على رِجْلَيه، فإنّ مِلْكَه للفرسِ لا يُخرِجُه عن حدِّ الفقرِ، ولا يُدخِلُه في حُكم الأغنياءِ الذين لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ، وقد أطلقَ رسولُ الله ﷺ إعطاءَه وإن جاءَ على فرسٍ، ولم يَقُلْ: من صدقةِ التطوع دونَ الصدقةِ الواجِبةِ، فجائزٌ أن يُعطى من كلِّ صدقةٍ. ومَحمَلُ الدَّارِ التي لا غِنَى لصاحبِها عن سُكناها، ولا فضلَ له فيها عمّا يَحتاجُ إليه منها، والخادم الذي لا غِنَى به عنه -محمَلُ الفَرَسِ. وهذا قولُ جمهورِ فقهاءِ الأمصارِ، وقد تقدَّم القولُ في ذلك في باب حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن الأسَدِيِّ، من كِتابِنا هذا (٤)، فأَغْنَى ذلك عن إعادَتِه هاهُنا. ويحتملُ أن يكونَ ﷺ أراد بقولِه في هذا الحديثِ، الحضَّ على إعطاءِ السائلِ، وألا يُرَدَّ، كائنًا من كان، إذا رضِي لنفسِه بالسؤالِ، إذ الأغلبُ مِن هذه الحالِ أنّها لا تكونُ إلَّا عن حاجةٍ، نَدبًا إلى نوافلِ الخيرِ وصدقَةِ التطوعِ، وفعلِ البرِّ

стр. 1996

والإحسانِ بكلِّ مُسْتَضعف، إذا لَمْ يُعلَمْ أنَّه غنيٌّ مستكثِرٌ بالسؤالِ، مع ما كان منه ﷺ مِن التغليظِ في المسألَةِ وكراهيتها. وقد تقدَّمَ هذا المعنى مجوَّدًا، فلا حاجة للإكثارِ فيه. وقد رُوِي معنى هذا الحديثِ مسندًا عن النبيِّ ﷺ مِن حديثِ الحسينِ بن عليٍّ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن سفيانَ (١)، عن مصعبِ بن محمدٍ، عن يعلى بنِ أبي يحيي، عن فاطمةَ بنتِ حسينٍ، عن أبيها، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اللسائلِ حقٌّ وإن جاءَ على فَرَسٍ" (٢). وحدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عليٍّ بنِ الحسنٍ بمَرْوَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يعقوبَ الأصم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الصمدِ بنُ النعمانِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ عبدِ الملكِ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لولا أن السُّؤَّالَ يكذِبونَ، ما أفلَح مَنْ ردَّهم" (٣).

стр. 1997

وقد روَى عمرُ بنُ راشدٍ، عن مالكِ بنِ أَنَسٍ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: دخَل رسولُ الله ﷺ على بلالٍ، فوقفَ على الباب (١) سائلٌ، فردَّه، فقال رسولُ الله ﷺ : "لو صدَق السائلُ ما أفلَح مَن ردَّه". وهذا حديثٌ منكرٌ، لا أصلَ له في حديثِ مالكٍ ولا يصحُّ عنه. ومما يُشبِهُ هذا المعنى حديثٌ موضوع أيضًا على مالكٍ، وضَعه محمدُ بنُ عبدِ الله -ويقالُ: ابنُ عبدِ الرحمنِ- بنِ بَحيرٍ، عن أبيه، عن مالكٍ: حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ القاضِي، قال: حَدَّثَنَا أبي والعُقيليُّ، قالا: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنُ بَحِيرِ (٢) بنِ رَيْسانَ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رسولَ الله ﷺ قال: "ليس المسكينُ الذي ترُدُّه اللقمةُ واللقمتان، والتمرةُ والتمرتان، ولكِنَّ المسكينَ الذي لا يسألُ الناسَ، ولا يُعْلَمُ به فيُتَصَدَّقَ عليه" قيل: يا رسولَ الله، فما هؤلاء الذين يَغشَونَ بيوتَنا؟ قال: "أولئك الغُناةُ". قيل: وما الغناةُ؟ قال: "الذين لا يتطهَّرون من جنابةٍ، ولا يتوضئُون لصلاةٍ، ولا يرَون لأحدٍ عليهم حقًّا، ويرَون حقَّهم على الناسِ واجبًا، وإذا قام الناسُ في جُمُعَةٍ أو فِطرٍ أو أضحَى يسألُون اللّهَ من فضلِه، قاموا يسألون الناسَ مما في أيديهم".

стр. 1998

ومما وُضِع أيضًا على مالكٍ مما يَدخُلُ في هذا البابِ، ما حَدَّثَنَاه خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ كامل، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ الله بنُ محمدٍ بنِ حسينٍ الدِّمياطيِّ، قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ محمدِ بنِ عطاءٍ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "هديَّةُ الله إلى المؤمنِ السائلُ على بابِه" (١). ورواه أيضًا سعيدُ بنُ موسي، عن مالكٍ، في سنادِه مثلُه (٢). وموسى بنُ محمد وسعيدُ بنُ موسى متروكان، والحديثُ موضوعٌ.

стр. 1999

حديثٌ ثامنٌ وأربعونَ لزيدِ بنِ أسلَمَ (١) مُرسَلٌ مالكٌ (٢)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا تزوَّج أحدُكم المرأةَ، أو اشترَى الجاريةَ، فلْيأخُذْ بناصِيتِها، ولْيَدْعُ بالبَرَكةِ، وإذا اشترَى البعيرَ، فلْيأخُذْ بذِروَةِ سَنَامِه، ولْيَستَعِذْ باللّه مِن الشيطانِ". وهذا أيضًا مرسلٌ عندَ جميعِ الرواةِ لـ "الموطأ" (٣)، واللّهُ أعلمُ. ومعناه يستنِدُ مِن حديثِ عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص (٤)، ومن حديثِ أبي لاسٍ الخُزَاعِيِّ (٥). وقد روَاه عنبسةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ " (٦). وعنبسةُ ضعيفٌ لا يُحتجُّ به. وفيه إباحةُ النِّكَاح والبيع والشِّراءِ، وفيه أنَّ الدُّعاءَ كلَّه تُرجَى إجابتُه. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي مريمَ (٧)، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ أيوبَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ عجلانَ (٨)، عن عَمْرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه،

стр. 2000

عن رسولِ الله ﷺ أنَّه كان يقولُ: "إذا أفاد أحدُكم دابَّةً، أو امرأةً، أو خادمًا، أو بعيرًا، فلْيضَعْ يدَه على ناصيتِه، ولْيَقُل: اللهُمَّ إنِّي أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما جبَلتَها عليه، وأعوذُ بك مِن شَرِّها وشرِّ ما جبَلتَها عليه. فأمَّا البعيرُ، فإنَّه يأْخُذُ بذِرْوَةِ سَنَامِه، ثم ليَقُلْ مثلَ ذلكَ" (١). حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ عليِّ بنِ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أبو غسَّانَ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ المنذرِ الحِزامِيُّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عجلانَ، عن أبيه محمدِ بنِ عجلانَ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا تزوَّج أحدُكم المرأةَ، أو ابتاعَ الجاريةَ، أو البعيرَ، أو الدَّابةَ، فلْيأخُذْ بناصييها، ثم ليقُل: اللهمَّ إنِّي أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما جبَلتَها عليه، وأعوذُ بك مِن شَرِّها وشَرِّ ما جبَلتَها عليه". وكذلك روَاه حاتمُ بنُ إسماعيلَ، وأبو غسَّانَ محمدُ بنُ مطرِّفٍ، عن ابن عجلانَ بإسنادِه ومعناه. وروَاه ابنُ لهيعةَ أيضًا، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. وذكَر أسدُ بنُ موسي، قال: حَدَّثَنَا أبو غسَّانَ محمدُ بنُ مطرِّفٍ، عن محمدِ بنِ عجلانَ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﵇ قال: "إذا ابْتَاع أحدُكم الوَصِيفَ، أو الوصِيفةَ، أو الدابَّةَ، أو تزوَّجَ المرأةَ، فلْيَأخُذْ

стр. 2001

بناصيتِها ولْيقُل: اللهُمَّ إنِّي أسالُكَ خيرَها وخيرَ ما جبَلتَها عليه، وأعوذُ بك مِن شَرِّها وشَرِّ ما جبَلتَها عليه". وحَدَّثَنَا عبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن عمرَ بنِ الحَكَم بنِ ثوبانَ، عن أبي لاسٍ الخزاعيِّ، قال: حمَلَنا رسولُ الله ﷺ على إبلٍ مِن إبلِ الصَّدقةِ ضِعافٍ للحجِّ، فقُلنا: يا رسولَ الله، ما نرى أن تَحْمِلَنا. قال: "ما مِن بعيرٍ إلَّا وفي ذِرْوَته شيطانٌ، فاذكروا اللّهَ عليها إذا ركِبتموها كما أمَركم اللّهُ، ثم امتَهِنوها لأنفُسِكم، فإنَّما يَحمِلُ اللّهُ" (١). حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا هشيمُ بنُ بَشيرٍ، عن يونسَ، عن الحسن، عن عبدِ الله بن مُغَفَّل (٢) المُزَنيِّ، قال: قال رسولُ اللّه ﷺ : "صَلّوا في مَرابِضِ الغَنم، ولا تُصلُّوا في أعطانِ الإبلِ؛ فإنَّها خُلِقَت من الشياطينِ" (٣).

стр. 2002

حديثٌ تاسعٌ وأربعونَ لزيدِ بنِ أسلَمَ (١) مُرسَلٌ مالكٌ (٢)، عن زيدٍ بنِ أسْلَمَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن غَيَّرَ دِينَه فاضْرِبوا عُنُقَه". هكذا رَواه جماعَةُ رُوَاةِ"الموَطَّأ" مُرْسَلًا (٣)، ولا يَصِحُّ فيه عن مالِكٍ غيرُ هذا الحديثِ المرْسَلِ عن زيدِ بنِ أسْلَمَ. وقد رُوِيَ فيه عن مالِكٍ، عن نافِع، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن بَدَّلَ دِينَه فاقْتُلُوه" (٤)، وهو مُنْكَرُ الإسنادِ (٥)، واللّهُ أعلمُ. والحديثُ مَعروفٌ ثابِتٌ، مُسْنَدٌ صحيح مِن حديثِ ابنِ عباسٍ: حَدَّثَنَا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ السَّكَنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعِيلَ البخاريُّ، قال (٦): حَدَّثَنَا

стр. 2003

أبو النّعْمانِ (١)، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ (٢)، عن عكرمةَ، قال: أُتِيَ عليٌّ بزَنادِقَةٍ فأحْرَقَهم فبلَغَ ذلك ابنَ عباسٍ، فقال: لو كنتُ أنا ما أحْرَقْتُهم؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "لا تُعَذِّبُوا بعَذابِ الله". ولَقَتَلْتُهم؛ لقولِ رسولِ الله: "مَن بَدَّلَ دينَه فاقْتُلُوه". وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٣): حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حَدَّثَنَا إسماعِيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا أيُّوبُ، عن عكرمةَ، أنَّ عَلِيًّا أحْرَق ناسًا ارْتَدُّوا عن الإسلامِ، فبَلَغ ذلك ابنَ عباسٍ، فقال: لَمْ أكنْ لأُحْرِقَهم بالنارِ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تُعَذِّبوا بِعَذَابِ الله"، وكنتُ قاتِلَهم؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "مَن بَدَّلَ دينَه فاقْتُلُوه". فبَلَغ ذلك عليًّا، فقال: وَيْحَ ابنِ عباسٍ! قال أبو عُمر: رُوِي مِن وُجوهِ أنَّ عليًّا إنَّما حرَقَهم بالنَّارِ بعدَ ضربِ أعْناقِهم، وسنَذْكُرُ بعضَ الأخبارِ بذلك في آخرِ هذا البابِ إن شاء اللّهُ. وفِقْهُ هذا الحديثِ: أنَّ مَن ارْتَدَّ عن دِينِه حَلَّ دَمُه، وضُرِبَت عُنُقُه، والأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ على ذلك، وإنَّما اخْتَلَفوا في استِتابَتِه؛ فطائفةٌ منهم قالت: لا يُسْتَتابُ،

стр. 2004

على ظاهِرِ هذا الحديثِ، ويُقْتَلُ. وطائفَةٌ منهم قالت: يُسْتَتابُ ساعَةً واحِدةً، ومَرَّةً واحدَةً، ووَقْتًا واحدًا. وقال آخرون: يُسْتَتَابُ شهرًا. وقال آخرون: يُسْتَتابُ ثلاثًا، على ما رُوِي عن عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ. ولم يَسْتَتِبِ ابنُ مسعودٍ ابنَ النَّوَّاحَةِ وحدَه؛ لقولِ رَسُولِ الله ﷺ : "لولا أنَّكَ رسولٌ لقَتَلْتُكَ". قال له: وأنت اليومَ لستَ برسولٍ (١). واسْتَتابَ غيرَه. روَى مالكٌ (٢)، عن عبدِ الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عَبْدٍ القارِيِّ، عن أبيه، أنَّه قال: قَدِم على عمرَ بنِ الخطابِ رجلٌ مِن قِبَلِ أبي موسى الأشعريِّ، فسألَه عمرُ عن الناسِ، فأخْبَرَه، ثم قال له عمرُ: هل مِن مُغَرِّبَةِ خَبَر (٣)؟ قال: نعم، رجلٌ كفَرَ بعدَ إسلامِه. قال: فماذا فعَلْتُم به؟ قال: قَرَّبْناه فضَرَبْنا عُنُقَه. فقال عُمَرُ:

стр. 2005

فهَلَّا حَبَسْتُموه ثلاثًا، وأطْعَمْتُموه كلَّ يوم رَغِيفًا واسْتَتَبْتُموه، لعَلَّه يتوبُ ويُراجِعُ أمْرَ الله؟ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أحْضُرْ، ولم آمُرْ، ولم أرْضَ إذْ بَلَغَني. أخْبَرنا خَلَفُ بنُ القاسِمِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي العَقَبِ (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرْعَةَ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ القاريِّ، عن أبيه، قال: قَدِم وفدُ أهلِ البصرةِ على عمرَ، فأخْبَرُوه بفتحِ تُستَرَ (٣)، فحَمِد اللّهَ، ثم قال: هل حدَثَ فيكم حَدَثٌ؟ فقالُوا: لا واللّه يا أميرَ المؤمنينَ، إلَّا رجلٌ ارْتَدَّ عن دِينِه فقَتَلْناه. فقال: ويلكم، أعَجَزْتُم أن تُطيِّنوا (٤) عليه بيتًا ثلاثًا، ثم تُلْقُوا إليه كلَّ يوم رَغِيفًا، فإن تاب قَبِلْتُم منه، وإن أقام كنتم قد أعْذَرْتُم إليه؟ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أشْهَدْ، ولم آمُرْ، ولم أرْضَ إذ بَلَغَنِي (٥). وروَى داودُ بنُ أبي هِنْدٍ، عن الشعبيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ: أنَّ نَفَرًا مِن بكرِ بنِ وائِلٍ ارْتَدُّوا عن الإسلام يومَ تُستَرَ ولَحِقوا بالمشركين، فلمَّا فُتِحَت قُتِلوا في القِتالِ. قال: فأتَيْتُ عمرَ بفَتْحِها، فقال: ما فعَلَ النَّفَرُ مِن بكرِ بنِ وائِلٍ؟ فعَرَضْتُ في حديث لأشْغَلَه عن ذِكْرِهم، فقال: ما فعَل النَّفَرُ مِن بكرِ بنِ وائِلٍ؟ قلتُ: قُتِلوا. قال: لأنْ أكونَ كنتُ أخَذْتُهم سِلْمًا أحَبُّ إليَّ ممَّا طَلَعَتْ عليه الشمسُ مِن صَفْراءَ وبيضاءَ. قلتُ: وهل كان سَبِيلُهم إلَّا القتلَ؛ ارتَدُّوا عن الإسلام

стр. 2006

ولَحِقوا بالمشركين؟ قال: كنتُ أعْرِضُ عليهم أن يَدْخُلوا في البابِ الذي خَرَجوا منه؛ فإن فعَلوا قَبِلْتُ منهم، وإلَّا اسْتَوْدَعْتهم السِّجْنَ (١). ورَوى أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي عمرٍو الشيبانيِّ: أنَّ عليًّا أُتيَ بالمسْتَوْرِدِ العِجْليِّ وقد ارْتَدَّ عن الإسْلام، فاسْتَتابَه، فأَبَى أن يتوبَ، فقَتَله (٢). وروَى عُبَادَةُ (٣)، عن العَلاءِ أبي محمدٍ (٤): أنَّ عليًّا أخَذَ رجلًا مِن بكرِ بنِ وائِلٍ تَنَصَّرَ بعدَ الإسلام، فعَرَض عليه الإسلامَ شهرًا، فأبَى، فأمَرَ بقتلِه. ولا أعلَمُ بينَ الصحابَةِ خِلافًا في اسْتِتابَةِ المرْتَدِّ، فدَلَّ ذلك على أنَّ معنى الحديثِ، واللّهُ أعلمُ: مَن بَدَّلَ دِينَه وأقام على تَبْدِيلِه فاقْتُلوه. وأمَّا أقاوِيلُ الفقهاءِ؛ فرَوَى ابنُ القاسِمِ، عن مالِكٍ، قال: يُعْرَضُ على المرْتَدِّ الإسلامُ ثلاثًا، فإن أسْلَم، وإلَّا قُتِل. قال: وإنِ ارْتَدَّ سِرًّا قُتِل ولم يُسْتَتَبْ، كما تُقْتَلُ الزَّنادِقَةُ. قال: وإنَّما يُسْتَتابُ مَن أظْهَر دِينَه الذي ارْتَدَّ إليه. قال مالكٌ: ويُقْتَلُ الزنادِقَةُ ولا يُسْتتابُون؟ والقَدَرِيَّةُ يُسْتَتابُون. قال: فقيل لمالِكٍ: كيف يُسْتَتابُون؟ قال: يقالُ لهم: اتْرُكُوا ما أنتم عليه، فإن فعَلوا، وإلَّا قُتِلوا (٥).

стр. 2007

وقال (١) ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: ليس في اسْتِتابَةِ المرتدِّ أمْرٌ مِن جماعَةِ الناسِ (٢). أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ سلَمَةَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ الجارُودِ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال (٣): سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: المرْتَدُّ يُسْتَتابُ ثلاثًا، والمرْتَدَّةُ تُسْتَتابُ ثلاثًا، والزَّنْدِيقُ لا يُسْتَتابُ. قال إسحاقُ: وقال لي إسْحاقُ بنُ رَاهُويِةَ كما قال أحمدُ سَواءً. قال أبو عُمر: هذا مَذْهَبُ مالكٍ سواءً. وقال الشافعيُّ (٤): يُسْتَتابُ المرْتَدُّ ظاهِرًا والزِّنْدِيقُ جميعًا، فمَن لَمْ يَتُبْ منهما قُتِلَ. وفي الاسْتِتابَةِ ثلاثًا قولان؛ أحدُهما: حديثُ عمرَ. والآخَرُ، أنَّه لا يُؤَخَّرُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ فيه بأَنَاةٍ، وهذا ظاهِرُ الخبرِ. قال الشافعيُّ: ولو شَهِد عليه شاهِدانِ بالرِّدَّةِ فأنكَرَ، قُتِلَ، فإن أقرَّ أن لا إلهَ إلَّا اللّهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وتَبَرَّأ مِن كُلِّ دِينٍ خالَفَ الإسلامَ، لَمْ يُكْشَفْ عن غيرِه. والمشهورُ مِن قولِ أبي حنيفةَ وأصحابِه: أنَّ المرْتَدَّ لا يُقْتَلُ حتّى يُسْتَتابَ. وهو قولُ ابنِ عُلَيَّةَ؛ قالوا: ومَن قتَلَه قبلَ أن يُسْتَتابَ فقد أساء، ولا ضَمانَ عليه.

стр. 2008

وقد روَى محمدُ بنُ الحسنِ في "السِّيَرِ" (١)، عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حنيفةَ، أنَّ المرْتَدَّ يُعْرَضُ عليه الإسلامُ، فإنْ أسْلَم، وإلَّا قُتِل مَكانَه إلَّا أن يَطْلُبَ أن يُؤَجَّلَ، فإن طلَبَ ذلك أُجِّلَ ثلاثةَ أيَّام. والزَّنْدِيقُ عندَهم والمرْتَدُّ سَواءٌ، إلَّا أنَّ أبا يُوسُفَ لما رَأى ما يَصْنَعُ الزَّنادِقَةُ، وأنَّهم يَعُودُونَ بعدَ الاسْتِتابَةِ، قال: أرَى إذا أُتِيتُ بزِنْدِيقٍ، أمَرْتُ بضربِ عُنُقِه، ولا أسْتَتِيبُه، فإن تابَ قبلَ أن أقْتُلَه لَمْ أقْتُله، وخَلَّيْتُه (٢). وقال الليثُ بنُ سعدٍ وطائفةٌ معه: لا يُسْتَتابُ مَن وُلِد في الإسلام ثم ارْتَدَّ، إذا شُهِدَ عليه، ولكنَّه يُقْتَلُ، تاب مَن ذلك أو لم يَتُبْ، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ العادِلَةُ. وقال الحَسَنُ: يُسْتَتابُ المرْتَدُّ مائةَ مَرَّةٍ. وقد رُوِي عنه أنَّه يُقْتَلُ دونَ اسْتِتابةٍ (٣). وذكَرَ سُحْنُونُ: أنَّ عبدَ العزيزِ بنَ أبي سَلَمَةَ كان يقولُ: يُقْتَلُ المرْتَدُّ ولا يُسْتَتابُ. ويَحْتَجُّ بحديثِ معاذٍ مع أبي موسى الأشْعَرِيِّ (٤). وقد ذكَرناه في آخِرِ هذا البابِ.

стр. 2009

قال أبو عُمر: ظاهِرُ هذا الحديثِ يَشْهَدُ لِما ذهَبَ إليه الليثُ بنُ سَعْدٍ، وابنُ أبي سلمةَ (١)، إلَّا أنَّه عَمَّ كلَّ مَن بَدَّلَ دِينَه، سواءٌ وُلِد في الإسلام أو لَمْ يُولَدْ، والحديثُ عندِي فيه مُضْمَرٌ، وذلك لِما صنَعَه الصحابَةُ ﵃ مِن الاسْتِتابَةِ؛ لأنَّهم لَمْ يكونوا يجْهَلون مَعْنَى الحديثِ، فكأنَّ مَعْنَى الحديثِ، واللّهُ أعلمُ: مَن بَدَّل دِينَه فاقْتُلوه إن لَمْ يَتُبْ. وقال مالِكٌ ﵀ (٢): إنَّما عَنَى بهذا الحديثِ مَن خرَج مِن الإسلام إلى الكفرِ، وأمَّا مَن خرَجَ مِن اليَهُودِيَّةِ أو النَّصْرانِيَّةِ، أو مِن كفرٍ إلى كفرٍ، فلم يُعْنَ بهذا الحديثِ. وعلى قولِ مالِكٍ هذا جماعَةُ الفقهاءِ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ ﵀ قال: إذا كان المبَدِّلُ لدِينِه مِن أهلِ الذِّمَّةِ، كان للإمام أن يُخْرِجَه مِن بَلَدِه ويُلْحِقَه بأرضِ الحرب، وجاز له اسْتِحلالُ مالِه مع أموالِ الحرْبيِّين إنْ غلَبَ على الدار؛ لأَنَّه إنَّما جعَلَ له الذِّمَّةَ على الدِّينِ الذي كان عليه في حينِ عقدِ العَهْدِ له. هكذا حكَاه المزَنيُّ وغيرُه مِن أصحابِه عنه، وهو المعروفُ مِن مَذْهَبِه (٣). وحكَى عنه محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الحَكَمِ: أنَّ الذِّمِّيَّ إذا خرَجَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، كان للإمام قتلُه؛ بظاهِرِ الحديثِ. والمشْهُورُ عنه ما قَدَّمْنا ذِكْرَه مِن رِوايَةِ المزنيِّ والربيع وغيرِهما عنه. وقالت فِرْقَةٌ: إذا ارْتَدَّ اسْتُتِيب، فإنْ تاب قُبِل منه، ثم إنِ ارْتَدَّ فكذلك إلى الرابعةِ، ثم يُقْتَلُ ولا يُسْتَتابُ. ورُوِي عن الحسنِ أنَّه يُقْتَلُ، إلَّا أن يتوبَ قبلَ أن يُرْفَعَ إلى الإمام، وإن لَمْ يَتُبْ حتى يَصِيرَ إلى الإمام قُتِل، وكانت تَوْبَتُه بينه وبينَ الله. جعَلَه حَدًّا مِن الحُدودِ، ولا يَسَعُ الإمامَ إلَّا أن يُقِيمَه (٤).

стр. 2010

واخْتَلَف الفقهاءُ أيضًا في المرْتَدُّةِ؛ فقال مالكٌ، والأوْزاعيُّ، وعثمانُ البتِّيُّ، والشافعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ: تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ كما يُقْتَلُ المرْتَدُّ سَواءٌ (١). وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ (٢). وحُجَّتُهم ظاهِرُ هذا الحديثِ؛ لأنَّه لَمْ يَخُصَّ ذكرًا مِن أُنْثَي، و"مَن" تَصْلُحُ للواحِدِ والاثْنَيْن والجمعِ، والذَّكَرِ والأُنْثَي، وقال: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئ مسلم إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ؛ كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ" (٣) فعَمَّ كلَّ مَن كَفَر بعدَ إيمانِه. وقال الثوريُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ. وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةً، وإليه ذهَبَ ابنُ عُلَيَّةَ. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: إن تَنَصَّرَتِ المسلمةُ فتَزَوَّجَها نصرانيٌّ، جاز (٤). وحُجَّةُ مَن قال: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ: أنَّ ابنَ عباسٍ روَى هذا الحديث وقال: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ. ومَن روَى حديثًا كان أعْلَمَ بتَأْوِيلِه. وقولُ ابنِ عباسٍ في ذلك رواه الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، عن عاصِم، عن أبي رَزِينٍ، عن ابنِ عباسٍ (٥). وروَى قتادةُ،

стр. 2011

عن خِلاسٍ، عن عليٍّ مثلَه (١). وهو قولُ الحَسَنِ وعَطَاءٍ (٢). ومِن حُجَّتِهم أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن قتِل النِّساءِ والوِلْدانِ (٣)، وأنَّ أبا بكرٍ ﵁ سَبَى نِساءَ أهلِ الرِّدَّةِ. وقالوا: مَعْنَى قوله ﷺ : "مَن بَدَّلَ دِينَه فاقْتُلُوه. إنَّما هو على كلِّ مَن كان حُكمُه إذا قُدِر عليه القتلَ على كُفْرِه، والمرأةُ ليس حُكْمُها القَتْلَ على كُفْرِها، وإنَّما حُكْمُها السَّبْيُ والاسْتِرْقاقُ، فلا تَدْخُلُ في تَأْوِيلِ هذا الحديثِ؛ لِنَهْيِه ﷺ عن قتلِ النِّساءِ والوِلْدانِ، وسيَأْتي القولُ في هذا الحديثِ في مَوْضعِه مِن كِتابِنا هذا إن شاء اللهُ (٤). وروَى ابنُ المبارَكِ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ، في المرْتَدَّةِ، قال: تُقْتَلُ (٥). وقال قتادةُ: تُسْبَى؛ لأنَّ أبا بكرٍ قتَلَ أهلَ الرِّدَّةِ، وسَبَى نِساءَهم (٦). قال مَعْمَرٌ: كانت دارَ شِرْكٍ. أخبَرنا خَلَفُ بنُ القاسِمِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْدِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ عبدِ السلام، قال (٧): حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بنُ محمدٍ الزهريُّ،

стр. 2012

قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ زكريا بنِ أبي زائِدَةَ، عن مُجَالِدِ بنِ سعيدٍ، عن عامِرٍ الشعبيِّ، قال: ارْتَدَّتْ بنو عامرٍ وقَتَلوا مَن كان فيهم مِن عُمَّالِ رسولِ الله ﷺ وحَرَّقوهم بالنَّارِ، فكَتَب أبو بكرٍ إلى خالِدٍ ﵄ أن يَقْتُلَ بني عامِرٍ ويُحَرِّقَهم بالنارِ (١). ولما ارْتَدَّ الفُجاءةُ -واسْمُه إياسُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ يالَيْل- بعَثَ إليه أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّام في ثلائينَ فارِسًا، وبَيَّتَه ليلًا، فأخَذَه فقَدِم به على أبي بكرٍ، فقال أبو بكرٍ: أخْرِجُوه إلى البَقِيعِ -يَعْني إلى المُصَلَّى- فأحْرِقُوه بالنارِ. فأخْرَجوه إلى المصَلَّى فأحْرَقُوه (٢). وزعَمَ بعضُ أهل السِّيَرِ أَنَّهُ رُفِعَ عليه أنَّه كانَ يُنْكَحُ كما تُنْكَحُ المرأةُ، ذكَرَ ذلك كلَّه يَعْقُوبُ بنُ محمدٍ الزُّهْرِيّ في كتابِ "الرِّدَّةِ". قال: وحدَّثني عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازِم، عن داودَ بنِ بَكْرٍ، عن محمدِ بنِ المنكدِرِ: أنَّ خالِدًا كتَبَ إلى أبي بكرٍ يَذْكُرُ أنَّه وجَدَ في بعضِ نَواحِي العَرَبِ رجلًا يُنْكَحُ كما تُنْكَحُ المرأةُ، فاسْتَشار فيه أبو بكر، فكان عليَّ مِن أشَدِّهم فيه قولًا، فقال: إنَّ هذا ذَنْبٌ لَمْ تَعْصِ به أُمَّةٌ مِن الأُمَم إلَّا أُمَّةٌ واحدةٌ، صنَع اللّهُ بها ما قد عَلِمْتُم، أرَى أن تُحَرِّقُوه بالنارِ. فأجْمَع رَأْيُهم على ذلك، فكتَبَ أبو بكرٍ إلى خالِدٍ فحَرَّقَه (٣). قال: وحدَّثني مَعْنُ بنُ عيسي، عن معاويةَ بنِ صالِحٍ، عن عِيَاضٍ بنِ عبدِ الله، قال: لما اسْتَشارَهم أبو بكرٍ قالوا: نَرَى أنْ تَرْجُمَه. فقال عليٌّ: أرَى أن تُحَرِّقُوه، فإنَّ العَرَبَ تَأْنَفُ مِن المُثلةِ، ولا تَأْنَفُ مِن الحدودِ. فحَرَّقُوه.
следующие страницы →