← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2603–2642 · переход к 2608.

стр. 2603

وحديثَ: "مَنْ قامَ رمضانَ"، عن أبي سلمةَ، وحديثَ حُمَيْدٍ، جميعًا عن أبي هريرةَ مسندًا. قال: حدَّثناه عثمانُ بنُ أحمدَ، وأبو سهلٍ بنُ زيادٍ، وأبو بكرٍ الشافعيُّ، قالوا: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ. قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ الشافعيُّ، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ المثنَّى، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسماءَ، قال: حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ مِن غيرِ أن يأمُرَ بعزيمةٍ. قال الزُّهريُّ: وأخبرَني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، وحميدُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه". قال ابنُ شهابٍ: فتُوفِّي رسولُ الله ﷺ والأمرُ على ذلك، ثم كان الأمرُ في خلافةِ أبي بكرٍ الصدِّيقِ، وصدرًا من خلافةِ عمرَ على ذلك (١). فروايةُ جُوَيْرِيَةَ هذه مُهذَّبةٌ مُجوَّدَةٌ، واللهُ أعلم. ورواه عَبّادُ بنُ صُهَيْبٍ، عن مالكٍ بنحوِ روايةِ جُوَيْرِيَةَ عن مالكٍ؛ فيه أبو سلمةَ وحميدٌ. وعن ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ في هذا الحديث أربعُ رواياتٍ؛ إحداها: عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سَلمةَ مرسلًا (٢). والثانيةُ: عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ (٣).

стр. 2604

والثالثةُ: عن أبي سلمةَ وحميدٍ، كروايةِ جُوَيْرِيَةَ (١). ورواه في "موطئه" عن مالكٍ (٢)، ويونسَ، وابن سمعانَ، عن ابنِ شهابٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرغِّبُ في قيامِ رمضانَ. فذكر الحديثَ بمثلِ روايةِ يحيى، وساقَ كلامَ الزُّهريِّ في آخرِه، ولم يذكُرْ أبا سلمةَ ولا حُميْدًا (٣). ورواه الربيعُ بنُ سليمانَ وأحمدُ بنُ صالح، عن ابنِ وَهْبٍ مثلَ روايةِ جُوَيْرِيَةَ سواءً، وأحمدُ بنُ صالح أثبتُ الناسِ في ابنِ وَهْبٍ وغيرِه. أخبرَنا خلفُ بنُ القاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيقٍ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدِ بنِ العباسِ البصريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح البصريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمةَ وحُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (٤). ورواه إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَه سواءً (٥). لم يذكُرْ حُميدًا، فهذا ما بَلَغَه علمي من اختلافِ رواةِ "الموطّأ" في هذا الحديث،

стр. 2605

وكلُّهم قد أجمَعَ على أنَّ لفظَ الحديث: "مَنْ قامَ رمضانَ" بالإسنادَيْن جميعًا، وكذلك أدخَله مالكٌ في بابِ قيامٍ رمضانَ، ويُصحِّحُ ذلك قولُه في حديثِ أبي سلمةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ. وأمّا أصحابُ ابن شهابٍ فإنَّهم اختلفُوا في اللفظ؛ فأمّا ابنُ عُيينةَ، فذكَرَ أبو داودَ في "السُّنَن"، قال (١): حدَّثنا مخلَدُ بنُ خالدٍ وابنُ أبي خَلَفٍ المَعْنَى، قالا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ - يبلُغُ به النبيَّ ﷺ - قال: "مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه، ومَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (٢). قال أبو داودَ: وكذا رواه يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ: "مَنْ صامَ رمضانَ" (٣). وكذلك رواه محمدُ بنُ عمرٍ و، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ: "مَنْ صامَ" (٤)، مثلَ روايةِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ شهابٍ سواءً. قال: وقال عُقَيْلٌ (٥)، عن ابنِ شهابٍ بهذا الإسناد، عن أبي سلمةَ عن أبي هريرةَ: "مَنْ صامَ رمضانَ وقامَهُ". وذكَرَ أبو داودَ (٦) حديثَ عبدِ الرَّزّاقِ، قال: أنبأنا معمرٌ ومالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُرَغِّبُ في قيامِ

стр. 2606

رمضانَ من غير أن يأمرَ بعزيمةٍ، ثم يقول: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه". فتوفِّي رسولُ الله ﷺ والأمرُ على ذلك، ثم كان الأمرُ على ذلك خلافةَ أبي بكرٍ، وصدرًا من خلافةِ عمرَ. قال أبو عُمر: روايةُ عبدِ الرَّزّاقِ هذه تُصَحِّحُ روايةَ يحيى، وتشهدُ لها في حديثِ أبي هريرةَ مُسندًا. قال أبو داودَ: وكذلك رواه عُقَيْلٌ، ويونسُ (١)، وأبو أُوَيسٍ (٢): "مَنْ قامَ رمضانَ". إلّا عُقيلًا قال: "مَنْ صامَ رمضانَ وقامَه". قال أبو عُمر: رواه أبو أُويسٍ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبَرني أبو سلمةَ وحميدٌ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ. بلفظِ يحيى (٣). قال أبو عُمر: عمِل على توصيلِ حديثِ أبي سلمةَ جماعةُ أصحابِ ابن شهاب، فممَّن وصَلَه معمرٌ، وسفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، ويونسُ بنُ يزيدَ، وعُقيلٌ، وأبو أُوَيْسٍ. وتبيَّنَ بذلك صحَّةُ ما رَواه يحيى وابنُ بُكَيرٍ، دونَ ما رَواه القَعْنَبِيُّ ومن تابَعَه من أصحابِ مالكٍ، وتَبيَّنَ لنا أنَّ القَعْنَبِيَّ ومَن تابَعَه لم يُقيموا الحديثَ ولم يُتْقِنوه؛ إذ أرسَلوه وهو مُتَّصِلٌ صحيحُ الاتِّصالِ، وممّا يزيدُ في ذلك صحةً أنَّ يحيى بنَ أبي كثيرٍ، ومحمدَ بنَ عمرٍو رَوَياه عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ. وهذا كلُّه

стр. 2607

يَشُدُّ ما رواه يحيى. ولعَمْرِي، لقد حصَّلْتُ نَقْلَه عن مالكٍ، وألْفَيْتُه من أحسنِ أصحابِه نَقْلًا، ومن أشدِّهم تَخلُّصًا في المواضع التي اختلَفَ فيها رواةُ "الموطّأ"، إلّا أنَّ له وَهْمًا وتصحيفًا في مواضِعَ فيها سَماجَةٌ. قال أبو عُمر: أمّا روايةُ محمدِ بنِ عمرٍو، فحدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صامَ رمضانَ وقامَه إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه، ومَنْ قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (١). وأمّا حديثُ يحيى بن أبي كثيرٍ، فحدَّثني محمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّارٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى، قال: حدَّثني أبو سلمةَ، قال:

стр. 2608

حدَّثني أبو هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (١). هكذا في كتابي: "قامَ رمضانَ". وقد رَواه يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ. وهذا ممّا يُصَحِّحُ روايةَ يحيى. حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثني قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (٣). قال أبو عُمر: يحيى بنُ أبي كثيرٍ، ومحمدُ بنُ عمرٍو، ويحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، يقولون: عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : "مَنْ صامَ رمضانَ" (٤).

стр. 2609

وابنُ شهابٍ يقولُ: عن أبي سلمةَ: "مَنْ قامَ رمضانَ". كذلك رواه مالكٌ، ومَعمَرٌ، ويونُسُ، وأبو أُوَيْسٍ، وعُقيل، إلا أنَّ عُقيلًا قال: "مَنْ صامَ رمضانَ وقامَه". وابنُ عُيَيْنَةَ وحدَه يقول: عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ: "مَنْ صامَ رمضانَ ومَنْ قامَه، ومَنْ قامَ ليلةَ القدرِ". على أنَّه قد اختُلِفَ على ابنِ عُيَيْنةَ في ذلك؛ فرُوِيَ عنه: "مَن قامَ رمضانَ". كسائرِ أصحابِ ابنِ شهابٍ، والصَّحيحُ عنه في ذلك: "مَنْ صامَ رمضانَ، وقامَ ليلةَ القدرِ". حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا المَيمونُ بنُ حمزةَ الحسينيُّ، قال: حدَّثنا الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المزنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ (١). وحدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بِشْرٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسرَّةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الفَرَضِيُّ، قال: حدَّثنا أبو عثمانَ عمرُو بنُ محمدٍ النّاقدُ. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصِر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ الطائيُّ، قالوا كلُّهم: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه، ومَنْ قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (٢). هكذا قال هؤلاء كلُّهم عن ابنِ عُيَينةَ: "مَنْ صامَ رمضانَ". ورواه عنه حامدُ بنُ يحيى، فقال: "مَنْ قامَ رمضانَ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن الزُّهريِّ، قال: أنْبأَنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن

стр. 2610

ذَنْبِه وما تَأخَّر، ومَنْ قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (١). هكذا قال حامدُ بنُ يحيى عنه: "قامَ رمضانَ". ولم يقل: صامَ. وزاد: "ما تَأخر" (٢)، وهي زيادةٌ مُنكرةٌ في حديثِ الزُّهريِّ (٣). وذكَرَ البخاريُّ (٤) حديثَ حامدٍ، من روايةِ مالكٍ مُتَّصلًا مُسندًا، وذكَر (٥)

стр. 2611

حديثَ أبي سلمةَ، من غير روايةِ مالكٍ بلفظ: "مَنْ صامَ رمضانَ". فهذا ما بَلَغنا من الاختلافِ في إسنادِ هذا الحديثِ وألفاظِه، من روايةِ ابنِ شهابٍ خاصّةً. وقد هَذَّبْنا ذلك ومَهَّدْناه بمَبْلَغِ وُسْعِنا وطاقَتِنا، واللهُ المُعينُ لا شريكَ له. وفي هذا الحديثِ من الفقهِ: فَضلُ قيامِ رمضانَ، وظاهِرُه يُبيحُ فيه الجماعةَ والانفرادَ؛ لأنَّ ذلك كلَّه فِعْلُ خَيْرٍ، وقد ندَبَ اللهُ إلى فِعْلِ الخَيْرِ. وفيه: دليلٌ على أنَّ ما أمَرَ به عمرُ وفَعَلَه من قيامِ رمضانَ، قد كان سبَقَ من رسولِ الله ﷺ فيه التَّرغيبُ والحَضُّ، فصارَ ذلك من سُنَنِه ﷺ ، وقد أوْضَحْنا هذا المعنى في باب ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، من كتابنا هذا لأنّه موضِعُه (١). وفي قولِه ﷺ في هذا الحديث: "إيمانًا واحتسابًا" دليلٌ على أنَّ الأعمالَ الصالحةَ إنَّما يَقَعُ بها غُفرانُ الذنوب، وتكفيرُ السَّيئات، مع صِدْقِ النِّيّات؛ يدُلُّكَ على ذلك قولُه ﷺ : "إنَّما الأعمالُ بالنِّيّات" (٢)، وقولُه لسعدٍ: "لن تُنْفِقَ نفقةً تَبتَغي بها وجْهَ الله إلّا أُجِرْتَ فيها" (٣). ومُحالٌ أنْ يَزْكُوَ من الأعمالِ شيءٌ لا يُرادُ به اللهُ، وفَّقَنا اللهُ لِمَا يَرْضاه، وأصلحَ سرائِرَنا وعَلانِيتَنا برَحْمتِه، آمين. وقد اختلفَ العلماءُ في قوله في هذا الحديث: "غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه". فقال قومٌ: يدخُلُ فيه الكبائرُ، وقال قومٌ: لا يدخُلُ فيه الكبائرُ، إلّا أن يقصدَ صاحبُها بالتَّوبةِ إليها، والنَّدَم عليها، ذاكرًا لها. وقد مَضَى القولُ في هذا المعنى، في باب زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن الصُّنابِحيِّ من كتابِنا هذا (٤). واللهُ يتفضلُ بما يشاءُ، لا مُعَقِّبَ لحُكْمِه، ولا رادَّ لفَضْلِه، لا إلهَ غيرُه.

стр. 2612

حديثٌ خامسٌ لابن شهاب، عن أبي سَلَمةَ مسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبي هريرةَ، أن امرأتين من هُذيلٍ رمَتْ إحداهما الأخرى، فطرَحتْ جنينَها، فقضَى رسولُ الله ﷺ بغُرَّةٍ؛ عبدٍ أو وَليدةٍ. هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ بهذا الإسنادِ أيضًا، معَ ما تقدَّم من روايته له عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ مُرْسَلًا (٢)، على ما ذكرنا في كتابِنا هذا. ولم يُختلَفْ على مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ومتنِه، ولم يَذكُرْ في "موطَّئِه" قصةَ قتلِ المرأةِ التي طرَحت جنينَها؛ لما فيه من الاختلافِ والاضْطرابِ بينَ أهلِ النَّقلِ وأهلِ الفقهِ من أصحابِنا، والتابعين، ومَن بعدَهم من الخالفين (٣)، وإنَّما ذكَر قصَّةَ الجنينِ الذي لم تختلِفْ فيه الأخبارُ عن النبيِّ ﷺ ، وقد ذَكَرْنا حُكمَ الجنينِ، وما للعلماءِ في ذلك من التَّنازعِ والمعنى، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ من كِتابِنا، فأغنَى عن إعادَتِه هاهنا، وذكَرنا حكمَ قتلِ المرأةِ، وما رُويَ فيه وفي حُكْمِه عن النبيِّ ﷺ وعن العلماءِ بعدَه، في شبْهِ العَمدِ، بما يَكفي ويَشفي، في كتابِ "الأجوبةِ عن المسائلِ المستغربةِ"، ولم نذكُرْه في كتابِنا هذا؛ لأنَّ مالكًا لم يذكُرْ شيئًا منها في حديثه في "موطَّئِه"، ولا في غيرِه فيما علِمتُ. وأكثرُ الرُّواةِ لحديثِ أبي سلمةَ هذا - عن ابنِ شهاب وغيره - يذكُرونَ ما رمَتْ به المرأةُ صاحبتَها، إلَّا أنَّهم اختلفوا في ذلك؛ فطائفةً منهم تقولُ: بحجَرٍ.

стр. 2613

وطائفةٌ تقولُ: بمِسطَح (١)، ومنهم من يقول: بعمودِ فُسطاطٍ. ولمن أثبَت شِبهَ العمدِ من العلماء في الحجَرِ وصِغَرِه وعِظَمِه، والعمودِ وثقَلِه، وتَزدادِ الضَّربِ بذلك كلِّه أو بعضِه - مذاهبُ مختلفة، وأحكامٌ غيرُ مؤتلفةٍ، والآثارُ بذلك أيضًا مضطربة، ولهذا الاضطراب - والله أعلم - لم يذكرْ مالكٌ شيئًا من ذلك، وإنَّما قَصَد إلى المعنى المرادِ بالحُكم عندَه؛ لأنَّه لا يُفرِّقُ في مذهبِه بينَ الحجرِ وغيرِه في بابِ العمدِ، فلذلك لم يذكُرْ ذلك، واللهُ أعلمُ. وهذا كلُّه منه فِرارٌ عن إثباتِ شبهِ العمدِ، ونفيٌ له؛ لأنّه عندَه باطلٌ، فلم يذكُرْ في "مُوطَّئِه" في حديثِ ابنِ شهابٍ هذا شيئًا يدُلُّ عليه، واقتصَر على قصَّةِ الجنينِ لا غيرُ، وغيرُه قد ذكر ذلك. وروَى عن النبيِّ ﷺ قِصَّةَ الجنينِ هذه، في المرأَتيْن اللَّتين رمَتْ إحداهما الأُخرى، جماعةٌ من الصحابةِ؛ منهم: محمدُ بنُ مسلَمةَ (٢)، والمغيرةُ بنُ شعبةَ (٣)، وأبو هريرةَ (٤)، وابنُ عباسٍ (٥)، وجابرُ بنُ

стр. 2614

عبدِ الله (١)، وبُرَيدةُ الأسلميُّ (٢)، وحَمَلُ بنُ النابغةِ الهذَليُّ (٣). ومنهم من يرويه عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، ومنهم مَن يَرْويه عن عمرَ، عن حَمَلِ بنِ مالكٍ هذا،

стр. 2615

عن النبيِّ ﷺ . ورَوَاه عُويْمرُ بنُ أشقرَ (١)، وغيرُه، عن النبيِّ ﷺ . ومن هؤلاء من يذكُرُ قتلَ المرأةِ والحكمَ في دِيَتِها في هذا الحديثِ، معَ حُكم الجنينِ، ومنهم من يقتصِرُ على حُكم الجنينِ لا غيرُ. ولم نرَ أن نذكُرَ في كتابِنا شيئًا من هذه الطُّرقِ غيرَ طرقِ حديثِ أبي هريرةَ؛ لأنَّه لم يروِ مالكٌ غيرَه في هذا الباب. وقد روَى الليثُ بنُ سعدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ مُسافرٍ، عن ابنِ شهابٍ، هذا الحديثَ بهذا الإسنادِ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَ إسنادِ مالكٍ هذا، واقتصَر فيه أيضًا على قصَّةِ الجنينِ لا غيرُ، كما رَواه مالكٌ سَواءً. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو الزِّنباع رَوْحُ بنُ الفرَجِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيْرٍ، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني ابنُ مُسافِرٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قضى في امرأتين من هُذَيلٍ اقتتَلتا، فرَمَتْ إحداهما الأُخرى بحجرٍ، فأصابت بطنَها وهي حاملٌ، فقتَلتْ ولدَها الذي في بطنِها، فاخْتَصَموا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ ديَةَ ما في بطنِها غُرَّةٌ؛ عبدٌ أو أَمَةٌ"، فقال وليُّ المرأةِ التي غَرِمتْ: كيفَ أغرَمُ يا رسولَ الله ما لا شرِب

стр. 2616

ولا نطَق ولا استهل، فمثلُ ذلك يُطَلّ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّما هو من إخوانِ الكُهَّانِ" (١). ففي هذا الحديثِ: أنَّها رمَتْها بحجرٍ. ومحفوظٌ في هذه القصةِ من حديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ وغيرِه أنَّها رمَتْها بمِسْطَح، والمِسْطَحُ: الخشبةُ. وقال النضرُ بنُ شُميلٍ: المِسْطَحُ: العودُ يُرَقَّقُ به الخبزُ (٢). وقال أبو عبيدٍ: المِسْطَحُ: عُودٌ من العِيدان (٣). قال أبو عُمر: المرأتان الهُذَليَّتان المذكورتان في هذا الحديث؛ إحداهما يقالُ لها: أمُّ عَفِيفٍ بنتُ مسروح. من بني سعدِ بنِ هُذيلٍ، والأُخرى: مُلَيكةُ أختُ عُويمرِ بنِ الأشقرِ. وهذا موجودٌ من حديثِ عويمرِ بنِ أشقرَ، ومن حديثِ عبدِ الله بنِ عباسٍ، إلَّا أنَّ ابنَ عباسٍ قال في هذا الحديث (٤): كان اسمُ إحداهما مُلَيكةَ، والأُخرى أُمَّ غُطَيْفٍ. وقد ذكَرْناهُما في الصحابياتِ من كتابِ "الصحابةِ" (٥) بما يُغني عن ذكرِهما هاهنا. وقد روَى هذا الحديثَ محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، فذكَر قِصَّةَ الجنينِ لا غيرُ، بمثالِ روايةِ مالكٍ ومعناه سواء.

стр. 2617

وكذلك روَاه حمادُ بنُ سلمةَ (١)، ومحمدُ بنُ بشرٍ (٢)، وخالدٌ الواسطيُّ (٣)، عن محمد بنِ عمرٍو. وروَاه عيسى بنُ يونسَ (٤)، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قضى رسولُ الله ﷺ في الجنينِ بِغُرَّةٍ، عبدٍ، أو أمةٍ، أو فَرَسٍ، أو بغلٍ. ولم يقلْ ذلك غيرُ عيسى بنِ يونسَ فيما علِمتُ، وعيسى ثقةٌ (٥). وقد ذكرنا اختلافَ أهلِ العلم في ديةِ الجنينِ، وما لهم فيه من المعاني والأحكام، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب (٦)، واقتصرنا من ذلك على أقاويلِ أهلِ الفتوى من أئمَّةِ الأمصارِ، دُونَ ما عدُّوه شذوذًا، وبالله العصمةُ والتوفيق.

стр. 2618

حديثٌ سادسٌ لابن شهاب، عن أبي سَلَمةَ مسنَدٌ، وهو حديثُ العُمْرَى (١) مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن جابرِ بنِ عبد الله، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيُّما رجلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى له ولعَقِبِه، فإنَّها للذي أُعطِيَها لا تَرجعُ إلى الذي أعطاها" لأنَّه أعطى عطاءً وقَعت فيه المواريثُ. هكذا هو هذا الحديثُ عندَ كلِّ الرُّوَاةِ عن مالكٍ (٣). ورَواه معمرٌ، عن الزُّهريِّ عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: إنَّما العُمْرَى التي أجاز رسولُ الله ﷺ أن يقولَ: هي لك ولعَقِبِك. فأمَّا إذا قال: هي لك ما عِشْتَ، فإنَّها تَرْجِعُ إلى صاحِبِها. قال معمرٌ: وكان الزُّهريُّ يُفْتي بذلك (٤). قال محمدُ بنُ يحيى الذُّهْلي (٥) - في حديثِ معمرٍ هذا -: إنَّما مُنْتَهاه إلى قوله: هي لك ولعَقِبِكَ (٦)، وما بعدَه عندنا من كلام الزُّهريِّ. قال: وما رَواه أبو الزبيرِ،

стр. 2619

عن جابر (١)، يُوهِنُ حديثَ معمرٍ هذا. قال: وقد روَاه ابنُ أبي ذئب، ومالكٌ، وابنُ أخي الزُّهريِّ (٢)، وليثٌ، على خلافِ ما رَواه معمر. قال أبو عُمر: أمَّا روايةُ ابنِ أبي ذئب، فرَواه في "موطئِه" (٣)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قضى فيمَن أُعْمِر عُمْرَى له ولعَقِبِه، فهي له بَتْلَةً، لا يجوزُ للمُعْطي فيها شرطٌ ولا مَثْنويَّةٌ (٤). قال أبو سلمةَ: لأنَّه أعطَى عطاءً وقَعت فيه الموارِيثُ، فقطَعتِ الموارِيثُ شرْطَه. وهذا خِلافُ ما قالَه الذُّهْليُّ، وقد جَوَّدَه ابنُ أبي ذئبٍ، فبيَّنَ فيه موضِعَ الرفع، وجعَل سائرَه من قولِ أبي سلمةَ لا من قولِ الزُّهريِّ. ورَواه الأوزاعيُّ، وقال حدَّثني الزهريُّ (٥)، قال: حدثني أبو سلمةَ، قال: حدَّثني جابرٌ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "العُمرَى لمن أُعمِرَها؛ هي له ولعَقِبِه". هكذا حدَّث به الوليدُ بنُ مسلم وغيرُه عنه (٦).

стр. 2620

ورَواه الليثُ، عن ابنِ شهابٍ، بإسنادِه قال: "مَن أعمَر رجلًا عُمْرَى له ولعَقبِه، فقد قطَعَ قولُه حقَّه فيها، وهي لمَن أُعْمرَها ولعقبِه". حدَّثنا بحديثِ الليثِ، أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسم بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني الزُّهريُّ، عن أبي سلمةَ، عن جابرٍ، قال سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ، فذكَره حرفًا بحرفٍ (١). قال أبو عُمر: فهذا ما في حديثِ ابنِ شهالبٍ، والمعنَى في ذلك مُتقاربٌ يشُدُّ بعضُه بعضًا، لكنْ مالكٌ ﵀ لم يَقُلْ بظاهِرِ هذا الحديثِ؛ لِمَا رَواه (٢) عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، أنَّه سمِع مكحولًا الدِّمشقيَّ يسألُ القاسمَ بنَ محمدٍ عن العُمْرَى وما يقول الناسُ فيها، فقال القاسمُ: ما أدْرَكْتُ الناسَ إلَّا على شُروطِهم في أموالِهم وفيما أُعْطُوا. والقاسمُ قد أدرَك جماعةً من الصحابةِ وكبارِ التابعين.

стр. 2621

وقال مالكٌ: الأمرُ عندنا أنَّ العُمرى ترجِعُ إلى الذي أعمَرَها إذا لم يقلْ: لك ولعَقِبِكَ (١). إذا ماتَ المعمَرُ، وكذلك إذا قال: هي لك ولعَقِبِكَ، ترجِعُ إلى صاحبِها أيضًا بعد انقِراضِ عَقِبِ المُعمَرِ؛ لأنَّه على شرطِه في عَقِبِ المعمَرِ، كما هو على شرطِه في المعمَرِ. ورقَبتُها عندَ مالكٍ وأصحابِه على مالكِ صاحِبِها أبدًا، تَرجِعُ إليه إن كان حيًّا، أو إلى ورَثَتِه بعدَه، وضَمانُها منهم (٢). ولا يَمْلِكُ المُعْمَرُ (٣) بلفظِ العُمْرَى والإعمارِ عندَ مالكٍ رقبةَ شيءٍ من العَطَايا، وإنَّما هي عندَه كلفظِ السُّكْنَى والإسْكانِ سواءً، لا يملِكُ بذلك إلَّا المنافعَ دونَ الرِّقابِ (٤)، وهي ألفاظٌ عندَهم لا تُملَكُ بها الرِّقابُ، وإنَّما تُمْلَكُ بها المنافِعُ؛ منها: العُمْرَى، والسُّكْنَى، والعَارِيَّةُ، والإطْراقُ (٥)، والمنْحَةُ (٦)، والإخبالُ (٧)، والإفْقَارُ (٨)، وما كان مثلَها. قال أبو إسحاقَ الحَرْبيُّ: سِحتُ ابنَ الأعرابيِّ يقولُ: لم تَختَلِفِ العربُ في أنَّ هذه الأسماءَ على مِلْكِ أربَابِها،

стр. 2622

ومَنافِعُها لمن جُعِلَت له العُمْرَى، والرُّقْبَى (١)، والإفْقَارُ، والإخبالُ، والعَرِيَّةُ (٢)، والسُّكْنَى، والإطْراقُ (٣). ومِمَّا احتجَّ به أصحابُ مالكٍ فيما ذهَبوا إليه من رَدِّ حديثِ جابرٍ هذا أن قالوا: هو حديثٌ منسوخٌ، ولم يَصْحَبْه العملُ. وقال بعضُهم: لعَلَّ حامِلَه وهَمَ. ومثلُ هذا من القولِ لا تُعْتَرضُ به الأحاديثُ الثابتةُ عندَ أحدٍ من العلماء، إلَّا بأن يتبيَّنَ النَّسخُ بما لا مَدفَعَ فيه. وممَّا احتَجُّوا به أيضًا ما رَواه ابنُ القاسم وغيرُه، عن مالكٍ، قال: رأيتُ محمدًا وعبد الله ابني أبي بكرٍ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزم، فسمِعتُ عبد الله يُعاتِبُ محمدًا - ومحمدٌ يومئذٍ قاضٍ - ويقولُ له: ما لكَ لا تَقضِي بالحديثِ الذي جاء عن رسولِ الله ﷺ في العُمْرَى؛ حديثِ ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن جابرٍ؟ فيقولُ له محمدٌ: يا أخي، لم أجِدِ الناسَ على هذا، وأباه الناسُ. فجعل عبدُ الله يُكَلِّمُه ومحمدٌ يَأبَاه. قال مالكٌ: ليس عليه العملُ، ولوَدِدْتُ أنَّه مُحِيَ. ومن أحسنِ ما احتجُّوا به أن قالوا: مِلْكُ المُعْمِرِ المُعْطَى ثابتٌ بإجماع قبلَ أن يُحْدِثَ العُمْرَى، فلمَّا أحدَثَها اختلَف العلماءُ؛ فقال بعضُهم: قد أزال

стр. 2623

لفظُه ذلك مِلْكَه عن رقَبَةِ ما أعْمَرَه. وقال بعضُهم: لم يَزُلْ مِلْكُه عن رقَبَةِ ماله بهذا اللفظ. والواجبُ بحَقِّ النظرِ ألَّا يَزُولَ مِلْكُه إلَّا بيَقينٍ، وهو الإجماعُ؛ لأنَّ الاختلافَ لا يَثبُتُ به يَقِينٌ (١)، وقد ثبَت أنَّ الأعمالَ بالنِّيَّات، وهذا الرجلُ لم يَنْوِ بلَفْظِه ذلك إخراجَ شيءٍ عن مِلْكِه، وقد اشتَرَط فيه شَرطًا، فهو على شَرطِه؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "المسلمونَ على شُروطِهم" (٢). قال أبو عُمر: نحنُ نذكُرُ اختلافَ الفقهاء في هذا البابِ على شَرطِنا في هذا الكتابِ، لنُبيِّنَ بذلك موضِعَ الصوابِ، وبالله التوفيقُ. فأمَّا مالكٌ ﵀، فقد ذكرنا أن العُمْرى والسُّكْنَى عندَه سواءٌ. وهو قولُ الليثِ، وقول القاسم بنِ محمدٍ، ويزيدَ بنِ قُسَيط (٣). قال مالكٌ: فإذا أعمَرَه حياتَه، وأسكنَه حياتَه، فهو شيءٌ واحدٌ، فإن أرادَ المُعمَرُ أن يُكرِيَها، فإنَّه يُكْريها قليلًا قليلًا، ولا يُبْعِدُ الكِرَاء. قال: وللمُعْمَرِ أن يَبِيعَ منافِعَ الدَّارِ وسُكْناه فيها من الذي أعمَرَه، ولا يَبِيعُها من غيرِه (٤). وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، وهو قولُ الثوريِّ، والحسنِ بنِ حيٍّ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وأبي عُبيدٍ: العُمْرَى بهذا اللفظِ هبةٌ مَبتُوتَةٌ، يَمْلِكُها المُعمَرُ مِلكًا تامًّا؛ رقَبَتَها، ومَنافِعَها (٥). واشتَرطوا فيها القَبْضَ على أُصولِهم في الهِبَاتِ. قالوا: ومَن أعمَرَ رجلًا شيئًا في حياتِه، فهو له حياتَه، وبعدَ وفاتِه لورَثَتِه؛

стр. 2624

لأنَّه قد مَلَك رقبَتَها، وشَرْطُ المُعطي، وذكْرُه العُمْرَى والحياةَ باطلٌ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ أبطَل شَرطَه، وجعَلَها بتلَةً للمُعْطَى، وسواءٌ قال: هي ملكُك حياتَكَ، أو: هي لكَ ولعَقِبِكَ بعدكَ عُمْرَى حَياتَهم، أو ما عِشْتَ، أو عاشُوا. كلُّ ذلك باطِلٌ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ أبْطَل الشرطَ في ذلك، وإذا بطَلَ شرطُه لنفسِه في حياةِ المُعْمَرِ، فكذلك في حياةِ عَقِبِه؛ الشرطُ أيضا باطلٌ، وكُلُّ شَرطٍ أبطَله اللهُ أو رسولُه ﷺ فهو مَردُودٌ، لأنَّ في إنفاذِه تحليلَ الحرام، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "المؤمنون على شُروطِهم، إلَّا شَرطًا أحَلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا" (١)، وقال: "كلُّ شَرطٍ ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ" (٢). يعني: ليس في حُكم الله وفيما أباحَه اللهُ

стр. 2625

في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه ﷺ ، وقد قال ﵊: "إنَّه من أُعْطي شيئًا حَياتَه، فهو له ولوَرَثَتِه، فأمْسِكوا عليكم أموالَكم" (١). قالوا: والسُّكْنَى عارِيَّةٌ لا يَمْلِكُ بها رقَبَةً، إنَّما يَمْلِكُ بها المنافِعَ على شُروطِ المَسكَن. ومن حُجَّتِهم فيما ذهَبوا إليه في العُمْرَى، ما روَاه ابنُ جُرَيْج (٢)، والثوريُّ (٣)، وجماعةٌ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أُعْمِرَ شيئًا حياتَه، فهو له حياتَه ومَوْتَه". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ :" العُمرَى لمن وُهِبت له" (٤)، فجعَلها هبةً. والفائدةُ في هذا الخطابِ في تَمَلُّكِه الرَّقَبةَ؛ لأنَّ المنافِعَ أوضحُ من أن يُحتاجَ إلى أن تُعرَفَ لمن هي في ذلك، واللهُ أعلمُ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابِقٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمَانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أيُّها الناسُ، أمْسِكُوا عليكم

стр. 2626

أموالَكم، ولا تُعْمِرُوا أحدًا شيئًا، فإنَّ مَن أعْمَرَ أحدًا شيئًا حياتَه، فهو له حياتَه ومَماتَه" (١). وذكر الشافعيُّ، عن ابنِ عُليَّةَ، عن الحَجاج بنِ أبي عثمانَ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يا معشرَ الأنصارِ، أمْسِكُوا عليكم أموالَكم، ولا تُعْمِروا أحدًا شيئًا، فإنَّ مَن أعمَرَ شيئًا حياتَه، فهو لمن أُعمِرَه حياتَه ومماتَه" (٢). وروَى حمادُ بنُ سلمةَ (٣)، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ مثلَه سواءً. وهو قولُ جابرٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ. ذكَرَ معمرٌ (٤)، عن أيوبَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ - وسأله أعرابيٌّ أعطَى ابنَه ناقَةً له حياتَه، فأنتَجَها فكانت إبلًا - فقال ابنُ عمرَ: هي له حياتَه ومماتَه. قال: أفرأيتَ إن كان تصدَّقَ عليه؟ قال: فذلك أبعَدُ له. وهذا الخبرُ يدلُّ على أن مذهبَ ابنِ عمرَ في العُمرَى أنَّها خلافُ السُّكْنَى؛ ذلك أنَّه ورِثَ حَفْصَةَ بنتَ عمرَ دارَها. قال: وكانت حفصةُ قد أسكَنت بنتَ زيدِ بنِ الخطابِ ما عاشَت، فلمَّا تُوفِّيت ابنةُ زيدٍ قبَض عبدُ الله بنُ عمرَ المسكَنَ، ورأى أنَّه له (٥).

стр. 2627

وقولُه: ورِث حفصةَ دارَها، يريدُ: من حفصةَ دارَها، ومن هذا قولُ أبي الحجْنَاء: أضْحَتْ جيادُ ابنِ قَعْقَاعٍ مُقَسَّمَةً ... في الأقرَبينَ بلا مَنٍّ ولا ثَمَنِ وَرَّثتَهمْ فتَسلَّوا عنك إذْ وَرِثُوا ... وما وَرِثْتُكَ غيرَ الهمِّ والحَزَنِ (١) أي: ما وَرِثتُ منك غيرَ الهمِّ والحَزَنِ. وقالت زينبُ الطَّثَرِيةُ تَرْثي أخَاها يزيدَ: * مَضَى وورِثْنَاه دَرِيسَ مُفاضَةٍ (٢) * وعلى هذا أكثرُ العلماء، وجماعةُ أهلِ الفَتوَى، في الفرقِ بينَ العُمرَى والسُّكْنَى، وقالوا: لا تنصرِفُ إلى صاحبِها أبدًا. وكان الشعبيُّ يقولُ: إذا قال: هو لك سُكْنَى حتى تموتَ، فهو له حيَاتَه ومَوْتَه، وإذا قال: داري هذه اسْكُنْها حتى تموتَ، فإنَّها ترجِعُ إلى صاحبِها (٣). وأمَّا قولُ جابرٍ، فذكَر عبدُ الرزَّاقِ (٤)، عن ابنِ جريج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: أعمَرتِ امرأةٌ بالمدينةِ حائطًا لها ابنًا لها، ثم تُوفِّي وترَك ولدًا، وتُوفِّيَتْ بعدَه وترَكت ولَدَينِ أخَوَيْنِ سِوَى المُعْمَرِ - أظُنُّه قال: فقال ولَدُ المُعْمِرَةِ: يَرجِعُ الحائطُ إلينا. وقال ولدُ المعمَرِ: بل كان لأبينا حياتَه وموتَه - فاختصموا إلى طارقٍ مَولى عثمانَ، فدخَل جابرٌ، فشَهِد على رسولِ الله ﷺ بالعُمْرَى لصاحِبِها. فقَضَى بذلك طارقٌ، ثم كتَب إلى عبدِ الملكِ، فأخبَره بذلك، وأخبَره

стр. 2628

بشهادَةِ جابرٍ، فقال عبدُ الملكِ: صدَق جابرٌ. وأمضَى ذلك طارقٌ، فإنَّ ذلك الحائطَ لبني المعْمَرِ حتى اليوم. وروَى يَعلَى بنُ عبيدٍ (١) وغيرُه (٢)، عن الثوريِّ، عن أبي الزُّبيرِ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا تَحِلُّ العُمْرَى ولا الرُّقْبَى، فمَن أُعْمِرَ شيئًا فهو له، ومَن أُرْقِبَ شيئًا فهو له. وهو قولُ طاوسٍ، ومجاهدٍ، وسليمانَ بنِ يسارٍ. وبه كان يقْضِي شُريحٌ (٣). وقال مَن ذهَب إلى هذا القولِ: إنَّه لا يصِحُّ لأحدٍ أن يدَّعِيَ العملَ في هذه المسألةِ بالمدينةِ؛ لأنَّ الخلافَ في المدينةِ فيها قديمًا وحديثًا أشهَرُ من أن يُحتاجَ إلى ذكرِه. واحتَجُّوا أيضًا بما حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مسعودٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن النَّضرِ بنِ أنسٍ، عن بَشيرِ بنِ نَهِيكٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "العُمْرَى جائزَةٌ لأهلِها"، أو: "مِيراثٌ لأهلِها" (٤).

стр. 2629

وروَى حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عَقيلٍ، عن محمدِ بنِ الحنفيَّةِ، عن معاويةَ بنِ أبي سفيانَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "العُمْرَى جائزةٌ لأهلِها". وحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عطاء، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: "العُمْرَى ميراثٌ لأهلِها" (١). وحدَّثني أحمدُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّام، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، قال: قَضَى طارقٌ بالمدينةِ: العُمرى للوارِثِ. على قولِ جابرِ بنِ عبدِ الله أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى فيها (٣). وحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله الزُّرَقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمن - يعني الطُّفاويَّ - قال: حدَّثنا أيوبُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنَّ المهاجِرين لما قَدِموا على الأنصارِ جعلَ الأنصارُ يُعْمِرُونَهم دُورَهم حياتَهم، فبَلَغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال للأنصارِ: "أمسِكوا عليكم أموالَكم، لا تُعْمِرُوها؛ فإنَّه مَن أُعْمِرَ شيئًا، فهو له ولورثَتِه إذا مات" (٤).

стр. 2630

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ دينارٍ، أنَّه سَمِع طاوسًا يُحَدِّثُ، عن حُجْرٍ المدَرِيِّ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى بالعُمْرَى للوارِثِ (٢). وفي هذه المسألَةِ قولٌ ثالثٌ قالَه أبو ثورٍ وداودُ بنُ عليٍّ، وهو قولُ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وابنِ شهابٍ، وابنِ أبي ذئبٍ (٣)، قالوا: إذا قال الرجلُ: هذه الدَّارُ، أو هذا الشيءُ، لك عُمُرِي، أو عُمُرَكَ، أو حياتي، أو حَياتَكَ. فإنَّ ذلك يَنصَرِفُ إلى المُعْطي إذا مات المُعْطَى وانْقَضَى الشرطُ، فإن مات المُعْطي

стр. 2631

قبلَ انقضاء الشَّرْطِ، انصرَف إلى ورَثَتِه، وليس في هذا تَملِيكُ شيءٍ من الرِّقابِ حتى يكونَ فيه ذكْرُ العَقِبِ، وإذا قال المعْطِي: هو لك ولعَقِبِكَ، زال مِلْكُ المُعْطي عنها، وصارت مِلْكًا للمُعْطَى، يُورَثُ عنه. وقد رُوِي عن يزيدَ بنِ قُسَيطٍ مثلُ هذا القولِ أيضًا. وحُجَّةُ مَن ذهَبَ إليه حديثُ أبي سلمةَ، عن جابرٍ، من روايةِ مالكٍ وغيرِه، عن ابنِ شهابٍ، وقد تقدَّمَ ذِكرُه (١). قالوا: فهذا هو الثابِتُ عن النبيِّ ﷺ من روايَةِ الثِّقاتِ الفقهاء الأثْباتِ. قالوا: وليس حديثُ أبي الزُّبيرِ مِمَّا يُعارَضُ به حديثُ ابن شهابٍ، ولا في حديثِ أبي هريرةَ وزيدِ بنِ ثابتٍ ومعاويةَ بيانٌ، وهي مُحتمِلةٌ للتأويل، وحديثُ ابن شهابٍ، عن أبي سلمةَ، عن جابرٍ، حديثٌ مُفَسَّرٌ يرتَفِعُ معه الإشكالُ؛ لأنَّه جعَل لذِكْرِ العَقِبِ حُكْمًا، وللسُّكُوتِ عنه حُكْمًا يُخالِفُه. وبه أفتَى أبو سلمةَ، وإليه كان يذهَبُ ابنُ شهابٍ، وهم رُواةُ الحديثِ، وإليهم يُنْصَرَفُ في تأويلِه، مع موضِعِهم من الفِقْهِ والجلالةِ، وليس مَن خالَفهم مِمَّن يُقاسُ بهم. قالوا: وحديثُ معمرٍ حديثٌ صحيحٌ (٢)، لا معنَى لقولِ مَن تَكَلَّمَ فيه؛ لأنَّ مَعْمَرًا من أثْبَتِ الناسِ في ابنِ شهابٍ، وأحسَنِهم نَقْلًا عنه، لا سيَّما ما حدَّث به باليمنِ من كُتُبِه، وإنَّما وُجِدَ عليه شيءٌ من الغَلَطِ فيما حدَّث به من حِفظِه بالعراقِ، وحديثُه هذا - من روايةِ أهلِ اليمنِ عنه - صحيحٌ. هذا كلُّه معنى ما احتَجَّ به القومُ وَمن ذهَبَ مذهَبَهم، وبالله التوفيقُ.

стр. 2632

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسَّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ كاتبُ الأوزاعيِّ، عن الأوزاعيِّ (١)، قال: قلتُ للزهريِّ: الرجلُ يقولُ للرجلِ: جارِيَتي هذه لكَ حياتَكَ، أيحِلُّ له فرجُها؟ قال: لا. فقلتُ: فإن قال: هي لك عُمُرِي، أيحِلُّ له فرجُها؟ قال: لا، حتى يَبِتَّها له، وإنَّما العُمْرَى التي لا يكونُ للمُعْمِرِ فيها شيءٌ؛ أن يُعْطِيَها للرجلِ ولعَقِبِه، ليس للمُعْطي فيها مَثنَويَّةٌ (٢).

стр. 2633

حديثٌ سابعٌ لابن شهاب، عن أبي سَلَمةَ مسنَدٌ صحيحٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، أنَّها قالت: سُئِل رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - عن البِتْعِ، فقال: "كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فهو حرامٌ". لا أعلَمُ عن مالكٍ خلافًا في إسنادِ هذا الحديثِ، إلَّا أن إبراهيمَ بنَ طهمانَ خالفَ في ذلك، وعندَه أيضًا حديثُ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشة (٢). والمشهورُ فيه عن مالكٍ حديثُ أبي سلمةَ، وهو حديثٌ صحيحٌ مُجْتَمَعٌ على صِحَّتِه، لا خِلافَ بينَ أهلِ العلم بالحديثِ في ذلك، وهو أثبتُ شيءٍ يُرْوَى عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - في تحريم المُسْكِرِ، وقد سُئِل يحيى بنُ مَعينٍ (٣) عن أصحِّ حديثٍ رُوي في تَحْرِيم المسكِرِ، فقال: حديثُ ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ سئِل عن البِتْع، فقال: "كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فهو حَرَامٌ". قال: وأنا أقِفُ عندَه. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الطُّوسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز. وحدَّثنا خلفٌ، عن إبراهيمَ بن محمدٍ

стр. 2634

الدَّيبُليِّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارونَ الحمّالُ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ وقتيبةُ بنُ سعيدٍ. وحدَّثناه خلفٌ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفرٍ الزيَّاتُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بن عبدِ الخالقِ البزارُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ الزَّهْرانيُّ، قالوا: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ (٢)، عن أبي سلمةَ بنِ عبد الرحمن، عن عائشةَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِل عن البِتْع، فقال: "كلُّ شرابٍ أسكَرَ فهو حرامٌ" (٣). قال أبو عُمر: والبِتْعُ: شرابُ العسل، لا خلافَ عَلِمْتُه في ذلك بينَ أهلِ الفقهِ ولا بين أهل اللغة، وإذا خرَج الخبرُ بتَحْريمِ المُسْكِرِ على شرابِ العسَل، فكلُّ مُسْكِرٍ مثلُه في الحكم. وكذلك قال ابنُ عمرَ: كلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٥) الله بنُ محمد بن حَبَابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (٦): حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال: أنبأنا شُعْبَةُ، عن سعيدِ بن أبي بُرْدَة، عن أبيه، عن أبي موسى،

стр. 2635

أنَّ النبيَّ ﷺ لمّا بعَثَ أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن قال لهما: "يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا، وتَطاوَعا ولا تُنَفِّرَا". فقال له أبو موسى: يا رسولَ الله، إنَّ لنا شرابًا يُصْنَعُ بأرضِنا من العَسَل يقالُ له: البِتْعُ، ومن الشعيرِ يقال له: المِزْرُ؟ فقال له النبيُّ ﷺ : "كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ". قال: وقال معاذٌ لأبي موسى: كيف تقرأُ القرآنَ؟ قال: أقْرَؤُه في صلاتي، وعلى راحِلَتي، وقائمًا وقاعدًا ومُضْطَجِعًا، أتفَوَّقُه تَفَوُّقًا. فقال معاذ: لكنِّي أنامُ ثم أقومُ، فأحتَسِبُ نَومَتي كما أحْتَسِبُ قَوْمَتي (١). قال: فكأنَّ معاذًا فَضلَ عليه (٢). قال أبو عُمر: وقد أتَيْنا من القول في تحريم المسكرِ بما فيه كفايةٌ، في كتابِنا هذا، في باب إسحاقَ بن أبي طلحة (٣)، فأغْنَى عن إعادَتِه هاهنا. ولا خلافَ

стр. 2636

بين أهلِ المدينةِ في تحريمِ المسكرِ؛ قَرْنًا بعدَ قَرْنٍ، يأخُذُ ذلك كافَّتُهم عن كافَّتِهم، وما لأهلِ المدينةِ في شيءٍ من أبوابِ الفقهِ إجماعٌ كإجماعِهم على تحريمِ المسكرِ، فإنَّه لا خلافَ بينَهم في ذلك، وسائرُ أبوابِ العلم قلَّما تَجِدُ فيه قولًا لعراقيٍّ أو لشاميٍّ إلّا وقد تقدَّم من أهلِ المدينة به قائلٌ، إلا تحريمَ المسكِرِ، فإنَّهم لم يَختَلِفوا فيه فيما عَلِمْتُ، ولا يصِحُّ عن عمرَ بنِ الخطابِ ما رُوِيَ عنه في ذلك (١). وما أجمَع عليه أهلُ المدينةِ فهو الحقُّ إن شاء الله. ولم يُجمِعْ أهلُ العراقِ على تَحليلِ المسكِرِ ما لم يَسْكَرْ شارِبُه، لأنَّ جماعةً منهم يذهَبُونَ في ذلك مذهَبَ أهلِ الحِجاز.

стр. 2637

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا مسلمةُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنَ عيسى، قال: حدَّثنا ابراهيمُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصباح، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سمِعتُ مخلدَ بنَ الحسينِ وعبدَ الله بنَ المباركِ وعيسى بنَ يونسَ وأبا إسحاقَ الفَزارِيَّ، وهؤلاء أفضلُ مَن بَقِيَ يومئذٍ من علماءِ المشرقِ، وقد أجمَعوا على تركِ الحديثِ في تحليلِ النبيذِ، وإظهارِ الروايةِ في تحريمِه. حدَّثني عبدُ الله بنُ محمدِ بن يوسُفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن زيادٍ الأعرابيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا ابراهيمُ بنُ المنذر، قال حدَّثني عبدُ الله بن نافع، قال: حدَّثني أُبيُّ بنُ سهلٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمن بنِ الحارثِ بن هشام، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: إذا رأيتَ أهلَ المدينة على شيءٍ فاعلَمْ أنَّه سُنَّةٌ. وقال أبو بكر بنُ عبدِ الرحمن: هو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه.

стр. 2638

حديثٌ ثامنٌ لابن شهاب، عن أبي سَلَمةَ يُشاركُ فيه أبا سَلَمة أبو عبد الله الأغَرُّ، واسمُه: سَلْمان، ثقهٌ رِضًى مالكٌ (١)، عن ابن شهاب، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ وأبي عبد الله الأغرِّ، جميعًا عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يَنْزِلُ ربُّنا ﵎ كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدُّنيا حين يبقَى ثُلُثُ الليل، فيقول: مَنْ يدعُوني فأستَجِيبَ له؟ من يسألُني فأُعطِيَه؟ مَن يستغفِرُني فأغفرَ له؟ ". هذا حديثٌ ثابتٌ من جهةِ النَّقْلِ، صحيحُ الإسنادِ، لا يختلِفُ أهلُ الحديثِ في صحَّتِه، رواه أكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ هكذا كما رواه يحيى. ومن رواة "الموطّأ" مَن يرويهِ عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي عبدِ الله الأغرِّ، لا يَذكُرُ أبا سلَمة (٢). وهو حديثٌ منقولٌ من طرُقٍ متواترةٍ ووجوهٍ كثيرةٍ من أخبارِ العدول، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -. وقد رُوِي عن الحُنَينيِّ (٣)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي عُبيدٍ مولَى ابنِ عوفٍ، عن أبي هريرةَ. ولا يَصِحُّ هذا الإسنادُ عن مالكٍ، وهو عندي وَهَمٌ،

стр. 2639

وإنَّما هو عن الأغرِّ (١)، عن أبي هريرةَ. وكذلك لا يَصحُّ فيه روايةُ عبدِ الله بنِ صالح (٢)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ. وصوابُه: عن الزُّهريِّ، عن الأغرِّ (٣) وأبي سلمةَ، جميعًا عن أبي هريرةَ. ورواه زيدُ بنُ يحيى بنِ عُبيد الله الدمشقيُّ (٤)، ورَوْحُ بنُ عُبادة، وإسحاقُ بنُ عيسى الطَّبَّاعُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ. وفيه دليلٌ على أنَّ الله في السَّماءِ على العرشِ من فوقِ سبعِ سماواتٍ، كما قالت الجماعةُ. وهو من حُجَّتِهم على المعتزلةِ والجهميّةِ في قولهم: إنَّ الله في كلِّ مكانٍ وليس على العرشِ. والدليلُ على صِحَّةِ ما قاله أهلُ الحقِّ في ذلك قولُ الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقولُه : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]، وقولُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وقولُه: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقولُه تبارك اسمُه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، وقال

стр. 2640

جلَّ ذِكرُه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وهذا من العُلُوِّ، وكذلك قولُه: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، و ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]، و ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، والجَهْمِيُّ يزعمُ أنه أسفلُ، وقال جلَّ ذكرُه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقولُه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال لعيسى ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]،، وقال: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٢، ٣]، والعُروجُ هو الصعود (١). وأمّا قولُه تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ﴾ [الملك: ١٦]، فمعناه: مَن على السَّماء. يعني: على العرش. وقد يكونُ "في "بمعنى "على"، ألا تَرَى إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، أي: على الأرض، وكذلك قولُه: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وهذا كلُّه يعضُدُه قولُه تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وما كان مثلَه ممّا تَلَوْنا من الآياتِ في هذا الباب. وهذه الآياتُ كلُّها واضحاتٌ في إبطالِ قولِ المعتزلة. وأمّا ادِّعاؤُهم المجازَ في الاستواء، وقولهُم في تأويل: ﴿اسْتَوَى﴾: استَوْلَى (٢). فلا معنى له؛ لأنَّه غيرُ

стр. 2641

ظاهرٍ في اللغة: ومعنى الاستيلاءِ في اللغةِ المغالَبةُ، واللهُ لا يُغالِبُه ولا يَعْلُوه أحدٌ، وهو الواحدُ الصَّمدُ، ومن حقِّ الكلام أن يُحمَلَ على حقيقتِه، حتى تتَّفِقَ الأمَّةُ أنَّه أُرِيدَ به المجازُ، إذ لا سبيلَ إلى اتِّباع ما أنزِل إلينا من ربِّنا إلّا على ذلك، وإنَّما يُوجَّهُ كلامُ الله إلى الأشهَرِ والأظهَرِ من وُجوهِه، ما لم يَمنَعْ من ذلك ما يجبُ له التسليمُ، ولو ساغَ ادِّعاءُ المجازِ لكلِّ مُدَّعٍ، ما ثَبَت شيءٌ من العبارات، وجلَّ اللهُ عن أن يُخاطِبَ إلّا بما تَفهَمُه العربُ في مَعهُودِ مُخاطَباتِها، ممّا يصحُّ معناه عندَ السامِعين. والاستواءُ معلومٌ في اللغةِ ومفهومٌ، وهو: العُلُوُّ والارتفاعُ على الشيء (١)، والاستقرارُ (٢) والتَّمَكُّنُ فيه. قال أبو عُبيدةَ في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى﴾. قال: علا. قال: وتقولُ العربُ: استَوَيْتُ فوقَ الدَّابَّةِ، واستويتُ فوقَ البيت (٣). وقال غيرُه: استَوى، أي: انتَهَى شَبابُه واستَقَرَّ، فلم يكنْ في شَبابِه مَزِيدٌ. قال أبو عُمر: الاستواءُ: الاستقرارُ في العُلُوِّ، وبهذا خاطَبَنا اللهُ ، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، وقال الشاعرُ (٤): فأوْرَدتُهم ماءً بفَيْفاءَ قَفْرَةٍ ... وقد حَلَّقَ النَّجْمُ اليَمَانِيُّ فاسْتَوَى

стр. 2642

وهذا لا يجوزُ أنْ يَتأوَّلَ فيه أحدٌ "اسْتَوْلَى"؛ لأنَّ النَّجْمَ لا يَستَوْلي. وقد ذكَر النَّضرُ بنُ شُميلٍ - وكان ثقةً مأمونًا جليلًا في علمِ الدِّيانةِ واللغةِ - قال: حدَّثني الخليلُ، وحسبُكَ بالخليل، قال: أتَيتُ أبا ربيعةَ الأعرابيَّ، وكان من أعلمِ مَن رأيتُ، فإذا هو على سطح، فسلَّمنا فردَّ علينا السلامَ، وقال لنا: اسْتَوُوا. فبَقِينا مُتَحَيِّرين ولم نَدْرِ ما قال. قال: فقال لنا أعرابيٌّ إلى جَنْبِه: إنَّه أمرَكم أن تَرْتَفعوا. قال الخليلُ: هو من قولِ الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]. فصَعِدْنا إليه فقال: هل لكم في خبزٍ فَطِيرٍ (١)، ولَبَنٍ هَجِيرٍ (٢)، وماءٍ نَمِيرٍ (٣)؟ فقلنا: الساعةَ فارَقْناه. فقال: سَلامًا. فلم نَدْرِ ما قال. فقال الأعرابيُّ: إنَّه سالَمَكُم مُتارَكةً لا خيرَ فيها ولا شرّ. قال الخليلُ: هو من قولِ الله : ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٤). وأمّا نَزْعُ مَن نزَع (٥) منهم بحديثٍ يَروِيه عبدُ الله بنُ داودَ الواسطيُّ، عن إبراهيمَ بن عبدِ الصَّمد، عن عبد الوهابِ بن مجاهدٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: استَوْلى على جميع بَرِيَّتِه، فلا يخْلُو منه مكانٌ. فالجواب عن هذا أنَّ هذا حديثٌ منكَرٌ عن ابن عباسٍ، ونقَلته مجهولون ضُعفاءُ، فأمّا عبدُ الله بنُ داودَ الواسطيُّ وعبدُ الوهاب بنُ مجاهدٍ فضعيفان، وإبراهيمُ بنُ عبدِ الصمدِ مجهولٌ لا يُعرَفُ، وهم لا يقبلُونَ أخبارَ الآحادِ العُدُول، فكيف يسوغُ لهم الاحتجاجُ بمثل هذا من الحديثِ
следующие страницы →