← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2568–2607 · переход к 2573.

стр. 2568

وروَى ابنُ عُلَيّة، عن كثيرِ بنِ شنْظيرٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن أبي هريرةَ، قال: إذا انتهى إلى القوم وهم قُعودٌ في آخرِ صلاتِهم فقد دخَل في التَّضعيف، وإذا انتهى إليهم وقد سلَّمَ الإمامُ ولم يتفَرَّقُوا فقد دخَل في التَّضعيف. قال عطاءٌ: وكان يقولُ: إذا خرَجَ من بَيتِه وهو يَنْويهم، فأدْرَكَهم أو لم يُدْرِكْهم، فقد دخَلَ في التَّضعيف (١). وقال الأثرَمُ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل، يقول: إنْ دخَلَ مع الإمامِ في التَّشَهُّدِ، فقد دخَلَ في التَّضعيف. وكان أبو سَلَمةَ، وهو راوي الحديث، يُفتي بنحو هذا. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمةَ، قال: مَن خرَجَ من بَيتِه قبلَ أنْ يُسَلِّمَ الإمامُ فقد أدرَك (٢). فهذا أبو سَلَمةَ يُفتي بما يَرى من الفضل، وهو فَقيهٌ جليلٌ، رَوَى هذا الحديث، وعَلِمَ مَخْرَجَه، فوجَبَ ألا يُقطعَ في شيءٍ من الفضائل، فإنَّ اللهَ هو المُبتدِئُ بها والمتفضِّلُ، لا شريكَ له، إمّا على قدرِ النِّيّات، وإمّا لما شاء مما سبَق في علمِه، وإذا كانَ منتظِرُ الصلاةِ كالمصلِّي في الفضل، ومَن نوى الشيءَ كمَنْ عمِلَه في الفضائل، فأيُّ مَدخلٍ هاهنا للقياس والنظر؟ وسنَزيدُ هذا البابَ بيانًا في بابِ محمدِ بنِ المُنْكدرِ من كتابنا هذا، عند قوله ﷺ : "ما مِن

стр. 2569

امرئ يكونُ له صلاةٌ بليل، فيَغلِبُه عليها نومٌ، إلّا كتبَ الله له أجرَ صلاتِه، وكان نومُه صدقةً عليه" (١). ونُوضِّحُ ذلك بالأثرِ الصحيح إنْ شاءَ الله تعالى. وأوْلى ما قيلَ به في هذا الباب من آراءِ الرجال، قولُ أبي هريرة وقولُ أبي سلَمةَ، لروايتِهما لهذا المعنى، ومَوضِعِهما من العلم، وظاهرُ هذا الحديث حجةٌ لمَن تقلَّدَه، وبالله التوفيق. وفي هذا الحديث من الفقه أيضًا، أنَّ مَن أدرَك ركعةً من الجمعة، أضافَ إليها أخرى، فصلَّى ركعتَين، ومَن لم يُدرِكْ منها ركعةً صلَّى أربعًا؛ لأنَّ في قوله ﷺ : "مَن أدرَك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرَك الصلاةَ" دليلًا على أنَّ مَن لم يُدركْ منها ركعةً فلم يُدرِكْها، ومَن لم يُدرِكِ الجمعةَ صلَّى أربعًا. وهذا موضِعٌ اختَلَفَ الفقهاءُ فيه؛ فذَهَبَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، والثَّوريُّ، والحسنُ بنُ حيٍّ، والأوزاعيُّ، وزُفَرُ بنُ الهُذيل، ومحمدُ بنُ الحسن - في الأشْهَر عنه - والليثُ بنُ سعدٍ، وعبدُ العزيز بنُ أبي سَلَمةَ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، إلى أنَّ مَن لم يُدرِكْ ركعةً من صلاةِ الجمعة مع الإمام صلَّى أربعًا (٢). وقال أحمدُ: إذا فاتَه الرُّكوعُ صلَّى أربعًا، وإذا أدرَك ركعةً صلَّى إليها أُخرى، عن غير واحدٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، منهم: ابنُ مسعودٍ (٣)، وابنُ عمرَ (٤)، وأنسٌ (٥). ذكَرَه الأثْرَمُ، عن أحمدَ، ثم قال:

стр. 2570

حدَّثنا أحمدُ، قاله: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق (١)، عن مَعْمَر، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: إذا أدرَك من الجمُعةِ ركعةً صلَّى إليها أُخرى، وإذا أدرَكَهم جلوسًا صلَّى أربعًا. قال أبو عبد الله: ما أغرَبَه! يعني أنَّ هذا الحديثَ غريبٌ عن ابنِ عمرَ. وذكَرَ الأثْرَمُ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، وإبراهيمَ والزُّهريِّ مثلَه (٢). قال أبو عُمر: قد رُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أيضًا مثلُه، وعن الحسنِ البَصْريِّ، وعَلْقَمةَ، والأسْوَدِ، وعُرْوةَ. وبه قال إسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ (٣). وقال ابنُ شهابٍ: هي السُّنَّة. ذكرَ مالكٌ في "مُوَطَّئِه" (٤)، أنَّه سمِعَ ابنَ شهابٍ يقولُ: مَن أدرَك مِن صلاةِ الجمعةِ ركعةً فليُصلِّ أُخرى. قال ابنُ شهابٍ: وهي السُّنَّةُ. قال مالكٌ: وعلى ذلك أدرَكتُ أهلَ العلم ببلدِنا؛ وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أدرَك رَكعةً من الصلاةِ فقد أدرَكَ الصلاة". حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرٍ وعبدُ الله بنُ عمرَ، قالا: حدَّثنا يوسُفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُبارك، عن مَعْمَرٍ والأوزاعيِّ ومالكِ بن أنسٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أدرَك من الصلاةِ ركعةً فقد أدرَكَها"، قال الزُّهريُّ: فنَرى الجُمُعةَ من الصلاة (٥).

стр. 2571

وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسُف: إذا أحْرَم في الجمُعة قبلَ سلام الإمام، صلَّى ركعتَين. ورُوِيَ ذلك أيضًا عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، والحَكَم بن عُتَيْبَة، وحَمّادٍ (١). وهو قولُ داودَ (٢). واحتجُّوا بقول رسولِ الله ﷺ : "ما أدركْتُمْ فصلُّوا، وما فاتَكُم فأتمُّوا" (٣). وقد رُوِيَ: "ما فاتَكم فاقْضُوا" (٤). قالوا: والذي فات ركعتانِ لا أربَعٌ، ومَن أدرَكَ الإمامَ قبلَ سلامِه، فقد أدرَكَ؛ لأنَّه مأمورٌ بالدخولِ معه. ورُوِيَ عن محمدِ بنِ الحسنِ القولانِ جميعًا، ورُوِيَ عنه أيضًا أنَّه قال: يُصلِّي أربعًا؛ يقعُدُ في الثِّنتَينِ الأُوليَيْن بمقدارِ التّشهُّدِ، فإنْ لم يفعلْ أمَرْتُه أنْ يُعيدَ أربعًا. قال أبو عُمر: في قوله ﷺ : "ما أدرَكْتم فصَلُّوا" (٥)، مع قولِ الجمهورِ فيمَنْ أدرَكَ الإمامَ قد رَفَعَ رأسَه من آخِرِ ركعةٍ: إنَّه يُصلِّي معَه السجدتَين والجُلوسَ، ولا يَعْتَدُّ بشيءٍ من ذلك، دليل على فَسادِ قول عبدِ العزيز بن أبي سَلَمةَ، حيث قال: إذا أدرَكَ الإمامَ يومَ الجمُعة في التشهدِ، قعَدَ بغيرِ تكبيرٍ، فإذا سلَّمَ الإمامُ قامَ وكبَّرَ ودخَلَ في صلاةِ نفسِه. قال: وإنْ قَعَدَ مع الإمام بتَكبيرٍ، سلَّمَ إذا فَرَغَ

стр. 2572

الإمامُ، وقامَ فكَبَّرَ للظُّهْر. وفي قوله ﷺ : "مَن أدرَكَ ركعةً من الصلاةِ فقد أدرَكَ الصلاةَ" فسادُ قول مَن قال: إنَّ مَن فاتَتْه الخُطبةُ يومَ الجُمعةِ صلَّى أربعًا؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يَخُصَّ جمُعةً من غيرِها. وقد قال - بأنَّ مَن فاتَتْه الخُطبةُ صلَّى أربعًا - جماعةٌ من التّابِعين؛ منهم: عطاءٌ، وطاوسٌ، ومجاهِدٌ، ومكحولٌ (١). وقد حدَّثني محمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّانَ، قال: حدَّثنا هِشامُ بنُ عَمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال: حدَّثنا الأوْزاعيُّ، قال: سألتُ الزُّهريَّ عن رجلٍ فاتَتْه خُطبةُ الإمام يومَ الجمُعةِ، وأدرَكَ الصلاة، فقال: حدَّثني أبو سَلَمةَ أنَّ أبا هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أدرَكَ ركعةً من صلاةٍ فقد أدرَكَها" (٢). واختلفَ العلماءُ في حدِّ إدراكِ الرَّكعةِ مع الإمام، فرُوِيَ عن أبي هريرةَ من طريقٍ فيه نَظَرٌ، أنَّه قال: مَن أدرَكَ القومَ رُكوعًا فلا يَعتدُّ بها (٣). وهذا قولٌ لا نَعلَمُ أحدًا قال به من فُقهاءِ الأمْصارِ ولا من عُلَماءِ التابعين، وقد رُوِيَ مَعناه

стр. 2573

عن أشْهَبَ (١). ورُوِيَ عن جماعةٍ من التابعينَ أنَّهم قالوا: إذا أحرمَ الداخلُ والناسُ ركوعٌ، أجزَأه وإنْ لم يُدرِكِ الرُّكوع. وبهذا قال ابنُ أبي ليلى، والليثُ بنُ سَعْدٍ، وزُفَرُ بنُ الهُذَيْل، قالوا: إذا كَبَّرَ قبلَ أنْ يرفَعَ الإمامُ رأسَه، ركَعَ كيف أمكَنه، واتَّبعَ الإمامَ، وكان بمنزِلَةِ النَّائم، واعْتَدَّ بالرَّكعة (٢). وقد رُوِيَ عن ابن أبي ليلى، والليثِ بنِ سعدٍ، وزُفَرَ بنِ الهُذَيْل، والحسنِ بنِ زيادٍ، أنَّه إذا كَبَّرَ بعدَ رَفْعِ الإمام رأسَه من الرَّكْعةِ قبلَ أنْ يركَعَ، اعْتَدَّ بها (٣). وقال الشَّعبيُّ: إذا انتَهَيتَ إلى الصفِّ المُؤخَّرِ ولم يَرفعوا رُؤوسَهم، وقد رفعَ الإمامُ رأسَه، فرَكَعْتَ، فقد أدركْتَ؛ لأنَّ بعضَهم أئمّةٌ ببعضٍ. رواه داودُ، عن الشعبيِّ (٤). وقال جمهورُ العلماء: مَن أدرَك الإمامَ راكعًا، فكَبَّرَ وركَعَ، وأمْكَنَ يدَيه من رُكْبَتَيهِ قبلَ أنْ يرفَعَ الإمامُ رأسَه من الرُّكوع، فقد أدرَك الرَّكعةَ، ومَن لم يُدرِكْ ذلك، فقد فاتَتْه الرَّكعةُ، ومَن فاتَتْه الرَّكعةُ فقد فاتَتْه السجدةُ، لا يَعتدُّ بالسُّجودِ، وعليه أنْ يَسجُدَ مع الإمام، ولا يَعتدُّ به. هذا مذهبُ مالكٍ، والشافعيُّ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِهم. وهو قولُ الثَّوْريِّ، والأوزاعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، وإسحاقَ.

стр. 2574

ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وزَيدِ بن ثابتٍ، وابنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ، وميمُونِ بنِ مِهْرانَ، وعُرْوَةَ بنِ الزبير (١). ذكَر ابنُ أبي شيبةَ، قال (٢): أخبَرنا حَفْصُ بنُ غِياثٍ، عن ابنِ جُريج، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: إذا جئتَ والإمامُ راكعٌ، فوضَعْتَ يدَيْكَ على رُكْبَتَيْك قبلَ أن يرفَعَ رأسَه فقد أدرَكتَ. وذكَرَ عبدُ الرَّزَّاق (٣)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبَرني نافعٌ، عن ابنِ عُمرَ، قال: إذا أدْرَكْتَ الإمامَ راكعًا، فركَعْتَ قبلَ أنْ يرفعَ رأسَه، فقد أدرَكتَ، وإنْ رفعَ قبلَ أنْ تَركَعَ، فقد فاتَتك. وعن مَعْمَرٍ (٤)، عن الزُّهريِّ، عن سالم (٥)، أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ وابنَ عمرَ قالا في الذي يُدرِكُ القومَ ركوعًا مثلَ ذلك أيضًا، قالا: وإنْ وجدَهم سجودًا، سجَدَ معهم، ولم يَعتدَّ بذلك. وذكَرَ مالكٌ في "الموطّأ" (٦)، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يقولُ: إذا فاتَتكَ الرَّكعةُ فقد فاتَتكَ السجْدةُ. قال مالكٌ: وبلَغَني أنَّ أبا هريرةَ كانَ يقولُ:

стр. 2575

مَن أدرَك الرَّكعةَ فقد أدرَكَ السجدةَ، ومَن فاتَه قراءةُ "أُمِّ القرآن" فقد فاتَه خَيْرٌ كثيرٌ. وذكَرَ ابنُ أبي شَيْبَة (١)، عن يَحيى بنِ آدم، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبَيرةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: لا يَعتَدُّ بالسُّجودِ إذا لم يُدرِكِ الرُّكوع. قال (٢): وحدَّثنا يَحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوصِ وهُبَيْرَةَ، عن عبدِ الله، قال: إذا لم يُدرِكِ الرُّكوعَ، فلا يَعتَدُّ بالسُّجود. واختلَفَ العُلماءُ أيضًا فيما يُكَبِّرُ مَن أدرَكَ القومَ مع الإمام رُكوعًا، فقالت طائفةٌ: تُجْزِئُه تكبيرةٌ واحدةٌ. واختلفَ القائلونَ بهذا؛ فمنهم مَن قال: يُكَبِّرُ تلك التَّكبيرةَ واقِفًا، يُحرِمُ بها، ثم يَنْحَطُّ، ولا تُجزِئُه إنْ كَبَّرَها في حالِ الانحطاطِ للرُّكوع؛ لأنَّ الصَّلاةَ إنَّما تُفْتَتَحُ بالقيام لا بالرُّكوع. ومنهم مَن قال: إنِ ابْتَدَأها واقِفًا، وانْحَطَّ بها لركوعِه مُفتَتِحًا لصلاتِه بنِيَّةِ التَّحريم، أجزَأَه ذلك (٣). ذكر مالكٌ (٤)، عن ابنِ شهابٍ، قال: إذا أدرَكَ الرجلُ الرَّكعةَ، فكَبَّرَ تكبيرةً واحدةً، أجْزَأتْ عنه تلك التكبيرةُ، قال مالكٌ: وذلك إذا نَوَى بتلك التَّكبيرةِ افتتاحَ الصلاة. هكذا في "الموطّآت" عن مالك. وليَحيى بنِ يَحيى في "الموطّأ" (٥) عن مالكٍ، فيمن سَهَا عن تكبيرةِ الافتتاح، وكَبَّرَ للرُّكوع الأوَّل؛ أنَّ ذلك يُجْزِئُ عنه إذا نوَى بهذا الافتتاح. وهذا يَحتَمِلُ القولَيْن جميعًا. وكذلك اختلَفَ في ذلك المُتأخِّرون من أصحابِ مالكٍ، وتحصيلُ المذهب أنَّه إذا افتَتَحَها قائمًا، وانحطَّ بها مُكَبِّرًا راكعًا، أنَّها تُجْزِئُه من تكبيرةِ الإحرام إذا نَواها بذلك.

стр. 2576

وذكَر ابنُ أبي شَيْبَة (١)، عن عبدِ الأعلى، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ وزيدِ بنِ ثابتٍ، قالا: إذا أدْرَك القومَ رُكوعًا، فإنَّه تُجْزِئُه تكبيرةٌ واحدةٌ. وهو قولُ عُرْوةَ، وإبراهيمَ، وعَطاءٍ، والحسَنِ، وقَتادةَ، والحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ، ومَيمونٍ، وجماعةٍ (٢). وكلُّهم يَسْتَحِبُّ أنْ يُكَبِّرَ تكْبيرَتَين؛ واحدَةً للإحْرام، وثانيةً للرُّكوع، فإنْ كَبَّرَ واحدةً لافتتاح الصلاةِ والرَّكعة، أجزَأه، وعلى هذا مذهَبُ جماعةِ الفُقهاءِ بالحجازِ والعراقِ وأتباعِهم، وقال ابنُ سيرينَ وحمادُ بنُ أبي سليمانَ: لا يُجْزِئُه حتى يُكَبِّرَ تكبيرتَيْن؛ واحدةً يَفتَتِحُ بها، وثانيةً يَرْكَعُ بها (٣). والقولُ الأوَّلُ أصَحُّ من جهةِ النَّظَر. وقد بيَّنّا ما يجبُ من التَّكبير وما لا يجبُ منه، في الباب الذي بعدَ هذا، والحمدُ لله. ومن هذا الباب - مُراعاةِ الرَّكعة - عند مالكٍ (٤) وجماعةٍ معه، المسافرُ يُصلِّي وراءَ المُقيم، وقد اختلَفَ العُلماءُ فيها، فقال مالكٌ وأصحابُه: إذا لم يُدْرِكِ المُسافِرُ من صلاةِ المُقيم رَكْعةً، صلَّى ركعتَيْن، وإنْ أدْرَكَ مع المُقيم رَكْعةً، صلَّى أربعًا. وهو قولُ الحسنِ، والنَّخَعيِّ، والزُّهريِّ، وقَتادة. وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما، والثوريُّ، والأوْزاعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وأبو ثورٍ: إذا دخَلَ المسافرُ في صلاةِ المُقيم، صلَّى صلاةَ مُقيمٍ أربعًا وإنْ أدْرَكَه في التَّشهُّد. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمرَ، وابن عباسٍ، وجماعةٍ من

стр. 2577

التَّابعينَ (١). وفي هذه المسألةِ أيضًا قولان آخَران يَرُدُّهما هذا الحديثُ؛ أحدُهما، أنَّ المسافرَ إذا أدْرَكَ ركعتَيْن من صلاةِ المُقيم، استَجْزَأ بهما، وسلَّمَ بسَلامه. رُوِيَ هذا عن طاوسٍ والشعبيِّ (٢). والآخَرُ، أنَّ للمسافرِ أنْ ينويَ خلفَ المُقيم صلاةَ مسافرٍ، فإذا تشَهَّدَ في الجِلْسَةِ الوُسْطى، سلَّمَ وخرَجَ، وإنْ أدرَكَ المُقيمَ جالسًا، صلَّى صلاةَ مسافرٍ. هذا قولُ إسحاقَ بنِ راهُوْيَة (٣). وهذان قولانِ ضعيفانِ شاذَّانِ، والناسُ على القولَيْن الأوَّلين. ومن هذا الباب أيضًا: المأمومُ لا يُدْرِكُ رَكعَةً مع الإمام، أو يُدْرِكُها وقد سَهَا الإمامُ قبلَ أنْ يدخُلَ معه هذا الدّاخِلُ؛ هل عليه سُجُودُ السَّهوِ أم لا؟ فقال مالكٌ: إذا أدرَكَ معه رَكْعةً لَزِمَه أنْ يَسجُدُ معه لسَهْوه، وإنْ لم يُدركْ معه رَكْعةً لم يَلْزَمْه ذلك، ومذهَبُ مالكٍ في ذلك أنَّ سَجْدَتَي السَّهوِ إنْ كانتا قبلَ السَّلام سجَدَهما معه، وإنْ كانتا بعدَ السَّلام لم يَسْجُدْهما معه، وسجَدَهما إذا قَضَى باقي صَلاتِه. وهو قولُ الأوزاعيِّ، واللَّيث. وقال الشافعيُّ، والكوفيُّون، وسائرُ الفقهاء: مَن دخَلَ مع الإمام في بعضِ سَهْوِه، لَزِمَه، ويَسْجُدُ معه. وعن الشافعيِّ أنَّه يسجُدُهما بعدَ القَضاء أيضًا (٤). قال أبو عُمر: مَن راعى الرَّكعةَ وإدْراكَها في هذه المسائل، شَهِدَ له ظاهِرُ قولِ رسولِ الله ﷺ : "مَن أدرَكَ رَكعةً من الصلاةِ فقد أدرَكَ الصلاة"؛ لأنَّ مَن

стр. 2578

أدرَك الصلاةَ من أوَّلِها لَزِمه حكمُها في كلِّ شيءٍ منها، فقد جعَلَ رسولُ الله ﷺ مُدرِكَ رَكعةٍ منها كمُدركِها (١)، فذلك عندي على العموم، واللهُ أعلم. ومن هذا الباب عندَ مالكٍ وأصحابِه: الرجلُ يُدرِكُ ركعةً من صلاةِ الجماعة، فلا يُعيدُ تلك الصلاةَ في جماعةٍ إذا أدرَكَ منها ركعةً تامةً، وإنْ لم يُدركْ إلّا السجودَ أو الجُلُوسَ، فله أنْ يُعيدَ في جماعة (٢). ومن هذا الباب أيضًا: الحُكمُ فيمَنْ أدرَكَ ركعةً من الصلاة؛ هل هي أوَّلُ صلاتِه أو آخِرُها؟ فاختلفَ العلماءُ في ذلك؛ فرُوِيَ عن مالكٍ أنَّ ما أدْرَكَ هو أوَّلُ صلاتِه، إلا أنَّه يَقضي ما فاتَه بـ"الحمد" وسورةٍ. ولم يختَلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِه أنَّ المأمومَ يَقضي ما فاتَه على حَسَبِ ما قَرأ إمامُه. وقال ابنُ القاسم: وما أدرَكَ فهو أوَّلُ صَلاتِه، ورواه عن مالكٍ. وقولُ الشافعيِّ في هذه المسألة كروايةِ ابنِ القاسم سواءً: ما أدرَكَ هو أوَّلُ صَلاتِه، وَيقْضي بـ"الحمد لله" وسورة. وهو قولُ الأوزاعيِّ، ومحمدِ بنِ الحسن. وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ، والطبريُّ، وجماعةٌ (٣). وروَى ابنُ عبدِ الحكم عن مالكٍ أنَّ ما أدرَكَ فهو آخِرُ صلاتِه. وبه قال أشهَبُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والثوريِّ، وأبي يوسُفَ، والحسن بن حيٍّ (٤). وكلُّ هؤلاء القائلينَ بالقولَيْن جميعًا يقولون: يَقضي ما فاتَه بـ"الحمد" وسُورَةٍ على حسَبِ ما قرَأ إمامُه.

стр. 2579

وقد رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب، وأبي الدَّرْداء، وسعيدِ بنِ المُسيِّب، والحسنِ البصريِّ، وعُمرَ بن عبدِ العزيز، ومكحولٍ، وعطاءٍ، والزُّهريّ، أنَّ ما أدرَكَ فهو أوَّلُ صلاتِه (١). ولم يُرْوَ عنهم في قضاءِ القراءةِ شيءٌ مَنصُوصٌ. ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، ومجاهدٍ، وابنِ سيرينَ، أنَّ ما أدرَكَ فهو آخِرُ صَلاتِه (٢). ومَن قال هذا القولَ فليسَ يَجيءُ على أصلِه إلّا القراءةُ كما قرَأ الإمامُ لا غيرُ. وقال المُزنيُّ صاحبُ الشافعيِّ، وداودُ بنُ عليٍّ، وإسحاقُ بنُ راهُوْيَة، وطائفةٌ؛ منهم عبدُ العزيز بنُ أبي سَلَمةَ الماجِشُون: ما أدرَكَ فهو أوَّلُ صلاتِه، ويقرَأُ في الرَّكعتَيْن اللَّتَيْن يقضيهما بـ"الحمد" وحدَها (٣). قال أبو عُمر: هذا الاختلافُ كلُّه إنَّما هو في القضاءِ للقراءة، ولا يختَلِفونَ أنَّ مَن فاتَه شيءٌ من صلاتِه، فهو بانٍ في رُكُوعِه وسُجُودِه، فقِفْ على هذا الأصل. والقياسُ على قولِ مَن قال: ما أدْرَكَ فهو أوَّلُ صَلاتِه، ما قالَه المُزَنيُّ، واللهُ أعلمُ. ولم يختَلِفُوا أنَّ مَن فاتَه بعضُ صَلاتِه، يتَشهَّدُ في آخرها، ويُحرِمُ إذا دخَلَ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ ما أدْرَكَ فهو أوَّلُ صَلاتِه، ويَقضي آخِرَها، وبالله التوفيقُ. وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "وما فاتَكم فاقضُوا" (٤). ويحتَجُّ بهذا كلُّ مَن قال: ما أدرَك فهو آخِرُ صلاتِه. وسنذكُرُ الرِّوايات في ذلك على وجهِها إن شاء الله، في بابِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، من كتابِنا هذا (٥)، وبالله توفيقُنا وعَوْنُنا.

стр. 2580

حديثٌ ثانٍ لابن شهاب، عن أبي سَلَمة مُتصلٌ صحيحٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن، أنَّ أبا هريرةَ كان يُصلِّي لهم فيكبِّرُ كلَّما خفَض ورفَع، فلمَّا انصرَف قال: والله إنِّي لأشبَهُكُم صلاةً برسولِ الله ﷺ . لم يختلِفْ عن مالكٍ رواةُ "الموطّأ" في هذا الحديث (٢). ورواه محمدُ بنُ مصعبٍ القَرْقَسانيُّ (٣)، عن مالكٍ بإسنادِه هذا، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، قال: صلَّى لنا أبو هريرةَ، فكان يرفَعُ يدَيْه في كلِّ خفضٍ ورفع، ثم قال: إنِّي لأعلَمُكم بصلاةِ رسولِ الله ﷺ . هكذا قال: كان يُصلِّي ويرفعُ يدَيْه في كلِّ خفضٍ ورفعٍ حتى يفرُغ من صلاتِه؛ ذكَره الدَّارقطنيُّ عن القاضي أبي عمرَ محمدِ بنِ يوسفَ بن يعقوبَ، عن أحمدَ بن مُلاعبٍ، عن محمدِ بن مُصعبِ. قال الدَّارقطنيُّ: قال لنا القاضي أبو عمرَ: هكذا قال محمدُ بنُ مُصعبٍ، وإنَّما هو: كان يُكبِّرُ في كلِّ خفضٍ ورفع. وقال فيه إبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن مالكٍ وعبّادِ بنِ إسحاقَ ويحيى بن سعيدٍ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، أنَّ أبا هريرةَ كان يُصلِّي لهم فيكبِّرُ في كلِّ خفضٍ ورفع، وقيامٍ وقعودٍ (٤)، وليس في "الموطّأ" عند رواتِه: وقيامٍ وقعود.

стр. 2581

وفي هذا الحديثِ من الفقه: أنَّ حكمَ الصلاةِ أنْ يُكبَّرَ في كلِّ خفضٍ ورفعٍ منها، وأنَّ ذلك سنَّتُها، وهذا قولٌ مجملٌ؛ لأنَّ رفعَ الرأس من الرُّكوع ليس فيه تكبيرٌ، إنَّما هو التحميدُ بإجماع، فتفسيرُ ذلك أنَّه كان يُكبِّرُ كلَّما خفَض ورفَع إلّا في رفعِه رأسَه من الرُّكوع؛ لأنَّه لا خِلافَ في ذلك (١). وفيه: أنَّ الناسَ لم يكونوا كلُّهم يفعَلون ذلك، ولذلك قال: أنا أشبَهُكُم صلاةً برسولِ الله ﷺ . ومما يدلُّكَ على ذلك ما ذكَره ابنُ أبي ذئبٍ في "مُوطَّئِه"، عن سعيدِ بنِ سمعانَ، عن أبي هريرةَ، أنَّه قال: ثلاثٌ كان رسولُ الله ﷺ يفعلُهُنَّ تركَهُنَّ الناسُ، كان إذا قام إلى الصلاةِ رفَع يدَيْه مدًّا، وكان يقِفُ قبلَ القراءةِ هُنيّةً يسألُ اللهَ من فضلِه، وكان يُكبِّرُ كلَّما خفَض ورفَع (٢). وقد أوضَحْنا هذا المعنَى في باب ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ حُسينٍ (٣)، والحمدُ لله. وقد قال قومٌ من أهل العلم: إنّ التكبيرَ إنَّما هو إذنٌ بحركاتِ الإمام، وشعارٌ للصلاة، وليس بسنَّةٍ إلّا في الجماعة، وأمّا مَن صلَّى وحدَه فلا بأسَ عليه أن لا يُكبِّرَ. ولهذا لما ذكَر مالكٌ (٤) هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ حسينٍ

стр. 2582

قال: كان رسولُ الله ﷺ يُكبِّرُ في الصلاةِ كلَّما خفَض ورفَع، فلم تَزَلْ تلك صلاتَه حتى لَقِيَ اللهَ. وحديثَ ابنِ عمرَ (١) وجابرٍ (٢)، أنَّهما كانا يُكبِّران كلَّما خفَضَا ورفَعَا في الصلاة، وكان جابرٌ يُعلِّمُهم ذلك. فذكَر مالكٌ الأحاديثَ كلَّها ليبيِّنَ لك أنَّ التكبيرَ من سُننِ الصلاة. وقال ابنُ القاسم فيمن نَسِيَ ثلاثَ تكبيراتٍ فصاعدًا من صلاتِه وحدَه: إنَّه يَسجُدُ قبلَ السلام، فإنْ لم يفعلْ أعادَ الصلاةَ، وإنْ نسِي واحدةً أو اثنتين، سجَد أيضًا قبلَ السلام، فإنْ لم يفعلْ فلا شيءَ عليه (٣). وقد رُوِيَ عنه أن التكبيرةَ الواحدةَ ليس على مَن نَسِيَها سُجودُ سهوٍ ولا شيءٌ. وخالفَه أصبغُ وعبدُ الله بنُ عبدِ الحكم في رأيِه، فقالا: لا إعادةَ على مَن نَسِيَ التكبيرَ كلَّه في صلاةٍ إذا كان قد كبَّر لإحرامِه، وإنَّما عليه سجدتا السهو، وإنْ لم يسجُدْهما فلا حرجَ. وعلى هذا القولِ فُقهاءُ الأمصارِ وأئمّةُ الفتوى (٤)، وهو الذي ذهَب إليه أبو بكرٍ الأبْهَريُّ، قال الأبْهَريُّ ﵀: على مذهبِ مالكٍ الفرائضُ في الصلاةِ خمسَ عشْرةَ فريضةً؛ أولُها النِّيّةُ، ثم الطهارةُ، وسترُ العورة، والقيامُ إلى الصلاة، ومعرفةُ دُخولِ الوقت، والتَّوجُّهُ إلى القبلة، وتكبيرةُ الإحرام، وقراءةُ "أُمِّ القرآن"، والرُّكوعُ، ورفعُ الرأسِ منه، والسجودُ، ورفعُ الرأسِ منه، والقعودُ الآخِرُ، والسلامُ، وقطعُ الكلام (٥).

стр. 2583

قال أبو عُمر: فذكَر الأبهريُّ في فرائضِ الصلاةِ تكبيرةَ الإحرام وحدَها دونَ سائرِ التكبير، وقال الأجهريُّ: والسُّننُ في الصلاةِ خمسَ عشْرةَ سنّةً؛ أوَّلُها الأذانُ، والإقامةُ، ورفعُ اليدَين، والسورةُ مع "أُمِّ القرآن"، والتَّكبيرُ كلُّه سوى تكبير الإحرام، وسمِع اللهُ لمن حمِده، والاستواءُ من الرُّكوع، والاستواءُ من السُّجودِ، والتَّسبيحُ في الرُّكوعِ، والتَّسبيحُ في السُّجودِ، والتَّشهُّدُ، والجهرُ في صلاةِ اللَّيل، والسِّرُّ في صلاةِ النهار، وأخذُ الرِّداء، وردُّ السلام على الإمامِ إذا سلَّم من الصلاة (١). فذكَر في سُننِ الصلاةِ التكبيرَ كلَّه سوَى تكبير الإحرام، وهذا هو الصوابُ، وعليه جمهورُ فُقهاءِ الأمصار. قال أبو عُمر: إنَّما اختلَفتِ الأئمَّةُ في تكبيرةِ الإحرام، وأمّا فيما سواها من التكبير، فلا أعلمُ فيه خلافًا غيرَ ما ذكرْتُ، وسنذكُرُ اختلافَ العلماءِ في تكبيرةِ الإحرام وغيرِها من معاني هذا الباب بأتمَّ من هذا المعنى في باب ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بن حُسينٍ، من كتابنا هذا (٢) إن شاء اللهُ. وقد رُوِيَ عن عمرَ بن الخطاب (٣)، وعمرَ بن عبد العزيز، وقتادةَ، وغيرِ هم (٤)، أنَّهم كانوا لا يُتِمُّونَ التكبير. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: حدَّثني أبو سلمةَ،

стр. 2584

قال: رأيتُ أبا هريرةَ يُكبِّرُ هذا التكبيرَ الذي ترَك الناسُ، فقلتُ: يا أبا هريرةَ، ما هذا التكبيرُ؟ فقال: إنَّها لصلاةُ رسولِ الله ﷺ (١). وهذا يدلُّك على أنَّ التكبيرَ في كلِّ خفضٍ ورفعٍ كان الناسُ قد ترَكُوه على ما قدَّمنا إلى عهدِ أبي سلمةَ، وفي تركِ الناس له من غيرِ نكيرٍ من واحدٍ منهم ما يدلُّ على أنَّ الأمرَ عندَهم محمولٌ على الإباحة، وأنَّ تركَ التكبيرِ لا تَفسُدُ به الصلاةُ في غيرِ الإحرام. وروَى ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني عياضُ بنُ عبدِ الله الفِهْرِيُّ، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ كان يقولُ: لكلِّ شيءٍ زينةٌ، وزينةُ الصلاةِ التكبيرُ ورفعُ الأيدي فيها (٢). وهذا أيضًا يدلُّ على أنَّ التكبيرَ ليس من صُلبِ الصلاةِ عندَ ابن عمرَ؛ لأنّه شبَّهَه برفعِ اليدين، وقال: هو من زينةِ الصلاة. وكان عبدُ الله بنُ عمرَ يُكبِّرُ في كُلِّ خفضٍ ورفع. وهذا يَدُلُّ على ما قلنا: إنَّه سُنّةٌ وفضلٌ، وزينةٌ للصلاة، لا ينبغي تركُه. وكذلك يقولُ جماعةُ فُقهاءِ الأمصار؛ أبو حنيفةَ فيمنِ اتَّبعَه، والشافعيُّ فيمن سلَك مذهبَه، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وداودُ، والطبريُّ، وسائرُ أهلِ الحديثِ وأهلِ الظاهر، كلُّهم يأمرونَ به ويفعَلونَه (٣)، فإنْ ترَكه تارك عندَهم بعدَ أنْ يُحرِمَ لم تَفسُدْ

стр. 2585

صلاتُه (١)؛ لأنّه ليس عندَهم من فرائضِ الصلاة. وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنَّه كان لا يُكبِّرُ إذا صلَّى وحدَه (٢). قال إسحاقُ بنُ منصورٍ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقولُ: يُروَى عن ابنِ عمرَ أنَّه كان لا يُكبِّرُ إذا صلَّى وحدَه. قال أحمدُ: وأحَبُّ إليَّ أنْ يُكبِّرَ إذا صلَّى وحدَه في الفرائض، وأمّا في التَّطوُّع فلا. قال أبو عُمر: لا يحكي أحمدُ عن ابنِ عمرَ إلّا ما صحَّ عندَه (٣)، وأمّا روايتُه عن مالكٍ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يُكبِّرُ في الصلاةِ كلَّما خفَض ورفَع (٤). فيدلُّ ظاهرُها على أنَّه كذلك كان يفعلُ، إمامًا أو غيرَ إمام، واللهُ أعلمُ. وقال إسحاقُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: ما الذي نقَصوا من التكبير؟ قال: إذا انحطَّ إلى السجودِ من الرُّكوع، وإذا أرادَ أنْ يَسجُدَ السجدةَ الثانيةَ من كُلِّ ركعةٍ.

стр. 2586

حدَّثنِيه أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ سَلَمَةَ، قال: حدثنا ابنُ الجارُود، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ (١). فذكَره. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا بُندارٌ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢)، عن شُعبةَ، عن الحسنِ بنِ عمرانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ عبدِ الرحمن بنِ أبزَى يُحدِّثُ، عن أبيه، أنَّه صلَّى خلفَ النبيِّ ﷺ فلم يكنْ يُتِمُّ التكبيرَ؛ كان لا يُكبِّرُ إذا خفَض (٣).

стр. 2587

حدَّثني خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز - يعني ابن المختار - عن عبدِ الله الدَّاناج، قال حدَّثني عكرمةُ، قال: صلَّيْتُ مع أبي هريرةَ، قال: فكانَ يُكبِّرُ إذا رفَع، وإذا وضَع، فأخبرْتُ ابنَ عباسٍ فقال: لا أُمَّ لك، أوَ ليسَتْ تلك سُنَّةَ أبي القاسم ﷺ (١)؟ والأحاديثُ في هذا المعنَى كثيرةٌ، وسنذكُرُ بعضَها في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ الحسين، من كتابِنا هذا إن شاء اللهُ، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ شافيةٌ لمن ساعدَه الفَهْمُ والتوفيقُ. ومما يدلُّ على أنَّ التكبيرَ في الصلاةِ ليس منه شيءٌ واجبًا إلَّا التكبيرةَ الأولى حديثُ أبي هريرةَ، ورفاعةَ بنِ رافع، جميعًا عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه رأى رجلًا

стр. 2588

قد دخَل المسجدَ فصلَّى، ثم جاءَ فسلَّم، فقال له رسولُ الله ﷺ : "ارجعْ فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ"، فرجَع فصلَّى، ثم جاء، فقال له رسولُ الله ﷺ : "ارجعْ فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ"، فعَل ذلك مرَّتين أو ثلاثًا، فلمّا كان في الثانيةِ أو الثالثةِ قال له: يا رسولَ الله، قد أجهَدْتُ نفسِي فعلِّمني، فقال له رسولُ الله ﷺ : "إذا قُمْتَ إلى الصلاةِ فتوضَّأْ، وأسبغِ الوُضوءَ، ثم استَقْبِلِ القبلةَ، ثم كبِّرْ، ثم اقرأْ، ثم اركَعْ حتى تَطمَئِنَّ راكعًا، ثم ارفَعْ حتى تطمئنَّ رافعًا، ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفَعْ حتى تَطمئنَّ جالسًا، ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم افعلْ ذلك في صلاتِك كلِّها حتى تُتِمَّها". حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١): أخبرنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: أنبأنا يحيَى، قال: أخبَرني عُبيدُ الله بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المقبُريُّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ (٢). وأخبَرناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثني يحيى، عن ابنِ عَجْلانَ، قال: حدَّثني عليُّ بنُ يحيى بن خلّادَ بنِ رافع الزُّرَقيُّ، عن أبيه، عن رفاعةَ بن رافع (٣). دخَل حديث بعضِهم في بعضٍ والمعنَى واحدٌ.

стр. 2589

ففي هذا الحديثِ: القصدُ إلى فرائضِ الصلاةِ الواجبةِ فيها، وقد جاءَ فيه التكبيرةُ الأولى للإحرام دونَ غيرِها من التكبير، ففيما ذكرْنا من الآثارِ في هذا البابِ ما يدلُّ أنَّ التكبيرَ كلَّه ما عدا تكبيرةَ الإحرام سُنَّةٌ حسنةٌ، وليسَ بواجبٍ. واللهُ أعلمُ.

стр. 2590

فإن قيل: إن التسليمَ لم يُذكَرْ في هذا الحديث، وأنتم تُوجِبُونَه لقيامِه من غير هذا الحديث، فغيرُ نكيرٍ أن يقومَ وُجوبُ جُملةِ التكبيرِ من غيرِ حديثِ هذا البابِ وإن لم يكنْ في حديثِ رفاعةَ هذا وما كان مثلَه، قيل له: إنَّ التسليمَ قد قامَ دليلُه، وثبَت النصُّ فيه بقوله ﷺ : "تحليلُها التسليمُ" (١)، وبأنَّه كان ﷺ يُسلِّمُ من صلاتِه طُولَ حياتِه (٢)، فثبَت التسليمُ قولًا وعملًا، وأمّا التكبيرُ فيما عدا الإحرامَ فقد كان ترَكَه الصدرُ الأوَّلُ، فلذلك قال لهم أبو هريرةَ: أنا أشبَهُكم صلاةً برسولِ الله ﷺ . ولم يَعِبْ بعضُهم على بعض ترْكَه، بل جعَلُوه من بابِ الكمالِ والتَّمام؛ فلذلك قلنا: إنَّ التكبيرَ فيما عدا الإحرامَ سُنَّةٌ، يَحسُنُ العملُ بها، وليسَ بواجبٍ. وعلى هذا جُمهورُ الفقهاء. فإن قيلَ: إنَّ الجِلسَةَ الوسطَى سُنَّةٌ، ومَن ترَكها بطَلَتْ صلاتُه (٣)، فكذلك مَن ترَك جُملةَ التكبيرِ المَسنونِ. قيل لقائلِ ذلك: وضَعْتَ التمثيلَ في غيرِ موضعِه،

стр. 2591

لأنَّ مَن ترَك الجِلسةَ الوسطَى عامدًا بطَلَتْ صلاتُه، وأنتَ ترَى السَّلفَ والعملَ الأوَّلَ والأمرَ القديمَ قد تُركَ فيه التكبيرُ ولم يَعِبْ بعضُهم على بعضٍ، ولم يُجِزْ واحدٌ منهم ترْكَ الجِلسةِ الوسطى عامدًا ولا ترَكَها، وحسبُكَ بهذا فَرْقًا تُخَصُّ به الجِلسةُ الوسطَى من بينِ سائرِ السُّننِ وسائرِ أعمالِ البدنِ في الصلاةِ. والتكبيرُ فيما عدا تكبيرَ الإحرام المخصوصَ بالوجوبِ، أشبَهُ بالتسبيح في الرُّكوع والسجودِ، وسورةٍ مع "أمِّ القرآن"، ورفعِ اليدين، منه بالجلسةِ الوسطى، واللهُ المستعانُ. ولو كان التكبيرُ من فُروضِ الصلاةِ التي تُعادُ منه إذا سَهَا عنه، لكانت كلُّ تكبيرةٍ في ذلك سواءً في وُجوبِها، ولمَا افترَق حُكمُ الواحدةِ والاثنتينِ والثلاثِ والأكثرِ في ذلك، ألا ترَى أنَّ السجدةَ في كلِّ ركعةٍ لا تنوبُ عن غيرِها، وأنَّها فرضٌ في نفسِها، فلو كانَتِ التكبيراتُ واجباتٍ كانَتْ كذلك، ولا حُجَّةَ لمنْ فرَّقَ بينَ ذلك، وبالله التوفيقُ. وقد ذكَرنا اختلافَ العلماءِ في تكبيرةِ الإحرام، وفي مَعانٍ من تكبيرِ الإمامِ والمأمومِ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ حُسينٍ، من هذا الكتاب (١)، والحمدُ لله.

стр. 2592

حديثٌ ثالثٌ لابن شهاب، عن أبي سَلَمة متّصلٌ صحيحٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّ أحدَكم إذا قام يصلِّي جاء الشيطانُ فلبَس عليه حتى لا يَدْري كم صلَّى، فإذا وجَد ذلك أحدُكم فليسجدْ سجدتين وهو جالسٌ". في هذا الحديث مِن الفقهِ: أنَّ الشيطانَ يوسوسُ للإنسانِ، وأنَّ الصلاةَ لا تَحُولُ بينَه وبينَه، وأنَّه ساعٍ على المرءِ فيما يفسِدُ عليه دِينَه جاهدًا، واللهُ يَعصمُ منه من يَشاءُ من عبادِه. وقولُه: "فلبَس عليه"، يعني: خَلَطَ عليه، وهو على: "فَعَلَ" مُخَفَّفٌ، والمستقبلُ: يَلبِسُ، مثلُ: ضرَب يَضرِبُ، وأمّا إذا كان من اللِّباسِ فالماضي منه: لَبِسَ، مثلُ: سَمِعَ، والمُستقبلُ منه: يَلبَسُ، مثلُ: يسمَعُ (٢). وقد اختلَف الفقهاءُ في معنى هذا الحديث؛ فقال قومٌ منهم: معناه: أنْ يبنيَ على يقينِه، وعلى أكثرِ ظنِّه، ثم يسجُدَ (٣). قالوا: وهو حديثٌ ناقصٌ يفسِّرُه حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ (٤)، وحديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ (٥) وحديثُ

стр. 2593

ابنِ عباسٍ (١)، وغيرِهم، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا شَكَّ أحدُكم في صلاتِه فلم يَدرِ أثلاثًا أم أربعًا؟ فلْيصلِّ ركعةً، ويسجُدْ سجدتين وهو جالسٌ قبلَ التسليم". قالوا: والأحاديثُ كلُّها في السَّهوِ على خلافِ هذا، إنَّما هي أن يعتمدَ الإنسانُ على أكثرِ ظنِّه كما روَى ابنُ مسعودٍ (٢) أو يبنيَ على يقينِه كما روَى أبو سعيدٍ

стр. 2594

وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ. قالوا: وأمّا حديثُ أبي هريرةَ، فحديثٌ مُجمَلٌ مُضمَرٌ قد ظهرَ في غيرِه من الأحاديثِ. قالوا: فلا يُجزئُ أحدًا أبدًا إذا شكَّ في صلاتِه أن يَخرُجَ منها إلّا حتى يستيقِنَ تمامَها، وسواءٌ اعتَراه هذا مرّةً أو ألفَ مرّةٍ. وقال آخرون: معنى حديثِ أبي هريرةَ: هذا في الذي يستنكِحُه السَّهو (١)، ويَكثُرُ عليه، والأغلبُ في ظنِّه أنَّه قد أتمَّ، لكنَّ الشيطانَ يوسوسُ إليه في ذلك كما يوسوسُ إلى قومٍ في كمالِ طهارتِهم. قالوا: فمَن كانت هذه حالَه أبدًا أجزأَه أن يسجدَ للسهو سجدتين دونَ أن يأتيَ بركعةٍ، واحتجَّ بعضُهم على تأويلِه هذا بما ذكَره أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبانُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن هلالِ بنِ عياضٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: "إذا صلَّى أحدُكم فلم يَدْرِ أزاد أم نقَص، فلْيسجدْ سجدتين وهو قاعدٌ، فإذا أتاه الشيطانُ فقال له: أحْدثتَ، فليقُلْ: كذبتَ، إلّا أن يجدَ ريحًا بأنفِه، أو صوتًا بأذنِه" (٣).

стр. 2595

وروَى هذا الحديثَ عن يحيى بن أبي كثيرٍ جماعةٌ؛ منهم: الأوزاعيُّ، وهشامٌ الدَّستُوائيُّ، وعليُّ بنُ المبارك، كلُّهم بمعنًى واحدٍ. قالوا: فهذا أبو سعيدٍ قد رَوَى في هذا الحديثِ كما روَى أبو هريرةَ، وحصَل في ذلك عندَ أبي سعيدٍ حديثان، ومُحالٌ أن يكونَ معناهما واحدًا، بل لكُلِّ واحدٍ منهما موضعٌ، وهو مثلُ ما ذكَرنا مِن أنَّ هذا في الذي يعتريه الشَّكُّ دائمًا لا ينفكُّ عنه قد استَنْكَحه، ومع ذلك فإنَّه قد أتمَّ في أغلب ظنِّه عندَ نفسِه، والحديثُ الآخرُ على مَن لم يَدرِ أزاد أم نقَص، فيَلزمُه ألّا يخرجَ من صلاتِه إلّا بيقينٍ من تمامِه، وهكذا فسَّر اللَّيثُ بنُ سعدٍ حديثَ أبي هريرةَ، وحكَى ذلك عنه ابنُ وَهْبٍ، وهو قولُ ابن وَهْبٍ أيضًا (١)، وقولُ مالكٍ فيما ذكَره عيسى بنُ دينارٍ في كتابِ الصلاةِ عن ابن القاسم، عن مالكٍ، قال: فإذا كثُر السَّهوُ على الرَّجل، ولزِمه ذلك، ولا يدرِي أسَهَا أم لا، سجَد سجدتي السَّهو بعدَ السَّلام (٢). ثم قيل لابن القاسم: أرأيتَ رجلًا سها في صلاتِه ثم نَسِي سَهْوَه فلا يَدْرِي أقبْلَ السَّلام أم بعدَه؟ قال: يسجدُ قبلَ السَّلام أو بعدَه. وقال أبو مُصعبٍ: من استنكحه السَّهوُ فلْيَلْهَ عنه ولْيدَعْه، ولو سجَد بعدَ السلام كان حسنًا (٣). واختلَف القائلون في تأويلِ هذا الحديث القولَ الآخَرَ في سجودِ هذا المُستنكَح الذي هو في أكثرِ ظنِّه قد أتمَّ صلاتَه، متى يكونُ سجودُه؟ فقال منهم قومٌ: يكونُ سجودُه قبلَ السَّلام، وهو مذهبُ الشَّافعيِّ (٤)، ولا حرجَ فيه

стр. 2596

عندَ مالكٍ وأصحابِه إنْ فعَله قبلَ السلام، والذي يستحبُّونه: بعدَ السلام في ذلك (١). واحتجَّ قائلو هذا القولِ بأنَّ ذلك منصوصٌ في حديث أبي هريرةَ هذا، كذا رواه محمدُ بنُ إسحاقَ (٢) ومحمدُ بنُ عبدِ الله بن مسلم ابنُ أخي الزُّهريِّ (٣)، جميعًا عن الزُّهريِّ بهذا الإسناد، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قالا فيه: "فلْيسجُدْ سجدتين وهو جالسٌ". وهو قولٌ مُجملٌ مُحتمِلٌ للتَّأويل، لكنَّه قد يتبيَّن في روايةِ ابن أخي الزُّهريِّ وابنِ إسحاقَ، عن ابن شهابٍ. قالوا: هذا على أنَّ الأغلبَ في ظاهرِ حديثِ مالكٍ أنَّهما قبلَ السَّلام. وقال أبو داودَ: رواه ابنُ عيينة (٤)، ومعمرٌ (٥)، اللَّيثُ (٦) كما رواه مالكٌ؛ لم يقولوا: قبل التَّسليم. قال أبو عُمر: وقال آخرون في هذا الموضع: بل يسجدُهما بعدَ السَّلام، وممَّن قال ذلك مالكٌ ﵀، وحُجَّةُ مَن قال ذلك أنَّ عبدَ الله بن جعفرٍ

стр. 2597

روَى عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من شَكَّ في صلاتِه فليسجدْ سجدتين بعدَما يُسلِّمُ". رواه ابنُ جُريج، عن عبدِ الله بن مُسافع، عن مصعبِ بن شيبةَ، عن عتبةَ بن محمدِ بنِ الحارثِ، عن عبدِ الله بنِ جعفرٍ (١). قالوا: فهذا الحديثُ أولى؛ لأنَّه مُفسِّرٌ. قالوا: وحديثُ أبي هريرةَ ليس بحجةٍ على الذين لم يذكروه. وكلُّ ما ذَكَرْنا قد قالته العلماءُ على ما وصَفْنا، والقولُ في حديثِ عبدِ الله بن جعفرٍ هذا كالقولِ في حديثِ أبي هريرةَ هذا سواءً، وبالله توفيقُنا. وإسنادُ أبي هريرةَ أثبتُ عندَ أهل النَّقل، وهو أولَى ما قيلَ في هذا الباب، والأمرُ فيه متقاربٌ، والله الموفِّقُ للصَّواب.

стр. 2598

حديثٌ رابعٌ لابن شهاب، عن أبي سَلَمة متّصلٌ في روايةِ يحيى مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيام رمضانَ من غير أن يأمُرَ بعزيمةٍ (٢)، فيقول: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه". قال ابنُ شهالب: فتُوفِّي رسولُ الله ﷺ والأمرُ على ذلك، ثم كان الأمرُ على ذلك في خلافةِ أبي بكرٍ، وصدرًا من خلافةِ عمرَ بن الخطاب. اختلَفَ الرواةُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث؛ فأمّا يحيى فرواه هكذا بهذا الإسنادِ ومُتَّصلًا، وتابَعَه ابنُ بُكَيْرٍ (٣)، وسعيدُ بنُ عُفَيرٍ، وعبدُ الرَّزّاق (٤)، وابنُ القاسم، في روايةِ الحارثِ بنِ مسكينٍ عنه (٥)، على هذا الإسناد، وعلى اتِّصالِه عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ. ذكرَه النسائيُّ (٦)، عن عمرِو بن عليٍّ، عن عُثمانَ بنِ عُمرَ. وذكرَه الدَّارقُطنيُّ، قال (٧): حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمدِ ابنِ

стр. 2599

الواثقِ بالله، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الكَرْخي، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مَعْنٌ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ من غيرِ أنْ يأمُرَ بعزيمةٍ. فذكَرَه مثلَ رواية يحيى سواءً إلى آخرِ قولِ ابنِ شهاب. وأخبرنا عليُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيقٍ، قال: حدَّثنا ابنُ طاهرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن الوليدِ بنِ سَوّارٍ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ القاسم، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ من غيرِ أنْ يأمُرَ بعزيمةٍ، فيقولُ: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه" (١). لم يذكُرْ قولَ ابنِ شهابٍ. ورواه القَعْنَبيُّ (٢)، وأبو مُصعَبٍ (٣)، ومُطَرِّفٌ (٤)، وابنُ رافعٍ، وابنُ وَهْبٍ (٥)، وأكثرُ رواةِ "الموطّأ" (٦)، ووكيعُ بنُ الجرّاح (٧)، وجُوَيْرِيةُ بنُ أسماءَ (٨)، كلُّهم عن

стр. 2600

مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا. لم يذكُروا أبا هريرةَ، وساقُوا الحديثَ بلفظِ حديثِ يحيى هذا سواءً. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي المصعب في "الموطّأ" مُسنَدًا (١)، كروايةِ يحيى وابن بكيرٍ سواءً، وهو أصحُّ عن أبي المصعب، واللهُ أعلمُ. وعندَ القعنبيِّ (٢)، ومطرِّفٍ، والشافعيِّ (٣)، وابنِ نافعٍ، وابنِ بكيرٍ، وأبي مصعبِ، عن مالكٍ حديثُه، عن ابنِ شهابِ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أَبي هريرةَ مسندًا، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبه". هكذا رَوَوْا هذا الحديث الآخرَ في "الموطأ" بهذا اللفظِ متّصلًا مُسنَدًا، ليس فيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ من غيرِ أنْ يأمُرَ بعزيمةٍ، كما في حديثِ أبي سلمةَ، وليس عندَ يحيى في "الموطّأ" حديثُ حُمَيْدٍ هذا أصلًا. وعندَ الشافعيِّ، عن مالكٍ حديثُ حُميدٍ: "مَنْ قامَ رمضانَ". وليس عندَه حديثُ أبي سلمةَ. وروى إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسٍ (٤)، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قِيامِ رمضانَ من غيرِ أنْ يأمرَ بعزيمةٍ، فيقول: "مَن قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه". قال ابنُ شهابٍ: فتُوفِّي رسولُ الله ﷺ والأمرُ على ذلك. إلى آخرِ كلامِ ابنِ شهاب.

стр. 2601

هكذا ذكره إسماعيل بنُ أبي أوَيسٍ، عن مالكٍ بهذا الإسنادِ الذي في "الموطّأ" في هذا المتن. وقولُه: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ، إنَّما هو حديثُ أبي سلمةَ عندَ جميع الرواة لـ "الموطّأ"؛ مَن أرْسَلَه منهم ومَن وصَلَه، وفي آخِرِه ساقَ جَميعُهم كلامَ ابنِ شهابٍ: فتُوفِّي رسولُ الله ﷺ ، إلى آخرِ كلامِه. وأمّا حديثُ حميدٍ، عن أبي هريرةَ، فإنَّما فيه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه". ليس فيه أنَّ رسولَ الله ﷺ رَغَّبَ في قيامِ رمضانَ، ولا في آخِرِه كلامُ ابنِ شهابِ عندَ واحدٍ منهم، إلّا ما ذكَرْنا عن إسماعيلَ بن أبي أُوَيْسٍ، وهو عندي تَخليطٌ وغلطٌ منه؛ لأنَّه أدخَلَ إسنادَ حديثٍ في مَتْنِ آخَرَ، ولم يُتابَعْ على ذلك (١). ذكَرَه إسماعيلُ عنه. وقد حدَّثناه خَلَفُ بنُ القاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيقٍ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أويسٍ قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ. ثم ذكرَ مثلَ حديثِ أبي سلمةَ سواءً (٢). وذكرَه الدارقطنيُّ (٣)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدٍ المِصْريُّ، قال: حدَّثنا

стр. 2602

عبيدُ الله بنُ محمدٍ العُمَرِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن حميدٍ، عن أبي هريرةَ مثلَه. تفرَّد ابنُ أبي أُوَيسٍ بهذا اللفظ في هذا الإسناد. ورَوَى جُوَيْرِيَةُ بنُ أسماءَ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ وحُميدٍ ابنَيْ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (١). فجَمَعَ جُوَيْرِيَةُ الإسنادَيْن، واقتصرَ على المعنى، وأسنَدَ الحديثين، وهذا ممَّا يُقَوِّي روايةَ يحيى وابنِ بُكَيْرٍ في تَوصيلِهما حديثَ أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ. أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخَضِرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ (٢)، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، عن عثمانَ بنِ عمرَ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (٣). وذكَر النسائيُّ (٤) أيضًا حديثَ جُوَيْرِيَةَ، عن أبي بكرٍ، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ أسماءَ، عن جُوَيْرِيَةَ. وذكَر الدارقطنيُّ حديثَ أبي سلمةَ: كان يُرغِّبُ في قيامِ رمضانَ. مُرْسلًا،

стр. 2603

وحديثَ: "مَنْ قامَ رمضانَ"، عن أبي سلمةَ، وحديثَ حُمَيْدٍ، جميعًا عن أبي هريرةَ مسندًا. قال: حدَّثناه عثمانُ بنُ أحمدَ، وأبو سهلٍ بنُ زيادٍ، وأبو بكرٍ الشافعيُّ، قالوا: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ. قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ الشافعيُّ، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ المثنَّى، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسماءَ، قال: حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ مِن غيرِ أن يأمُرَ بعزيمةٍ. قال الزُّهريُّ: وأخبرَني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، وحميدُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه". قال ابنُ شهابٍ: فتُوفِّي رسولُ الله ﷺ والأمرُ على ذلك، ثم كان الأمرُ في خلافةِ أبي بكرٍ الصدِّيقِ، وصدرًا من خلافةِ عمرَ على ذلك (١). فروايةُ جُوَيْرِيَةَ هذه مُهذَّبةٌ مُجوَّدَةٌ، واللهُ أعلم. ورواه عَبّادُ بنُ صُهَيْبٍ، عن مالكٍ بنحوِ روايةِ جُوَيْرِيَةَ عن مالكٍ؛ فيه أبو سلمةَ وحميدٌ. وعن ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ في هذا الحديث أربعُ رواياتٍ؛ إحداها: عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سَلمةَ مرسلًا (٢). والثانيةُ: عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ (٣).

стр. 2604

والثالثةُ: عن أبي سلمةَ وحميدٍ، كروايةِ جُوَيْرِيَةَ (١). ورواه في "موطئه" عن مالكٍ (٢)، ويونسَ، وابن سمعانَ، عن ابنِ شهابٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرغِّبُ في قيامِ رمضانَ. فذكر الحديثَ بمثلِ روايةِ يحيى، وساقَ كلامَ الزُّهريِّ في آخرِه، ولم يذكُرْ أبا سلمةَ ولا حُميْدًا (٣). ورواه الربيعُ بنُ سليمانَ وأحمدُ بنُ صالح، عن ابنِ وَهْبٍ مثلَ روايةِ جُوَيْرِيَةَ سواءً، وأحمدُ بنُ صالح أثبتُ الناسِ في ابنِ وَهْبٍ وغيرِه. أخبرَنا خلفُ بنُ القاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيقٍ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدِ بنِ العباسِ البصريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح البصريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمةَ وحُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (٤). ورواه إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَه سواءً (٥). لم يذكُرْ حُميدًا، فهذا ما بَلَغَه علمي من اختلافِ رواةِ "الموطّأ" في هذا الحديث،

стр. 2605

وكلُّهم قد أجمَعَ على أنَّ لفظَ الحديث: "مَنْ قامَ رمضانَ" بالإسنادَيْن جميعًا، وكذلك أدخَله مالكٌ في بابِ قيامٍ رمضانَ، ويُصحِّحُ ذلك قولُه في حديثِ أبي سلمةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ. وأمّا أصحابُ ابن شهابٍ فإنَّهم اختلفُوا في اللفظ؛ فأمّا ابنُ عُيينةَ، فذكَرَ أبو داودَ في "السُّنَن"، قال (١): حدَّثنا مخلَدُ بنُ خالدٍ وابنُ أبي خَلَفٍ المَعْنَى، قالا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ - يبلُغُ به النبيَّ ﷺ - قال: "مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه، ومَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (٢). قال أبو داودَ: وكذا رواه يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ: "مَنْ صامَ رمضانَ" (٣). وكذلك رواه محمدُ بنُ عمرٍ و، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ: "مَنْ صامَ" (٤)، مثلَ روايةِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ شهابٍ سواءً. قال: وقال عُقَيْلٌ (٥)، عن ابنِ شهابٍ بهذا الإسناد، عن أبي سلمةَ عن أبي هريرةَ: "مَنْ صامَ رمضانَ وقامَهُ". وذكَرَ أبو داودَ (٦) حديثَ عبدِ الرَّزّاقِ، قال: أنبأنا معمرٌ ومالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُرَغِّبُ في قيامِ

стр. 2606

رمضانَ من غير أن يأمرَ بعزيمةٍ، ثم يقول: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه". فتوفِّي رسولُ الله ﷺ والأمرُ على ذلك، ثم كان الأمرُ على ذلك خلافةَ أبي بكرٍ، وصدرًا من خلافةِ عمرَ. قال أبو عُمر: روايةُ عبدِ الرَّزّاقِ هذه تُصَحِّحُ روايةَ يحيى، وتشهدُ لها في حديثِ أبي هريرةَ مُسندًا. قال أبو داودَ: وكذلك رواه عُقَيْلٌ، ويونسُ (١)، وأبو أُوَيسٍ (٢): "مَنْ قامَ رمضانَ". إلّا عُقيلًا قال: "مَنْ صامَ رمضانَ وقامَه". قال أبو عُمر: رواه أبو أُويسٍ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبَرني أبو سلمةَ وحميدٌ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ. بلفظِ يحيى (٣). قال أبو عُمر: عمِل على توصيلِ حديثِ أبي سلمةَ جماعةُ أصحابِ ابن شهاب، فممَّن وصَلَه معمرٌ، وسفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، ويونسُ بنُ يزيدَ، وعُقيلٌ، وأبو أُوَيْسٍ. وتبيَّنَ بذلك صحَّةُ ما رَواه يحيى وابنُ بُكَيرٍ، دونَ ما رَواه القَعْنَبِيُّ ومن تابَعَه من أصحابِ مالكٍ، وتَبيَّنَ لنا أنَّ القَعْنَبِيَّ ومَن تابَعَه لم يُقيموا الحديثَ ولم يُتْقِنوه؛ إذ أرسَلوه وهو مُتَّصِلٌ صحيحُ الاتِّصالِ، وممّا يزيدُ في ذلك صحةً أنَّ يحيى بنَ أبي كثيرٍ، ومحمدَ بنَ عمرٍو رَوَياه عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ. وهذا كلُّه

стр. 2607

يَشُدُّ ما رواه يحيى. ولعَمْرِي، لقد حصَّلْتُ نَقْلَه عن مالكٍ، وألْفَيْتُه من أحسنِ أصحابِه نَقْلًا، ومن أشدِّهم تَخلُّصًا في المواضع التي اختلَفَ فيها رواةُ "الموطّأ"، إلّا أنَّ له وَهْمًا وتصحيفًا في مواضِعَ فيها سَماجَةٌ. قال أبو عُمر: أمّا روايةُ محمدِ بنِ عمرٍو، فحدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صامَ رمضانَ وقامَه إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه، ومَنْ قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه" (١). وأمّا حديثُ يحيى بن أبي كثيرٍ، فحدَّثني محمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّارٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى، قال: حدَّثني أبو سلمةَ، قال:
следующие страницы →