← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2673–2712 · переход к 2678.

стр. 2673

حديث أوّل لابن شهاب، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن بن عَوْف مُسْنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ، أن رجلًا أفطَر في رمضانَ، فأمَرَه رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - أنْ يُكَفِّرَ بعِتقِ رقَبةٍ، أو صيامِ شهرينِ مُتتابعين، أو إطعام ستِّين مسكينًا. فقال: لا أجِدُ. فأُتِي رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - بعَرَقِ تَمْرٍ، قال: "خُذْ هذا فتَصَدَّقْ به". فقال: يا رسولَ الله، ما أجِدُ أحوجَ منِّي. فضَحِك رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - حتى بَدَتْ أنيابُه، ثم قال: "كُلْه". هكذا رُوِيَ هذا الحديثُ عن مالكٍ، لم يختلِفْ رواةُ "الموطّأ" عليه فيه (٢)، بلفظِ التَّخييرِ في العِتقِ والصومِ والإطعامِ، ولم يَذكُرِ الفطرَ بأيِّ شيءٍ كان، هل كان بجماعٍ أو بأكلٍ؟ بل أبهَم ذلك، وتابَعَه على روايتِه هذه ابنُ جُريج (٣)

стр. 2674

وأبو أُوَيْسٍ (١)، عن ابنِ شهابٍ. وكذلك رواه أبو بكر بنُ أبي أُوَيْس، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن يحيى بن سعيد، عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه مثلَه (٢). ورواه أشهبُ، عن مالكٍ والليث جميعًا (٣). والمعروفُ فيه عن الليثِ (٤) كرواية ابن عيينةَ (٥)، ومعمرٍ (٦)، وإبراهيمَ بن سعدٍ (٧)، ومَن تابَعَهم. وروَى هذا الحديثَ جماعةٌ من أصحابِ ابنِ شهاب (٨)، عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه هذا، فذكَروه عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - على ترتيبِ كفارَةِ الظِّهار: "هل تستطيعُ أن تُعتِقَ رقبةً؟ "، قال: لا، قال: "فهل تستطيعُ أن تصومَ شهرينِ متتابعَيْنِ؟ "، قال: لا. ثم ذكَروا الإطعامَ، إلى آخر الحديث. وكذلك رواه الوليدُ بنُ مسلم، عن مالكٍ، ذكَره صفوانُ بنُ صالح، عن الوليدِ بن مسلم، قال: قلت للأوزاعيِّ: رجلٌ واقَعَ امرأتَه في شهر رمضانَ نهارًا، ثم جاء تائبًا؟ قال: يؤمَرُ بالكفّارةِ؛ بما أخبَرني الزُّهريُّ، عن حميدِ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَر الذي واقَع امرأتَه في يوم من شهرِ رمضانَ

стр. 2675

بعتقِ رقبةٍ، قال: لا أجِدُ، قال: "فصُمْ شهرَينِ متتابعَيْن"، قال: لا أستطيعُ، قال: "أطعِمْ ستِّين مسكينًا"، قال: لا أجِدُ (١). قال الوليدُ: وأخبَرني مالكُ بنُ أنسٍ والليثُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - نحوَه. هكذا قال الوليدُ، وهو وَهَمٌ منه (٢) على مالكٍ. والصوابُ عن مالكٍ ما في "الموطّأ" أنّ رجلًا أفطَر، فخيَّرَه النبيُّ ﷺ أن يُعتِقَ، أو يصومَ، أو يُطعِمَ. فذَهَب مالكٌ ﵀ إلى أنّ المفطِرَ عامدًا في رمضانَ؛ بأكلٍ، أو بشربٍ، أو جماع، أنَّ عليه الكفارةَ المذكورةَ في هذا الحديث على ظاهرِه؛ لأنَّه ليس في روايته فِطْرٌ مخصوصٌ بشيءٍ دونَ شيء، فكُلُّ ما وقَع عليه اسمُ فِطرٍ مُتعَمَّدًا، فالكفارةُ لازمةٌ لفاعِلِه على ظاهرِ هذا الحديث. ورُوِي عن الشعبيِّ في المُفطِر عامِدًا في رمضانَ، أنَّ عليه عِتقَ رقبةٍ، أو إطعامَ ستِّين مسكينًا، أو صيامَ شهرينِ متتابعَيْن، معَ قضاءِ اليوم. وهذا مثلُ قولِ مالكٍ سواءً، إلّا أنَّ مالكًا يختارُ الإطعامَ؛ لأنَّه شِبْهُ البَدَلِ من الصِّيام، ألا تَرى إلى أن الحاملَ والمُرضِع، والشيخَ الكبيرَ، والمُفرِّطَ في قَضاءِ رمضان حتى يدخُلَ عليه رمضانٌ آخرُ، لا يُؤمَرُ واحدٌ منهم بعتقٍ ولا صيام مع القضاء، وإنَّما يُؤمَرُ بالإطعام، فالإطعامُ له مَدخل في الصيامِ ونظائِرُ من الأصول. فهذا ما اختارَه مالكٌ وأصحابُه. وقال ابنُ وَهْب، عن مالكٍ: الإطعامُ أحبُّ إليَّ في

стр. 2676

ذلك من العِتْقِ وغيرِه. وقال ابنُ القاسم عنه: إنَّه لا يَعرِفُ إلّا الإطعامَ، ولا يأخذُ بالعتقِ ولا بالصِّيام. وقد رُوِيَ عن عائشةَ قصّةُ الواقع على أهلِه في رمضانَ بهذا الخبر، ولم يُذكَرْ فيه إلّا الإطعامُ: وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (١): أخبرنا عيسى بنُ حمّادٍ، قال: أخبرنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ (٢)، عن عبدِ الرحمن بن القاسم، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبير، عن عَبّادِ بنِ عبدِ الله بن الزبير، عن عائشةَ، قالت: إنّ رجلًا أتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: احترَقْتُ، ثم قال: وطِئْتُ امرَأتي في رمضانَ نهارًا، قال: "تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ"، فقال: ما عندي شيءٌ، وأمرَه أن يمكُثَ، فجاءَه عَرَقُ تَمْرٍ فيه طعامٌ، فأمَره أن يتَصدَّقَ به (٣). ورواه عن يحيى بن سعيدٍ بهذا الإسنادِ جماعةٌ؛ منهم: حمّادُ بنُ سلمةَ (٤) وغيرُه، كلُّهم يقول فيه: إنَّه وطِئَ امرأتَه في رمضان. ورواه عبدُ الوهّاب (٥)، عن يحيى بنِ سعيدٍ بإسنادِه، وقال فيه: أفطَرتُ في رمضانَ. لم يذْكُرِ الوَطْءَ.

стр. 2677

وذكَره ابنُ وَهْبٍ (١)، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارث، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ القاسم حدَّثه، أنَّ محمدَ بنَ جعفرِ بن الزبيرِ حدَّثه، أنَّ عبّادَ بنَ عبدِ الله بنِ الزُّبيرِ حدَّثه، أنَّه سمِع عائشةَ تقول: أتى رجلٌ إلى رسول الله ﷺ في المسجدِ في رمضانَ، فقال: يا رسولَ الله، احتَرقتُ. فسألَه رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما شأنُه؟ "، قال: أصبتُ أهلي، قال: "تصدَّقْ"، قال: والله يا نبيَّ الله ما لي شيءٌ، ولا أقدِرُ عليه، قال: "اجلِسْ"، فجلَس، فبينا هو على ذلك إذ أقبَل رجلٌ يسوقُ حمارًا عليه طعامٌ، فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "أين المحترِقُ آنفًا؟ "، فقام الرجلُ، فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "تصدَّقْ بهذا"، فقال: يا رسولَ الله، أعلى غيرِنا؟ فوالله إنَّا لَجياعٌ، قال: "كُلُوه". ففي هذا الحديث: بيانُ ما ذهَب إليه مالكٌ ﵀ في اختيارِه الإطعامَ دونَ غيرِه. وقد كان الشافعيُّ وابنُ عُليّةَ يقولان: إنّ مالكًا ترَك في هذا الباب ما رواه إلى رأيِه. وليس كما ظنّا، والأغلبُ أنَّ مالكًا سمِع الحديثَ؛ لأنَّه مدنيٌّ، فذهَب إليه في اختيارِه الإطعامَ، معَ ما ذكَرناه من شهودِ الأصولِ له بدخولِ الإطعام في البدلِ من الصِّيام، واللهُ أعلمُ. وقد كان ابنُ أبي ليلَى يقولُ في الذي يأتي أهلَه في رمضانَ نهارًا: هو مخيَّر في العتقِ والصيام. قال: وإن لم يقدِرْ على واحدٍ منهما أطعَم. وإلى هذا ذهَب أبو جعفرٍ محمدُ بن جريرٍ الطبريُّ، قال: لا سبيلَ إلى الإطعام إلّا عندَ العجزِ عن العتقِ والصِّيام، وهو مخيَّرٌ في العتقِ والصيام. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، والحسنُ بنُ صالح بن حيٍّ، وأبو ثورٍ، في المُجامع أهلَه في رمضانَ نهارًا: عليه القضاءُ والكفّارةُ (٢). والكفّارةُ عندَهم مثلُ كفّارةِ الظِّهار؛ عتقُ رقَبةٍ، فإنْ لم يجدْ صامَ شهرَيْنِ متتابعَيْن، فإن لم يستطِعْ

стр. 2678

أطعَم ستِّينَ مسكينًا، ولا سبيلَ عندَهم في هذه الكفّارة إلى الصِّيام إلّا عندَ العجزِ عن العتق، وكذلك لا سبيلَ عندَهم فيها إلى الإطعام إلّا عندَ عدمِ القدرةِ على الصيام، ككفَّارة الظِّهار في الرُّتبة سواءً (١). وروَى سفيانُ بنُ عُيينةَ (٢)، ومعمرٌ (٣)، وشعيبُ بنُ أبي حمزةَ (٤)، والأوزاعيُّ (٥)، وعبدُ الرحمن بنُ خالدِ بنِ مُسافرٍ (٦)، والليثُ بنُ سعدٍ (٧)، وإبراهيمُ بنُ سعدٍ (٨)، والحجاجُ بنُ أرطاة (٩)، كلُّهم عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، أنَّه قال للذي استفتاه حين وَقَع على امرأتِه في رمضانَ: "هل تجِدُ رقبةً؟ "، قال: لا، قال: "فهل تستطيعُ صيامَ شهرين؟ " - وبعضُهم يقول: "متتابعين؟ " - قال: لا، قال: "فأطعِمْ ستِّينَ مسكينًا". وكذلك رواه منصورُ بنُ المعتمِرِ وعِراكُ بنُ مالكٍ (١٠)، عن الزُّهريِّ بإسنادِه مثلَه، في رجلٍ واقَع امرأتَه في رمضانَ، على هذا الترتيب وذِكْرِ التَّتابُع في الشَّهرين.

стр. 2679

وكلُّ مَن قال بهذا الخبرِ من علماءِ المسلمين يقول: الشهرانِ في صيام الكفّارةِ مُتتابعان، إلّا ابنَ أبي ليلى، فإنّه قال: ليس الشهرانِ في ذلك متتابعَيْن. والحجّةُ في قولِ مَن حَفِظ الشيءَ وشهِد به. أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم أبو الأحوص، قال: حدَّثنا يحيى بنُ بُكير، قال: حدَّثني بكرٌ - يعني ابنَ مُضَرَ - عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن عراكِ بن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بن عبد الرحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فأَخبرَه أنَّه وطِئ امرأتَه في رمضانَ، فقال له رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "هل تجِدُ رقبةً؟ "، قال: لا، قال: "هل تستطيعُ صيامَ شهرين؟ "، قال: لا، قال: "فأطعمْ ستينَ مسكينًا". قال: لا (١) أجِدُ. فأعطاه رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - تمرًا فأمرَه أن يتصدَّقَ به. قال: فذكَر لرسولِ الله ﷺ حاجتَه، فأمَره أن يأكُلَه هو (٢). رواه أبو الأسودِ وإسحاقُ بنُ بكرِ بنِ مُضَر، عن بكرِ بن مُضرَ بإسنادِه مثلَه سواءً، إلا أنَّهما قالا: "شهرين متتابعين". ذكَره النسائيُّ (٣)، عن الرَّبيع بنِ سليمانَ عنهما.

стр. 2680

وأخبرني عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن منصورٍ، عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني حُميدُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن رجلٍ أتى النبيَّ ﷺ فقال: إنِّي وقَعتُ على امرأتي في رمضانَ، قال: "أتجِدُ عِتقَ رقبةٍ؟ "، قال: لا، قال: "أتستطيعُ صيامَ شهرينِ مُتتابعين؟ "، قال: لا، قال: "أفتجِدُ إطعامَ ستِّينَ مسكينًا؟ "، قال: لا. قال: فأُتي بعَرَقِ تمرٍ، فقال: "تصدَّقْ به". قال: على أفقرَ منا؟ ما بينَ لابتيْها أحدٌ أحوجُ إليه منّا، قال: "أطعِمْه عيالكَ" (١). وذكره عبدُ الرَّزّاق (٢)، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ بإسنادِه مثلَه سواءً بمعناه، وزاد: قال الزُّهريُّ: وإنَّما كان هذا رُخصةً له خاصةً، ولو أنّ رجلًا فعَل ذلك اليوم، لم يكنْ له بُدٌّ من التكفير. واختلَف العلماءُ في قضاءِ ذلك اليوم مع الكفّارة؛ فقال مالكٌ: الذي آخُذُ به في الذي يُصيبُ أهلَه في شهر رمضانَ؛ إطعامُ ستِّينَ مسكينًا وصيامُ ذلك اليوم. قال: وليس العتقُ والصَّومُ من كفّارةِ رمضانَ في شيءٍ. وقال الأوزاعيُّ: إنْ كفَّرَ بالعتقِ أو بالطَّعام صام يومًا مكانَ ذلك اليوم الذي أفطَره، وإن صام شهرين مُتتابعين دخلَ فيهما قضاءُ يومِه ذلك. وقال الثوريُّ: يقضي اليومَ ويكفِّرُ مثلَ (٣) كفّارةِ الظِّهار. وقال الشافعيُّ: يحتمِلُ إنْ كفَّرَ أن تكونَ الكفّارةُ بدلًا من الصِّيام، ويحتمِلُ إنْ يكونَ الصِّيامُ مع الكفّارةِ، ولكلٍّ وجْهٌ، وأحَبُّ إليَّ أن يُكفِّرَ ويصومَ مع الكفّارة. هذه روايةُ الرَّبيع عنه. وقال المزنيُّ عنه: مَن وطِئَ امرأتَه فأولجَ

стр. 2681

عامدًا كان عليه القضاءُ والكفّارةُ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسن، وأبو ثورٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ: يقضي يومًا مكانَه ويكفِّرُ مثلَ كفّارةِ الظِّهار (١). وقال الأثرمُ: قلتُ لأبي عبد الله: الذي يُجامِعُ في رمضانَ فكفَّرَ، أليس عليه أنْ يصومَ يومًا مكانه؟ قال: ولا بدَّ من أن يصومَ يومًا مكانه. ومن حُجَّةِ مَن لم يرَ مع الكفّارةِ قضاءً، أنَّه ليس في خبرِ أبي هريرةَ، ولا خبرِ عائشةَ، ولا في شيءٍ من الأخبارِ التي لا علَّةَ فيها، ذكرُ القضاء، وإنَّما فيه الكفّارةُ فقط، ولو كان القضاءُ واجبًا لذكَره مع الكفّارةِ. ومن حُجَّةِ مَن رأى القضاءَ؛ حديثُ عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ أعرابيًّا جاءَ ينتِفُ شعَرَه، وقال: يا رسولَ الله، وقَعتُ على امرأتي في رمضانَ. فذكَر مثلَ حديثِ أبي هريرة، وزاد: وأمَره رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - أنْ يقضيَ يومًا مكانَه. أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجّاج بن أرطاةَ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، فذكَره (٢). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا جعفرُ بن مُسافِر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ، قال: حدَّثنا

стр. 2682

هشامُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ (١)، عن أبي سلمةَ بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا أفطَر في رمضانَ. بهذا الحديث، قال: فأُتِي بعَرَقٍ فيه تمرٌ قدرُ خمسةَ عشرَ صاعًا، وقال فيه: "كُلْه أنت وأهلُ بيتكَ، وصُمْ يومًا، واستغفِرِ الله" (٢). وهشامُ بنُ سعدٍ لا يُحتجُّ به في حديثِ ابنِ شهابٍ. ومن جهةِ النَّظر والقياس، لا يسقُطُ القضاءُ؛ لأنَّ الكفّارةَ عقوبةُ الذَّنبِ الذي ركِبَه، والقضاءَ بدلٌ من اليوم الذي أفسَدَه، وكما لا يسقُطُ عن المفسِدِ حجَّه بالوطْءِ إذا أهدَى القضاءُ للبدلِ بالهدي، فكذلك قضاءُ ذلك اليوم، واللّه أعلم. واختلَفَ العلماءُ أيضًا فيمن أفطَر في رمضانَ بأكلٍ أو بشربٍ متعمِّدًا؛ فقال مالكٌ وأصحابُه، والأوزاعيُّ وإسحاقُ بنُ راهُويَة، وأبو ثورٍ: عليه من الكفّارةِ ما على المُجامع. كلُّ واحدٍ منهم على أصلِه الذي قدَّمنا ذكرَه. وإلى هذا ذهَب أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ. ورُوِيَ مثلُ ذلك أيضًا عن عطاءٍ في روايةٍ، وعن الحسنِ والزُّهريِّ (٣). وقال الشافعيُّ وأحمدُ بنُ حنبلٍ: عليه القضاءُ، ولا كفّارةَ

стр. 2683

عليه (١). وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، وابنِ سيرينَ، وجابرِ بنِ زيدٍ، والشعبيِّ، وقتادةَ. وروَى مغيرةُ، عن إبراهيمَ مثلَه (٢)، وقال الشافعيُّ: عليه مع القضاءِ العقوبةُ؛ لانتهاكِه حُرمةَ الشَّهر (٣). وسائرُ مَن ذكرْنا قولَه من التَّابعينَ قال: يقضي يومًا مكانَه، ويستغفِرُ اللهَ ويتوبُ إليه، قال بعضُهم: ويصنعُ معروفًا، ولم يُذكَرْ عنهم عقوبةٌ. وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: لا أقولُ بالكفّارةِ إلّا في الغِشيان، ذكَره عنه الأثرمُ. قال: وقيل له مرّةً أخرى: رجلٌ أكَل متعمِّدًا في رمضانَ؟ فقال: هذا الذي أتهيَّبُه أنْ أُفتيَ بكفّارة، أقولُ: يقضي يومًا مكانَه، وإنْ كفَّرَ لَمْ يضُرَّه. وقد رُوِيَ عن عطاءٍ أيضًا أنَّ مَن أفطَر يومًا من رمضانَ من غير علّةٍ كان عليه تحريرُ رقَبةٍ فإنْ لَمْ يجدْ فبَدنةً أو بقرةً، أو عشرينَ صاعًا من طعام يُطعِمُ المساكين. وعن ابنِ عبّاسٍ أنَّه قال: عليه عِتقُ رقَبةٍ، أو صومُ شهرٍ، أو إطعامُ ثلاثينَ مسكينًا. حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ (٤)، قال: أنبأنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا المعتمِرُ، قال: قرأتُ على فُضيلٍ، عن أبي حَريزٍ، أنّ أيفعَ حدَّثه، أنَّه سألَ سعيدَ بنَ جُبيرٍ عمَّن أفطَر في رمضانَ، فقال: كان ابنُ عباسٍ يقول: مَن أفطَر في رمضانَ فعليه عتقُ رقبةٍ، أو صومُ شهرٍ، أو إطعامُ ثلاثينَ مسكينًا. قال: قلت: ومَن وقَعَ على امرأتِه وهي حائضٌ أو سمِع أذانَ الجمُعة فلم يُجمِّعْ وليس له عُذرٌ؟ قال: كذلك عتقُ رقبةٍ.

стр. 2684

وعن سعيدِ بنِ المُسيِّب، أنَّه قال: عليه صيامُ شهرٍ. وعنه أيضًا - وهو قولُ ربيعةَ - أنَّ عليه أن يصومَ اثنَي عشَرَ يومًا. وكان ربيعةُ يحتجُّ لقولِه هذا بأنَّ شهرَ رمضانَ فُضِّلَ على اثنَي عشَرَ شهرًا، فمن أفطَر فيه يومًا كان عليه اثنا عشَرَ يومًا. وكان الشافعيُّ ﵀ يعجَبُ من هذا ويتنقَّصُ فيه ربيعةَ ويهجِّنُه، وكان لا يرضَى عنه. ولربيعةَ ﵀ شُذوذٌ كثيرٌ؛ منها في المُحرم يقتُلُ جرادةً، قال: عليه صاعٌ من قمح، قال: لأنَّه أدنى الصيد. ومنها - فيمن طلَّقَ امرأةً من نسائِه الأربع وجهِلها بعينِها - أنَّه لا يلزَمُه فيهنَّ شيءٌ، ولا يُمنَعُ من وطئِهِنَّ. إلى أشياءَ يطولُ ذكرُها، ليس بنا حاجةٌ إلى الإتيانِ بها. وروَى معمرٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، أنَّه سأله عن رجلٍ أكَل في رمضانَ عامدًا. قال: عليه صيامُ شهرٍ (١)، قال: قلتَ: يومَيْن. قال: صيامُ شهرٍ، قال: فعددْتُ أيَّامًا. فقال: صيامُ شهرٍ. هكذا قال معمر عن قتادةَ، وهي روايةٌ مفسِّرةٌ، وأظنُّه ذهب إلى التَّتابُع في الشَّهر لا يخلِطُه بفطرٍ، كأنَّه يقول: مَن أفسدَه بفطرِ يومٍ أو أكثرَ، قضاه كلَّه نَسَقًا. واللّه أعلم. وروَى هشامٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، في الرجلِ يُفطرُ يومًا من رمضانَ متعمِّدًا، قال: يصومُ شهرًا (٢). ولم يزِدْ. وكذلك روايةُ سعيدِ بن أبي عَروبةَ وأبي عَوانةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، في الذي يُفطرُ يومًا من رمضانَ مُتعمِّدًا، قال: يصومُ شهرًا. وذكر ابنُ أبي شيبةَ (٣)، عن عبدةَ، عن عاصم، قال: أرسَلَ أبو قلابةَ إلى

стр. 2685

سعيدِ بنِ المسيِّب في رجلٍ أفطَر يومًا من رمضانَ مُتعمِّدًا، فقال سعيدٌ: يصومُ مكانَ كلِّ يومٍ أفطرَ شهرًا. وهذه الروايةُ عندي وَهَمٌ عن سعيدٍ، واللّه أعلم، والصَّحيح عنه ما تقدَّم. وذكر معمرٌ أيضًا، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، قال: يقضي يومًا ويستغفِرُ الله (١). وهو قولُ الشعبيِّ وسعيدِ بن جُبيرٍ. ورُوِيَ عن إبراهيمَ النخعيِّ (٢). روَى بكّارُ بنُ قُتيبةَ، قال: حَدَّثَنَا هلالُ بنُ يحيى بنِ مسلمٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، في رجلٍ أفطَر يومًا من رمضانَ، قال: يستغفِرُ اللهَ، ولا يعُدْ، ويصومُ يومًا مكانه (٣). وروَى حمّادُ بنُ أبي سليمانَ، عن إبراهيمَ، أنَّه قال: من أفطَر يومًا من رمضانَ مُتعمِّدًا، فعليه صيامُ ثلاثةِ آلافِ يوم (٤). وهذا لا وجهَ له، إلّا أنْ يكونَ كلامًا خرَج على التَّغليظ والغضب، لما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ " (٥)، وعن ابنِ مسعودٍ (٦)، وعليٍّ (٧): "مَن أفطَر في رمضانَ عامدًا لَمْ يُكفِّرْه صيامُ الدَّهر". وقد تقدّم عن إبراهيمَ من رواية مُغيرةَ وغيرِه ما يوضِّحُ لك هذا، على أنَّ أقاويلَ التّابعين بالحجاز والعراق في هذا الباب كما تري، لا وجهَ لها عند أهلِ

стр. 2686

الفقهِ والنَّظر وجماعةِ أهل الأثر، ولا دليلَ عليها، ولا يُلتفَتُ إليها؛ لمخالفتِها للسُّنة في ذلك، وإنَّما في المسألةِ قولان؛ أحدُهما: قولُ مالكٍ ومَن تابعَه، والحجَّةُ لهم من جهةِ الأثرِ حديثُ ابنِ شهابٍ هذا، ومن جهةِ النَّظر، أنَّ الآكلَ والشّاربَ في القياس كالمُجامع سواءً؛ لأنَّ الصومَ في الشَّريعة: الامتناعُ من الأكلِ والشربِ والجماع، فإذا أثبتت الشريعةُ (١) في وجهٍ واحدٍ منها شيئًا، فسبيلُ نظيرِه في الحكم سبيلُه. والنُّكتةُ الجامعةُ بينَهما: انتهاكُ حُرمةِ الشَّهر بما يُفسدُ الصومَ عمدًا، وقد تقدَّمَ أنَّ لفظَ حديث مالكٍ في هذا الباب يجمَعُ كلَّ فطرٍ. والقولُ الثاني، قولُ الشافعيِّ ومن تابعَه، والحجَّةُ لهم أنّ الحديثَ ورَد في المُجامعِ أهلَه، وليس الأكلُ مثلَه، بدليل إجماعِهم على أنَّ المستقيءَ عمدًا إنَّما عليه القضاءُ وليس عليه كفّارةٌ، وهو مُفطر عمدًا، وكذلك مُزدردُ الحصاةِ عمدًا عليه القضاءُ، وهو مُفطرٌ مُتعمِّدًا، وليس عليه كفّارةٌ؛ لأنَّ الذِّمّةَ بريئةٌ، فلا يثبُتُ فيها شيءٌ إلَّا بيقين، والآكلُ عمدًا لا يُرجَمُ ولا يُجلَدُ، ولا يجبُ عليه غُسلٌ، فليس كالمُجامع. والكلامُ في هذه المسألة يطول، وفيما لوَّحْنا به كفايةٌ إن شاء الله. وقد روى أبو المطوِّس، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله ﷺ ، أنَّه قال: "مَن أفطَر يومًا من رمضانَ مُتعمِّدًا لَمْ يُجزِئْه صيامُ الدَّهرِ وإن صامَه" (٢).

стр. 2687

ورُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ (١). وهذا يحتمِلُ أن يكونَ لو صحَّ على التغليظ، وهو حديثٌ ضعيفٌ لا يُحتَجُّ بمثلِه، وقد جاءتِ الكفّارةُ بأسانيدَ صحاح، والكفّارةُ تغطيةُ الذَّنبِ وغفرانُه، وللّه الحمد. واختلفَ العلماءُ أيضًا فيما يُجزِئُ من الإطعامَ عمَّن يجبُ عليه أن يُكفِّرَ به عن فسادِ يوم من شهرِ رمضانَ، فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، والأوزاعيُّ: يُطعمُ ستِّينَ مُدًّا بمُدِّ النبيِّ ﷺ لستِّين مسكينًا؛ مُدًّا لكلِّ مسكين (٢). والحجَّةُ لمن قال هذا القولَ: ما حَدَّثَنَاه أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفَضْل بن العبّاس، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بن عبدِ الحكم، قال: حَدَّثَنَا أيوبُ بنُ سُويدٍ الرَّمليُّ، عن الأوزاعيِّ،

стр. 2688

عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني حُميدُ بنُ عبد الرَّحمن، عن أبي هريرةَ. وحدَّثني عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الهيثم، قال: حَدَّثَنَا أبو صالح، قال: حَدَّثَنَا هِقلٌ، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني الزُّهريُّ، قال: حدَّثني حُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، قال: حدَّثني أبو هريرةَ، قال: بينما أنا عندَ رسولِ الله ﷺ جالسٌ، إذ جاءَه رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، قد هلكتُ. قال: "ويحَك، وما صنَعتَ؟ "، قال: وقَعْتُ على أهلي، قال: "أعتِقْ رقبةً"، قال: ما أجِدُها، قال: "فصُمْ شهرين مُتتابعين"، قال: لا أستطيعُ، قال: "فأطعِمْ ستِّينَ مسكينًا"، قال: ما أجدُ. فأُتِيَ رسولُ الله ﷺ بعَرَقٍ فيه خمسةَ عشَرَ صاعًا - وفي حديثِ أيوبَ بن سُويدٍ: بمِكْتَلٍ فيه خمسةَ عشَرَ صاعًا من تمرٍ - فقال: "أين السائلُ؟ "، فقال: ها أنا يا رسولَ الله، قال: "خُذْه وتصدَّقْ به على ستِّينَ مسكينًا"، فقال: يا رسولَ الله، أعلَى غير أهلي؟ فوالذي نفسي بيدِه، ما بينَ لابَتي المدينةِ أحدٌ أحوجُ منِّي. فضحِك رسولُ الله ﷺ حتى بدَتْ أنيابُه، وقال: "خُذْه، واستغفِرْ ربَّكَ" (١). وإذا أطعمَ خمسةَ عشَرَ ستِّينَ، أصابَ كلُّ مسكينٍ منهم رُبُعَ صاع؛ وذلك مُدٌّ بمدِّ النبيِّ ﷺ . وهذا قاطعٌ في موضع الخلاف. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يُجزِئُه أقلُّ من مُدَّين بمدِّ النبيِّ ﷺ وذلك نصفُ صاع لكلِّ مسكين، تتمّةَ ثلاثينَ صاعًا، قياسًا منهم على إجماع العلماء أنَّ ذلك هو المقدارُ الذي لا يُجزِئُ أقلُّ منه في فديةِ الأذى (٢).

стр. 2689

وقولُ مالكٍ ومَن تابعَه أولَى؛ لأَنَّه نصٌّ لا قياسٌ. وقد روَى هشامُ بنُ سعدٍ هذا الحديثَ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، فذكَرَ فيه خمسةَ عشَرَ صاعًا، إلّا أنَّه جعَله عن أبي سلمةَ بن عبد الرَّحمن، وإنَّما هو لحُميدِ بنِ عبد الرَّحمن، وهشامُ بنُ سعدٍ ليِّنٌ ضعيفٌ سيَّما في ابنِ شهابٍ، وأيُّوبُ بنُ سليمانَ وأبو بكرٍ الأُوَيْسيُّ ضعيفان، وإنَّما ذكَرتُه لتقِفَ عليه وتعرِفَه، وتعرِفَ أنَّ الحديثَ لا يَصِحُّ لابنِ شهابٍ إلّا عن حُميدٍ، واللّه أعلم. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا أيوبُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني أبو بكرٍ بنُ أبي أُوَيْسٍ، عن سليمانَ بن بلالٍ، عن هشام بنِ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ أفطَر في رمضانَ، قال: "أعتِقْ رقبةً"، قال: لا أجِدُها، قال: "صمْ شهرينِ مُتتابعين"، قال: لا أستطيعُ، قال: "أطعِمْ ستِّينَ مسكينًا"، قال: لا أجدُ، قال: فأُتيَ النبيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيه تمرٌ قدرُ خمسةَ عشَرَ صاعًا، قال: "خُذْ هذا فتصدَّقْ به". قال: ما أحدٌ أحوجُ منِّي ومن أهلِ بيتي، قال: "كُلْه أنت وأهلُ بيتِكَ، وصُمْ يومًا مكانَه" (١). واختلَفَ العلماءُ أيضًا في الواطئ أهلَه في رمضانَ، إذا وجَب عليه التَّكفيرُ بالإطعامِ دونَ غيرِه ولم يجدْ ما يُطعمُ، وكان في حُكمِ الرجلِ الذي ورَد هذا

стр. 2690

الحديثُ فيه؛ فأمّا مالكٌ فلم أجِدْ عنه في ذلك شيئًا منصوصًا، وكان عيسى بنُ دينارٍ يقول: إنَّها على المعسرِ واجبةٌ، فإذا أيسَر أدّاها. وقد يُخرَّجُ قولُ ابنِ شهابٍ على هذا؛ لأنَّه جعل إباحةَ النبيِّ ﷺ لذلك الرجلِ أكلَ الكفَّارَةِ رُخصةً له وخصوصًا، قال ابنُ شهاب: ولو أنَّ رجلًا فعَل ذلك اليومَ لَمْ يكنْ له بُدٌّ من التَّكفير (١). وقال الأوزاعيُّ - وسُئل عن رجلٍ أفطَر في شهرِ رمضانَ مُتعمِّدًا، فلم يجِدْ كفّارةَ المفطرِ، ولم يقدِرْ على الصِّيام -: أيسألُ في الكفّارة؟ فقال: ردَّ رسولُ الله ﷺ كفّارةَ المفطرِ على أهلِه، فلْيستغفِرِ اللهَ ولا يعُدْ. ولم يرَ عليه شيئًا إذا كان في وقتِ وجوبِ الكفّارةِ عليه مُعسرًا. وقال الشافعيُّ (٢): قولُ رسولِ الله ﷺ : "كُلْه وأطعِمْه أهلكَ" يحتمِلُ معانيَ؛ منها: أنَّه لمّا كان في الوقتِ الذي أصاب فيه أهلَه ليس ممّن يقدِرُ على واحدةٍ من الكفّارات، تطوَّعَ رسولُ الله ﷺ بأنْ قال له في شيءٍ أُتيَ به: "كفِّرْ به". فلمّا ذكَرَ الحاجةَ، ولم يكنِ الرجلُ قبَضه، قال له: "كُلْه وأطعِمْه أهلَك"، وجعَل التَّمليكَ له حينئذٍ مع القبض. ويحتمِلُ أن يكونَ لمّا ملَكَه وهو محتاجٌ - وكان إنَّما تكونُ الكفّارةُ عليه إذا كان عندَه فضلٌ، ولم يكنْ عندَه فضلٌ - كان له أن يأكُلَه هو وأهلُه لحاجتِه. ويحتمِلُ في هذا أن تكونَ الكفّارةُ ديْنًا عليه، متى أطاقَها أدّاها، وإن كان ذلك ليس في الخبر، وكان هذا أحبَّ إلينا وأقربَ من الاحتياط. قال: ويحتمِلُ إذا كان لا يقدِرُ على شيءٍ من الكفّاراتِ وكان لغيرِه أن يُكفِّرَ عنه، وأنْ يكونَ لغيرِه أن يتصدَّقَ عليه وعلى أهلِه إذا كانوا محتاجينَ بتلكَ الكفّارةِ، وتجزِئُ عنه. ويحتمِلُ أن يكونَ إذا لَمْ يقدِرْ على شيءٍ في حالِه تلك أن تكونَ الكفّارةُ ساقطةً عنه إذا كان مغلوبًا، كما سقَطتِ الصلاةُ عن المغمَى عليه إذا كان مغلوبًا، واللّه أعلم.

стр. 2691

وقال الأثرمُ: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمدَ بنَ حنبل -: حديثُ الزُّهريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أطعِمْ عيالَك"، أتقول به؟ قال: نعم، إذا كان محتاجًا، ولكن لا يكونُ في شيءٍ من الكفّارات إلّا في هذا بعينِه؛ في الجماع في رمضانَ، لا في كفّارة اليمين، ولا في كفّارة الظِّهار، ولا في غيرها، إلَّا في الجماع وحدَه. قيل له: اليسَ في حديث سلمةَ بن صخرٍ حينَ ظاهَر من امرأتِه ووقَع عليها نحوُ هذا؟ فقال: ولمن تقولُ هذا؟ إنَّما حديثُ سلمةَ بن صخر: "تصدَّقْ بكذا، واستعِنْ بسائرِه على أهلِك" (١)،

стр. 2692

فإنَّما أمَر له بما يبقَى. قلت له: فإن كان المجامعُ في رمضانَ محتاجًا فأطعَمه عيالَه، فقد أجزأَ عنه؟ قال: نعم، أجزَأ عنه. قلتُ: ولا يُكفِّرُ مرةً أخرى إذا وجَد؟ قال: لا، قد أجزأت عنه، إلَّا أنَّه خاصٌّ في الجماع في رمضانَ وحدَه. وزعَم الطبريُّ أنَّ قياسَ قولِ الثوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابه، وأبي ثورٍ، أنّ الكفّارةَ دينٌ عليه، لا يُسقِطُها عنه إعسارُه بها، وعليه أن يأتيَ بها إذا قدَر عليها؛ وذلك أنَّ قولهم في كلّ كفّارة لزِمَتْ إنسانًا، فسبيلُها عندَهم الوجوبُ في ذمَّة المعسر: يؤدِّيها إذا أيسَرَ، فكذلك سبيلُ كفّارة المفطرِ في رمضانَ في قياس قولهم. قال أبو عُمر: إن احتجَّ محتجٌّ في إسقاطِ الكفّار عن المعسرِ بأنَّ رسولَ الله ﷺ إذ قال له: "كلْه أنت وعيالُك"، لَمْ يقل له: وتؤدِّيها إذا أيسرْتَ، ولو كانت واجبةً لَمْ يسكُتْ عنه حتى يبيِّنَ ذلك له. قيل له: ولا قال له رسولُ الله ﷺ : إنَّها ساقطةٌ عنكَ لعُسرتِك، بعدَ أن أخبَره بوجوبها عليه، وكلُّ ما وجَب أداؤُه في اليسار، لزِم الذمّة إلى الميسرةِ على وجهِه، واللّهُ أعلم. واختلَفوا في الكفّارة على المرأة إذا وطِئها زوجُها وهي طائعة في رمضانَ؛ فقال مالكٌ: إذا طاوَعتْه زوجتُه فعلى كلِّ واحدٍ منهما كفّارةٌ، وإن أكرَهها فعليه كفّارتان عنه وعنها، وكذلك إذا وطِئ أمتَه كفَّرَ كفّارتين (١). وقال الأوزاعيُّ: سواءٌ طاوَعتْه أو أكرَهها، فليس عليهما إلّا كفّارةٌ واحدةٌ إنْ كَفَّر بالعتق أو بالإطعام، فإن كَفَّر بالصِّيام فعلى كلِّ واحدٍ منهما صيامُ شهرين متتابعين. وقال الشافعيُّ ﵀: الصيامُ (٢) والعتقُ والإطعامُ سواءٌ، ليس عليهما إلّا كفّارةٌ

стр. 2693

واحدةٌ، وسواءٌ طاوعتْه أو أكرَهها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما أجاب السائلَ بكفّارةٍ واحدةٍ، ولم يسألْه: أطاوَعتْه امرأتُه أو أكرَهها؟ ولو كان الحكمُ في ذلك مختلِفًا لمَا ترَك رسولُ الله ﷺ تبيينَ ذلك (١). وهو قولُ داودَ وأهل الظّاهر (٢). وقد أجمَعوا أنَّ كفّارةَ المظاهر واحدةٌ وإن وطِئ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إن طاوعتْه فعلى كلِّ واحدٍ منهما كفّارةٌ، وإن أكرَهها فعليه كفّارةٌ واحدةٌ لا غيرُ، ولا شيءَ عليها (٣). ومن حُجَّة مَن رأى الكفّارةَ لازمةً عليها إن طاوَعتْه، القياسُ على قضاءِ ذلك اليوم، فلمّا وجَب عليها قضاءُ ذلك اليوم، وجَب عليها الكفّارةُ عنه. واختلَفوا فيمن جامَعَ ناسيًا لصومِه؛ فقال الشافعيُّ، والثوريُّ في رواية الأشجعيِّ، وأبو حنيفةَ وأصحابه، والحسنُ بنُ حيٍّ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَة: ليس عليه شيءٌ؛ لا قضاءٌ ولا كفّارةٌ، بمنزلةِ مَن أكل ناسيًا عندَهم (٤). وهو قولُ الحسن، وعطاءٍ ومجاهدٍ، وإبراهيمَ (٥). وقال مالكٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، والأوزاعيُّ، والثوريُّ في رواية المعافى: عليه القضاء، ولا كفّارةَ. ورُوِيَ مثلُ ذلك عن عطاءٍ (٦). وقد رُوِيَ عن عطاءٍ أنَّه رأى عليه الكفّارةَ مع القضاءِ، وقال: مثلُ هذا لا يُنسى.

стр. 2694

حَدَّثَنَا عبدُ الوارث، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الجَهْم، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جريجٍ، قال: كنتُ إذا سألتُ عطاءً عن الرَّجل يُصيبُ أهلَه ناسيًا، لا يجعَلُ له عُذرًا، ويقول: لا يُنسى هذا، ولا يجهَلُه (١). وقال قومٌ من أهل الظاهر: سواءٌ وَطئ ناسيًا أو عامدًا، عليه القضاءُ والكفّارةُ. وهو قولُ ابن الماجشون عبدِ الملك، وإليه ذهَب أحمدُ بنُ حنبلٍ؛ لأنَّ الحديثَ الموجِبَ للكفّارة لَمْ يفرِّقْ بين الناسي والعامد (٢). واختلفوا أيضًا فيمن أكَل أو شرِب ناسيًا؛ فقال الثَّوريُّ، وابنُ أبي ذئبٍ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ، وأحمدُ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وداودُ: لا شيءَ عليه، ويتمُّ صومَه. وهو قولُ جمهور التَّابعين. وقال ربيعةُ ومالكٌ: عليه القضاء (٣). وقال الأثرم: سمِعتُ أبا عبد الله يُسألُ عمَّن أكَل ناسيًا في رمضانَ، فقال: ليس عليه شيءٌ؛ على حديث أبي هريرة. ثم قال أبو عبد الله: مالكٌ؛ زعَموا أنه يقول: عليه القضاءُ - وضحِكَ - وحديثُ أبي هريرةَ في ذلك أحسنُ. حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٤): حَدَّثَنَا موسى بنُ إسماعيل. وحَدَّثَنَا خلفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بن كامل، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عليٍّ بن المثنَّى، قال (٥): حَدَّثَنَا عبدُ الأعلى بنُ حمّادٍ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا حمّادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ وحبيب وهشام، عن محمدِ بنِ

стр. 2695

سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إني كنتُ صائمًا فأكَلتُ وشرِبتُ ناسيًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "اللهُ أطعمَكَ وسقاكَ، أتِمَّ صومَك" (١). حَدَّثَنَا عبدُ الوارث، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الجَهْم، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي رافع، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "مَن أكَل أو شَرِب ناسيًا، فليَمْضِ في صُومِه؛ فإنَّ اللهَ أطعَمَه وسَقاه" (٢). ورُوِيَ عن جماعةٍ في المُفطرِ ناسيًا بأكلٍ أو شربٍ أنَّه لا شيءَ عليه؛ منهم: عليٌّ ﵁، وابنُ عمرَ، وعلقمةُ، وإبراهيمُ، وابنُ سيرين، وجابرُ بنُ زيدٍ (٣).

стр. 2696

قال الأثرمُ: قيل لأبي عبد الله - يعني أحمدَ بنَ حنبل -: رجلٌ نَسي فجامَع؟ فقال: ليسَ الجِماعُ مثلَ الأكل، عليه القضاءُ والكفّارةُ، ناسيًا كان أو عامدًا، لأنَّ الذي جاءَ إلى النبيِّ ﷺ قال: وقَعتُ على امرأتي، ولم يسألْه النبيُّ ﷺ : أنسِيتَ أم تعمَّدْتَ؟ قال أبو عبد الله: وظاهرُ قولِ الرجلِ للنبيِّ ﷺ : وقَعتُ على امرأتي، النِّسيانُ والجهالةُ، فلم يسألْه: أنسِيتَ أم تعمَّدْتَ؟ وأفتاه على ظاهرِ الفعل. وأجمَعوا على أنَّ المُجامعَ في قضاءِ رمضانَ عامدًا لا كفّارةَ عليه، حاشا قتادةَ وحدَه. وأجمعوا أنَّ المفطِرَ في قضاءِ رمضانَ لا يقضِيه، وإنَّما عليه ذلك اليومُ الذي كان عليه من رمضانَ لا غيرُ، إلّا ابنَ وَهْبٍ فإنَّه جعَل عليه يومين، قياسًا على الحجِّ (١). وأجمَعوا على أنَّ مَن وطِئَ في يومٍ واحدٍ مرّتين أو أكثرَ، أنَّه ليس عليه إلّا كفّارةٌ واحدةٌ (٢). واختلَفوا فيمن أفطَر مرّتين أو مرارًا في أيام من أيام رمضانَ، فقال مالكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، والحسنُ بنُ حيٍّ: عليه لكلِّ يومٍ كفّارةٌ، وسواءٌ وطئ المرّةَ الأخرى قبلَ أنْ يكفِّرَ أو بعدَ أن يُكفِّرَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا جامَع أيامًا في رمضانَ، فعليه كفّارةٌ واحد ما لم يُكفِّرْ ثم يعودُ. وكذلك الآكلُ والشّاربُ عندَهم، فإنْ كفَّر ثم عادَ فعليه كفّارةٌ أخرى. قالوا: وإن أفطَر في رمضانين فعليه كفّارتان. وروَى زفرُ عن أبي حنيفة: إذا أفطَر وكفَّرَ ثم عاد،

стр. 2697

فلا كفّارةَ عليه لإفطارِه الثاني إذا كان في شهرٍ واحدٍ (١). واختُلف عن الثوريِّ، فرُوِيَ عنه مثلُ قول أبي حنيفةَ روايةَ أبي يوسفَ، ورُوِيَ عنه غيرُ ذلك. وأمّا قولُه في الحديث: فأُتيَ بعَرَقِ تمر. فأكثرُهم يرويه بسكونِ الراءِ، والصواب عندَ أهلِ الإتقانِ فيه فتحُ الراء، وكذلك قولُ أهل اللُّغة (٢). وقد زعَم ابنُ حبيبٍ أنَّه ما رواه مُطرِّفٌ عن مالكٍ إلّا بتحريكِ الرّاءِ وبالفتح. قال: والعَرْقُ بتسكين الرّاءِ هو العظمُ. قال: وتأويلُ العَرَقِ، بفتح الرّاءِ: المِكتلُ العظيمُ الذي يسَعُ قدرَ خمسةَ عشَرَ صاعًا؛ وهو ستُّونَ مُدًّا، كذلك سمِعتُ مُطرِّفًا وابنَ الماجشون يقولان (٣). قال عبدُ الملك بنُ حبيبٍ: وإنَّما سُمِّيَ العَرَقَ لضَفْرِه؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ مضفورٍ فهو عَرَق، ولذلك سُمِّيَ المِكْتلُ عَرَقًا؛ لأَنَّه مضفورٌ بالخُوص، قال أبو كبير الهُذَليُّ: نَغْدو فنترُكُ في المزاحفِ مَن ثوَى ... ونُمِرُّ في العرَقاتِ من لَمْ نقتُلِ يقول: نأسِرُهم فنشُدُّهم في العَرَقات، يعني النُّسوع (٤)؛ لأنَّها مضفورةٌ. قال: وكلُّ شيءٍ مُصطفٍّ مثلَ الطَّير إذا صَفَّت في السَّماء، فهي عَرَقةٌ؛ لأنَّها شُبِّهَت بالشيء المضفور (٥). وقال أحمدُ بنُ عمرانَ الأخفش: المِكتَلُ العظيمُ، فإنَّما (٦) سُمِّيَ عَرَقًا

стр. 2698

لأَنَّه يُعملُ عَرَقةً عَرَقةً ثم يُضمُّ، والعَرَقَةُ: الطَّريقةُ العريضةُ، لذلك سُمِّيَت طُرَّةُ الكتاب (١) عَرَقةً؛ لعَرْضِها واصطِفافها، وكذلك إذا مرَّت الطيرُ مصطفَّةً، يقال: مرَّتْ بنا عَرَقةٌ من طيرٍ. وكذلك إذا جاءَتِ الخيلُ صفًّا، قيل: قد جاءَتِ الخيلُ على عَرَقةٍ واحدة. وقال غيرُ الأخفش: يقال: عَرَقةٌ وعَرَقٌ. كما يقال: عَلَقةٌ وعَلَقٌ. قال أبو عُمر: وكلُّ ما ذكَرْنا من المسائل والتَّوجيهات في هذا الباب موجودةُ المعنى في حديثِ ابنِ شهاب، عن حُميدٍ، عن أبي هريرةَ، فلذلك ذكرناها وذكَرنا اختلافَ الفقهاء فيها، لتكمُلَ الفائدةُ، ويَبِينَ الحقُّ على شرطِنا، وباللّه توفيقُنا.

стр. 2699

حديثٌ ثانٍ لابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرَّحمن بن عوف مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أنفَق زوجَين في سبيل الله، نُودِي في الجنَّة: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ. فمَن كان من أهل الصلاةِ نُودِي من بابِ الصلاة، وإن كان من أهلِ الجهادِ دُعِي من باب الجهاد، ومَن كان من أهلِ الصدقةِ دُعِي من باب الصدقة، وإن كان مِن أهل الصيام دُعِي من باب الرَّيّان". فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، ما على مَن يُدعَى من هذه الأبواب من ضرورةٍ، فهل يُدعَى أحدٌ من هذه الأبواب كلِّها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكونَ منهم". تابع يحيى على توصيل هذا جماعةُ الرواة (٢) إلَّا ابنَ بُكير، فإنَّه أرسَله عن حُميدٍ، عن النبيِّ ﷺ (٣). وكذلك رواه عبدُ الله بنُ يوسف، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدٍ مرسلًا، وقد أسنده جلّةٌ عن مالكٍ؛ منهم مَعْن، وابنُ المبارك. حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الطاهر عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ موسى الأنصاريُّ، قال: حَدَّثَنَا معنُ بنُ عيسى، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدٍ بن

стр. 2700

عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أنفَقَ زوجَين في سبيل الله، نُودِي في الجنّة: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ. فمَن كان من أهلِ الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهلِ الصدقةِ دُعِي من بابِ الصدقة، ومَن كان من أهلِ الصيام دُعِي من بابِ الريّان". فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمِّي، ما على مَن دُعِي من هذه الأبواب كلِّها من ضَرورةٍ؛ فهل يُدْعَى أحدٌ من هذه الأبواب كلِّها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكونَ منهم" (١). حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الحسن عليُّ بنُ أحمدَ بن عليِّ الحَربيُّ الأنصاريُّ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ محمدِ بن صاعدٍ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ الحسن، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ المبارك (٢)، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُمَيدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أنفَق زوجَين في سبيل الله، نُودِي إلى الجَنَّة: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ" (٣)، وذكَر الحديثَ. وليس هو عندَ القَعْنَبيِّ لا مرسلًا ولا مسندًا (٤). وفي هذا الحديث من الفقه والفضائل: الحَضُّ على الإنفاق في سبيلِ الخير، والحرصُ على الصوم. وفيه: أن أعمالَ البرِّ لا تُفْتَحُ في الأغلب للإنسانِ الواحدِ في جميعها، وأن من فُتِح له في شيءٍ منها حُرِم غيرَها في الأغلب، وأنَّه قد تُفتَح في جميعِها للقليل من الناس، وأن أبا بكرٍ الصديقَ ﵁ من ذلك القليل.

стр. 2701

وفيه: أن مَن أكثر من شيءٍ عُرف به ونُسِب إليه، ألا ترى إلى قوله: "فمن كان مِن أهل الصلاة". يريدُ مَن أكثَر منها، فنُسب إليها؛ لأنَّ الجميع من أهل الصلاة، وكذلك مَن أكثَر من الجهادِ ومن الصِّيام على هذا المعنى ونُسِب إليه، دُعِيَ من بابِه ذلك، واللّه أعلمُ. وممّا يُشْبِهُ ما ذكَرْنا، ما جاوَبَ به مالكٌ ﵀ العُمرِيَّ العابدَ، وذلك أن عبدَ الله بنَ عبد العزيز العُمرِيَّ العابدَ كتب إلى مالكٍ يحضُّه إلى الانفرادِ والعمل، وَيَرغَبُ به عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالكٌ: إنَّ اللهَ قسَم الأعمالَ كما قسَم الأرزاق، فرُبَّ رجلٍ فُتِح له في الصلاةِ ولم يُفتَحُ له في الصوم، وآخرُ فُتِح له في الصدقةِ ولم يُفتَحْ له في الصيام، وآخرُ فُتِح له في الجهادِ ولم يُفتَحْ له في الصلاة، ونَشْرُ العلم وتعليمُه من أفضلِ أعمال البرِّ، وقد رَضِيتُ بما فتَح الله لي فيه من ذلك، وما أظنُّ ما أنا فيه بدونِ ما أنت فيه، وأرجو أن يكونَ كِلانا على خير، ويجبُ على كلِّ واحدٍ منّا أن يَرضى بما قُسِم له، والسلام. هذا معنى كلامِ مالكٍ؛ لأنِّي كتبتُه من حفظي وسقَط عنِّي في حين كتابتي أصلي منه. وأما قوله: "مَن أنفَق زوجَين". معناه عندَ أهل العلم: مَن أنفَق شيئين من نوع واحدٍ؛ نحو درهمين، أو دينارَين، أو فرسَين، أو قميصَين، وكذلك مَن صلَّى رَكْعتين، ومشَى في سبيل الله خُطوتَين، أو صام يومين، ونحوَ ذلك كلِّه، وإنَّما أرادَ، واللّه أعلم، أقلَّ التَّكرار، وأقلَّ وجوهِ المُداومة على العملِ من أعمالِ البرِّ، لأنَّ الاثنين أقلّ الجمع، ومن أعلى من روينا عنه هذا التفسير في زوجَين في هذا الحديث، الحسنُ البصريُّ ﵀. حدَّثني أحمدُ بن فَتْح، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بن زكريّا النيسابوريُّ، قال: حدَّثني عمِّي أبو زكريا يحيى بنُ زكريا، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يحيى، قال:

стр. 2702

حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن الحسن، قال: حدَّثني صَعْصَعَةُ بنُ معاوية، قال: لَقيتُ أبا ذَرٍّ وهو يقودُ بعيرًا له في عُنُقِه قِربةٌ، فقلت: يا أبا ذَرٍّ، ما لك؟ قال: لي عملٌ. قلت: حدِّثني حديثًا سَمِعتَهُ من رسولِ الله ﷺ . قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما من مُسْلِمين يموتُ لهما ثلاثةٌ من الوَلَدِ لَمْ يبلُغوا الحِنْثَ، إلّا أدخَلهما الله بفضلِ رحمتِه إياهم الجَنَّة، وما من مسلم أنفَق زوجَين من مالِه في سبيلِ الله، إلّا ابتدَرتْه حَجَبَةُ الجَنَّة". قال: فكان الحسنُ يقول: زوجَين؛ درهمين، دينارين، عبدين، من كلِّ شيءٍ اثنان (١). وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ للجنّة أبوابًا، وقد قيل: إن أبوابَ الجنةِ ثمانيةٌ، وأبوابَ جهنمَ سبعةٌ. أجارَنا الله من جهنَّم، وأدخَلنا الجنّة برحمتِه آمين.

стр. 2703

وقد قال بعض أهلِ العلم بالقرآن واللغة: إن الواوَ في قوله : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، فذكَر ذلك بالواو، وقال في جهنَّم: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، بلا واو. قال: فالواو في ذِكْرِ الجنَّة هي واوُ الثمانية؛ لأنَّ للجنَّة ثمانيةَ أبوابٍ، فمن هناك ذُكِرَت الواوُ في ذلك. وواوُ الثمانيةِ عندَهم معروفةٌ (١)، ومن ذلك قولُ الله : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢]، فأدخَل الواوَ في الصفةِ الثامنةِ دونَ غيرها. ومن ذلك قوله : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]. فأدخل الواوَ في الصفةِ الثامنة، فسمَّوا هذه الواوَ واوَ الثمانية، ومنها عندهم قولُ الله : ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وما قالوا من ذلك عندي حسنٌ، وقد كان بعضهم يقول: إن الواوَ في قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، ليست واوَ الثمانية، ولا وجهَ لما أُنْكِرَ من ذلك (٢)، واللّه أعلم.

стр. 2704

وقد حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ شَيبةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو مصعبٍ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ ثابتٍ، عن أبيه، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، عن عمرَ بنِ الخطاب، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن توضَّأ فأسبَغ وُضُوءَه، ثم قال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صادقًا من نفسِه - أو من قلبِه. شكَّ أيهما قال - فُتِح له من أبوابِ الجنّة ثمانيةُ أبواب يومَ القيامة، يدخُلُ من أيِّها شاء". هكذا قال: "فُتِح له من أبوابِ الجنّة" (١). وذكَر أبو داودَ (٢)، عن حسينِ بنِ عيسى البِسْطاميِّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يزيدَ المُقريء، قال: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْح، قال: حَدَّثَنَا أبو عَقِيلٍ، عن ابن عمِّه، عن عُقْبَةَ بن عامرٍ، قال: قال لي عمرُ بنُ الخطاب: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن توضَّأ فأحسَن الوضوءَ، ثم رفَع بصرَه إلى السماء، فقال: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عَبدُه ورسولُه. فُتِحت له ثمانيةُ أبوابٍ من الجنَّة، يَدخُلُ من أيِّها شاء" (٣). ليس هذا الحديثُ عندَ جماعةٍ من رواة "مصنَّف أبي داود".

стр. 2705

وحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاوية، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (١): أخبرنا محمدُ بنُ عليٍّ بن حربٍ، قال: حَدَّثَنَا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: حَدَّثَنَا معاويةُ بنُ صالح، عن ربيعةَ بنِ يزيدَ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ وأبي عثمانَ، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن عمرَ بنِ الخطاب، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن توضَّأ فأحسَن الوضوءَ، ثم قال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عَبدُه ورسولُه، فُتِحت له ثمانيةُ أبوابٍ من الجنَّة، يدخُلُ من أيِّها شاء" (٢). هكذا في هذه الأخبار كلِّها: "من الجنَّة". وقد جاء في غير هذه الأسانيد في خبرِ عمرَ هذا: "فُتِح له ثمانيةُ أبوابِ الجَنَّة". ليس فيها ذكرُ "من"، واللّه أعلم. أخبَرنا عبيدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالح، عن أبي عثمانَ، عن جُبَيرٍ، وربيعةَ بنِ يزيدَ، عن أبي إدريس الخَوْلانيِّ، جميعًا عن عقبةَ بن عامرٍ، عن عمرَ بن الخطابِ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما مِن أحدٍ يتوضَّأُ فيُسبغُ الوضوءَ، فيقول: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عَبدُه ورسولُه، إلّا فُتِحت له أبوابُ الجنّةِ الثمانيةُ، يَدخُلُ من أيِّها شاء" (٣).

стр. 2706

فعلى هذا اللفظ أبوابُ الجنّةِ ثمانيةٌ كما قالوا. وكذلك ما حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ سَعْدٍ (١)، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الأحوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الله بنِ عطاءٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، عن عمرَ بنِ الخطّاب، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما مِن رجل يتوضَّأُ فيُسبِغُ الوضوءَ، فيقول: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عَبدُه ورسولُه، إلّا فُتِحت له ثمانيةُ أبواب الجنّةِ، يَدخُلُ من أيِّها شاء" (٢). وقد رَوَينا من حديثِ مالكٍ في هذا الباب حديثًا غريبًا. حَدَّثَنَا خلفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ بَحِيرٍ بنِ رَيْسانَ (٣)، قال:

стр. 2707

حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن صفوانَ بنِ سُليم، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن أحدٍ يُنفِقُ زوجين من مالِه إلّا دُعِيَ من أبوابِ الجنّةِ الثمانية: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ. فمَن كان مِن أهلِ الصلاةِ دُعِيَ مِن بابِ الصلاةِ، ومَن كان مِن أهلِ الصيامِ دُعِيَ مِن بابِ الريّان". لا يَصِحُّ هذا الإسنادُ عن مالكٍ، ومحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ (١) بنِ بَحيرٍ وأبوه يُتَّهمان (٢) بوضْع الأحاديثِ والأسانيد. وقد ذكَر البزّارُ، عن حاجبِ بن سليمانَ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، قال: حَدَّثَنَا الثوريُّ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن للجنّةِ بابًا يُدعَى الريّانَ، يَدخُلُ منه الصائمون، فإذا دخَل آخِرُهم أُغلِق" (٣). وأمّا قوله ﷺ : "ومَن كان مِن أهلِ الصيامِ دُعِيَ من بابِ الريّان". والريّانُ فَعْلانُ من الرِّيِّ. وفي الحديث دليلٌ على أنَّ مَن صامَ يومين مُحتَسِبًا بهما وجهَ الله يُعَطِّشُ فيهما نفسَه، سقاه اللهُ وأرْواه يومَ القيامة. وإنَّما قلنا: يومين. ولم نقل: يومًا واحدًا،

стр. 2708

وإن كان جاء في غير هذا الحديث؛ لقوله ﷺ : "مَن أنفَق زوجين في سبيل الله". ثم قال: "وإن كان مِن أهلِ الصيامِ دُعِيَ مِن بابِ الريّان". ومَن أرْواه اللهُ يومَ القيامة لَمْ يَظمَأ ولم يَنَلْ بُؤْسًا، وتلك حالُ مَن غُفِر له وأُدخِل الجنّة برحمةِ الله، لا حَرَمنا الله ذلك برحمتِه، آمين. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "للجنّة بابٌ يقال له: الريّان، لا يَدخُلُ منه إلّا الصائمون". وهذا ممّا يدُلُّ أيضًا على أنَّ للجنّة أبوابًا. وفي حديثِنا هذا أيضًا دليلٌ على فضلِ أبي بكرٍ ﵁، وأنَّه مِن أهلِ الجنّة، وأنَّه ممّن جُمِع له الأعمالُ الصالحةُ، وأنَّه يُنادَى يومَ القيامة من جميع أبوابِ الجنّة؛ لتقدُّمِه في أعمالِ البرِّ، ورجاءُ رسولِ الله ﷺ يقينٌ إن شاء الله. ومعنى الدعاءِ من تلك الأبواب إعطاؤُه ثوابَ العاملين ونَيْلُه ذلك، واللّهُ أعلم. حدَّثني أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثني عبيدُ الله بنِ إدريسَ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثني عبدُ الغنيِّ بنُ أبي عقيل، قال: حَدَّثَنَا يَغْنَمُ بنُ سالمٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ جالسًا في جماعةِ من أصحابِه، فقال: "مَن صام اليومَ؟ ". فقال أبو بكرٍ: أنا. قال: "مَن تصدَّق اليومَ؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "مَن عاد اليومَ مريضًا؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "فمَن شَهِد اليومَ جِنازةً؟ ". قال أبو بكر: أنا. فقال: "وجَبتْ لك، وجَبتْ لك" (١). قال أبو عُمر: يَعْني الجنّةَ. فهنيئًا له ﵁ الجنّةُ، وعن جماعةٍ الصحابة.

стр. 2709

حديثٌ ثالث لابن شهاب، عن حُمَيْد يَسْتَندُ من وجوه (١) مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بن عوف، عن أبي هريرةَ، أنَّه قال: لولا أنْ يَشُقَّ عَلى أُمتِه لأمَرهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوء (٣). هذا الحديثُ يَدخلُ في المسندِ، لاتِّصالِه من غيرِ ما وجْهٍ، ولِمَا يَدلُّ عليه اللفظُ، وبهذا اللفظِ رواه أكثرُ الرواةِ عن مالكٍ، وممَّن رواه كذلك كما رواه يحيَى؛ أبو المصعبِ (٤)، وابنُ بُكيرٍ (٥)، والقعنبيُّ (٦)، وابنُ القاسمِ (٧)، وابنُ وَهْبٍ، وابنُ نافع (٨). وروَاه معنُ بنُ عيسَى، وأيوبُ بنُ صالح، وعبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ (٩)،

стр. 2710

وجويريةُ، وأبو قُرَّة مُوسَى بنُ طارقٍ (١)، وإسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ، ومُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله اليَسارِيُّ الأصمُّ، وبشرُ بنُ عمرَ، ورَوحُ بنُ عُبادةَ (٢)، وسعيدُ بنُ عُفيرٍ، عن مالكٍ. وسُحنونٌ، عن ابنِ القاسمِ (٣)، عن مالكٍ بإسنادِه، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوءٍ". وبعضُهم يقولُ: "مع كلِّ صلاةٍ". وكذلك رواه عليُّ بنُ داودَ (٤)، عن ابنِ بُكيرٍ، والصحيحُ عن ابنِ بُكيرٍ في "الموطّأ" ما ذكَرنا. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأحمدُ بنُ قاسمٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي أُوَيْسٍ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوءٍ" (٥). حَدَّثَنَا عليُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ رشِيقٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو العلاء محمدُ بنُ أحمدَ بنِ جعفرٍ الكوفيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ صالح، قال: حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ وإسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ وعبدُ الله بنُ وَهْبٍ، وقرأتُه على ابنِ نافع، قالوا: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بن عبد الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم

стр. 2711

بالسواكِ مع كلِّ صلاةٍ" (١). ولم يَرفعْه ابنُ وَهْبٍ، ولا (٢) ابنُ نافع. وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣): أخبرنا محمدُ بنُ يحيى، قال (٤): حَدَّثَنَا بِشرُ بنُ عمرَ. وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسَى المقرئُ، قال: حَدَّثَنَا إدريسُ بنُ عليِّ بن إسحاقَ البغداديُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ زيادٍ النيسابوريُّ، قال (٥): حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يحيى وإبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قالا: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوءٍ" (٦).

стр. 2712

في هذا الحديثِ إباحةُ السواكِ في كلِّ الأوقاتِ؛ لقولِه: "مع كلِّ وُضوءٍ". و: "مع كلِّ صلاةٍ". والصلاةُ قد تَجِبُ في أكثرِ الساعاتِ؛ بالعَشِيِّ والهجيرِ والغدواتِ. وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يَستاكُ وهو صائمٌ (١)، وعن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وأبي هُريرةَ، وعائشةَ (٢). وكرِهَ مالكٌ وأصحابُه والحسنُ بنُ حيٍّ السواكَ الرَّطْبَ للصائمِ، وأجازُوا اليابسَ منه في كلِّ الأوقاتِ للصائمِ. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والليثُ: لا بأسَ بالسواكِ الرَّطْبِ للصائم. وكذلك قال الشافعيُّ، إلَّا أنَّه قال: أكرهُه بالعَشِيِّ للخُلُوفِ (٣). وقال ابنُ عُلَيَّةَ: السواكُ سُنةٌ للصائمِ والمُفْطِرِ والرَّطْبُ واليابسُ في ذلك سَواءٌ؛ لأنَّه ليسَ بمأكولٍ ولا مشروبٍ. وكذلك (٤) رواه عليُّ بنُ داودَ، عن ابنِ بكيرٍ، والصحيحُ عن ابنِ بكيرٍ في "الموطّأ" ما ذكرْنا؛ حَدَّثَنَا خلفٌ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ داود، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ بُكيرٍ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ،
следующие страницы →