← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2708–2747 · переход к 2713.

стр. 2708

وإن كان جاء في غير هذا الحديث؛ لقوله ﷺ : "مَن أنفَق زوجين في سبيل الله". ثم قال: "وإن كان مِن أهلِ الصيامِ دُعِيَ مِن بابِ الريّان". ومَن أرْواه اللهُ يومَ القيامة لَمْ يَظمَأ ولم يَنَلْ بُؤْسًا، وتلك حالُ مَن غُفِر له وأُدخِل الجنّة برحمةِ الله، لا حَرَمنا الله ذلك برحمتِه، آمين. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "للجنّة بابٌ يقال له: الريّان، لا يَدخُلُ منه إلّا الصائمون". وهذا ممّا يدُلُّ أيضًا على أنَّ للجنّة أبوابًا. وفي حديثِنا هذا أيضًا دليلٌ على فضلِ أبي بكرٍ ﵁، وأنَّه مِن أهلِ الجنّة، وأنَّه ممّن جُمِع له الأعمالُ الصالحةُ، وأنَّه يُنادَى يومَ القيامة من جميع أبوابِ الجنّة؛ لتقدُّمِه في أعمالِ البرِّ، ورجاءُ رسولِ الله ﷺ يقينٌ إن شاء الله. ومعنى الدعاءِ من تلك الأبواب إعطاؤُه ثوابَ العاملين ونَيْلُه ذلك، واللّهُ أعلم. حدَّثني أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثني عبيدُ الله بنِ إدريسَ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثني عبدُ الغنيِّ بنُ أبي عقيل، قال: حَدَّثَنَا يَغْنَمُ بنُ سالمٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ جالسًا في جماعةِ من أصحابِه، فقال: "مَن صام اليومَ؟ ". فقال أبو بكرٍ: أنا. قال: "مَن تصدَّق اليومَ؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "مَن عاد اليومَ مريضًا؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "فمَن شَهِد اليومَ جِنازةً؟ ". قال أبو بكر: أنا. فقال: "وجَبتْ لك، وجَبتْ لك" (١). قال أبو عُمر: يَعْني الجنّةَ. فهنيئًا له ﵁ الجنّةُ، وعن جماعةٍ الصحابة.

стр. 2709

حديثٌ ثالث لابن شهاب، عن حُمَيْد يَسْتَندُ من وجوه (١) مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بن عوف، عن أبي هريرةَ، أنَّه قال: لولا أنْ يَشُقَّ عَلى أُمتِه لأمَرهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوء (٣). هذا الحديثُ يَدخلُ في المسندِ، لاتِّصالِه من غيرِ ما وجْهٍ، ولِمَا يَدلُّ عليه اللفظُ، وبهذا اللفظِ رواه أكثرُ الرواةِ عن مالكٍ، وممَّن رواه كذلك كما رواه يحيَى؛ أبو المصعبِ (٤)، وابنُ بُكيرٍ (٥)، والقعنبيُّ (٦)، وابنُ القاسمِ (٧)، وابنُ وَهْبٍ، وابنُ نافع (٨). وروَاه معنُ بنُ عيسَى، وأيوبُ بنُ صالح، وعبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ (٩)،

стр. 2710

وجويريةُ، وأبو قُرَّة مُوسَى بنُ طارقٍ (١)، وإسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ، ومُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله اليَسارِيُّ الأصمُّ، وبشرُ بنُ عمرَ، ورَوحُ بنُ عُبادةَ (٢)، وسعيدُ بنُ عُفيرٍ، عن مالكٍ. وسُحنونٌ، عن ابنِ القاسمِ (٣)، عن مالكٍ بإسنادِه، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوءٍ". وبعضُهم يقولُ: "مع كلِّ صلاةٍ". وكذلك رواه عليُّ بنُ داودَ (٤)، عن ابنِ بُكيرٍ، والصحيحُ عن ابنِ بُكيرٍ في "الموطّأ" ما ذكَرنا. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأحمدُ بنُ قاسمٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي أُوَيْسٍ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوءٍ" (٥). حَدَّثَنَا عليُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ رشِيقٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو العلاء محمدُ بنُ أحمدَ بنِ جعفرٍ الكوفيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ صالح، قال: حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ وإسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ وعبدُ الله بنُ وَهْبٍ، وقرأتُه على ابنِ نافع، قالوا: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بن عبد الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم

стр. 2711

بالسواكِ مع كلِّ صلاةٍ" (١). ولم يَرفعْه ابنُ وَهْبٍ، ولا (٢) ابنُ نافع. وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣): أخبرنا محمدُ بنُ يحيى، قال (٤): حَدَّثَنَا بِشرُ بنُ عمرَ. وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسَى المقرئُ، قال: حَدَّثَنَا إدريسُ بنُ عليِّ بن إسحاقَ البغداديُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ زيادٍ النيسابوريُّ، قال (٥): حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يحيى وإبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قالا: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوءٍ" (٦).

стр. 2712

في هذا الحديثِ إباحةُ السواكِ في كلِّ الأوقاتِ؛ لقولِه: "مع كلِّ وُضوءٍ". و: "مع كلِّ صلاةٍ". والصلاةُ قد تَجِبُ في أكثرِ الساعاتِ؛ بالعَشِيِّ والهجيرِ والغدواتِ. وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يَستاكُ وهو صائمٌ (١)، وعن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وأبي هُريرةَ، وعائشةَ (٢). وكرِهَ مالكٌ وأصحابُه والحسنُ بنُ حيٍّ السواكَ الرَّطْبَ للصائمِ، وأجازُوا اليابسَ منه في كلِّ الأوقاتِ للصائمِ. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والليثُ: لا بأسَ بالسواكِ الرَّطْبِ للصائم. وكذلك قال الشافعيُّ، إلَّا أنَّه قال: أكرهُه بالعَشِيِّ للخُلُوفِ (٣). وقال ابنُ عُلَيَّةَ: السواكُ سُنةٌ للصائمِ والمُفْطِرِ والرَّطْبُ واليابسُ في ذلك سَواءٌ؛ لأنَّه ليسَ بمأكولٍ ولا مشروبٍ. وكذلك (٤) رواه عليُّ بنُ داودَ، عن ابنِ بكيرٍ، والصحيحُ عن ابنِ بكيرٍ في "الموطّأ" ما ذكرْنا؛ حَدَّثَنَا خلفٌ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ داود، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ بُكيرٍ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ،

стр. 2713

عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ". وحَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ زكريَّا بنِ حَيُّويَة، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عبدِ الخالقِ، قال (١): حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عليٍّ بنِ سُويدِ بنِ مَنْجُوفٍ، قال: حَدَّثَنَا رَوحُ بنُ عُبادةَ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هُريرةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ" (٢). وفي هذا الحديث أدلُّ الدلائلِ على فَضْلِ السواكِ والرغبةِ فيه، وفيه أيضًا دليلٌ على فَضْلِ التيسيرِ في أُمورِ الدِّيانةِ، وأنَّ ما يَشُقُّ منها مكرُوهٌ؛ قال اللهُ : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ألا ترَى أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يُخَيَّرْ بينَ أمرينِ إلّا أخَذ أيسرَهما ما لَمْ يكنْ إثمًا، فإنْ كان إثمًا كان أبعدَ الناسِ منه (٣). وفضلُ السواكِ مُجتمَعٌ عليه لا خلافَ فيه (٤)، والصلاةُ عندَ الجميع بعدَ السواكِ أفضلُ منها قبلَه.

стр. 2714

قال الأوزاعيُّ ﵀: أدركْتُ أهلَ العلمِ يُحافِظون على السواكِ مع وُضوء الصبحِ والظهرِ، وكانوا يَستحِبُّونه مع كلِّ وُضوءٍ، وكانوا أشدَّ مُحافظةً عليه عندَ هاتين الصلاتين. وقال الأوزاعيُّ: السواكُ شَطْرُ الوُضوءِ. قال: وركعةٌ على أثرِ سواكٍ أفضلُ من سبعين ركعةً بغيرِ سواكٍ. وقال يحيى بنُ معينٍ: لا يَصحُّ حديثُ "الصلاةُ بأثرِ السواكِ أفضلُ من الصلاةِ بغيرِ سواكٍ" (١) وهو باطلٌ. وقال الشافعيُّ: أُحبُّ السواكَ للصلواتِ عندَ كلِّ حالٍ تَغَيَّرَ فيها الفمُ؛ نحوَ الاستيقاظِ من النومِ، والأَزْم (٢)، وكلِّ ما يُغَيِّرُ الفمَ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ". قال الشافعيُّ: ولو كان واجبًا لأمَرهم به شقَّ أو لَمْ يَشُقَّ. ورَوَينا من حديثِ عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "السواكُ مَطْهَرَةٌ للفمِ، مَرْضَاةٌ للربِّ" (٣). وقد كرِهَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ السواكَ الذي يُغَيِّرُ الفمَ ويَصبُغُه؛ لِمَا

стр. 2715

فيه من التشْبيهِ بزينةِ النساء، والسواكُ المندوبُ إليه هو المعروفُ عندَ العربِ، وفي عصرِ النبيِّ ﷺ ، وكذلك الأراكُ والبَشَامُ، وكلُّ ما يَجْلُو الأسنانَ إذا لَمْ يَكنْ فيه صِبْغٌ ولونٌ، فهو مثلُ ذلك ما خلا الريحانَ والقصبَ؛ فإنَّهما يُكرهان. وقالت طائفةٌ من العلماء: إنَّ الإصْبَعَ تُغني من السواكِ. وتأوَّل بعضُهم في الحديثِ المَرْوِيِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَشُوصُ فَاهُ بالسواكِ (١)، أي أنَّه كان يُدَلِّكُ أسنانَه بإصبَعِه ويَسْتَجزِئُ بذلك من السواك، واللّهُ أعلم.

стр. 2716

حديث رابع لابن شهاب، عن حُمَيْد مسندٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ، أنَّه سَمِع معاويةَ بنَ أبي سفيانَ يومَ عاشُورَاءَ عامَ حَجَّ، وهو على المِنْبَرِ، يقولُ: يا أهلَ المدينةِ، أين علماؤُكم؟ سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ لهذا اليومِ: " [هذا] (٢) يومُ عَاشُوراءَ، ولم يُكْتَبْ عليكم صِيَامُه، وأنا صائِمٌ؛ فمن شاء فلْيَصُمْ، ومن شاء فلْيُفْطِرْ". قال أبو عُمر: لا يخْتَلِفُ العلماءُ أنَّ يومَ عاشُوراءَ ليس بفَرْضٍ صيامُه، وأن لا فرضَ إلَّا صيامُ رمضانَ (٣). وفي هذا الحديثِ دليلٌ على فَضْلِ صومِ يومِ عاشُوراءَ؛ لأنَّه لَمْ يَخُصَّه بقَوْلِه ﷺ : "وأنا صَائِمٌ". إلَّا لفَضلٍ فيه، وفي رسولِ الله ﷺ الأُسْوَةُ الحسنة. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا حامِدُ بنُ يحيى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عبيدِ الله بنِ أبي يزيدَ (٤)، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ما عَلِمْتُ رسولَ الله ﷺ صام يَوْمًا يتَحَرَّى فَضْلَه على الأيَّامِ إلَّا هذا اليومَ. يَعْني يومَ عاشُوراء (٥).

стр. 2717

وأمَّا قولُه ﷺ : "فمن شاء فلْيَصُمْه، ومن شاء فلْيُفْطِرْه". فإنَّ هذه إباحَةٌ ورَدَتْ بعدَ وُجُوبٍ؛ وذلك أنَّ طائِفَةً من العلماء قالوا: إنَّ صومَ يومِ عاشُوراء كان فَرْضًا ثم نُسِخ بشهرِ رمضانَ، فلهذا ما أخْبَرَهم بهذا الكَلام. واحْتَجُّوا بحديثِ الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان صيامُ يوم عاشوراء قبلَ أن يَنْزِلَ رمضانُ، الحديثَ؛ روَاه ابنُ عيينةَ وجماعَةٌ، عن ابنِ شهابٍ (١). وقد ذكَرْنا عن ابنِ شهابٍ في بابِ حديثه عن عروةَ في المواقِيتِ (٢)، أنَّه قال (٣): فُرِضَ الصِّيامُ بالمدِينَةِ قبلَ بدرٍ. يَعْني صِيامَ شهرِ رمضان. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الجَهْمِ، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أبي حَفْصَةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كانوا يصومون عاشُورَاء قبلَ أن يُفْرَضَ رمضانُ، وكان يومًا تُسْتَرُ فيه الكعبةُ، فلمَّا فرَضَ اللهُ رمضانَ قال رسولَ الله ﷺ : "مَن شاء أن يصومَه فلْيَصُمْه، ومن شاء أن يَتْرُكَه فلْيَتْرُكْه" (٤).

стр. 2718

ورَواه ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن ابنِ شهابٍ، فقال فيه: إنَّ رسولَ الله" ﷺ كان يصومُ عاشُورَاء ويَأْمُرُ بصِيَامِه (١). وقد روَى شيخٌ يُسَمَّى محمدَ بنَ عبدِ الله بنِ قُوهِيٍّ (٢)، عن معنِ بنِ عيسى، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يصومُ يومَ عاشوراء، ويأْمُرُ بصيامِه. ورَواه الكُدَيميُّ (٣) أيضًا، عن أبي عليٍّ الحَنَفِيِّ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ مثلَه. وهو غيرُ محفوظٍ عن مالكٍ بهذا الإسنادِ. وأمَّا حديثُ ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، فمَحْفُوظٌ، ولا يَصِحُّ فيه عن مالكٍ عن الزُّهريِّ إلَّا إسْنادُ "الموطّأ"، وسائِرُ ذلك عنه خَطَأٌ،

стр. 2719

ولكنَّ هذا الحديثَ رَواه عن عروةَ ابنُ شهابٍ، وهِشَامُ بنُ عروةَ، وعِرَاكُ بنُ مالكٍ (١)، وغيرُهم. قال أبو عُمر: لما فُرِضَ رمضانُ صامَه رسولُ الله ﷺ على وَجْهِ التَّبَرُّكِ والتَّبَرُّرِ، وأمَرَ بصيَامِه على ذلك، وأخْبَرَ بفَضْلِ صَوْمِه، وجَعَلَ ذلك بعدَه لأصحابه (٢)، ألا تَرَى أنَّ عُمَرَ بنَ الخطابِ كتَبَ إلى الحارِثِ بنِ هِشَامٍ: إنَّ غَدًا يومُ عَاشُورَاء، فصمْ وأمُرْ أهْلَك أن يصوموا (٣). وعن عليٍّ بنِ أبي طالِبٍ مثلُ ذلك. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن أبي إسحاقَ، عن الحارِثِ، عن عليٍّ، أنَّه كان يأْمُرُ بصوم يوم عاشُوراء (٤).

стр. 2720

وقد روَى عبدُ الله بنُ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ في ذلك مثلَ روايةِ عائشةَ؛ روَاه عبيدُ الله بنُ عُمَرَ وأيُّوبُ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال في صَوْمِ يومِ عاشُوراء: صامَه رسولُ الله ﷺ وأمَرَ بصَوْمِه، فلما فُرِضَ رَمَضانُ تُرِكَ. فكان عبدُ الله بن عُمر لا يَصُومُه من أجْلِ حديثه هذا. وخَفِيَ عليه ما ندَبَ رسولُ الله ﷺ من صِيَامِه، وصَوْمُه له ﷺ . حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى القَطَّانُ، عن عُبَيْدِ الله (١) بنِ عُمَرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ، قال: كان يومُ عاشُورَاء يومًا يصومُه أهْلُ الجاهِلِيَّةِ (٢)، فلمَّا نزَل رمضانُ سُئِل رسولُ الله ﷺ ، فقال: "يومٌ من أيَّام الله؛ فمَن شاء صامَه، ومَن شاء تَرَكَه" (٣). وحَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زهير، قال (٤): حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ سلَّام، قال (٥): أخبَرنا إسماعيلُ بنُ

стр. 2721

إبراهيمَ، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ، قال: صامَه رسولُ الله وأمَرَ بصِيامِه، فلمَّا فُرِضَ رمَضانُ تُرِكَ. فكان ابنُ عمرَ لا يصُومُه إلَّا أنْ يَأْتيَ على صَوْمِه. يَعْنِي يومَ عاشُوراء (١). قال أبو عُمر: وكان طاوسٌ لا يَصُومُه (٢)؛ لأنَّه، واللّهُ أعلمُ، لَمْ يَبْلُغْه ما جاء فيه من الفَضْلِ، وليس فيما خَفِيَ عليه ما عَلِمَه (٣) غيرُه حُجَّةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ قولَه : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. لا تَدْفَعُ هذه الإباحَةُ فَضْلَ انتظارِ الصلاةِ في المسجدِ وعَمَلِها، وباللّه التوفيقُ. وعلى هذا يُحْمَلُ حديثُ مُعاويةَ المذكورُ في هذا البابِ؛ أنَّ تَخْيِيرَه إنَّما كان لسُقُوطِ وُجُوبِ صِيَامِه، لا أنَّه لا معنى لصومِه، ولما سقَطَ وُجوبُه صِيمَ على جِهَةِ الفَضْلِ، والآثارُ تَدُلُّ على ذلك، وهذا عندي نحوُ قِيَامِ الليلِ؛ كان في أوَّلِ الإسلام فَريضَةً حَوْلًا كامِلًا، فلمَّا فُرِضَتِ الصلواتُ الخَمْسُ صار قيامُ الليلِ فَضِيلَةً بعدَ فَرِيضَةٍ. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ (٤). وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا

стр. 2722

أحمدُ بنُ شعيبٍ (١)، قالا: أخبَرنا زيَادُ بنُ أيوبَ، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْم، قال: حَدَّثَنَا أبو بِشْرٍ، عن سعيدٍ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قَدِمَ النبيُّ ﷺ "المدينةَ وجَد اليهودَ يَصُومُونَ عاشُوراء، فسُئِلُوا عن ذلك، فقالوا: هو اليومُ الذي أظْهَرَ اللهُ فيه موسى على فرعونَ، ونحن نصومُه تَعْظِيمًا له. فقال رسولُ الله ﷺ : "نحن أوْلَى بموسى منكم". وأمَرَ بصِيَامه (٢). فهذا دَليلٌ على أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يَصُمْه إلَّا تَعْظِيمًا له. وقد رَوَينا عن طارِقِ بنِ شهابِ، أنَّه قال: كان يومُ عاشُوراء لأهْلِ يَثْرِبَ، يَلْبَسُ فيه النِّساءُ شارَتَهُنَّ، فقال رسولُ الله ﷺ : "خَالِفُوهم فصوموه" (٣).

стр. 2723

ورَوَينا عنِ ابنِ مسعودٍ (١)، وجابرِ بنِ سَمُرَة (٢)، وقَيْسِ بنِ سَعْدٍ (٣)، قالوا: نُؤْمَرُ بصيام عاشُورَاء، فلمَّا نزَل رَمَضانُ لَمْ نُؤْمَرْ به ولم نُنْهَ عنه، ونحن نفْعَلُه. وقال عَلْقَمَةُ: أتَيْتُ ابنَ مسعودٍ فيما بينَ رمضانَ إلى رمضانَ، ما من يومٍ إلَّا أتَيْتُه فيه، فما رأيْتُه في يوم صائمًا إلَّا عاشُورَاء (٤).

стр. 2724

قال أبو عُمر: قولُ رسولِ الله ﷺ في حديثِ معاويةَ المذكُورِ في هذا البابِ؛ يا أهلَ المدينةِ، سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "هذا يومُ عاشوراء، ولم يَفْرِضِ اللهُ عليكم صيامَه، وأنا صائمٌ"، الحديثَ، دليلٌ على أنَّ له فَضْلًا، قال اللهُ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقد جاء بهذا اللفظِ في هذا الحديثِ قولُه: "وأنا صَائِمٌ" عن جماعَةٍ من الحُفَّاظِ، منهم: مالِكٌ، وابنُ عُيَيْنَةَ، ثم ما جاء عن عُمَرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ (١)، وغيرِهم من الصحابَةِ، وما جاء في ذلك عن التابعين أكْثَرُ من أن يُحْصَى، مع ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "صِيَامُ يومِ عاشُورَاء يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً". رواه أبو قتادةَ، عن النبيِّ ﷺ . حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نَصرٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ وأحمدُ بنُ زهيرٍ (٢)، قالا: حَدَّثَنَا الحميدِيُّ، قال (٣): حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: حَدَّثَنَا داودُ بنُ شابُورَ، عن أبي قَزَعَةَ، عن أبي الخَلِيلِ، عن أبي حَرْمَلَةَ، عن أبي قتادةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "صِيَامُ يومِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ هذه السَّنَةَ والتي تَلِيها، وصيامُ يوم عَاشُورَاء يُكَفِّرُ سَنَةً" (٤).

стр. 2725

وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا شَبابَة، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، قال: حَدَّثَنَا غَيْلانُ بنُ جريرٍ المِعْوَليُّ، عن عبدِ الله بنِ مَعْبِدٍ الزَّمَّانيِّ، عن أبي قَتادةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه بمعناه (١). وممّا يدُلُّ على فَضْلِه والتَّرغيب في صيامِه ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه أمَرَ قومًا قد طَعِمُوا يومَ عاشُوراءَ أنْ يَكُفُّوا عن الطَّعام، ويصوموا باقي يومِهم. حَدَّثَنَاه سعيدُ بنُ نصرٍ، قالْ حَدَّثَنَا ابنُ أبي دُلَيْم وقاسِمُ بنُ أصبغَ، قالا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مسعودٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى القَطَّانُ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لرجلٍ: "أذِّنْ في قَوْمِك يومَ عَاشُورَاء، مَن أكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يومِه، ومَن لَمْ يَأْكُلْ فلْيُتِمَّ صِيامَه" (٢). ورُوي من حديثِ أسماء بنِ حَارِثَةَ (٣) وغيرِه، عن النبيِّ ﷺ مثلُه (٤).

стр. 2726

واخْتَلَف العلماءُ في يومِ عاشُورَاء، فقالت طائِفَةٌ: هو اليومُ العاشِرُ من المحرم. وممَّن رُوِيَ ذلك عنه: سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَنِ البصريُّ (١). وقال آخرون: هو اليومُ التاسِعُ منه (٢). واحْتَجُّوا بحديثِ الحَكَمِ بنِ الأعرجِ، قال: أتَيْتُ ابنَ عباسٍ في المسجدِ الحرامِ، فسالتُه عن صيامِ عاشُورَاء، فقال: اعْدُدْ،

стр. 2727

فإذا أصْبَحْتَ اليومَ التاسِعَ فأصْبحْ صائمًا. قلتُ: كذلك كان محمدٌ يصومُ؟ قال: نعم، ﷺ (١). وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ القَوْلانِ جميعًا (٢). وقال قومٌ من أهلِ العِلْمِ: مَن أحَبَّ صومَ عاشوراء صام يَوْمَيْنِ؛ التاسِعَ والعاشرَ. وأظُنُّ ذلك احْتِياطًا منهم، واللّهُ أعلمُ. وممَّنْ رُوِىَ عنه ذلك أيضًا؛ ابنُ عباسٍ (٣)، وأبو رافِع صاحِبُ أبي هريرةَ، وابنُ سِيرِينَ. وقاله الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ (٤). ورواه يحيى القَطَّانُ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن شعبةَ مولى ابنِ عباسٍ، قال: كان ابنُ عباسٍ يصومُ عاشُورَاء في السَّفَرِ، ويُوالي بينَ اليَوْمَيْنِ مَخَافَةَ أن يفوته (٥). وروَى ابنُ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّه كان يصومُ العاشِرَ، فبَلَغَه أنَّ ابنَ عباس كان يصومُ التاسِعَ والعاشِرَ، فكان ابنُ سِيرِينَ يصومُ التاسِعَ والعاشِرَ (٦). وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (٧)، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جريجٍ، قال: أخبَرني عطاءٌ، أنَّه سَمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: خالِفوا اليهودَ؛ صوموا التاسع والعاشرَ (٨).

стр. 2728

وفي اخْتِلافِ العُلَماء في يومِ عاشُوراء واهْتِبَالِهم بذلك دليلٌ على فَضْلِه، واللّهُ أعلمُ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ النَّيْسَابُورِيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ الوَرْكَانيُّ، قال: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بنُ سَلْم الطَّوِيلُ، عن زيدٍ العَمِّيِّ، عن مُعاوِيةَ بنِ قُرَّةَ، عن مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ وابنِ عباسٍ، أنَّهما قالا: يومُ عاشُوراء اليومُ التاسعُ، ولكنَّ اسْمَه العاشُوراء (١). وروَى وكيعٌ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن القاسِم بنِ عباسٍ (٢)، عن عبدِ الله بنِ عُمَيْرٍ مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لَئِنْ بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لأصُومَنَّ التاسِعَ". ذكَرَه ابنُ أبي شَيْبَةَ (٣) وغيرُه، عن وكيع. وروَى ابنُ وَهْبٍ، عن يحيى بنِ أيوبَ، أنَّ إسماعيلَ بنَ أُمَيَّةَ حدَّثَه، أنَّه سمِعَ أبا غَطَفَانَ يقولُ: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عباسٍ يقولُ: حينَ صام رسولُ الله ﷺ يومَ عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِه، قالوا: يا رسولَ الله، إنَّه يومٌ يُعَظِّمُه اليهودُ والنصاري، فقال رسولُ الله ﷺ : "فإذا كان العامُ المقْبِلُ صُمنا التاسعَ". فلم يَأْتِ العامُ المقْبِلُ حتى تُوفي رسولُ الله ﷺ . وذكَرَه أبو داودَ (٤)، عن سليمانَ بنِ داودِ المَهْرِيِّ، عن ابنِ وَهْبٍ.

стр. 2729

وفي هذا دليل على أنَّه كان يصومُ العاشرَ إلى أن مات، ولم يَزَلْ يصومُه حتى قَدِمَ المدِينَةَ، وذلك محفوظٌ من حديثِ ابنِ عباسٍ، وفي مُواظَبَتِه على صِيامه دليلٌ على فَضْلِه، واللّهُ أعلمُ. والآثارُ عن ابنِ عباسٍ في هذا البابِ مُضْطَرِبَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، لكنْ ما ذكَرَه ابنُ وَهْبٍ ووكيع أصَحُّ من حديثِما زيدٍ العَمِّيِّ، ومن حديثِ الحَكَمِ بنِ الأعْرَج، واللّهُ أعلمُ. ومَن صام يَوْمَيْن كان على يَقِينٍ من صِيامِ عاشوراء. وقال صاحِبُ "العَيْنِ" (١): وعاشُوراءُ اليومُ العاشرُ من المُحَرَّمِ. قال: ويُقالُ: التاسِعُ. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح، قال: حَدَّثَنَا ابنُ مِقْلاصٍ، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: حدَّثني مُعاويَةُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جَبَلةَ (٢): قال: كنا مع ابنِ شهابٍ يومَ عاشوراء في سَفَرٍ، وكان يأمُرُ بفِطْرِ رَمَضانَ في السفرِ. قال: فرأيْتُه صائمًا في يومِ عاشُوراء، فقلتُ له: يا أبا بكرٍ، تصومُ يومَ عاشُوراء في السفرِ وأنت تُفْطِرُ في رمضانَ في السَّفَرِ؟ فقال: إنَّ رَمضانَ له عِدَّةٌ من أيام أُخَرَ، وإن يومَ (٣) عاشُوراء يفُوتُ (٤).

стр. 2730

حديثُ خامس لابن شهاب، عن حُمَيْد مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميد بن عبدِ الرَّحمن بن عوف، أنَّه سَمِعَ معاويةَ بنَ أبي سُفيانَ عامَ حجَّ وهو على المِنْبر، وتناول قُصَّةً من شَعرٍ كانت في يد حَرَسِيٍّ (٢)، يقولُ: يا أهلَ المدينةِ، أين علماؤُكم؟ سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَنهى عن مثلِ هذه ويقولُ: "إنَّما هَلكتْ بنو إسرائيلَ حينَ اتَّخذَ هذه نساؤُهم (٣) ". في هذا الحديثِ من الفقهِ، صعودُ الإمامِ على المنبرِ للخطبةِ، وتناولُه في الخطبةِ الشيء يَراه إذا كان في تناوله ذلك شيءٌ من أمر الدِّينِ، ليعلِّمَه مَن جهِلَه. وفيه الحديثُ عن رسولِ الله ﷺ في الخُطبةِ وغيرِها (٤)، وتعليمُ الناسِ (٥) ما جهِلوه من أمرِ دينِهم في الخطبةِ. وفيه إباحةُ الحديثِ عن بني إسرائيلَ في الخطبةِ وغيرِها. وفيه دليلٌ على الاعتبارِ والتَّنظيرِ والحكمِ والقياس (٦)، ألا تَراه خافَ على هذه الأمَّةِ الهلاكَ إن ظهرَ منهم مثلُ ذلك العمل الذي كان ظهَر في بَني إسرائيلَ حينَ أُهلِكوا؟ ففي هذا دليلٌ واضحٌ على أنَّ اللهَ إذا أهلَكَ قومًا بعملٍ، وجَب على كلّ مؤمنٍ اجتنابُ ذلك العملِ؛ دليلُ ذلك قولُ الله : ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ

стр. 2731

فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. يعني، واللّهُ أعلمُ، أنَّ مَن فعَل فعلَهم استحقَّ أن ينالَه ما نالَهم أو يغفر اللهُ. كذلك قال أهلُ العلم (١)، وهو الصحيحٌ. ويحتمِلُ قولُه ﷺ : "إنَّما هلَكتْ بنو إسرائيلَ حين اتخذَها نساؤُهم". أنَّه من الأمرِ الذي لَمْ يفشُ في بني إسرائيلَ، ولم يشتهِرْ في نسائِهم إلَّا حين ارتكابِهم الكبائرَ، وإعلانِهم المناكرَ، فكأنَّها علامةٌ لا تكادُ تظهرُ إلَّا في أهلِ الفِسْق والمعاصي، واللّهُ أعلمُ، لا أنَّها فعلةٌ يستحقُّ مَن فعَلها الهلاكَ عليها دون أن يجامعَها غيرُها. وقد يحتمِلُ أن يكونَ بنو إسرائيلَ نُهوا عن ذلك في كتابِهم نهيًا مجرَّدًا، ففعَلوا ذلك مع علمِهم (٢) بتحريم ذلك؛ استخْفافًا، فاستحقُّوا العقوبةَ. والذي مُنِع من ذلك بنو إسرائيلَ، قد جاء عن نبيِّنا ﷺ مثلُه، من كراهيةِ اتِّخاذِ النِّساء الشعورَ المستعارةَ، ووصلِهنَّ بذلك شعورَهنَّ. وفيه ورَد الحديثُ بلعنِ الواصلةِ والمستوصلةِ، والواصلةُ هي الفاعلةُ لذلك، والمستوصلةُ الطَّالبةُ أن يُفعَلَ بها ذلك. حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسَى، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ الله (٣) بنُ محمدِ بنِ حَبَابةَ، قال: حَدَّثَنَا البغويُّ، قال (٤): حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الجعدِ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ مسلم بنِ ينَّاقٍ يحدِّثُ، عن صفيَّةَ ابنةِ شيبةَ، عن عائشةَ، قالت: تزوَّجَت امرأةٌ من الأنصارِ، فمرِضتْ، وتمرَّط شعَرُها، فأرادوا أن يصلوا فيه، فسُئل رسولُ الله ﷺ عن ذلك، فلعَن رسولُ الله ﷺ الواصلةَ والمستوصلةَ (٥).

стр. 2732

وروَى عبدُ الرَّزَّاق (١) وغيرُه، عن الثوريِّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: قال عبدُ الله: لعَن اللهُ الواشماتِ والمستوشماتِ، والمتنمِّصاتِ، والمتفلِّجاتِ للحُسنِ، المُغَيِّراتِ خلقَ الله. قال: فبلَغ ذلك امرأةً من بني أسدٍ يقالُ لها: أمُّ يعقوبَ، فقالت: يا أبا عبدِ الرحمن، بلغَني أنك لعَنتَ كيتَ وكيتَ. فقال: ومَا لي لا ألعنُ مَن لعَنه رسولُ الله ﷺ ، ومَن هو في كتاب الله؟ قالت: إني لأقرأُ ما بينَ اللَّوحينِ فما أجِدُه. قال: إن كنتِ قرأتِه لقد وجدتِه، أمَا قرأتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قالت: بلى. قال: فإنَّه قد نهَى عنه رسولُ الله ﷺ . قالت: إني لأظُنُّ أهلَك يفعَلونَ بعضَ ذلك. قال: فاذهبي فانظُري. قال: فدخَلَت فلم ترَ شيئًا. قال: فقال عبدُ الله: لو كانت كذلك لم تجامعْنا (٢). وقال ابنُ سيرينَ لرجلٍ سألَه، فقال: إنَّ أمِّي كانت تمشِّطُ النساء، أترى لي أن آكُلَ من مالِها، وأرثَه عنها؟ فقال: إن كانت تصِلُ، فلا. وهذا من وَرَعٌ من ابنِ سيرينَ (٣) ﵀.

стр. 2733

وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ شعرَ بَني آدمَ طاهِرٌ ألا تَرى إلى تناولِ معاويةَ وهو في الخطبةِ قُصةَ الشَّعَرِ؟ وعلى هذا أكثرُ العلماء، وقد كان الشافعيُّ ﵀ يقولُ: إنَّ شَعرَ بني آدمَ نجسٌ؛ لقولِه ﷺ : "ما قطِعَ من حيٍّ فهو ميتٌ" (١).

стр. 2734

ثم رجَع عن ذلك؛ لهذا الحديثِ وأشباهِه، لإجماعِهم على الصُّوفِ من الحيِّ أنَّه طاهرٌ، وأمَّا الصوفُ من الميتةِ فمختلَفٌ فيه (١). وأمَّا الكلامُ في الخطبةِ بالمواعظِ والسننِ وما أشْبَه ذلك فمباحٌ، لا خلافَ بينَ العلماء في ذلك، واختلَفوا في سائرِ الكلامِ في الخطبةِ للمأمومِ والإمام، نحوَ تشميتِ العاطسِ، وردِّ السلامِ، وللكلامِ في ذلك موضعٌ من كتابِنا غيرُ هذا (٢)، وبالله توفيقُنا. واحتجَّ بهذا الحديثِ أيضًا مَن زَعَم أنَّ عملَ أهلِ المدينةِ لا حجَّةَ فيه، وقال: ألا ترى أنَّ معاويةَ ﵁ يقولُ: أين عُلماؤُكم؟ يريدُ: أين علماؤُكم عن تغييرِ مثلِ هذا، والحفظِ له، والعملِ به ونشرِه؟ يريدُ أنَّ المدينةَ قد يظهَرُ فيها ويُعملُ بينَ ظهراني أهلِها بما ليس بسُنَّةٍ، وإنَّما هو بدعةٌ. واحتجَّ قائلُ هذا القولِ بروايةِ مالكٍ (٣)، عن عمِّه أبي سهيلِ بنِ مالكٍ، عن أبيه، وعن كبارِ التَّابعين، أنَّه قال: ما أعْرِفُ شيئًا ممَّا أدركتُ الناسَ عليه إلَّا النِّداء بالصلاةِ. وقد حكَى إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسٍ، عن مالكٍ، أنَّه سئلَ عمَّا يصنعُ أهلُ المدينةِ ومكةَ من إخْراجِ إمائِهم عراةً متَّزراتٍ، وأبدانُهنَّ ظاهرةٌ وصدورُهنَّ، وعمَّا يصنعُ

стр. 2735

تجَّارُهم من عرضِ جواريهم للبيعِ على تلك الحالِ؟ فكرِهه كراهيةً شديدةً، ونهَى عنه، وقال: ليس ذلك من أمر مَن مضَى من أهلِ الفقهِ والخيرِ، ولا أمرِ مَن يُفتي من أهلِ الفقهِ والخيرِ، وإنَّما هذا من عملِ مَن لا ورَع له من الناسِ. وقال أنسُ بنُ عياضٍ (١): سمِعتُ هشامَ بنَ عُروةَ يقولُ: لما اتَّخذَ عروةُ قصرَه بالعقيقِ، عوتِب في ذلك، وقيلَ له: جفَوتَ عن مسجدِ رسولِ الله ﷺ . فقال عروةٌ (٢): إني رأيتُ مساجدَكم لاهيةً، وأسْواقَكم لاغِيةً (٣)، والفاحشَةَ في فجاجِكم عاليةً، فكان فيما هنالكَ عمَّا أنتم فيه عافيةٌ (٤). ثم قال: ومَن بقي إنَّما بَقِي شامِتٌ بنكبةٍ، أو حاسدٌ بنعمَةٍ (٥). قالوا: فهذا عروةُ يُخبِرُ عن المدينةِ بما ذكَرنا، فكيف يُحتَجُّ بشيءٍ من عملِ أهْلِها لا دليلَ عليه. قال أبو عُمر: والذي أقولُ به، أنَّ مالكًا ﵀ إنَّما يحتجُّ في "موطئِه" وغيرِه بعَمَلِ أهلِ المدينةِ، يريدُ بذلك عَمَلَ العُلماء والخيارِ والفضلاء، لا عملَ العامَّةِ السَّوداء، وبالله التوفيقُ. وقد ذكَرنا هذا الخبرَ ومثلَه في موضعِه من كتابِنا "كتابِ العلم" بإسنادِه، فأغنَى عن إعادتِه هاهنا. • حديث مالك، عن ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تقدَّم من ذنبه" ليس عند يحيى عن مالك. وقد ذكرنا طُرق هذا الحديث في باب ابن شهاب، عن أبي سَلَمة.

стр. 2736

حديث سادس لابن شهاب، عن حُمَيْد شَرِكهُ فيه محمدُ بنُ النعمان بن بَشِير مالكٌ (١)، عن ابنِ شِهابٍ، عن حُميد بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، وعن محمدِ بنِ النعمانِ بنِ بَشِير، يُحدِّثانِه عن النعمانِ بنِ بَشِيرٍ، أنَّ أباهُ أتى به رسولَ الله ﷺ ، فقال: إنِّي نحَلتُ ابْنِي هذا غلامًا كان لي، فقال رسولُ الله ﷺ : "أكلَّ ولَدِك نَحَلتَه مِثلَ هذا؟ ". قال: لا. قال رسولُ الله ﷺ : "فارْجِعْه". قال صاحبُ كتابِ "العينِ" (٢): النُّحْلُ والنِّحْلَةُ: العطاءُ بلا اسْتِعاضةٍ، ونُحْلُ المرأةِ: مَهْرُها. وقال أبو عُبيدَةَ (٣): ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾: مُهُورَهُنَّ، ﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]: عن طِيبِ نَفْسٍ مِنكم. وقال غيرُه (٤): ﴿نِحْلَةً﴾. أي هِبَةً من الله. يعني أنَّ المهورَ هِبَةٌ من الله للنساء، وفرِيضَةٌ عليكم. وهكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ أصحابِ ابنِ شهابٍ بهذا الإسنادِ وهذا المعنى، وكلُّهم يقولُ فيه: إنَّ النبيَّ ﷺ قال له: "فارْجِعْه". ورُبَّما قال بعضُهم: "فارْدُدْه" (٥). ولفظُ حديث ابنِ شهابٍ هذا، قولُه: "فارْجِعْه". قد تابَعه عليه هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، على اختلافٍ عن هشام في ذلك (٦). وهذا حديثٌ قد روَاه جماعةٌ عن النعمانِ بنِ بشيرٍ؛ منهم الشعبيُّ وغيرُه بألفاظٍ مُختلِفةٍ توجِبُ أحكامًا سنذكُرُها في هذا البابِ إن شاء الله.

стр. 2737

فأمَّا حديثُ عروةَ بنِ الزبيرِ، فحدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: حدَّثني النعمانُ بنُ بشيرٍ، قال: أعطَاه أبوه غلامًا، فقال له رسولُ الله ﷺ : "ما هذا الغلامُ؟ ". قال: غلامٌ أعطانيه أبي. قال: "أفكلَّ إخوَتِكَ أعطَاهم كما أعطَاكَ؟ ". قال: لا. قال: "فارْدُدْه" (٢). ففي هذا الخبرِ أنَّه خاطَب بهذا القولِ النعمانَ بنَ بشيرٍ، وفي حديثِ ابنِ شهابٍ أنَّه خاطَب بذلك أباه بَشِيرًا المعطِيَ، وهو الأكثرُ والأشهَرُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زِيادٍ، قال: حدَّثنا سعَدانُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، أنَّ أباه نحَلَه نُحْلًا، فقالت أمُّه: أشهِدْ عليه لابني رسولَ الله ﷺ . فأتى النبيَّ ﷺ ، فذكَر ذلك له، فقال: "أكلَّ ولَدِك أعطَيتَه مثلَ ما أعطَيتَ هذا؟ ". قال: لا. قال: فكَرِه رسولُ الله ﷺ أن يَشهَدَ له (٣). وروَاه سعدُ بنُ إبراهيمَ، فخالَفَه في هذه اللَّفظَةِ. قرَأتُ على عبدِ الوارثِ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن عُروةَ بنِ

стр. 2738

الزبيرِ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، أنَّ أباه نحَلَه نِحْلَةً، فأتى النبيَّ ﷺ ليشهِدَه، فقال: "أكلَّ بَنِيكَ أعطَيتَ مثلَ هذا؟ ". قال: لا. فأبَى أن يَشهَدَ (١). وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ جوازُ العَطِيَّةِ من الآباء للأبناء، وهذا في صِحَّةِ الآباء؛ لأنَّ فِعلَ المريضِ في مالِه وصِيَّةٌ، والوصِيَّةُ للوارِثِ باطِل (٢). وهذا أمرٌ مُجتمَعٌ عليه (٣)، فيُستَغنى عن القولِ فيه، وقد بَيَّنا هذا المعنَى في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عامِرِ بنِ سعدٍ (٤). وفيه التَّسوِيَةُ بينَ الأبناء في العطاءِ؛ لقولِه: "أكلَّ وَلَدِك أعطَيتَه مثلَ هذا؟ ". واختَلفَ الفقهاءُ في هذا المعنى؛ هل هو على الإيجابِ أو على الندبِ؟ فأمَّا مالكٌ، والليثُ، والثوريُّ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم (٥)، فأجازُوا أن يَخُصَّ بعضَ ولَدِه دونَ بعضٍ بالنِّحلَةِ والعَطِيَّةِ، على كَراهِيةٍ من بعضِهم، على ما يأتي من أقاويلِهم في هذا البابِ، والتَّسوِيَةُ أحَبُّ إلى جميعِهم. وكان مالكٌ يقولُ: إنَّما معنى هذا الحديثِ الذي جاء فيه، فيمَن نَحَل بعضَ ولَدِه مالَه كلَّه. قال: وقد نحَل أبو بكرٍ ﵁ عائشةَ دُونَ سائرِ ولَدِه (٦)، حكَى ذلك عنه ابنُ القاسِم، وأشْهَبُ.

стр. 2739

وقال الشافعيُّ: تَرْكُ التَّفضِيلِ في عَطِيَّةِ الأبناء فيه حُسنُ الأدَبِ، ويجوزُ له ذلك في الحُكم. قال: وله أن يَرجِعَ فيما وهَب لابنِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "فارْجِعْه" (١). واستَدَلَّ الشافعيُّ بأنَّ هذا الحديثَ على النَّدْبِ، بنحوِ ما استَدَلَّ به مالكٌ ﵀ من عَطِيَّةِ أبي بكرٍ عائشةَ، وبما روَاه داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: نَحَلَني أبي نُحْلًا، وانطلَق بي إلى النبيِّ ﷺ ليُشهِدَه على ذلك، فقال: "أكُلَّ ولَدِكَ نَحَلتَه مثلَ هذا؟ ". فقال: لا. قال: "أيسُرُّكَ أن يكونوا لك في البِرِّ كلُّهم سواءً؟ ". قال: نعم. قال: "فأشهِدْ على هذا غيري" (٢). قال: وهذا يَدُلُّ على صحَّةِ الهِبَةِ؛ لأنَّه لم يأمُرْ برَدِّها، وإنَّما أمَره بتأكِيدِها بإشهادِ غيرِه عليها، وإنَّما لم يَشهَدْ ﵇ عليها لتَقصِيرِه عن أوْلى الأشياء به، وتَركِه الأفضَلَ. وقال الثوريُّ: لا بأسَ أن يَخُصَّ الرجلُ بعضَ ولَدِه بما شاء. وقال أبو يوسفَ: لا بأسَ بذلك إذا لم يُرِدِ الإضرارَ، وينبغي أن يسَوِّيَ بينَهم؛ الذكرُ والأُنثى (٣). وقد رُوِي عن الثوريِّ أنَّه كَرِه أن يُفَضِّلَ الرجلُ بعضَ ولَدِه على بعضٍ في العَطِيَّةِ. وكَرِه عبدُ الله بنُ المباركِ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، أن يُفَضِّلَ بعضَ ولَدِه على بعضٍ في العطايا. وكان إسحاقُ يقولُ مثلَ هذا (٤)، ثم رجَع إلى مثلِ قولِ الشافعيِّ. وكلُّ هؤلاء يقولُ: إن فعَل ذلك أحَدٌ، نَفَذ، ولم يُرَدَّ. واختُلِف في ذلك عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، وأصَحُّ شيءٍ عنه في ذلك ما ذكَره الخِرَقِيُّ في "مختصرِه" عنه،

стр. 2740

قال (١): وإذا فاضَلَ بينَ وَلَدِه في العَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كما أمَر النبيُّ الله ﷺ ، فإن مات ولم يرُدَّه، فقد ثَبَت لمن وُهِب له إذا كان ذلك في صِحَّتِه. وقال طاوُسٌ: لا يجوزُ لأحَدٍ أن يُفَضِّلَ بعضَ ولَدِه على بعضٍ، فإنْ فعَلَ لم يَنْفُذْ، وفُسِخ. وبه قال أهلُ الظاهرِ؛ منهم داودُ وغيرُه (٢). ورُوِيَ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ مثلُه. وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، المذكورُ في هذا البابِ؛ قولُه: "فارْجِعْه". حمَلوه على الوُجوبِ، وأبطَلوا عَطِيَّةَ الأبِ لبعضِ ولَدِه دونَ بعضٍ؛ لقولِه ﷺ : "فارْجِعْه". ولقولِه في حديثِ جابرٍ في هذه القِصَّةِ: "هذا لا يَصلُحُ، ولا أشْهَدُ إلَّا على حَقٍّ" (٣). قالوا: وما لم يكنْ حقًّا فهو باطِلٌ، والباطلُ مردودٌ (٤). وقد قال بعضُهم في هذا الحديثِ، عن النعمانِ: "هذا جَوْرٌ، ولا أشهَد على جَوْرٍ". ونحوُ هذا ممَّا احتَجَّ به أهلُ الظاهرِ (٥). أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمدَانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٦): حدَّثنا يَعلَى، قال: حدَّثنا أبو حيانَ، عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ هذا الحديثَ، قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "يا بَشِيرُ، ألك ابنٌ غيرُ هذا؟ ". قال: نعم. قال: "فوهَبْتَ له مثلَ الذي وهَبتَ لهذا؟ ". قال: لا. قال: "فلا تُشهِدْني إذن، فإنِّي لا أشهَدُ (٧) على جَوْرٍ" (٨).

стр. 2741

قال أحمدُ (١): وحدثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن حاجِبِ بنِ المفضَّلِ بنِ المُهلَّبِ، عن أبيه، قال. سمِعتُ النعمانَ بنَ بَشيرٍ يخْطُبُ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اعْدِلوا بينَ أبنائِكم، اعَدِلوا بينَ أبنائِكم" (٢). حمَلُوا هذا على الوُجوبِ. وحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابن أبي نجيح، عن طاوسٍ، قال: كان إذا سألوه عن الرجلِ يُفَضِّلُ بعضَ ولَدِه يقرَأُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٤) [المائدة: ٥٠]. قال سفيانُ: ونُبِّئتُ عن طاوسٍ أنَّه قال: لا يجوزُ للرجلِ أن يُفضِّلَ بعضَ ولَدِه ولو كان رَغِيفًا مُحتَرِقًا (٥).

стр. 2742

وبهذا الإسنادِ عن سفيانَ، عن مالكِ بنِ مِغوَلٍ، عن أبي مَعْشَرٍ الكوفيِّ، قال: قال إبراهيمُ: كانوا يُحِبُّون أن يُسَوُّوا بينَهم حتى في القُبلةِ (١). قال أبو عُمر: أكثرُ الفقهاء على أنَّ معنى هذا الحديثِ على النَّدبِ إلى الخيرِ والبِرِّ والفَضلِ، لا أنَّ ذلك واجِبٌ فَرضًا ألَّا يُعطِيَ الرجلُ بعضَ ولَدِه دونَ بعضٍ، على ما ذهَب إليه أهلُ الظاهِرِ، والدليلُ على أنَّ ذلك كذلك على النَّدْبِ لا على الإيجابِ، ممَّا احتَجَّ به الشافعيُّ وغيرُه، إجماعُ العلماء على جوازِ عَطِيَّةِ الرجلِ مالَه لغيرِ ولَدِه، فإذا جاز أن يُخْرِجَ جميعَ ولَدِه عن مالِه، جاز له أن يُخْرِجَ عن ذلك بعضَهم. وأمَّا قِصَّةُ النعمانِ بنِ بَشيرٍ هذا، فقد رُوِي في حديثه ألفاظٌ مُختَلِفَةٌ، أكثَرُها تدُلُّ على أنَّ ذلك على الندبِ لا على الإيجابِ؛ منها ما رَواه داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عنه، ممَّا قدَّمنا ذِكْرَه، وروايَةُ حُصينٍ، عن الشعبيِّ في هذا الحديثِ نحوُ ذلك. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بن السَّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٢): حدَّثنا حامِدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن حُصينٍ، عن عامرٍ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بَشيرٍ وهو على المنبرِ يقولُ: أعطاني أبي عَطِيَّة، فقالت عَمرَةُ بنتُ رَوَاحةَ: لا أرضَى حتى تُشهِدَ رسولَ الله ﷺ . فأتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: إنِّي أعطَيتُ ابني من عَمْرَةَ ابنةِ رَوَاحةَ،

стр. 2743

فأمَرتْني أن أُشهِدَكَ يا رسولَ الله، قال: "أعطَيتَ سائِرَ وَلَدِكَ مثلَ هذا؟ ". قال: لا. قال: "فاتَّقُوا اللهَ واعْدِلُوا بينَ أولادِكم". قال: فرجَع، فرَدَّ عَطِيَّتَه (١). فلم يذكُرْ في هذا الحديثِ أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَره أن يَرجِعَ في عَطِيَّتِه، وإنَّما فيه أنَّه رجَع فرَدَّ عَطِيَّتَه. وأخبَرني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمارُ البصريُّ بالبصرةِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال (٣): حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا سَيارٌ ومُغيرةُ وداودُ ومُجالدٌ وإسماعيلُ بنُ سالم، عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، قال: نحَلَني أبي نُحْلًا - قال إسماعيلُ بنُ سالمٍ من بينِ القومِ: نحَله غلامًا له - قال: فقالت له أُمِّي عَمْرَةُ بنتُ رَوَاحةَ: ائْتِ رسولَ الله ﷺ فأشْهِدُه. قال فأتى النبيَّ ﷺ فذكَر ذلك له، فقال: إنِّي نَحَلتُ ابني النعمانَ نُحْلًا، وإنَّ عَمْرةَ سألتني أن أُشْهِدَكَ على ذلك. فقال: "ألك ولَدٌ سِواهُ؟ ". قلتُ: نعم. قال: "فكُلَّهم أعطَيتَه مثلَ ما أعطَيتَ النعمانَ؟ ". قال: قلتُ: لا - قال هُشَيْمٌ: فقال بعضُ هؤلاء المحدِّثينَ: "هذا جَوْرٌ". وقال بعضُهم: "هذه تَلْجِئَةٌ" - فأشهِدْ على هذا غيرِي". وقال المغيرَةُ (٤) في حديثه (٥): "أليس يسُرُّكَ أن يكونوا في البِرِّ واللُّطْفِ

стр. 2744

سواءً؟ ". قال: نعم. قال: "فأشهِدْ على هذا غيري". وذكَرَ مُجالدٌ في حديثه: "إنَّ لهم عليك من الحقِّ أن تعدِلَ بينَهم، كما أنَّ لك عليهم من الحقِّ أنْ يَبرُّوكَ" (١). وحدَّثناهُ عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ حَمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أبي، قال (٢): حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن مجالدٍ، قال: حدَّثنا عامرٌ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بَشيرٍ يُحدِّثُ بهذا الحديثِ. قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ لبَنِيكَ عليك من الحقِّ أن تعدِلَ بينَهم، فلا تُشهدْني على جَوْرٍ" (٣). فهذه الألفاظُ كلُّها مع قولِه: "أشهِدْ على هذا غيرِي". دليلُ واضحٌ على جوازِ العَطِيَّةِ. وأمَّا روايَةُ مَن روَى عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بشير، في هذا الحديثِ: "أكلَّ ولَدِكَ أعطَيتَه؟ ". قال: لا. قال: "إنِّي لا أشهَدُ إلَّا على حقٍّ". وكذلك روايةُ جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، في قصَّةِ النعمانِ بنِ بَشيرٍ هذه، فيَحتَمِلُ ألَّا يكونَ مُخالِفًا

стр. 2745

لما تقدَّم، لاحْتِمالِه أن يكونَ أراد الحقَّ الذي لا تقصيرَ فيه عن (١) أعْلَى مَراتبِ الحقِّ وإن كان ما دُونَه حقًّا. فصَحَّ بهذا كلِّه مذهبُ مالكٍ، والثوريِّ، والشافعيِّ، ومَن قال بقولِهم في أستِحبابِ تَرْكِ التفضيلِ بينَ الأبناء في العَطِيَّةِ، وإمضائِه إذا وقَع؛ لأنَّ غايةَ (٢) ما في ذلك تركُ الأفْضَلِ، كما لو أعطَى لغيرِ رَحِمِه وترَكَ رَحِمَه، كان مُقَصِّرًا عن الحقِّ، وتارِكًا للأفضَلِ، ونَفَذَ مع ذلك فِعْلُه، على أنَّ حديثَ جابرٍ يدُلُّ على أنَّ مُشاوَرَةَ بَشيرِ بنِ سعدٍ لرسولِ الله ﷺ في هذه القصَّةِ إنَّما كانت قبلَ الهِبَةِ، فدلَّه رسولُ الله ﷺ على الأوْلَى به، والأوْكَدِ عليه، وما فيه الفضلُ له. وحديثُ جابرٍ هذا حدَّثَنيه سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: قالتِ امرأةُ بَشيرٍ: انْحَلِ ابنَكَ غُلامًا، وأشهِدْ لي رسولَ الله ﷺ . قال: فأتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: إنَّ ابنَةَ فُلانٍ سألتني أن أنْحُلَ ابنَها غلامًا، وقالت: أشهِدْ لي رسولَ الله ﷺ . فقال: "أله إخوَةٌ؟ ". قال: نعم. قال: "وكُلَّهم أعطَيتَه؟ ". فقال: لا. فقال: "ليس يَصلُحُ هذا، وإنِّي لا أشهَدُ إلَّا على حَقٍّ" (٣). وذكَر الطحاويُّ (٤) هذا الخبَرَ، ثم قال: حديثُ جابرٍ أوْلَى من حديثِ النعمانِ بنِ بَشيرٍ؛ لأنَّ جابرًا أحفَظُ لهذا المعنى، وأضبَطُ له؛ لأنَّ النعمانَ كان صغيرًا قال: وفي حديثِ جابرٍ أنَّ بَشِيرَ بنَ سعدٍ ذكَر ذلك لرسولِ الله ﷺ قبلَ أن يَهَبَ، فأخبَره رسولُ الله ﷺ بأجمَلِ الأُمورِ وأوْلَاها.

стр. 2746

وأمَّا قولُه ﷺ في حديثنا المذكورِ في هذا البابِ: "أكُلَّ ولَدِكَ نحَلْتَه مثلَ هذا؟ ". فإنَّ العلماء مُجمعونَ على استِحبابِ التَّسوِيَةِ في العَطِيَّةِ بينَ الأبناء، إلَّا ما ذكَرنا عن أهلِ الظَّاهرِ من إيجابِ ذلك. ومع إجماع الفقهاء على ما ذكَرنا من استِحبابِهم، فإنَّهم اختَلَفوا في كيفِيَّةِ التسوِيَةِ بينَ الأبناء في العَطِيَّةِ، فقال منهم قائلُون: إنَّ التَّسويَةَ بينَهم أن يُعْطِيَ الذَّكَرَ مثلَ ما يُعْطِي الأُنثَى. وممَّن قال ذلك: سفيانُ الثوريُّ، وابنُ المباركِ. قال ابنُ المباركِ: ألا تَرَى الحديثَ يُروَى عن النبيِّ ﷺ قال: "سوُّوا بينَ أولادِكم، فلو كنتُ مؤثِرًا أحدًا آثَرْتُ النِّسَاء على الرِّجالِ"؟ وقال آخرون: التَّسوِيَةُ أن يُعطِيَ للذكرِ مثلَ حظِّ الأُنثيَيْنِ، قياسًا على قَسْمِ الله المواريثَ بينَهم، فإذا قَسَمَ في الحياةِ قَسَم بحُكْمِ الله . وممَّن قال هذا القولَ؛ عطاءُ بنُ أبي رباح، رَوَاه ابنُ جُرَيْج عنه. وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ، وإليه ذهَبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَة (١)، ولا أحفَظُ لمالكٍ في هذه المسألةِ قولًا. وأمَّا قولُه: "فارْجِعْه". ففيه دليلٌ على أنَّ للأبِ أن يَرجِعَ فيما وهَب لابنِه، على ظاهِرِ حديثِ ابنِ شهابٍ وغيرِه. وهذا المعنى قد اختَلَف فيه الفقهاءُ؛ فذهَب مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، أنَّ للأبِ أن يَعْتَصِرَ ما وهَبَ لابنِه. ومعنى الاعْتِصارِ عندَهم: الرُّجوعُ في الهِبَةِ (٢)، وليس ذلك لغيرِ الأبِ عندَهم، وإنَّما ذلك للأبِ وحدَه، وللأُمِّ أيضًا أن وهَبت لابنِها شيئًا وأبوه حَيٌّ أن تَرجِعَ، فإن كان يتيمًا، لم يكنُ لها الرُّجوعُ فيما وهَبت له، لأنَّ الهِبَةَ لليتيمِ كالصدقةِ التي لا رُجوعَ فيها لأحدٍ.

стр. 2747

فإن وهَبت لابنِها وأبوه حَيٌّ، ثم مات، وأرادَت أن تَرجعَ في هِبَتِها تلك، فقد اختَلَف أصحابُ مالكٍ في ذلك، والمشهورُ من المذهبِ أنَّها لا تَرجِعُ. وأمَّا الأبُ فله أن يَرجِعَ أبدًا في هِبَتِه لابنِه، هذا إذا كان الولدُ الموهوبُ له لم يَستَحدِثْ دَينًا يُدَاينُه الناسُ ويأمَنونَه عليه من أجلِ تلك الهِبَةِ، أو يَنكِحْ، فإذا تَدايَن أو نَكَح، لم يكنْ للأبِ حِينَئذٍ الرجوعُ فيما وهَب له (١)، وهذا إنَّما هو في الهِبَةِ، فإن كانت صَدَقةً، لم يكنْ فيها رُجوعٌ؛ لأنَّ الصدقةَ إنَّما يُرادُ بها وجهُ الله تعالى، فلا رُجوعَ لأحدٍ فيها، أبًا كان أو غيرَه. وقولُ مالكٍ في الهِبَةِ للثوابِ أنَّ الواهِبَ على هِبَتِه إذا أراد بها الثوابَ حتى يُثابَ منها، أبًا كان أو غيرَه، إلَّا أن تتغيَّرَ بزيادةٍ أو نُقصانٍ عندَ الموهوبِ له، أو تَهلِكَ، فإن كان ذلك، وطلَب الواهِبُ الثوابَ، فإنَّما له قيمَتُها يومَ قبَضها (٢). وكان إسحاقُ بنُ راهُويَة يذهَبُ إلى هذا. وكان مالكٌ يذهَبُ إلى أنَّ قولَ رسولِ الله ﷺ في حَديثه في هذا البابِ: "فارْجِعْه". أمْرُ إيجابٍ لا نَدْبٍ، وكان يقولُ: إنَّما أمَره رسولُ الله ﷺ بذلك؛ لأنَّه نحَله من بين سائرِ بنيه مالَه كلَّه، ولم يكنْ له مالٌ غيرُ ذلك العَبدِ؛ حكَى ذلك أشهبُ عن مالكٍ، قال أشهبُ: فقيل لمالكٍ: فإذا لم يكنْ للناحِلِ مالٌ غيرُه، أيرتَجِعُه بعدَ النِّحلَةِ؟ فقال: إنَّ ذلك ليقالُ، وقد قُضِي به عندَنا في المدينةِ. وقال غيرُ مالكٍ: لا يُعرَفُ ما ذكَره مالكٌ من أنَّ بَشِيرًا لم يكنْ له مالٌ غيرُ ذلك العبدِ. قال: وإنَّما أمَره رسولُ الله ﷺ برَدِّ تلك العَطِيَّةِ من أجلِ ما يُوَلِّدُ ذلك من العداوةِ بينَ البنينَ، ورُبَّما أبغَضوا أباهم على ذلك، فكرِه ذلك كلَّه (٣)
следующие страницы →