← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3758–3797 · переход к 3763.

стр. 3758

بيانُ ما اخترنا من ذلك. وهذا إذا لم يكُن هُناكَ من المُنكرِ واللَّهوِ ما يمنعُ من الإجابةِ (١). وقدِ اختلفَ الفُقهاءُ في هذا المعنى أيضًا: فقال مالكٌ: إنَّ (٢) اللَّهوَ الخفيف - مِثلَ الدُّفِّ والكَبَرِ (٣) - فلا يرجِعُ، فإنِّي أراهُ خفيفًا (٤). وقالهُ ابنُ القاسم. وقال أصبغُ: أرى أن يرجِعَ. قال: وقد أخبر في ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: لا ينبغي لذي الهيئةِ أن يحضُرَ موضِعًا فيه لعِبٌ (٥). وقال الشّافِعيُّ: إذا كان في وليمةِ العُرسِ مُسكِرٌ، أو خمرٌ، أو ما أشبَهَهُ من المعاصي الظّاهِرةِ، نهاهُم، فإن نحَّوا ذلكَ، وإلّا لم أُحِبَّ لهُ أن يجلِس، وإن علِمَ ذلك عِندهُم، لم أُحِبَّ لهُ أن يُجيب (٦). قال: وضربُ الدُّفِّ في العُرسِ لا بأسَ بهِ، وقد كان على عهدِ رسُولِ الله ﷺ (٧). وقال أبو حنيفةَ: إذا حضرَ الوليمةَ، فوجَدَ فيها لعِبًا، فلا بأسَ أن يقعُدَ ويأكُل (٨).

стр. 3759

وقال هِشامٌ الرازيُّ، عن محمدِ بن الحسنِ: إن كان الرَّجُلُ مِمَّن يُقتَدَى بهِ، فأحَبُّ إليَّ أن يخرُج (١). وقال اللَّيْثُ بن سعدٍ: إن كان فيها الضَّربُ بالعُودِ واللَّهوِ، فلا يشهدها (٢). قال أبو عُمر: الأصلُ في هذا البابِ: ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمَةَ، قال: أخبرنا سعيدُ بن جُمهان، قال: حدَّثنا سفينةُ أبو عبدِ الرَّحمن: أنَّ رجُلًا أضافهُ عليُّ بن أبي طالبٍ، فصنَعَ لهُ طعامًا، فقالت فاطِمةُ: لو دَعَونا رسُولَ الله ﷺ فأكَلَ معنا، فدَعَوهُ، فجاء، فوضَعَ يدهُ على عُضادَتَي البابِ، فرأى قِرامًا (٣) في ناحيةِ البيتِ، فرجَعَ، فقالت فاطِمةُ لعليٍّ: ألحَقْهُ. فقال لهُ: ما رجَعكَ يا رسُولَ الله؟ فقال: "إنَّهُ ليسَ لي أن أدخُلَ بيتًا مُزوَّقًا" (٤). كأنَّ رسُولَ الله ﷺ قد كَرِهَ دُخُول بيتٍ فيه تصاويرُ، لتقدُّم نهيهِ ﷺ عن ذلك (٥)، وقولِهِ: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ أو تماثيلُ" (٦). وكذلكَ كلُّ مُنكرٍ

стр. 3760

مُنكرٍ إذا كان في البيتِ، فلا ينبغي دُخُولُهُ - واللّهُ أعلمُ - لرُجُوع رسُولِ الله ﷺ عن طَعام دُعي إليه، لمّا رأى في البيتِ ما يُنكِر مِمّا تقدَّم نهيُهُ عنهُ. قال أهلُ اللُّغةِ: طعامُ الوليمةِ، هُو طعامُ العُرسِ، والإملاكِ خاصَّةً. قالوا: ويُقالُ للطَّعام الذي يُصنعُ للنُّفساءِ: الخُرْسُ والخُرْسَةُ، وللطَّعام الذي يُصنعُ عِند الخِتانِ: الإعذارُ، وللطَّعام الذي يُصنعُ للقادِم من سفرٍ: النَّقيعةُ، وللطَّعام الذي يُعملُ عِند بناءِ الدّار: الوكيرةُ، وأنشدَ ثعلبٌ لبعضِ العرب (١): كلَّ الطَّعامِ (٢) تشتهي ربيعهْ الخُرسَ والإعذارَ والنَّقيعهْ وقال ثعلبٌ: والمأدُبةُ: كلُّ ما دُعي إليه من الطَّعام. قال: ويُقالُ: طعامٌ أُكِل على ضَفَفٍ (٣)، إذا كثُرت عليهِ الأيدي، وكان قليلًا.

стр. 3761

حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن الأعرج مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن عبدِ الله بن بُحَيْنةَ قال: صلَّى لنا رسُولُ الله ﷺ ركعتينِ، ثُمَّ قامَ فلم يجلِسْ، فقامَ النّاسُ معهُ، فلمّا قَضَى صلاتهُ، فانتظرنا تَسْليمَهُ، كبَّر فسجَدَ سَجْدتينِ وهُو جالِسٌ قبل التَّسليم، ثُمَّ سلَّمَ. قد ذكرنا ابنَ بُحَيْنةَ في الصَّحابةِ (٢) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا. وفي هذا الحديثِ: بيانُ أنَّ الوهَمَ والنِّسيانَ لا يَسْلَمُ منهُ أحدٌ من المخلُوقينَ، وقد يكونُ ما نزلَ بهِ من ذلك، ومن مِثلِه، ليَسُنَّ (٣) لأُمَّتِهِ ﷺ ، ألا تَرَى إلى قولِهِ ﷺ : "إنِّي لأنسَى، أو أُنسَّى، لأسُنَّ" (٤). وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ المُصلِّيَ إذا قامَ مِنِ اثْنَتينِ، واعتدَلَ قائمًا، لم يكُن لهُ أن يرجِعَ، وإنَّما قُلنا: واعتدلَ قائمًا؛ لأنَّ النّاهِض لا يُسمَّى قائمًا حتَّى يعتدِلَ على الحقيقةِ، وإنَّما القائمُ: المُعتدِلُ. وفي حديثنا هذا: "ثُمَّ قام". وإنَّما قُلنا: لا ينبغي لهُ إذا اعتدلَ قائمًا أنَّ يرجِعَ؛ لأنَّهُ معلُومٌ أنَّ من اعتدلَ قائمًا في هذه المسألةِ، لا يخلُو من (٥) أن يذكُر بنفسِهِ، أو يُذكِّرهُ من خلفهُ بالتَّسبيح، ولا سيَّما قوم قيل لهم: "من نابهُ شيءٌ في صلاتِهِ، فليُسبِّح" (٦). وهُم أهلُ النُّهَى، وأولى من عمِلَ بما حَفِظَ ووعَى.

стр. 3762

وأيَّ الحالينِ كانت، فلم ينصرِف رسُولُ الله ﷺ إلى الجُلُوسِ بعد قيامِهِ، فكذلك ينبغي لكلِّ من قامَ منِ اثنتينِ، أن لا يرجِعَ، فإن رجَعَ إلى الجُلُوسِ بعد قيامِهِ، لم تفسُد صلاتُهُ عندَ جُمهُورِ العُلماءِ، وإنِ اختلفُوا في سُجُودِ سهوِهِ، وحالِ رُجُوعِهِ، وقد قال بعضُ المُتأخِّرين: تفسُدُ صلاتُهُ. وهُو قولٌ ضعيفٌ لا وجه لهُ؛ لأنَّ الأصلَ ما فَعلهُ، وتركُ الرُّجُوع رُخصةٌ، وتَنْبيهٌ على أنَّ الجَلْسَةَ لم تكُن فرضًا، واللهُ أعلمُ. واختلف العُلماءُ في هذه المسألةِ، فقال مالكٌ: من قام منَ اثنتينِ تمادَى ولم يجلِسْ، وسجَدَ لسهوِهِ قبل السَّلام، على حديثِ ابن بُحَيْنةَ هذا، فإن عادَ إلى الجُلُوسِ بعد قيامِهِ هذا، فصلاتُهُ تامَّةٌ، وتُجزئهُ سجدَتا السَّهوِ (١). قال ابنُ القاسم وأشهبُ: يسجُدُهُما بعد السَّلام. وقال عليُّ بن زيادٍ: يسجُدُهُما قبل السَّلام؛ لأنَّهُ قد وجبَ ذلك (٢) عليهِ في حينِ قيامِهِ ورُجُوعِهِ إلى الجُلُوسِ زيادةٌ، فكأنَّهُ زادَ ونقصَ (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤): إذا ذَكَر ولم يَسْتتِمَّ قائمًا جلسَ، فإنِ اسْتَتمَّ قائمًا، لم يرجِع. وهُو قولُ عَلْقمةَ، والأسودِ، وقَتادةَ، والضَّحّاكِ بن مُزاحِم، والأوزاعيِّ (٥). وفي قولٍ للشّافِعيِّ: إذا رجَعَ إلى الجُلُوسِ، سجدَ سَجْدتيِ السَّهوِ. وفي قولٍ للأسودِ وعَلْقمةَ: لا يسجُدُ للسَّهوِ إن رجَعَ (٦).

стр. 3763

وقال حمّادُ بن أبي سُليمان: إذا ذكرَ ساعةَ يقومُ: جلسَ (١). وقال إبراهيمُ النَّخعيُّ: يقعُدُ ما لم يَسْتفتِح القِراءةَ (٢). وقد رُوي عن مالكٍ: أنَّ المُصلِّيَ إذا فارقتِ الأرضَ ألْيتُهُ وهَمَّ بالقيام، مَضَى كما هُو ولا يرجِعُ. وقال حسّانُ بن عطيَّة: إذا تجافت رُكبتاهُ عن الأرضِ مضى (٣). وقال الحسنُ البصريُّ: ينصرِفُ ويقعُدُ وإن قَرَأ، ما لم يركَعْ (٤). قال أبو عُمر: قد رُوي في هذا البابِ حديثٌ، وإن كان في إسنادِهِ من لا تقومُ بهِ حُجَّةٌ، وهُو جابرٌ الجُعفيُّ، فإنَّهُ أولَى ما قيلَ بهِ في هذا البابِ، وعليهِ أكثرُ أهلِ الفتوى. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ (٥)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٦): حدَّثنا الحسنُ بن عَمرٍو، عن عبدِ الله بن الوليدِ.

стр. 3764

وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا مُصعبُ بن ماهان، جميعًا عن سُفيان، عن جابرٍ، قال: حدَّثنا المُغيرةُ بن شُبيل الأحْمَسيُّ (١)، عن قيسِ بن أبي حازِم، عن المُغيرةِ بن شُعبةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا قامَ الإمامُ في الرَّكعتينِ، فإن ذكَرَ قبلَ أن يَسْتويَ قائما، فليَجْلِسْ، وإنِ استَوَى قائمًا، فلا يجلِسْ، ويسجُدُ سَجْدتي السَّهوِ". قال أبو داود: وليسَ في كِتابي عن جابرٍ الجُعفيِّ إلّا هذا الحديثُ. قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ، وفي حديثِ ابن بُحينَةَ وغيرِهِ، من تركِ الرُّجُوع لمن قام من اثْنَتينِ، دليلٌ على صِحَّةِ ما ذهبَ إليه أصحابُنا، ومن قال بقولهم: إنَّ الجَلْسةَ (٢) الوُسْطَى سُنّةٌ ليست بفريضةٍ؛ لأنَّها لو كانت من فرائضِ الصَّلاةِ، لرجَعَ السّاهي عنها (٣) إليها مَتَى ذكَرَها فقَضاها، ثُمَّ سجَدَ لسهوِهِ، كما يصنعُ من تركَ ركعةً أو سجدةً، ولَكان (٤) حُكمُها حُكمَ الرُّكُوع والسُّجُودِ والقيام ولرُوعي فيها ما يُراعى في السُّجُودِ والرُّكُوع، من الوِلاءِ والرُّتبةِ، ولم يكُن بُدٌّ من الإتيانِ بها. فلمّا لم يكُن ذلك حُكمَها، وكانت سَجْدتا السَّهوِ تنُوبُ عنها، ولم يَنُبْ عن شيءٍ من عَملِ البدَنِ غيرُها، عُلِم أنَّها ليست بفريضةٍ، وأنَّها سُنَّةٌ، ولو كانت فريضةً ما تركَ رسُولُ الله ﷺ الرُّجُوعَ إليها. ألا تَرَى أنَّهُ أمرَ بالبِناءِ على اليَقينِ كلَّ مَن سَهَا في رُكُوعِهِ أو سُجُودِهِ، لتَكمُلَ فريضتهُ على يقين؟

стр. 3765

وأجمع العُلماءُ، على أنَّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ والقيامَ والجَلْسةَ الأخيرة في الصَّلاةِ، فرضٌ كلُّهُ، وأنَّ من سها عن شيءٍ منهُ وذكرهُ، رجعَ إليه فأتمَّهُ وبنى عليه، ولم يتمادَ وهُو ذاكِرٌ لهُ؛ لأنَّهُ لا يُجبَرُ بسجودِ (١) السَّهوِ. وبهذا يتبيَّنُ لكَ وُجُوبُ فرضِهِ، والدَّليلُ من القُرآنِ على ذلك، قولُهُ تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمَرَ بالقيام في الصَّلاةِ لمن قدَر عليهِ؛ لأنَّهُ لا تُكلَّفُ نفسٌ إلّا وُسعَها. ولا خِلافَ بين العُلماءِ: أنَّ من صلَّى جالِسًا فريضةً وهُو قادِرٌ على القيام، أنَّ ذلك لا يُجزئه، وأنَّ القيامَ فرضٌ على كلِّ من قدرَ عليه، وكذلك الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، لقولِ الله : ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. ومعلُومٌ أنَّهُ لا يتهيَّأُ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ، إلّا بقيام وجُلُوسٍ، ألا ترى أنَّ أحدًا لا يقدِرُ على السَّجدةِ (٢) الثّانيةِ إلّا بجُلُوسٍ بين السَّجدتينِ؟ والجُلُوسُ بين السَّجدتينِ فرضٌ لا خِلافَ فيه، وكذلك الجَلْسةُ الآخِرةُ عندَ جُمهُورِ العُلماءِ فرضٌ واجِبٌ (٣)، وما أعلمُ أحدًا خالف فيها إلّا بعضَ البصريِّينَ، بحديثٍ ضعيفٍ، انفردَ بهِ من لا حُجَّةَ في نقلِهِ، فكيف بانفِرادِهِ! وسنذكُرُ ذلك إن شاء اللهُ. وإنَّما اختلفُوا في الجَلْسةِ الوُسطى وحدَها من حَركاتِ البدَنِ كلِّها في الصَّلاةِ، فذهَبَ أصحابُنا وغيرُهُم إلى ما ذكرنا، وحُجَّتُهُم ما وصفنا.

стр. 3766

وذهَبَ آخرُونَ إلى أنَّها فرضٌ واجِبٌ، قالوا: ولكِنَّها مخصُوصةٌ بأنْ لا يُنصَرَفَ إليها، وأن تُجبَرَ بسَجْدتي السَّهوِ، بدليلِ حديثِ ابن بُحَينةَ هذا، وما كان مِثلَهُ، وقالوا: هي فرضٌ (١) في نَفْسِها مخصُوصةٌ، كحُكم العَرايا (٢) من المُزابنةِ، والقِراضِ من الإجاراتِ. وأجمعُوا أنَّهُ لا يُقاسُ عَملُ البدنِ في السَّهوِ عليها، إلّا فِرْقةً شذَّتْ وغلِطَت، واعتلُّوا أنَّها لو كانت سُنّةً، لما فسَدَتْ صلاةُ من تركها عامِدًا؛ لأنَّ السُّنن حُكمُها عِندهُم أنَّ من تركَ منها شيئًا (٣) عامِدًا، فقد قصَّر عن حِفظِ نفسِهِ، ولم يبلُغ حدَّ الكمال، ولا يَجِبُ عليهِ مع ذلك إعادةٌ. واستدلُّوا بأنَّ المضْمَضَةَ والاسْتِنشاقَ عندَ من لم يجعلهما فرضًا من العُلماءِ، لا تفسُدُ بتركِهِما صلاةُ من تركهُما عامِدًا، وهُما عندَ من لم يُوجِبهُما فرضًا من أوكدِ السُّننِ، وكذلك قِراءةُ السُّورة مع أُمِّ القُرآنِ، وهي سُنَّةٌ مسنُونةٌ، وكذلك التَّشهُّدُ عندَ من لم يُوجِبهُ فرضًا هُو سُنَّةٌ، ومِثلُ هذا كثيرٌ. وقالوا: خرجتِ الجَلْسةُ الوُسطَى بدليلها من بينِ فُرُوضِ الصلاةِ، وانفردَتْ بحُكمِها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ خصَّها بذلك، كما خصَّ المأمُومَ إذا أحرمَ وراء إمامِهِ وهُو راكِعٌ، أن ينحَطَّ إلى رُكُوعِهِ بإثرِ إحرامِهِ، دُون أن يقِفَ، هذا مِمّا لا خِلافَ فيه بين العُلماءِ، والوُقُوفُ عليهِ لو كان مُنفرِدًا فرضٌ. قالوا: ولمّا كانَ قولُهُ ﷺ : "إنَّما جُعِل الإمامُ ليُؤتَمَّ بهِ" (٤) يمنعُ المأمُومَ (٥) من أن يقِفَ بعدَ إحرامِهِ، ومن أن يجلِسَ في ثانيةٍ لهُ، وأن يقومَ بعدَ أُولَى لهُ، كان

стр. 3767

دليلَهُ على مُخالفةِ رُتْبةِ الصَّلاةِ اتِّباعُ إمامِهِ، وجازَ لهُ في (١) اتِّباعِهِ، ما لو فعله عامِدًا وهُو وحدَهُ، فسَدَتْ صلاتُهُ، أو فعَلهُ ساهيًا لم تُجزئه. وكان دليلَهُ على ذلك كلِّهِ، قولُهُ ﷺ : "إنَّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ بهِ"، معَ إجماع العُلماءِ - وخُصَّ بهذا الدَّليلِ تلكَ الجُملُ العِظامُ، والأُصُول الجِسامُ، فغيرُ نكيرٍ أن يكونَ تركُ انصرافِهِ ﷺ إلى الجَلْسةِ الوُسْطَى، دليلًا على أنَّهُ خصَّها من بينِ سائرِ (٢) فرائضِ الصَّلاةِ بحُكم تُجبَرُ فيه بسجدَتي السَّهوِ، من بينِ سائرِ الفرائضِ في الصَّلاةِ، و في مع ذلك فرضٌ كسائرِ حَرَكاتِ البَدَنِ، إذ ليسَ من حركاتِ البَدنِ في الصَّلاةِ شيءٌ غير فرضٍ. قالوا: فالجَلْسةُ الوُسْطَى أصلٌ في نفسها، لا يُقاسُ عليها غيرُها؛ لأنَّها مخصُوصةٌ. وقد قال إسماعيلُ بن إسحاقَ في كتابِ "أحكام القُرآنِ"، في بابِ قولِهِ : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٣) الآيةَ [الأعراف: ٣١] بعد كلام كثير يَحتجُّ فيه على من جعلَ السُّترةَ من فرائضِ الصَّلاةِ، قال: وهذا مِمّا يُبيِّنُ لكَ أنَّ لُبسَ الثَّوبِ ليسَ من فرائضِ الصَّلاةِ؛ لأنَّ المُفتَرضَ في الصَّلاةِ حركاتُ البدنِ، من حينِ يدخُلُ في الصَّلاةِ، إلى أن يخرُجَ منها، في تكبيرٍ، أو قِراءةٍ، أو رُكُوع، أو سُجُودٍ، ولُبسُ الثَّوبِ إنَّما يكونُ قبلَ أن يدخُلَ في الصَّلاةِ، ثُمَّ يَبْقَى في الصَّلاةِ، كما كان قبلَ أن يدخُلَ، وإنَّما هُو زينةٌ للإنسانِ، وسِترٌ لهُ في الصَّلاةِ وغيرِها. قال: ولو كان الثَّوبُ من فَرْضِ (٤) الصلاةِ، لوجَبَ على

стр. 3768

الإنسانِ أن يَنْويَ بهِ الصَّلاةَ عندَ اللُّبسِ، كما ينوي بتكبيرةِ الافتِتاح الدُّخُولَ في الصَّلاةِ. هذا كلُّهُ قولُ إسماعيل، وإنَّما حَكَيناه (١) لقولِهِ: إنَّ حركاتِ البدَنِ مُفترضاتٌ في الصَّلاةِ. ولم يَسْتَثْنِ منها (٢) شيئًا. وقد ذهبَتْ فِرقةٌ إلى إيجابِ الجَلْسةِ الوُسطَى فرضًا، ورأت الانصِرافَ إليها، ما لم يعملِ المُصلِّي بعدها من العَملِ ما يمنعُهُ من الرُّجُوع إليها، وشَذَّت في ذلك. وقولُها عندي مردُودٌ، بدليلِ السُّنَّةِ المذكُورةِ في هذا البابِ، من حديثِ ابن بُحَينةَ، والمُغيرةِ بن شُعبةَ. وذهبَ ابنُ عُليَّةَ، إلى أنَّ الجَلْسةَ الآخِرةَ: من أركانِ الصَّلاةِ، وليست بفرضٍ، قياسًا على الجَلْسةِ الوُسْطَى، واحتجَّ في الوُسطى بحديثِ ابن بُحَينةَ، وفي الآخِرةِ بحديثِ عبدِ الله بن عَمرو (٣)، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لهُ: "إذا رفعَ أحدُكُم رأسَهُ من السُّجُودِ الآخرِ، فقد تمَّت صلاتُهُ، وإن أحدثَ فقد أجزأتهُ صلاتُهُ" (٤)، وهذا حديثٌ لا يثبُتُ من جِهةِ النَّقل، والنّاسُ على خِلافِهِ.

стр. 3769

والجَلْسةُ الوُسطى لا تخلُو مِن أن تكون مخصوصةً، فلا يجُوزُ القياسُ عليها، أو تكون سُنَّةً، فذلك أبعدُ من أن يُقاسَ عليها الفرضُ. وقد قامَتِ (١) الدَّلائلُ على فرضِ القيام والرُّكُوع والسُّجُودِ، من القُرآنِ والسُّنَّةِ والإجماع، وقد ذكرناها وكلِّ (٢) أعمالِ البدَنِ، قياسًا على ذلك، إلّا ما خصَّتهُ السُّنَّةُ من الجَلْسةِ الوُسطَى، فلا وجهَ لقولِ ابن عُليَّةَ، مع شُذُوذِهِ أيضًا فيه. والقولُ بأنَّ الجلْسةَ الوُسطَى ليست من فرائضِ الصَّلاةِ أولى بالصَّوابِ، واللّهُ أعلمُ؛ لأنِّي رأيتُ الفرائضَ يَسْتوي في تَرْكها السَّهوُ والعمدُ، إلّا في المأثم، ألا تَرَى أنَّهُ تفسُدُ صلاةُ من سَها عن مسح رأسِهِ، ومن تعمَّدَ ذلك، ومن سَها عن سَجْدةٍ، ومن تعمَّدَ ذلك؟ وسائرُ الفَرائضِ في الصَّلاةِ والطَّهارةِ على هذا، إلّا أنَّ المُتعمِّد آثِمٌ، والسّاهيَ قد رفَعَ اللهُ عنهُ الإثم. فلو كانتِ الجَلْسةُ الوُسطَى فرضًا، للزِمَ السّاهيَ عنها الانصِرافُ إليها، والإتيانُ بها، ولفسَدَت صلاتُهُ بتركِ الرُّجُوع إليها، والنَّبيُّ ﷺ قد سُبِّحَ بهِ لها، فما انصرف إليها، وحسبُك بهذا حُجَّةً لمن يُعانِدُ، واللّهُ نسألُهُ العِصْمةَ والتَّوفيقَ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر الجُشميُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان،

стр. 3770

قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سلّام السَّوِيقيُّ (١)، قال: حدَّثنا زُهيرُ بن حربٍ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا المسعُوديُّ، عن زيادِ بن عِلاقَةَ، قال: صلَّى بنا المُغيرةُ بن شُعبة، فنهَضَ في الرَّكعتينِ، فسبَّحَ بهِ من خلفَهُ، فأشارَ أن قُومُوا. فلمّا أتمَّ الصَّلاة - وفي حديثِ أبي داود: فنهَضَ إلى (٢) الرَّكعتينِ - فقُلنا: سُبحانَ الله، فقال: سُبحانَ الله، ومَضَى. فلمّا أتمَّ صلاتهُ وسلَّمَ سجَدَ السَّجدتينِ، ثُمَّ قال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله ﷺ . وفي حديثِ أبي داود: سجَدَ سَجْدتي السَّهوِ، فلمّا انصرفَ قال: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يصنعُ كما صنَعتُ. قال أبو داود: وكذلك رواهُ ابنُ أبي ليلى، عن الشَّعبيِّ، عن المُغيرةِ بن شُعبةَ يرفعُهُ. ورواهُ أبو العُمَيسِ، عن ثابِتِ بن عُبيدٍ، قال: صلَّى بنا المُغيرةُ بن شُعبةَ، مِثل حديثِ زيادِ بن عِلاقة. قال أبو داود: أبو عُميسٍ أخو (٣) المسعُوديُّ. وفعلَ سعدُ بن أبي وقاصٍ مِثلَ ما فعلَ المُغيرةُ (٤)، وعِمرانُ بن حصينٍ، والضَّحّاكُ بن قيسٍ، ومُعاويةُ بن أبي سُفيان، وأفْتَى بذلكَ ابنُ عبّاسٍ، وعُمرُ بن عبدِ العزيزِ. هذا كلُّهُ قولُ أبي داود. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سلّام، قال: حدَّثنا عبيد الله (٥) بن مُوسى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ليلى،

стр. 3771

عن الشَّعبيِّ، عن المُغيرةِ بن شُعبةَ: أنَّهُ قامَ في الرَّكعتينِ، فسبَّحُوا بهِ، فمَضَى في صلاتِهِ، فلمّا سلَّمَ (١) سجدَ سجدتَي السَّهوِ، ثُمَّ حدَّثَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى بهم، فصنَعَ مِثلَ ذلك (٢). وقرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيان، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو قِلابة، قال: حدَّثنا بكرُ بن بكّارٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مالكٍ، عن عامِرٍ الشَّعبيِّ، عن المُغيرةِ بن شُعبة، أنَّهُ سَها، فقامَ في الرَّكعتينِ الأُوليينِ، فسبَّحُوا بهِ، فمَضَى، فلمّا فرغَ من صلاتِهِ سجَدَ سجدتينِ بعدَ ما سلَّمَ، ثُمَّ قال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله ﷺ (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ (٤)، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية محمدُ بن خازِم، عن إسماعيل ابن أبي خالدٍ، عن قيسِ بن أبي حازِم، عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ (٥): أنَّهُ نهضَ في الرَّكعتينِ، فسبَّحُوا بهِ، فاسْتَتمَّ قائمًا، ثُمَّ سجَدَ سجدتَي السَّهوِ حينَ انصرَفَ، ثُمَّ قال: كُنتُم تَرَوني أجلِسُ، إنَّما صنعتُ ما رأيتُ رسُولَ الله ﷺ صنَعَ (٦).

стр. 3772

قال أحمدُ بن زُهيرٍ: وحدَّثنا أبي، عن محمدِ بن عُبيدٍ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن سعدٍ. موقُوفٌ (١)، قال (٢): وقد سُئلَ يحيى بن معينٍ عن حديثِ أبي مُعاويةَ الضَّريرِ، عن إسماعيلَ عن قيسٍ، عن سعدٍ، في القيام من الرَّكعتينِ. قال يحيى: خطأٌ، ليسَ يُرفعُ. قال أحمدُ بن زُهيرٍ: وحدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن بيانٍ، عن قيسٍ، قال: أمَّنا سعدٌ، فقامَ في الرَّكعتينِ الأُوليينِ، فسبَّحَ بهِ من خلفهُ. فذكر الحديث موقُوفًا (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الخليل (٤)، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن محمدٍ المُؤدِّبُ، قال: حدَّثنا ليثٌ، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، أنَّ عبد الرَّحمنِ بن شِمَاسة حدَّثهُ: أنَّ عُقبةَ بن عامِرٍ قامَ في صلاتِهِ وعليهِ جُلُوسٌ، فقال النّاسُ: سُبحانَ الله سُبحانَ الله، فعَرَفَ الذي يُريدُونَ، فلمّا أتمَّ صلاتهُ، سجَدَ سجدتينِ وهُو جالِسٌ، ثُمَّ قال: إنِّي سمِعتُ قولَكُم، وهذه السُّنَّةُ (٥). قال أبو عُمر: ذكرنا هذه الآثار لما فيها من التَّسبيح بالسّاهي القائم منِ اثنتينِ، وإعلامِهِ بسَهوِهِ ذلك، وإباءتِهِ من الانصِرافِ، وذلك دليلٌ على أنَّ الجلْسةَ الوُسطَى

стр. 3773

ليست من فرائضِ الصَّلاةِ، وهذه الآثارُ مُوافِقةٌ لحديثِ ابن بُحينة من وجهٍ، مُخَالِفةٌ لهُ من آخر؛ لأنَّ فيها السُّجُود بعد السَّلام، وبهذه الآثارِ يحتجُّ من رأى السُّجُودَ بعد السَّلام، في الزِّيادةِ والنُّقصانِ. واختلَفَ العُلماءُ في سُجُودِ السَّهوِ، فقال ابنُ شِهابٍ الزُّهْريُّ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، وربيعةُ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ، والأوزاعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ، والشَّافِعيُّ: السُّجُودُ كلُّهُ قبلَ السَّلام. ورُوِيَ هذا القولُ عن أبي هُريرة، وابنِ أبي السّائبِ، وعبدِ الله بن الزُّبيرِ، ومُعاوية، وابنِ عبّاسٍ، وبه قال مكحُولٌ (١). والحُجَّةُ لقائلِهِ: حديثُ عبدِ الله بن بُحَينةَ هذا، من رِوايةِ ابن شهاب، ويحيى بن سعيدٍ، عن الأعرج، عن ابن (٢) بُحَينةَ، وهُو أقوى إسنادًا من حديثِ المُغيرةِ وأثبتُ. وحُجَّتُهُم في الزِّيادةِ: حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وابنِ عبّاس، وعبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، عن النَّبيِّ ﷺ في البِناءِ على اليَقينِ، والسُّجُودِ في ذلكَ قبلَ السَّلام، وقد ذكرنا الحديث في ذلكَ، في بابِ زيدِ بن أسلم (٣). حدَّثني خلفُ بن القاسم الحافِظُ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عُمر بن راشِدٍ البَجَليُّ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثنا أبو مُسهِرٍ، عن محمدِ بن مُهاجِرٍ، عن أخيهِ عَمرو بن مُهاجِرٍ، أنَّ الزُّهريَّ قال لعُمر بن عبدِ العزيزِ: السَّجدتانِ قبل السَّلام؟ فقال عُمرُ: أبَى ذلكَ أبو سلمَةَ بن عبدِ الرَّحمنِ يا زُهريُّ (٤).

стр. 3774

وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو مَيْمُونٍ عبدُ الرَّحمنِ بن عُمر، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال (١): أخبرنا سعيدُ بن أبي مريم، قال: أخبرني يحيى بن أيُّوبَ، قال: أخبرني محمدُ بن عَجْلانَ، أنَّ ابن شِهابٍ أخبرهُ، أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ صلَّى للنّاسِ المغرِبَ فسَها، فنهضَ في الرَّكعتينِ، فقال النّاسُ: سُبحانَ الله، فلم يجلِسْ، فلمّا فرَغَ من صلاتِهِ، سجَدَ سجدتينِ، ثُمَّ انصرفَ، فسألَ ابنَ شِهاب، فقال: أصبتَ إن شاء اللهُ، والسُّنَّة على غيرِ الذي صنعتَ. فقال لهُ عُمرُ: فكيفَ؟ قال: تجعلُهُما قبل السَّلام. قال عُمرُ: إنِّي قلتُ: إنَّهُ دَخَلَ عليَّ، ولم يَدخُلْ عليهِم. قال ابنُ شِهاب: ما دَخَلَ عليكَ، دخَلَ عليهِم. وقال سُفيانُ الثَّوريُّ، والحسنُ بن صالح، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ: السُّجُودُ كلُّهُ بعد السَّلام (٢)، ورُوي ذلك عن عليِّ بن أبي طالبٍ (٣)، وعبدِ الله بن مسعُودٍ (٤)، وسعدِ بن أبي وقّاصٍ (٥)، وعمّارِ بن ياسِر (٦)، والضَّحّاكِ بن قيسٍ، وعِمران بن حُصينٍ (٧). واختُلِفَ في ذلك عن مُعاوية بن أبي سُفيان، وعنِ ابن عبّاسٍ وعنِ ابن الزُّبيرِ. وبه قال الحسنُ البصريُّ، وأبو سلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وعُمرُ بن عبدِ العزيزِ، وإبراهيمُ النَّخعيُّ، وابنُ أبي ليلى.

стр. 3775

ويُجزئه عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه: أن يَسْجُدهُما قبلَ السَّلام (١). وقال مالكٌ (٢) وأصحابُهُ: كلُّ سَهْوٍ كان نُقصانًا في الصَّلاةِ، فسُجُودُهُ قبلَ السَّلام، على حديثِ ابن بُحينةَ (٣)، وكلُّ سهوٍ هُو زيادةٌ في الصَّلاةِ، فالسُّجُودُ فيه بعد السَّلام، على حديثِ أبي هُريرة، في قِصَّةِ ذي اليَدينِ (٤). وبهذا قال أبو ثور. وقال إسحاقُ: كلُّ موضِع ليسَ فيه عن النَّبيِّ ﷺ حديثٌ، فإنَّهُ يسجدُ فيه في الزِّيادةِ بعد السَّلام، وفي النُّقصانِ قبل السَّلام. فلا خِلافَ عن مالكٍ: أنَّ السَّهو إذا اجتمعَ فيه زيادةٌ ونُقصانٌ، أنَّ السُّجُود لهُ قبل السَّلام (٥). وقال أحمدُ بن حنبل: سُجُودُ السَّهوِ على ما جاءت بهِ الأخبارُ، إذا نهضَ من اثنتينِ، سجدَهُما قبل السَّلام، على حديثِ ابن بُحينةَ (٦). قال أبو عُمر: هذا يدُلُّكَ على أنَّ حديثَ ابن بُحينةَ أصحُّ عندَ أحمد بن حنبل، وهُو إمامُ أهلِ الحديثِ، من حديثِ المُغيرة بن شُعبةَ، على ما ذكرتُ لك. قال أحمدُ بن حنبل: وإذا شكَّ فرجَعَ إلى اليقينِ، سَجَدَهُما قبل السَّلام أيضًا، على حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ. قال: وإذا سلَّم منِ اثْنَتينِ، سجدَهُما بعد السَّلام، على حديثِ أبي هُريرة، في قِصَّةِ ذي اليَدَينِ. قال: وإذا شكَّ، وكان

стр. 3776

مِمَّن يرجِعُ إلى التَّحرِّي سجدَهُما بعد السَّلام، على حديثِ ابن مسعُودٍ (١). قال: وكلُّ سَهْوٍ يدخُلُ عليهِ سِوَى ما ذكرنا، يسجدُ لهُ قبل السَّلام، وبهذا كلِّهِ من قولِ أحمدَ، قال سُليمانُ بن داود وأبو خيثمةَ. قال أبو عُمر: قد رَوَى خُصيفٌ، عن أبي عُبيدةَ بن عبدِ الله بن مسعُودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ في الذي يَشُكُّ، فلا يدري كم صلَّى، أنَّهُ يَبْني على أكثرِ ظنِّهِ، ويسجُدُ قبل السَّلام. ذكرهُ النَّسائيُّ (٢) عن عَمرو (٣) بن هِشام، عن محمدِ بن سلمَةَ، عن خُصيف (٤). وهُو خِلافٌ لأحمد بن حنبل، وهُو مُوافِقٌ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وقد تقدَّم في بابِ زيدِ بن أسلمَ القولُ في التَّحرِّي، وفي البِناءِ على اليقينِ، وهُما عِندَنا شيءٌ واحِدٌ، وبالله التَّوفيقُ. وقال داودُ (٥): لا يسجُدُ أحدٌ للسَّهوِ، إلّا في المواضِع التي سجَدَ فيها رسُولُ الله ﷺ . والسُّجُودُ عِندهُ في القيام من اثْنَتينِ بعد السَّلام، على حديثِ المُغيرةِ بن

стр. 3777

شُعبة. وزعمَ أنَّهُ زاد على حديثِ ابن بُحينةَ زيادةً يجِبُ قبُولهُا، وحجَّتُهُ حديثُ علقمةَ، عن ابن مسعُودٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّما أنا بَشرٌ أنسَى كما تَنْسَونَ، فإذا شكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ، فليتحرَّ الصَّوابَ، فإذا سلَّمَ، فليسجُد سَجْدتينِ" (١). وقد أوضحنا الحُجَّة لهذه الأقوالِ من جِهةِ النَّظرِ، في بابِ زيدِ بن أسلم، والحمدُ لله. واختلفُوا في التَّشهُّدِ في سَجْدتيِ السَّهوِ والسَّلام منهُما: فقالت طائفةٌ: لا تَشهُّدَ فيهما ولا تَسْليمَ، ورُوي ذلك عن أنسِ بن مالكٍ (٢)، والحسنِ البصريِّ (٣)، ورِواية عن عطاءٍ (٤)، وهُو قولُ الأوزاعيِّ، والشّافِعيِّ؛ لأنَّ السُّجُودَ كلَّهُ عِندَهُما قبل السَّلام، فلا وجَهَ لإعادةِ التَّشهُّدِ عِندهُما، وقد رُوي عن عطاءٍ: إن شاء تشهَّدَ وسلَّمَ، وإن شاء لم يفعَلْ (٥). وقال آخرُونَ: يتشهَّدُ فيهما ولا يُسلِّمُ. قالهُ يزيدُ بن قُسَيطٍ، ورِوايةٌ عن الحكَم، وحمّادٍ، والنَّخعيِّ، وقتادة (٦)، وبه قال مالكٌ وأكثرُ أصحابِهِ، واللَّيثُ بن سعدٍ والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ. وقال أحمدُ بن حنبل: إن سجَدَ قبل السَّلام، لم يتشهَّدَ، وإن سجَدَ بعد السَّلام تشهَّدَ (٧)، وبهذا قال جماعةٌ من أصحابِ مالكٍ، ورُوي أيضًا عن مالكٍ (٨).

стр. 3778

وقال ابنُ سيرينَ: يُسلِّمُ منهُما، ولا يتشهَّدُ فيهما (١). قال أبو عُمر: من رأى السَّلام فيهما، فعَلَى أصلِهِ في التَّسليمةِ الواحِدةِ والتَّسليمتينِ، وقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ سلَّمَ في سجدتَي السَّهوِ من حديثِ عِمران بن حُصينٍ (٢)، وهُو حديثٌ ثابِتٌ في السُّجُودِ بعد السَّلام. ومن رأى السُّجُودَ كلَّهُ قبل السَّلام، فلا يحتاجُ إلى هذا؛ لأنَّ السَّلامَ من الصلاةِ، هُو السَّلامُ على ما في حديثِ ابن بُحينةَ هذا. وأمّا التَّشهُّدُ في سَجْدتَي السَّهوِ، فلا أحفظُهُ من وجهٍ صحيح عن النَّبيِّ ﷺ . وأمّا التَّكبيرُ في الخفضِ والرَّفع في سَجْدتَي السَّهوِ، فمحفُوظٌ ثابِتٌ في حديثِ ابن بُحينةَ وغيرِهِ، من رِوايةِ ابن شِهابٍ وغيرِهِ: حدَّثني محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٣): أخبرنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني عَمرُو بن الحارِثِ ويُونُسُ بن يزيد واللَّيث، أنَّ ابن شهابٍ أخبرهُم، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، أنَّ عبد الله بن بُحينةَ حدَّثهُ، أنَّ رسُول الله ﷺ قامَ في اثنتينِ من الظُّهرِ فلم يجلِسْ، فلمّا قَضى صلاتهُ، سجَدَ سَجْدتينِ، فكبَّرَ في كلِّ سجدةٍ وهُو جالِسٌ قبل أن يُسلِّم، وسجدَهُما النّاسُ معهُ، لمكانِ ما نَسَي من الجُلُوسِ.

стр. 3779

حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا عمرُو بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أبي وبقيَّةُ، قالا: حدَّثنا شُعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن عبدِ الله بن بُحَينةَ، مِثلَ حديثِ مالكٍ (٢)، وزاد: فكانَ مِنّا المتَشهِّدُ (٣) في قيامِهِ، من نَسِيَ أن يتشهَّدَ وهُو جالِسٌ. حدَّثني أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا الحكمُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا هِقلٌ، عن الأوزاعيِّ، قال: حدَّثني الزُّهْريُّ، قال: حدَّثني ابنُ هُرمُز، قال: حدَّثني عبدُ الله بن بُحينةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ سَهَا عن قُعُودٍ قامَ منهُ، فلمّا فرَغَ وانتَظَرْنا (٤) سلامَهُ، كبَّرَ فسجَدَ، ثُمَّ كبَّرَ فرفعَ رأسهُ، ثُمَّ كبَّرَ فسجَدَ، ثُمَّ كبَّرَ فرفعَ رأسهُ، ثُمَّ سلَّمَ (٥). لم يذكُرِ ابنُ عُيَينةَ: "كبَّرَ". وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في حُكم الجُلُوسِ الأخير في الصَّلاةِ، فأمّا الفرضُ في ذلكَ، فعلى خمسةِ أقوالٍ: أحدُها: أنَّ الجَلْسةَ الأخيرةَ فرضٌ، والتشَهُّدَ فرضٌ (٦). وحَكَى مِثلَ هذا أبو المصعب (٧) في "مُخْتَصَرِهِ" عن مالكٍ وأهلِ المدينةِ (٨). وممَّن قال ذلك: الشّافِعيُّ،

стр. 3780

وداود (١)، وأحمدُ بن حنبل، في رِوايةٍ (٢). وحُجَّتُهُم: أنَّ بيانهُ ﷺ في الصَّلاةِ (٣) فرضٌ؛ لأنَّ أصلَ فَرْضِها مُجملٌ، يفتقِرُ إلى البيانِ، فكلُّ عملِهِ فيها فرضٌ، إلّا ما خرجَ بدليلِ سُنَّةٍ أو إجماع. واحتجُّوا أيضًا بقولِهِ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتُمُوني أُصلِّي" (٤)، وبأشياءَ يطُولُ ذِكرُها، منها: حديثُ عليِّ بنِ طلقٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إذا فَسا (٥) أحدُكُم في الصلاةِ، فلينصرِفْ وليَتَوضَّأ، وليُعِدِ الصلاة" (٦). قالوا: وما لم يُسلِّم، فهُو في الصَّلاةِ؛ لأنَّ المُصلِّيَ لا يتحلَّلُ منها بغيرِ السَّلام. والقولُ الثّاني: أنَّ الجُلُوسَ فيها فرضٌ، والسَّلام فرضٌ، وليس التَّشهُّدُ بواجِبٍ. ومِمَّن قال ذلك: مالكٌ وأصحابُهُ، وأحمدُ في رِوايةٍ (٧). وحُجَّتُهُم: أنَّ عملَ البدنِ كلَّهُ فرضٌ، للإجماع على فرضِ القيام والرُّكُوع والسُّجُودِ، فكذلك

стр. 3781

كلُّ عملِ البدنِ، إلّا ما خرجَ بدليل، وهي الجَلْسةُ الوُسطَى. ومن حُجّتِهم (١) أيضًا: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يخرُج قطُّ من صَلاةٍ (٢) إلّا بالتَّسليم، وقال: "تحريمُها التَّكبيرُ، وتحليلُها التَّسليمُ" (٣). وقام منَ اثنتينِ، ولم يتشهَّد، فسقطَ التَّشهُّدُ لذلك. ولأنهُ ذِكرٌ، ولا شيءَ من الذِّكرِ واجِبٌ غيرَ قِراءةِ أُمِّ القُرآنِ وتكبيرةِ الإحرام والسَّلام. والقولُ الثّالثُ: أنَّ الجُلُوسَ مِقدارَ التَّشهُّدِ فرضٌ، وليسَ التَّشهُّدُ ولا السَّلامُ (٤) فرضًا. وممَّن قال ذلك: أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وجماعةٌ من الكُوفيِّين (٥)، واحتجُّوا لهُ بنحوِ ما تقدَّمَ، في بيانِ مُجملِ الصَّلاةِ، وعملِ البدنِ، وبحديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن زيادِ بن أنعُم، وهُو الإفريقيُّ، أنَّ عبد الرَّحمنِ بن رافع وبكر بن سَوادَةَ حدَّثاهُ، عن عبدِ الله بن عَمرو (٦)، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أحدَثَ

стр. 3782

الرَّجُلُ وقد جلَسَ في آخِرِ صلاتِهِ قبلَ أن يُسلِّمَ، فقد تمَّتْ صلاتُهُ". هكذا رواهُ ابنُ المُباركِ عن الإفريقيِّ (١). والقولُ الرّابعُ: أنَّ الجُلُوسَ والتَّشهُّدَ واجِبانِ، وليسَ السَّلامُ بواجِبٍ. قالهُ جماعةٌ، منهُم: إسحاقُ بن راهُويةِ (٢)، واحتجَّ بحديثِ ابن مسعُودٍ، حين علَّمهُ رسُولُ الله ﷺ التَّشهُّدَ، وقال: "إذا فرَغتَ من هذا، فقد تمَّتْ صلاتُكَ، وقَضَيتَ ما عليكَ" (٣). والقولُ الخامسُ: أنْ ليسَ الجُلُوسُ منها، ولا التَّشهُّدُ، ولا السَّلامُ بواجِبٍ، إنَّما ذلك كلُّهُ سُنَّةٌ مسنُونةٌ. هذا قولُ بعضِ البصريين، وإليهِ ذهَبَ ابنُ عُليَّة، وصرَّحَ بقياسِ الجَلْسةِ الأخيرةِ على الأُولى، فخالَفَ الجُمهُور وشذَّ، إلّا أنَّهُ يرَى الإعادةَ على من تركَ شيئًا من ذلك كلِّهِ (٤). واحتجَّ برِوايةِ من رَوَى، في حديثِ الإفريقيِّ المذكُور: "إذا رفعَ رأسهُ فأحدَثَ، فقد تمَّتْ صلاتُهُ" (٥). ولم يذكُر جُلُوسًا، وهذا حديثٌ لا يصِحّ، لضعفِ سندِهِ، واختِلافِهِم في لفظِهِ، وبالله التَّوفيقُ. وقد ذكرنا اختلافَ العُلماءِ في كيفيَّةِ السَّلام ووُجُوبِهِ، في بابِ ابن شِهابٍ عن أبي بكر بن أبي حَثْمةَ.

стр. 3783

حديثٌ ثالِثٌ لابنِ شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يمنعُ أحدُكُم جارَهُ أن يغرِزَ خَشَبةً في جِداره". ثُمَّ يقولُ أبو هُريرة: ما لي أراكم عنها مُعرِضينَ؟ والله لأرمينَّ بها بين أكتافِكُم. هكذا رَوى هذا الحديثَ جماعةُ (٢) رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ بهذا الإسنادِ، كما رواه يحيى (٣). ورواهُ خالدُ بن مخلدٍ، عن مالكٍ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُريرة (٤). وقد يُحتملُ أن يكون عندَ مالكٍ بالإسنادينِ جميعًا، ولكِنَّهُ في "المُوطَّأ" كما ذكرتُ لك (٥).

стр. 3784

ورواهُ أكثرُ أصحابِ ابن شِهابٍ عنهُ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن أبي هُريرةَ، كما رواهُ مالكٌ، إلّا مَعْمرًا؛ فإنَّ عِندَهُ فيه عن ابن شِهابٍ إسنادَين، أحدُهما عن ابن شهاب (١)، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ. حدَّثني سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال حدَّثنا هِشامٌ الدَّسْتُوائيُّ، قال: حدَّثنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يَمْنعنَّ أحدُكُم جارَهُ أن يَغْرِزَ خَشَبة على حائطِهِ" (٢). وبهذا الإسنادِ كان هذا الحديثُ عندَ (٣) عُقيل (٤)، ورواهُ محمدُ بن أبي حَفْصةَ، عن الزُّهْريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هُريرةَ (٥). ولم يُتابع على ذلك عن ابن شِهاب، واللهُ أعلمُ. وقد ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، حديثَ الأعرج (٦)، وهُو المحفُوظُ.

стр. 3785

ورواهُ هِشامُ بن يُوسُف الصَّنهاجيُّ، عن مَعْمرٍ ومالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سلَمةَ (١)، عن أبي هُريرةَ (٢). فوَهِمَ فيه، واللهُ أعلمُ. وليس يصحُّ فيه عن مالكٍ، ولا عن مَعْمرٍ، ذِكرُ أبي سلَمةَ، فيما ذكرهُ الدّارقُطنيُّ (٣)، قال: وقد رُوي عن بشرِ بن عُمر، عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هُريرةَ. والصَّوابُ فيه: عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ (٤). وقال يعقُوبُ: سمِعتُ عليَّ بن المدينيِّ يقولُ: قال لي مَعْنُ بن عيسى: أتُنكِرُ الزُّهريَّ - وهُو يَتَمرَّغُ في أصحابِ أبي هُريرةَ - أن يروي الحديثَ عن عِدَّةٍ (٥)؟ حدَّثني أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا الميمُون (٦) بن حمزة الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٧)، قال: حدَّثني المُزنيُّ، قال: حدَّثنا

стр. 3786

الشّافِعيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا استأذنَ أحدَكُم جارُهُ أن يغرِزَ خشبةً في جِدارِهِ، فلا يَمْنعهُ". فلمّا حدَّثهُم أبو هُريرة نكَسُوا رُؤُوسهُم، فقال: ما لي أراكُم عنها مُعرِضين! أما والله، لأرمينَّ بها بين أكْتافِكُم. هكذا يقولُ ابنُ عُيينةَ في هذا الحديثِ: "إذا اسْتَأذَنَ". وكذلك رواهُ (١) ابن أبي حَفْصةَ وعُقيلٌ وسُليمان بن كثيرٍ: "إذا سألَ أحدَكُم جار أن يضع خَشَبةً في جِدارِهِ، فلا يمنعهُ" (٢). هكذا روى هؤلاءِ هذا الحديثَ على سُؤالِ الجارِ جارَهُ (٣)، واستِئذانِهِ إيّاهُ أن يجعل خشبةً على جِدارِهِ، ولم يذكُر مَعْمرٌ ومالكُ بن أنسٍ ويُونُسُ (٤) في هذا الحديثِ السُّؤال، والمعنى عندي فيه واحِدٌ، واللهُ أعلمُ، وسنذكُرُ اختِلافَ العُلماءِ في ذلك، وفي سائرِ معنى الحديثِ، إن شاء اللهُ. وروى اللَّيثُ بن سعدٍ هذا الحديثَ عن مالكٍ، فقال فيه: "من سألهُ جارُهُ". حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ الرّازيُّ، قال: حدَّثنا هارُونُ بن كامل. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن المِسْورِ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعيب، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن هُرمُز الأعرج، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من سألَهُ جارُهُ أن يغرِز خَشَبةً في

стр. 3787

جِدارِهِ، فلا يمنعهُ". قال اللَّيثُ: هذا إن شاء اللهُ أوَّلُ (١) ما لنا عن مالكٍ وآخِرُهُ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن حجّاج، قال: حدَّثني محمدُ بن رُمح ومحمدُ بن سُفيانَ بن زيادٍ العامِريُّ، قالا: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن أبي هُريرةَ، عن رسُولِ الله ﷺ ، أنَّهُ قال: "من سألَهُ جارُهُ أن يغرِز خَشَبة في جِدارِهِ، فلا يمنعهُ (٢) " (٣). وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرِ بن الوردِ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوب بن بادي، قال: حدَّثنا سعيدُ بن كثيرِ بن عُفيرٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهاب، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من سألَهُ جارُهُ أن يَغْرِز خشبةً في جِدارِهِ، فلا يمنعهُ". قال سعيدُ بن عُفيرٍ: سمِعتُهُ من اللَّيثِ عن مالكٍ ومالكٌ حيٌّ، ثُمَّ سمِعتُهُ من مالك. قال أبو عُمر: لذلكَ جاء بهِ على لفظِ اللَّيثِ، لا على لفظِ "المُوطَّأ". قال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٤): سمِعتُ يُونُس بن عبدِ الأعلى يقولُ: سألتُ ابن وَهْبٍ عن "خشبَهُ" أو "خَشَبةً" في هذا الحديثِ، فقال: سمِعتُ من جماعةٍ: "خشبةً". يعني على لفظِ الواحِدةِ.

стр. 3788

قال أبو عُمر: قد رُوي اللَّفظانِ جميعًا في "المُوطَّأ" عن مالكٍ، وقدِ اختَلفَ علينا فيهما الشُّيُوخُ في "مُوطَّأ" يحيى على الوَجْهينِ جميعًا، والمعنى واحِدٌ؛ لأنَّ الواحِدَ يقومُ مقام الجمع في هذا المعنى إذا أتى بلفظِ النَّكِرةِ عندَ أهلِ اللُّغةِ والعربيَّة. وكذلك اختلفُوا علينا في: "أكتافِكُم" و"أكنافِكُم". والصَّوابُ فيه إن شاء اللهُ، وهُو الأكثرُ: التّاءُ. واختَلفَ الفُقهاءُ في معنى هذا الحديثِ، فقال منهُم قومٌ: معناهُ: النَّدبُ (١) إلى برِّ الجارِ، والتَّجاوُزِ لهُ، والإحسانِ إليه، وليس ذلك على الوُجُوبِ. ومِمَّن قال ذلك: مالكٌ (٢) وأبو حنيفةَ (٣)، ومن حُجَّتِهِم قولُهُ ﷺ : "لا يحِلُّ مالُ امرِئ مُسلِم، إلّا عن طيبِ نفسٍ منهُ" (٤). أخبرني عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع بمصرَ، قال: حدَّثنا المِقدامُ بن داود، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الحَكَم، عن مالكٍ، قال: ليس يُقضى على رجُلٍ أن يغرِزَ خشبةً في جِدارِهِ لجارِهِ، وإنَّما نرى أنَّ ذلك كان من رسُولِ الله ﷺ على الوَصاةِ بالجارِ (٥). قال: ومن أعارَ صاحِبَهُ خشبةً يغرِزُها في جِدارِهِ، ثُمَّ أغضبهُ، فأرادَ أن يَنْزِعَها، فليسَ ذلك لهُ،

стр. 3789

وأمّا إنِ احتاجَ إلى ذلك، لأمرٍ نزلَ بهِ، فذلك لهُ. قال: وإن أرادَ بيع دارِه، فقال: انزعْ خشبَكَ، فليس ذلك لهُ (١). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ (٢): معنى الحديثِ المذكُورِ عندنا: الاختيارُ، والنَّدبُ في إسعافِ الجارِ وبِرِّهِ إذا سألهُ ذلك، على نحوِ قولِ الله : ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]. ولم يختلف عُلماءُ السَّلفِ، أنَّ ذلك على النَّدبِ، لا على الإيجابِ، فكذلك معنى هذا الحديثِ عِندهُم، وحملُوهُ على معنى قولِهِ ﷺ : "إذا اسْتأذَنتْ أحدَكُمُ امرأتُهُ إلى المسجِدِ، فلا يَمْنَعها" (٣). وهذا معناهُ عندَ الجميعِ: الحضُّ والنَّدبُ على حَسَبِ ما يراهُ الزَّوجُ من الصَّلاح والخيرِ في ذلك (٤). وقال أصبغُ، عن (٥) ابن القاسم: لا يُؤخذُ بما قضى بهِ عُمرُ على محمدِ بن مَسْلمَةَ في الخليج، ولا يَنْبغي أن يكون أحقَّ بمالِ أخيهِ منهُ إلّا برِضاهُ. قال: وأمّا ما حَكَم بهِ لعبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، بتحويلِ الرَّبيع (٦) من موضِعِهِ إلى ناحيةٍ أُخرى من الحائطِ، فإنَّهُ يُؤخذُ بهِ، ويُعملُ بمِثلِهِ؛ لأنَّ مجرَى ذلك الرَّبيع كان لعبدِ الرَّحمنِ ثابتًا في الحائطِ، وإنَّما أرادَ تحويلَهُ إلى ناحيةٍ هي أقربُ عليه، وأرفقُ بصاحِبِ الحائطِ، فلذلكَ حكَمَ لهُ عُمرُ بتحويلِهِ (٧).

стр. 3790

قال ابنُ القاسم: سُئلَ مالكٌ عن حديثِ النَّبيِّ ﷺ : "لا يمنعَنَّ أحدُكُم جارَهُ أن يَغْرِزَ خشبةً في جِدارِهِ". فقال مالكٌ: ما أرَى أن يُقضى بهِ، وما أراهُ إلّا من وَجْهِ المعرُوفِ من النَّبيِّ ﵇ (١). قال ابنُ القاسم: سُئل مالكٌ عن رجُلٍ كان لهُ حائطٌ، فأرادَ جارر أن يبنيَ عليهِ سُترةً يَسْتتِرُ بها منهُ، قال: لا أرَى ذلك لهُ، إلّا أن يأذَنَ صاحِبُهُ (٢). وقال آخرُونَ: ذلك على الوُجُوبِ، إذا لم تكُن في ذلك مَضرَّةٌ على صاحِبِ الجِدار. ومِمَّن قال بهذا: الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حنبل، وداودُ بن عليٍّ، وأبو ثَوْرٍ، وجماعةٌ من أهلِ الحديثِ (٣)، وحُجّتُهُم (٤) قولُ أبي هُريرة: والله لأرمينَّ بها بين أكتافِكُم. وأبو هُريرة أعلمُ بمعنى ما سمِعَ، وما كان ليُوجِب عليهم غير واجِب، وهُو مذهبُ عُمرَ بن الخطّابِ، وحكى مالكٌ عن المُطَّلِبِ، قاضٍ كان بالمدينةِ، كان (٥) يقضي بهِ (٦). ومن حُجَّتِهِم أيضًا، أنْ قالوا: هذا قَضاءٌ من رسُولِ الله ﷺ بالمَرْفِقِ، وقولُهُ ﷺ : "لا يحِلُّ مالُ امرِئ مُسلِم، إلّا عن طيبِ نفسٍ منهُ" إنَّما هُو على التَّمليكِ والاستِهلاكِ، وليس المرفِقُ من ذلك، وكيف يكونُ منهُ والنَّبيُّ ﷺ فرَّقَ بيَّنَ ذلك، فأوجَبَ أحدَهُما، ومنع من الآخرِ؟

стр. 3791

واحتجُّوا أيضًا بأنَّ عُمرَ بن الخطابِ، قضى بذلك على محمدِ بن مَسْلمَةَ للضَّحّاكِ بن خليفَةَ، في ساقيةٍ يسُوقُها الضَّحّاكُ في أرضِ محمدِ بن مَسْلمَةَ، وقال لهُ: والله ليمُرَّنَّ بها ولو على بطنِكَ (١)، لامتِناعِهِ من ذلك. ولو لم يكُن ذلك واجِبًا عندَ عُمرَ، ما أجبَرَهُ على ذلك، ولو كان من بابِ: "لا يحِلُّ مالُ امرِئ مُسلِم، إلّا عن طيبِ نفسٍ منهُ" ما قَضى بهِ عُمرُ على رُغم محمدِ بن مَسْلمَةَ. وكذلك قَضى عُمرُ لعبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، على عبدِ الله بن زيدِ بن عاصِم الأنصاريِّ جدِّ عَمرو بن يحيى المازِنيِّ، مِثلَ ما قَضى بهِ للضَّحّاكِ بن خليفَةَ، على محمدِ بن مَسْلمَةَ. وهذا يدُلُّك على أنَّ ذلك من قَضاءِ عُمر مُستفيضٌ مُتردِّدٌ. روى مالكٌ (٢) عن عَمرو بن يحيى المازِنيِّ، عن أبيهِ، أنَّ الضحّاك بن خليفَةَ ساقَ خليجًا لهُ من العُرَيضِ (٣)، فأرادَ أن يمُرَّ بهِ في أرضِ محمدِ بن مَسْلمَةَ، فأبى محمدٌ، فقال لهُ الضَّحّاكُ: لِمَ تمنعُني وهُو لكَ مَنْفعة، تشربُ منهُ أوَّلًا وآخِرًا، ولا يضُرُّك؟ فأبى محمدٌ، فكلَّم فيه الضَّحّاكُ عُمر بن الخطّابِ، فدعا عُمرُ بن الخطّابِ محمد بن مَسْلمَةَ، فأمرهُ أن يُخلِّي سبيلهُ، فقال محمدٌ: لا، فقال عُمرُ: لِمَ تمنعُ أخاكَ ما يَنْفعُهُ وهُو لك نافِعٌ، تسقي بهِ أوَّلًا وآخِرًا، وهُو لا يضرُّكَ؟ فقال محمدٌ: لا والله، فقال عُمرُ: والله ليمُرَّنَّ بهِ ولو على بطنِكَ. فأمرهُ عُمرُ أن يمُرَّ بهِ، ففعل الضَّحّاكُ. وروى مالكٌ (٤) أيضًا عن عَمرو بن يحيى المازِنيِّ، عن أبيهِ: أنَّهُ كان في حائطِ جدِّهِ ربيعٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، فأرادَ عبدُ الرَّحمنِ بن عوفٍ أن يُحوِّلهُ إلى ناحيةٍ من الحائطِ،

стр. 3792

هي أقربُ إلى أرضِهِ، فمنَعَهُ صاحِبُ الحائطِ، فكلَّمَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْف عُمرَ بنَ الخطابِ، فقَضى لعبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ بتحويلِه. قال مالكٌ: والرَّبيعُ: السّاقيةُ. ومِمّا احتجَّ بهِ أيضًا من ذهَبَ مذهب الشّافِعيِّ في هذا البابِ، حديثٌ يُروى عن الأعمشِ، عن أنسٍ قال: استُشهِدَ مِنّا غُلامٌ يوم أُحُدٍ، فجعلت أُمُّهُ تمسحُ التُّراب عن وجهِهِ وتقولُ: أبْشِر، هنيئًا لك الجنّةُ، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : "وما يُدريكِ؟ لعلَّهُ كان يتكلَّمُ فيما لا يعنيهِ، ويَمْنعُ ما لا يضُرُّهُ" (١). وهذا الحديثُ ليس بالقويِّ؛ لأنَّ الأعمش لا يصِحُّ لهُ سماعٌ من أنسٍ، وكان مُدلِّسًا عن الضُّعفاءِ. وممّا احتجَّ بهِ أيضًا من ذهَبَ مذهب الشّافِعيِّ في هذا البابِ (٢): ما وجدتُهُ في أصلِ سماع أبي، ﵀: أنَّ محمد بن أحمد بن قاسم حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا نصرُ بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا أسَدُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا قيسُ بن الرَّبيع، عن سِماكٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "منِ ابْتَنَى فليَدْعَمْ جُذُوعَهُ على حائطِ جارِهِ" (٣).

стр. 3793

قال أسدٌ: وحدَّثنا قيسُ بن الرَّبيع، عن منصُورِ بن دينارٍ، عن أبي عِكْرِمةَ المخزُوميِّ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يحِلُّ لامرِئ مُسلِم أن يمنعَ جارَهُ خَشَباتٍ يضعُها على جِدارِهِ"، ثُمَّ يقولُ أبو هُريرة: لأضرِبنَّ بها بينَ أعيُنِكُم وإن كَرِهتُم (١). قال أسَدٌ: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، عن أيُّوبَ، عن عِكرِمةَ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى أن يَمْنعَ الرَّجُلُ جارَهُ أن يضَعَ خَشَبةً على جِدارهِ (٢). وزعَمَ الشّافِعيُّ (٣): أنَّهُ لم يُروَ عن أحَدٍ من الصَّحابةِ خِلافُ عُمرَ في هذا البابِ، وأنكرَ على مالكٍ تَرْكَهُ لكلِّ ما أدخلَ في "موطَّئه" من الآثارِ في باب القضاءِ بالمرْفِقِ وقال: جعلَ في أوَّلِ باب القضاءِ بالمرفقِ من "موطَّئه" حديث عَمرو بن يحيى، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا ضررَ ولا ضِرارَ" (٤)، ثُمَّ أردَفهُ بحديثِ ابن شِهاب، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ المذكُورِ في هذا البابِ، وهُو حديثٌ ثابِتٌ، ثُمَّ أردفَ ذلك بحديثي عُمر المذكُورينِ في قِصَّةِ ابن مَسْلمَةَ، وقصَّةِ المازِنيِّ مع الضَّحّاكِ وعبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، وكأنَّهُ جعلَ هذه الأحاديثَ مُفسِّرةً لقولِهِ ﷺ : "لا ضَررَ ولا ضِرارَ". قال: ثُمَّ تركَ ذلك كلَّهُ. قال أبو عُمر: أمّا قولُ الشّافِعيِّ: أنَّهُ لم يُرْوَ عن أحدٍ من الصَّحابةِ خِلافُ ما رُوي عن عُمر بن الخطّابِ في هذا البابِ، فليسَ كما ظنَّ؛ لأنَّ محُمدَ بن مَسْلمةَ

стр. 3794

من كِبارِ الصَّحابةِ، وجلَّةِ الأنصارِ، ومِمَّن شهِدَ بدرًا، وقد خالفَ عُمر بن الخطّابِ في ذلك، وأبى مِمّا رآهُ، وقال: والله لا يكونُ ذلك. ومعلُومٌ أنَّ محمدَ بن مَسْلمةَ لو كان رأيُهُ ومذهبُهُ في ذلكَ، كمذهبِ عُمرَ، ما امتنعَ من ذلك، ولو علِمَ أنَّ ذلكَ من قَضاءِ الله، أو من قَضاءِ رسُولِهِ ﷺ على الإيجابِ للجارِ، لما خالفهُ، ولكِنْ رآهُ على النَّدبِ، خِلافًا لمذهبِ عُمر. وإذا وُجِدَ الخِلافُ بيْنَ الصَّحابةِ في ذلك، وحط النَّظرُ، والنَّظرُ في هذه المسألةِ يدُلُّ على صِحَّةِ ما ذهَبَ إليه مالكٌ ومن قال بقُولِهِ؛ والدَّليلُ على ذلكَ: قولُ رسُولِ الله ﷺ : "إنَّ دِماءَكُم، وأموالَكُم، وأعراضَكُم، عليكُم حرامٌ" (١)، يعني: أموالَ بعضِكُم على بعضٍ، ودِماءَ بعضِكُم على بعضٍ، وأعراضَ بعضِكُم على بعض حرامٌ، وقال ﷺ : "إنَّ الله حرَّم من المُؤمِنِ دمَه، ومالَهُ، وعِرْضَه، وأن لا يُظنَّ بهِ إلّا الخيرُ" (٢)، وقال ﷺ : "لا يحِلُّ مالُ امرِئ مُسلِم، إلّا عن طيبِ نفسٍ منهُ" (٣). والأُصُولُ في هذا كثيرةٌ جِدًّا، ولهذه الأُصُولِ الجِسام ومثلِها (٤) من الكِتابِ والسُّنَّةِ، حمَلَ أهلُ العِلم هذا الحديثَ على النَّدبِ والفَضْلِ والإحسانِ، لا على الوُجُوبِ، لتُسْتعمَلَ أخبارُ وسُنَّتهُ ﷺ كلُّها، وهكذا يجِبُ على العالِم ما وجدَ إلى ذلك سبيلًا.

стр. 3795

وأمّا قولُ من قال في حديثِ أبي هُريرة: "لا يحِلُّ لامرِئٍ أن يمنَعَ جارَهُ" ونَهَى أن يمنعَ الرَّجُلُ جارَهُ أن يضَعَ خَشَبةً (١) في جِدارِهِ، فليسَ مِمَّن يُحتجُّ بنقلِهِ على مِثلِ مالكٍ ومن تابَعهُ، ويُحتملُ أن يكون: لا يحِلُّ في حُقُوقِ الجارِ منعُهُ من ذلك؛ لأنَّ منعَ ما لا يضُرُّ ليسَ من أخلاقِ الكِرام من المُؤمِنينَ. ومن الدَّليلِ أيضًا على صِحَّةِ ما ذهبَ إليه مالكٌ، وعلى أنَّ الخِلافَ في هذه المسألةِ لم يزل من زمنِ عُمر: قولُ أبي هُريرة: ما لي أراكُم عنها مُعرِضين؟ وذلك في زمنِ الأعرج والتّابِعين، وهذا يدُلُّ على أنَّ النّاس لم يَتَلَقَّوْا حديثهُ على الوَجْهِ الذي ذهبَ إليه أبو هُريرةَ من إيجابِ ذلك، ومذهبُ أبي هُريرةَ في هذا، كمذهبِ عُمرَ. وفي المسألةِ كلامٌ لمن خالَفَنا وعليهم، لم أذكُرهُ مخافَةَ التَّطويلِ. وأمّا قولُ عبدِ الملكِ بن حبيبٍ (٢)، فاضطربَ في هذا البابِ، ولم يثبُت فيه على مذهبِ مالكٍ ولا مذهبِ العِراقَيِّينَ ولا مذهبِ الشّافِعيِّ، وتناقضَ في ذلك، ولم يُحسِنِ الاختيار؛ قال - في قولِهِ ﷺ : "لا يَمْنعُ (٣) أحدُكُم جارَهُ أن يغرِزَ خَشَبةً في جِدارِهِ" -: لازِمٌ للحاكِم أن يحكُمَ بهِ على من أباهُ، وأن يُجبِرهُ عليهِ بالقَضاءِ؛ لأَنَّهُ حقٌّ قَضى بهِ رسُولُ الله ﷺ ، ولأَنَّهُ أيضًا من الضِّرارِ أن يدفعَه أن يغرِزَ خُشُبَ بيتهِ في جِدارِهِ، فيمنعُهُ بذلك المنفعةَ، وصاحِبُ الجِدارِ لا ضرَرَ عليهِ في ذلك. قال: ويدخُلُهُ أيضًا قولُ رسُولِ الله ﷺ : "لا ضرَرَ، ولا ضِرارَ" (٤)، وقولُ عُمرَ: لمَ تمنعُ أخاكَ ما لا يضُرُّك؟ (٥). قال: وقد قَضى مالكٌ للجارِ إذا تغَوَّرَتْ

стр. 3796

بئرُهُ (١) أن يَسْقيَ نخلَهُ وزَرْعَهُ ببِئرِ جارِهِ، حتَّى يُصلِحَ بئرَهُ. وهذا أبعدُ من غَرْزِ الخَشَبةِ في جِدارِ الجارِ، إذا لم يكُن ضَررٌ بالجِدارِ، إلّا أن يخاف عليهِ أن يُوهِنَ الجِدار، ويضُرَّ بهِ، لم يُجْبَر صاحِبُ الجِدارِ، وقيل: لصاحِبِ الخشبِ: احْتَلْ لخشبِكَ. ومثلُهُ حديثُ ربيع عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، في حائطِ المازِنيِّ (٢). قال: والرَّبيعُ: السّاقيةُ، فأرادَ عبدُ الرَّحمنِ بن عوفٍ أن يُحوِّلهُ إلى موضِع من الحائطِ، هُو أقربُ إلى أرضِهِ، فمَنَعهُ صاحِبُ الحائطِ، فقَضى عُمرُ لعبدِ الرَّحمنِ بتحويلِهِ. قال: وهذا أيضًا يُجبَرُ عليهِ بالقضاءِ، من أجلِ أنَّ مَجْرى ذلك الرَّبيع كان ثابتًا في الحائطِ لعبدِ الرَّحمنِ، وقدِ اسْتَحقَّهُ، فأرادَ تحويلَهُ إلى ناحيةٍ أُخرى، هي أقرَبُ عليه، وأرْفَقُ بصاحِبِ الحائطِ. قال: وأمّا الحديثُ الثّالِثُ في قِصةِ الضَّحّاكِ بن خليفة، مع محمدِ بن مَسْلَمةَ (٣)، فلم أجِد أحدًا من أصحابِ مالكٍ وغيرهِ يرى أن يكون ذلك لازِمًا في الحُكم لأحدٍ على أحَدٍ، قال: وإنَّما كان ذلك تشديدًا على محمدِ بن مَسْلَمةَ، ولا ينبغي أن يكون أحدٌ أحقَّ بمالِ أخيهِ منهُ إلّا برِضاهُ. قال: وليسَ مِثل هذا حُكْمَ عُمر في ربيع عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، لأنَّ هذا لم يكُن لهُ في حائطِ محمدِ بن مَسْلَمةَ طريقٌ ولا ربيعٌ، قال: وهذا أحسنُ ما سمِعتُ فيهِ (٤). قال أبو عُمر: هذا كلُّهُ كلامُ ابن حبيبٍ، والخطأُ فيه والتَّناقُضُ أوضَحُ من أن يحتاجَ إلى الكلام عليه، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 3797

ابنُ شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى ابن أزْهَر، حَديثانِ واسمُ أبي عُبيدٍ هذا: سعدُ (١) بن عُبيدٍ، مولى عبدِ الرَّحمنِ بن أزْهَرَ بن عوفٍ ابنِ أخي عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، ومنهم من يقول: مولى عبد الرَّحمنِ بن عوفٍ (٢). قال الواقِديُّ: يُنسبُ ولاؤُهُ إلى عبدِ الرَّحمنِ بن أزْهرَ، وأحيانًا يُنسبُ إلى عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ. وقال الزُّبيرُ بن بكّارٍ: هو مولى عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ. قال أبو عُمر: ابنُ عُيينة يقولُ: عن ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بن عوف في هذا الحديثِ، كذلك قال مَعْمرٌ عنهُ فيه، وكذلك قال فيه جُويريةُ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ. وقال فيه سعيدُ بن داود الزَّنْبريُّ (٣): عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، وقد كان يُقالُ لهُ: مولى ابن أزْهَرَ. وكذلك قال فيه مكِّيُّ بن إبراهيمَ، عن مالكٍ، سواءً. وقال ابنُ أبي ذِئبٍ فيه: عن سعيدِ بن خالدٍ، نحو قولِ مالكٍ، عن ابن شِهاب. إلّا أنَّ سعيدَ بن خالدٍ رفعَ النَّهي عن صيام اليَوْمينِ المذكُورينِ في هذا الحديثِ، من حديثِ عليٍّ وعُثمانَ، ويرفعُهُ ابنُ شِهابٍ من حديثِ عُمر بن الخطّابِ.
следующие страницы →