← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3723–3762 · переход к 3728.

стр. 3723

قَيْسٍ، عن عامِرِ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "من قال حِينَ يَسْمعُ المُؤذِّنَ: وأنا أشهدُ أن لا إلَهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، رَضِيتُ باللّه ربًّا، وبمحمدٍ رسُولًا، وبالإسلام دينًا، غُفِرَ (١) لهُ". هكذا رواهُ قُتيبةُ، عن اللَّيثِ، عن الحُكَيم، وتابَعهُ على ذلك يحيى بن إسحاق، عن اللَّيثِ. ذكرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٢)، عن يحيى بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن الحُكَيم، بإسنادِهِ مِثلهُ. وقال فيه أبو صالح، عبدُ الله بن صالح كاتِبُ اللَّيثِ، عن اللَّيثِ: حدَّثني يزيدُ بن أبي (٣) حَبيبٍ، قال: حدَّثني الحُكَيم بن عبدِ الله، عن عامرِ بن سعدٍ، عن أبيهِ مثلَهُ. هكذا رواهُ أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ، عن أبي صالح، عن اللَّيثِ. وكذلكَ رواه يحيى بن يحيى، عن اللَّيثِ، عن يزيدِ بن أبي حبيبٍ (٤)، عن الحُكيم (٥). ورواهُ يحيى بن عُثمانَ ومُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، عن أبي صالح، عن اللَّيثِ، عن الحُكَيم، ليسَ فيه يزيدُ بن أبي حبيبٍ (٦). وهذا الحديث سَمِعهُ اللَّيث، من يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن الحُكَيم، ثُمَّ سمِعهُ من الحُكَيم بن عبدِ الله، فرواهُ عنهُ.

стр. 3724

ومن قال بهذا الحديثِ يقولُ: لا يَلْزمُ من سمِعَ المُؤذِّن أن يأتي بألفاظِهِ، إذا أَتَى بمعناهُ من التَّشهُّدِ، والإخلاصِ، والتَّوحيدِ. ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهبَ أيضًا، ما حدَّثناهُ: عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ التّمّارُ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشعثِ، قال (١): حدَّثنا إبراهيمُ بن مهديٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، عن هِشام بن عُروة، عن أبيهِ، عن عائشَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سمِعَ المُؤذِّن يشهدُ، قال: "وأنا وأنا". واختلَف الفُقهاءُ في المُصلِّي يسمعُ المُؤذِّنَ وهُو في نافِلةٍ أو فَرِيضةٍ، فقال مالكٌ: إذا أذَّن المُؤذِّنُ وأنتَ في صَلاةٍ مكتُوبةٍ، فلا تقُل مِثلَ ما يقولُ، وإذا كُنتَ في نافِلةٍ، فقُل مِثلَ ما يقولُ: التَّكبيرُ، والتَّشهُّدُ، فإنَّهُ الذي يَقعُ في نفسي أنَّهُ (٢) أُريدَ بالحديثِ. هذا (٣) رِوايةُ ابن القاسم ومذهبُهُ (٤). وقال ابنُ وهبٍ (٥)، من رأيِهِ (٦)، يقولُ المُصلِّي مِثل ما يقولُ المُؤذِّنُ في المكتُوبةِ والنّافِلةِ. وقال سحنُونٌ (٧): لا يقولُ ذلك في نافِلةٍ ولا مكتُوبة.

стр. 3725

وقال اللَّيْثُ مِثلَ قولِ مالكٍ، إلّا أنَّهُ قال: ويقولُ في موضِع "حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاح": لا حولَ ولا قُوَّةَ إلّا بالله. وقال الشّافِعيُّ (١): لا يقولُ المُصلِّي في نافِلةٍ ولا مَكْتُوبةٍ مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ، إذا سمِعهُ وهُو في الصلاةِ، ولكن إذا فرغَ من الصلاةِ قالهُ. وذكر الطَّحاويُّ (٢) قال: لم أجِدْ، عن أصْحابِنا في هذا، شيئًا منصُوصًا، وقد حدَّثنا ابنُ أبي عِمْران (٣)، عن ابن سَماعة، عن أبي يُوسُف - فيمن أذَّنَ في صِلاتِهِ (٤) إلى قولِهِ: أشهدُ أنَّ محمدًا رسُولُ الله. ولم يقُل: حيَّ على الصَّلاةِ - أنَّ صلاتهُ لا (٥) تفسُدُ، إن أراد الأذانَ، في قولِ أبي يُوسُف، وقولُ أبي حنيفةَ: يُعيدُ إذا أرادَ الأذانَ. قال أبو جعفرٍ (٦): وقولُ محمدٍ، كقولِ أبي حنيفةَ، لأنَّهُ يقولُ فيمن يُجيبُ إنسانًا وهُو يُصلِّي بـ"لا إله إلّا اللهُ": أنَّ صلاتهُ فاسِدةٌ. قال أبو جعفرٍ: فهذا يدُلُّ على أنَّ من قولِهِم: أنَّ من سمِع الأذان في الصَّلاةِ، لا يقولُهُ. وذكر أبو عبدِ الله محمدُ بن إسحاقَ بن خُوَيْزمَنداد (٧) البصريُّ المالكيُّ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: يجوزُ أن يقول المُصلِّي في صلاةِ النّافلةِ مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ، من التَّكبيرِ، والشَّهادتينِ، فإن قال: حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاح، الأذان كلَّهُ،

стр. 3726

كان مُسيئًا، وصلاتُهُ تامَّةٌ. وكرِهَ أن يقولَ في الفريضةِ مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ، فإن قال الأذانَ كلَّهُ في الفَرِيضةِ أيضًا، لم تبطُل صلاتُهُ، ولكنَّ الكراهيةَ في الفريضةِ أشَدُّ (١). وذُكِرَ عن الشّافِعيِّ: أنَّهُ يقولُ في النّافِلةِ الشَّهادتينِ، وإن قال: حيَّ على الصَّلاةِ حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح، بَطَلت صلاتُهُ، نافِلةً كانت أو فريضةً (٢). قال أبو عُمر: ما تقدَّم عن الشّافِعيِّ، من الجمع بين النّافِلةِ والمكتُوبةِ، أصحُّ عنهُ، والقياسُ أن لا فرقَ بين المكتُوبةِ والنّافِلةِ، إلّا أنَّ قولهُ: "حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاح" قَدِ اضْطَربتْ في ذلك الآثارُ، وهُو كلامٌ، فلا يجُوزُ أن يُقال في نافِلةٍ ولا فَرِيضة. وأمّا سائرُ الأذانِ، فمِن الذِّكرِ الذي يصلُحُ في الصَّلاةِ، ألا ترى إلى حديثِ مُعاوية بن الحَكَم، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "إنَّ صَلاتَنا هذه لا يَصْلحُ (٣) فيها شيءٌ من كلام النّاسِ، إنَّما هُو التَّسبيحُ، والتَّهليلُ، والتَّكبيرُ، وتلاوةُ القُرآنِ" (٤). وقد قال ﷺ : "قُولُوا مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ". ولم يخُصَّ صلاةً من غيرِ صلاةٍ، فما كان من الذِّكرِ الذي مِثلُهُ يصلُحُ في الصَّلاةِ، جازَ فيها، قياسًا ونظرًا، واتِّباعًا للأثرِ.

стр. 3727

وأمّا الشّافِعيُّ، ومن قال بقولِهِ، في كراهيةِ قولِ من يقولُ بقولِ المُؤذِّنِ، إذا كان سامِعُهُ في صَلاةِ نافِلةٍ أو مَكْتُوبةٍ، فإنَّهُم شبَّهُوهُ بردِّ السَّلام، وتَشْميتِ العاطِسِ، وقد وردَ الأمرُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ بهِما، وذلك مِمّا يجِبُ على غيرِ المُصلِّي، ولا يجِبُ على المُصلِّي، قالوا: فكذلك الأذانُ، وبالله التَّوفيقُ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا يحيى بن الرَّبيع، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا سُويدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ضِمامُ بن إسماعيل، قال: قال أبو قَنانٍ لامْرأتِهِ، وكان من العُبّادِ: إذا مِتُّ، فتَزوَّجي فُلانا، فتزوَّجتهُ، فكانت تقولُ لهُ: قُمْ فصلِّ باللَّيل، فإنَّ أخاكَ كان يُصلِّي باللَّيل، فكانت تُؤذيهِ بذلك، فأُتَيتْ في مَنامِها، فقيل لها: إنَّ زَوْجكِ هذا أرفعُ من أبي قَنانٍ بدَرَجةٍ، قالت: وكيفَ وأبو قَنانٍ كان يُصلِّي باللَّيلِ؟ فقيلَ لها: إنَّ هذا يقولُ كما يقولُ المُؤذِّنُ (١).

стр. 3728

حديثٌ ثالِثٌ لابنِ شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ، عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يحِلُّ لمُسلم أن يهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ، يَلْتقيانِ فيُعرِضُ هذا، ويُعرِضُ هذا، وخيرُهُما الذي يبدأُ بالسَّلام". أمّا قولُهُ: "فيُعرِضُ هذا، ويُعرِضُ هذا" فمعناهُ: يُديرُ هذا عن هذا بوجهِهِ، وذلكَ عنهُ أيضًا كذلك، ولهذا نَهَى رسُولُ الله ﷺ ، عن التَّدابُرِ والإعراضِ (٢)، قال الشّاعِرُ: إذا أبْصَرتني أعْرَضتَ (٣) عنِّي ... كأنَّ الشَّمسَ من قِبَلي تدُورُ (٤) وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ في (٥) بابِ ابن شِهاب، عن أنسٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٦): حدَّثنا محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم (٧)، عن أبي خالدٍ

стр. 3729

وَهْبٍ، عن (١) أبي سُفيانَ الحِمصيِّ، عن أبي أُمامَةَ الباهِليِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ أَوْلَى النّاسِ بالله ، من بَدَأهُم بالسَّلام". قال أبو داود (٢): وحدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ بن مَيْسَرَةَ وأحمدُ بن سعيدٍ السَّرخسيُّ، أنَّ أبا عامِرٍ أخبرهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن هِلال، قال: حدَّثني أبي، عن أبي هُريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يحِلُّ لمُؤمِنٍ أن يَهجُرَ مُؤمِنًا فوقَ ثلاثٍ، فإن مرَّتْ بهِ ثلاثٌ، فلقيه (٣) فليُسلِّم عليه، فإن ردَّ ﵇، فقدِ اشْتَركا في الأجرِ، وإن لم يرُدَّ عليهِ فقد باء بالإثم". زاد أحمدُ: "وخرجَ المُسلِمُ من الهِجْرةِ". وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا بكرُ بن مُضَرَ، عن عُبيدِ الله بن زَحْر (٤)، عن

стр. 3730

عليِّ بن يزيدَ، عن القاسم، عن أبي أُمامةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من بَدَأ بالسَّلام، فهُو أوْلَى بالله ورسُولِهِ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مسَرَّةَ (٢)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيسى بن سُليم البصريُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن عامِرٍ أبو حَفْصٍ، واللَّفظُ لحديثهِ، قالا: حدَّثنا عُبيدُ الله بن الحسنِ القاضي بالبَصرةِ، قال: حدَّثنا الجُريريُّ، عن أبي عُثمان النَّهديِّ، قال: سمِعتُ عُمر بن الخطّابِ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا الْتَقَى المُسْلِمانِ، فسلَّمَ أحدُهُما على صاحِبِهِ، كان أحبَّهُما إلى الله أحسنُهُما بِشْرًا لصاحِبِهِ، فإذا تَصافَحا، أنزلَ اللهُ عليهِما مئةَ رحمةٍ، منها تِسعُونَ للَّذي بَدَأ بالمُصافَحةِ، وعَشْرٌ لصاحِبِهِ" (٣). وقد ذكرنا المُصافَحَةَ وفضلَها في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ في الهِجْرةِ آثارٌ شِدادٌ، فيها تغليظٌ، منها:

стр. 3731

حديثُ أبي حازِم، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "من هَجَرَ فوقَ ثلاثٍ، دَخَلَ النّارَ" (١). ومنها: حديثُ أبي خِراشٍ السُّلميِّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "من هَجَرَ أخاهُ سنةً، فهُو كسفكِ دمِهِ" (٢). وحسبُكَ بحديثِ أبي صالح، عن أبي هُريرةَ: "أنَّهُ يُغْفَرُ في كلِّ خميسٍ واثنينِ لكلِّ عبدٍ لا يُشرِكُ باللّه شيئًا، إلّا من كانَ بينهُ وبين أخيهِ شحناءُ، فيقولُ: أنظِرُوا هَذَينِ حتَّى يَصْطلِحا" (٣). وهذه الآثارُ كلُّها قد ورَدَتْ في التَّحابِّ، والمُؤاخاةِ، والتَّآلُفِ، والعَفْوِ والتّجاوز، وبهذا بُعِثَ ﷺ ، وفَّقنا اللهُ لما يُحِبُّ ويَرْضَى، برحمتِهِ ولُطفِ (٤) صُنعِهِ.

стр. 3732

حديثٌ رابعٌ لابنِ شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ (٢)، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، أنَّهُ قال: بَيْنَما رسُولُ الله ﷺ جالِسٌ بين ظَهْراني النّاسِ، إذْ جاءهُ رجُلٌ فسارَّهُ، فلم يُدْرَ ما سارَّهُ، حتَّى جهرَ رسُولُ الله ﷺ ، فإذا هُو يَسْتأذِنُ في قتلِ رجُل من المُنافِقينَ، فقال رسُولُ الله ﷺ حينَ جهَرَ: "أليسَ يَشْهدُ أن لا إله إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله؟ " فقال الرَّجُلُ: بلى، ولا شهادَةَ لهُ. قال: "أليسَ يُصلِّي؟ " قال: بلى، ولا صَلاةَ لهُ. فقال رسُولُ الله ﷺ : "أُولئكَ الذينَ نهاني اللهُ عنهُم". هكذا رواهُ سائرُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ (٣)، إلّا رَوْحَ بن عُبادةَ، فإنَّهُ رواهُ، عن مالكٍ مُتَّصِلًا مُسندًا؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجهم السِّمَّريُّ، قال: حدَّثنا روحُ بن عُبادة، عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عطاءِ بن يزيدَ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخِيارِ، عن رجُلٍ من الأنصارِ، أنَّهُ قال: بينما رسُولُ الله ﷺ ، فذكرهُ. ورواهُ اللَّيْثُ بن سعدٍ (٤) وابنُ أخي الزُّهْريِّ، عن الزُّهْريِّ، مِثلَ رِوايةِ روح بن عُبادةَ، عن مالكٍ سَواء. ورواهُ صالحُ بن كَيْسانَ (٥) وأبو أُويسٍ، عن ابن شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ، عن عُبيدِ الله بن عديٍّ (٦) بن الخيارِ، أنَّ نفرًا من الأنصارِ حدَّثُوهُ، وساقَ الحديثَ.

стр. 3733

ورواهُ اللَّيْثُ بن سعدٍ، عن عُقَيلِ بن خالدٍ، عن ابن شِهاب، كما رواهُ يحيى والجماعةُ، عن مالكٍ. ورواهُ مَعْمرٌ (١) فسمَّى الرَّجُل الذي لم يُسمِّهِ روحُ بن عُبادة، وسنذكُرُهُ إن شاء اللهُ، وسنذكُرُ ما انتهى إلينا من رواياتِ أصحابِ ابن شِهابٍ لهذا الحديثِ، في هذا البابِ، إن شاء اللهُ. وأمّا الرَّجُلُ الذي سارَّ رسُولَ الله ﷺ ، فهُو عِتبانُ بن مالكٍ (٢)، والرَّجُلُ المُتَّهمُ بالنِّفاقِ والذي جَرَى فيه هذا الكلامُ هُو مالكُ بن الدُّخشُم. حدَّثنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بن الحُسينِ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن داود البُرُلُّسيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر الغُدانيُّ، قال: حدَّثنا عامِرُ بن يِسَافٍ، عن سعيدِ بن أبي عرُوبةَ، عن قتادةَ، عن النَّضرِ بن أنسٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: لمّا أُصيبَ عِتْبانُ (٣) بن مالكٍ في بَصرِهِ، وهُو رجُلٌ من الأنصارِ، وكان عَقَبيًّا بَدْريًّا، بعَثَ إلى رسُولِ الله ﷺ فقال: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسُولَ الله، لو جِئتَ فصلّيتَ في بَيْتي، أو في (٤) بُقعةٍ من داري، ودعوتَ الله لنا بالبركَةِ، فقامَ رسُولُ الله ﷺ في نَفرٍ من أصحابِهِ، حتَّى أتى منزِلَهُ، فصلَّى في بيتِهِ، وخرجَ فصلَّى في بُقعةٍ من دارِهِ. ثُمَّ قعدَ القومُ يتحدَّثُونَ، فذكَرَ بعضُهُمُ ابنَ الدُّخشُم، فقالوا: يا رسُولَ الله، ذلك كهفُ المُنافِقين ومأواهُم. وأكثرُوا فيه، حتَّى رخَّصَ لهم رسُولُ الله ﷺ في قتلِهِ، ثُمَّ قال لهم: "هل يُصلِّي؟ " قالوا: نعم يا رسُولَ الله، صَلاةً لا خيرَ فيها أحيانًا،

стр. 3734

ويَدَعُ (١) أحيانًا، فقال رسُولُ الله ﷺ : "نُهيتُ عن قتلِ المُصلِّينَ، إنَّهُ من يَشْهَد أن لا إلهَ إلّا اللهُ، مُخلِصًا بها، يمُوتُ على ذلكَ، حرَّمُهُ اللهُ على النّارِ" (٢). قال سعيدٌ: قال قتادةُ: قال النَّضرُ بن أنسٍ: أمَرَنا أبونا أن نَكتُب هذا الحديثَ، وما أمرنا أن نكتُبَ حديثًا غيرَهُ، وقال: احفظُوهُ يا بَنِيَّ. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إباحَةُ المُناجاةِ والتَّسارِّ مع الواحِدِ دُونَ الجماعةِ، وإنَّما المكرُوهُ أن يَتَناجَى الاثنانِ فما فوقَهُما دُون الواحِدِ، فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ، وأمّا (٣) مُشاجاةُ الاثننِ دُون الجماعةِ، فلا بأسَ بذلك، بدليلِ هذا الحديثِ وغيِرهِ. ويُحتملُ أن يُستدلَّ بهذا الحديثِ، على أنَّ الرَّجُل الرَّئيسَ، المُحتاجَ إلى رأيِهِ ونفعِهِ، جائزٌ أن يُناجيَهُ كلُّ من جاءهُ في حاجتِهِ، لقولِهِ ﷺ : "اسْتَعينُوا على حوائجِكُم بالكِتمانِ" (٤). وفيه: أنَّهُ جائزٌ للرَّجُلِ أن يُظهِر الحديث الذي يُناجيهِ بهِ صاحِبُهُ، إذا لم يكُنْ في ذلك ضَررٌ على المُناجي، أو كان مِمّا يحتاجُ أهلُ المجلِسِ إلى عِلمِهِ. وفيه: أنَّ من أظهرَ الشَّهادةَ، بأنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله، حَقَنَتْ دمَهُ، إلّا أن يأتِيَ ما يُوجِبُ إراقتهُ، مِمّا فُرِضَ عليهِ من الحقِّ، المُبيح لقتلِ النَّفسِ المُحرَّمةِ.

стр. 3735

وفي قولِ رسُولِ الله ﷺ : "أليسَ يُصلِّي؟ "، بعد قولِهِ: "أليسَ يشهَدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ؟ " دليلٌ على أنَّ الصَّلاةَ من الإيمانِ، وأنَّهُ لا إيمانَ لمن لا صَلاةَ لهُ. وفي قولِهِ ﷺ : "أُولئكَ الذينَ نَهاني اللهُ عنهُم" دليلٌ على أنَّ من لا يشهَدُ (١) أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله، فلم ينهَه اللهُ عن قتلِهِ. وكذلك قولُهُ: "أليسَ يُصلِّي؟ " دليلٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ قتلُ من صلَّى، وإذا لم يجُز قتلُ من صلَّى، جازَ قتلُ من لم يُصلِّ. وقد تقدَّم القولُ في تارِكِ الصلاةِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن بُسرِ بن مِحْجَنٍ فأغْنَى عن إعادتِهِ. وفي قولِ رسُولِ الله ﷺ : "أُولئك الذينَ نهاني اللهُ عنهُم" ردٌّ لقولِ صاحِبِهِ القائلِ لهُ: بلى، ولا صلاةَ لهُ، بلى ولا شهادَةَ لهُ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قد أثبتَ لهُ الشَّهادةَ والصَّلاةَ، ثُمَّ أخبرَ أنَّ الله نهاهُ عن قَتْلِهم، يعني: عن قتلِ من أقرَّ ظاهرًا، وصلَّى ظاهِرًا. وأمّا قولُنا: إنَّ رسُولَ الله ﷺ قد أثبتَ لهُ الشَّهادَةَ والصَّلاةَ، فموجودٌ (٢) من حديثِ مالكٍ، عن ابن شهاب، عن محمُودِ بن الرَّبيع (٣)، ونحنُ نذكُرُهُ وغيرَهُ في هذا الباب إن شاء اللهُ تعالى. وسُئلَ مالكٌ ﵀، عن الزَّنْدقةِ، فقال: ما كان عليهِ المُنافِقُون على عهدِ رسُولِ الله ﷺ من إظْهارِ الإيمانِ، وكِتْمانِ الكُفرِ، هُو الزَّندقةُ عِندنا اليومَ. قيل: فلِمَ يُقتَلُ الزِّنديقُ، ورسُولُ الله ﷺ لم يقتُلِ المُنافِقينَ، وقد عرَفهُم؟ فقال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ لو قتَلهُ بعِلمِهِ فيهِم، وهُم يُظهِرُون الإيمانَ، لكانَ ذريعَةً إلى

стр. 3736

أن يقولَ النّاسُ: يقتُلُهُم للضَّغائنِ، أو لما شاء اللهُ غير ذلك، فيمتَنِعَ النّاسُ من الدُّخُولِ في الإسلامِ (١). هذا معنى قولِهِ. وقد رُوِيَ عن رسُولِ الله ﷺ : أنَّهُ عُوتِبَ في المُنافِقين، فقال: "يتَحدَّثُ النّاسُ أنِّي أقتُلُ أصحابي" (٢). وقدِ احتجَّ عبدُ الملكِ بن الماجِشُونِ في قتلِ الزِّنديقِ بقولِ الله : ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١]. يقولُ: إنَّ الشَّأنَ فيهم أن يُقتَّلُوا تَقْتيلًا حيثُ وُجِدُوا، ولم يذكُرِ اسْتِتابةً، فمن لم يَنْتهِ عمّا كانَ عليهِ المُنافِقُونَ، في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ قُتِلَ، حيثُ وُجِدَ، واللّهُ أعلمُ. قال أبو عُمر: مالكٌ وأصحابُهُ كلُّهُم إلّا ابنَ نافِع، يجعلُون مالَ الزِّنديقِ إذا قَتلوهُ لورثتِهِ المُسلِمينَ (٣)، وهُم لا يقتُلُونهُ لفَسادٍ في الأرض، كالمُحارِبِ، وأهلِ البِدَع، ولا يقتُلُونهُ حدًّا، وإنَّما يقتُلُونهُ على الكُفرِ، فكيفَ يرِثُهُ المُسلِمُونَ، وقد قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يرِثُ المُسلِمُ الكافِر"؟ (٤).

стр. 3737

وأمّا ابنُ نافِع، فرواهُ عن مالكٍ، فقال: ميراثُهُ فيءٌ لجماعةِ المُسلِمينَ. فهذا أبينُ؛ لأنَّ الدَّم أعظمُ حُرمةً من المال، والمالُ تَبَعٌ لهُ. واختلَفَ الفُقهاءُ في اسْتِتابَةِ الزِّنديقِ، المشهُودِ عليهِ بالكُفرِ والتَّعطيل، وهُو مُقِرٌّ بالإيمانِ، مُظْهِرٌ لهُ، جاحِدٌ لما شُهِد بهِ عليه، مُنكِرٌ لهُ. فقال مالكٌ وأصحابُهُ: يُقتلُ الزَّنادِقةُ ولا يُسْتتابُونَ. قال مالكٌ: ويُسْتَتابُ القَدَريَّةُ، كما يُسْتتابُ المُرْتدُّ. قال ابنُ القاسم: فقيلَ لمالكٍ في القدريَّةِ: كيف يُسْتتابُون؟ قال: يُقالُ لهم: اترُكُوا ما أنتُم عليه، فإن فَعلُوا، وإلّا قُتِلُوا (١). واختَلَفَ قولُ أبي حنيفةَ وأبي يُوسُفَ في الزِّنديقِ، فقالا مرَّةً: يُسْتتابُ، ومرَّةً قالا: فلا يُستتابُ، ويُقتلُ دُون اسْتِتابةٍ (٢). وقال الطَّحاويُّ (٣): أخبرنا سُليمانُ بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن أبي يُوسُف، عن أبي حَنِيفةَ قال: اقتُلِ الزِّنديقَ، فإنَّ تَوْبتهُ لا تُعرفُ. قال: ولم يَحْكِ أبو يُوسُف خِلافًا (٤). وقال الشّافِعيُّ (٥): يُسْتتابُ الزِّنديقُ، كما يُستتابُ المُرتدُّ ظاهِرًا، فإن لم يَتُب قُتِل. قال: ولو شهِدَ شاهِدانِ على رجُلٍ بالرِّدَّةِ، فأنكرَ، قُتِلَ، فإن أقَرَّ: أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله، وتبرَّأ من كلِّ دينٍ خالَفَ الإسلامَ، لم يُكشَفْ عن غيرِهِ.

стр. 3738

ومن حُجَّةِ الشّافِعيِّ في الزِّنديقِ - أنَّهُ يُستتابُ، فإن أقرَّ وأظهرَ الإسلام، لم يُقْتَل -: أنَّ (١) رسُولَ الله ﷺ لم يقتُلِ المُنافِقينَ، لإظهارِهِمُ الإسلامَ، ولو شاء لقَتَلهم بالشَّهادةِ عليهِم، دُون العِلم، والقضاءُ بالعِلم للحاكِم عِند الشّافِعيِّ جائزٌ (٢). وهذه المسألةُ ليسَ هذا مَوْضِعَها، وإنَّما أتينا بما يُطابِقُ بعضَ معاني الحديثِ ويُجانِسُهُ، على شرطِ الاخْتِصارِ، وتركِ الإكثارِ. وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: قلتُ لأحمد بن حنبل: يُسْتتابُ الزِّنديقُ؟ قال: ما أدري. قلتُ: إنَّ أهلَ المدينةِ يقولُونَ: يُقتلُ ولا يُستتابُ. فقال: نعم، يقولُونَ ذلك. ثُمَّ قال: من أيِّ شيءٍ يُستتابُ، وهُو لا يُظهِرُ الكُفرَ، هُو يُظهِرُ الإيمانَ، فمِن أيِّ شيءٍ يُستتابُ؟ قلتُ: فيُستتابُ عِندَكَ؟ قال: ما أدري (٣). ومن الحُجَّةِ أيضًا، لمن أبَى من قَتْلِ الزِّنديقِ، مع هذا الحديثِ المذكُورِ، في هذا البابِ، قولُهُ ﷺ : "أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النّاس حتَّى يقولوا: لا إله إلّا اللهُ، فإذا قالُوها، عَصمُوا مِنِّي دِماءهُم إلّا بحقِّها، وحِسابُهُم على الله" (٤). وقد قال

стр. 3739

- ﷺ : "من قالها مُخلِصًا من قلبِهِ دخلَ الجنَّة" (١). فدلَّ على أنَّ هُناك من يقولُها غيرَ مُحُلِصٍ بها، وحِسابُهُ على الله، كما قال رسُولُ الله ﷺ . وقد أجمعُوا أنَّ أحكامَ الدُّنيا على الظّاهِرِ، وأنَّ السَّرائرَ إلى الله . وأمّا الآثارُ المُتَّصِلةُ الثّابِتةُ في معنى حديثِ مالكٍ هذا: فمنها: ما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدةَ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن داودَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، أنَّ ابن شِهابٍ حدَّثهُ، أنَّ محمُود بن الرَّبيع حدَّثهُ، وزعم أنَّهُ كان قد عَقَلَ رسُولَ الله ﷺ ، أنَّ عِتْبانَ بن مالكٍ، وهُو أحدُ بني سالم، قال: كُنتُ أُصلِّي لقومي، في زمنِ النَّبيِّ ﷺ ، فلمّا ساءَ بصَرِي، وبيني وبين قَوْمِي وادٍ، فَطَفِقتُ يشُقُّ عليَّ إجازةُ الوادي إذا كانتِ الأمطارُ، فشَكَوتُ ذلكَ إلى رسُولِ الله ﷺ ، قلتُ: يا رسُولَ الله، ودِدتُ أنَّكَ تأتيني فتُصلِّي في بيتي، في مكانٍ أتَّخِذُهُ مُصلّى، فقال رسُولُ الله ﷺ : "سأفعلُ". قال عِتْبانُ: فغَدا عليَّ رسُولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ حينَ تَعالَى النَّهارُ، فاسْتأذنَ، فأُذِن لهُ، فلم يَجْلِس حتَّى قال: "أينَ تُحِبُّ أن أُصلِّي من بيتكَ؟ " فأشَرتُ لهُ (٢) إلى المكانِ الذي أريدُ (٣)، فقامَ رسُولُ الله ﷺ وكبَّر وصلَّى، ثُمَّ سلَّمَ، فجلَسَ في مُصلّاهُ، وحَبَسناهُ لخَزيرة تُصنعُ (٤) لهُ، فسمِعَ

стр. 3740

رِجالٌ أهلَ الدّار، وهُم يدعُونَ، والدُّورُ قُربَهُم، فلم أشْعُر حتَّى كثُرَ الرِّجالُ في بيتي، فقال رجُلٌ منهُم: فأينَ مالكُ بن الدُّخشُم، لا أراهُ أتَى؟ فقال رَجُلٌ آخرُ منهُم: ذلك مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللهَ ولا رسُولَهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا تَقُل ذلكَ، ألا تراهُ قد قالَ: لا إله إلّا اللهُ يَبْتغي بذلك وجهَ الله؟ " فقال الرَّجُلُ: اللهُ ورسُولُهُ أعلمُ، أمّا نحنُ يا رسُول الله فما نرَى مودَّتهُ ونَصِيحتهُ ووجهَهُ، إلّا إلى المُنافِقين، فقال رسُولُ الله ﷺ : "فإنَّ اللهَ قد حرَّمَ على النّارِ من قال: لا إلهَ إلّا اللهُ يَبْتغي بها وجهَ الله والدّارَ الآخِرةَ" (١). وحدَّثناهُ خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن المنهال، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمَةَ، عن ثابِتٍ البُنانيِّ، عن أنسٍ: أنَّ عِتْبانَ بن مالكٍ الأنصاريَّ كان ضريرًا، فقال: يا رسُولَ الله، تعالَ فصلِّ في داري، حتَّى أتَّخِذَ مُصلّاكَ مسجِدًا. فجاء رسُولُ الله ﷺ ، فاجتَمَعَ إليه قومُهُ، وتخلَّف مالكُ بن الدُّخشُم، فوقَعُوا فيه، وقالوا: إنَّهُ وإنَّهُ، هُو مُنافِقٌ. فقال النَّبيُّ ﷺ : "أليسَ يَشْهدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنِّي رسُولُ الله؟ " قالوا: بلى يا رسُولَ الله، يقولهُا تعوُّذًا، فقال: "فوالذي نَفْسي بيدِهِ، لا يقولُها عبدٌ صادِقًا بها، إلّا حُرِّمتْ عليهِ النّارُ" (٢). وعِندَ حمّادِ بن سلمَةَ في هذا الحديثِ أيضًا حديث آخرُ؛ حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرِ بن الوَردِ وأبو أحمدَ الحُسينُ بن جعفرٍ الزَّيّاتُ، قالا: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا أسدُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمَةَ، عن عاصِم بن بَهْدلَةَ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رجُلًا

стр. 3741

من الأنصارِ أرسلَ إلى رسُولِ الله ﷺ : أنْ خُطَّ لي في داري مسجِدًا. فأتاهُ النَّبيُّ ﷺ واجتمَعَ قومُهُ، وتغيَّبَ رجُلٌ منهُم، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أينَ فُلانٌ؟ " فغمَزهُ رجُلٌ منهُم: إنَّهُ وإنَّهُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أليسَ قد شهِدَ بدرًا؟ " قالوا: بَلَى، قال: "فلعلَّ الله قدِ اطَّلعَ على أهلِ بَدْرٍ، فقال: اعملُوا ما شِئتُم، فقد غَفَرتُ لكُم" (١). حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن أُسامَةَ بن زيدٍ قال: بعَثَنا رسُولُ الله ﷺ في سريَّةٍ، فصَبَّحنا الحُرُقاتِ (٣) من جُهينَةَ فأدركتُ رَجُلًا، فقال: لا إلهَ إلّا اللهُ، فطعنتُهُ، فوقَعَ في نفسِي من ذلك، فذكرتُهُ لرسُولِ الله ﷺ ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "قال: لا إلهَ إلّا اللهُ وقَتلتَهُ؟ " قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، إنَّما قالها فرَقًا منَ السِّلاح. قال: "أفلا شَقَقتَ عن قلبِهِ، حتَّى تعلَمَ أقالها، أم لا؟ ". فما زالَ يُكرِّرُها عليَّ، حتَّى تمنِّيتُ أنِّي أسلمتُ يومئذٍ. قال: فقال سعدٌ (٤): وأنا والله لا أقتُلُ مُسلِمًا، حتَّى يقتُلَهُ ذُو البُطينِ، يعني: أُسامَةَ. وذكرَ باقيَ الحديثِ.

стр. 3742

وأمّا طُرُقُ حديثِ ابن شِهاب، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، فقد ذكَرَها إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي مُسْتقصاةً مُجوَّدةً، ونحنُ نذكُرُها عنهُ: حدَّثنا أبو عُثمان سعيدُ بن نصرٍ وأبو القاسم عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ بن جَبْرُونٍ، قالا: حدَّثنا أبو محمدٍ قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبرنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني ابنُ شِهابٍ الزُّهْريُّ، عن عطاءِ بن يزيد اللَّيثيِّ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ: أنَّ رجُلًا من الأنصارِ أتَى النَّبيَّ ﷺ وهُو في مجلِسٍ، فسارَّهُ يستأذِنُهُ في قتلِ رجُلٍ من المُنافِقينَ، فجهَرَ رسُولُ الله ﷺ فقال: "أليسَ يشهدُ أن لا إله إلّا اللهُ؟ "، قال: بلى يا رسُولَ الله، ولكن لا شهادَةَ لهُ. قال: "أليسَ يشهَدُ أنَّ محمدًا رسُولُ الله؟ "، قال: بلى يا رسُولَ الله (١)، ولا شهادَةَ لهُ. قال: "أليسَ يُصلِّي؟ " قال: بلى يا رسُولَ الله، ولكن لا صلاةَ لهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أُولئكَ الذين نَهاني اللهُ عنهُم" (٢). قال القاضي: هكذا رواهُ ابنُ جُريج مُرسلًا، ووافقهُ في إرسالِهِ سُفيانُ بن عُيينةَ، حدَّثناهُ عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن عطاءِ بن يزيدَ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ أُتي برجُل، فلمّا وُجِّهَ ليُقتَلَ، قال: "أيشهَدُ أن لا إله إلّا اللهُ؟ " قالوا: نعم، ولا شهادةَ لهُ. قال: "أيشهَدُ أنِّي رسُولُ الله؟ " قالوا: نعم، ولا شهادَةَ لهُ. قال رسُولُ الله ﷺ : "أُولئكَ الذين نهاني اللهُ عنهُم" (٣).

стр. 3743

قال عليُّ بن المدينيِّ: سمِعتُهُ من سُفيان مِرارًا، لم أسمعهُ يذكُرُ فيه سماعًا، وهُو من قديم حديثِ سُفيانَ. قال القاضي: قد رَوَى هذا الحديثَ عن الزُّهْريِّ جماعةٌ، منهُمُ: ابنُ جُريج، ومالكُ بن أنسٍ، وليثُ بن سعدٍ، ومعمرٌ، وأبو أُوَيسٍ، وابنُ أخي الزُّهْريِّ، وابنُ عُيينةَ، فلم يقُلْ أحدٌ منهُم في حديثِهِ: إنَّ الرّجُل وُجِّه ليُقتلَ إلّا ابنَ عُيينةَ (١)، وقد بَلَغَني أنَّ ابنَ عُيينةَ كان رُبَّما لم يذكُر هذا الكلامَ فيه، وإنَّما الحديثُ: أنَّ رجُلًا سارَّ النَّبيَّ ﷺ يستأذِنُهُ في قتلِ رجُلٍ من المُنافِقينَ. وليسَ فيه: فوُجِّهَ الرَّجُلُ ليُقتلَ. قال أبو عُمر: قد أسقطَ ابنُ عُيينةَ أيضًا من هذا الحديثِ، قولَ رسُولِ الله ﷺ : "أليسَ يُصلِّي؟ " قالوا: بلى ولا (٢) صلاةَ لهُ. وهُو كلامٌ محفُوظٌ في هذا الحديثِ من وُجُوهِهِ كلِّها، ولهُ معنًى صحيحٌ جسيمٌ عندَ أهلِ العِلم. وقد تقدَّم فيما أوردنا من الأحاديثِ ما يدُلُّ على غَلطِ ابن عُيينةَ وخطئهِ في قولِهِ في هذا الحديثِ (٣): فلمّا وُجِّهَ الرَّجُلُ ليُقتَلَ. وبالله التَّوفيقُ. قال إسماعيلُ القاضي: حدَّثنا أبو مُصعبٍ الزُّهْريُّ (٤)، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن ابن شِهاب، عن عطاءِ بن يزيد اللَّيثيِّ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، أنَّهُ حدَّثهُ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ بينما هُو جالسٌ بين ظهْراني النّاسِ، إذ جاء رجُلٌ فسارَّهُ، فلم يُدْرَ ما سارَّهُ بهِ. فذكرَ الحديث بمِثلِ رِوايةِ يحيى حرفًا بحرفٍ.

стр. 3744

قال القاضي: هكذا حدَّثنا بهِ أبو مُصعبٍ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، مُرسلًا. قال: ورواهُ روحُ بن عُبادة، عن مالكٍ مُسندًا، زاد في إسنادِهِ رجُلًا. وقال: في رِوايةِ أبي مُصعبٍ ما يدُلُّ على أنَّ رَوْح بن عُبادة قد أصابَ في زيادتِهِ، وهُو قولُهُ: "فلم يُدْرَ ما سارَّه بهِ". وهذا لا يقولُهُ إلّا رجُلٌ شهِدَ النَّبيَّ ﷺ . قال: وعُبيدُ الله بن عديِّ بن الخيارِ لم يُدرِكِ النَّبيَّ ﷺ . حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بن حبيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الدَّراوَرْديُّ، عن ابن أخي الزُّهْريِّ، عن عمِّهِ، عن عُروة بن الزُّبيرِ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، أنَّ عُثمان بن عفّان قال لهُ: هل أدركتَ رسُولَ الله ﷺ ؟ قال: قلتُ: لا، ولكن قد خلَصَ إليَّ منهُ، ما خَلَصَ إلى العَذْراءِ في خِدْرِها من اليَقينِ (١). حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن ابن شِهاب، عن عطاءِ بن يزيد اللَّيثيِّ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، أنَّ رجُلًا أخبرهُ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ بينما هُو بين (٢) ظَهْراني النّاسِ، جاءهُ رجُلٌ فسارَّهُ، فلم يُدْرَ ما سارَّهُ بهِ، حتَّى جَهَرَ رسُولُ الله ﷺ ، فإذا هُو يَسْتأذِنُهُ في قتلِ رجُلٍ من المُنافِقينَ، فقال رسُولُ الله ﷺ حينَ جهَرَ (٣): "أليسَ يشهَدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله؟ " فقال (٤): بلى يا رسُولَ الله، ولا شهادَةَ لهُ. قال:

стр. 3745

"أليسَ يُصلِّي؟ " قال: بلى ولا صلاةَ لهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أُولئكَ الذين نهاني اللهُ عنهُم" (١). قال القاضي: وحدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ شِهاب، عن عَطاءِ بن يزيدَ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، أنَّ رجُلًا من الأنصارِ حدَّثهُ: أنَّ رجُلًا من الأنصارِ أتَى رسُولَ الله ﷺ يستأذِنُهُ في قتلِ رجُلٍ من المُنافِقينَ، فقال: "أليسَ يشهَدُ أن لا إله إلّا اللهُ؟ " قال: بلى، ولا شهادَةَ لهُ. قال: "أليسَ يشهدُ أنَّ محمدًا رسُولُ الله؟ " قال: بلى، ولا شهادَةَ لهُ. قال: "أليسَ يُصلِّي؟ " قال: بلى، ولا صلاةَ لهُ. فقال رسُولُ الله ﷺ : "أُولئكَ الذين نُهيتُ عنهُم" (٢) (٣). قال القاضي: وحدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا ابنُ شِهاب، أنَّ عطاء بن يزيدَ الجُنْدَعيَّ حدَّثهُ، أنَّ عُبيدَ الله بن عديِّ بن الخيارِ حدَّثهُ، أنَّ نفرًا من الأنصارِ حدَّثُوهُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ بينما هُو جالسٌ بين ظَهْراني النّاسِ، جاءهُ رجُلٌ فسارَّهُ، فلم يُدْرَ ما الذي سارَّهُ بهِ، حتَّى جهَرَ رسُولُ الله ﷺ ، فإذا هُو يَسْتأذِنُهُ في قتلِ رجُلٍ من المُنافِقينَ، فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ حِينَ جهَرَ: "أليسَ يشهدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله؟ " قال الرَّجُلُ، وهُو أنصاريٌّ: بَلَى يا رسُولَ الله، ولا شهادَةَ لهُ. قال: "أليسَ يُصلِّي؟ " قال: بلى، ولا صَلاةَ لهُ. قال رسُولُ الله ﷺ : "أُولئكَ الذينَ نهاني اللهُ عنهُم".

стр. 3746

قال القاضي: قد أسنَدَ هذا الحديثَ عددٌ، اتَّفقُوا فيه: أنَّهُ عن رجُل، وجعلهُ أبو (١) أُوَيسٍ عن نفرٍ، والذين اتَّفقُوا فيهِ (٢): مالكُ بن أنسٍ، وليثُ بن سعدٍ، وابنُ أخي الزُّهْريِّ، ومَعْمرُ بن راشِدٍ. وسمَّى مَعْمرٌ الرَّجُلَ: عبدَ الله بن عديٍّ الأنصاريَّ، إن كان ذلك مضبُوطًا (٣) عنهُ، حدَّثنا بهِ عليُّ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٤): أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عطاءِ بن يزيد اللَّيثيِّ، عن عُبيد (٥) الله بن عديٍّ، أنَّ عبد الله بن عديٍّ الأنصاريَّ حدَّثهُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ بينما هُو جالِسٌ بين ظَهْراني النّاسِ، جاءهُ رجُلٌ يستأذِنُهُ أن يُسارَّهُ، فأذِنَ لهُ، فسارَّهُ في قَتْلِ رجُلٍ منَ المُنافِقينَ، يستأذِنُهُ فيه، فجهَرَ رسُولُ الله ﷺ فقال: "أليسَ يشهَدُ أن لا إله إلّا اللهُ؟ " قال: بلى، ولا شهادَةَ لهُ. قال: "أليسَ يشهَدُ أنِّي رسُولُ الله؟ " قال: بلى، ولا شهادَةَ لهُ (٦). قال: "أليسَ يُصلِّي؟ " قال: بلى ولا صلاةَ لهُ. قال: "أُولئكَ الذين نُهيتُ عنهُم".

стр. 3747

قال: وحدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن محمدِ بن أخي الزُّهْريِّ، عن عمِّهِ، عن عطاءِ بن يزيدَ، أنَّ عبد (١) الله بن عديٍّ، قال: أخبرني رجُلٌ من الأنصارِ، من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ بينما هُو جالسٌ عندَ رسُولِ الله ﷺ ، جاءهُ رجُلٌ من الأنصارِ، فسارَّهُ يَسْتأذِنُهُ في قتلِ رجُلٍ من المُنافِقين، فلم يُدْرَ ما قال لرسُولِ الله ﷺ ، حتَّى كان رسُولُ الله ﷺ هُو يجهَرُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أوليسَ يشهَدُ أن لا إله إلّا اللهُ؟ " قال: بلى يا رسُولَ الله ولا (٢) شهادَةَ لهُ، قال: "أوليسَ يشهَدُ أنَّ محمدًا رسُولُ الله ﷺ " قال: بلى يا رسُول الله، ولا شهادَةَ لهُ. قال: "أوليسَ يُصلِّي؟ " قال: بلى يا رسُولَ الله، ولا صلاةَ لهُ. قال رسُولُ الله ﷺ : "أولئكَ الذينَ نهاني اللهُ عنهُم". قال القاضي: هكذا في كِتابِنا: عطاءُ بن يزيدَ، أنَّ عبدَ الله بن عديٍّ قال: أخبَرني رجُلٌ من الأنصارِ. وإنَّما هُو عُبيدُ الله بن عديِّ بن الخيارِ. فقدِ اتَّفقَ على ذلك: مالكُ بن أنسٍ، وليثُ بن سعدٍ، وسُفيانُ بن عُيينةَ، ومَعْمرُ بن راشِدٍ، وابنُ جُريج، وأبو أُويسٍ، وهُم سبعةٌ بابنِ أخي الزُّهْريِّ، هؤُلاءِ النَّفرُ السَّبعةُ، وليس فيهم أجودُ رِوايةً من مَعْمرٍ، إن كان عبدُ الرَّزّاقِ ضبطَ عن مَعْمرٍ، لأنَّهُ جعلهُ: عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، عن عبدِ الله بن عديٍّ الأنصاريِّ، عن النَّبيِّ ﷺ (٣). قال القاضي: وعبدُ الله بن عديٍّ هذا رجُلٌ من الأنصارِ، وليسَ هُو عبدَ الله بن عديِّ بن الحَمْراءِ، الذي رَوَى حديثَهُ الزُّهْريُّ، عن أبي سلمَةَ، عن عبدِ الله بن

стр. 3748

عديِّ بن الحمراءِ (١) أنَّهُ سمِعَ النَّبيَّ ﷺ يقولُ وهُو بالحَزْوَرةِ (٢) في سُوقِ مكَّة: "والله إنَّكِ خيرُ أرضِ الله، وأحبُّ الأرضِ إلى الله، ولَوْلا أنِّي أُخْرِجتُ مِنكِ، ما خرجتُ" (٣). قال القاضي: عبدُ الله بن عديِّ بن الحمراءِ رجُلٌ من قُريشٍ، من بني زُهْرةَ، وليس هُو عبدَ الله بنَ عديٍّ الذي روى حديثَهُ عبدُ الرَّزّاقِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ استُؤذِنَ في قتلِ رجُلٍ من المُنافِقين. حدَّثني عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله: أنَّ المِقدادَ بن الأسودِ قال: يا نبيَّ الله، أرأيتَ إنِ اخْتَلفتُ أنا ورَجُلٌ من المُشرِكينَ ضَرْبتَيْنِ، ضَرَبني فقطعَ يَدِي، فذهبتُ لأضرِبهُ، فقال: لا إلهَ إلّا اللهُ، أفأقتُلُهُ، أم أدعُهُ؟ قال: "دَعْهُ". قلتُ: إنَّهُ قطعَ يَدِي! قال: "وإنْ فعَلَ". فأعدتُ عليهِ مِرارًا، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنْ قَتَلتهُ بعد أن يقول: لا إله إلّا اللهُ، فهُو مِثلُكَ قبل أن تقتُلهُ، وأنت مِثلُهُ قبل أن يقولها".

стр. 3749

قال القاضي: هكذا رواهُ عبدُ الأعلى، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، عن المِقدادِ. اتَّفقَ على ذلك (١) سبعةُ نفرٍ: ابنُ جُريج، ومَعْمرٌ، واللَّيثُ، وشُعيبُ بن أبي حَمْزةَ، وصالحُ بن كَيْسانَ، وعبدُ الحميدِ بن جعفرٍ، وعبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ (٢). قال: وسمِعتُ عليَّ بن المدينيِّ يقولُ: سمِعتُ عبد الأعلى، عن مَعْمرٍ بالبصرةِ، وكان مَعْمرٌ يُحدِّثُهُم بالبصرةِ من حِفظِهِ، فوهِمَ في أسانيدَ، وسماعُ عبدِ الرَّزّاقِ عن مَعْمرٍ أصحُّ، لأنَّهُ كان يُحدِّثُ أهل اليمنِ، ومعهُ كُتُبُهُ. قال القاضي: وقد رَوى هذا الحديثَ عبدُ الرَّزّاقِ (٣) عن مَعْمرٍ، كما رواهُ أصحابُ الزُّهْريِّ، لم يُخالِفهُم في شيءٍ من إسنادِهِ. وحدَّثنا بهِ عبدُ الملكِ، عن عبدِ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن أبي اليَمانِ، عن شُعيبِ بن أبي حمزة. وحدَّثنا بهِ أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ، عن اللَّيثِ بن سعدٍ (٤). وحدَّثنا بهِ يحيى بن عبدِ الحميدِ، عن إبراهيم بن سعدٍ، عن صالح بن كَيْسانَ (٥). وحدَّثنا بهِ محمدُ بن أبي بكرٍ، عن يزيدَ بن زُريع، عن عبدِ الرَّحمنِ بن إسحاق (٦). وحدَّثنا بهِ محمدُ بن بشّارٍ، عن محمدِ بن بكرٍ، عن ابن جُريج (٧). وحدَّثنا بهِ محمدُ بن المُثنَّى، عن أبي بكرٍ الحنفيِّ،

стр. 3750

عن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ (١)؛ كلُّهُم عن الزُّهْريِّ، عن عطاءِ بن يزيدَ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، عن المِقدادِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: وقد ذكرناهُ في مُسندِ المِقدادِ (٢). قال أبو عُمر: حديثُ المِقدادِ هذا، حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمان بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (٣): حدَّثنا أبو عاصِم، عن ابن جُريج، عن الزُّهْريِّ، عن عَطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ، عن عُبيدِ الله بن عديٍّ، عن المِقدادِ بن الأسودِ. قال البُخاريُّ (٤): وحدَّثني إسحاقُ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا ابنُ أخي ابن شِهاب، عن عمِّهِ، قال: أخبرني عطاءُ بن يزيد اللَّيثيُّ ثُمَّ الجُنْدَعيُّ، أنَّ عُبيدَ الله بن عديِّ بن الخيارِ أخبرهُ، أنَّ المِقدادَ بن عَمرٍو الكِنديَّ، وكان حليفًا لبني زُهْرةَ، وكان مِمَّن شهِدَ بدرًا معَ رسُولِ الله ﷺ أخبرهُ، أنَّهُ قال لرسُولِ الله ﷺ : أرأيتَ إن لقيتُ رجُلًا من الكفّارِ، فاقْتَتلْنا، فضربَ إحْدَى يدَيَّ بالسَّيفِ فقَطَعها، ثُمَّ لاذ مِنِّي بشجَرةٍ، فقال: أسلمتُ لله، أأقتُلُهُ يا رسُولَ الله بعدَ أن قالها؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا تقتُلهُ"، فقال: يا رسُولَ الله، إنَّهُ قطَعَ إحْدَى يديَّ، ثُمَّ قال ذلكَ بعدَ ما قطَعَها! فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا تقتُلهُ، فإنْ قتلتَهُ، فإنَّهُ بمنزِلتِكَ قبل أن تقتُلهُ، وإنَّكَ بمنزِلتِهِ قبل أن يقول كلِمتهُ التي قال". قال البُخاريُّ (٥): وقال حبيبُ بن أبي عَمْرةَ (٦): عن سعيدٍ، عن ابن عبّاسٍ،

стр. 3751

قال: قال النَّبيُّ ﷺ للمِقدادِ: "إذا كان رجُلٌ مُؤمِنٌ يُخفي إيمانهُ سمِعَ قولَ كافرٍ (١)، فأظهرَ إيمانَهُ فقتله، فكذلكَ كُنت أنتَ تُخفي إيمانك بمكَّة قبلُ (٢). قال أبو عُمر: هذا تفسيرٌ للأوَّلِ. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهْريِّ، سمِع عُروة يُحدِّثُ، عن كُرزِ بن عَلْقمةَ الخُزاعيِّ، قال: سألَ رجُلٌ النَّبيَّ ﷺ : هل للإسلام مُنتهًى؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "أيُّما أهلِ بيتٍ من العربِ والعَجَم، أرادَ اللهُ بهِم خيرًا، أدخَلَ عليهِمُ الإسلام". قال: ثُمَّ ماذا يا رسُولَ الله؟ قال: "ثُمَّ تقَعُ الفِتنُ، كأنَّها الظُّللُ". قال الرَّجُلُ: كلّا والله إن شاء اللهُ. قال: "بلى، والذي نفسي بيدِهِ، لتعُودُنَّ فيها أساوِدَ صُبًّا، يضرِبُ بعضُكُم رِقابَ بَعْض" (٣). قال الزُّهْريُّ: "أساوِدَ صُبًّا" يعني: الحيَّة السَّوداء (٤) إذا أرادَ أن ينهَشَ، ارتفَعَ ثُمَّ انْصَبَّ.

стр. 3752

ابنُ شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج القارِئ ثلاثةُ أحاديثَ مُسْندة وهُو عبدُ الرَّحمنِ (١) بن هُرمُز، مولى محمدِ بن ربيعةَ بن الحارِثِ بن عبد المُطَّلبِ، يُكْنَى أبا داود. كان من أعلم أهلِ المدينةِ بالقِراءةِ، وهُو أحدُ أئمَّةِ القِراءةِ بالمدينةِ، وهو ثِقةٌ مأمُونٌ، حُجَّةٌ فيما نقل. روى عنهُ: ابنُ شِهاب، وأبو الزِّنادِ، ويحيى بن سعيدٍ، وغيرُهُم. وقرأ عليهِ نافِعٌ. وتُوفِّي بالإسكندريَّةِ سنة سبعَ عشْرةَ ومئةٍ، فيما قال مُصعبٌ. وقال المدائنيُّ: مات أبو داود عبدُ الرَّحمنِ الأعرجُ، مولى محمدِ بن ربيعةَ، بالإسكندريَّةِ سنة تِسعَ عَشْرةَ ومئةٍ.

стр. 3753

حديثٌ أوَّلُ لابنِ شِهاب، عن الأعْرَج مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ كان يقولُ: شرُّ الطَّعام طعامُ الوَليمةِ، يُدْعَى لها الأغْنِياءُ، ويُتركُ المساكينُ، ومن لم يأتِ الدَّعْوةَ، فقد عَصَى اللهَ ورسُولَهُ. هذا حديثٌ مُسندٌ عِندهُم، لقولِ أبي هُريرة: قد عَصَى الله ورسُولهُ. وهُو مِثلُ حديثِ أبي الشَّعثاءِ، عن أبي هُريرة: أنَّهُ رأى رجُلًا خارِجًا من المسجِدِ بعد الأذانِ، فقال: أمّا هذا فقد عَصَى أبا القاسم ﷺ (٢). ولا يختلِفُونَ في هذا وذاكَ أنَّهُما مُسْندانِ مرفُوعانِ. وقد رَوَى هذا الحديثَ مرفُوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ : روحُ بن القاسم، عن مالك؛ حدَّثنا ابنُ القاسم، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن داود الصَّوّافُ، قال: حدَّثنا يحيى بن غَيْلانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بَزيع (٣)، قال: حدَّثنا روحُ بن القاسم، قال: حدَّثني مالكٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن أبي هُريرة، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ، يُدعَى إليها الأغنياءُ، ويُتركُ الفُقراءُ، ومن لم يُجِبِ الدَّعْوةَ فقد عَصىَ الله ورسُولهُ".

стр. 3754

وتابع رَوْحَ بنَ القاسم، عن مالكٍ، على ذلك: إسماعيلُ بن مَسْلمَةَ بن قَعْنَبٍ؛ أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمر، قال (١): حدَّثنا أبو بكرٍ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن سيفٍ التُّجيبيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن مَسْلَمةَ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن ابن شِهاب، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوَليمةِ، يُدعَى إليها الأغنياءُ، ويُتركُ الفُقراءُ، ومَنْ لم يأتِ الدَّعْوةَ، فقد عَصىَ اللهَ ورسُولَهُ ﷺ ". قال أبو الحسنِ: قال لنا أبو بكرٍ النَّيسابُوريُّ: هذا عندَ جُمهُورِ رُواةِ "المُوطَّأ" من كلام أبي هُريرةَ. قال أبو عُمر: ورواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن المُسيِّبِ والأعرج، جميعًا عن أبي هُريرة، قال: شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ، يُدعَى الغنيُّ، ويُتركُ المِسكينُ، وهي حقٌّ، من تَرَكها فقد عَصىَ. ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٢) عن مَعْمرٍ، بهذا الإسنادِ وهذا اللَّفظِ، من قولِ أبي هُريرةَ. قال عبدُ الرَّزّاقِ: ورُبَّما قال مَعْمرٌ (٣) في هذا الحديثِ: ومن لم يأتِ الدَّعوةَ، فقد عَصىَ الله ورسُولهُ. ورواهُ الأوزاعيُّ، عن الزُّهْريِّ، بمِثلِ إسنادِ مالكٍ ولفظِهِ سواءً (٤). ورواهُ ابنُ جُريج، عن ابن شِهاب، فجعلهُ من كلام النَّبيِّ ﷺ .

стр. 3755

حدَّثني يعيشُ بن سعيدٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن جُريج، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "بئسَ الطَّعامُ الوليمةُ، يُدعَى لهُ الأغنياءُ، ويُتركُ الفُقراءُ، ومن لم يُجِبِ الدَّعوةَ، فقد عَصَى الله ورسُولهُ" (١). وقد رُوي عن ابن عُيينة مرفُوعًا أيضًا (٢). فأمّا قولُهُ: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ". لم يُرِدْ ذمَّ الطَّعام في ذاتِهِ وحالِهِ، وإنَّما ذمَّ الفِعلَ، الذي هُو الدُّعاءُ للأغنياءِ إليه دُونَ الفُقراءِ، فإلى فاعِلِ ذلك توجَّه الذَّمُّ، لا إلى الطَّعام، واللهُ أعلمُ. وقد مَضَى القولُ في وُجُوبِ إتيانِ الدَّعوةِ، في بابِ إسحاقَ، ومَضَى هُناكَ من الآثارِ في ذلك ما فيه كِفايةٌ. واختلَفَ الفُقهاءُ فيما يجِبُ إتيانُهُ من الدَّعواتِ إلى الطَّعام. فقال مالكٌ والثَّوريُّ: يجِبُ إجابةُ وليمةِ العُرسِ، ولا يجِبُ غيرُها (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤): إجابَةُ وليمةِ العُرسِ واجِبةٌ، ولا أُرخِّصُ في تركِ غيرِها

стр. 3756

من الدَّعواتِ التي يَقَعُ عليها اسمُ الوليمةِ: كالإمْلاكِ (١)، والنِّفاسِ، والخِتانِ، وحادِثِ سُرُور، ومن تركها لم يَبِنْ (٢) لي أنَّهُ عاصٍ، كما يَبِينُ في وليمةِ العُرسِ. وقال عُبيدُ (٣) الله بن الحسنِ العَنْبريُّ القاضِي البصريُّ: إجابةُ كلِّ دعوةٍ اتَّخذَ (٤) صاحِبُها للمدعُوِّ فيها طعامًا، واجِبةٌ (٥). وقال الطَّحاويُّ (٦): لم نجِدْ عن أصحابِنا، يعني: أبا حنيفةَ وأصحابَهُ، في ذلك شيئًا، إلّا في إجابةِ دعوةِ (٧) وليمةِ العُرْسِ خاصَّةً، واللّهُ أعلمُ. قال أبو عُمر: وقد قال صاحِبُ "العينِ" (٨): الوليمةُ: طعامُ العُرسِ، وقد أوْلَم، أي: أطعَمَ. ورُوي عن الحسنِ قال: دُعِيَ عُثمانُ بن أبي العاص إلى خِتانٍ، فأبى أن يُجيبَ، قال: وقد كُنّا على عهدِ رسُولِ الله ﷺ لا نأتي الخِتانَ ولا نُدعى لهُ (٩).

стр. 3757

وقال رسُولُ الله ﷺ لعبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ: "أوْلِم ولو بشاةٍ" (١). وقال: "إذا دُعيتُم فأجيبُوا" (٢). و"إذا دُعي أحدُكُم فليُجِب، فإنْ كان صائمًا دَعا، وإن كان مُفطِرًا أكَلَ" (٣). وقال ﷺ : "من دُعيَ إلى وليمةٍ فليأتِها" (٤). ولا نعلمُ (٥) خِلافًا في وُجُوبِ إتيانِ الوليمةِ لمن دُعي إليها، إذا لم يَكُن فيها مُنكرٌ ولهوٌ. وفي قولِهِ في هذا الحديثِ: "فقد عَصَى الله ورسُولهُ" ما يرفعُ الإشكالَ ويُغني عن الإكْثار. وأمّا غيرُ الوليمةِ من الطَّعام المدعُوِّ إليه، فمَنْ أوجبَ الإجابةَ إليه من أهلِ العِلم، فحُجَّتُهُ ظاهِرُ الآثارِ التي أوردناها في بابِ إسحاقَ بن أبي طلحَةَ، ومَنْ أبى حقَّ ذلكَ ذهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بها وليمةُ العُرسِ، وفي بابِ إسحاق (٦)

стр. 3758

بيانُ ما اخترنا من ذلك. وهذا إذا لم يكُن هُناكَ من المُنكرِ واللَّهوِ ما يمنعُ من الإجابةِ (١). وقدِ اختلفَ الفُقهاءُ في هذا المعنى أيضًا: فقال مالكٌ: إنَّ (٢) اللَّهوَ الخفيف - مِثلَ الدُّفِّ والكَبَرِ (٣) - فلا يرجِعُ، فإنِّي أراهُ خفيفًا (٤). وقالهُ ابنُ القاسم. وقال أصبغُ: أرى أن يرجِعَ. قال: وقد أخبر في ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: لا ينبغي لذي الهيئةِ أن يحضُرَ موضِعًا فيه لعِبٌ (٥). وقال الشّافِعيُّ: إذا كان في وليمةِ العُرسِ مُسكِرٌ، أو خمرٌ، أو ما أشبَهَهُ من المعاصي الظّاهِرةِ، نهاهُم، فإن نحَّوا ذلكَ، وإلّا لم أُحِبَّ لهُ أن يجلِس، وإن علِمَ ذلك عِندهُم، لم أُحِبَّ لهُ أن يُجيب (٦). قال: وضربُ الدُّفِّ في العُرسِ لا بأسَ بهِ، وقد كان على عهدِ رسُولِ الله ﷺ (٧). وقال أبو حنيفةَ: إذا حضرَ الوليمةَ، فوجَدَ فيها لعِبًا، فلا بأسَ أن يقعُدَ ويأكُل (٨).

стр. 3759

وقال هِشامٌ الرازيُّ، عن محمدِ بن الحسنِ: إن كان الرَّجُلُ مِمَّن يُقتَدَى بهِ، فأحَبُّ إليَّ أن يخرُج (١). وقال اللَّيْثُ بن سعدٍ: إن كان فيها الضَّربُ بالعُودِ واللَّهوِ، فلا يشهدها (٢). قال أبو عُمر: الأصلُ في هذا البابِ: ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمَةَ، قال: أخبرنا سعيدُ بن جُمهان، قال: حدَّثنا سفينةُ أبو عبدِ الرَّحمن: أنَّ رجُلًا أضافهُ عليُّ بن أبي طالبٍ، فصنَعَ لهُ طعامًا، فقالت فاطِمةُ: لو دَعَونا رسُولَ الله ﷺ فأكَلَ معنا، فدَعَوهُ، فجاء، فوضَعَ يدهُ على عُضادَتَي البابِ، فرأى قِرامًا (٣) في ناحيةِ البيتِ، فرجَعَ، فقالت فاطِمةُ لعليٍّ: ألحَقْهُ. فقال لهُ: ما رجَعكَ يا رسُولَ الله؟ فقال: "إنَّهُ ليسَ لي أن أدخُلَ بيتًا مُزوَّقًا" (٤). كأنَّ رسُولَ الله ﷺ قد كَرِهَ دُخُول بيتٍ فيه تصاويرُ، لتقدُّم نهيهِ ﷺ عن ذلك (٥)، وقولِهِ: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ أو تماثيلُ" (٦). وكذلكَ كلُّ مُنكرٍ

стр. 3760

مُنكرٍ إذا كان في البيتِ، فلا ينبغي دُخُولُهُ - واللّهُ أعلمُ - لرُجُوع رسُولِ الله ﷺ عن طَعام دُعي إليه، لمّا رأى في البيتِ ما يُنكِر مِمّا تقدَّم نهيُهُ عنهُ. قال أهلُ اللُّغةِ: طعامُ الوليمةِ، هُو طعامُ العُرسِ، والإملاكِ خاصَّةً. قالوا: ويُقالُ للطَّعام الذي يُصنعُ للنُّفساءِ: الخُرْسُ والخُرْسَةُ، وللطَّعام الذي يُصنعُ عِند الخِتانِ: الإعذارُ، وللطَّعام الذي يُصنعُ للقادِم من سفرٍ: النَّقيعةُ، وللطَّعام الذي يُعملُ عِند بناءِ الدّار: الوكيرةُ، وأنشدَ ثعلبٌ لبعضِ العرب (١): كلَّ الطَّعامِ (٢) تشتهي ربيعهْ الخُرسَ والإعذارَ والنَّقيعهْ وقال ثعلبٌ: والمأدُبةُ: كلُّ ما دُعي إليه من الطَّعام. قال: ويُقالُ: طعامٌ أُكِل على ضَفَفٍ (٣)، إذا كثُرت عليهِ الأيدي، وكان قليلًا.

стр. 3761

حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن الأعرج مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن عبدِ الله بن بُحَيْنةَ قال: صلَّى لنا رسُولُ الله ﷺ ركعتينِ، ثُمَّ قامَ فلم يجلِسْ، فقامَ النّاسُ معهُ، فلمّا قَضَى صلاتهُ، فانتظرنا تَسْليمَهُ، كبَّر فسجَدَ سَجْدتينِ وهُو جالِسٌ قبل التَّسليم، ثُمَّ سلَّمَ. قد ذكرنا ابنَ بُحَيْنةَ في الصَّحابةِ (٢) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا. وفي هذا الحديثِ: بيانُ أنَّ الوهَمَ والنِّسيانَ لا يَسْلَمُ منهُ أحدٌ من المخلُوقينَ، وقد يكونُ ما نزلَ بهِ من ذلك، ومن مِثلِه، ليَسُنَّ (٣) لأُمَّتِهِ ﷺ ، ألا تَرَى إلى قولِهِ ﷺ : "إنِّي لأنسَى، أو أُنسَّى، لأسُنَّ" (٤). وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ المُصلِّيَ إذا قامَ مِنِ اثْنَتينِ، واعتدَلَ قائمًا، لم يكُن لهُ أن يرجِعَ، وإنَّما قُلنا: واعتدلَ قائمًا؛ لأنَّ النّاهِض لا يُسمَّى قائمًا حتَّى يعتدِلَ على الحقيقةِ، وإنَّما القائمُ: المُعتدِلُ. وفي حديثنا هذا: "ثُمَّ قام". وإنَّما قُلنا: لا ينبغي لهُ إذا اعتدلَ قائمًا أنَّ يرجِعَ؛ لأنَّهُ معلُومٌ أنَّ من اعتدلَ قائمًا في هذه المسألةِ، لا يخلُو من (٥) أن يذكُر بنفسِهِ، أو يُذكِّرهُ من خلفهُ بالتَّسبيح، ولا سيَّما قوم قيل لهم: "من نابهُ شيءٌ في صلاتِهِ، فليُسبِّح" (٦). وهُم أهلُ النُّهَى، وأولى من عمِلَ بما حَفِظَ ووعَى.

стр. 3762

وأيَّ الحالينِ كانت، فلم ينصرِف رسُولُ الله ﷺ إلى الجُلُوسِ بعد قيامِهِ، فكذلك ينبغي لكلِّ من قامَ منِ اثنتينِ، أن لا يرجِعَ، فإن رجَعَ إلى الجُلُوسِ بعد قيامِهِ، لم تفسُد صلاتُهُ عندَ جُمهُورِ العُلماءِ، وإنِ اختلفُوا في سُجُودِ سهوِهِ، وحالِ رُجُوعِهِ، وقد قال بعضُ المُتأخِّرين: تفسُدُ صلاتُهُ. وهُو قولٌ ضعيفٌ لا وجه لهُ؛ لأنَّ الأصلَ ما فَعلهُ، وتركُ الرُّجُوع رُخصةٌ، وتَنْبيهٌ على أنَّ الجَلْسَةَ لم تكُن فرضًا، واللهُ أعلمُ. واختلف العُلماءُ في هذه المسألةِ، فقال مالكٌ: من قام منَ اثنتينِ تمادَى ولم يجلِسْ، وسجَدَ لسهوِهِ قبل السَّلام، على حديثِ ابن بُحَيْنةَ هذا، فإن عادَ إلى الجُلُوسِ بعد قيامِهِ هذا، فصلاتُهُ تامَّةٌ، وتُجزئهُ سجدَتا السَّهوِ (١). قال ابنُ القاسم وأشهبُ: يسجُدُهُما بعد السَّلام. وقال عليُّ بن زيادٍ: يسجُدُهُما قبل السَّلام؛ لأنَّهُ قد وجبَ ذلك (٢) عليهِ في حينِ قيامِهِ ورُجُوعِهِ إلى الجُلُوسِ زيادةٌ، فكأنَّهُ زادَ ونقصَ (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤): إذا ذَكَر ولم يَسْتتِمَّ قائمًا جلسَ، فإنِ اسْتَتمَّ قائمًا، لم يرجِع. وهُو قولُ عَلْقمةَ، والأسودِ، وقَتادةَ، والضَّحّاكِ بن مُزاحِم، والأوزاعيِّ (٥). وفي قولٍ للشّافِعيِّ: إذا رجَعَ إلى الجُلُوسِ، سجدَ سَجْدتيِ السَّهوِ. وفي قولٍ للأسودِ وعَلْقمةَ: لا يسجُدُ للسَّهوِ إن رجَعَ (٦).
следующие страницы →