← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3828–3867 · переход к 3833.

стр. 3828

وقال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ: لا تجِبُ الجُمُعةُ إلّا على من سمِعَ النِّداءَ، كان بالمِصْرِ أو خارِجًا عنهُ. يُريدانِ الموضِعَ الذي يُسْمَعُ منهُ، ومن مِثلِهِ النِّداءُ (١). ورُوِيَ مِثلُ ذلك عن عبدِ الله بن عَمرو بن العاص (٢)، وسعيدِ بن المُسيِّبِ (٣)، وقد كان الشّافِعيُّ يقولُ: لا يتبيَّنُ عِندي أن يَحْرَجَ (٤) بتركِ الجُمُعةِ، إلّا من يسمعُ النِّداء. قال: ويُشبِهُ أن يَحْرَجَ أهل المِصْرِ وإن عَظُمَ، بتركِ الجُمُعةِ (٥). قال أبو عُمر: يُشبِهُ أن يكون مذهبُ مالكٍ وأصحابِهِ واللّيثِ في (٦) مُراعاةِ الثَّلاثةِ أميالٍ؛ لأنَّ الصَّوتَ النَّديَّ في اللَّيلِ عندَ هُدُوءِ الأصواتِ، يُمكِنُ أن يُسمَعَ من ثلاثةِ أميال، واللهُ أعلمُ، فلا يكونُ مذهبُ مالكٍ في هذا التَّاويلِ مُخالِفًا لمن قال: لا تجِبُ الجُمُعةُ إلّا على من سمِعَ النِّداء، وهُو قولُ أكثرِ فُقهاءِ الأمصارِ. وقد ذكَرَ ابن عبدُوس في "المجمُوعةِ" عن عليِّ بن زيادٍ، عن مالكٍ، قال: عَزِيمةُ الجُمُعةِ على من كان بموضِع يَسْمعُ منهُ النِّداء، وذلك من ثلاثةِ أميال، ومن كان أبعدَ، فهُو في سَعَةٍ، إلّا أن يرغب في شُهُودِها، فهُو أحسنُ، فهذه رِوايةٌ مُفسِّرةٌ، وعلى هذا قال مالكٌ، فيما روى عنهُ ابنُ القاسم وغيرُهُ: أن ليسَ العملُ على ما صنَعَ عُثمانُ، في إذنِهِ لأهْلِ العَوالي؛ لأنَّ الجُمُعة كانت عِندهُ واجِبةً على أهلِ العَوالي، لأنَّ العَواليَ من المدينةِ، على ثلاثةِ أميالٍ ونَحْوِها (٧).

стр. 3829

وذهَبَ غيرُ مالكٍ إلى أنَّ إذنَ عُثمان لأهلِ العَوالي، إنَّما كان لأنَّ الجُمُعة لم يمُن واجِبةً على أهلِ العَوالي عِندهُ؛ لأنَّ الجُمُعة إنَّما تَجِبُ على أهلِ المِصْرِ عِندَهُ. هذا قولُ الكُوفيِّين: سُفيانَ، وأبي حَنِيفةَ، وقد ذكرنا أقوالهم، فأغنى عن إعادَتِها. وأمّا اختِلافُ العُلماءِ، في وُجُوبِ الجُمُعةِ على أهلِ العمُودِ (١)، والقُرَى الكِبارِ والصِّغارِ، وفي عَددِ رِجالِ الموضِع الذي تجِبُ فيه الجُمُعةُ، فسنذكُرُهُ في غيرِ هذا الموضِع إن شاء اللهُ تعالى. ومن حُجَّةِ مالكٍ في مُراعاةِ الثَّلاثةِ أميال: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا معديُّ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلان، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "عسى (٢) أحدُكُم أن يتَّخِذَ الصُّبَّةَ (٣) من الغَنم، فينزِلَ بها على رأسِ ميلينِ أو ثلاثةٍ من المدينةِ، فتأتيَ الجُمُعةُ فلا يُجمِّعَ، فيُطبَعَ على قلبِهِ" (٤). ومن حُجَّةِ من شرَطَ سماعَ النِّداءِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا الخُشنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا

стр. 3830

عبدُ الرَّحمنِ، عن (١) سُفيان، عن محمدِ بن سعيدٍ (٢)، عن عبدِ الله بن هارُونَ، أنَّهُ سمِعَ عبد الله بن عَمرٍو يقولُ: الجُمُعةُ على من سمِعَ النِّداءَ (٣). وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٤)، عن داود بن قَيْسٍ، قال: سُئلَ عَمرُو بن شُعيبٍ وأنا أسمعُ: من أين تُؤتى الجُمُعةُ؟ فقال: من مَدَى الصَّوتِ. قال أبو عُمر: ممّا (٥) يحضُرُني من الاحْتِجاج على من ذهَبَ مذهب عطاءٍ وابن الزُّبيرِ، على ما تقدَّم ذِكرُنا لهُ، إجماعُ المُسلِمين قديمًا وحديثًا: أنَّ من لا تجِبُ عليهِ الجُمُعةُ، ولا النزولُ إليها، لبُعدِ مَوْضِعِهِ عن مَوْضِع إقامتِها، على حَسَبِ ما ذكرنا من اختِلافِهِم في ذلك كلِّهِم (٦)، مُجمعٌ أنَّ الظُّهر واجِبةٌ لازِمةٌ على من كان هذه حالُهُ، وعطاءٌ وابنُ الزُّبيرِ مُوافِقانِ للجماعةِ في غيرِ يوم عيدٍ، فكذلكَ يومُ العيدِ في القياسِ والنَّظرِ الصَّحيح، هذا لو كان قولُهُما اختِلافًا يُوجِبُ النَّظر، فكيفَ وهُو قولٌ شاذٌ وتأويلُهُ بعيدٌ واللهُ المُستعانُ، وبه التَّوفيقُ. وأمّا قولُ أبي عُبيدٍ، مولى ابن أزْهَرَ في حديثنا المذكُورِ في هذا البابِ: ثُمَّ شهِدتُ مع عليِّ بن أبي طالبٍ، وعُثمانُ محصُورٌ، فجاء فصلَّى، ثُمَّ انصرَفَ فخطَبَ.

стр. 3831

ففيه دليلٌ على أنَّ الجُمُعةَ واجِبةٌ على أهلِ المِصْرِ بغيرِ سُلْطانٍ، وأنَّ أهلَهُ إذا أقامُوها ولا سُلطانَ عَليهِم، أجزأتهُم. وهذا موضِعٌ اختلَفَ العُلماءُ فيه قديمًا وحديثًا، وصَلاةُ العيدينِ مِثلُ صلاةِ الجُمُعة، والاختِلافُ في ذلك سواءٌ؛ لأنَّ صلاةَ عليٍّ بالنّاسِ العيدَ وعُثمانُ محصُورٌ، أصلٌ في كلِّ سَببٍ تخلَّفَ الإمامُ عن حُضُورِهِ أو خليفَتُه، أنَّ على المُسلِمين إقامَةَ رجُل يقومُ به. وهذا مذهبُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، والأوزاعيِّ، على اختِلافٍ عنهُ، والطَّبريِّ، كلُّهُم يقولُ: تجُوزُ الجُمُعةُ بغيرِ سُلطانٍ، كسائرِ الصَّلواتِ (١). وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، وزُفَرُ، ومحمدٌ: لا تُجزِئُ الجُمُعةُ إذا لم يكُن سُلطانٌ (٢). ورُوِيَ عن محمدِ بن الحسنِ: أنَّ أهل مِصْرٍ لو ماتَ واليهِم، جازَ لهم أن يُقدِّمُوا رجُلًا يُصلِّي بهمُ الجُمُعةَ، حتَّى يَقْدَمَ عليهِم وال (٣). وقال أحمدُ بن حنبل: يُصلُّون بإذنِ السُّلطانِ (٤). وقال داودُ: الجُمُعةُ لا تَفْتقِرُ إلى والٍ ولا إمام، ولا إلى خُطبة، ولا إلى مكانٍ. ويجُوزُ (٥) للمُنفرِدِ عِندهُ أن يُصلِّي ركعتينِ، وتكونُ جُمُعةً. قال: ولا يُصلِّي أحدٌ إلّا ركعتينِ في وقتِ الظُّهرِ يومَ الجُمُعة (٦). وقولُ داودَ هذا خِلافُ قولِ جميع فُقهاءِ الأمصارِ؛ لأنَّهُم أجمعُوا أنَّها لا تكونُ إلّا بإمام وجَماعَةٍ.

стр. 3832

واختلفُوا في عددِ الجماعَةِ وفي المكانِ، والوالي، والخُطبةِ، واللهُ المُستعانُ. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، أنَّهُ كان يقولُ: حيثُما كان أمير، فإنَّهُ يَعِظُ أصحابَهُ يوم الجُمُعةِ، ويُصلِّي بهِم ركعتينِ. ذكرنا قولَ الزُّهْريِّ هذا، لأنَّهُ الذي روى حديث عليٍّ، حين صلَّى بالنّاسِ العيدَ وعُثمانُ محصُورٌ. وقد ذكرنا في بابِ حديثِ ابن شِهاب، عن عُبيدِ الله، عن جماعةٍ من التّابِعين: أنَّ الحُدُودَ، والجُمُعة إلى السُّلطان، ولا يختلِفُ العُلماءُ: أنَّ الذي يُقيمُ الجُمُعة السُّلطانُ، وأنَّ ذلكَ سُنَّة مسنُونة، وإنَّما اختلَفُوا عندَ نُزُولِ ما ذكرنا، من موتِ الإمام، أو قتلِهِ، أو عزلِهِ والجُمُعةُ قد حانت (٢): فذهَبَ أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، والأوزاعيُّ، إلى أنَّهُم يُصلُّون ظُهرًا أربعًا (٣). وقال مالكٌ والشّافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ: يُصلِّي بهم بعضُهُم بخُطبةٍ، ويُجزئهِم (٤). أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد الورّاقُ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن عبدِ العظيم، أنَّهُ سألَ أبا عبدِ الله، يعني: أحمد بن حنبل، عن الصَّلاةِ خلفَ الخَوارج والفُسّاقِ من الأُمراءِ والسَّلاطينِ، فقال: أمّا الجُمُعةُ فيَنْبغي شُهُودُها، فإن كان الذي يُصلِّي منهُم أو مِثلهم، يعني في الفِسْقِ والمذهبِ، أعادَ الصَّلاةَ بعد شُهُودِها معهُم، فإن كان لا يُدرَى أنَّهُ يقولُ بقولِهِم، ولا هُو مثلُهُم، فلا يُعيدُ. قال: قلتُ: فإن كان يُقالُ: إنَّهُ قال بقولِهِم؟ فقال: حتَّى يُعلَمَ

стр. 3833

ذلك ويُسْتَيْقَنَ (١). قال: فقلتُ: فإن لم يَكُن إمامٌ، أترَى أن يُصلَّى وراء من جمَّعَ بالنّاسِ، وصلَّى ركعتينِ؟ فقال: أليسَ قد صلَّى عليُّ بن أبي طالبٍ بالنّاسِ وعُثمانُ محصُورٌ (٢)؟ قال أبو عُمر: قد ذكَرنا أنَّ حديثَ أبي عُبيدٍ مولى ابن أزْهَرَ أصلٌ في هذه المسألةِ، وإن كان ذلكَ في صَلاةِ العيدِ، والأصلُ في ذلك أيضًا، ما فعلَهُ المُسلِمُونَ يومَ مُؤتةَ، لمّا قُتِلَ الأُمراءُ، أجمعُوا (٣) على خالدِ بن الوليدِ فأمَّرُوهُ (٤)، وأيضًا، فإنَّ المُتغلِّب والخارِجَ على الإمام، تجُوزُ الجُمُعةُ خلفهُ، فمن كان في طاعةِ الإمام، أحرى بجَوازِها خلفهُ. وذكَرَ أبو بكرٍ الأثرمُ قال: سألتُ أبا عبدِ الله: ما تقولُ في الخَوارج إذا قدَّمُوا رَجُلًا لا يقولُ بقولِهم يُصلِّي بالنّاسِ الجُمُعة؟ قال: صلِّ خلفهُ. فذكرتُ لهُ قولَ من يقولُ (٥): إذا كان الذي قدَّمهُ لا تحِلُّ الصلاةُ خلفهُ، فسَدَتِ الصلاةُ خلفَ هذا المُقدَّم، وإن لم يَقُل بقولِهِم. فقال: أمّا أنا، فلستُ أقُولُ بهذا. وقال الأثرمُ: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن مُسلم، قال: حدَّثنا أبو سِنانٍ ضِرارُ بن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بن أبي الهُذَيلِ قال: تَذاكرنا الجُمُعة ليالي المُختارِ الكذّابِ، قال: فاجْتمَعَ رأيُهُم على أن يأتُوهُ، فإنَّما كذِبُهُ عليهِ (٦).

стр. 3834

وروى ابنُ المُباركِ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفِ، عن (١) عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، أنَّهُ دخَلَ على عُثمانَ، فقال: إنَّهُ يُصلِّي بالنّاسِ إمامُ فِتنةٍ، وأنا أتحرَّجُ من الصَّلاةِ معهُ، فقال: إنَّ الصَّلاةَ أحسنُ ما صنَعَ النّاسُ، فإذا أحسَنُوا، فأحسِنْ معهُم، وإذا أساؤُوا، فاجتَنِبْ إساءتَهُم (٢). وروى هذا الحديثَ مَعْمرٌ مرَّةً، عن الزُّهْريِّ، عن عُروةَ، عن عُبيدِ الله بن عديٍّ (٣)، ومغ عن الزُّهْريِّ، عن رَجُل، عن عُبيدِ الله بن عديٍّ. وروى ابنُ المُباركِ، عن يُونُس، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سلَمةَ، قال: دخلَ أبو قَتادَةَ الأنصاريُّ ورجُلٌ آخرُ مَعهُ على عُثمانَ وهُو محصُورٌ، فقالا: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أنتَ إمامُ (٤) العامَّةِ، ويُصلِّي بنا إمامُ فِتنةٍ؟ فقال: صلِّيا (٥) خلفَهُ (٦). قال أبو عُمر: هذه القِصَّةُ، واللهُ أعلمُ، في غيرِ الجُمُعةِ والعيدِ؛ لأنَّ الذي كان يُصلِّي بهِمُ الجُمُعة أبو أيُّوب الأنصاريُّ وسهلُ بن حُنيفٍ، أوِ ابنُهُ أبو أُمامة بن سهل، وصلَّى بهِمُ العيدَ عليُّ بن أبي طالب. ذكَرَ أهلُ السَّيرِ، منهُم: الواقِديُّ، والزُّبيريُّ: أنَّ أبا أيُّوب الأنصاريَّ كان يُصلِّي بالنّاسِ في حصرِ عُثمانَ، ثُمَّ صلَّى بهِم سهلُ بن حُنيفٍ بعدُ (٧).

стр. 3835

وذكر المدائنيُّ، عن محمدِ بن الفَضْل، عن أبي حازِم، عن أبي هُريرةَ، قال: حَضرتِ الصَّلاةُ، فجاء المُؤذِّنُ يُؤذِنُ عُثمان، وهُو محصُورٌ، فقال: اذْهَب إلى أبي أُمامَةَ بن سهل، أو إلى سَهْلِ بن حُنيفٍ، فقُل لهُ: يُصلِّي بالنّاس (١). وذكر المدائنيُّ أيضًا، عن محمدِ بن ذَكْوانَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، قال: صلَّى أبو أُمامَةَ، أو سهلُ بن حُنيفٍ، وعُثمانُ محصُورٌ (٢). وعن عبدِ الله بن مُصعبٍ، عن هِشامِ (٣) بن عُروة، عن أبيهِ، قال: صلَّى بالنّاسِ يوم الجُمُعةِ سهلُ بن حُنيفٍ (٤). قال المدائنيُّ: وأخبرنا ابنُ جَعْدَةَ (٥)، قال: صلَّى سهلُ بن حُنيفٍ وعُثمانُ محصُورٌ، وصلَّى يومَ العيدِ عليُّ بن أبي طالب. قال: وقال جُوَيريةُ بن أسماء، عن نافِع، قال: لمّا كان يومُ النَّحرِ، جاء عليٌّ فصلَّى بالنّاسِ وعُثمانُ محصُورٌ. وذكر عُمرُ بن شبَّة (٦)، قال: حدَّثنا حيّانُ بن بشرٍ، عن يحيى بن آدم، قال: سمِعتُ بعضَ أصحابِنا يُحدِّثُ، عن أبي مَعْشرٍ المدنيِّ: أنَّ أبا أُمامَةَ بن سهلِ بن حُنَيفٍ كان يُصلِّي بالنّاسِ وعُثمانُ محصُورٌ. قال يحيى: ولعلَّهُ قد صلَّى بهِم رجُلٌ بعد رجُل.

стр. 3836

فهذه الأخبارُ تُوضِّحُ لكَ، أنَّ قولَ عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ لعُثمان: يُصلِّي بالنّاسِ إمامُ فِتنةٍ لم يُرِد بهِ عليَّ بن أبي طالب، ولا سهلَ بن حُنيفٍ، وإنَّما أرادَ بهِ أحَدَ (١) الخارِجينَ عليه، واللهُ أعلمُ. وذكر الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا المُسيَّبُ بن واضِح، قال: سمِعتُ ابن المُباركِ يقولُ: ما صلَّى عليّ بالنّاسِ حين حُصرَ عُثمانُ، إلّا صلاةَ العيدِ وحدَها (٢). وكان ابنُ واضِح (٣) وغيرُهُ يقولُونَ: إنَّ الذي عَنَى عُبيدُ الله (٤) بقولِهِ: إمامُ فِتنة: عبدُ الرَّحمنِ بن عُدَيسٍ البلويُّ، وهُو الذي أجلَبَ على (٥) عُثمان بأهلِ مِصرَ. والوجهُ عِندي، واللهُ أعلمُ، في قولِهِ: إمامُ فِتنةٍ، أي: إمامةٌ في فِتنةٍ؛ لأنَّ الجُمُعاتِ والأعيادَ والجماعاتِ، نِظامُها وتمامُها الإمامَةُ، فبِها تكونُ الجماعةُ المحمُودةُ، وببقاءِ النّاسِ بلا إمام، تكونُ الفُرقةُ المنهيُّ عنها. وقد بيَّنّا معنى الجماعَةِ والاعتِصام بالإمامةِ، والتَّحذيرِ من الفُرْقةِ، من أقاويلِ السَّلفِ، وصحيح الأثرِ، في بابِ سُهيل، عِند قولِ رسُولِ الله ﷺ : "إنَّ الله تعالى يُحِبُّ لكُم ثلاثًا ... " الحديثَ، منها: "أن تَعْتصِمُوا بحبلِ الله جميعًا، وأن تُناصِحُوا من ولّاهُ اللهُ أمركُم" (٦). وأوضحنا هذا المعنى هُناكَ، والحمدُ لله.

стр. 3837

حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى ابن أزْهَرَ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "يُستجابُ لأحدِكُم ما لَمْ يَعْجَلْ، فيقولُ: قد دعَوتُ فلَمْ يُسْتَجبْ لي". في هذا الحديثِ دليلٌ على خُصُوصِ قولِ الله : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٥] وأنَّ الآية ليست على عُمُومِها، ألا تَرَى أنَّ هذه السُّنَّة الثّابِتة، خصَّت منها الدّاعي إذا عَجِل، فقال: "قد دعَوتُ، فلم يُسْتَجب لي؟ ". والدَّليلُ على صِحَّةِ هذا التَّأويل، قولُ الله : ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. ولكِن قد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ في الإجابَةِ ومعناها، ما فيه غِنًى عن قولِ كلِّ قائل، وهُو حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "ما من مُسلِم يدعُو بدعَوةٍ ليسَ فيها إثمٌ، ولا قَطِيعةُ رَحِم، إلّا أعطاهُ اللهُ بها إحْدَى ثلاثٍ: فإمّا أن يُعجِّل لهُ دعوتَهُ، وإمّا أن يُؤخِّرها لهُ في الآخِرةِ، وإمّا أنَّ يُكَفِّر عنهُ، أو يكُفَّ عنهُ من السُّوءِ مِثلَها". وقد ذكَرَنا هذا الحديثَ بإسنادِهِ، في آخِرِ بابِ زيْدِ بن أسْلَمَ، من كِتابِنا هذا. وفيه دليلٌ على أنَّهُ لا بُدَّ من الإجابَةِ على أحدِ هذه الأوجُهِ الثَّلاثةِ، فعَلَى هذا، يكونُ تأويلُ قولِ الله واللهُ أعلمُ -: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١] أنَّهُ يَشاءُ، وأنَّهُ لا مُكْرِهَ لهُ، ويكونُ قولُهُ : ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] على ظاهِرِهِ وعُمُومِهِ، بتأويلِ حديثِ أبي

стр. 3838

سعيدٍ المذكُورِ، واللهُ أعلمُ بما أرادَ بقولِهِ، وبِما أرادَ رسُولُ الله ﷺ ، والدُّعاءُ خيرٌ كلُّهُ وعِبادةٌ، وحُسنُ عمل، واللهُ لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملًا. وقد رُوي عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ كان يقولُ: ما أخافُ أن أُحْرَم الإجابةَ، ولكِنِّي أخافُ أن أُحْرَم الدُّعاء، وهذا عِنْدِي على أنَّهُ حَمَل آيةَ الإجابةِ على العُمُوم والوَعْدِ، واللهُ لا يُخلِفُ الميعاد، ورُوي عن بعضِ التّابِعين، أنَّهُ كان يقولُ: الدّاعي بلا عَمَل، كالرّامي بلا وَتَرٍ، ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا يَقْبلُ اللهُ دُعاءً من قلبِ لاهٍ، فادعُوهُ وأنتُم مُوقِنُون بالإجابةِ" (١). وقد عَلِمنا أنْ ليسَ كلُّ النّاسِ تُجابُ دعوتُهُ، ولا في كلِّ وَقْتٍ تُجابُ دَعْوةُ الفاضِل، وأنَّ دَعْوةَ المظلُوم لا تكادُ تُردُّ، وحديثُ أبي سعيدٍ المذكُورُ، الذي هُو في "المُوطَّأ" (٢) من قولِ زيدِ بن أسلَمَ أولى ما قيلَ بهِ، واحتُمِلَ عليهِ من هذا البابِ في الدُّعاءِ، وبالله التَّوفيقُ. أخبرنا قاسمُ بن محمدٍ قال: حدَّثنا خالدُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرو بن منصورٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، أنَّ ربيعةَ بن يزيدَ حدّثَهم، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي هُريرةَ، عن رسُولِ الله ﷺ ، أنَّهُ قال: "يُسْتجابُ لأحدِكُم ما

стр. 3839

لم يدعُ بإثْم، أو قَطِيعةِ رَحِم، أو يَسْتعجِل". قالوا: وما الاسْتِعجالُ يا رسُول الله؟ قال: "يقولُ: قد دَعَوتُكَ يا ربِّ (١) فلا أراكَ تستجيبُ لي" (٢). وهذا أكملُ من حديثِ ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ، عن أبي هُريرةَ، المذكُورِ في هذا البابِ، وأوضَحُ معنًى، وهُو يُفسِّرُهُ ويَعضُدُه. وقد روى النُّعمانُ بن بشيرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إنَّ الدُّعاء هُو العِبادةُ، ثُمَّ تلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآيةَ (٣) [غافر: ٦٠]. وقال يحيى بن أبي كثيرٍ: أفضلُ العِبادةِ كلِّها: الدُّعاءُ. ورَوَى أبو مُعاوية عن هِشام بن عُروةَ، عن أبيهِ: أنَّهُ كان يُواظِبُ على حِزبِهِ من الدُّعاءِ، كما يُواظِبُ على حِزبِهِ من القُرآنِ.

стр. 3840

وقال ابنُ مسعُودٍ: لكلِّ شيءٍ ثَمَرةٌ، وثَمَرةُ الصَّلاةِ الدُّعاءُ. وقال أيضًا: لا يَسْمعُ اللهُ دُعاءَ مُسمِّع، ولا مُراءٍ، ولا لاعِبٍ (١). وقال يزيدُ الرَّقاشيُّ: الدُّعاءُ المُسْتجابُ: الذي لا تُخرِجُهُ الأحزانُ، ومِفتاحُ الرَّحمةِ: التَّفرُّخُ. وقد قالوا: إنَّ الله يُحِبُّ أن يُسألَ، ولذلكَ أمرَ عِبادهُ أن يَسْألُوهُ من فضلِهِ، وقالوا: لا يصلُحُ الإلحاحُ على أحَدٍ، إلّا على الله . وقال مُوَرِّقٌ العِجليُّ (٢): دعوتُ ربِّي في حاجَةٍ عِشرينَ سنَةً، فلم يَقْضِها لي، ولم أيْأسْ منها. ورُوي عن أبي جعفرٍ محمدِ بن عليٍّ (٣) وعنِ الضَّحّاكِ، أنَّهُما قالا - في قولِهِ تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]-: كان بينهُما أربعُونَ سنةً. وقال ابنُ جُريْج: يقالُ: إنّ فرعونَ مَلَك بعدَ هذه الآية أربعينَ سنة.

стр. 3841

ابنُ شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، حَديثان واسمُ أبي إدريس (١) هذا: عائذُ الله (٢) بن عبدِ الله، لا يختلِفُونَ في ذلكَ، وهُو مشهُورٌ بكُنيتِهِ، من أهلِ الشّام، من ساكِني دِمشقَ، من كِبارِ التّابِعين بها. قال أبو (٣) مُسهِر: كان من أرفَع التّابِعينَ في العِلم بدِمشقَ، مِمَّن صحِبَ أبا الدَّرداء: أبو إدريس الخَوْلانيُّ. قال: وكان عالِمَ أهلِ الشّام بعد أبي الدَّرداءِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن ابن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ عائذِ الله بن عبدِ الله الخَوْلانيِّ. وذكَرَ ابنُ أبي خَيْثمةَ أيضًا، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، قال: أدركتُ عُبادةَ بنَ الصّامت، ووَعَيتُ عنهُ، وأدركتُ أبا الدَّرداء ووَعَيتُ عنه، وأدركتُ (٤) شدّادَ بن أوسٍ، وفاتني مُعاذٌ (٥). وحدَّثني خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عُمرَ الدِّمشقيُّ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال (٦): حدَّثنا الوليدُ بن عُتْبةَ، قال: حدَّثنا ابن أبي السّائبِ، عن أبيه، عن مكحُول، قال: ما رأيتُ مِثلَ أبي إدريسَ.

стр. 3842

وقال أبو زُرعةَ (١): قلتُ لعبدِ (٢) الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، يعني دُحَيمًا: أيُّ الرَّجُلينِ عِندكَ أعلمُ: جُبيرُ بن نُفَيرٍ الحَضْرميُّ، أو (٣) أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ؟ قال: أبو إدريسَ عِندي المُقدَّمُ. ورفَعَ من شأنِ جُبيرٍ لإسنادِهِ وأحاديثه، ثُمَّ ذكرَ أبا إدريسَ فقال: لهُ من الحديثِ ما لهُ، ومِن اللِّقاءِ، واستِعمالِ عبدِ الملكِ إيّاهُ على القَضاءِ بدِمشقَ.

стр. 3843

حديثٌ أوَّلُ لابنِ شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشَنيِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "أكلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حَرامٌ". هكَذا قال يحيى في هذا الحديثِ، بهذا الإسْناد: "أكْلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حَرامٌ"، ولم يُتابِعهُ على هذا أحَدٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" في هذا الإسنادِ خاصَّةً، وإنَّما لفظُ حديثِ مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي إدريسَ، عن أبي ثَعْلبةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. وأمّا اللَّفظُ الذي جاءَ به يحيى في هذا الإسْنادِ، فإنَّما هُو لفظُ حديثِ مالكٍ، عن إسماعيلَ بن أبي حَكيم، عن عَبيد بن (٢) سُفيانَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وقد ذكرناهُ في بابِ إسماعيل من هذا الكِتابِ، وذكَرْنا الحُكمَ في التَّحريم والنَّهي، وما جاءَ في ذلكَ من افْتِراقِ المعاني واجْتِماعِها، وما للعُلَماءِ في ذلكَ من المذاهِبِ هُناكَ، والحمدُ لله. وأبو ثعلبةَ الخُشنيُّ: قد ذَكَرناهُ في كِتابِنا في الصَّحابةِ (٣) بما يُغني عن ذكرِهِ هاهُنا. وهذا الحديثُ رواهُ جَماعةُ أصحابِ ابن شِهابٍ عنهُ، فيما عَلِمتُ، بمِثلِ رِوايةِ مالكٍ سواءً في إسنادِهِ ومتنِه: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن أكْلِ كلِّ ذي

стр. 3844

نابٍ من السِّباع، إلّا أبا أُوَيسٍ (١)، فإنَّهُ وافَقَهُم في الإسنادِ، وخالَفهُم في المتنِ، فزادَ فيه ألفاظًا سنذكُرُها هاهُنا إن شاءَ الله. ومِمَّن رَواهُ عن ابن شِهابٍ كرِوايةِ مالكٍ سواءً: معمرٌ (٢)، وابنُ عُيينةَ، ويُونُسُ، وعُقيل، وعبدُ العزيزِ بن أبي سلَمةَ، وشُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ، واللَّيثُ بن سعدٍ، وزاد فيه صالحُ بن أبي الأخضِر، عن ابن شِهاب: وَطْءَ الحَبالَى، ولُحُومَ الحُمُرِ الأهليَّةِ، بإسْنادِهِ سَواءً. وسنذكُرُ أيضًا حديثَ صالح إن شاءَ الله. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثنا سعيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ، قال: حدَّثني أبو ثَعْلبةَ، وكان قد أدرَكَ النَّبيَّ ﷺ وسمِعَ منهُ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يَنْهَى عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٤)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيِّ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. وكذلك رواهُ سائرُ من ذكَرْنا غيرَ أبي أُويسٍ، وصالح بن أبي الأخْضرِ. فأمّا حديثُ أبي أُوَيس: فحدَّثناهُ سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ، قال: حدَّثنا أبو أُوَيس، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيِّ،

стр. 3845

قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن الخَطْفةِ (١)، والنُّهبةِ، والمُجثَّمةِ (٢)، وعن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع (٣). وهذا اللَّفظُ إنَّما يُحفَظُ من حديثِ أبي الدَّرداءِ، وهُو حديثٌ ليِّنُ الإسْنادِ؛ رواهُ عبدُ الرَّحيم بن سُليمانَ، عن أبي أيُّوبَ الإفْرِيقيِّ، عن صَفْوانَ بن سُلَيم، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي الدَّرداءِ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن أكْلِ المُجثَّمةِ، والنُّهبةِ، والخَطْفةِ، وعن أكلِ كلِّ ذي نابِ من السِّباع. قال: والمُجَثَّمةُ: التي تُصبَرُ (٤) بالنَّبل (٥). وقد رَوَى الثَّوريُّ، عن سُهَيلِ بن أبي صالح، عن عبدِ الله بن يزيد (٦)، قال: أرسلُوني إلى سعيدِ بن المُسيِّبِ أسألُهُ عن لُحُوم السِّباع، فكرِهَها، فقال شيخٌ

стр. 3846

عِندهُ: سمِعتُ أبا الدَّرداءِ يقولُ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن كلِّ ذي خَطْفةٍ، وعن كلِّ مُجثَّمةٍ، وعن كلِّ نُهْبةٍ، وعن كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، فقال: سعيدٌ. صدَقَ (١). قال أبو عُمر: ما أدري كيفَ مخرجُ هذا الحديثِ عن سعيدِ بن المُسيِّبِ؛ لأنَّ ابنَ شِهابٍ كان يقولُ: لم أسمَعْ بحديثِ النَّهيِ عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حتَّى قدِمتُ الشّام. حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدٌ بن الصَّبَّاح، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. قال سُفيانُ: قال الزُّهْريُّ: ولم أسمَعْ هذا حتَّى أَتَيْتُ الشّامَ (٢). وحدَّثنا يُونُسُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُزيزٍ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سلامةُ بن رَوْح، عن عُقَيلِ بن خالدٍ، قال: قال ابن شِهاب: أخبر ني أبو إدريسَ الخولانيُّ، وهُو عائذُ الله بن عبدِ الله، أنَّهُ سمِعَ أبا ثَعْلبةَ الخُشنيَّ يقولُ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع.

стр. 3847

قال ابن شِهاب: ولم أسْمَعْ ذلكَ من عُلمائنا بالحِجازِ، حتَّى حدَّثني به أبو إدريسَ الخولانيُّ، وكان من فُقهاءِ أهلِ الشّام (١). وحدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن مُغيثٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدِ بن المُسْتَفاضِ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن مُوسى الأنْصاريُّ، قال: حدَّثني أنسُ بن عِياضٍ، قال: حدَّثني يُونُسُ بن يزيدَ الأيليُّ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ سُئلَ عن ألبانِ الأُتُنِ، وأبْوالِ الإبِلِ، ومَرار السَّبُع، فقال: أمّا أبوالُ الإبِلِ، فقد كانَ المُسلِمُونَ يَتَداوَونَ بها ولا يرونَ بها بأسًا، وأمّا ألبانُ الأُتُنِ، فقد بَلَغنا: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن لُحُومِها، ولا أرَى (٢) ألبانَها التي تخرُجُ من لُحُومِها ودِمائها إلّا نَحْوَها، والله أعلمُ. وأمّا مَرارةُ السَّبُع، فإنَّهُ أخبرني أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ، أنَّ أبا ثَعْلبةَ الخُشنيَّ أخبرهُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. ولم أسْمَعْ ذلكَ عن أحدٍ من عُلمائنا، فإن كانَ رسُولُ الله ﷺ نَهَى عنها، فلا خيرَ في مَرارتها (٣). وحدَّثنا يُونُسُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بكرٍ العبديُّ، عن صالح، وهُو ابن أبي الأخْضَرِ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيّ: أنَّ رسُول الله ﷺ نَهَى يومَ خَيْبرَ عن المُتْعةِ، وأن تُوطَأ الحَبالَى، وعن لُحُوم

стр. 3848

الحُمُرِ الأهليَّةِ، وعن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ (١). ورواهُ صالحُ بن كَيْسانَ، عن ابن شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيِّ، قال: حرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأهليَّةِ (٢). لم يَزِد على ذلكَ. ورَواهُ صالحُ بن أبي الأخْضرِ، وليسَ مِمَّن يُحتجُّ به في الزُّهْريِّ، وصالحُ بن كَيْسانَ، وإن كان ثِقةً، فإنَّهُ أخْطَأ في هذا، لأنَّ أصْحابَ الزُّهْريِّ الثِّقات: مالكًا، وابنَ عُيينةَ، ومَعْمرًا، ويونُسَ، وعُقيلًا، لم يذكُرُوا في هذا الإسنادِ غيرَ النَّهيِ عن أكْلِ كلِّ ذي النّابِ من السِّباع. وأمّا تحريمُ الحُمُرِ الأهليَّةِ، فإسنادُهُ قد تقدَّم لابنِ شِهاب، عن عبدِ الله والحسنِ ابْنَيْ محمدِ بن عليٍّ، عن أبيهما، عن عليٍّ، من رِوايةِ مالكٍ (٣) وغيرِهِ، ولا يصِحُّ فيه عنهُ غيرُ ما ذكَرْنا هُناكَ. وكذلكَ لا يصِحُّ عن ابن شِهاب بإسنادِهِ المذكُورِ في هذا البابِ، إلّا ما قالَهُ مالكٌ ومن تابَعهُ، من النَّهي عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، دُونَ ذِكْرِ (٤) تَحْريم الحُمُرِ الأهليَّةِ، وإنَّمَا يُوجَدُ لفظُ حديثِ صالح بن أبي الأخْضَرِ، من مُرسَلِ سعيدِ بن جُبَيرٍ (٥)، ومِن مُرسلِ مَكْحُول (٦) (٧).

стр. 3849

ولا يختلِفُ أهلُ العِلم بالحديثِ، أنَّ حديثَ صالح بن أبي الأخْضَرِ هذا خطَأٌ مقلُوبُ الإسنادِ والمتنِ، مُنكرٌ؛ لأنَّهُ جمَعَ فيه عن ابن شِهابٍ أحاديثَ ثلاثةً، ولا يَصِحُّ عن ابن شِهابٍ في تحريم الحُمُرِ الأهليَّةِ إسنادٌ، إلّا إسنادَ مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الله والحسنِ ابني محمدِ بن عليِّ بن أبي طالبٍ، عن أبيهما، عن عليٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، على ما مَضى من ذلكَ في كِتابِنا هذا، وكذلك رواهُ الحُفّاظُ الأثباتُ من أصحابِ ابن شِهابٍ عنهُ. وعِندَ ابن شِهابٍ أيضًا في هذا البابِ من غيرِ رِوايَةِ مالكٍ، حديثُ الرَّبيع بن سَبْرةَ (١)، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ ، وقد ذكَرْنا ذلكَ فيما مَضَى من كِتابِنا هذا (٢). وأمّا ما ذكرهُ ابن عُيينةَ، ويُونُسُ، وعُقيلٌ، من كلام ابن شِهاب، أنَّهُ لم يَسْمع هذا الحديثَ حتَّى دخَلَ الشّامَ، فصحيحٌ ثابتٌ وقبولٌ عِندَ أهلِ العِلْم. فهذا تهذيبُ ما في هذا الحديثِ من جِهَةِ الإسنادِ، والألْفاظِ، وتمهيدُهُ. وأمّا القولُ في مَعانيهِ، فقد مَضَى مُسْتَوعبًا مبسُوطًا مُمهَّدًا، في بابِ إسماعيل بن حَكيم، والحمدُ لله.

стр. 3850

حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ مالكٌ (١)، عن أبن شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من تَوَضَّأ فَلْيَسْتنثِرْ، ومنِ اسْتَجمَرَ فَلْيُوتِرْ". قال أبو عُمر: لا يَصِحُّ عن مالكٍ، ولا عن ابن شِهابٍ في هذا الحديثِ غيرُ هذا الإسْنادِ، وقد وهِمَ فيه عُثمانُ الطَّرائفيُّ، عن مالكٍ. أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحُسينُ بن أحمدَ بن صالح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن ناجيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن المُفضَّلِ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهاب، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من تَوَضَّأ فَلْيَسْتنثِرْ، ومنِ اسْتَجمَرَ فليُوتِرْ". قال أبو الحسنِ عليُّ بن عُمَرَ (٢): هذا وَهَمٌ، ولا يصِحُّ فيه عن مالكٍ ولا عن الزُّهْريِّ، غيرُ حديثِ أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، وقد رواهُ أَسِيد بن عاصِم (٣)، عن بشْرِ بن عُمرَ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وذلكَ أيضًا خَطأٌ، والصوابُ ما في "المُوطَّأ". وقد مَضَى القَوْلُ في الاسْتِنثارِ، وحُكمِهِ، وما للعُلماءِ في ذلكَ من الأقوالِ، في بابِ حديثِ زيدِ بن أسْلَمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن الصُّنابِحيِّ.

стр. 3851

وأمّا الاسْتِجمارُ، فهُو: الاسْتِطابةُ بالأحْجارِ، ومعناهُ: إزالَةُ الأذَى من المَخْرج بالأحْجار. قال ابن الأنباريّ: معنى الاسْتِجمار: التَّمسُّحُ بالأحْجارِ، والجِمارُ عِندَ العرب: الحِجارةُ الصِّغارُ، وبه سُمِّيت جِمارُ مكَّةَ. قال: ومنهُ الحديثُ الذي يُروَى: "إذا توضَّأتَ فانْثُرْ، وإذا اسْتَجمَرْتَ فأوتِرْ". قال أبو عُمر: هذا اللَّفظُ يَرويهِ منصورٌ، عن هِلالِ بن يِسَافٍ، عن سلَمَةَ بن قَيْسٍ الأشْجَعيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ (١). قال ابن الأنْباريّ: ومعنى الوِتْرِ عِندهُم: أن يُوتِرَ من الجِمارِ، وهِيَ الحِجارةُ الصِّغارُ، يُقالُ: قد جمَّرَ الرَّجُلُ يُجمّرُ تَجْميرًا، إذا رَمَى جِمارَ مكَّةَ، قال عُمرُ بن أبي رَبِيعةَ (٢): فلم أرَ كالتَّجميرِ مَنْظَرَ ناظِرٍ ... ولا كلَيالي الحجِّ أقلَتنَ (٣) ذا هَوَى أقلتنَ: يعني أهلَكْنَ، والقَلَتُ بفتح اللّام: الهلاكُ، ومنهُ قيل: المُسافِرُ على قَلَتٍ، إلّا ما وَقَى الله منهُ. قال أبو عُمر: ويُروى: أفتَنَّ ذا هوًى (٤)، ويُفتِنَّ ذا هوًى.

стр. 3852

وهذا شِعرٌ عَرَضتْ فيه قِصَّةٌ طريفةٌ لعُمر بن أبي رَبِيعةَ مع سُليمان بن عبدِ الملكِ (١)، وهي حِكايةٌ عَجِيبةٌ، حدَّثنيها عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: أخبرنا العائذيُّ (٢) قال: أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن أحمد بن جعفرٍ الفَرَغانيُّ، قال: حدَّثنا أبو العبّاسِ أحمدُ بن عبدِ الله بن بكرِ بن عمّارٍ الثَّقفيُّ البَغْداديُّ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله الكُوفيُّ، عن مُصعبٍ الزُّبيريِّ، عن الضَّحّاكِ بن عُثمانَ: أنَّ سُلَيمان بن عبدِ اللكِ حجَّ في خِلافتِهِ، فأرسَلَ إلى عُمرَ بن أبي رَبِيعةَ، فأتاهُ، فقال لهُ: أنتَ القائلُ: وكم من قَتيلٍ لا يُباءُ به دمٌ ... ومن غَلِقٍ رهنًا إذا ضمَّهُ مِنَى ومِن مالِئ عينيهِ من شيءِ غيرِهِ ... إذا راح نحو الجمرةِ البيضُ كالدُّمَى يُسحِّبنَ أذيالَ المُرُوطِ بأسؤقٍ ... خدالٍ (٣) إذا ولَّينَ أعْجازُها رِوى أوانِسُ يسلُبنَ الحليمَ فُؤادهُ ... فيا طُول ما شَوْقٍ ويا حُسن مُجتلى فلم أُرِ كالتَّجميرِ منظرَ ناظِرٍ ... ولا كلَيالي الحجِّ أقْلَتنَ ذاهوى قال: نعم. قال: لا جرَمَ، والله لا تَشْهدُ الحجَّ مع النّاسِ العام. وأخرجهُ إلى الطّائفِ. وذكَرَ هذا الخبرَ محمدُ بن خَلَفٍ (٤) وكيع، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ،

стр. 3853

قال: حدَّثنا مُصعبُ بن عبدِ الله، قال: حَجَّ سُلَيمانُ بن عبدِ الملكِ، وهُو خَلِيفةٌ، فأرسَلَ إلى عُمَر بن أبي رَبِيعةَ، فقال لهُ: ألَسْتَ القائل: فكَمْ من قَتِيلٍ لا يُباءُ به دَمٌ ... ومن غَلِقٍ رهنًا إذا ضمَّهُ مِنَى فذكر الأبيات، والخبر سَواءً، إلّا أنَّهُ قال: يُسحِّبنَ أذيالَ المُرُوطِ بأسؤقٍ ... خِدالٍ وأعجازٍ مآكِمُها (١) رِوى ولم يذكُرِ الضَّحّاكَ بن عُثمان. وعَرَضت لهُ فيه أيضًا مع عُمر بن عبدِ العزيزِ قِصَّةٌ، يَلِيقُ بأهلِ الدِّينِ الوُقُوفُ عليها. ذكر الزُّبيرُ بن بكّارٍ، قال: حدَّثني محمدُ بن كُناسةَ، عن أبي بكر بن عيّاشٍ، أنَّ عُمَر بن أبي رَبيعةَ قال هذا الشِّعر في أُمِّ عُمَر بنتِ مَرْوان، في خبرٍ ذَكَرهُ. قال الزُّبيرُ: وحدَّثني مُصعبُ بن عُثمانَ، أنَّ عُمر بن عبدِ العزيزِ لمّا ولي الخِلافةَ، لم يَكُن لهُ همٌّ إلّا عُمرَ بن أبي ربيعةَ، والأحْوَصَ، فكتَبَ إلى عامِلِهِ بالمدينة: إنِّي قد عَرَفتُ عُمَرَ والأحْوَصَ بالخُبثِ والشَّرِّ، فإذا أتاكَ كِتابي هذا، فاشْدُدْهُما، واحمِلهُما إليَّ، فلمّا أتاهُ الكِتابُ، حَمَلهُما إليه، فأقبَلَ على عُمَرَ، ثُمَّ قال: هيهِ! فلم أُرَ كالتَّجميرِ منظرَ ناظِرٍ ... ولا كلَيالي الحجِّ أقلَتنَ ذا هوى ومِن مالِئ عَيْنيهِ من شيءِ غيرِهِ ... إذا راح نحوَ الجَمْرةِ البيضُ كالدُّمى أما والله، لوِ اهتَمَمتَ بحَجِّكَ لم تنظُر إلى شيءِ غيرِكَ، فإذا لم يفلتِ النّاسُ مِنكَ في هذه الأيام، فمَتَى يفلِتُونَ. ثُمَّ أمر بنَفيِهِ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أو خيرٌ

стр. 3854

من ذلكَ؟ قال: ما هُو؟ قال: أُعاهِدُ الله على أن لا أعُودَ لمِثْلِ هذا الشِّعرِ، ولا أذكُر النِّساءَ في شِعرٍ أبدًا، وأُجدِّدُ تَوْبةً على يدَيكَ. قال: أوتفعلُ؟ قال: نعم. فعاهَدَ الله على تَوْبتِهِ، وخلّاهُ. ثُمَّ دَعا الأحوصَ، فقال: هيهِ! اللهُ بَيْني وبين قيِّمِها ... يهرُبُ مِنِّي بها وأتَّبِعُ بلِ اللهُ بين قيِّمِها، وبينكَ. ثُمَّ أمَر بنفيِهِ، فكلَّمهُ فيه رِجالٌ من الأنْصارِ، فأبى، وقال: والله لا أرُدُّهُ ما دامَ لي سُلطانٌ، فإنَّهُ فاسِقٌ مجُاهِرٌ (١). والتجميرُ أيضًا في لسانِ العرب: أن يُرمَى بالجُندِ في ثَغْرٍ من ثُغُورِ المُسلِمينَ، ثُمَّ لا يُؤذنُ لهم في الرُّجُوع، قال حُميدٌ الأرقطُ: فاليومَ لا ظُلمٌ ولا تَجْميرُ ... ولا لغازٍ إن غَزا تجميرُ (٢) وقال بعضُ الغُزاةِ المُجمَّرين: مُعاويَ إمّا أن تُجمِّر أهْلَنا ... إلينا وإمّا أن نؤُب مُعاويا أجمَّرتنا إجمارَ كِسْرَى جُنُودهُ ... ومَنَّيتنا حتَّى مَلِلنا الأمانيا (٣) واختلَفَ العُلماءُ في إزالةِ الأذَى من المَخْرج بالماءِ، أو بالأحْجارِ، هل هُو فرضٌ واجِبٌ، أم سُنَّةٌ مسنُونةٌ (٤)؟ فذهَبَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُما، إلى أنَّ ذلكَ ليس بواجِبٍ فرضًا، وإنَّهُ سُنَّةٌ لا يَنْبغي تركُها، وتارِكُهُا عمدًا مُسيءٌ، فإن صلَّى كذلكَ، فلا

стр. 3855

إعادةَ عليه، إلّا أنَّ مالكًا يستحِبُّ لهُ الإعادةَ في الوقتِ، وعلى ذلكَ أصحابُهُ. والإعادةُ في الوقتِ لَيْستْ بواجِبةٍ عِندَهُ، ولا عِندَ كلِّ من قال كقولِهِ، وإنَّما هُو اسْتِدراكٌ لما فاتَهُ من السُّنَّةِ في الوقتِ، ولو وجَبَ في السُّنَنِ أن تُعاد بعد الوقتِ، لكانَتْ كالفرائضِ في وُجُوبِها. وقال الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثَوْرٍ، والطَّبَريُّ: الاسْتِنجاءُ واجِبٌ، لا تُجزِئُ صلاةُ من صلَّى دُونَ أن يَسْتنجي بالأحْجارِ أو بالماء (١). ومَوْضِعُ المَخْرج مخصُوصٌ عِندَ الجميع بالأحجارِ، وأمّا سائرُ البَدَنِ والثِّيابُ، فلا مدخَلَ للأحجارِ فيها. ويجُوزُ عِندَ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِهِ، الاسْتِنجاءُ بأقلَّ من ثلاثةِ أحْجارٍ، إذا ذهَبَ النَّجسُ، لأنَّ الوِتْرَ يَقَعُ على الواحِدِ فما فوقَهُ من الوتْرِ (٢)، والوِترُ عِندهُم مُستحبٌ، وليسَ بواجِبٍ. وإذا كان الاسْتِنجاءُ عِندهُم ليسَ بواجِبٍ، فالوِترُ فيه أحْرَى بأن لا يكونَ واجِبًا وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ في ذلكَ: "من فعَلَ فقَدْ أحسَنَ، ومن لا، فلا حرَجَ". وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا إبراهيمُ بن مُوسَى، قال: حدَّثنا عيسَى بن يُونُسَ، عن ثَوْرِ بن يزيدَ،

стр. 3856

عن الحُصينِ الحبرانيِّ (١)، عن أبي سعيدٍ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "منِ اسْتَجمَرَ فليُوتِرْ، من فعَلَ فقد أحسَنَ، ومن لا، فلا حرَجَ ... " الحديث. وقال الشّافِعيُّ (٢): لا يجُوزُ أن يُقتصَرَ على أقلِّ من ثلاثةِ أحجارٍ، وهُو قولُ أحمدَ بن حَنْبل، وإلى هذا ذهَبَ أبو الفرج المالكيُّ. ومن الحُجَّةِ لهذا القَوْل: ما حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٣): أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيدَ، عن سَلْمانَ، قال: قال لهُ رَجُلٌ: إنَّ صاحِبكُم ليُعلِّمُكُم حتَّى الخِراءةِ. قال: أجَلْ، نهانا أن نَسْتقبِلَ القِبلَةَ لغائطٍ، أو بَوْلٍ، أو نَسْتنجي بأيمانِنا، أونكتفي (٤) بأقلَّ من ثلاثةِ أحْجار. قال (٥): وأخبرنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن

стр. 3857

محمدِ بن عَجْلانَ، قال: أخبرنا القَعْقاعُ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أنا لكُم مِثلُ الوالِدِ أُعلِّمُكُم، فإذا ذهَبَ أحدُكُم إلى الخَلاءِ، فلا يَسْتقبِلِ القِبلةَ، ولا يَسْتدبِرْها، ولا يَسْتنجي بيمينِهِ، وكان يأمُرُ بثلاثةِ أحْجارٍ، ويَنْهَى عن الرَّوثِ، والرِّمَّة". وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم: كلُّ ما قامَ مَقامَ الأحْجارِ من سائرِ الأشياءِ الطّاهِرةِ، فجائز أن يُسْتنجى به، ما لم يكُن مأكُولًا (١). وقال الطَّبَريُّ: كلُّ طاهِرٍ، وكلُّ نَجِسٍ أزالَ النَّجسَ (٢) أجْزَأ. وقال داودُ وأهلُ الظّاهِر: لا يجُوزُ الاستِنجاءُ بغيرِ الأحْجارِ الطّاهِرة (٣).

стр. 3858

والأحجارُ عِندهُم مخصُوصةٌ بتَطْهيرِ المَخْرج، كما أنَّ المَخْرجَ مخصُوصٌ بأن يُطهَّرَ بالأحجارِ، فتُجزِئُ فيه عن الماءِ دُون ما عداهُ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُما: إنِ اسْتَنجى بعَظْم أجزأهُ، وبِئسَ ما صنَعَ (١). وقال الشّافِعيُّ (٢): لا يُجزِئُ، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن الرَّوثِ، والرِّمَّةِ، ونَهَى أن يُسْتَنجَى بعَظْم، والرِّمَّةُ العِظامُ، فلمّا طابَقَ النَّهي، لم يَجُزْ. وذكر أبو داود (٣)، عن أحمد بن حنبل، قال: حدَّثنا روحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابر بن عبدِ الله يقولُ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يُتَمسَّح بعَظْم أو بَعْرٍ. ولا فرقَ عِند مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِهِما في مَخْرج البَوْلِ والغائطِ بين المُعتاداتِ، وغيرِ المُعتاداتِ، أنَّ الحِجارةَ تُجزِئُ فيها في السَّبيلينِ جميعًا. وهُو المشهُورُ من قولِ الشّافِعيِّ (٤). وقد رُوي عن الشّافِعيِّ (٥): أنَّهُ لا يُجزِئُ فيما عَدا الغائطَ والبولَ إلّا الماءُ. قال: وكذلك ما عَدا المَخْرجَ وما حولَهُ، ممّا يُمكِنُ التَّحفُّظُ منهُ، فإنَّهُ لا يُجزِئُ

стр. 3859

فيه الأحجارُ، ولا يُجزِئُ فيه إلّا الماءُ، وسيأتي القولُ في المَذْيِ، وحُكم غَسْلِ الذَّكرِ منهُ، في بابِ أبي النَّضرِ إن شاءَ الله. وعِندَ أصحابِ مالك: أنَّ ما حولَ المَخْرج مِمّا لا بُدَّ منهُ في الأغلَبِ والعادَةِ، لا يُجزِئُ فيه إلّا الماءُ، وهكذا حَكَى ابن خُوَيْزمَنداد عنهُم، وقد قالت طائفةٌ: إنَّ الأحجار تُجزِئُ في مِثلِ ذلكَ، لأنَّ ما لا يُمكِنُ التَّحفُّظُ منهُ من الشَّرج، حُكمُهُ حُكمُ المَخْرج (١). قال: واختلَفَ أصحابُ الشّافِعيِّ، فقالوا مرَّةً: يُجزِئُ فيه الأحْجارُ. ومَرَّةً مِثل قولِنا، وأمّا أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، فعَلَى أصلِهِم: أنَّ النَّجاسةَ إذا لم تَكُن رَطْبةً، تزُولُ بكلِّ ما أزالَ عَيْنها وأذْهَبها غير الماءِ، وقَدْرُ الدِّرهم، معفُوٌّ عنهُ أصلًا عِندَ جميع العِراقيِّين (٢). وقال داودُ (٣): النَّجاسةُ لا يُزيلُها غيرُ الماءُ، وإذا زالت بأيِّ وَجْهٍ زالت أجزأ، ولا يُحدُّ قدرُ الدِّرهم. قال مالكٌ: تجُوزُ الصَّلاةُ بالاسْتِنجاءِ بالأحْجارِ، والماءُ أحبُّ إليهِ، ويَغْسِلُ ما هُنالكَ فيما يَسْتقبِلُ (٤). وقال أبو حَنِيفةَ، وأصحابُهُ (٥): يَسْتنجي بثلاثةِ أحجارٍ، فإن لم تُنقِ زادَ، حتَّى يُنْقِيَ، وإن أنقاهُ حجرٌ واحِدٌ أجْزَأهُ، وكذلكَ غَسْلُهُ بالماءِ، إن أنقاهُ بغَسْلةٍ

стр. 3860

واحِدةٍ، وذلكَ في المَخْرج، وما عَدا المَخْرج، فإنَّما يُغسلُ بالماءِ. وهذا كلُّهُ قولُ مالكٍ، وأصحابِهِ. وقال الأوزاعيُّ: تجُوزُ ثلاثةُ أحْجارٍ، والماءُ أطهرُ. وقال الشّافِعيُّ (١): يجُوزُ بالأحجارِ ما لم يعدُ المخرج، فإن عدا المخرج لم يجُز إلّا الماءُ. والمُهاجِرُونَ كانُوا لا يَسْتنجُون بالماءِ، وهُو قولُ سعيدِ بن المُسيِّب (٢). ورُوي عن حُذَيفةَ، أنَّهُ سُئلَ عن الاسْتِنجاءِ بالماءِ، فقال: إذًا لا تزالُ يدي في نَتْن (٣). وأمّا الأنصارُ، فكانُوا يُتبِعُون الأحْجار بالماءِ، وأثْنَى الله بذلكَ على أهلِ قُباءٍ. والماءُ عِندَ فُقهاءِ الأمْصارِ (٤) أطْهَرُ، وأطيبُ، والأحْجارُ رُخْصةٌ تُجزِئُ. ومِن العُلماءِ من جعَلَ الاسْتِنجاءَ واجِبًا، وسائرُ العُلماءِ يَسْتحِبُّون الوِتْرَ. وقد رَوَى ثورُ بن يزيد الشّاميُّ، عن الحُصينِ الحُبْرانيِّ (٥)، عن أبي سعيدٍ (٦)، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيّ ﷺ قال: "مَنِ اكْتَحلَ فليُوتِرْ، من فعَلَ فقد

стр. 3861

أحسَنَ، ومن لا فلا حرَجَ، ومنِ اسْتَجمرَ فليُوتِرْ، ومن فعَلَ فقد أحسنَ، ومن لا، فلا حرَجَ" (١). وذكر الحديث، وهُو حديثٌ ليس بالقويِّ، لأنَّ إسنادَهُ ليس بالقائم، فيه مجهُولُونَ، ذكرَهُ أبو داود (٢)، عن إبراهيمَ بن مُوسى الرّازيِّ، عن عيسى بن يُونُسَ، عن ثورٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ التَّمّارُ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن العَلاءِ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن هشام، عن يُونُس بن الحارِثِ، عن إبراهيمَ بن أبي ميمُونةَ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٤): نزلَتْ هذه الآيةُ في أهْلِ قُباء: ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. قال: وكانُوا يَسْتنجُون بالماءِ.

стр. 3862

ابنُ شِهاب، عن أبي أُكيمةَ اللَّيثيِّ حديثٌ واحِدٌ اختُلِف في اسْم ابن أُكيمةَ هذا، فقيل: عُمارةُ (١) بن أُكَيمةَ. وقيلَ: عُمرُ بن أُكَيمةَ. وقيل: عَمرٌو. وقيلَ: عامرٌ. وقيلَ: عمّارٌ. ذكر ذلكَ كلَّهُ البُخاريُّ في كِتابِهِ (٢)، وهُو من بني ليثٍ، من أنفُسِهِم، يُكنَّى أبا الوليدِ، تُوُفِّي سنةَ إحْدَى ومئةٍ، وهُو ابن تِسْع وسَبْعينَ سنةً، فيما ذكَرَ الواقِديُّ (٣). قال ابن مَعِين (٤): حَسْبُكَ برِوايةِ ابن شِهابٍ عنهُ. وقال: زعَمَ مالكٌ، أنَّ ابن أُكَيمةَ اسمُهُ عُمرُ بن مُسلِم بن أُكَيمةَ، روى عنهُ الزُّهْريُّ حديثًا واحِدًا. قال يحيى بن مَعِين: وقد رَوَى عنهُ محمدُ بن عَمرٍو، وغيرُهُ، وقد رَوَى عن مالكٍ في حديثهِ هذا، عبّادُ بن أُكَيْمةَ، فإن صحَّ، فحسبُكَ به. قال أبو عُمر: الدَّليلُ على جَلالتِهِ، أنَّهُ كان يُحدِّثُ في مَجْلِسِ سعيدِ بن المُسيِّبِ، وسعيدٌ يُصغي إلى حديثهِ، عن أبي هُريرةَ، وسعيدٌ أجلُّ أصحابِ أبي هُريرةَ، وذلكَ موجُودٌ في حَديثهِ هذا، من رِوايةِ ابن عُيَينةَ، وغيرِهِ، وإلى حديثِهِ ذهَبَ سعيدُ بن المُسيِّبِ في القِراءةِ خلفَ الإمام فيما يَجْهرُ فيه، وبه قال ابن شِهاب، وذلكَ كلُّهُ دليلٌ واضِحٌ على جَلالتِهِ عِندهُم، وثقتِهِ، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 3863

مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن ابن أُكَيمةَ اللَّيثيِّ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ انصرفَ من صَلاةٍ جهَرَ فيها بالقِراءةِ، فقال: "هَلْ قَرَأ مَعِي أحدٌ منكُم آنِفًا؟ " فقال رَجُلٌ: نعم يا رسُولَ الله، فقال: "إنِّي أقولُ ما لي أُنازَعُ القُرآنَ" قال: فانْتهَى النّاسُ عن القِراءةِ معَ رَسُولِ الله ﷺ فيما جَهَرَ فيه رسُولُ الله ﷺ من القِراءةِ في الصَّلواتِ، حينَ سمِعُوا ذلكَ من رسُولِ الله ﷺ . هكذا روى هذا الحديث جماعةُ أصحابِ مالك (٢). وقد أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمر الحافِظُ (٣)، قال: حدَّثني عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الواثِقُ بالله، قال: حدَّثنا القاسمُ بن زكريّا المقرئُ، قال: حدَّثنا الحسنُ (٤) بنُ محمد الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ الخفّافُ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عبّادِ بن أُكَيمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . فذكر نحوهُ. قال أبو الحسن: لا أعلمُ أحدًا سمّاهُ في حديثِ مالكٍ، ولا في حديثِ ابن شِهاب،

стр. 3864

إلّا في هذه الرِّوايةِ، ورواهُ جماعةُ أصحابِ ابن شِهاب عنهُ: عن ابن أُكيمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: لم يَخْتلِف رُواةُ "المُوطَّأ" فيما علِمتُ في هذا الحديثِ من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ. وزادَ فيه روحُ بن عُبادةَ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال: لا قِراءةَ خلفَ الإمام فيما يجهَرُ فيه الإمامُ. وقد رواهُ بعضُ أصْحابِ الأوزاعيِّ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ (١). جعَلَ في مَوْضِع ابن أُكيمةَ: سعيد بن المُسيِّبِ. وذلك وهمٌ وغلطٌ عِندَ جميع أهلِ العِلم بالحديثِ، والحديثُ محفُوظٌ لابنِ أُكيمةَ، وإنَّما دخلَ الوَهمُ فيه عليه، لأنَّ ابن شِهابٍ كان يقولُ في هذا الحديث: سمِعتُ ابن أُكيمةَ يُحدِّثُ سعيدَ بنَ المُسيِّبِ (٢)، عن أبي هُريرةَ. فتوهَّم أنَّهُ لابنِ شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ. ولا يختلِفُ

стр. 3865

أهلُ العِلم بالحديثِ، أنَّ هذا الحديث لابنِ شِهاب، عن ابن أُكَيمةَ، عن أبي هُريرةَ، وأنَّ ذِكرَ سعيدِ بن المُسيِّبِ في إسنادِ هذا الحديثِ خَطَأٌ لا شَكَّ عِنْدهُم فيه، وإنَّما ذلكَ عِندهُم، لأنَّهُ كان في مجلِسِ سعيدِ بن المُسيِّبِ، فهذا وجهُ ذِكرِ سعيدِ بن المُسيِّبِ، لا أنَّهُ في الإسنادِ. حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، قال: سمِعتُ ابن أُكيمةَ يُحدِّثُ سعيدَ بن المُسيِّبِ قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: صلَّى رسُولُ الله ﷺ صلاةَ الصبح، فلمّا فرغَ من صِلاتِهِ قال: "هل قَرَأ مِنكُم مَعِي أحدٌ؟ " قال رجُلٌ: نعَمْ أنا. فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنِّي أقولُ ما بالي أُنازَعُ القُرآنَ" (١). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، وأحمدُ بن محمدٍ المَرْوزيُّ، ومحمدُ بن أحمد بن أبي خَلَفٍ، وعبدُ الله بن محمدٍ الزُّهْريُّ، وابنُ السَّرَّح (٣)، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ (٤)، قال: سمِعتُ ابن أُكَيْمةَ يُحدِّثُ سعيدَ بن المُسيِّبِ، قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: صلَّى بنا رسُولُ الله ﷺ صلاةً، نظُن أنَّها الصُّبحُ. فذكَرَ مِثلهُ سواءً، إلى قولِه: "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ".

стр. 3866

قال أبو داود: قال مُسدَّدٌ في حديثهِ هذا: قال سُفيانُ: قال مَعْمرٌ: قال الزُّهْريُّ: فانْتَهَى النّاسُ عن القِراءةِ فيما جهَرَ فيه رسُولُ الله ﷺ . وقال ابن السَّرح في حديثه: قال مَعْمرٌ، عن الزُّهْريّ: قال أبو هُريرةَ: فانْتَهَى النّاسُ. وقال عبدُ الله بن محمدٍ من بينهِم: قال سُفيانُ: وتكلَّم الزُّهْريُّ بكَلِمةٍ لم أسْمَعَها، فقال مَعْمرٌ: إنَّهُ قال: فانتهَى النّاسُ. قال أبو داود: ورواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، وانتهى حديثُهُ إلى قولِه: "ما لي أُنازَعُ القُرآن". قال: ورواهُ الأوزاعيُّ، عن أبي هُريرةَ، قال فيه: قال الزُّهْريُّ: واتَّعَظَ المُسلِمُونَ، فلم يكونُوا يَقْرؤُون مَعَهُ فيما جَهَرَ به. قال أبو داود: وسمِعتُ محمد بن يحيى بن فارِسٍ قال: قولُهُ: فانْتَهَى النّاسُ. من كلام الزُّهْريِّ. قال أبو عُمر: رواهُ ابن جُرَيج قال: أخبرني ابن شِهاب، قال: سمِعتُ ابن أُكَيْمةَ يُحدِّثُ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . مِثلَ حديثِ مالكٍ سواءً، إلى قولِه: "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ" (١). لم يَزِدْ على ذلكَ. ورواهُ مَعْمرٌ، وأبو أُوَيسٍ، ويُونُسُ بن يزيد (٢)، وأُسامةُ بن زيدٍ (٣)، عن ابن شِهابٍ أنَّهُ سمِعَ ابن أُكيمةَ يُحدِّثُ عن أبي هُريرةَ بمِثلِ حديثِ مالكٍ سواءً.

стр. 3867

وذلكَ دليلٌ على ما قال محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ، أنَّ قولهُ: "فانتهى النّاسُ" إلى آخِرِ الكلام، من كلام الزُّهْريِّ. وذكر عبدُ الرّازِقِ (١)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، قال: سمِعتُ ابن أُكَيْمةَ يُحدِّثُ عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى صلاةً جَهَرَ فيها بالقِراءةِ، ثُمَّ أقبلَ على النّاسِ بعدَ ما سلَّمَ، فقال لهم: "هَلْ قَرَأ مَعِي أحد مِنكُم آنِفًا؟ " قالوا: نعَمْ يا رسُولَ الله. قال: "إنِّي أقولُ ما لي أُنازَعُ القُرآنَ (٢) ". فانتَهَى النّاسُ عن القِراءةِ مع رسُولِ الله ﷺ فيما يَجْهرُ به من القُرآنِ، حين سمِعُوا ذلكَ من رسُولِ الله ﷺ . حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي العبّاسِ، قال: حدَّثنا أبو أُويسٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن أُكَيْمةَ الكِنانيِّ، ثُمَّ اللَّيثيِّ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى صلاةً جهَرَ فيها بالقِراءةِ، ثُمَّ أقبلَ على النّاسِ بعدَ ما سلَّمَ، فقال: "هَلْ قَرَأ أحدٌ مِنكُم معي آنِفًا؟ " قالوا: نعَمْ يا رسُولَ الله. فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنِّي أقولُ ما لي أُنازَعُ القُرآنَ؟ ". فانتَهَى النّاسُ عن قِراءةِ القُرآنِ مع رسُولِ الله ﷺ فيما جهَرَ به من القِراءةِ في الصَّلاةِ، حين سمِعُوا ذلكَ من رسُولِ الله ﷺ . قال أبو عُمر: يقولُونَ: إنَّ سماعَ أبي أُوَيسٍ ومالكِ بن أنَسٍ من الزُّهْريِّ كان واحِدًا، بعرضٍ واحِدٍ، كذلكَ قال محمدُ بن يحيى النيسابُوريُّ وغيرُهُ، والله أعلمُ.
следующие страницы →