← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3863–3902 · переход к 3868.

стр. 3863

مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن ابن أُكَيمةَ اللَّيثيِّ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ انصرفَ من صَلاةٍ جهَرَ فيها بالقِراءةِ، فقال: "هَلْ قَرَأ مَعِي أحدٌ منكُم آنِفًا؟ " فقال رَجُلٌ: نعم يا رسُولَ الله، فقال: "إنِّي أقولُ ما لي أُنازَعُ القُرآنَ" قال: فانْتهَى النّاسُ عن القِراءةِ معَ رَسُولِ الله ﷺ فيما جَهَرَ فيه رسُولُ الله ﷺ من القِراءةِ في الصَّلواتِ، حينَ سمِعُوا ذلكَ من رسُولِ الله ﷺ . هكذا روى هذا الحديث جماعةُ أصحابِ مالك (٢). وقد أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمر الحافِظُ (٣)، قال: حدَّثني عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الواثِقُ بالله، قال: حدَّثنا القاسمُ بن زكريّا المقرئُ، قال: حدَّثنا الحسنُ (٤) بنُ محمد الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ الخفّافُ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عبّادِ بن أُكَيمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . فذكر نحوهُ. قال أبو الحسن: لا أعلمُ أحدًا سمّاهُ في حديثِ مالكٍ، ولا في حديثِ ابن شِهاب،

стр. 3864

إلّا في هذه الرِّوايةِ، ورواهُ جماعةُ أصحابِ ابن شِهاب عنهُ: عن ابن أُكيمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: لم يَخْتلِف رُواةُ "المُوطَّأ" فيما علِمتُ في هذا الحديثِ من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ. وزادَ فيه روحُ بن عُبادةَ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال: لا قِراءةَ خلفَ الإمام فيما يجهَرُ فيه الإمامُ. وقد رواهُ بعضُ أصْحابِ الأوزاعيِّ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ (١). جعَلَ في مَوْضِع ابن أُكيمةَ: سعيد بن المُسيِّبِ. وذلك وهمٌ وغلطٌ عِندَ جميع أهلِ العِلم بالحديثِ، والحديثُ محفُوظٌ لابنِ أُكيمةَ، وإنَّما دخلَ الوَهمُ فيه عليه، لأنَّ ابن شِهابٍ كان يقولُ في هذا الحديث: سمِعتُ ابن أُكيمةَ يُحدِّثُ سعيدَ بنَ المُسيِّبِ (٢)، عن أبي هُريرةَ. فتوهَّم أنَّهُ لابنِ شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ. ولا يختلِفُ

стр. 3865

أهلُ العِلم بالحديثِ، أنَّ هذا الحديث لابنِ شِهاب، عن ابن أُكَيمةَ، عن أبي هُريرةَ، وأنَّ ذِكرَ سعيدِ بن المُسيِّبِ في إسنادِ هذا الحديثِ خَطَأٌ لا شَكَّ عِنْدهُم فيه، وإنَّما ذلكَ عِندهُم، لأنَّهُ كان في مجلِسِ سعيدِ بن المُسيِّبِ، فهذا وجهُ ذِكرِ سعيدِ بن المُسيِّبِ، لا أنَّهُ في الإسنادِ. حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، قال: سمِعتُ ابن أُكيمةَ يُحدِّثُ سعيدَ بن المُسيِّبِ قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: صلَّى رسُولُ الله ﷺ صلاةَ الصبح، فلمّا فرغَ من صِلاتِهِ قال: "هل قَرَأ مِنكُم مَعِي أحدٌ؟ " قال رجُلٌ: نعَمْ أنا. فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنِّي أقولُ ما بالي أُنازَعُ القُرآنَ" (١). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، وأحمدُ بن محمدٍ المَرْوزيُّ، ومحمدُ بن أحمد بن أبي خَلَفٍ، وعبدُ الله بن محمدٍ الزُّهْريُّ، وابنُ السَّرَّح (٣)، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ (٤)، قال: سمِعتُ ابن أُكَيْمةَ يُحدِّثُ سعيدَ بن المُسيِّبِ، قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: صلَّى بنا رسُولُ الله ﷺ صلاةً، نظُن أنَّها الصُّبحُ. فذكَرَ مِثلهُ سواءً، إلى قولِه: "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ".

стр. 3866

قال أبو داود: قال مُسدَّدٌ في حديثهِ هذا: قال سُفيانُ: قال مَعْمرٌ: قال الزُّهْريُّ: فانْتَهَى النّاسُ عن القِراءةِ فيما جهَرَ فيه رسُولُ الله ﷺ . وقال ابن السَّرح في حديثه: قال مَعْمرٌ، عن الزُّهْريّ: قال أبو هُريرةَ: فانْتَهَى النّاسُ. وقال عبدُ الله بن محمدٍ من بينهِم: قال سُفيانُ: وتكلَّم الزُّهْريُّ بكَلِمةٍ لم أسْمَعَها، فقال مَعْمرٌ: إنَّهُ قال: فانتهَى النّاسُ. قال أبو داود: ورواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، وانتهى حديثُهُ إلى قولِه: "ما لي أُنازَعُ القُرآن". قال: ورواهُ الأوزاعيُّ، عن أبي هُريرةَ، قال فيه: قال الزُّهْريُّ: واتَّعَظَ المُسلِمُونَ، فلم يكونُوا يَقْرؤُون مَعَهُ فيما جَهَرَ به. قال أبو داود: وسمِعتُ محمد بن يحيى بن فارِسٍ قال: قولُهُ: فانْتَهَى النّاسُ. من كلام الزُّهْريِّ. قال أبو عُمر: رواهُ ابن جُرَيج قال: أخبرني ابن شِهاب، قال: سمِعتُ ابن أُكَيْمةَ يُحدِّثُ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . مِثلَ حديثِ مالكٍ سواءً، إلى قولِه: "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ" (١). لم يَزِدْ على ذلكَ. ورواهُ مَعْمرٌ، وأبو أُوَيسٍ، ويُونُسُ بن يزيد (٢)، وأُسامةُ بن زيدٍ (٣)، عن ابن شِهابٍ أنَّهُ سمِعَ ابن أُكيمةَ يُحدِّثُ عن أبي هُريرةَ بمِثلِ حديثِ مالكٍ سواءً.

стр. 3867

وذلكَ دليلٌ على ما قال محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ، أنَّ قولهُ: "فانتهى النّاسُ" إلى آخِرِ الكلام، من كلام الزُّهْريِّ. وذكر عبدُ الرّازِقِ (١)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، قال: سمِعتُ ابن أُكَيْمةَ يُحدِّثُ عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى صلاةً جَهَرَ فيها بالقِراءةِ، ثُمَّ أقبلَ على النّاسِ بعدَ ما سلَّمَ، فقال لهم: "هَلْ قَرَأ مَعِي أحد مِنكُم آنِفًا؟ " قالوا: نعَمْ يا رسُولَ الله. قال: "إنِّي أقولُ ما لي أُنازَعُ القُرآنَ (٢) ". فانتَهَى النّاسُ عن القِراءةِ مع رسُولِ الله ﷺ فيما يَجْهرُ به من القُرآنِ، حين سمِعُوا ذلكَ من رسُولِ الله ﷺ . حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي العبّاسِ، قال: حدَّثنا أبو أُويسٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن أُكَيْمةَ الكِنانيِّ، ثُمَّ اللَّيثيِّ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى صلاةً جهَرَ فيها بالقِراءةِ، ثُمَّ أقبلَ على النّاسِ بعدَ ما سلَّمَ، فقال: "هَلْ قَرَأ أحدٌ مِنكُم معي آنِفًا؟ " قالوا: نعَمْ يا رسُولَ الله. فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنِّي أقولُ ما لي أُنازَعُ القُرآنَ؟ ". فانتَهَى النّاسُ عن قِراءةِ القُرآنِ مع رسُولِ الله ﷺ فيما جهَرَ به من القِراءةِ في الصَّلاةِ، حين سمِعُوا ذلكَ من رسُولِ الله ﷺ . قال أبو عُمر: يقولُونَ: إنَّ سماعَ أبي أُوَيسٍ ومالكِ بن أنَسٍ من الزُّهْريِّ كان واحِدًا، بعرضٍ واحِدٍ، كذلكَ قال محمدُ بن يحيى النيسابُوريُّ وغيرُهُ، والله أعلمُ.

стр. 3868

وفِقهُ هذا الحديثِ الذي من أجلِهِ نُقِلَ، وجاءَ النّاسُ به: تَرْكُ القِراءةِ مع الإمام، في كلِّ صَلاةٍ يجهَرُ فيها الإمامُ بالقِراءةِ. ففي هذا الحديثِ دليلٌ واضِحٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ للمأمُوم، فيما جهَرَ فيه إمامُهُ بالقِراءةِ من الصَّلواتِ، أن يَقْرأ مَعَهُ، لا بأُمِّ القُرآنِ، ولا بغيرِها، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ لَمْ يَسْتثنِ فيه شيئًا من القُرآنِ. وهذا موضُوعٌ اختلَفَتْ فيه الآثارُ عن النَّبيِّ ﷺ ، واختلَفَ فيه العُلماءُ، من الصَّحابةِ، والتّابِعين، وفُقهاءِ المُسلِمينَ، على ثلاثةِ أقوالٍ نذكُرُها، ونُبيِّنُ وُجُوهها بعَونِ الله إن شاءَ الله (١). فقال منهُم قائلُون: لا يقرأُ لا فيما أسرَّ، ولا فيما جهَرَ. وقال آخرُونَ: يقرأُ مَعهُ فيما أسرَّ فيه، ولا يقرأُ معهُ (٢) فيما جهَرَ فيه إلّا بأُمِّ القُرآنِ خاصَّةً، دُونَ غيرِها. وسنُبيِّنُ أقوالهُم، واعْتِلالهُم في هذا البابِ إن شاءَ الله، ونُبيِّنُ الحُجَّةَ لكِلا الفَرِيقينِ، وعليهِم بما يحضُرُنا ذِكر بعَوْنِ الله. وقال آخرُونَ: يقرأُ مع الإمام فيما أسرَّ فيه، ولا يقرأُ فيما (٣) جهَرَ فيه. وهُو قولُ سعيدِ بن المُسيِّبِ، وعُبيدِ الله بن عبدِ الله، وسالم بن عبدِ الله بن عُمَرَ، وابنِ شِهابٍ وقتادةَ (٤).

стр. 3869

وبه قال مالكٌ، وأصحابُهُ، وعبدُ الله بن المُباركِ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وداودُ بن عليٍّ، والطَّبريُّ، إلّا أنَّ أحمد بن حَنْبل قال: إن سمِعَ لم يقرأ، وإن لم يسمع قَرَأ (١). ومن أصحابِ داود من قال: لا يقرأُ فيما قَرَأ إمامُهُ وجهَرَ. ومنهُم من قال: يقرأُ. وأوجبُوا كلُّهُمُ القِراءةَ فيما (٢) أسرَّ الإمامُ (٣). ورُوي عن عُمرَ بن الخطّاب، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وابنِ مسعُودٍ، على اختِلافٍ عنهُم: القِراءةُ في ما أسرَّ الإمامُ، دُونَ ما جهَرَ. وعن عُثمانَ بن عفّانَ، وأُبيِّ بن كعبٍ، وعبدِ الله بن عُمرَ، مِثلُ ذلكَ (٤). وهُو أحدُ قَوْلي الشّافِعيِّ، كان يقولُهُ بالعِراقِ (٥). وهذا هُو القولُ المُختارُ عِندَنا، وبالله توفيقُنا. فمِن الحُجَّةِ لمن ذهَبَ هذا المَذهَبَ، قولُ الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وهذا عِندَ أهلِ العِلم، عِندَ سماع القُرآنِ في الصلاةِ، فأوجَبَ ﵎ الاسْتِماع، والإنصاتَ على كلِّ مُصلٍّ، جهَرَ إمامُهُ بالقِراءةِ ليسمَعَ القِراءةَ. ومعلُومٌ أنَّ هذا في صَلاةِ الجَهْرِ، دُون صلاةِ السِّرِّ، لأنَّهُ مُسْتحيلٌ أن يُريدَ بالإنْصاتِ والاسْتِماع من لا يجهرُ إمامُهُ، وكذلكَ مُستحيلٌ أن تَكُون مُنازَعةُ القُرآنِ

стр. 3870

في صلاةِ السِّرِّ، لأنَّ المُسِرَّ إنَّما يُسْمِعُ نفسهُ، دُون غيرِهِ، فقولُ رسُولِ الله ﷺ : "ما لي أُنازَعُ القرآنَ (١) ". يُضاهي ويُطابِقُ قولَ الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. وحدَّثني خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن عُبيدِ بن آدمَ بن أبي إياسٍ، قال: أخبرنا أبو مَعْنٍ ثابتُ بن نُعيم، قال: حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا بكرُ بن خُنيسٍ، عن إبراهيم بن مُسلِم الهَجَري (٢)، عن أبي عياضٍ، عن أبي هُريرةَ قال: كانُوا يَتكلَّمُونَ في الصَّلاةِ، حتَّى نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. قال إبراهيمُ بن مُسلِم: فقلتُ لأبي عياض: لقد كُنتُ أظُنُّ أنَّهُ لا يَنْبغي لأحدٍ يَسْمعُ القُرآنَ، ألّا يَسْتمِع، قال: لا، إنَّما ذلكَ في الصلاةِ المكتُوبةِ، فأمّا في غيرِ الصَّلاةِ، فإن شِئتَ اسْتَمعتَ وأنصَتَّ، وإن شِئتَ مَضَيتَ ولم تَسْمَعْ (٣). وذكر الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن إبراهيمَ بن مَيْسَرةَ، قال: سمِعتُ مُجاهِدًا يقولُ: ما رأيتُ أحدًا بعد ابن عبّاسٍ أفقَهَ من أبي عِياض (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمّادِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عمِّي إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حيّانَ الأحمرُ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي هِندٍ،

стр. 3871

عن أبي نَضْرةَ، عن أُسَيرِ (١) بن جابرٍ قال: قال عبدُ الله بن مسعُود: أتقرؤُونَ خلفَ الإمام؟ قُلنا: نعم. قال: ألا تَفْقهُونَ؟ ما لكُم لا تعقِلُونَ؟ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٢). قال إسماعيلُ: حدَّثنا حَفْصُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن منصُورٍ، عن أبي وائل، قال: سُئل عبدُ الله عن القِراءةِ خلفَ الإمام، قال: أنصتْ للقُرآنِ، فإنَّ في الصَّلاةِ شُغلًا، وسَيَكفيكَ ذلكَ الإمامُ (٣). قولُهُ: أنصِتْ للقُرآنِ، يدُلُّ على أنَّ ذلكَ في الجَهْرِ، دُونَ السِّرِّ. قال إسماعيلُ: وحدَّثنا حجّاجُ بن مِنهالٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، في قولِه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: في الصَّلاةِ (٤). وذُكرَ عن أبي العاليةِ، والزُّهْريِّ، وزيدِ بن أسلَمَ، والشَّعبيِّ، وإبراهيمَ النَّخعيِّ، والحسنِ البَصْريِّ، ومُجاهِدٍ مِثلُهُ (٥). إلّا أنَّ مُجاهِدًا زادَ: في الصلاةِ، والخُطبةِ يومَ الجُمُعةِ.

стр. 3872

ذكَرَ وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن جابرٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: وجَبَ الإنصاتُ في اثْنَتينِ، في الصَّلاةِ والإمامُ يَقْرأُ، وفي الخُطبةِ والإمامُ يخطُبُ (١). وسُفيانُ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: إنَّما ذلكَ في الصَّلاةِ (٢)، وأمّا في غيرِ الصَّلاةِ، فلا (٣). وعن عطاءٍ مِثلُهُ سواءً (٤). وذكر سُنيدٌ، عن هُشَيم، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن إبراهيم. وحدَّثنا جُوَيبرٌ، عن الضَّحّاكِ، في قولِه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قالا: في الصَّلواتِ المكتُوبةِ (٥). قال قتادةُ: الإنصاتُ باللِّسانِ، والاسْتِماعُ بالأُذُنينِ، عَلِمَ أن لن يفقهُوهُ حتَّى يُنصِتُوا. قال أبو عُمر: في قولِ الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ مع إجماع أهلِ العِلم، أنَّ مُرادَ الله من ذلكَ في الصَّلواتُ المكتُوبةِ، أوضَحُ الدَّلائلِ على أنَّ المأمُوم إذا جهَرَ إمامُهُ في الصلاةِ، أنَّهُ لا يَقْرأُ معهُ بشيءٍ، وأن يَسْتمِعَ لهُ، ويُنصِتَ. وفي ذلكَ دليلٌ، على أنَّ قولَ رسُولِ الله ﷺ : "لا صَلاةَ لمنْ لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ". مخصُوصٌ في هذا الموضِعَ (٦) وحدهُ، إذا جهَرَ الإمامُ بالقِراءةِ،

стр. 3873

لقولِ الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. وما عدا هذا الموضِعَ وحدهُ، فعلى عُمُوم الحديثِ وتقديرِه: لا صلاةَ، يعني لا ركعةَ، لمن لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، إلّا لمن صلَّى خلفَ إمام يَجْهرُ بالقِراءةِ، فإنَّهُ يَسْتمِعُ، ويُنصِتُ. وهذا الحديثُ رواهُ ابن شِهاب، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "لا صلاةَ لمَنْ لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتاب". ورواهُ عن ابن شِهابٍ جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُم: مَعْمرٌ (١)، ويُونُسُ (٢)، وعُقيلٌ (٣)، وابنُ عُيينةَ (٤)، وشُعَيبٌ (٥)، وإبراهيمُ بن سعدٍ (٦). وليس عِندَ مالكٍ (٧)، عن ابن شِهاب.

стр. 3874

وسنذكُرُ الدَّلائلَ على أنَّ قولهُ: "لا صَلاةَ لمَنْ لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتابِ"، أنَّ معناهُ لا رَكْعةَ، في بابِ العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ من كِتابِنا هذا، عِندَ قولِهِ ﷺ : "كلُّ صَلاةٍ لا يُقرأُ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهي خِداجٌ" (١). إن شاءَ الله، وبه العَوْنُ، لا شريكَ لهُ. والدَّليلُ أيضًا على خُصُوصِ الآيةِ في هذا الموضُوع، قولُهُ ﷺ : "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ". وقولُهُ: "إذا قَرَأ الإمامُ فأنصِتُوا". رواهُ أبو مُوسى، وأبو هُريرةَ. وقولُهُ في حديثِ ابن مسعُودٍ، لقَوْم جَهَرُوا بالقِراءةِ، وهُو يَقْرأُ: "خَلَّطتُم عليَّ القِراءةَ، أنصِتُوا للقُرآنِ". وقولُهُ: "أنصِتُوا للقرآنِ" دليلٌ على أنَّ ذلكَ كان في حالِ الجَهْرِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله الأسَدِيُّ، قال: حدَّثنا يُونُس بن أبي إسحاقَ (٣)، عن أبي إسحاقَ،

стр. 3875

[عن أبي الأحْوَصِ] (١)، عن عبد الله، قال: كُنّا نَقْرأ خلفَ رَسُولِ الله ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "خَلَّطتُم عليَّ القُرآنَ (٢) ". وحدَّثنا عبد الوارثِ بن سُفيانَ وسعيد بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٣). وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٤): أخبرنا الجارُودُ بن (٥) مُعاذٍ التِّرمذيِّ، قالا: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن زيدِ بن أسْلَمَ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبِّرُوا، وإذا قَرَأ فأنصِتُوا". زاد الجارُودُ: "وإذا قال: سمِعَ الله لمن حَمِدَهُ، فقُولُوا: اللَّهُمَّ ربَّنا ولكَ الحمدُ". قال أحمدُ بن شُعيب (٦): أخبرنا محمدُ (٧) بن عبدِ الله، قال: أخبرنا محمدُ بن سعِدٍ (٨) الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَجْلانَ، عن زيدِ بن أسلَمَ، عن أبي

стр. 3876

صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبِّرُوا، وإذا قَرَأ فأنصتُوا". قال أحمدُ بن شُعيب: لا نعلمُ أحدًا تابَعَ ابن عَجْلانَ على قولِه: "وإذا قَرَأ فأنصِتُوا". قال أبو عُمر: بعضُهُم يقولُ: أبو خالدٍ الأحمرُ انفردَ بهذا اللَّفظِ، في هذا الحديثِ. وبعضهُم يقولُ: إنَّ ابن عجلانَ انفرَدَ به، وقد ذكرهُ النَّسائيُّ من غيرِ حديثِ أبي خالدٍ الأحمر: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله المُخرِّميُّ. قال: أخبرنا محمدُ بن سعدٍ الأشهليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جريرٍ. وحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ. جميعًا عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن زيدِ بن أسلَمَ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبِّرُوا، وإذا قَرَأ فأنصِتُوا" (١). وروى جريرُ بن عبدِ الحميدِ، عن سُليمان التَّيميِّ، عن قَتادةَ، عن أبي غَلّابٍ يُونُس بن جُبيرٍ، عن حِطّانَ الرَّقاشيِّ، عن أبي مُوسى الأشعَريِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا قَرَأ الإمامُ فأنصتُوا" (٢). فإن قال قائلٌ: إنَّ قولهُ: "وإذا قَرَأ فأنصِتُوا" لم يَقُلهُ أحدٌ في حديثِ أبي هُريرةَ غيرُ ابن عَجْلانَ، ولا قالهُ أحدٌ في حديثِ أبي مُوسى غيرُ جريرٍ، عن

стр. 3877

التَّيميِّ، قيل لهُ: لم يُخالِفهُما من هُو أحفظُ منهُما، فوجَبَ قبُولُ زيادتهِما، وقد صحَّحَ هذينِ الحَدِيثينِ أحمدُ بن حَنْبل، وحسبُكَ به إمامةً وعِلمًا بهذا الشَّأنِ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: قلتُ لأحمد بن حَنْبل: من يقولُ عن النَّبيِّ ﷺ من وَجْهٍ صحيح: "إذا قَرَأ الإمامُ فأنصِتُوا"؟ فقال: حديثُ ابن عَجْلانَ، الذي يرويهِ أبو خالدٍ، والحديثُ الذي رواهُ جريرٌ، عن التَّيميِّ، وقد زَعَمُوا أنَّ المُعتَمِرَ رواهُ. قلتُ: نعم، قد رواهُ المُعْتَمِرُ، قال: فأيُّ شيءٍ تُريدُ؟ فقد صحَّحَ أحمدُ الحديثينِ جميعًا عن النَّبيِّ ﷺ ، حديث أبي هُريرةَ، وحديث أبي مُوسى، قولُهُ ﵇: "إذا قرأ الإمامُ فأنصِتُوا" فأينَ المذهبُ عن سُنَّةِ رسُولِ الله ﷺ ، وظاهِرِ كِتابِ الله ، وعَملِ أهلِ المدينةِ! ألا ترَى إلى قولِ ابن شِهاب: فانْتَهَى النّاسُ عن القِراءةِ معَ رسُولِ الله ﷺ فيما جهَرَ فيه رسُولُ الله ﷺ بالقِراءةِ، حين سمِعُوا منهُ: "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ". وقال مالكٌ (١): الأمرُ عِندنا أنَّهُ لا يُقرأُ مع الإمام فيما جهَرَ فيه الإمامُ بالقِراءةِ. فهذا يدُلُّك على أنَّ هذا عَملٌ مورُوثٌ بالمدينةِ. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عن الثَّوريِّ، عن سُليمانَ الشَّيبانيِّ، عن جوّابٍ، عن يزيدَ بن شَريكٍ، أنَّهُ قال لعُمرَ: أقرأُ خلفَ الإمامِ؟ قال: نعم. قال: وإن قرَأتَ يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ قال: نعم، وإن قَرَأتُ. وعن ابن التَّيميِّ، عن ليثٍ، عن الأشْعَثِ، عن أبي يزيدَ، عن الحارِثِ بن سُويدٍ ويزيدَ التَّيميِّ، قالا: أمرنا عُمرُ بن الخطّابِ أن نقرأ خلف الإمام (٣).

стр. 3878

وهذا محمَلُهُ (١) عِندنا فيما أسَرَّ فيه الإمامُ، لأنَّ ابن عُيينةَ روى عن أبي إسحاقَ الشَّيبانيِّ، عن رجُل، قال: عَهِدَ إلينا عُمرُ بن الخطّابِ أن لا نَقْرأ معَ الإمامِ (٢). وهذا عِندَنا على الجَهْرِ، لئَلّا يَتَضادَّ الخبرُ عنهُ. وليسَ في هذا البابِ شيءٌ يثبُتُ من جِهَةِ الإسنادِ عن عُمرَ، وعنهُ فيه اضْطِرابٌ. وأمّا عليٌّ، فأصحُّ شيءٍ عنهُ، ما رواهُ الزُّهْريُّ، عن عُبيدِ الله (٣) بن أبي رافع، عن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: يَقْرأُ الإمامُ ومن خلفَهُ في الأُوليينِ من الظُّهرِ والعَصرِ بفاتحةِ الكِتابِ، وسُورةٍ سُورةٍ، وفي الأُخْرَيينِ بفاتحةِ الكِتابِ، ويَقْرأُ الإمامُ في المغرِبِ في الأُولَيينِ بفاتحةِ الكِتابِ وسُورةٍ سُورةٍ (٤)، وينُصِتُ من خلفهُ، ويَقْرأُ الإمامُ، ومن خلفَهُ في الثّالِثةِ بفاتحةِ الكِتابِ، ويَقْرأُ الإمامُ في العِشاءِ في الأُولَيينِ (٥) بفاتحةِ الكِتابِ، وسُورةٍ سُورةٍ، ويُنصِتُ من خلفهُ، ويقرأُ الإمامُ، ومن خلفهُ في الأُخريينِ بفاتحةِ الكِتابِ. وأمرهُم أن يُنصِتُوا في الفجرِ (٦). ذكرهُ إسحاقُ بن راهُوية، عن يزيدَ بن هارُونَ، عن سُفيانَ بن حُسَينٍ، عن الزُّهْريِّ (٧).

стр. 3879

فهذا يدفعُ ما روى عنهُ أهلُ الكُوفةِ، وهُو مذهبُ أهلِ المدينةِ. وأمّا أُبيُّ بن كعبٍ، فذكَرَ عبدُ الرّازِقِ (١)، عن يحيى بن العَلاءِ، عن أبي سِنانٍ (٢)، عن عبدِ الله بن أبي الهُذيل، أنَّ أُبيَّ بن كعبٍ كان يَقْرأُ خلفَ الإمام في الظُّهرِ، والعصرِ. وفي تخصيصهِ الظُّهرَ والعصرَ، دليلٌ على أنَّهُ كانَ لا يَقْرأُ فيما جُهِرَ فيه من الصَّلواتِ، وَيقْرأُ في غيرِها، والله أعلمُ. وكذلكَ ما رُوي عن عبدِ الله بن عُمرَ في ذلكَ: ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن ابن عُيَينةَ، عن حُصَينِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: سمِعتُ عُبيدَ الله بن عبدِ الله بن عُتبةَ يَقْرأُ في الظُّهرِ والعَصْرِ مع الإمام، فسألتُ إبراهيمَ فقال: لا تَقْرأ إلّا أن تتَّهِمَ الإمامَ. وسألتُ مجُاهِدًا، فقال: قد سَمِعتُ عبد الله بن عَمرٍو يقرأُ. وعن الثَّوريِّ، عن الأعمشِ، عن مجُاهِدٍ، قال: سمِعتُ عبد الله بن عَمرٍو يَقْرأُ خلف الإمام في الظُّهرِ، والعَصْرِ (٤). وأمّا ابن عُمرَ، فأصَحُّ شيءٍ عنهُ، ما ذَكَرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، قال: أخبرنا ابن جُريج، قال: حدَّثني ابن شِهاب، عن سالم، أنَّ ابن عُمرَ كان يُنصِتُ للإمام فيما جهَرَ فيه الإمامُ بالقِراءةِ، لا يَقْرأُ معهُ.

стр. 3880

وكلُّ ما رُوي عن ابن عُمرَ من الألفاظِ المُجْملةِ، فهذا يُفسِّرُها. ولهذا واللهُ أعلمُ، أدخَلَ مالكٌ قول ابن عُمر المُجْمل في بابِ تركِ القِراءةِ خلفَ الإمام، فيما جهَرَ فيه، وقيَّدهُ بتَرْجمةِ البابِ، ثُمَّ قال مالكٌ (١): عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان إذا سُئلَ: هل يَقْرأُ أحدٌ خلفَ الإمام؟ قال: إذا صلَّى أحدُكُم خلفَ الإمام، فحَسْبُهُ قِراءةُ الإمام، وإذا صلَّى وحدَهُ، فليَقْرأ. قال: وكانَ عبدُ الله بن عُمر لا يَقْرأُ خلفَ الإمام. قال أبو عُمر: يُريدُ فيما جهَرَ فيه، بدليلِ حديثِ ابن شِهاب، عن سالم عنهُ. ويدُلُّك على ذلكَ، أنَّ مالكًا جَعَلَ قول ابن عُمرَ هذا، في بابِ تَرْكِ القِراءةِ خلف الإمام، فيما جهرَ فيه الإمامُ بالقِراءةِ. ثُمَّ أرْدَفَهُ بقولِه: الأمرُ عِندنا أن يَقْرأ الرَّجُلُ وراءَ الإمام فيما لا يَجْهرُ فيه الإمامُ بالقِراءةِ، ويترُك القِراءةَ فيما يجهرُ فيه الإمامُ بالقِراءةِ (٢). ثُمَّ أردَفَ قولهُ هذا، بحديثِ ابن شِهابٍ المذكُورِ في هذا البابِ، عن ابن أُكَيمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قولِه: "ما لي أُنازعُ القرآنَ". ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن مَعْمرٍ وابنِ جُريج، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، قال: تَكْفيكَ قِراءةُ الإمام فيما يَجْهرُ به. وعن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ قال: إذا قَرَأ الإمامُ وجهَرَ، فلا تَقْرَأ شيئًا (٤). فهذا مذهبُ مالكٍ، ومن ذكرنا من العُلماءِ في هذا البابِ. ولا تجُوزُ القِراءةُ عِندَ أصحابِ مالكٍ خلف الإمام إذا جهَرَ بالقِراءةِ، وسواءٌ سمِعَ المأمُومُ قِراءَتهُ أو لم يسمَعْ، لأنَّها صلاةٌ جهَرَ فيها الإمامُ بالقِراءةِ،

стр. 3881

فلا يجُوزُ فيها لمن خلفهُ القِراءةُ، لأنَّ الحُكم فيها واحِدٌ، كالخُطبةِ يوم الجُمُعةِ، لا يجُوزُ لمن لم يَسْمعها، وشَهِدَها أن يتكلَّمَ، كما لا يجُوزُ أن يتكلَّمَ من سَمِعها سَواءً. وسُواءٌ عِندهُم أُمُّ القُرآنِ وغيرُها، لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يَتَشاغَلَ عن الاستِماع لقِراءةِ إمامِهِ والإنصاتِ، لا بأُمِّ القُرآنِ، ولا بغيرِها. ولو جازَ للمأمُوم أن يَقْرأ مع الإمام إذا جهَرَ، لم يكُن لجهرِ الإمام بالقِراءةِ معنًى، لأنَّهُ إنَّما جهَرَ (١) ليُسْتَمعَ لهُ ويُنْصَت، وأُمُّ القُرآنِ وغيرُها في ذلكَ سواءٌ، والله أعلمُ. وقال أحمد بن حَنْبل (٢): من لم يسمَعْ قراءةَ الإمام، جازَ لَهُ أن يَقْرأ، وكان عليه إذا لم يسمَعْ أن يَقْرأ ولو بأُمِّ القُرآن، لأنّ المأمُورَ بالإنصاتِ والاسْتِماع، هو من سمِعَ، دونَ من لم يسمَعْ. وقال بقولهِ طائفةٌ من أهل العلم قبلَهُ وبعدهُ. وقال بعضُ أصحابِ مالك: لا بأسَ أن يتكَلَّمَ يومَ الجُمُعةِ من لا يَسْمع الخطيبَ بما شاءَ من الخيرِ، وما به الحاجةُ إليه. وكرِهَ مالكٌ لهُ ذلك (٣). وقد ذكرنا هذه المسألة في مَوْضعها من هذا الكتاب. ذكر عبدُ الرزّاقِ (٤)، عن الثَّوريِّ، عن الصَّلْتِ الرَّبَعيِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قال: إذا لم يُسْمعكَ الإمامُ، فاقْرَأ. وعن ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: إذا لم تَفْهَمْ قِراءةَ الإمام، فاقْرَأ إن شِئتَ وسَبِّحْ (٥).

стр. 3882

وقال آخَرُونَ: لا يَتْرُكُ أحدٌ من المأمُومينَ قِراءةَ فاتحةِ الكِتابِ خلفَ إمامهِ فيما جهَرَ فيه الإمامُ بالقِراءةِ، لأنَّ قولَ رسُولِ الله ﷺ : "لا صَلاةَ لمن لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتاب" (١). عامٌّ لا يخُصُّه شيءٌ، لأنَّ رَسُولَ الله ﷺ لم يخُصَّ بقولِهِ ذلكَ مُصلِّيًا من مُصَلٍّ. قالوا: وقولُ الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] خاصٌّ واقعٌ على ما سِوَى فاتحةِ الكتابِ. وكذلك قوله: "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ". وقولُهُ: "وإذا قَرَأ فأنصِتُوا" أرادَ بعد فاتحةِ الكتابِ. وممَّن ذهَبَ إلى هذهِ الجُملَة: الأوزاعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ. وهو قولُ الشّافعيِّ بمصرَ، وعليه أكثرُ أصحابه، منهم: المُزنيُّ، والبُوَيطيُّ، وبه قال أبو ثَوْر (٢). ورُويَ ذلكَ عن عُبادةَ بن الصّامتِ، وعبدِ الله بن عَمرو بن العاصِ، وعبدِ الله بن عبّاسٍ. واختُلِفَ فيه عن أبي هُريرةَ، وهو قولُ عُروةَ بن الزُّبيرِ، وسعيدِ بن جُبيرٍ، ومكحُولٍ، والحسنِ البَصْريِّ. وذكرَ وكيعٌ، عن ابن عَوْنٍ، عن رَجاءِ بن حَيْوةَ، عن محمودِ بن الرَّبيع قال: صلَّيتُ إلى جنبِ عُبادَةَ بن الصّامتِ، فقَرَأ بفاتحةِ الكتابِ. فلمّا انصرفَ، قلتُ: يا أبا الوليدِ ألم (٣) أسمعكَ قرأتَ بفاتحةِ الكتابِ؟ قال: أجَلْ، إنَّهُ لا صلاةَ إلّا بها (٤).

стр. 3883

حدَّثنا عبد الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١): حدَّثنا هارونُ بن معرُوفٍ، حدَّثنا ضَمْرَةَ، عن الأوزاعيِّ قال: أخذتُ القِراءةَ مع الإمام عن عُبادةَ بن الصّامتِ، ومَكْحولٍ. ذكر عبدُ الرزّاقِ (٢)، عن المُثنَّى بن الصَّبّاح، عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله بن عَمرٍو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إذا كُنتَ مع الإمام فاقْرَأ بأُمِّ القُرآنِ قبلهُ، أو إذا (٣) سَكَتَ". وهذا الحديثُ لا يصحُّ بهذا اللَّفظِ مرفُوعًا، والمُثنَّى بن الصَّبّاح ضعيفٌ، ومنهم من يُوقِفُ هذا الحديث على عبدِ الله بن عَمرٍو. وعبد الرزّاقِ (٤)، عن ابن المُثنَّى، عن ليثٍ، عن عَطاء، عن ابن عبّاسٍ، قال: لا بُدَّ أن يَقْرأ بفاتحةِ الكتابِ فيما يَجْهَرُ فيه الإمامُ، وفيما لا يَجْهَرُ. وليثُ بن أبي سُليم ضعيفٌ ليسَ بحُجَّةٍ. وعن ابن جُريج، عن عَطاءٍ قال: إذا كانَ الإمامُ يجهرُ، فليُبادِرْ بالقِراءةِ بأُمِّ القُرآنِ، أو ليَقْرَأها بعد ما يَسْكُت، فإذا فرغَ، فَلْيُنصِتْ، كما قال الله (٥). وعن ابن جُرَيج ومَعْمرٍ، قالا: أخبرنا ابن خُيَثم، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، أنَّهُ قال: لا بُدَّ أن يُقْرأ بأُمِّ القُرآنِ مع الإمام، ولكن من مَضَى كانُوا إذا كَبَّر الإمامُ، سكَتَ سَكْتةً لا يَقْرأ قدْرَ ما يُقْرَأ بأُمِّ القُرآنِ (٦).

стр. 3884

وعن مَعْمرٍ، عمَّن سمِعَ الحسنَ، يقول: اقْرَأ بأُمِّ القُرآنِ جهَرَ الإمامُ، أو لم يَجْهَرْ، فإذا جهَرَ ففرِغَ من أُمِّ القُرآنِ، فاقْرَأ بها أنتَ (١). وعن إبراهيم بن محمدٍ، عن شريكِ بن أبي نَمِرٍ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، قال: إذا قال الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قرأ (٢) بأُمِّ القُرآنِ، أو بعدَما (٣) يَفْرغُ من السُّورة التي بعدَها (٤). وإبراهيمُ بن محمدٍ هذا، هو ابن أبي يحيى، قد أجمعُوا على تركِ حديثهِ، ورمَوْه بالكذبِ، وكان مالكٌ يُسيء القولَ فيه، وابن خُثيم فيه لين ليسَ بالقويِّ. حدَّثني أبو محمدٍ قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالد بن سعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا خالد بن يزيدِ بن سِنانٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد القَطّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن حَسّان، عن الحسنِ قال: اقْرَأ بفاتحةِ الكتابِ خلفَ الإمام، جهَرَ أو لم يَجْهَرْ (٥). وقال البُوَيطيُّ، عن الشّافعيّ: إنَّ المأمومَ يَقْرأ فيما أسَرَّ فيه الإمامُ بأُمِّ القُرآنِ وسُورةٍ في الأُولَيينِ، وبأُمِّ القُرآنِ في الأُخْرَيينِ وما جهَرَ فيه الإمامُ لا يَقْرأ من خَلْفهُ إلّا بأُمِّ القُرآنِ (٦). قال البُوَيطيُّ: وكذلكَ يقول اللَّيثُ، والأوزاعيُّ (٧).

стр. 3885

وروى المُزَنيُّ، عن الشّافعيّ: أنَّه يقرأ فيما أسَرَّ، وفيما جهَرَ. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ (١) وذكَرَ الطَّبريُّ، عن العبّاسِ بن الوليد بن مَزْيَدٍ (٢)، عن أبيه، عن الأوزاعيِّ، قال: يُقْرَأ خلفَ الإمام فيما أسَرَّ، وفيما جهَرَ. وقال: فإذا جهَرَ، فأنْصِتْ، وإذا سكَتَ فاقْرَأ. يعني: في سَكَتاتهِ بين القِراءتينِ (٣). قال أبو عُمر: روى الحسنُ، عن سَمُرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانت لهُ سَكَتاتٌ، حينَ يُكبِّرُ يَفْتتِحُ الصَّلاةَ، وحينَ يَقْرأُ فاتحةَ الكِتابِ. وإلى ذلكَ ذهَبَ هؤلاءِ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن يُونُسَ، عن الحسنِ، عن سَمُرةَ، قال: حَفِظتُ لرسُولِ الله ﷺ سَكْتتينِ في صَلاتِهِ، سَكْتةً إذا كبَّر،

стр. 3886

وسَكْتةً إذا فرغَ من قِراءةِ فاتحةِ الكِتابِ. فأنكَرَ ذلكَ عليه عِمْرانُ بن حُصينٍ، فكَتبُوا في ذلكَ إلى المدينةِ، إلى أُبيٍّ، فقال: صدَقَ سَمُرةُ. قال أبو داود (١): وحدَّثنا أبو بكر بن خلّادٍ (٢)، قال: حدَّثنا خالدُ بن الحارِثِ، قال: حدَّثنا أشْعَثُ، عن الحسنِ، عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ كان يَسْكُتُ سَكْتتينِ إذا اسْتَفتحَ، وإذا فرَغَ من القِراءةِ كلِّها. ثُمَّ ذكَرَ معنى حديثِ يُونُس. ورَوَى قتادةُ، عن الحسنِ، عن سمُرةَ مِثلهُ (٣). وقال أبو داود: كانُوا يَسْتحِبُّونَ أن يسكُتَ عِندَ فراغِهِ من السُّورة، لئَلا يَصلَ التَّكبيرَ بالقِراءةِ. ورَوَى أبو زُرعةَ، عن أبي هُريرةَ، قال: كانَ رسُولُ الله ﷺ إذا كبَّرَ في الصَّلاةِ، سكَتَ بين التَّكبيرةِ والقِراءةِ (٤). قال أبو عُمر: فذهَبَ هؤلاء إلى أنَّ الإمامَ يسكُتُ سَكَتاتٍ على ما في هذه الآثارِ، ويتَحَيَّن المأمومُ تلكَ السَّكتاتِ من إمامهِ في إمامَتهِ، فتقْرأ فيها بأُمِّ القُرآن.

стр. 3887

قال الأوزاعيُّ، والشّافعيُّ، وأبو ثَوْر: حَقٌّ على الإمام أن يسكُتَ سَكْتةً بعدَ التَّكبيرةِ الأولَى، ويسكُتَ بعدَ قِراءتهِ لفاتحةِ الكتابِ، ليَقْرأ من خلفَهُ بفاتحةِ الكتابِ، فإن لم يَفْعَل، فاقْرَأ معهُ بفاتحةِ الكتابِ وأسْرِع القِراءةَ (١). هذا لفظُ الأوزاعيِّ، وقولُ الشّافعيِّ وأبي ثَوْرٍ مثلُه. وأمّا مالك، فأنكَرَ السَّكْتتينِ ولم يَعْرفهما، وقال: لا يَقْرأ أحدٌ مع الإمام إذا جهَرَ قبل قِراءتهِ، ولا بعدها (٢). وقال أبو حنيفةَ وأصحابه: ليسَ على الإمام أن يَسْكُتَ إذا كبَّرَ، ولا إذا فرَغَ من قِراءةِ أُمِّ القُرآنِ، ولا يَقْرأ أحدٌ خلفَ إمامِهِ (٣). قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذَهَبَ مذهبَ الأوْزاعيِّ في هذا البابِ، ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٤): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، قال: سمِعتُ محمُود بن الرَّبيع، يُحدِّثُ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "لا صَلاةَ لمنْ لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتاب". قالوا: فهذا (٥) على عُمُومهِ في الإمام والمأمُوم، لأنَّه لم يخُصَّ إمامًا من مأموم، ولا مُنْفردٍ. قالوا: ولمّا لم يَنُب ركُوعُ الإمام، ولا قيامُهُ، ولا إحرامُهُ، ولا سُجودُه، ولا تَسْليمُه، عن ركُوع المأموم، ولا عن قيامِهِ، ولا عن سُجُودهِ، ولا عن إحرامهِ، ولا عن تَسْليمِهِ، فكذلكَ لا تنُوب قِراءتُهُ في أُمِّ القُرآنِ عن قراءتِهِ.

стр. 3888

وقالوا: إن كانَ الزُّهريُّ قد روى هذا الحديث مُجْملًا، مُحْتملًا للتَّأويلِ، فقد رواه مَكْحولٌ مُفَسَّرًا. وذكرُوا ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ، وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن نُميرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن مكحُولٍ، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ قال: صلَّى بنا رسُولُ الله ﷺ العِشاءَ، فثَقُلتْ عليه القِراءةُ، فلمّا انصرفَ قال: "لعلَّكُم تَقْرؤُونَ خلفَ إمامِكُم؟ " قال: قُلنا: أجَلْ يا رسُولَ الله، إنّا لنَفْعلُ، قال: "لا تفعلُوا، إلّا بأُمِّ القُرآنِ، فإنَّهُ لا صَلاةَ إلّا بها". حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن يحيى (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرِ بن الإمام، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ الله المدنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن مكحُولٍ، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، قال: صلَّى بنا رسُولُ الله ﷺ صَلاةَ الغَداةِ، فثَقُلَتْ عليه القِراءةُ، فلمّا انصرَفَ، قال: "إنِّي لأراكُم تَقْرؤُونَ وراءَ الإمام". قُلنا: نَعَم يا رسُولَ الله. قال: "فلا، إلّا بأُمِّ القُرآنِ، فإنَّهُ لا صَلاةَ لمنْ لم يَقْرأ بها" (٣).

стр. 3889

وحدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ (١) بن عَمرٍو البزّارُ، قال (٢): حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن هشام، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، وهُو ابن عُليَّةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن مكحُولٍ، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، فذكَرَ نحوهُ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا أبو عُثمان النَّهديُّ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمَرَ رجُلًا يُنادي في النّاس: "أن لا صلاةَ إلّا بقِراءةِ فاتحةِ الكِتابِ، فما زادَ" (٣). وحدَّثناهُ أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن زكريّا، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال (٤): حدَّثنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن

стр. 3890

سعيدٍ، عن جَعْفرِ بن ميمُونٍ، عن أبي عُثمانَ، عن أبي هُريرةَ قال: أمرَ النَّبيُّ ﷺ مُناديًا يُنادي: "ألا لا صلاةَ إلّا بفاتحةِ الكِتابِ". قالوا: وهذا على عُمُومِهِ في كلِّ أحَدٍ، مأمُومًا كانَ، أو إمامًا، أو مُنْفرِدًا. وذكرُوا ما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريع، قال: حدَّثنا خالدٌ الحذّاءُ، عن أبي قِلابةَ، عن محمدِ بن أبي عائشةَ، عمَّن شهِدَ ذلكَ قال: صلَّى النَّبيُّ ﷺ ، فلمّا قَضَى صلاتهُ، قال: "أتقْرؤُونَ والإمامُ يَقْرأُ؟ " فسكتُوا. قال: "أتقْرؤُونَ والإمامُ يَقْرأُ؟ " قالوا: إنّا لنفعلُ. قال: "فلا تَفْعلُوا، إلّا أن يَقْرأ أحدُكُم بأُمِّ القُرآنِ في نفسِهِ" (١).

стр. 3891

قال أبو عُمر: أمّا حديثُ محمدِ بن إسحاق، وزيادتهُ على الزُّهريِّ، فإنَّها غيرُ مقبُولةِ، لأنَّهُ ممَّنَ لا يُحتجُّ به جُملةُ عندَ جماعةِ أهلِ العلم بالحديثِ، منهم: أحمدُ بن حَنْبل، ويحيى بن سعيدٍ القَطّان، وكان عليُّ بن المدينيِّ وشُعبةُ وابن عُيَينةُ يحتَجُّونَ بحديثهِ جُملةً، وأمّا هذا الحديثُ فقد خُولِفَ فيه محمدُ بن إسحاقَ (١)، فرواهُ الأوزاعيُّ، عن مكحُولٍ، عن رَجاءِ بن حيوةَ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو، قال: صلَّينا مع النَّبيِّ ﷺ ، فلمّا انصرفَ، قال لنا: "هَلْ تَقْرؤون القُرآنَ إذا كُنتُم مَعِي في الصَّلاةِ؟ " قُلنا: نعم. قال: "فلا تَفْعلُوا إلا بأُمِّ القُرآنِ" (٢). ورواهُ زيدُ بن واقدٍ (٣)، عن مكحُول، عن نافع بن (٤) محمُودٍ، عن عُبادةَ (٥). ونافِع هذا مجهُولٌ، ومثلُ هذا الاضْطِرابِ لا يثْبُتُ بهِ (٦) عند أهلِ العلم بالحديثِ شيءٌ. وليسَ في هذا البابِ ما لا مَطْعنَ فيه من جهَةِ الإسنادِ غير حديث الزُّهريِّ، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ، وهو مُحتَملٌ للتَّاويلِ. وأمّا حديثُ محمدِ بن أبي (٧) عائشةَ، فإنَّما فيه: "إلّا أن يَقْرأ أحدُكُم بأُمِّ القُرآنِ في نَفْسهِ". ومعلُومٌ أنَّ القِراءةَ في النَّفسِ ما لم يُحرَّك بها اللِّسانُ، فلَيْست

стр. 3892

بقراءةٍ، وإنَّما هي حديثُ النَّفْس بالذِّكرِ، وحديثُ النَّفْسِ مُتجاوَزٌ عنهُ، لأنَّهُ ليسَ بعمَلٍ يُؤاخَذُ عليه فيما نُهِي أن يعملَهُ، أو يُؤدِّي عنهُ فرضًا فيما أُمِرَ بعَمَلهِ. وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي: إن كانت قِراءةُ الإمام بغيرِ أُمِّ القُرآنِ، قِراءةً لمن خلفَهُ، فيَنْبغي أن تكونَ أُمُّ القرآنِ كذلكَ، وإن كانت لا تكونُ قِراءةً لمن خلفَهُ، فقد نقَصَ من خلفَ الإمام عمّا سُنَّ من القِراءةِ للمُصلِّينَ، وحُرِمَ من ثوابِ القِراءةِ بغير أُمِّ الكتابِ، ما لا يعلمُ مَبْلغهُ إلّا الله . قال: والذي يُصلِّي خلفَ الإمام، حُكمُه في القِراءةِ حُكمُ من قَرَأ، إلّا أنَّ الله قد أشركَ بين القارئ وبينَ المُسْتمِع المُنْصتِ، فهُما شريكانِ في الأجرِ، وكذلكَ الذي يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ والمُسْتمعُ لخُطْبتهِ. قال: وكذلكَ جاء عن عُثمانَ. وقال آخرُونَ، منهم: سُفيان الثَّوريُّ، وابن عُيَينةَ، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حَيّ: لا يَقْرأ مع الإمام، لا فيما أسَرَّ، ولا فيما جهَرَ (١). وهو قولُ جابرِ بن عبدِ الله، وجماعةٍ من التّابعينَ بالعراقِ. ورُوي ذلكَ أيضًا عن زيدِ بن ثابتٍ (٢)، وعليٍّ (٣)، وسعدٍ (٤). وهؤلاء ثبتَ ذلك عنهُم من جِهةِ الإسنادِ. واحتَجَّ من ذهَبَ هذا المذهَبَ، بأنْ قال: قولُ رسُولِ الله ﷺ : "لا صلاةَ لمن لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ". خاصٌّ واقِعٌ على من صلَّى وحدهُ، أو كان إمامًا، فأمّا من صلَّى وراءَ إمام، فإنَّ قِراءةَ الإمام لهُ قراءةٌ.

стр. 3893

واسْتَدلُّوا على صِحَّة قولهم، بأنَّ الجمهُور قد أجمَعُوا على أنَّ الإمامَ إذا لم يَقْرأ، وقَرَأ (١) من خلفَهُ، لم تَنْفعهم قِراءتُهم، فدَلَّ على أنَّ قِراءةَ الإمام قراءةٌ لمن خلفَهُ (٢). ورَوَوا عن عُمرَ بن الخطّاب: أنَّهُ لم يَقْرأ في صَلاةٍ صلّاها، فأعادَ بهم الصَّلاةَ (٣). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ وابن السَّرح، قالا (٥): حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ (٦)، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، يبلُغُ به النَّبيَّ ﷺ ، قال: "لا صَلاةَ لن لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتابِ فصاعِدًا". قال سُفيانُ: لمن يُصلِّي وحدهُ. واحتجُّوا: بحديثِ جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "من كانَ لهُ إمامٌ، فقِراءةُ الإمام لهُ قِراءةٌ". وهذا حديثٌ رواهُ جابر الجُعفيُّ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ (٧)، وجابرٌ الجُعفيُّ ضعيفُ الحديثِ، مذمُومُ المذهبِ، لا يُحتجُّ بمِثلِهِ، وإن كان حافظًا (٨). وقد روى هذا الحديث أبو حنيفةَ (٩)، عن مُوسى بن أبي عائشةَ، عن

стр. 3894

عبدِ الله بن شدّادِ بن الهاد، عن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ ﷺ ، لم يسندهُ غيرُ أبي حنيفةَ، وهو سيّئُ الحِفْظِ عِندَ أهلِ الحديثِ، وقد خالفَهُ الحُفّاظُ فيه: سُفيانُ الثَّوريُّ (١)، وشُعبةُ (٢)، وابن عُيَينةَ (٣)، وجريرٌ (٤)، فرَوَوهُ عن مُوسَى بن أبي عائشةَ، عن عبدِ الله بن شَدّادٍ مُرسلًا. والصَّحيحُ (٥) فيه الإرسالُ، وليسَ ممّا يُحتَجُّ به. وقد رواه اللَّيثُ بن سعدٍ، عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حنيفةَ، عن مُوسى بن أبي عائشةَ، عن عبدِ الله بن شدّادٍ، عن أبي الوليدِ، عن جابرِ بن عبد الله (٦). فأدخَلَ بينَ عبدِ الله بن شدّادٍ وبينَ جابر: أبا الوليدِ هذا، وهو مجهُولٌ لا يُعرَفُ، وحديثُهُ هذا لا يَصِحُّ. فإن قيلَ: قد رَوَى يحيى بن سلّام، عن مالكِ بن أنَسٍ، عن وَهْبِ بن كَيْسانَ، عن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "كلُّ رَكْعةٍ لم يُقْرأَ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فلا تُصلَّى إلّا وراءَ الإمام". قال أبو عُمر: لم يَرْو هذا الحديثَ أحدٌ من رُواةِ "الموطَّأ" مرفوعًا، وإنَّما هو في "الموطَّأ" (٧) موقوفٌ على جابرٍ من قولهِ. وانفردَ يحيى بن سلّام برَفْعهِ عن مالكٍ، ولم يُتابَعْ على ذلك، والصحيحُ فيه أنَّهُ من قولِ جابرٍ.

стр. 3895

ولسنا نذكُرُ الخِلافَ في هذهِ المسألةِ بين الصحابةِ ومن بعدهُم، ولكن الحُجَّةَ عندَ التَّنازُع: الكتابُ والسُّنةُ، لا ما سِواهما. واحتجَّ أيضًا من ذهَبَ مذهَبَ الكُوفيينَ في هذا البابِ، بما حدَّثناهُ أحمدُ بن فتح بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن زكريّا النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن عبدِ الخالِقِ البزّارُ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ وعَمرُو بن عليٍّ، قالا: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن أبي (٢) إسحاقَ، عن أبيه، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ الله، قال: كانُوا يَقْرأُون خلفَ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "خَلَّطتُم عليَّ القُرآنَ". قال أبو عُمر: هذا يحتملُ أن يكونَ هذا في صَلاةِ الجَهْرِ، وهو الظّاهرُ، لأنَّهم لا يُخلِّطُونَ إلّا برَفْع أصْواتهم. فلا حُجَّةَ فيه للكُوفيينَ (٣). وكذلكَ من قال: إنَّما نهاهُم عمّا عَدا فاتحةَ الكتابِ، بعيدٌ قوله، وغيرُ ظاهرٍ معناهُ في هذا الحديث. واحتجَّ أيضًا من ذهبَ مذهَبَ الكُوفيِّينَ في تركِ القِراءة خلفَ الإمام، بما رواهُ وكيعٌ عن عليِّ بن صالح، عن ابن (٤) الأصْبَهانيِّ، عن المُختارِ بن عبد الله

стр. 3896

ابن أبي ليلى، عن أبيه (١)، عن علي، قال: من قَرَأ خلفَ الإمام، فقد أخْطَأ الفِطْرةَ (٢). قال أبو عُمر: هذا الخَبرُ لو صَحَّ، كان معناهُ: من قَرَأ مع الإمام فيما جهَرَ فيه بالقِراءةِ، فقد أخْطَأ الفِطْرةَ، لأنَّهُ حينَئذٍ خالفَ الكتابَ والسُّنَّة، فكيفَ وهو خبرٌ غيرٌ صحيح، لأنَّ المُختارَ وأباهُ مَجْهولانِ. وقد عارَضَ هذا الخبرَ عن عليٍّ ما هو أثبتُ منهُ، وهو خبرُ الزُّهري، عن عُبيد الله (٣) بن أبي رافع، عن عليٍّ، وقد ذكَرناهُ في هذا البابِ. واحتَجُّوا أيضًا بما رواه عبد الرزّاق (٤) وغيره، عن داود بن قَيْسٍ، قال: أخبرني عُمرَ بن محمدِ بن زيدِ بن عبد الله بن عُمرَ، قال: حدَّثني مُوسَى بن سَعْد (٥) بن زيد بن ثابت، أنَّ زيد بن ثابت، قال: من قَرَأ معَ الإمام، فلا صلاةَ لهُ. وهذا يحتمِلُ أن يكونَ من قرأ مع الإمام فيما جهَرَ فيه بالقِراءةِ، على أنَّهم قد أجمَعُوا أنَّهُ من قَرَأ مع الإمام على أيِّ حالٍ كانَ، فلا إعادَةَ عليه، فدَلَّ ذلكَ على فسادِ (٦) حديثِ زيدٍ هذا.

стр. 3897

ورَوَى الثَّوريُّ، عن أبي الزِّنادِ، عن زيدِ بن ثابتٍ وابن عُمرَ: أنَّهما كانا لا يَقْرآن خلفَ الإمام (١). وهذا حديثٌ مُنقطعٌ، ويحتملُ أن يكونَ (٢) فيما جهَرَ فيه، دُونَ ما أسَرَّ، وقد ذَكَرنا ذلكَ عن ابن عُمرَ أيضًا، من أصحِّ الطُّرقِ عنهُ، والحمدُ لله. وأمّا ما رُوِيَ عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، أنَّهُ قال: وَدِدتُ أنَّ الذي يَقْرأ خلفَ الإمام في فيه حَجَرٌ (٣). فمُنقطعٌ لا يصحُّ، ولا نقلَهُ ثقةٌ. وكذلكَ كلُّ ما رُوِيَ عن عليٍّ في هذا الباب، فمُنقطعٌ لا يثبُتُ، ولا يتَّصلُ، وليسَ عنه فيه حديثٌ مُتَّصلٌ غيرُ حديثِ عبدِ الله بن أبي ليلى، وهو مجهولٌ، وزعَمَ بعضُهم أنَّهُ أخُو عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ولا يصحُّ حديثهُ. ولا أعلمُ في هذا البابِ صاحبًا صَحَّ عنهُ بلا اختلافٍ، أنَّهُ قال مثلَ ما قال الكُوفيونَ، إلّا جابرَ بن عبد الله وحدَهُ، والله أعلم. ذكر عبد الرزّاق (٤)، عن داودَ بن قَيْسٍ، عن عُبيد (٥) الله بن مِقْسم، قال: سألتُ جابرَ بن عبدِ الله، أتَقْرأ خلفَ الإمام في الظُّهرِ والعصرِ؟ قال: لا. وأمّا ما رُوِيَ عن عَلْقمةَ والأسود، أنَّهما قالا: وَدِدنا أنَّ الذي يَقْرأ خلفَ الإمام، مُليء فُوه تُرابًا (٦). فهو صحيحٌ عنهما، لكنهُ يحتملُ أن يكونا أرادا في الجهرِ، دونَ السِّرِّ، فإن صَحَّ عنهما أنَّهما أرادا السِّرَّ والجهرَ، فقد خالفهُما في ذلك من هو فوقهُما ومثلهما، وعندَ الاختلافِ يجبُ الرَّدُّ إلى كتابِ الله، وسُنَّة رَسُولهِ.

стр. 3898

وقد بَيَّنا وأوضَحْنا ما صَحَّ من السُّنَّةِ، وما وردَ به الكتاب في أوَّلِ هذا البابِ، والحمدُ لله. واحتَجَّ أيضًا من ذهَبَ مذهَبَ الكُوفيِّينَ في هذا البابِ بحديثِ عِمْران بن حُصين: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بأصحابِهِ الظُّهرَ، فلمّا قَضَى صلاتَهُ قال: "أيُّكُم قَرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ " فقال بعضُ القوم: أنا يا رَسُولَ الله. قال: "قد عَرفتُ أنَّ بعضكُم خالَجَنيها". رواهُ معمرٌ، وغيرُهُ، عن قتادةَ، عن زُرارةَ بن أوْفَى، عن عِمران بن حُصين (١). قالوا: ففي هذا الحديثِ، وهو حديثٌ صحيحٌ، أنَّ القِراءة خلفَ الإمام فيما يُسِرُّ به تُكرَهُ، ولا تَجُوزُ. ومعنى قوله: "خالَجَنيها" أي: نازَعَنيها، والمُخالَجة هُنا عندهُم كالمُنازعة. فحديثُ عِمْرانَ هذا، كحديثِ ابن أُكَيمة، عن أبي هُريرةَ، ولا تكونُ المُنازَعةُ إلّا فيما جهَرَ فيه المأمُومُ وراءَ الإمام، ويَدُلكَ على ذلكَ، قولِ أبي هُريرة، وهو راوي الحديث في ذلك: اقْرَأ بها في نفسِكَ يا فارسيُّ (٢). قاله في حديثِ العَلاءِ. قال أبو عُمر: ليسَ في هذا الحديثِ دليلٌ على كَراهيةِ ذلك، لأنَّهُ لو كَرِههُ، لنَهَى عنه. وإنَّما كرِهَ رفعَ صوتَ الرَّجُلِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في صلاةٍ سُنَّتها الإسرارُ بالقِراءة. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر بن عبدِ الرَّزّاقِ، قال: حدَّثنا سُلَيمانُ بن الأشعثِ، قال (٣): حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ،

стр. 3899

ومحمدُ بن كثيرٍ العبديُّ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن زُرارةَ بن أوْفَى، عن عِمْرانَ بن حُصين: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى الظُّهر، فجاءَ رجُل فقَرَأ خلفهُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلمّا فرغَ، قال: "أيُّكُم قَرَأ؟ " قالوا: رَجُلٌ. قال: "قد عَرفتُ أنَّ بعضَكُم خالَجَنيها". قال أبو الوليدِ في حديثه: قال شُعبةُ: قلتُ لقتادَةَ: أليسَ يقولُ سعدٌ: أنْصِت للقُرآن؟ قال: ذلك إذا جهَرَ به. وقال ابن كئيرٍ في حديثه: قال شُعبةُ: قلتُ لقتادَةَ: كأنَّهُ كرِهَهُ؟ قال: لو كَرِهَهُ، نَهَى عنهُ. قال أبو عُمر: في قولِ رسُولِ الله ﷺ في حديثِ ابن شِهاب، عن ابن أُكَيْمةَ، عن أبي هُريرةَ: "ما لي أُنازَعُ القُرآن" دليلٌ على أنَّ القِراءةَ خلفَ الإمام إذا أسرَّ الإمامُ في صلاتِهِ بالقِراءةِ جائزةٌ، لأنَّ المُنازَعةَ في القُرآنِ، إنَّما تَكُونُ مع الجَهْرِ، لا مع السِّرِّ. وقد اختلَفَ العُلماءُ في حُكم القِراءةِ خلفَ الإمام فيما يُسِرُّ فيهِ (١) بالقِراءةِ، فكَرِهها الكُوفيُّونَ. وإلى ذلك ذهَبَ الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابَهُ، والحسنُ بن حيٍّ، وابن أبي ليلى، وابن شُبرُمةَ. وهو قولُ إبراهيمَ النَّخعيِّ (٢)، وغير من الكُوفيِّينَ، وحُجَّتهُم ما ذكرنا. وقال سائرُ فُقهاء الحِجازِ والعراقِ والشّام، منهم: مالكٌ، والأوزاعيُّ، والشّافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، والطَّبريُّ، وغيرهم: يقرأُ مع

стр. 3900

الإمام في كلِّ ما يُسِرُّ فيهِ (١). وحُجَّتهم ما قَدَّمنا ذكرهُ في هذا البابِ. ثمَّ اختلَفَ هؤلاءِ في وجُوبِ القراءةِ ههنا إذا أسَرَّ الإمامُ، فذهَبَ أكثرُ أصحابِ مالكٍ، إلى أنَّ القِراءة عندهُم خلفَ الإمام فيما أسَرَّ به الإمامُ سُنَّةً، ولا شيءَ على من تَرَكها، إلّا أنَّهُ قد أساءَ (٢). وكذلك قال أبو جعفرٍ الطَّبريُّ، قال: القِراءةُ فيما أسَرَّ فيه الإمامُ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، ولا تفسُدُ صلاة من تَرَكها، وقد أساءَ. ذكر ابن خُوَيْزمَنْداد (٣): أنَّ القِراءة عند أصحابِ مالك خلفَ الإمام، فيما أسَرَّ فيه بالقراءةِ مُسْتحَبَّةٌ غيرُ واجبةِ. وكذلك قال الأبهريُّ، وإليهِ أشارَ إسماعيلُ بن إسحاقَ (٤). وذكَرَ إسماعيلُ قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزَةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن أُسامةَ بن زيد، قال: سألتُ القاسمَ بن محمد عن القِراءةِ خلفَ الإمام فيما لم يجهَرْ فيه، فقال: إن قرأتَ، فلكَ في رجالٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ أُسْوةٌ، وإن لم تَقْرأ فلكَ في رجالٍ من أصحابِ رَسُولِ الله ﷺ أُسْوَةٌ (٥). قال: وحدَّثنا عبد الله بن مَسْلمة، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلال، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بن محمد، يقولُ: إنِّي أُحبُّ أن أشغَلَ نَفْسي بالقِراءةِ فيما لا يجهَرُ به الإمامُ عن حديثِ النَّفسِ في الظُّهرِ، والعصرِ، والثّالثةِ من المغربِ، والأُخْريينِ من العَتَمةِ (٦).

стр. 3901

وقال الشّافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأحمدُ، وإسحاقَ، وداودُ: القِراءةُ فيما أسَرَّ فيه الإمامُ واجبةٌ، ولا صَلاةَ لمن لم يَقْرأ في كلِّ رَكْعةٍ منها بفاتحةِ الكتابِ، أقَلُّ شيءٍ إذا أسَرَّ الإمامُ بالقِراءةِ، لأنَّ الإنْصاتَ إنَّما يكونُ عندَ الجهرِ بالقراءةِ، لقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ولقول رسُولِ الله ﷺ : "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ". وقد ارْتَفعَتْ هذهِ العِلَّةُ في صلاةِ السرِّ، فوجَبَ على كلِّ مُصلٍّ أن يَقْرأ لنفسهِ في صلاتِهِ، ولا ينُوبُ عندَ واحدٍ منهم قِراءةُ الإمام، عن قراءةِ المأمُوم، ولا تُجزئهُ، كما لا ينُوبُ، ولا يُجْزئُ عنهُ عندهُم إحرامُهُ، ورُكُوعُه، وسُجُوده، عن إحرام المأمُوم، ورُكُوعهِ وسجُودهِ. وقد تقدَّمَ في هذا الباب الحُجَّة لهم، فأغْنَى عن إعادتها ههنا. قال أبو عُمر: للشّافعيِّ في القراءةِ خلفَ الإمام ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أن يقرأُ مع الإمام فيما أسَرَّ وفيما جهَرَ. والثّاني: يقرأُ معهُ فيما جهَرَ بأُمِّ القُرآنِ فقط، ويتبعُ سَكَتات الإمام قبلَ وبعدَ. والثّالثُ: لا يقرأُ معهُ فيما جهَرَ، ويقرأُ معهُ فيما أسَرَّ (١). وذكرَ ابن خُوَيْزمَنْداد قولًا رابعًا مثلَ قولِ أبي حنيفةَ: لا يقرأُ مع الإمام فيما أسَرَّ، ولا فيما جهَرَ. وهذا القولُ الرّابع عِندَ أصحابهِ غير مَشْهُورٍ، وأصحابهُ اليومَ لا يذكرُونَ في المسألةِ إلّا قولينِ، أحدُهُما: لا بُدَّ للمأمُوم من قراءةِ أُمِّ القُرآن على كلِّ حالٍ، فيما أسَرَّ، وفيما جهَرَ. والثّاني: يقرأُ معهُ فيما أسَرَّ، ولا يقرأُ معهُ فيما جهَرَ. وهذا هو القولُ عندنا، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 3902

ابن شِهاب، عن ابن كعبِ بن مالكٍ الأنصاريِّ حديثانِ، أحدُهُما مُرسلٌ، وقد قيل: إنَّهُما جميعًا مُرسلانِ قال محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ: سمِعتُ أحمدُ بن حَنْبل يقولُ: وَلَدُ كعب بن مالك: عبدُ الرَّحمنِ (١)، وعبدُ الله (٢)، وعُبيدُ الله (٣)، وفَضالةُ، ووَهْبٌ، ومَعْبدٌ (٤). قال محمدُ بن يحيى: وسمِعتُ عليَّ بن المدينيِّ يقولُ: هُم خَمْسةٌ: عُبيدُ الله بن كعبٍ، ومَعْبدُ بن كعبٍ، وعبدُ الرَّحمنِ بن كعبٍ، ومحمدُ بن كعبٍ، وعبدُ الله بن كعب. قال محمدُ بن يحيى: فسمِعَ الزُّهْريُّ من عبدِ الله بن كعبٍ، وكان قائدَ أبيه حينَ عَمِيَ، وسمِعَ من عبدِ الرَّحمنِ بن كعبٍ، وسمِعَ من عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ قائدِ كعبٍ، وروى عن بشيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبٍ، ولا أراهُ سمِع منهُ.
следующие страницы →