← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5018–5057 · переход к 5023.

стр. 5018

قال مَعْمرٌ: أخبرنا عبدُ الكريم الجَزَريُّ، أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ كتبَ إلى عديِّ بن أرطاةَ: إذا جاءَكَ أهلُ الكِتابِ فاحكُم بينهُم بما في كِتابِ الله (١). وذكَرَ سُنَيدٌ، عن هُشيم، عن العوّام، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، في قولِهِ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ قال: بالرَّجم (٢). قال أبو عُمر: حُكْمُ رسُولِ الله ﷺ بما في التَّوراةِ (٣) خُصُوصٌ لهُ، والله أعلمُ، بدليلِ قولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، ولِقولِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. ولأنّا لا نعلَمُ من ذلكَ ما عَلِمهُ رسُولُ الله ﷺ . ويحتمِلُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ إنَّما حَكَم في اليهُوديَّينِ بحُكم الله تعالى في شَريعتِهِ، وكان ذلك مُوافِقًا لِما في التَّوراةِ، والحمدُ لله (٤).

стр. 5019

حديثٌ خامِسُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من شرِبَ الخمرَ في الدُّنيا، فلم يَتُبْ منها، حُرِمَها في الآخِرةِ". في هذا الحديثِ دليلٌ على تحريم الخَمْرِ، وعلى أنَّ شُرْبَها من الكبائرِ؛ لأنَّ هذا وَعيدٌ شَديدٌ يدُلُّ على حِرْمانِ دُخُولِ الجنَّةِ، لأنَّ اللهَ أخبَرَ أنَّ الجنّةَ فيها أنهارٌ من خَمْرٍ لذَّةٍ للشّارِبينَ (٢) ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]. والظّاهِرُ أنَّ من دخلَ الجنّةَ لا بُدَّ لهُ من شُربِ خَمْرِها، ولا يخلُو من حُرِمَ الخمرَ في الجنَّةِ، ولم يَشْرَبْها فيها، وهُو قد دخَلَها، مِنْ أن يكونَ يَعلَمُ أنَّ فيها خمرًا لذَّةً للشّارِبينَ، وأنَّهُ حُرِمَها عُقُوبةً، أو لا يكونَ يَعلَمُ بها، فإن يَكُن لا يعلمُ بها، فليسَ في هذا شيءٌ مِنَ الوَعيدِ؛ لأنَّهُ إذا لم يعلَمْ بها، ولم يَذْكُرها، ولا رآها، لم يجِدْ ألمَ فَقْدِها، فأيُّ عُقُوبةٍ في هذا؟ وَيسْتحيلُ أن يُخاطِبَ اللهُ ورسُولُهُ بما لا معنى لهُ. وإن يَكُن عالِمًا بها، وبمَوْضِعِها، ثُمَّ يُحرَمُها عُقُوبةً لشُربِهِ لها في الدُّنيا إذ لم يَتُبْ منها قبلَ الموتِ، وعلى هذا جاءَ الحديثُ، فإن كان هذا هكذا، فقد لحِقَهُ حِينَئذٍ حُزْنٌ وهَمٌّ (٣) وغمٌّ لِما حُرِمَ من شُربِها (٤)، ويرَى غيرَهُ يشرَبُها، والجنَّةُ دارٌ لا حُزنَ فيها ولا غمَّ، قال اللهُ : ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]، وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١].

стр. 5020

ولهذا والله أعلمُ، قال بعضُ من تقدَّمَ: إنَّ من شرِبَ الخمرَ، ولم يتُبْ منها، لم يدخُلِ الجنّةَ، لهذا الحديثِ ومِثلِهِ. وهذا مذهبٌ غيرُ مَرْضيٍّ عندَنا، إذا كان على القَطْع في إنفاذِ الوَعيدِ، ومحمَلُهُ عندَنا: أنَّهُ لا يدخُلُ الجنّةَ إلّا أن يُغفرَ لهُ إذا ماتَ غيرَ تائبٍ عنها كسائرِ الكَبائرِ. وكذلكَ قولُهُ: "لم يَشْرَبها في الآخِرةِ" معناهُ عندَنا: إلّا أن يُغفرَ لهُ، فيدخُلَ الجنّةَ، ويَشْربَها، وهُو عندَنا في مَشيئَةِ الله، إن شاءَ غفرَ لهُ، وإن شاءَ عذَّبهُ بذنبِهِ، فإن عذَّبهُ بذَنبِهِ، ثُمَّ أدخَلهُ (١) الجنّةَ برَحمتِهِ، لم يُحرَمْها إن شاءَ الله تعالى، ومن غُفِرَ لهُ، فهُو أحْرَى أن لا يُحرَمَها، واللهُ أعلمُ. وعلى هذا التَّأويلِ يكونُ معنى قولِهِ ﷺ : "حُرِمَها في الآخِرةِ". أي: جَزاؤُهُ وعُقُوبتُهُ أن يُحرَمَها في الآخِرةِ، ولله أن يُجازيَ عبدَهُ المُذنِبَ على ذَنْبِهِ، ولهُ أن يعفُوَ عنهُ، فهُو أهلُ العفوِ، وأهلُ المَغْفِرةِ، لا يغفِرُ أن يُشرَكَ به، ويغفِرُ ما دُونَ ذلك لمن يشاءُ (٢)، وهذا الذي عليه عَقْدُ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ اللهَ يغفِرُ لمن يشاءُ، ما خَلا الشِّركَ، ولا يُنفِّذُ الوَعيدَ على أحَدٍ من أهلِ القِبْلةِ، وبالله التَّوفيقُ. وجائزٌ أن يدخُلَ الجنّةَ إذا غفَرَ اللهُ لهُ، فلا يَشْربُ فيها خمرًا ولا يذكُرُها ولا يَراها، ولا تَشْتهيها نفسُهُ، والله أعلمُ. وقد رُوِيَ عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ: من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، ودخَلَ الجنّةَ، لم يلبَسْهُ هُو فيها من بين سائرِ أهْلِها. هذا، أو معناهُ (٣) رُوي عنهُ.

стр. 5021

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا مُسلِمٌ، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن داودَ السَّرّاج، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، لم يَلْبَسْهُ في الآخِرةِ، وإن دخَلَ الجنّةَ لَبِسَهُ أهلُ الجنَّةِ، ولم يَلْبَسْهُ هُو" (١). ورواهُ أبو داود الطَّيالِسيُّ (٢)، عن هشام، بإسنادِهِ مرفُوعًا. ورواهُ شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن داودَ، عن أبي سَعيدٍ، مِثلَهُ موقُوفًا (٣). وقد رَوَى جماعةٌ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، لم يَلْبَسْهُ في الآخِرةِ" (٤).

стр. 5022

ورُوي عن ابن الزُّبيرِ، أنَّهُ قال: من لم يَلْبَسْهُ في الآخِرةِ، لم يدخُلِ الجنّةَ؛ لأنَّ اللهَ قال في كِتابِه: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. وهذا عِندي على نَحْوِ المعنى الذي نَزَعنا عنه (١) في شارِبِ الخَمْرِ، والله أعلمُ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن مَرْوان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن سُلَيمان الحَرِيريُّ، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع العَتكيُّ الزَّهرانيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "كلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ، وكلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ، ومن شرِبَ الخمرَ في الدُّنيا فماتَ ولم يَتُبْ منها: لم يَشْربْها في الآخِرة" (٢). قال البغويُّ: كتَب هذا الحديثَ أحمدُ بن حَنْبل، عن أبي الرَّبيع الزَّهرانيِّ. قال أبو عُمر: روى مالكٌ (٣)، وابنُ جُرَيج هذا الحديثَ كلَّهُ عن نافع، بعضَهُ

стр. 5023

مُسندًا، وبعضَهُ من قولِ ابن عُمر. وهُو كلُّهُ مُسندٌ صحيحٌ، وقد مَضَى القولُ فيه عندَ ذِكْرِ تحريم المُسْكِرِ، في بابِ إسحاق بن أبي طَلْحةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله. وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ شارِبَ الخَمْرِ ما لم يَتُبْ منها، فاسِقٌ مردُودُ الشَّهادةِ. وذكَرَ الأثرمُ، قال: قلتُ لأحمدَ بن حَنْبل: لي جارٌ يَشْربُ الخمرَ، أأُسلِّمُ عليه؟ فسكتَ، ثُمَّ قال: سلِّمْ عليه، ولا تُجالِسهُ. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عَمرٍو، عن يحيى بن جَعْدةَ، قال: قال عُثمانُ بن عفّان: إيّاكُم والخمرَ، فإنَّها مِفتاحُ كلِّ شرٍّ، أُتي رجُلٌ فقيلَ لهُ: إمّا أن تحرِقَ هذا الكِتابَ، وإمّا أن تقتُلَ هذا الصَّبيَّ، وإمّا أن تقَعَ على هذه المرأةِ، وإمّا أن تشرَبَ هذا الكأسَ، وإمّا أن تسجُدَ لهذا الصَّليبِ. قال: فلم يرَ فيها شيئًا أهونَ من شُربِ الكأسِ، فلمّا شرَبها سجَدَ للصَّليبِ، وقتلَ الصَّبيَّ، ووقَعَ على المرأةِ، وحرقَ الكِتابَ (١). وأمّا التَّوبةُ مِنَ الخمرِ، وغيرِها من كبائرِ الذُّنُوبِ، فمبسُوطةٌ للمُؤمِنِ، ما لم تحضُرْهُ الوَفاةُ ويُعاينِ الموتَ ويُغَرْغِر، فإذا بلغَ هذه الحالَ، فلا توبةَ لهُ إن تابَ حينَئذٍ، وتوبتُهُ مَرْدُودةٌ عليه، قال اللهُ : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ يعني: المُسلِمين. ثُمَّ قال: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الآيةَ [النساء: ١٨] يعني: جماعةَ الكافِرينَ. وهذه الآيةُ تفسيرُ قولِهُ : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] يُريدُ: قبلَ حُضُورِ الموتِ، على ما وصَفْنا.

стр. 5024

وهذا ما لا خِلافَ فيه بين العُلماءِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد نصَّ عليه في كِتابِهِ للمُذنِبينَ مِنَ المُسلِمينَ، وللكُفّارِ أيضًا. وقال ابنُ عبّاسٍ، ومجُاهِدٌ، والضَّحاكُ، وقتادةُ، وغيرُهُم في قولِ الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قالوا: كلُّ ما عُصِيَ اللهُ به، فهُو جَهالةٌ، ومن عمِلَ السُّوءَ وعَصىَ الله، فهُو جاهِلٌ ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] قالوا: ما دُونَ الموتِ، فهُو قَرِيبٌ (١). وهذا أيضًا إجماعٌ في تأويلِ هذه الآيةِ، فقِفْ عليه. ذكَرَ وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن يَعْلَى بن النُّعمانِ، عن ابن عُمرَ، قال: التَّوبةُ مبسُوطةٌ ما لم يَسُقِ العَبْدُ. يقولُ: يَقَعْ في السَّوْق (٢). ولقد أحسنَ محمودٌ الورّاقُ ﵀ حيثُ قال (٣): قدِّمْ لِنفسِكَ تَوْبةً مرجُوَّةً ... قبلَ المماتِ وقبلَ حَبْسِ (٤) الألسُنِ بادِرْ بها (٥) عُلَقَ (٦) النُّفُوسِ فإنَّها ... ذُخْرٌ وغُنْمٌ للمُنيبِ المُحسِنِ قال أبو عُمر: التَّوبةُ أن يترُكَ ذلك العملَ القبيحَ بالنِّيَّةِ والفِعْلِ، ويَعْتَقِدَ أن لا يَعُودَ إليه أبدًا، وَينْدمَ على ما كان منهُ، فهذه التَّوبةُ النَّصُوحُ المقبُولةُ إن شاءَ اللهُ عندَ جماعةِ العُلماءِ، واللهُ بفضلِهِ يُوفِّقُ ويعصِمُ من يَشاءُ، لا شَريكَ له (٧).

стр. 5025

حديثٌ سادِسُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا لاعَنَ امرأتَهُ في زَمَنِ رسُولِ الله ﷺ ، وانتفَلَ مِنْ ولَدِها، ففرَّقَ رسُولُ الله ﷺ بينهُما، وألحَقَ الولدَ بالمرأةِ. هكذا قال: وانتفَلَ مِنْ ولدِها، وأكثرُهُم يقولُون: وانتَفَى مِنْ ولدِها. والمعنى واحدٌ، ورُبَّما لم يذكُر بعضُهُم فيه: انتَفَى، ولا: انتفَلَ، واقتصرَ على الفُرْقةِ بين المُتلاعِنَيْنِ، وإلحاقِ الولدِ بأُمِّهِ، فهذا أعظمُ (٢) فائدةِ حديثِ ابن عُمرَ هذا. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ (٣) بن إسحاق الرّازيُّ وأبو أحمد الحُسينُ بن جَعْفرٍ الزَّيّاتُ، قالا: حدَّثنا يوسُفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصُور، قال (٤): حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرَّقَ رسُولُ الله ﷺ بينَ المُتلاعِنَيْنِ، وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ. وقد قال قومٌ (٥) في هذا الحديثِ عن مالكٍ: إنَّ الرَّجُلَ قذَفَ امرأتَهُ. وليسَ هذا في "المُوطَّأ" ولا يُعرَفُ من مذهبِهِ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن أحمد القاضي، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن راشِدٍ، قال: حدَّثنا عاصِمُ (٦) بنُ مِهْجَع (٧)

стр. 5026

خالُ مُسدَّدٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا انتَفَى من ولدِهِ، وقذَفَ امرأتَهُ، فلاعَنَ رسُولُ الله ﷺ بينهُما، وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله القاضي، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا جدِّي، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي زائدةَ والحَسَنُ بن سوّارٍ، قالا: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا انتَفَى من وَلدِهِ، وقذَفَ امرأتهُ، فلاعنَ رسُولُ الله ﷺ بينهُما، وألحَقَ الولدَ بأُمِّه (١). وأمّا قولُهُ: ففرَّقَ رسُولُ الله ﷺ بينهُما، فهُو عندِي محفُوظٌ من حديثِ ابن عُمرَ، صحيحٌ. وقال ابنُ عُيينةَ: عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سَعْدٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ فرَّقَ بينَ المُتلاعِنَيْنِ. وأنكرُوهُ على ابن عُيَينةَ في حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْل، وقد ذكَرْتُ (٢) ذلكَ في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، من كِتابِنا هذا. وقد كان ابنُ مَعِينٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثنا به عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: سُئلَ يحيى بن مَعينٍ، عن حديثِ ابن عُيينةَ: أنَّ (٣) النَّبيَّ ﷺ فرَّقَ بينهُما. فقال: أخطأ، ليسَ النَّبيُّ ﷺ فرَّقَ بينهُما. هكذا ذكرهُ ابنُ أبي خَيْثَمَةَ في "التّاريخ" (٤) عن ابن مَعينٍ. فإن صحَّ هذا، ولم يكُن فيه وهمٌ، فالوجهُ فيه، أن يُحمَلَ كلامُ ابن مَعينٍ على أنْ ليسَ النَّبيُّ ﷺ فرَّقَ بينهُما من حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ. وأمّا ظاهِرُ كلام ابن مَعينٍ، فإنَّهُ يُوجِبُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُفرِّقْ بينَ

стр. 5027

المُتلاعِنَيْنِ، وهذا خطأٌ من ابن مَعينٍ، إن كان أرادَهُ؛ لأنَّهُ قد صَحَّ عن ابن عُمرَ من حديثِ مالكٍ، وغيرِه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ. وقد يحتمِلُ أن يكونَ أرادَ بقولِهِ: ليسَ النَّبيُّ ﷺ فرَّقَ بينهُما، أي: أنَّ اللِّعانَ فرَّقَ بينهُما. فإن كان أراد هذا، فهُو مَذْهبُ مالكٍ وأكثرِ أهلِ العِلم، وقد ذكَرْنا هذا المعنى في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ من كِتابِنا هذا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُعلّى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، سمِعَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ يقولُ: شهِدتُ النَّبيَّ ﷺ ، وكُنتُ ابنَ خمسَ عَشْرةَ سنةً، فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْن (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ ووَهْبُ بن بَيانٍ وأحمدُ بن عَمرِو بن السَّرح وعَمرُو بن عُثمانَ، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال مُسدَّدٌ: قال: شهِدتُ المُتلاعِنَيْنِ على عَهدِ رسولِ الله ﷺ وأنا ابنُ خمسَ عَشْرةَ سنةً، ففرَّق بينهُما رسُولُ الله ﷺ . وقال الآخرُونَ (٣): إنَّهُ شهِدَ النَّبيَّ ﷺ فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ، فقال الرَّجُلُ: كَذَبتُ عليها يا رسولَ الله إن أمسكتُها. وبعضُهُم لم يَقُل: عليها. قال أبو داودَ: ولم يُتابِعْ أحدٌ ابنَ عُيَينةَ على قولِهِ: إنَّهُ فرَّق بين المُتلاعِنَيْنِ.

стр. 5028

قال أبو عُمر: معنى قولِ أبي داود هذا عِندِي: أنَّهُ لم يُتابِعْهُ أحَدٌ على ذلك: في حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ؛ لأنَّ ذلكَ محفُوظٌ في حديثِ ابن عُمرَ من وُجُوهٍ ثابتةٍ، وأظُنُّ ابنَ عُيَينةَ اختلطَ عليه لفظُ حَديثِهِ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، بلفظِ حديثهِ عن عَمرِو بن دينارٍ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عُمر. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٢): حدَّثنا إسماعيلُ، يعني: ابنَ عُليَّةَ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قلتُ لابن عُمرَ: رَجُلٌ قذفَ امرأتهُ؟ فقال: فرَّقَ رسُولُ الله ﷺ بين أخَوَيْ بني العَجْلانِ، وقال: "اللهُ يعلَمُ أنَّ أحدَكُما كاذِبٌ، فهل مِنْكُما تائبٌ؟ " يُردِّدُها ثلاثَ مرّاتٍ، فأبَيا، ففرَّقَ بينهُما. قال (٣): وحدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٤): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، قال: سمِعَ عَمرٌو سعيدَ بنَ جُبَيرٍ سمِعَ ابنَ عُمرَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ للمُتلاعِنَيْنِ: "حِسابُكُما على الله، أحدُكُما كاذِبٌ، لا سبيلَ لكَ عليها"، فقال: يا رسُولَ الله، مالي، قال: "لا مالَ لكَ، إن كُنتَ صَدَقتَ عليها، فهُو بما اسْتَحلَلتهُ من فَرْجِها، وإن كُنتَ كذَبتَ عليها، فهُو أبعدُ لكَ".

стр. 5029

وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُعلّى، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابنُ أبي سُليمانَ، يعني: عبدَ الملِكِ، عن سَعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قلتُ لابن عُمرَ: أرأيتَ المُتلاعِنَيْنِ، أيُفرَّقُ بينَهُما؟ فقال: سُبحانَ الله! نعَمْ، كان أوَّلَ من سألَ عن هذا فُلانٌ، فسكتَ عنهُ النَّبيُّ ﷺ ، ثُمَّ جاءَ فقال: أرأيتكَ الذي سَألتَ عنهُ، فقدِ ابتُليتُ به؟ فنَزَلت عليه الآياتُ في سُورةِ النُّورِ، فتَلاها عليه ووعَظهُ، وذكَّرهُ، وأخبَرهُ أنَّ عذابَ الدُّنيا أهونُ من عذابِ الآخِرةِ، فقال: والذي بعثَكَ بالحقِّ ما كذَبتُ، ثُمَّ دَعا المرأةَ، فقال لها مِثلَ ذلكَ، فقالت: والذي بعثَكَ بالحقِّ إنَّهُ لَكاذِبٌ. فبَدَأ بالرَّجُل، فشَهِدَ أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّهُ لمِنَ الصّادِقينَ، والخامِسةَ: أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذِبينَ. ثُمَّ دَعا بالمرأةِ، فشَهِدت أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّهُ لمِن الكاذِبينَ، والخامِسةَ: أنَّ غضَبَ الله عليها إن كان من الصّادِقينَ. ثُمَّ فرَّقَ بينهُما (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسى بن يونُسَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملِكِ بن أبي سُليمانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بن جُبيرٍ يقولُ: سُئلتُ عن المُتلاعِنَيْنِ زمنَ مُصعبِ بن الزُّبيرِ، فلم أدْرِ ما أقُولُ، وأتيتُ ابن عُمرَ، فقلتُ: أرأيتَ المُتلاعِنَيْنِ، أيُفرَّقُ بينهُما؟ فذكَرَ مِثلَهُ سواءً إلى آخِرِه (٢).

стр. 5030

فهذا عن ابن عُمرَ من وُجُوهٍ صِحاح: أنَّ رسُولَ الله ﷺ فرَّقَ بينَ المُتلاعِنَيْنِ. كما رَوَى مالكٌ، وهذا يدُلُّك على أنَّهُ إنَّما أنكَرَ على ابن عُيينةَ ذلكَ في حديثِ سَهْلِ بن سَعْدٍ عندي، والله أعلمُ. وقد زعَمَ قومٌ أنَّ مالكًا أيضًا انفردَ في حديثهِ هذا، بقولِهِ فيه: وألْحَقَ الولدَ بالمرأةِ، أو: ألْحَقَ الولدَ بأُمِّهِ. قالوا: وهذا لا يقولُهُ أحدٌ غيرُ مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ. قال أبو عُمر: حديثُ نافع، عن ابن عُمرَ، في هذا البابِ، رواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لاعَنَ بين رَجُلٍ وامرأتِهِ، وفرَّقَ بينَهُما (١). وهكذا رواهُ كلُّ من رَواهُ عن نافع، ذكَرُوا فيه اللِّعانَ والفُرقةَ، ولم يذكُرُوا أنَّ رسُولَ الله ﷺ ألحقَ الولدَ بالمرأةِ، وقالهُ مالكٌ عن نافع، كما رأيتَ، وحسبُك بمالكٍ حِفظًا وإتقانًا، وقد قال جماعةٌ من أئمَّةِ أهلِ الحديثِ: إنَّ مالكًا أثبتُ في نافع وابن شِهابٍ من غيرِهِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذان، قال: حدَّثنا مُعلّى، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لاعَنَ بين رجُلٍ وامرأتِهِ، انتَفَى من ولَدِها، ففرَّقَ رسُولُ الله ﷺ بينَهُما، وألحقَ الولَدَ بأُمِّهِ. هكذا قال: بأُمِّهِ. وفي "المُوطَّأ": وألحقَ الولدَ بالمرأةِ. وذلك كلُّهُ سواءٌ. وهذه اللَّفظةُ: وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ، أو: بالمرأةِ، التي زعَمُوا أنَّ مالكًا انفردَ بها، وهي محفُوظةٌ أيضًا من وُجُوهٍ، منها: أنَّ ابنَ وَهْبٍ ذَكَر في "مُوطَّئهِ"، قال:

стр. 5031

أخبرني يونُسُ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ السّاعِديِّ، قال: حَضَرتُ لِعانَهُما عندَ رسولِ الله ﷺ وأنا ابنُ خمسَ عشْرةَ سنةً. وساقَ الحديث، قال: وفيه: ثُمَّ خَرَجَتْ حامِلًا، فكان الولَدُ لأُمِّهِ (١). وذكَرَه الفِرْيابيُّ، عن الأوْزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن سَهْلِ بن سعدٍ السّاعِديِّ في هذا الخبرِ، خبَر المُتلاعِنَيْنِ، وقال فيه: فكان يُدْعَى (٢) الولدُ لأُمِّه (٣). وذكَرَ أبو داود (٤) الحديثين جميعًا، ذكَرَ حديثَ ابن وَهْبٍ: عن أحمدَ بن صالح، عن ابن وَهْب. وذكَرَ حديث الفِريابيِّ: عن محمودِ بن خالدٍ، عن الفِريابيِّ. وحسبُكَ بحديثِ مالكٍ في ذلكَ، ومالكٌ مالكٌ في إتقانِهِ وحِفظِهِ وتَوقِّيهِ وانتِقادِه (٥) لِما يَرْويهِ. فإن قيلَ: ما معنى قولِهِ: وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ، ومعلُومٌ أنَّهُ قد لحِقَ بأُمِّهِ، وأنَّها على كلِّ حالٍ (٦) أُمُّهُ؟ قيل لهُ: المعنى أنَّهُ ألحقَهُ بأُمِّهِ دُونَ أبيهِ، ونفاهُ عن أبيهِ بلِعانِهِ، وصَيَّرهُ إلى أُمِّهِ وحدَها، ولهذا ما اختلَفَ العُلماءُ في ميراثِهِ، فجعَلَ بعضُهُم عصَبَتَهُ عَصَبةَ أُمِّهِ، وجعَلَ بعضُهُم أُمَّهُ عصَبتَهُ، وسنذكُرُ اختِلافَهُم في ذلك، في آخِرِ هذا البابِ إن شاءَ الله. وأمّا تفريقُ رسُولِ الله ﷺ بين المُتلاعِنينِ فذلك عندَنا إعلامٌ منهُ ﷺ أنَّ التَّلاعُنَ يُوجِبُ الفُرْقةَ والتَّباعُدَ، فأعلَمَهُما بذلكَ وفرَّقَ بينهُما، وقال: "لا سَبِيلَ

стр. 5032

لكَ عليها" (١). وهذا على الإطلاقِ على ما قد بيَّنّا فيما سلَفَ من كِتابِنا، في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، وقال لهما رسُولُ الله ﷺ : "اللهُ يَعْلمُ أنَّ أحدَكُما كاذِبٌ، فهل مِنكُما تائبٌ؟ ". وأخبَرَ أنَّ الخامِسةَ مُوجِبةٌ، يعني: أنَّها تُوجِبُ لَعْنةَ الله وغَضبَهُ، فلمّا جهِلَ الملعُونُ منهُما، وصحَّ أنَّ أحدَهُما قد لحِقَتهُ لَعْنةُ الله وغضَبُهُ فرَّقَ، والله أعلمُ بينهُما، لئلّا يجتمِعَ رجُلٌ ملعُونٌ وامرأةٌ غيرُ ملعُونةٍ. ولَسْنا نعرِفُ أنَّ المرأةَ أُفرِدَت باللَّعنةِ، فنَقِيسَها على اليهُوديَّةِ الجائزِ نِكاحُها، ولا بأسَ أن يكونَ الأسفلُ ملعُونًا، كما أنَّهُ لا بأسَ أن يكونَ كافِرًا. ولا سَبيلَ إلى مَعْرِفةِ مَن حقَّت عليه اللَّعنةُ منهُما، فمِنْ ها هُنا وَقَعتِ الفُرْقةُ، ولو أيقنّا أنَّ اللَّعنَةَ حقَّت على المرأةِ بكذِبِها، لم نُفرِّقْ بينَهُما. هذا جُملةُ ما اعتلَّ به بعضُ أصحابِنا، وفي ذلكَ نَظَرٌ، والتَّلاعُنُ يَقْتضي التَّباعُدَ، وعليه جُمهُورُ السَّلفِ. وفي قولِهِ ﷺ : "لا سبيلَ لك عليها" كِفايةٌ ودلالةٌ صَحِيحةٌ على أنَّ اللِّعانَ هُو المُوجِبُ للفُرقةِ بينهُما، وأنَّ الحاكِمَ إنَّما يُنفِّذُ الواجِبَ في ذلكَ من حُكم الله تعالى ذِكرُهُ. ولم يكُن تَفْريقُ النَّبيِّ ﷺ بين المُتلاعِنَيْنِ بعدَ اللِّعانِ اسْتِئنافَ حُكم، وإنَّما كان تنفيذًا لِما أوجَبهُ اللهُ تعالى باللِّعانِ بينَهُما، فالواجِبُ على سائرِ الحُكّام تنفيذُ الحُكْم بذلكَ، والتَّفريقُ بينهُما، فإن فَعلَ، فقد فَعلَ ما يجِبُ، وإن تَركَ كان الحُكْمُ بالفُرقَةِ بينهُما نافِذًا على حسَبِ ما ذكَرْنا. واحتجَّ أصحابُ أبي حَنِيفةَ لقولِهِ: إذا الْتَعنا فرَّقَ الحاكِمُ بينهُما (٢)، بما

стр. 5033

رُويَ عن رسُولِ الله ﷺ : أنَّهُ فرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ. قالوا: فدَلَّ على أنَّهُ الفاعِلُ للفُرْقةِ. قالوا: وهي فُرْقةٌ تَفْتقِرُ إلى حُضُورِ الحاكِم، فوجبَ أن تَفْتَقِرَ (١) إلى تَفْريقِهِ، قياسًا على فُرْقةِ العِنِّين (٢). ومن حُجَّةِ مالكٍ، ومن قال بقولِهِ: أنَّ التَّفاسُخَ في التَّبايُع لمّا وقَعَ بتمام التَّحالُفِ، فكذلكَ اللِّعانُ. وأمّا الشّافِعيُّ (٣)، فإنَّ الفُرقةَ تقعُ عندَهُ بالْتِعانِ الزَّوج وحدَهُ؛ لأنَّهُ لمّا دفعَ لِعانُهُ الولدَ والحدَّ، وجبَ أن يدفعَ الفِراشَ، لأنَّ لِعانَ المرأةِ لا مدخَلَ لهُ في ذلك، وإنَّما هُو لنَفْيِ الحدِّ عنها لا غيرُ. وذهَبَ عُثمانُ البتِّيُّ: أنَّ الفُرْقةَ تَقَعُ بالطَّلاقِ بعدَ اللِّعانِ؛ لأنَّ العَجْلانيَّ طلَّقها ثلاثًا بعد اللِّعانِ (٤). وقد مَضَى القولُ أيضًا في حُكْم فُرْقةِ المُتلاعِنَيْنِ، وهل يحتاجُ الحاكِمُ إلى أن يُفرِّقَ بينهُما بعدَ اللِّعانِ أم لا؟ وما في ذلكَ للعُلماءِ من التَّنازُع، ووجهُ الصَّوابِ فيه عندَنا، عندَ ذِكْرِ حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، في كِتابِنا هذا، وذكَرْنا (٥) هُناك أيضًا أحكامًا صالحةً من أحْكام اللِّعانِ، لا معنَى لإعادتِها ها هُنا، ونَذكُرُ ها هُنا حُكم الحَمْل والولَدِ، وما ضارَعَ ذلك بعونِ الله لا شريكَ لهُ. فأمّا قولُهُ في حَديثِنا هذا: وانْتَفَى من ولَدِها، فإنَّهُ يحتمِلُ أن يكونَ انتَفَى منهُ وهُو حَمْلٌ ظاهِرٌ، ويحتمِلُ أن يكون انتَفَى منهُ بعدَ أن وُلِدَ (٦).

стр. 5034

وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في المُلاعَنةِ على الحمل (١)، فقال منهُم قائلُونَ: لا سبيلَ إلى أن يُلاعِنَ أحدٌ عن حَمْل، ولا لأحَدٍ أن يَنْتفيَ من وَلدٍ لم يُولَد بَعدُ، ولأنَّهُ رُبَّما حسِبَ أنَّ بالمرأةِ حَمْلًا، وليسَ بها حملٌ. قالوا: وكم حَمْلٍ ظاهرٌ (٢) في رأيِ العَيْنِ، ثُمَّ انفشَّ واضْمَحلَّ. قالوا: فلا لِعانَ على الحملِ بوَجْهٍ من الوُجُوهِ. قالوا: ولوِ التعَنَ أحدٌ على الحَمْلِ، لم ينتَفِ عنهُ الولدُ، حتّى ينفيهُ بعدَ أن يُولد ويلتعِنُ بعدَ ذلك، ويَنْفيه في اللِّعانِ، فحينئذٍ يَنْتفي عنهُ. هذا قولُ أبي حنيفةَ، وطائفةٍ من فُقهاءِ الكُوفة. وقال آخرُونَ: جائزٌ أن يَنْتفي الرَّجُلُ من الحَمْلِ، إذا كان حملًا ظاهِرًا. هذا قولُ مالكٍ والشّافِعيِّ وجَماعةٍ من فُقهاءِ أهلِ الحِجازِ والعِراقِ. وحُجَّتُهُم: أنَّ المرأةَ التي لاعنَ رسُولُ الله ﷺ بينها وبين زَوْجِها كانت حامِلًا، فانْتَفى المُلاعِنُ من ولَدِها، ففرَّقَ رسُولُ الله ﷺ بينهُما، وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ. والآثارُ الدّالَّةُ على صِحَّةِ هذا القولِ كَثِيرةٌ، وسنَذكُرُ منها في هذا البابِ ما فيه كِفايةٌ، وشِفاءٌ وهِدايةٌ إن شاءَ الله. وجُملةُ قولِ مالكٍ (٣) وأصحابِهِ في هذه المسألةِ: أنَّهُ لا يُنْفَى الحملُ بدعوى رُؤيةِ الزِّنا، ولا يُنْفَى الحملُ إلّا بدعوى الاسْتِبراءِ وأنَّهُ لم يَطَأ بعد الاستِبراءِ، والاسْتِبراءُ عندَهُم حَيْضةٌ كامِلةٌ. هذا قولُ مالكٍ وأصحابِهِ، إلّا عبد الملِك، فإنَّهُ قال: ثلاثُ حِيَضٍ. ورواهُ أيضًا عن مالكٍ. وقال ابنُ القاسم: لا يلزمُهُ ما وَلَدت بعدَ لِعانِهِ، إلّا أن يكونَ حَمْلًا ظاهِرًا حينَ لاعنَ بإقرارٍ أو بيِّنةٍ فيُلحَقُ به.

стр. 5035

وقال المُغيرةُ (١) المخزُوميُّ (٢): إن أقرَّ بالحَمْل وادَّعى رُؤيةً: لاعنَ، فإن وَضَعتهُ لأقلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من يوم الرُّؤيةِ، فهُو لهُ، وإن كانَ لسِتَّةِ أشهُرٍ فأكثرَ، فهُو للِّعانُ، فإن ادَّعاهُ لحِقَ به وحُدَّ (٣). قال المُغيرةُ: ويُلاعِنُ في الرُّؤيةِ من يدَّعي الاسْتِبراءَ (٤). وأمّا الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ وأصحابُهُم، فإنَّهُم يقولُونَ: كلُّ من قذَفَ امرأتهُ، وطلَبتِ الحدَّ، ولم يأتِ زَوْجُها بأربعةِ شُهداءَ: لاعَنَ، وسواءٌ قال لها: يا زانيةُ، أو: زَنَيتِ، أو: رأيتُها تزني: يُلاعِنُ أبدًا. وكلُّ من نَفَى الحملَ عندَهُم، وقال: ليسَ مِنِّي، ولم يَكُن علِمَ به: لاعَنَ. ولا معنى عندَهُم للاسْتِبراءِ؛ لأنَّ الاستِبراءَ قد تلِدُ مَعهُ، فلا معنى لهُ، ما كان الفِراشُ قائمًا، إلّا أبا حنيفةَ، فإنَّهُ على أصْلِهِ، في أنْ لا لِعانَ على حمل، على ما ذكرتُ لك. ولا خِلافَ عن مالكٍ وأصحابِه: أنَّهُ (٥) إذا ادَّعَى رُؤيةً، وأقرَّ أنَّهُ وَطِئَ بعدَها، حُدَّ، ولحِقَ به الوَلَدُ. قال ابنُ القاسم: فلو أكذَبَ نفسهُ في الاسْتِبراءِ، وادَّعَى الوَلَدَ، لحِقَ به، وحُدَّ (٦) إذ باللِّعانِ نفيناهُ عنهُ، وصار قاذِفًا.

стр. 5036

وقال مالكٌ وابنُ القاسم (١) وغيرُهُما: يُبدَأُ بالزَّوج في اللِّعانِ، فيَشْهدُ أربعَ شهاداتٍ بالله، يقولُ في الرُّؤيةِ: أشْهَدُ بالله إنِّي لمِنَ الصّادِقينَ، لَرَأيتُها تَزْني. ويقولُ في نَفْيِ (٢) الحمل: أشهدُ بالله لَزَنَتْ (٣). وذكرَ ابنُ الموّازِ، عن ابن القاسم، قال: يقولُ (٤) في نفيِ الحَمْل: أشهدُ بالله إنِّي لمِنَ الصّادِقينَ، ما هذا الحملُ مِنِّي. قال أصبغُ: وأحَبُّ إليَّ أن يزيدَ: لَزَنَتْ (٥). قال أصبغُ: ويقولُ في الرُّؤية: كالمِرْودِ في المُكْحُلةِ. قال مالكٌ وابنُ القاسم: ويقولُ في الخامسةِ: أنَّ لعنَةَ الله عليه إن كان من الكاذِبينَ. وتقولُ المرأةُ في الرُّؤيةِ: أشْهَدُ بالله ما رآني أزْنِي. وفي الحَمْل: أشهدُ بالله ما زَنَيتُ، وإنَّ هذا الحملَ منهُ. قال أبو عُمر: إن كان ولدًا أو حملًا ونَفاهُ، قال في لِعانِهِ: أشْهَدُ بالله لقد زنَتْ، وما هذا الحملُ مِنِّي، أو: ما هذا الولدُ مِنِّي. وتقولُ هي: أشهدُ بالله ما زَنَيتُ، وأنَّ هذا الحملَ منهُ، أو: هذا الولدَ منهُ. وإن كان غائبًا، أو ميِّتًّا سَمَّتهُ ونَسَبتهُ، وقالت: وإنَّهُ من زَوْجي فُلان ابن فُلانٍ. يقولُ كلُّ واحدٍ منهُما هذا القولَ أربعَ مرّاتٍ، بأربع شهاداتٍ بالله، ثُمَّ يقولُ الزَّوجُ في الخامِسةِ: وعليه لعنَةُ الله إن كان من الكاذِبينَ. وتقولُ هِيَ: وعليها غَضَبُ الله، إن كان من الصّادِقينَ، فيما ذكَرَ من رُؤيةٍ، أو فيما ذكَرَ من زِناها، ومن نَفْي حَمْلِها أو ولدِها، على حسَبِ ما فسَّرتُ لك.

стр. 5037

فإذا تمَّ الْتِعانُ المرأةِ بعدَ الْتِعان الرَّجُلِ، وقَعَتِ الفُرقةُ بينهُما، ثُمَّ لم تحِلَّ لهُ أبدًا، وسَواءٌ فرَّق الحاكِمُ بينهُما، أو لم يُفرِّق، وإن أكذَبَ نفسَهُ بعدَ ذلكَ، حُدَّ ولحِقَ به الولدُ، ولم يتَراجعا أبدًا، وإن بَقِي من لِعانِهِ، أو لِعانِ المرأةِ، ولو مرَّةً واحدةً، شَهادةٌ واحدةٌ، الخامِسةُ أو غيرُها، فأكذَبَ نفسَهُ قبلَ تمَامِها، حُدَّ وبَقِيت مَعهُ زوجَتُه إذا لم يتِمَّ لِعانُها. هذا كلُّهُ قولُ مالكٍ وأصحابِه (١). ولو لاعَنَ عِندهُم من نَفَى حملًا، فانْفَشَّ، لم تُردَّ إليه، ولم تحِلَّ لهُ أبدًا؛ لأنَّهُ قد يجُوزُ أن تكونَ أسْقَطتهُ وكَتَمتهُ. وعندَ الشّافِعيِّ (٢): أنَّ الرَّجُلَ إذا تمَّ الْتِعانُهُ، فقد زالَ فِراشُهُ، ولا تحِلُّ لهُ أبدًا. وعندَ أبي حَنِيفةَ: أنَّ تمامَ اللِّعانِ لا يُوجِبُ فُرْقَةً حتّى يُفرِّقَ الحاكِمُ بينهُما. ولكلِّ واحدٍ منهُم حُجَّةٌ من حديثِ مالكٍ وغيرِهِ هذا محُتمَلةٌ للتَّأويل، وقولُ مالكٍ أولى بالصَّوابِ إن شاءَ الله. وقال الشّافِعيُّ (٣) ﵀: تَفْريقُ النَّبيِّ ﷺ بين المُتلاعِنينٍ، تفريقُ حُكم، ليس لطَلاقِ الزَّوج فيه مدخَلٌ، وإنَّما هُو تفريقٌ أوجَبهُ اللِّعانُ، فأخبَرَ به (٤) النَّبيُّ ﷺ بقولِهِ: "لا سبيلَ لكَ عليها" (٥). قال (٦): وإذا أكملَ الزَّوجُ الشَّهادَةَ والالْتِعانَ، فقد زالَ فِراشُ امرأتِهِ، ولا تحِلُّ لهُ أبدًا وإن أكذَبَ نفسَهُ، الْتَعنت أو لم تَلْتعِن. قال: وإنَّما قلتُ هذا، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا سبيلَ لكَ عليها"، ولم يَقُل: حتّى تُكذبَ نفسَكَ.

стр. 5038

قال (١): وكان معقُولًا في حُكْم رسُولِ الله ﷺ إذ ألحَقَ (٢) الولدَ بأُمِّهِ، أنَّهُ نفاهُ عن أبيهِ، وأنَّ نَفْيَهُ عنهُ إنَّما كان بيَمِينِهِ والْتِعانِهِ، لا بيمينِ المرأةِ على تَكْذيبِهِ. قال (٣): ومعقُولٌ في إجماع المُسلِمينَ: أنَّ الزَّوجَ إذا أكذَبَ نَفْسهُ، لحِقَ به الوَلَدُ، وجُلِدَ الحدَّ. ولا معنَى للمَرْأةِ في نَفْيِهِ، وأنَّ المعنى للزَّوج، فكيف يكونُ لها معنًى في يمينِ الزَّوج، ونفيُ الوَلدِ وإلحاقُهُ، والولَدُ بكلِّ حالٍ ولَدُها لا يَنْتفي عنها أبدًا، إنَّما يَنْتفي عن الرَّجُلِ، وإليه ينتسِبُ؟ قال: والدَّليلُ على ذلك ما لا يختلِفُ فيه أهلُ العِلم، من أنَّ الأُمَّ لو قالت: ليسَ هُو مِنكَ، إنَّما اسْتَعرتُهُ: لم يَكُن قولُها شيئًا، إذا عُرِفَ أنَّها ولدتهُ على فِراشِهِ، ولم يَنْتفِ منه إلّا بلِعانٍ؛ لأنَّ ذلكَ حقٌّ (٤) للولَدِ دُونَ الأُمِّ. وكذلكَ لو قال: هُو ابني، وقالت هِيَ: بل زنيتُ، وهُو من زِنًى. كان ابنَهُ، ولم يُنظَر إلى قولِها. ألا تَرَى أنَّ حُكمَ النَّفيِ والإثباتِ إليه دُونَ أُمِّهِ؟ فكذلكَ نفيُهُ بالْتِعانِهِ إليه دُون أُمِّهِ. قال: والْتِعانُ المرأةِ إنَّما هُو لدَرْءِ الحدِّ عنها لا غيرُ، ليسَ من إثباتِ الولَدِ، ولا نَفْيِهِ في شيءٍ. قال الشّافِعيُّ (٥): وإذا علِمَ الزَّوجُ بالولدِ، فأمكَنهُ الحاكِمُ إمكانًا بيِّنًا، فتركَ اللِّعانَ (٦) لم يكُن لهُ أن يَنْفيَهُ بعدُ. وقال ببغدادَ: إن لم يَشْهد بحَضْرةِ ذلك في يوم أو يومينِ، لم يكُن لهُ نفيُهُ. وقال بمِصرَ أيضًا: ولو قال قائلٌ: لهُ نَفْيُهُ في ثلاثةِ أيام إن كان حاضِرًا، كان مذهبًا.

стр. 5039

قال أبو عُمر: كلُّ من قال: إنَّ الفُرقةَ تَقَعُ باللِّعانِ دُونَ تفريقِ الحاكِم، من فُقهاءِ الأمصارِ خاصَّةً، يقولُونَ: إنَّ الفُرقةَ لا تَقَعُ بينهُما إلّا بتمام الْتِعانِهِما جميعًا، إلّا الشّافِعيَّ وأصحابهُ، فإنَّهُم قالوا: تَقَعُ الفُرقةُ بتمام الْتِعانِ الزَّوج وحدَهُ. وكلُّهُم يقولُونَ: إنَّ المرأةَ إذا أبَتْ أن تَلْتعِنَ بعد الْتِعانِ الزَّوج، وجَبَ عليها الحدُّ، وحدُّها -إن كانت غيرَ مدخُولٍ بها-: الجَلْدُ، وإن كانت مَدْخُولًا بها: الرَّجمُ. إلّا أبا حَنِيفةَ وأصْحابهُ، فإنَّهُم قالوا: إن أبَتْ أن تَلْتعِن حُبِست أبدًا حتّى تَلْتعِنَ (١). والحُجَّةُ عليهم قولُ الله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] والسِّجنُ ليسَ بعذابٍ، والله أعلمُ، بدليل قولِ الله : ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] فجعَلَ السِّجن غيرَ العذابِ، وقد سَمَّى الله الحدَّ عذابًا بقولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وقولِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾. وقد رُوي مِثلُ قولِ أبي حنيفةَ في هذه المسألةِ عن عَطاءٍ، والحارِثِ العُكْليِّ، وابن شُبرُمةَ. وهُو خِلافُ ظاهِرِ القُرآنِ، وخِلافُ ما عليه أكثرُ عُلماءِ المُسلِمينَ. أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدٍ قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ محمد بن بكرٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المروزيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الحُسين (٢) بن واقِدٍ، عن أبيهِ، عن يزيدَ النَّحويِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ،

стр. 5040

قال: وقولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآيةَ [النور: ٦]. قال: فإذا حلَفا فُرِّقَ بينهُما، وإن لم يَحْلِفا أُقيمَ الجَلْدُ أوِ الرَّجمُ (١). وهذا كقولِ مالكٍ (٢) سَواءٌ في الفُرقةِ وإقامةِ الحدِّ، عندَ نُكُولِ المرأةِ. وقال الضَّحّاكُ بن مُزاحِم، في قولِهِ : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ قال: إن هي أبت أن تُلاعِنَ، رُجِمت إن كانت ثيِّبًا، وجُلِدت إن كانت بِكْرًا (٣). وهُو قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلم بتأويلِ القُرآن، وأكثرِ فُقهاءِ الأمْصَارِ. والعَجَبُ من (٤) أبي حَنِيفةَ يقضي بالنكُولِ في الحُقُوقِ بين النّاسِ، ولا يَرَى ردَّ اليَمينِ، ولم يَقُل بالنُّكُولِ ها هُنا، والذي ذهَبَ إليه أبو حنيفةَ، واللهُ أعلمُ، أنَّهُ جَبُن عن (٥) إقامةِ الحدِّ عليها -بدعوَى زَوْجِها ويَمينِهِ، دُون إقرارِها، أو ببيِّنة تقومُ عليها، ولم يَقْضِ بالنُّكُولِ، لأنَّ الحُدُودَ تُدرأُ بالشُّبُهاتِ، ومِثلُ هذا كلِّهِ شُبْهةٌ دَرَأَ بها الحدَّ عنها- وحَبَسها حتّى تلتعِنَ. وهذا قولٌ ضعيفٌ في النَّظرِ، مع مخُالفتِهِ الجُمهُورَ والأُصُولَ، والله المُستعانُ. ومذهبُ مالكٍ والشّافِعيِّ: أنَّ اللِّعانَ فسخٌ بغيرِ طلاقٍ. وقال أبو حنيفةَ: هي طَلْقةٌ بائنةٌ (٦). واتَّفق مالكٌ والشّافِعيُّ على أنَّهُ جائزٌ أن يُلاعِنَ إذا نَفَى الحملَ، وكان الحملُ (٧) ظاهِرًا، على ما تقدَّمَ عن مالكٍ وأصحابِهِ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأصحابِهِ

стр. 5041

أيضًا. والحُجَّةُ لهمُ الآثارُ المُتواتِرةُ بذلكَ، التي لا يُعارِضُها ولا يُخالِفُها مِثلُها، فمِنْ ذلكَ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ الهاشِميُّ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بن سعدٍ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال: جاءَ عُوَيمِرٌ إلى عاصِم بن عَدِيٍّ، فقال: سَلْ لي (١) رسُولَ الله ﷺ (٢): أرأيتَ رجُلًا وجدَ مع امرأتِهِ رجُلًا، أيَقتُلُهُ فيُقتَلَ به، أم كيفَ يَصْنعُ؟ فسألَ عاصِمٌ رسُولَ الله ﷺ عن ذلكَ، فعابَ رسُولُ الله ﷺ عليه المسائلَ. ثُمَّ لَقِيهُ عُوَيمِرٌ فسألهُ: ما صنعتَ؟ فقال: صَنَعتُ، إنَّكَ لم تأتِ بخيرٍ، سألتُ رسُولَ الله ﷺ فعابَ المسائلَ. فقال عُوَيمِرٌ: والله لآتينَّ رسُولَ الله ﷺ ، قال: فأتَى رَسُولَ الله ﷺ (٣)، فسألَهُ، فوجَدَهُ قد أُنزِلَ عليه فيها، فدَعا بهما فتَلاعنا، فقال عُوَيمِرٌ: لئن انْطَلقتُ بها يا رسُولَ الله، لقد كَذَبتُ عليها. قال: ففارَقَها قبلَ أن يأمُرَهُ بذلكَ رسُولُ الله ﷺ ، فصارت سُنَّةً في المُتلاعِنَيْنِ، ثُمَّ قال: "انظُرُوها، فإن جاءَت به أسْحَمَ أدعَجَ العَيْنَينِ، عظيمَ الألْيَتينِ، فلا أُراهُ إلّا قد صدَقَ، وإن جاءَت به أحمرَ كأنَّهُ وَحْرةٌ، فلا أُراهُ إلّا كاذِبًا". قال: فجاءَت به على النَّعتِ المكرُوه (٤). فهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّها كانت حامِلًا، وإذا كانت حامِلًا، فقد وقَعَ التَّلاعُنُ على الحَمْلِ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ نَفاهُ عن الرَّجُلِ وألحقهُ بأُمِّهِ، وليس

стр. 5042

في شيءٍ من الآثارِ أنَّ اللِّعانَ أُعيدَ في ذلك مرَّةً ثانيةً بعدَ أن ولدتهُ، وفي (١) ذلكَ ما يدُلُّ على أنَّهُ نَفاهُ حملًا، فنفاهُ عنهُ رسُولُ الله ﷺ وألحقهُ بأُمِّهِ. ومِمّا يُصحِّحُ أيضًا ما قُلناهُ: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله، قال: إنّا ليلةَ جُمُعةٍ في المَسْجِدِ، إذ دخلَ رجُلٌ من الأنصارِ، فقال: لو أنَّ رَجُلًا وَجَدَ مع امرأتِهِ رجُلًا فتَكلَّمَ جَلَدتُمُوهُ، وإن قتَلَ قَتلتُمُوهُ، أو سكَتَ، سكَتَ على غَيْظٍ، والله لأسألنَّ عنهُ رسُولَ الله ﷺ ، فلمّا كان من الغَدِ أتَى رسُولَ الله فسألهُ، فقال: لو أنَّ رجُلًا وجَدَ مع امرأتِهِ رجُلًا، فتكلَّمَ جَلَدتُمُوهُ، أو قتَلَ قَتَلتُمُوهُ، أو سكَتَ سكَتَ على غَيْظٍ، فقال: "اللَّهُمَّ افتَحْ". وجعَلَ يدعُو، فنزَلَتْ آيةُ اللِّعانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] فابتُلي به ذلكَ الرَّجُلُ من بينِ النّاسِ، فجاءَ هُو وامرأتُهُ إلى رسُولِ الله ﷺ ، فتَلاعَنا، فشهِدَ الرَّجُلُ أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّهُ لمِنَ الصّادِقينَ، ثُمَّ الخامِسةَ: لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذِبينَ. قال: فذهَبَت لتَلْتعِنَ، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : "مَهْ" فأبَتْ وفعلَتْ، فلمّا أدْبَرَ (٣)، قال: "لعلَّها أن تجيء به أسودَ أجْعَدَ". فجاءَت به أسوَدَ أجْعَدَ.

стр. 5043

قال أبو عُمر: هكذا في الحديثِ: "أجعَدَ"، والصَّوابُ عندَ أهلِ العربيَّةِ: جَعْدٌ، يُقالُ: رجُلٌ جَعْدٌ، وامرأةٌ جَعْدةٌ، ولا يُقالُ: أجعَدُ. قال الأوزاعيُّ ﵀: أعْرِبُوا الحديثَ، فإنَّ القومَ كانوا عَرَبًا. وأمّا الحديثُ الذي قيلَ هذا فيه (١): "إن جاءَت به أسْحَمَ، أدْعَجَ العَيْنينِ، عظيمَ الألْيَتينِ، فلا أُراهُ إلّا قد صدَقَ، وإن جاءَت به أحمرَ، كأنَّهُ وَحْرةٌ، فلا أُراهُ إلّا كاذِبًا". قال: فجاءَت به على النَّعتِ المكرُوهِ. فالأسْحَمُ: الأسودُ من كلِّ شيءٍ، والسُّحمةُ: السَّوادُ. والدَّعَجُ: شِدَّةُ سَوادِ العَيْنِ، يُقالُ: رجُلٌ أدعجُ، وامرأةٌ دعجاءُ وعَيْنٌ دَعْجاءُ، وليلٌ أدعجُ، أي: أسودُ. وأمّا قولُهُ: "كأنَّهُ وَحْرةٌ" فأرادَ، واللهُ أعلمُ، كأنَّهُ وَزَغةٌ؛ قال الخليلُ (٢): والوَحَرَةُ: وَزَغَةٌ تكونُ في الصَّحاري. قال: وامرأةٌ (٣) وَحَرةٌ: سوداءُ دَمِيمةٌ. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ واضحٌ (٤) على أنَّ المرأةَ كانت حُبلَى. وفيه ضُرُوبٌ من الفِقهِ ظاهِرةٌ, أبْيَنُها: أنَّ القاذِفَ لزَوْجتِهِ يُجلَدُ إن لم يُلاعِنْ. وعلى هذا جَماعةُ أهلِ العِلم، إلّا ما قدَّمنا ذِكْرهُ عن أبي حَنِيفةَ في هذا البابِ، وشيءٌ رُوِيَ عن الشَّعبيِّ والحارِثِ العُكليِّ، قالوا: المُلاعِنُ إذا أكْذَبَ نفسَهُ لم يُضْرَب. وهذا قولٌ لا وجهَ لهُ، والقُرآنُ والسُّنَّةُ يرُدّانِهِ، وَيقْضيانِ: أنَّ كلَّ من قذفَ امرأةً (٥) , ولم يخرُج بما قالهُ بشُهُودٍ أربعةٍ، إن كان أجنبيًّا، أو بلِعانٍ، إن كان زوجًا، جُلِدَ الحدَّ. ولا يصِحُّ عِندي عن الشَّعبيِّ، وكذلكَ لا يصِحُّ إن شاءَ اللهُ عن غيرِهِ.

стр. 5044

وقد ذكَرَ أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، عن عامرٍ، يعني: الشَّعبيَّ، قال: إذا أكذَبَ نفسَهُ جُلِد الحدَّ، ورُدَّت إليه امرأتُهُ. وحجّاجٌ، عن ابن جُريج، عن ابن شِهابٍ مِثلهُ. وهُشيمٌ، عن جُوَيبر (٢)، عن الضَّحّاكِ مِثلهُ. قال حمّادُ بن أبي (٣) سُليمان: يكونُ خاطِبًا من الخُطّابِ إذا جُلِدَ. وهُو قولُ أبي حنيفةَ، وأصحابِهِ. وقد ذكَرْنا اختِلافَ الفُقهاءِ في هذه المسألةِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سَعْدٍ من هذا الكِتابِ. والنّاسُ فيها على (٤) ثلاثةِ أقاويلَ: أحدُها: أنَّهُ إذا أكذَبَ نفسهُ، جُلِدَ، ورُدَّتْ إليه امرأتُهُ دُونَ نِكاح على عِصْمتِهِ. والثّاني: أن يكونَ بعد الجلدِ خاطِبًا، كما ذكَرْنا. والثّالثُ: أنَّهُما لا يَجْتمِعانِ أبدًا وإنْ جُلِد (٥). وأمّا قولُ من قال: إنَّهُ لا يُجلَدُ فلا يُعرَّجُ عليه، ولا يُشتغلُ به، وهُو وَهمٌ وخطأٌ، وقد مَضَى القولُ في هذا والحُجَّةُ، في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، من هذا الكِتابِ، فلا وجهَ لإعادتِهِ ها هُنا.

стр. 5045

ومِمّا يُوضِّحُ أيضًا أنّ (١) التَّلاعُنَ على الحَمْلِ البيِّنِ: ما أخبرناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن يحيى أبو الأصْبَغ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثني عبّاسُ بنُ سهلٍ، عن أبيهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعاصِم بن عديٍّ: "أمْسِكِ المرأةَ عِندكَ حتّى تَلِدَ". ومِثلُهُ أيضًا حديثُ ابن وَهْب، عن يونُس بن يزيدَ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال فيه: ثُمَّ خرَجَتْ حامِلًا، فكان الولَدُ إلى أُمِّه (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهيثم أبو الأحْوَصِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عائذٍ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا الهَيْثمُ بن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا ثَوْرُ بن يزيد، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، عن رسُولِ الله ﷺ : أنَّ رجُلًا من بَني زُرَيقٍ قذَفَ امرأتهُ، فأتَى النَّبيَّ ﷺ , فردَّد ذلكَ أربعَ مرّاتٍ على النَّبيِّ ﷺ ، فنزلت آيةُ المُلاعَنةِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "قد نزَلَ من الله أمرٌ عظيمٌ". فأبَى الرَّجُلُ إلّا أن يُلاعِنَها، فرَأيتُ المرأةَ تَدْرأُ عن نَفْسِها العذابَ، فتَلاعَنا، فقال النَّبيُّ ﷺ : "إمّا أن تَجِيءَ به أُصَيفِرَ (٤)، أُحَيْمِشَ (٥) مَسْلُولَ (٦) العِظام، فهُو للمُتلاعِنِ، وإمّا أن تجيءَ به أسودَ كالجَملِ الأوْرَقِ، فهُو لغيرِهِ". فجاءَت به أسودَ

стр. 5046

كالجَملِ الأورقِ، فدَعا به رسُولُ الله ﷺ فجَعَلهُ لعَصَبةِ أُمِّهُ، وقال: "لولا الأَيْمانُ التي مَضَتْ"، يعني: اللِّعانَ، "لكان فيه كذا وكذا" (١). قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ: رأيتُ (٢) المرأةَ تَدْرأُ عن نَفْسِها العَذابَ. وهُو حُجَّةٌ على أبي حَنِيفةَ في قولِهِ: إنَّها تُسجَنُ، وقد مَضَى القولُ في ذلك. وأمّا قولُهُ فيه: "أُصَيفِرَ، أُحَيمِشَ" فالأُصيفِرُ: تصغيرُ أصفرَ، والأُحَيمِشُ: تصغيرُ أحمشَ، والأحمشُ: الدَّقيقُ القَوائم. وفي حديثِ ابن عبّاسٍ، من رِوايةِ عبّادِ بن مَنصُورٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاس (٣) (٤). ومن رِوايةِ جَريرِ بن حازِم، عن، أيُّوبَ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس (٥). ومن رِوايةِ ابن أبي الزِّنادِ، عن أبيهِ، عن القاسم بن محمدٍ، عن ابن عبّاس (٦).

стр. 5047

وسُليمانَ بن بلال، عن يحيى بن سعيدٍ، ومَخْرمةَ بن بُكيرٍ، عن أبيهِ، جميعًا عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن ابن عبّاس (١) ما يدُلُّ على أنَّ المُلاعَنةَ كانت على الحَمْل. وحديثُ عبّادِ بن منصُورٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ حديثٌ طويلٌ في اللِّعانِ، ذكَرَ فيه كلامَ سَعْدِ بن عُبادةَ، وقصَّةَ تلاعُنِ هِلالِ بن أُميَّةَ وزَوْجتِهِ، إذ رَماها بشَريكِ بن سَحْماءَ، حديثًا طويلًا؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا عبّادُ بن منصُورٍ. وذكَرهُ أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: أخبرنا عبّادُ بن منصُورٍ. ولم يسُقهُ بتمامِهِ. وفيه عندَ جميعِهِم: ففرَّقَ رسُولُ الله ﷺ بينهُما. يعني: بعدَ تمام الْتِعانِهِما،

стр. 5048

وقَضَى ألّا يُدعَى ولَدُها لأبٍ، ولا تُرمَى (١)، ولا يُرمَى ولَدُها، ومن رَماها، أو رَمَى ولدَها، فعليه الحدُّ. وقَضَى أنْ لا بَيْتَ عليها، ولا قُوتَ، من أجْلِ أنَّهُما يتَفَرَّقانِ (٢) من غيرِ طَلاقٍ، ولا هي مُتوفّى عنها. وقال: "إن جاءَت به أُصَيْهِبَ، أُثَيْبِجَ، حَمْشَ (٣) السّاقيْنِ، فهُو لهِلال، وإن جاءَت به أورَقَ، جَعْدًا جُماليًّا، خَدَلَّجَ السّاقينِ (٤) سابِغَ الألْيتينِ، فهُو للذي رُمِيَتْ به". فجاءَت به أورَقَ، جعدًا جُماليًّا، خَدَلَّج السّاقينِ، سابِغَ الألْيَتينِ، فقال رسُولُ الله- ﷺ : "لولا الأَيْمانُ، لكان لي ولها شأنٌ". قال عِكْرِمةُ: فكان بعد ذلكَ أميرًا على مِصْرٍ، وما (٥) يُدعَى لأب. قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ: وقَضَى أنَّ من رَماها، أو رَمَى ولَدَها، فعليه الحدُّ. وهُو حُجَّةٌ لمالكٍ، ومن قال بقولِه: أنَّ من قذَفَ المُلاعنةَ، أو ولَدَها حُدَّ، إن لم يأتِ بأربعةِ شُهداءَ. وعليه أكثرُ النّاسِ، وهذا الحديثُ حُجَّةٌ في ذلك. وفيه أيضًا: أنْ (٦) لا بيتَ عليها، ولا قُوتَ، يعني: لا سُكنَى لها، ولا نَفَقةَ. وهذا مَوْضِعٌ اختَلَفَ فيه العُلَماءُ: فأمّا مالكٌ، فإنَّهُ لم يذهَبْ إلى هذا، ورأى أنَّ السُّكنَى لكلِّ مُطلَّقةٍ وجَبَت لها

стр. 5049

النَّفقةُ، أو (١) لم تَجِبْ، مُختلِعةً كانت، أو مُلاعِنةً، أو مَبْتُوتةً. ولا نَفَقةَ عندَهُ إلّا لمن يَمْلِكُ رجعَتَها خاصَّةً، أو حامِلٍ يُقِرُّ بحَمْلِها، فيُنفِقُ عليها (٢) من أجلِ الحَمْل (٣). وللمَبْتُوتاتُ والمُختلِعاتُ كلُّهِنَّ لهنَّ (٤) عندَهُ السُّكنى دُونَ النَّفَقةِ. وهذا كلُّهُ أيضًا قولُ الشّافِعيِّ (٥)، ولا خِلافَ بينهُما في شيءٍ من ذلكَ كلِّهِ. وذهَبَ أبو حنيفةَ، وجَماعةٌ من السَّلفِ إلى إيجابِ النَّفقةِ لكلِّ مُعتَدَّةٍ، مَبْتُوتةٍ وغيرِ مبتُوتةٍ، مع السُّكنى (٦). وذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، وجماعةٌ من أهلِ الحديثِ، وهُو قولُ داود أيضًا: إلى أنْ لا سُكنَى ولا نَفَقةَ لمن لا رَجْعةَ عليها (٧). فلا سُكنَى عندَهُم للمُلاعنةِ والمُختلِعةِ، ولا لغيرِهما، ولا نَفَقةَ. وهذا الحديثُ حُجَّةٌ لمن ذهَبَ إلى هذا، ورُوي عن جَماعةٍ من السَّلفِ أيضًا. وسنذكُرُ اختِلافَ العُلماءِ في إيجابِ السُّكنى والنَّفقةِ للمَبتُوتةِ، ومن جَرَى مجْراها، في بابِ عبدِ الله بن يَزيدَ مولى الأسودِ بن سُفيانَ من كِتابِنا هذا، ونذكُرُ وُجُوهَ أقاويلِهِم ومَعانيها هُناك إن شاءَ الله. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "أُصَيْهِبَ"، فهُو تصغيرُ أصْهَب، والصُّهبَةُ: حُمْرةٌ في الشَّعرِ.

стр. 5050

والأُثَيْبِجُ: تصغيرُ أثبج، والأثْبَجُ: العالي الظَّهرِ، يُقالُ: رجُلٌ أثْبَجُ، ناتِئُ الثَّبج. وثبجُ كلِّ شيءٍ: وسَطُهُ وأعلاهُ، ورجُلٌ مُثبَّجٌ، مُضْطرِبُ الخَلْقِ، في طُولٍ. والأحْمَشُ السّاقين: دقيقُهُما. والأوْرَقُ: الرَّماديُّ اللَّونِ. ويُقالُ: الأورقُ: الرَّمادُ أيضًا، ومنهُ قيل: حمامةٌ وَرْقاءُ. وأصلُ الوُرْقة (١): سَوادٌ في غُبْرة (٢). والجُماليُّ: العظيمُ الخَلْقِ، يُقالُ: ناقةٌ جُماليَّةٌ. إذا كانت في خَلْقِ الجَمَلِ. والخَدَلَّجُ: الضَّخمُ السّاقينِ، يُقالُ: امرأةٌ خَدَلَّجةٌ، إذا كانت ضَخْمةَ السّاقِ. وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ المرأةَ المُلاعنةَ، كانت في حينِ التَّلاعُن حُبْلَى، فلمّا نَفاهُ في لِعانِهِ، نفاهُ عنهُ رسُولُ الله ﷺ ، وألْحَقهُ بأُمِّهِ. وفي حديثِ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ ألْحَقَ الولَدَ بأُمِّهِ. وهُو أولى، وأصحُّ من حديثِ عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ جَعَلهُ لعصَبةِ أُمِّه (٣). واختَلَف العُلماءُ في ميراثِ ولَدِ المُلاعِنةِ (٤)، فقال قائلُونَ: أُمُّهُ عَصَبتُهُ. ومِمَّن قال ذلك: عبدُ الله بن مَسْعُودٍ وجَماعةٌ، قال ابنُ مسعُودٍ: أُمُّهُ عصَبتُهُ، فإن لم تكُن، فعصَبتُها (٥).

стр. 5051

وقال آخرُونَ: عصَبتُهُ عصَبةُ أُمِّهِ. قال ذلك جماعَةٌ، وإليه ذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل، قال: ابنُ المُلاعِنةِ ترِثُهُ أُمُّهُ وعصَبتُها. والقائلُونَ بهذين القولينِ، يقولُونَ بتوريثِ ذوي الأرْحام. وقال عليُّ بن أبي طالب، وزيدُ بن ثابتٍ: لا عَصبةَ لابن المُلاعنةِ، وهُو عندَهُما كموروثٍ لم يُخلِفْ أبًا ولا عَصَبةً، فإن كان لهُ إخوةٌ لأُمٍّ، ورِثُوا فَرْضَهُم، ووَرِثت أُمُّهُ سهمَها، وما بَقِي فلِبَيْتِ المالِ. هذه رِوايةُ قتادةَ، عن خِلاس (١)، عن عليٍّ، وزيد (٢). والمشهُورُ عن عليٍّ: أنَّ عصَبَتهُ: عصَبةُ أُمِّهِ، إلّا أنَّ مذهَبَهُ: أنَّ ذا السَّهم، أحقُّ مِمَّن لا سهمَ لهُ. وبه قال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ. وقال ابنُ مسعُودٍ: عصَبتُهُ عصَبةُ أُمِّه (٣). وهُو قولُ الحسنِ، وابن سيرينَ، وجابرِ بن زيدٍ، وعطاءٍ، والشَّعبيِّ، والنَّخَعيِّ، وحمّادٍ، والحكم (٤)، وسُفيانَ، والحسن بن صالح، وشَرِيكٍ، ويحيى بن آدمَ، وأحمد بن حَنْبل، وأبي عُبَيدٍ، إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا، فمِنهُم من لم يجعَلْ عَصَبةَ أُمِّهِ عصَبتَهُ إلّا عندَ عَدم أُمِّهِ، ومنهُم من أعَطاها فَرْضَها، وجعلَ الباقيَ لعصَبتِها، ابنًا كان لها، أو أخًا لابْنِها (٥)، أو غيرَهُ من عصَبَتِها. والذين جعلُوا أُمَّهُ عصَبَتهُ، فإذا لم تكُن فعصَبَتُها، احتجُّوا بحديثِ واثِلةَ بن الأسْقَع، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "المرأةُ تُحرِزُ ثلاثةَ مواريثَ: عَتِيقَها، ولَقِيطَها،

стр. 5052

وابنَها الذي لاعَنَتْ عليه" (١). وبحديثِ عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ميراثُ ابن المُلاعِنَةِ لأُمِّهِ، ولوَرَثتِها من بَعدِها" (٢). وقد أوضحنا ذلك في غيرِ هذا الموضِع. وذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُما إلى قولِ زَيْدِ بن ثابتٍ في ذلكَ. وقال مالكٌ (٣): إنَّهُ بَلَغهُ عن عُروةَ بن الزُّبيرِ وسُليمانَ بن يسارٍ: أنَّهُما سُئلا عن ولَدِ المُلاعنةِ ووَلَدِ الزِّنا: من يرِثُهُما؟ فقالا: ترِثُ أُمُّهُ حقَّها، وإخوتُهُ لأُمِّهِ حُقُوقهُم، ويرِثُ ما بَقِي من مالِهِ موالي أُمِّهِ، إن كانت مَوْلاةً، وإن كانت عَربيَّةً ورِثَتْ حقَّها، وورِثَ إخوتُهُ لأُمِّهِ حُقُوقَهُم، وورِثَ ما بَقِيَ من مالِهِ المُسلِمُونَ. قال مالكٌ: وذلكَ الأمرُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَنا، والذي أدركتُ عليه أهلَ العِلم ببلَدِنا (٤). قال أبو عُمر: وهُو قولُ الشّافِعيِّ سَواءً. ولأهل العِراقِ القائلينَ بالرَّدِّ وتَورِيثِ ذَوِي الأرحام ضُرُوبٌ من التَّنازُع في تَوْريثِ عصَبَةِ أُمِّ ولَدِ المُلاعِنةِ منهُ مع الأُمِّ ودُونها، ليسَ هذا موضِعَ ذِكرِ ذلك. ولا خِلافَ بين العُلماءِ: أنَّ المُلاعِنَ إذا أقرَّ بالولَدِ، جُلِدَ الحدَّ، ولَحِقَ به،

стр. 5053

وورِثهُ، وابنُ الزّانيةِ عندَ جماعةِ العُلماءِ، كابن المُلاعِنةِ سواءً، وكلٌّ فيه على أصْلِهِ الذي ذكَرْناهُ عنهُم. وأجمعُوا في تَوْأمي الزّانيةِ: أنَّهُما يَتَوارثانِ على أنَّهُما لأُمٍّ. واختَلَفُوا في تَوْأمي المُلاعِنةِ؟ فذهب مالكٌ، والشّافِعيُّ، وهُو قولُ أهلِ المدينةِ: إلى أنَّ تَوارُثَهُما كتَوارُثِ الإخْوةِ للأبِ والأُمِّ (١). ويحتجُّون بأنَّ المُلاعِنَ إذا اسْتَلحقهُما، جُلِدَ الحدَّ، ولحِق به النَّسبُ. وذهَبَ الكُوفيُّون إلى أنَّ تَوْأمي المُلاعنةِ كتَوْأمي الزّانيةِ، لا يتوارثانِ إلّا على أنَّهُما لأُمٍّ. وإن ماتَ ابنُ المُلاعنةِ فاسْتَلحقهُ المُلاعِنُ بعد مَوْتِهِ، فإنَّ مالكًا وأبا حنيفةَ وأصحابَهُما يقولُونَ: إن خلَّفَ ولدًا، لحِق به نَسبُهُ وورِثَ، وإن لم يُخلِّف ولدًا، لم يرِثْهُ، ويُجلدُ الحدَّ على كلِّ حالٍ. وقال الشّافِعيُّ يُجلَدُ الحدَّ، ويَلْحقُ به الولدُ ونَسبُهُ، ويرِثُ، خلَّف ولدًا أو لم يُخلِّف، وإن ماتَ المُلاعِنُ بعدَ أن التعَنَ، وقبلَ أن تَلْتعِنَ المرأةُ، فإن الْتَعنَتْ بعدَهُ لم تَرِثْه، وإن نَكَلَتْ عن الالْتِعانِ، حُدَّت وورِثَتْ في قولِ مالكٍ. وقال الشّافِعيُّ: لا يَتَوارثانِ أبدًا إذا الْتَعنَ الرَّجُلُ وتمَّ التِعانُهُ؛ لأنَّ الفِراشَ قد زالَ بالْتِعانِهِ، وإنَّما الْتِعانُ المرأةِ لدَفْع الحدِّ عنها. وقال أبو حنيفةَ: لا ينقطِعُ التَّوارُثُ بينهُما أبدًا حتّى يُفرِّق الحاكِمُ بينَهُما، فأيُّهُما ماتَ قبل ذلكَ، وِرِثَهُ الآخَرُ. وإليه ذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل. ولكلِّ واحدٍ منهُم في هذه المسائلِ اعْتِلالاتٌ يَطُولُ ذِكرُها، ولو تعرَّضنا لها، خرَجْنا عن شَرْطِنا في كِتابِنا، وبالله توفيقُنا (٢).

стр. 5054

حديثٌ سابعُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ ، فسألَ عُمرُ رسُولَ الله ﷺ عن ذلكَ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "مُرْهُ فلْيُراجِعها، ثُمَّ يُمْسِكْها حتّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إن شاءَ أمسكَ، وإن شاءَ طلَّقَ قبل أن يَمَسَّ، فتلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ". هذا حديثٌ مُجتَمعٌ على صِحَّتِهِ من جِهَةِ النَّقلِ، ولم يُختَلَفْ أيضًا في ألْفاظِهِ عن نافع. وقد رواهُ عنهُ جَماعةُ أصْحابِهِ، كما رواهُ مالكٌ سَواءً، قالوا فيه: "حتّى تطهُرَ، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ، ثُمَّ إن شاءَ طلَّقَ قبلَ أن يُجامِع، وإن شاءَ أمسكَ، فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ اللهُ بها (٢) أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ". ومِمَّن قال ذلك: أيُّوبُ (٣)، وعُبيدُ الله بن عُمرَ (٤)، وابنُ جُرَيج (٥)، واللَّيثُ بن سَعْد (٦)، ومحمدُ بن إسحاقَ (٧)، ويحيى بن سَعيد (٨)؛ كلُّهُم: عن نافع، عن ابن عُمر.

стр. 5055

وكذلك رواهُ الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ (١). لم يختلِفُوا أيضًا عليه فيه، مِثلَ رِوايةِ نافع سواءً: "حتّى تطهُر، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ ... "، الحديثَ. وكذلك رواهُ عطاءٌ الخُراسانيُّ، عن الحسنِ، عن ابن عُمرَ. سَواءً مِثلَ رِوايةِ نافع والزُّهريِّ؛ قالهُ أبو داودَ (٢) (٣). ورواهُ يونُسُ بن جُبير (٤)، وعبدُ الرَّحمن بن أيمنَ، وأنسُ بنُ سيرينَ، وسعيدُ بن جُبَير (٥)، وزيدُ بن أسلمَ (٦)، وأبو الزُّبيرِ، كلُّهُم عن ابن عُمرَ بمعنًى واحدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَهُ أن يُراجِعَها حتّى تطهُر، ثُمَّ إن شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ. لم يذكُرُوا: "ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُر". قال أبو داودَ (٧): وكذلكَ رواهُ منصُورٌ (٨)، عن أبي وائل، عن ابن عُمرَ. وكذلكَ أيضًا رواهُ محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن سالم، عن ابن عُمرَ. إلّا (٩) أنَّهُ زادَ ذِكرَ الحامِل. وَذهَبَ إلى هذا طائفةٌ من أهلِ العِلم، منهُم: أبو حنيفةَ، وبه قال المُزَنيُّ، قالوا: إنَّما أُمِرَ المُطلِّقُ في الحَيْضِ بالمُراجعةِ، لأنَّهُ كان طلاقًا خَطأً، فأُمِرَ أن

стр. 5056

يُراجِعَها ليُخرِجها من أسبابِ الطَّلاقِ الخطأ، ثُمَّ يترُكَها حتّى تَطْهُرَ من تلكَ الحَيْضةِ، ثُمَّ يُطلِّقَها طلاقًا صَوابًا، إن شاءَ طلاقَها. ولم يرَوْا للحَيْضةِ الأُخرى بعدَ ذلك معنًى، على ظاهِرِ ما رَوَى هؤُلاءِ. قال أبو عُمر: للحَيْضةِ الثّانيةِ، والطُّهرِ الثّاني وُجُوهٌ عندَ أهلِ العِلم. مِنْها: أنَّ المُراجَعةَ لا تكادُ تُعلَمُ صِحَّتُها إلّا بالوَطْءِ؛ لأنَّهُ المُبتَغَى من النِّكاح في الأغْلَبِ، فكان ذلكَ الطُّهرُ موضِعًا للوَطْءِ تُستَيقنُ به المُراجعةُ، فإذا مَسَّها، لم يَكُن (١) سبيلٌ إلى طَلاقِها في طُهْرٍ قد مَسَّها فيه، لقولِ رَسُولِ الله ﷺ : "وإن شاءَ طلَّقَ قبلَ أن يَمسَّ"، ولإجماعِهِم على أنَّ المُطلِّقَ في طُهر قد مَسَّ فيه، ليسَ بمُطلِّقٍ للعِدَّةِ، كما أمرَ اللهُ سُبحانهُ، فقيل لهُ: دعها حتّى تحيضَ أُخْرَى، ثُمَّ تطهُرَ، ثُمَّ طلِّق إن شِئتَ قبلَ أن تَمسَّ. وقد جاءَ هذا المعنى منصُوصًا في هذا الحديثِ؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحيم، قال: حدَّثنا مُعلَّى بن عبدِ الرَّحمن الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحَميدِ بن جَعْفرٍ، قال: حدَّثني نافعٌ ومحمدُ بن قَيْسٍ، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهي في دَمِها حائضٌ، فأمَرهُ رسُولُ الله ﷺ أن يُراجِعَها، فإذا طَهُرت مسَّها، حتّى إذا طَهُرت أُخرَى، فإن شاءَ طلَّقها، وإن شاءَ أمْسَكَها (٢). وقد قال بعضُ أصحابِنا: إنَّ الذي يَمسُّ في الطُّهرِ، إنَّما نُهي عن الطَّلاقِ فيه؛ لأنَّها لا تَدْري أعِدَّةَ حامِلٍ تَعْتدُّ، أم عِدَّةَ حائلٍ؟

стр. 5057

قال أبو عُمر: قد جاءَ في هذا خبرٌ كفانا انتِحالَ التَّعليلِ والنَّظرِ، ذكَرَهُ عبدُ الرَّزّاق (١)، عن عمِّهِ وَهْبِ بن نافع، قال: حدَّثني عِكْرِمةُ، عن ابن عبّاس، أنَّهُ سَمِعهُ يقولُ: الطَّلاقُ الحَلالُ، أن يُطلِّقها طاهِرًا من غيرِ جِماع، أو يُطلِّقها حامِلًا مُسْتبينًا حملُها، وأمّا الطَّلاقُ الحرامُ، فأنْ يُطلِّقَها حائضًا، أو يُطلِّقها حينَ يُجامِعُها، فلا يَدْري أيشتمِلُ الرَّحِمُ على وَلَدٍ أم لا؟ وأمّا الطَّلاقُ فقد قيلَ فيه ما ذكَرْنا، وقيلَ: إنَّ المُطلِّقَ في الحَيْضِ إنَّما أُمِرَ بالمُراجَعةِ ليَسْتفتحَ (٢) بالرَّجْعَةِ طلاقَ السُّنَّةِ، فإذا لم يُحقِّقِ الرَّجْعَةَ بالوطءِ، لم يَكُن لها معنًى. وقيلَ: إنَّما نُهي عن الطَّلاقِ في الحَيْضِ، لئلّا تطُولَ عِدَّةُ المرأةِ، وأُمِرَ بمُراجعتِها لوُقُوع طَلاقِهِ فاسِدًا، ثُمَّ لم يَجُز أن يُباحَ لهُ طلاقُها في الطُّهرِ الذي يَلي تلكَ الحَيْضةَ؛ لأنَّهُ لو أُبيحَ لهُ أن يُطلِّقها إذا طَهُرت من تلكَ الحَيْضةِ، كانت في معنى المُطلَّقةِ قبلَ الدُّخُولِ، وكانت تَبْني على عِدَّتِها الأُولى، فأرادَ اللهُ تعالى أن ينقطِعَ حُكمُ الطَّلاقِ الأوَّلِ بالوَطْءِ، فإذا وطِئَها في الطُّهرِ، لم يَتَهيَّأ لهُ أن يُطلِّقها فيه حتّى تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ، فإذا طلَّقها بعدَ ذلك، استأنفَتْ عِدَّتُها من ذلك الوَقْتِ، ولم تبِن. وقيل: إنَّهُ لمّا طلَّقَ في وقتٍ، لم يَكُن لهُ أن يُطلِّقَ فيه، أُدِّبَ بأنْ مُنِعَ الطَّلاقَ في وَقْتٍ كان لهُ أن يُوقِعَهُ فيه. وقد قيلَ: إنَّ الطُّهرَ الثّانيَ جُعِلَ للإصْلاح، الذي قال اللهُ : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ لأنَّ حقَّ المُرتجِع أن لا يَرْتجِعَ رَجْعةَ ضِرارٍ، لقولِهِ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة: ٢٣١].
следующие страницы →